← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17405

إثبات علو الله ومباينته لخلقه والرد على من زعم أن معية الله للخلق ذاتية

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (158 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مكان، وإنَّما قدمت كلامه في أول الفصل من أجل ما نقله عن هؤلاء الأئمة من الاتِّفاق على أنَّ الله - سبحانه - بذاته فوق العرش، وعلمُه بكل مكان، وفي هذا الاتِّفاق رد على من زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية. قول إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي ذكر ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنَّه قال في كتاب "الحجة" "باب في بيان استواء الله على عرشه"، قال الله - تعالى -: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وذكر آيات، ثم قال: قال أهلُ السنة: الله فوق السموات لا يعلوه خلق من خلقه، ومن الدليل على ذلك أنَّ الخلق يشيرون إلى السماء بأصابعهم، ويدعونه ويرفعون إليه رؤوسهم وأبصارهم - ثم قال: "فصل في بيان أنَّ العرش فوق السموات، وأنَّ الله فوق العرش" إلى أنْ قال: قال علماءُ السنة: إنَّ الله على عرشه بائن من خلقه، وقالت المعتزلة: هو بذاته في كل مكان - إلى أن قال: وروي عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله - تعالى -: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، قال: هو على عرشه، وعلمه في كل مكان - إلى أن

стр. 107

قال: وزعم هؤلاء - يعني المعتزلة - أنه لا تجوز الإشارة إلى الله - سبحانه - بالرؤوس والأصابع إلى فوق، فإنَّ ذلك يوجب التحديد، وقد أجمع المسلمون أن الله - سبحانه - العليُّ الأعلى، ونطق بذلك القرآن، فزعم هؤلاء أنَّ ذلك بمعنى علو الغلبة لا علو الذات، وعند المسلمين أن لله علوَّ الغلبة، والعلو من سائر وجوه العلو؛ لأنَّ العلو صفة مدح، فنثبت أن لله - تعالى - علوَّ الذَّات، وعلو الصفات، وعلو القهر والغلبة، وفي منعهم الإشارة إلى الله من جهة الفوق خلافٌ منهم لسائر الملل؛ لأن جماهير المسلمين وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله من جهة الفوق في الدُّعاء والسؤال، واتِّفاقهم بإجماعهم على ذلك حجة، ولم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة الأسفل ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق؛ انتهى المقصود من كلامه. قول أبي عمر بن عبدالبر قد ذكرت عنه فيما تقدَّم أنه نقل إجماع الصحابة والتابعين على القول بأن الله - تعالى - على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يُحتج بقوله، وذكرت له أيضًا كلامًا حسنًا على

стр. 108

حديث النزول، فليُراجَع كلُّ ما تقدم عنه. قول أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي قال في كتابه المسمى بـ "الاعتقاد": "باب القول في الاستواء"، قال الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ثم ذكر آيات في ذكر استواء الرب على العرش، وآيات في ذكر علو الله على خلقه، وقد ذكر الآيات أيضًا والكلام عليها في كتابه المسمى بـ "الأسماء والصفات"، ونقلت من كلامه ما يتعلَّق بالرد على من زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية، فليراجع ذلك مع الكلام على قول الله - تعالى -: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] الآية. قول أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي ذكر الذهبي في كتاب "العلو" عنه أنَّه قال في كتاب "الحجة" له، وأن الله - تعالى - مستوٍ على عرشه بائن من خلقه كما قال في كتابه.

стр. 109

قول أبي جعفر الهمداني قال شارح العقيدة الطحاوية: ذكر محمد بن طاهر المقدسي: أنَّ الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين، وهو يتكلَّم في نفي صفة العلو ويقول: كان الله ولا عرش وهو الآن على ما كان، فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضَّرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارفٌ قطُّ: يا الله، إلا وجد في قلبه ضرورة يطلب العُلُوَّ، ولا يلتفت يَمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟ قال: فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل، وأظنه قال: وبكى، وقال: حيَّرني الهمداني، وقد ذكر هذه القصة ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" بنحو ما ذكرها شارح العقيدة الطحاوية. وذكرها الذهبي في كتاب "العلو"، فقال: قال أبو منصور بن الوليد الحافظ في رسالة له إلى الزنجاني: أنبأنا عبدالقادر الحافظ بحران، أنبأنا الحافظ أبو العلاء، أنبأنا أبو جعفر ابن أبي علي الحافظ قال: سمعت أبا المعالي الجويني، وقد سئل عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فقال: كان الله ولا عرشَ، وجعل يتخبَّط في الكلام، فقلت: قد علمنا ما أشرت

стр. 110

إليه، فهل عندك للضرورات من حيلة؟ فقال: ما تريد بهذا القول؟ وما تعني بهذه الإشارة؟ فقلت: ما قال عارفٌ قطُّ: يا رباه، إلاَّ قبل أن يتحرك لسانه قام من باطِنِه قصدٌ لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضَّروري عندك من حيلة، فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت، وبكيت وبكى الخلق، فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: يا لَلَحَيْرة! وخرق ما كان عليه، وانخلع وصارت قيامَةً في المسجد، ونزل ولم يُجبني إلا يا حبيبي، الحيرة الحيرة! والدهشة الدهشة! فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون: سمعناه يقول: حيرني الهمداني. قال شارح العقيدة الطحاوية في الكلام على هذه القصة: أراد الشيخ أنَّ هذا أمر فَطَرَ الله عليه عباده من أنْ يتلقوه من المرسلين يَجدون في قلوبهم طلبًا ضروريًّا يتوجه إلى الله، ويطلبه في العلو؛ انتهى. قول شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاري الهروي ذكر الذهبي في كتاب "العلو" عنه أنه قال في كتاب "الصفات" له: "باب استواء الله على عرشه فوق السماء السابعة بائنًا من خلقه من الكتاب والسنة"، ثم ساق آيات وأحاديث - إلى

стр. 111

أن قال: وفي أخبار شتَّى أن الله في السماء السابعة على العرش بنفسه، وهو ينظر كيف تعملون، وعلمه وقدرته واستماعه ونظره ورحمته في كل مكان. قول الحسين بن مسعود البغوي قال في الكلام على قول الله - تعالى - في سورة الحديد: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤]، بالعلم، وقال في الكلام على قول الله - تعالى - في سورة المجادلة: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧]؛ أي: من إسْرَار ثلاثة ﴿إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] بالعلم يعلم نجواهم. قول أبي الحسن الكَرَجي وهو من كبار فقهاء الشافعية ذكر الذَّهبي في كتاب "العلو" عنه أنه قال في عقيدته الشهيرة: عَقِيدَةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَقَدْ سَمَتْ ... بِأَرْبَابِ دِينِ اللَّهِ أَسْمَى الْمَرَاتِبِ عَقَائِدُهُمْ أَنَّ الْإِلَهَ بِذَاتِهِ ... عَلَى عَرْشِهِ مَعْ عِلْمِهِ بِالْغَوَائِبِ وقد ذكرت فيما تقدم قولَ الذهبي أنه مكتوب على هذه القصيدة بخط العلامة تقي الدين ابن الصلاح: هذه عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث.

стр. 112

قول العلامة أبي بكر محمد بن وهب المالكي في شرحه لرسالة الإمام أبي محمد بن أبي زيد ذكر الذهبي في كتاب "العلو" عنه أنَّه قال: أما قوله: "إنه فوق عرشه المجيد بذاته"، فمعنى "فوق وعلى" عند العرب واحد، وفي الكتاب والسنة تصديقُ ذلك، وهو قوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وساق حديث الجارية والمعراج إلى سِدْرة المنتهى - إلى أنْ قال: وقد تأتي لفظة "في" في لغة العرب بمعنى "فوق"؛ كقوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: ١٥]، و ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، و ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، قال أهلُ التأويل: يريد فوقها، وهو قول مالك مما فهمه عمَّن أدرك من التابعين مما فهموه عن الصَّحابة، مما فهموه عن النبي ﷺ أنَّ الله في السماء؛ يعني: فوقها وعليها، فلذلك قال الشيخ أبو محمد: إنَّه فوق عرشه، ثم بيَّن أن علوه فوق عرشه إنما هو بذاته؛ لأنه - تعالى - بائن عن جميع خلقه بلا كيف، وهو في كل مكان بعلمه لا بذاته؛ انتهى المقصود من كلامه، وقد ذكره ابنُ القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية".

стр. 113

قول الشيخ عبدالقادر الْجِيلِي (١) الحنبلي ذكر شيخُ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في "الفتوى الحموية الكبرى"، والذَّهبي في كتاب "العلو"، وابنُ القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنَّه قال في كتاب "الغنية": أمَّا معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار، فهو أنْ تعرفَ وتتيقن أنَّ الله واحد أحد - إلى أنْ قال: وهو بِجِهَة العُلُوِّ مستوٍ على العرش، مُحتوٍ على الملك، مُحيطٌ علمُه بالأشياء؛ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]، ولا يَجوز وصفه بأنه في كلِّ مكان، بل يقال: إنَّه في السماء على العرش، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وينبغي إطلاقُ صفة الاستواء من غير تأويل، وأنَّه استواء الذَّات على العرش، وكونه على العرش مذكور في كلِّ كتاب أنزل، على كل نبي أُرْسِل، بلا كَيْفٍ؛ قال ابن القيم: هذا

стр. 114

نص كلامه في "الغنية"، وذكر ابنُ القيم أيضًا عنه أنَّه قال في كتابه "تحفة المتقين وسبيل العارفين": والله - تعالى - بذاته على العرش، وعلمه مُحيط بكل مكان. قول إمام الشافعية في وقته سعد بن علي الزنجاني ذكر ابنُ القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه: إنَّه صرح بالفوقية بالذَّات فقال: وهو على عرشه بوجود ذاته؛ قال ابنُ القيم: هذا لفظه وهو إمام في السنة، ثم ذكر ابن القيم عنه: إنَّه قال: إنَّه مستوٍ بذاته على عرشه بلا كَيْفٍ كما أخبر عن نفسه، قال: وقد أجمع المسلمون على أنَّ الله هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآنُ بقوله - تعالى -: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وأنَّ لله عُلُوَّ الغلبة، والعلو: العليُّ من سائر وجوه العلو؛ لأنَّ العلو صفة مدح عند كل عاقل، فنثبت بذلك أن لله علوَّ الذات، وعُلُوَّ الصفات، وعلو القهر والغلبة، وجماهير المسلمين وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله - جل ثناؤه - من جهة الفوق في الدُّعاء والسؤال، فاتِّفاقهم بأجمعهم على الإشارة إلى الله - سبحانه - من جهة الفوق حجة، ولم يستجز أحد الإشارةَ إليه من جهة الأسفل ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق؛ انتهى.

стр. 115

وقد تقدم في كلام إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي مثل ما ذكره الزنجاني من الإجماع على الإشارة إلى الله - تعالى - من جهة الفوق، وأنَّه لم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة الأسفل، ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق، وفي هذا أبلغ ردٍّ على مَن زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية، ولو كان الأمر على ما زعمه مَن قال على الله بغير علم، لكان يجوز أن يشار إلى الله - تعالى - من سائر الجهات، وهذا خلاف إجماع المسلمين. قول الشيخ الموفق أبي محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي قد ذكرت فيما تقدم أنه نقل إجماع السلف على أنَّ الله - تعالى - فوق العرش، وذكرت أيضًا كلامه في كتابه "إثبات صفة العلو"، وما ذكر فيه من إجماع جميع العلماء من الصحابة والأئمة من الفقهاء على إثبات صفة العلوِّ لله - تعالى - وأنَّ الأخبار قد تواترت في ذلك على وجه حصل به اليقين، فليراجع كلامه في ذلك، وليراجع أيضًا ما ذكره مما جعله الله مغروزًا في طبائع الخلق عند نزول الكرب من لَحْظِ السماء بالأعين، ورَفْعِ الأيدي للدعاء نحوها، وانتظار مجيء الفرج من الله - تعالى - وأنَّه لا ينكر ذلك

стр. 116

إلا مُبتدع غالٍ في بدعته، أو مفتون بتقليده على ضلالته. قول أبي عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي مؤلف التفسير الكبير المسمى بـ "الجامع لأحكام القرآن". قال في كتابه المسمى بـ "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى"، وقد كان الصدر الأول لا ينفون الجهة، بل نطقوا هم والكافة بإثباتِها لله - تعالى - كما نطق كتابُه، وأخبر رسوله ﷺ ولم ينكر أحد من السَّلف الصالح أنَّه استوى على العرش حقيقة، ثم ذكر كلامَ أبي بكر الحضرمي في رسالته التي سماها بـ "الإيماء إلى مسألة الاستواء" وحكايته عن القاضي عبدالوهاب أنَّه استواء الذَّات على العرش، وذكر أنَّ ذلك قول القاضي أبي بكر بن الطيب الأشعري كبير الطائفة، وأنَّ القاضي عبدالوهاب نقله عنه نصًّا، وأنه قول الأشعري وابن فورك في بعض كتبه، وقول الخطابي وغيره من الفقهاء والمحدثين. قال القرطبي: وهو قول أبي عمر بن عبدالبر والطلمنكي وغيرهم من الأندلسيِّين، ثم قال بعد أنْ حكى أربعة عشر قولاً: وأظهرُ الأقوال ما تظاهرت عليه الآي والأخبار، وقال جميع الفُضلاء

стр. 117

الأخيار: إنَّ الله على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه بلا كَيْفٍ، بائن من جميع خلقه، هذا مذهب السَّلف الصالح فيما نقل عنهم الثِّقات؛ انتهى، وقد نقله ابنُ القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية"، وأقره. قول شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية قال في بعض فتاويه: والرب - سبحانه - فوق سمواته على عرشه، بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته؛ انتهى، وهو في صفحة ٤٠٦ من الجزء الأول من "مجموع الفتاوى" المطبوع في القاهرة في سنة ١٣٢٦ هـ. وقال في أول "الفتوى الحموية الكبرى": فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسول الله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامَّة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة مملوء بما هو إما نص أو ظاهر في أن الله هو العليُّ الأعلى، وهو فوق كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء، ثم ذكر الأدلة على ذلك من القرآن، ثم قال: وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يُحصى إلا بكلفة. وذكر عدة أحاديث في ذلك، وقال بعد ذكرها: إلى أمثال ذلك مما لا يُحصيه إلا الله مما هو من أبلغ

стр. 118

المتواترات اللفظيَّة والمعنوية التي تورث علمًا يقينًا من أبلغ العلوم الضروريَّة أن الرسول ﷺ المبلغ عن الله ألقى إلى أُمَّتِه المدعوين - أن الله - سبحانه - على العرش، وأنه فوق السماء كما فطر الله على ذلك جميعَ الأمم عربهم وعجمهم في الجاهلية والإسلام إلاَّ من اجتالته الشياطين عن فطرته، ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع، لبلغ مِئِينَ أو ألوفًا، ثم ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ ولا أحد من سلف الأمة، لا من الصَّحابة، ولا من التَّابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف - حرفٌ واحدٌ يخالف ذلك، لا نصًّا ولا ظاهرًا؛ انتهى. وفي كتب شيخ الإسلام وفتاويه من كلامه وما نقله عن أكابر العلماء في إثبات علو الرب على خلقه، وأنَّه - سبحانه - مُستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وتقرير ذلك بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع - شيءٌ كثير جدًّا، وقد ذكرت جملةً منه فيما تقدم، وأما كلامه في المعية، وقوله: إنَّها معية العلم، فهو كثير أيضًا، وقد نقل أقوال بعض الذين حكوا الإجماع على ذلك في مواضع كثيرة من كتبه وفتاويه، وقد ذكرت بعض نقوله عنهم فيما تقدم،

стр. 119

فلتراجع ففيها أبلغ رد على من وهم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية. وقد ذكر في "الفتوى الحموية الكبرى" عن سَلَف الأمة وأئمتها أئمة أهل العلم والدين من شيوخ العلم والعبادة: إنَّهم أثبتوا أن الله فوق سمواته على عرشه، بائن من خلقه وهم بائنون منه، وهو أيضًا مع العباد عمومًا بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وهو أيضًا قريب مُجيب، ففي آية النجوى دلالة على أنَّه عالم بهم؛ انتهى، وذكر في "شرح حديث النُّزول" قول الله - تعالى - في سورة الحديد: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله - تعالى - في سورة المجادلة: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، ثم قال: وقد ثبت عن السلف أنَّهم قالوا: هو معهم بعلمه، وقد ذكر ابنُ عبدالبر وغيره أنَّ هذا إجماع من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يُخالفْهم فيه أحد يعتد بقوله، وهو مأثور عن ابن عباس، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. ثم ذكر ما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤]، قال: هو على العرش وعلمه

стр. 120

معهم، وقال: رَوى عن سفيان الثوري أنه قال: علمه معهم، ورَوى أيضًا عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] إلى قوله: ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، قال: هو على العرش وعلمه معهم، ورواه بإسناد آخر عن مقاتل بن حيان، وهو ثقة في التفسير ليس بمجروح، كما جرح مقاتل بن سليمان. وذكر أيضًا ما رواه عبدالله بن أحمد عن الضحاك في قوله - تعالى -: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، قال: هو على العرش، وعلمه معهم، وروى أيضًا عن سفيان الثوري في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، قال علمه، وذكر أيضًا ما رواه حنبل بن إسحاق في كتاب "السنة"، قال: قلت لأبي عبدالله أحمد بن حنبل: ما معنى قوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، و ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] إلى قوله: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، قال: علمه، عالم الغيب والشَّهادة، مُحيط بكل شيء، شاهد علام الغيوب، يعلم الغيب، ربنا على العرش بلا حد ولا صفة، وسع كرسيه السموات والأرض.

стр. 121

قلت: قوله: بلا حد ولا صفة، معناه: أنه لا يحد استواء الربِّ على العرش، ولا توصف كيفيته، كما قال ربيعة بن أبي عبدالرحمن، ومالك بن أنس: الاستواء معلوم، والكيف غير معقول؛ قال شيخ الإسلام: وأيضًا فإنه افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم، فكان السِّياق يدل على أنَّه أراد أنه عالم بهم، ثم ذكر أن لفظ المعيَّة في اللغة، وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة، فهو إذا كان مع العباد لم ينافِ ذلك علوه على عرشه، ويكون حكم معيته في كل موطن بحسبه، فمع الخلق كُلِّهم بالعلم والقدرة والسلطان، ويخص بعضهم بالإعانة والنصر والتأييد؛ انتهى. قول الحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي قد صنف الذهبي - رحمه الله تعالى - في إثبات علو الله على عرشه كتابه المسمى بـ "العلو للعلي الغفار"، وساق فيه أدلَّة العلو من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من أكابر العلماء إلى قريب من زمانه، ومنهم مَن حكى الإجماعَ على أن الله - تعالى - فوق عرشه ومع الخلق بعلمه، وقال في أثناء الكتاب: ويَدُلُّ على أن الباري ﵎ عالٍ على الأشياء فوق عرشه المجيد، غير حالٍّ في الأمكنة: قولُه - تعالى -: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ

стр. 122

السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ثم ساق آيات وأحاديث كثيرة في إثباتِ العلو، فليراجع، وليراجع الكتاب كله، فإنَّه كثير الفوائد عظيم المنفعة. قول العلامة شمس الدين ابن القيم قد صنف ابن القيم - رحمه الله تعالى - في إثبات علو الله على خلقه كتابَه المسمى بـ "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية"، وساق فيه أدلة العلو من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أكابر العلماء إلى قريب من زمانه، ومنهم من حكى الإجماعَ على أن الله - تعالى - فوق عرشه، وهو مع الخلق بعلمه، فليراجع الكتاب كله، فإنه كثير الفوائد عظيم المنفعة. ولابن القيم أيضًا فصولٌ في كتابه المسمى بـ "الكافية الشافية"، وفي كتابه المسمى بـ "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"، قرَّر فيها علوَّ الرب ﵎ فوق جميع المخلوقات، ورد فيها على أهل التشبيه والتعطيل، فلتراجع أيضًا.

стр. 123

قول الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير قال في تفسير سورة الحديد، وقوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]؛ أي: رقيب عليكم، شهيد على أعمالكم؛ حيثُ كنتم، وأين كنتم من بر أو بحر، في ليل أو نهار، في البيوت أو في القفار، الجميع في علمه على السَّواء، وتحت بصره وسمعه، فيسمع كلامكم، ويرى مكانَكم، ويعلم سركم ونجواكم، وقال في تفسير سورة المجادلة: ثم قال تعالى مُخبرًا عن إحاطة علمه بخلقه، واطِّلاعه عليهم وسماعه كلامهم، ورُؤيته مكانَهم حيث كانوا وأين كانوا، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧]؛ أي: من سر ثلاثة ﴿إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]؛ أي: مُطَّلع عليهم، يسمع كلامهم وسِرَّهم ونجواهم، ورسله أيضًا مع ذلك تكتب ما يتناجون به مع علم الله به وسمعه له؛ ولهذا حكى غيرُ واحد الإجماعَ على أنَّ المرادَ بهذه الآية معيةُ علمه - تعالى - ولا شكَّ في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضًا مع علمه بهم وبصره نافذ فيهم، فهو مُطَّلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم

стр. 124

شيء، ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، قال الإمام أحمد: افتتح الآية بالعلم، واختتمها بالعلم؛ انتهى. فهذا ما تيسر إيراده من أقوالِ أكابر العُلماء في إثبات العلو لله - تعالى - وأنه فوق جميع المخلوقات، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، وأنَّ معيته لخلقه معية العلم والإحاطة والاطِّلاع والسماع والرُّؤية، وأنَّ له معية خاصَّة مع أنبيائه وأوليائه، وهي معيَّة النصر والتأييد والكفاية، ولم يأتِ في القرآن ولا في السنة ولا في أقوال الصَّحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان ما يدُلُّ على أن معية الله لخلقه معية ذاتية، وإنَّما جاء ذلك عن بعض أهلِ البدع، وهم الذين يقولون: إنَّ الله بذاته فوق العالم، وهو بذاته في كل مكان، وهذا قول باطل مَردود بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع، وقد تقدَّم بيانُ ذلك في أول الكتاب، فليراجع. وكلامُ أكابر العُلماء المتأخرين في المائة الثامنة من الهجرة، فما بعدها في إثبات العلو، والرد على مَن قال بخلاف ما عليه أهلُ السنة والجماعة - كثيرٌ جدًّا، وفيما ذكرته عن المتقدمين كفاية إن شاء الله تعالى.

стр. 125

فصل وقد تعلَّق المردود عليه بجمل من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن مثير وابن رجب، وليس في شيء منها ما يُؤيِّد زعمه أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية، وإنْ توهم المردود عليه أو توهم غيره أن في شيء منها تأييدًا لقوله الباطل، فهو مَحجوج بإجماع الصحابة والتابعين على أنَّ الله - تعالى - على العرش، وعلمه في كل مكان، وأن معنى قوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، ونحو ذلك في القرآن: أنَّ ذلك علمه، وأن الله - تعالى - فوق السموات بذاته، مستوٍ على عرشه كيف شاء، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من أكابر العلماء، ونقله شيخُ الإسلام ابن تيمية، والذهبي، وابن القيم، عن غير واحد من الأئمة، وتقدم ذكر ذلك في أول الكتاب، وما خالف الإجماع من الأقوال، فهو مردود على قائله كائنًا من كان. وإذا علم هذا، فمن الجمل التي تعلق بها المردود عليه قولُ شيخ الإسلام ابن تيمية في صفحة ٣ من المجلد الخامس من "مجموع الفتاوى": أنَّ كلمة "مع" إذا أطلقت، فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو مُحاذاة عن يَمين أو شمال،

стр. 126

فإذا قيدت بمعنى من المعاني، دَلَّت على المقارنة في ذلك المعنى، قال: فالله مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة، ثم هذه المعية تَختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ [الحديد: ٤] إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، دَلَّ ظاهر الخطاب على أنَّ حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مُطَّلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم، وهذا معنى قول السَّلف: إنَّه معهم بعلمه، وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته. والجواب أن يقال: ليس في هذه الجملة ما يتعلَّق به من زعم أنَّ معيةَ الله لخلقه معية ذاتية، وإنما فيها الرد عليه؛ لأنَّ شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - قد صرح أن المعية المذكورة في قول الله - تعالى -: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، قد دَلَّ ظاهر الخطاب على أن حكمها ومقتضاها أنَّه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم، قال: وهذا معنى قول السلف: إنَّه معهم بعلمه، قال: وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته؛ انتهى. فأما القول بالمعية الذاتية، فإنَّما هو من أقوال الحلولية من الجهمية، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى، وتقدم كلامُه في أول الكتاب، فليراجع.

стр. 127

الجملة الثانية من الجمل التي تعلق بها المردود عليه: قولُ شيخ الإسلام ابن تيمية في جواب له في صفحة ٢٣١ من المجلد الخامس من مَجموع الفتاوى: فهو - سبحانه - مع المسافر في سفره، ومع أهله في وطنه، ولا يلزم من هذا أن تكون ذاته مُختلطة بذواتهم - إلى أن قال: فالله عالم بعباده وهو معهم أينما كانوا، وعِلمُه بهم من لوازم المعية، ثم قال: فمدلول اللفظ مرادٌ منه، وقد أريد أيضًا لازم ذلك المعنى، فقد أريد ما يدل عليه اللفظ في أصلِ اللغة بالمطابقة وبالالتزام، فليس اللفظ مستعملاً في اللازم فقط، بل أريد به مدلوله الملزوم وذلك حقيقة. والجواب أن يقال: إنَّ المردود عليه قد اختصر كلام شيخ الإسلام، وترك جملةً من أوله فيها بيان المراد من كلامه في المعية، وأنَّها معية العلم لعموم العباد، ومعية النصر والتأييد والكفاية لأنبياء الله وأوليائه، وهذا نص كلام شيخ الإسلام قال: وأما القسم الرابع، فهم سلف الأمة وأئمتها أئمة العلم والدين من شيوخ العلم والعبادة، فإنَّهم أثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة كله من غير تحريف للكلم، أثبتوا أن الله - تعالى - فوق سمواته، وأنه على عرشه، بائن من خلقه، وهم منه بائنون، وهو أيضًا مع العباد

стр. 128

عمومًا بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وهو أيضًا قريب مُجيب، ففي آية النجوى دلالة على أنه عالم بهم، وكان النبي ﷺ يقول: ((اللهم أنت الصاحبُ في السفر والخليفة في الأهل))، فهو سبحانه مع المسافر في سفره، ومع أهله في وطنه، ولا يلزم من هذا أنْ تكونَ ذاته مُختلطة بذواتِهم - إلى أن قال: فالله - تعالى - عالم بعباده، وهو معهم أينما كانوا، وعلمه بهم من لوازم المعية؛ انتهى. وفي قوله: إنَّ الله - تعالى - فوق سمواته، وأنه على عرشه بائن من خلقه، وهم منه بائنون، وأنه مع العباد عمومًا بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية - أبلغُ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية، وكذلك قوله: إنَّ في آية النجوى دلالة على أنه عالم بهم فيه أيضًا رد عليه. وأما المعية المذكورة في قوله: فهو مع المسافر في سفره، ومع أهله في وطنه - فهي معية الاطلاع والحفظ والكفاية، وليست معية ذاتية كما قد توهَّم ذلك المردود عليه، وقد أوضح ذلك شيخُ الإسلام بقوله: ولا يلزم من هذا أن تكون ذاته مُختلطة بذواتِهم، ومن تأمل كلام شيخ الإسلام في المعية، وجده يدور على أنَّها معية العلم والإحاطة والاطِّلاع والسماع والرُّؤية لعموم الخلق، وأنَّ لله

стр. 129

معية خاصة مع أنبيائه وأوليائه، وهي معية النصر والتأييد والكفاية. الجملة الثالثة من الجمل التي تعلق بها المردود عليه: قولُ شيخ الإسلام ابن تيمية في "العقيدة الواسطية"، وكل هذا الكلام الذي ذكره - تعالى - من أنه فوق العرش، وأنه معنا حق على حقيقته لا يَحتاج إلى تحريف، وقال في الفصل الذي يليه: وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه - سبحانه - ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليٌّ في دنوه، قريب في علوه. والجواب أن يقال: إنَّ شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - لم يقل: إنَّ معيةَ الله لخلقه معية ذاتية، حتى يكون للمردود عليه تعلق بكلامه، وقد تقدم في الجواب عن الجملة الثانية ما نقله شيخُ الإسلام عن سلف الأمة وأئمتها أنَّهم أثبتوا أن الله - تعالى - فوق سمواته، وأنه على عرشه بائن من خلقه، وهم منه بائنون، وأنه مع العباد عمومًا بعلمه ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وأنَّ في آية النجوى دلالةً على أنه عالم بهم، فكلام شيخ الإسلام في "الفتاوى" يوضح كلامه في "العقيدة

стр. 130

الواسطية"، ويبين أنه أراد بالمعية معية العلم، ولم يرد المعية الذاتية التي تستلزم مُخالطة الخلق في كل مكان. وأمَّا قول شيخ الإسلام: وهو عليٌّ في دنوه، قريب في علوه، فمُراده بالدنو: نزول الرب ﵎ إلى السماء الدُّنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، كما جاء ذلك في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وكذلك دنوه من أهل الموقف عشية عرفة، فقد جاء في حديث مرفوع: ((إنَّ الله - تعالى - يهبط إلى سماء الدُّنيا عشية عرفة، فيباهي بأهل الموقف الملائكة))، وليس في نزول الرب ﵎ إلى السماء الدُّنيا في آخر الليل، وفي عشية عرفة ودنوه من خلقه ما يقتضي أن تكونَ معيته لهم معية ذاتية، وليس في كلام شيخ الإسلام ما يدُلُّ على ذلك، وقد ذكرت كلامه في المعية مما ذكره في الفتاوى وغيرها من كتبه، وما نقله من إجماع المسلمين من أهل السنة على أنَّ معنى قوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، ونحو ذلك في القرآن: أنَّ ذلك علمه، فليراجع ما تقدم من النقول عنه، ففيها كفاية في الرد على من توهم من كلامه في "العقيدة الواسطية" خلاف ما أجمع عليه الصَّحابة والتابعين في المعية، وأنَّها معية العلم، وليست معية ذاتية.

стр. 131

الجملة الرابعة من الجمل التي تعلق بها المردود عليه: قولُ ابن القيم في "مختصر الصواعق"، المثال التاسع مما ادُّعِيَ فيه المجاز قوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وذكر آيات فيها المعية، ثم قال: قالت المجازية: هذا كله مَجاز يَمتنع حمله على الحقيقة؛ إذ حقيقة المخالطة والمجاورة وهي منتفية قطعًا، فإذًا معناه العلم والقُدرة والإحاطة، ومعية النصر والتأييد والمعونة، وكذلك القُرب، قال أصحابُ الحقيقة: والجواب عن ذلك من وجوه - إلى أن قال: الوجه الرابع أنَّه ليس ظاهر اللفظ ولا حقيقته أنَّه مُختلط بالمخلوقات مُمتزج بها - إلى أن قال: وغاية ما تدل عليه "مع" المصاحبة والموافقة والمقارنة في أمر من الأمور، وذا الاقتران في كل موضع بحسبه يلزمُه لوازم بحسب مُتعلقه، فإذا قيل: الله مع خلقه بطريق العموم، كان من لوازم ذلك علمه بهم، وتدبيره لهم وقدرته عليهم، وإذا كان ذلك خاصًّا، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، كان من لازم ذلك معيته لهم بالنصر والتأييد والمعونة؛ قال: وقد أخبر الله - تعالى - أنَّه مع خلقه مع كونه مستويًا على عرشه - إلى أن قال: فعُلُوُّه لا يناقض معيته، ومعيته لا تبطل علوه، ثم تكلم على قرب الله - تعالى - وقال: فهو قريب من المحسنين بذاتِه ورحمته قربًا

стр. 132

ليس له نظير، وهو سبحانه مع ذلك فوق سمواته على عرشه. كما أنَّه - سبحانه - يقرب من عباده في آخر الليل، وهو فوق عرشه، ويدنو من أهل عرفة عشية عرفة وهو على عرشه، قال: وهو سبحانه قريب في علوه، عالٍ في قربه، قال: والذي يسهل عليك فهمَ هذا معرفةُ عظمة الرب وإحاطته بخلقه، وأنَّ السموات السبع في يده كخردلة في يد العبد، وأنه - سبحانه - يقبض السموات بيده، والأرض بيده الأخرى، ثم يهزهن، فكيف يستحيل في حقِّ مَن هذا بعض عظمته أنْ يكونَ فوق عرشه، ويقرب من خلقه كيف شاء وهو على العرش؟! اهـ. والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما أنْ يقال: إنَّ أهلَ السنة والجماعة أجمعوا على أنَّ الله ﵎ مستوٍ على عرشه، وعلمه وقدرته وتدبيره بكل ما خلقه، وأجمعوا على أنَّ معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، ونحو ذلك في القرآن أنَّ ذلك علمه، وأن الله - تعالى - فوق السموات بذاته، مستوٍ على عرشه كيف شاء، وقد نقل ابن القيم هذا الإجماع في كتابه المسمى ب "اجتماع الجيوش الإسلامية"، والعمدة على هذا الإجماع ولا عبرة بما خالفه من أقوال الناس.

стр. 133

الوجه الثاني أنْ أقول: إنِّي لم أرَ في شيء من كتب ابن القيم التصريح بأن معية الله لخلقه معية ذاتية، وإنَّما كان كلامه يدور على إثبات معية العلم والقدرة والإحاطة والرُّؤية لعموم الخلق، وعلى معية النصر والتأييد والكفاية لأنبياء الله وأوليائه، وقد ذكر في كتابه المسمى بـ"اجتماع الجيوش الإسلامية" آياتٍ كثيرة في إثبات علو الرب ﵎ واستوائه على عرشه، ومنها قوله - تعالى - في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]، ثم قال: فذكر عموم علمه، وعموم قُدرته، وعموم إحاطته، وعموم رُؤيته، وذكر أيضًا في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عن القاضي أبي بكر ابن الطيب الباقلاني أنه قال في قول الله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]؛ يعني: بالحفظ والنصر والتأييد، ولم يرد أنَّ ذاته معهم. قال: وقوله - تعالى -: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] مَحمول على هذا التأويل، وقوله - تعالى -: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، يعني: أنه عالم بهم وبما خفي من سِرِّهم ونجواهم؛ انتهى، وقد أقره ابن القيم على

стр. 134

هذا القول، وذلك يدُلُّ على الرضا به والموافقة عليه، وفيه ردٌّ لما تشبث به المردود عليه من كلام ابن القيم في كتاب "الصواعق المرسلة"، وقد قال ابنُ القيم في كتاب "الصواعق المرسلة" قبل كلامه الذي نقله المردود عليه بأقل من صفحة: الوجه الثاني: أنَّ الله - سبحانه - قد بيَّن في القرآن غاية البيان أنه فوق سمواته، وأنه مستوٍ على عرشه، وأنه بائن من خلقه، وأن الملائكة تعرج إليه وتنزل من عنده، وأنه رفع المسيح إليه، وأنه يصعد إليه الكلم الطيب، إلى سائر ما دلت عليه النصوص من مباينته لخلقه وعُلُوِّه على عرشه، وهذه نصوص مُحكمة، فيجب رد المتشابه إليها؛ انتهى. قلت: وفي النُّصوص المحكمة الدالة على علو الله ﵎ فوق سمواته، ومباينته لجميع خلقه - أبلغ رد على من زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية؛ لأن هذا القول الباطل يستلزم الحلول مع الخلق في أماكنهم، وذلك من أبطل الباطل. وأما دنو الرب ﵎ من عباده، فهو ثابت في حديث النُّزول المتفق على صحته، وجاء في حديث مرفوع: أنَّ الله - تعالى - يهبطُ إلى سماء الدُّنيا عشية عرفة، فيباهي بأهل الموقف الملائكة، وهذا الحديث وحديث النُّزول في آخر الليل وغيرهما مما

стр. 135

جاء في الصفات، وهو ثابت عن النبي ﷺ فإنَّه يَجب الإيمان به وإمراره كما جاء، قال الأوزاعي: سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث - أي: التي جاءت في الصفات - فقالا: أمرُّوها كما جاءت، رواه الخلال في كتاب "السنة"، ونقله شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتوى الحموية الكبرى". وروى الخلال أيضًا عن الوليد بن مسلم قال: سألت مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات، فقالوا: أمروها كما جاءت، وفي رواية فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، وقد نقل هذه الرواية أيضًا شيخُ الإسلام ابن تيمية في "الفتوى الحموية الكبرى"، ثم قال: والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم، والأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين، ونقل الشيخ أيضًا عن أبي سليمان الخطابي أنه قال في رسالته المشهورة في "الغنية عن الكلام وأهله": فأمَّا ما سألت عنه من الصفات وما جاء منها في الكتاب والسنة، فإنَّ مذهب السلف إثباتُها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها؛ انتهى. وإذا علم هذا، فليس من مذهب السلف أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية، ولم يقل ذلك أحد من علماء أهل السنة والجماعة فيما

стр. 136

علمت، وإنَّما هو من أقوال أهل البدع وهم الذين يقولون: إنَّ الله بذاته فوق العالم، وهو بذاته في كل مكان، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وتقدم في أول الكتاب فليراجع، ومن زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية، واستدل على ذلك بنزول الرب ﵎ إلى السماء الدُّنيا في آخر الليل، ودنوه من أهل الموقف في عشية يوم عرفة، فقد أبعد النجعة، وقال على الله بغير علم. الجملة الخامسة من الجمل التي تعلق بها المردود عليه: قولُ ابن رجب في شرح الحديث التاسع عشر من الأربعين النووية: فهذه المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة، بخلاف المعية العامة المذكورة في قوله - تعالى -: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] إلى قوله: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] إلخ، فإنَّ هذه المعية تقتضي علمه واطِّلاعه ومُراقبته أعمالهم؛ اهـ. والجواب أنْ يقال: إنَّ كلام ابن رجب - رحمه الله تعالى - مُوافق لما أجمع عليه أهلُ السنة والجماعة من أنَّ المعية العامَّة معية العلم والاطلاع والمراقبة، وأنَّ المعية الخاصة معية النصر والتأييد

стр. 137

والحفظ والإعانة، وليس في كلامه ما يتعلَّق به من زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية. الجملة السادسة من الجمل التي تعلق بها المردود عليه: قولُ ابن كثير في تفسير سورة الحديد: أيْ: رقيب عليكم، شهيد على أعمالكم حيث كنتم، وأين كنتم من بَرٍّ أو بَحر، في ليل أو نَهار، الجميع في علمه على السَّواء وتحت سمعه وبصره، فيسمع كلامكم، ويرى مكانكم، ويعلم سِرَّكم ونَجْواكم، وقال في سورة المجادلة: وقد حكى غيرُ واحد الإجماعَ على أنَّ المراد بهذه الآية معية علمه، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضًا مع علمه بهم وبصره نافذ فيهم، فهو سبحانه مطلع على خلقه، لا يغيبُ عنه من أمورهم شيء؛ اهـ. والجواب أن يقال: ليس في كلام ابن كثير ما يتعلَّق به من زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية، وفيما ذكره ابن كثير من الإجماع على أنَّ المعية معية العلم أبلغ رد على صاحب الزعم المخالف للإجماع. وأمَّا قول المردود عليه بعد ما ذكر كلامَ شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن رجب، ففي كلام هؤلاء العلماء

стр. 138

الأجلاء إشارة، بل في بعضه تصريح بأنَّ تفسير معية الله - تعالى - لخلقه بعلمه تفسيرٌ بلازمها أو حُكمها ومُقتضاها، كما في كلام شيخِ الإسلام ابن تيمية، واللازم غير الملزوم، والمقتضى غير المقتضي، فلهذا قال شيخ الإسلام: ففرق بين معنى المعية ومقتضاها، وربَّما صار مقتضاها من معناها، ووجه ذلك أنَّ دلالة اللفظ على مدلوله تارة تكون بالمطابقة، وتارة بالتضمن، وتارة بالالتزام، فدلالة المعية على العلم من دلالة الملزوم على اللازم، كما نص عليه شيخُ الإسلام ابن تيمية، ولهذا قال: وعلمه بهم من لوازم المعية، ومن للتبعيض؛ وذلك لأنَّ العلمَ ليس وحدَه لازم المعية، بل لها لوازم أخرى، كالاطلاع والسَّمع والرقابة والهيمنة والقدرة والسُّلطان، وغير ذلك مما تقتضيه المعية، وقد مثل بهذه اللوازم الزائدة على العلم شيخُ الإسلام وابن القيم وابنُ كثير وابن رجب - رحمهم الله تعالى - وأشار إلى مثل ذلك الشيخ الشنقيطي؛ حيثُ قال: وأمَّا المعية العامة لجميع الخلق، فهي بالإحاطة التامة والعلم ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته، فدَلَّ ذلك على أن تفسير السلف لها بالعلم تفسير ببعض لوازمها، وليس وحدَه هو معناها، وأن مَقصودهم بذلك خوف توهم حلول الباري - جل وعلا - في أماكننا في الأرض، أو دفع دعوى من ادَّعى ذلك من الحلولية الجهمية، وقد

стр. 139

ذكر أنَّ ذلك مقصودهم الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن قاسم؛ حيث قال في الفهارس العامة لمجموع الفتاوى ص ٩٠: فسر بعضُ السلف بعض نصوص المعية بالعلم، وهو بعض مقتضاها دفعًا لاستدلال الحلولية بها؛ اهـ. فجوابه أنْ يقال: إنَّ العلماء الذين ذكرهم المردود عليه في هذه الجملة لم يقل أحد منهم: إنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية، وإنَّما كان كلامُهم يدور على إثبات معية العلم والقدرة والإحاطة والسماع والرُّؤية لعموم الخلق، وعلى إثبات معية النصر والتأييد والكفاية لأنبياء الله وأوليائه، وقد ذكرت كلامَ شيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير في ذلك قريبًا فليراجع، وأما كلام ابن رجب الذي تقدم ذكره، فهو مُوافق لكلام شيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير. وقد تقدَّم في الجواب عن الجملة الثانية من الجمل التي تعلق بها المردود عليه ما ذكره شيخ الإسلام عن سَلَف الأمة وأئمتها، أئمة العلم والدين من شيوخ العلم والعبادة - أنَّهم أثبتوا أن الله - تعالى - فوق سمواته، وأنه على عرشه بائن من خلقه وهم منه بائنون، وهو أيضًا مع العباد عمومًا بعلمه ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وتقدم أيضًا ما ذكره شيخُ الإسلام والذهبي وابن القيم

стр. 140

من الإجماع على أنَّ معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، ونحو ذلك في القرآن: أنَّ ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته، مستوٍ على عرشه كيف شاء، وفيما ذكروه أبلغ رد على من توهَّم عليهم خلاف ما ذكروه من الإجماع. وقال شيخ الإسلام أيضًا في "شرح حديث النُّزول": ولفظ المعية في كتاب الله جاء عامًّا كما في هاتين الآيتين - يعني قوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] إلى قوله: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]- وجاء خاصًّا، كما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، فلو كان المراد أنَّه بذاتِه مع كل شيء، لكان التعميم يناقض التخصيص، فإنَّه قد علم أن قوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] أراد به تخصيصه وأبا بكر دون عدوهم من الكفار. وكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، خصهم بذلك دون الظالمين والفُجَّار - إلى أن قال: وأيضًا فإنه افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم، فكان السياقُ يدُلُّ

стр. 141

على أنه أراد أنه عالم بهم، وقد بُسط الكلام عليه في موضع آخر وبُيِّن أن لفظ المعية في اللغة - وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة - فهو إذا كان مع العباد لم ينافِ ذلك علوَّه على عرشه، ويكون حكم مَعيته في كل موطن بحسبه، فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان، ويَختص بعضهم بالإعانة والنَّصر والتأييد؛ انتهى المقصود من كلامه، وفيه أبلغ رد على من زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية. وقد تقدم في الجواب عن الجملة الرابعة ما ذكره ابنُ القيم عن القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني أنه قال في قول الله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]؛ يعني: بالحفظ والنَّصر والتأييد، ولم يرد أنَّ ذاته معهم، قال: وقوله - تعالى -: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] محمولٌ على هذا التأويل، وقوله - تعالى -: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]؛ يعني أنَّه عالم بهم وبما خفي من سِرِّهم ونجواهم؛ انتهى، وقد أقَرَّه ابنُ القيم على هذا القول، وفيه أبلغ رد على من زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية. وتقدم أيضًا كلامُ ابن كثير على قول الله - تعالى -: ﴿وَهُوَ

стр. 142

مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] إلى قوله: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، وما ذكره من الإجماع على أنَّ المراد بالآية معية العلم، قال: وسمعه أيضًا مع علمه بهم وبصره نافذ فيهم؛ انتهى، وفيه أبلغُ ردٍّ على مَن زَعَمَ أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية. وقال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي في تفسير قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، هذه المعية خاصَّة بعباده المؤمنين، وهي بالإعانة والنصر والتوفيق، وأمَّا المعية العامة لجميع الخلق، فهي بالإحاطة التامة والعلم ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته - جل وعلا - فالكائنات في يده - جلَّ وعلا - أصغرُ من حبة خردل، وهذه هي المذكورة أيضًا في آيات كثيرة، كقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآية، وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] الآية، وقوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧]، وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا

стр. 143

إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١] الآية، إلى غير ذلك من الآيات، فهو - جل وعلا - مستوٍ على عرشه، كما قال على الكيفية اللائقة بكماله وجلاله، وهو مُحيط بخلقه كلهم في قبضة يده لا يعزب عنه مِثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين؛ انتهى كلامه، وفيه أبلغُ رد على مَن زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية. وإذا علم هذا، فكلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وكلام من ذكر بعده من العُلماء مُوافق لما أجمع عليه سَلَف الأمة وأئمتها، وهو أنَّ الله مع العباد عمومًا بالعلم والقدرة والإحاطة والسماع والرُّؤية، وأنه يخص أنبياءه وأولياءه بمعية النصر والتأييد والكفاية، وليس في كلامِهم ما يتعلق به من زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية. وأمَّا قوله: وقد ذكر أنَّ ذلك مقصودُهم الشيخُ عبدالرحمن بن محمد بن قاسم؛ حيث قال في الفهارس العامة لمجموع الفتاوى إلى آخر كلامه. فجوابه أنْ يقال: إنَّ الشيخَ عبدالرحمن بن محمد بن قاسم لم يَجمع الفهارس العامة لمجموع الفتاوى، وإنَّما جمعها ابنه محمد بن عبدالرحمن بن قاسم، وذلك مذكور في أَوَّل صفحةٍ من كلِ جزء من الفهارس العامة لمجموع الفتاوى، فليراجع. وأمَّا قول المردود عليه، وإذا أردت أن تعرفَ أن معنى معية الله لخلقه معية حقيقية ذاتية لا تقتضي أن يكون حالاًّ فيهم ولا في أمكنهم،

стр. 144

فتأمل ما يأتي: أ- قول شيخ الإسلام وغيره: إنَّ ما ذكر من معيته لا يُنافي ما ذكر من علوه، وأنه - سبحانه - عليٌّ في دُنُوه، قريب في علوه، فإنَّه لو كان معنى المعية مُجرد العلم ما احتاجوا إلى ذكر ذلك؛ لأنَّ تصور المنافاة بين عموم العلم وعلو الذات غيرُ وارد ولا مورد أيضًا. ب- قول ابن القيم - رحمه الله تعالى - في "مُختصر الصواعق"، والذي يسهل عليك فهم هذا، إلى آخر ما نقلناه عنه في هذه الورقات، وقول الشنقيطي في تفسيره - رحمه الله تعالى -: فالكائنات في يده - جل وعلا - أصغرُ من حَبَّةِ خردل - إلى أنْ قال: فهو - سبحانه - مستوٍ على عرشه، كما قال: على الكيفية اللائقة بكماله وجلاله، وهو مُحيط بخلقه كأنهم (١) في قبضة يده. ج- قول ابن القيم - رحمه الله تعالى -: فهو قريبٌ من المحسنين بذاتِه ورحمته قربًا ليس له نظير، وهو مع ذلك فوق سمواته على عرشه، فأثبت له القُرب الذَّاتي مع علوه قربًا ليس له نظير. فالجواب عن أول كلامه من وجهين: أحدهما أنْ يقالَ: إن

стр. 145

آخر كلامه ينقض أوله، وذلك أنه أثبت المعية الذاتية للخلق، وإثباتها يستلزم إثبات الحلول معهم في أمكنتهم، كما أن نفي الحلول مع الخلق يستلزم نفيَ المعية الذاتية لهم، وحيث إنَّ المردود عليه قد أثبت المعية الذاتية للخلق، ونفى الحلول معهم في أمكنتهم، فقد وقع في التناقُض، وإذًا فلا بد له من أحد أمرين: إمَّا أنْ يثبت المعية الذاتية للخلق والحلول معهم في أمكنتم، ويكون من الحلولية الذين يقولون: إنَّ الله بذاته فوق العالم وهو بذاته في كلِّ مكان، وإمَّا أنْ ينفي المعية الذاتية للخلق والحلول معهم في أمكنتهم، ويكون من أهل السنة والجماعة الذين قد أجمعوا على أنَّ الله - تعالى - مستوٍ على عرشه فوق جميع المخلوقات، وأنَّه - تعالى - مع عموم الخلق بالعلم والمشاهدة والسماع لأقوالهم وحركاتهم، وأنه يخص أنبياءه وأولياءه بمعية النصر والتأييد والكفاية، فليختر المردود عليه ما يناسبه من أحد الأمرين. الوجه الثاني أن يقال: إنَّه ليس في كلام شيخ الإسلام وابن القيم والشنقيطي ما يؤيِّد زعم المردود عليه أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية، وإنَّما الذي في كلامهم إثباتُ معية العلم والقُدرة والإحاطة والسماع والرُّؤية لعموم الخلق، وإثبات معية النصر والتأييد والكفاية لأنبياء الله وأوليائه.
следующие страницы →