← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17405

إثبات علو الله ومباينته لخلقه والرد على من زعم أن معية الله للخلق ذاتية

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (158 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قلت: ما زعمه القائل بأنَّ مَعِيَّةَ الله لخلقه معية ذاتيَّة مُطابِق لقول الرجل الذي قال فيه الإمام أحمد: إنَّه قد تَجهَّم. وقال المروذي: قلت لأبي عبدالله: إنَّ رجلاً قال: أقول كما قال الله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] أقول هذا ولا أجاوزه إلى غيره، فقال أبو عبدالله: هذا كلامُ الجهميَّة، بل علمه معهم، فأول الآية يدُلُّ على أنه عِلْمُه، رواه ابن بطة في كتاب "الإبانة" عن عمر بن محمد بن رجاء عن محمد بن داود عن المروذي. قلت: ليتأملْ المبتلى بِمُخالفة أهل السنة والجماعة كلامَ الإمامِ أحمد حقَّ التأمُّل؛ حتى يعرف من كان يقول بالمعية الذاتيَّة من أهل البدع والضَّلال، وأنَّهم شرُّ أهل البدع. وقال حنبل بن إسحاق في كتاب "السنة": قلت لأبي عبدالله أحمد بن حنبل: ما معنى قوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، و ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] إلى قوله: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]؟ قال: عِلْمُهُ، عالم الغيب والشَّهادة، مُحيط بكُلِّ شيء، شاهد علاَّم الغيوب، يَعْلَمُ الغيبَ ربُّنا

стр. 72

عَلَى العَرْشِ بلا حدٍّ ولا صفة (١)، وسع كُرسِيُّه السَّموات والأرض؛ انتهى، وقد نقله شيخُ الإسلام أبو العباس ابن تيميَّة في "شرح حديث النُّزول". وقال الشريف أبو علي محمد بن أحمد بن أبي موسى في عقيدة له ذكرها القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة": سئل الإمام أحمد بن محمد بن حنبل عن قوله : ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، فقال: عِلْمُه. وذكر الإمام أحمد في كتاب "الرد على الجهمية" أنَّهم قالوا: إنَّ اللهَ تَحت الأرض السابعة، كما هو على العَرْش، فهو على العرش، وفي السموات، وفي الأرض، ولا يَخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، وتَلَوا آيةً من القرآن: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، فقلنا: قد عرف المسلمون أماكنَ كثيرة ليس فيها من عظمة الربِّ شيء: أجسامكم وأجوافكم وأجواف

стр. 73

الخنازير والوحوش، والأماكن القذرة ليس فيها من عظمة الرب شيء، وقد أخبرنا أنَّه في السماء، ثم ذكر أحمد الأدلة من القرآن على أنَّ الله - تعالى - في السماء، وقال بعد ذلك: وإنَّما معنى قول الله - جل ثناؤه -: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، يقول: هو إله مَن في السموات، وإله من في الأرض، وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، ولا يَخلو من علم الله مكانٌ، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان، فذلك قوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. وقال الإمام أحمد أيضًا: "بيان ما تأولت الجهميَّة من قول الله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، قالوا: إنَّ الله معنا وفينا، فقلنا: الله - جل ثناؤه - يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [المجادلة: ٧]، ثم قال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]؛ يعني: الله بعلمه، ﴿وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، يعني الله بعلمه، ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]؛ يعني: بعلمه فيهم، ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ

стр. 74

الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، يفتح الخبر بعلمه، ويختم الخبر بعلمه". وقال الإمام أحمد أيضًا: "بيان ما ذكر الله في القرآن: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وهذا على وجوه: قال الله - جل ثناؤه - لموسى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦]، يقول: في الدَّفع عنكما، وقال: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، يقول: في الدَّفع عنَّا، وقال: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، يقول في النصر لهم على عدوهم، وقال: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] في النَّصر لكم على عدوِّكم، وقال: ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨]، يقول: بعلمه فيهم، وقال: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢]، يقول: في العون على فرعون، ثم ذكر الإمام أحمد بعد هذا التفصيل أنَّ الحجة ظهرت على الجهمي بما ادَّعى على الله أنه مع خلقه"؛ انتهى.

стр. 75

قول إسحاق بن راهويه قد ذكرت عنه فيما أنَّه نَقَلَ الإجماع على أن الله فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة. قول المزني صاحب الشافعي ذكر الذَّهبي في كتاب "العلو" وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنَّه قال: الحمد لله الواحد الصمد، ليس له صاحبة ولا ولد، عالٍ على عرشه، دانٍ بعلمه من خلقه، وقال أيضًا: عالٍ على عرشه، بائنٌ عن خلقه، وروى الذهبي بإسناد إلى محمد بن إسماعيل الترمذي قال: سمعت المزني يقول: لا يصحُّ لأحد توحيد، حتى يعلمَ أنَّ الله على العرش بصفاته، قلت: مثل أي شيء؟ قال: سميع بصير عليم قدير. قول محمد بن يحيى الذهلي ذكر الذهبي في كتاب "العلو" عن الحاكم أنَّه قال: قرأت بخط أبي عمرو المستملي: سئل محمد بن يَحيى عن حديث عبدالله بن

стр. 76

مُعاوية، عن النبي ﷺ : ((ليعلم العبدُ أنَّ الله معه حيث كان"، فقال: يريد أنَّ الله علمه مُحيط بكل مكان، والله على العرش. قول الإمام محمد بن إسماعيل البخاري قال في كتاب "التوحيد" من صحيحه "باب قول الله : ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]، "قال أبو العالية: استوى إلى السماء: ارتفع، فسواهُنَّ: خلقهن، وقال مُجاهد: استوى: علا على العرش، ثم ساق حديث زينب بنت جحش ﵂ أنَّها كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوَّجكن أهاليكن وزوَّجني الله - تعالى - من فوق سبع سموات، وقال أيضًا "باب قول الله - تعالى -: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقوله - جل ذكره -: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، "وقد ذكر في هذا الباب عِدَّة أحاديث في إثبات صفة الفوقية لله - تعالى - وعُلُوِّه على خلقه.

стр. 77

قول أبي زرعة الرازي قد ذكرت فيما تقدَّم ما رواه عبدالرحمن بن أبي حاتم، عن أبيه وأبي زرعة أنَّهما قالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار: حجازًا وعراقًا ومصرًا وشامًا، فكان من مذهبهم أنَّ الله ﵎ على عرشه بائن من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسولِه بلا كيف، أحاط بكل شيء علمًا، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وذكر الذَّهبي في كتاب "العلو" ما رواه أبو إسماعيل الأنصاري بإسناده إلى مُحمد بن إبراهيم الأصبهاني، سمعت أبا زرعة الرَّازي، وسئل عن تفسير: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فغضب، وقال: تفسيره كما تقرأ، هو على عرشه، وعلمه في كلِّ مكان، من قال غير هذا، فعليه لعنة الله، وقد ذكره شيخُ الإسلام أبو العباس ابن تيميَّة في "الفتوى الحموية الكبرى"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية".

стр. 78

قول أبي حاتم الرازي ذكر الذَّهبي في كتاب "العلو" عن الحافظ أبي القاسم الطبري قال: وجدت في كتاب أبي حاتم مُحمد بن إدريس المنذر الحنظلي مما سمع منه يقول: مذهبنا واختيارنا اتِّباعُ رسولِ الله ﷺ وأصحابِه والتابعين من بعدهم، والتمسُّك بمذاهب أهلِ الأثر مثل الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد - رحمهم الله تعالى - ولزوم الكتاب والسنة، ونعتقد أنَّ الله على عرشه بائن من خلقه، ليس كمثله شيء وهو السَّميع البصير، وقد ذكر ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" قوله، ونعتقد إلى آخره. قول يَحيى بن معاذ الرَّازي الواعظ روى أبو إسماعيل الأنصاري بإسناده إلى يَحيى بن معاذ أن قال: إنَّ الله على العرش بائن من خلقه، وقد أحاط بكلِّ شيء علمًا، وأحصى كلَّ شيء عددًا، لا يشُكُّ في هذه المقالة إلا جهمي رديء ضلِّيل، وهالك مُرتاب، يَمزج اللهُ بخُلُقِه، ويَخلط منه الذَّات بالأقذار والأنتان؛ انتهى، وقد نقله شيخُ الإسلام أبو

стр. 79

العباس ابن تيميَّة في "الفتوى الحموية الكبرى"، والذهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية". قول الإمام محمد بن أسلم الطوسي ذكر الذهبي في كتاب "العلو" عن الحاكم أنَّه قال في ترجمته: حدثنا يحيى العنبري، حدثنا أحمد بن سلمة، وحدثنا مُحمد بن أسلم قال: قال لي عبدالله بن الطَّاهر: بَلَغني أنَّك لا ترفع رأسك إلى السماء، فقلت: ولِمَ وهل أرجو الخير إلاَّ ممن هو في السماء. قول عبدالوهاب الوراق قال الذَّهبي في كتاب "العلو": حدث عبدالوهاب بن عبدالحكيم الوراق بقول ابن عباس ﵄: ما بين السَّماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك، ثم قال عبدالوهاب: مَن زَعم أنَّ الله ها هنا فهو جهمي خبيث، إنَّ الله فوق العرش، وعلمه مُحيط بالدُّنيا والآخرة، وقد نقل ابنُ القيم كلام عبدالوهاب في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" وقال: صح ذلك عنه، حكاه عنه محمد بن عثمان في رسالته في

стр. 80

الفوقية وقال: ثقة حافظ روى عنه أبو داود والترمذي والنَّسائي؛ انتهى، ومحمد بن عثمان الذي ذكره ابن القيم هو الحافظ الذهبي. قول حرب بن إسماعيل الكرماني صاحب أحمد وإسحاق قد ذكرت فيما تقدَّم أنه حكى إجماع أهل السنة، من سائر أهل الأمصار أنَّ الماء فوق السماء السابعة، والعَرش على الماء، والله على العرش. قول عثمان بن سعيد الدارمي حافظ أهل المشرق قال في كتابه "النَّقض على بِشْرِ المريسي": قد اتَّفقت الكلمة من المسلمين أنَّ الله فوق عرشه، فوق سمواته، لا ينزل قبل يومِ القيامة إلى الأرض، ولم يشكُّوا أنه ينزل يوم القيامة؛ ليفصل بين العباد ويُحاسبهم ويُثيبهم، وتشقق السَّموات يومئذ لنُزوله، وتنزل الملائكة تنزيلاً، ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية، كما قال الله - سبحانه - ورسوله ﷺ فلما لم يشك المسلمون أنَّ الله لا ينزل

стр. 81

إلى الأرض قبل يوم القيامة لشيء من أمور الدُّنيا، علموا يقينًا أنَّ ما يأتي الناس من العقوبات، إنَّما هو أمره وعذابه، فقوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] إنَّما هو أمره وعذابه. وقال أيضًا في كتاب "النقض": علمه بهم مُحيط، وبصره فيهم نافذ، وهو بكماله فوق العرش، ومع بعد المسافة بينه وبين الأرض يعلمُ ما في الأرض. وقال أيضًا في كتاب "النقض": وقد اتَّفقت الكلمةُ من المسلمين أنَّ الله - سبحانه - في السماء، وعرفوه بذلك إلا المريسي وأصحابه، وقال في قول النبي ﷺ للأَمَة: ((أين الله؟)): تكذيبٌ لمن يقول هو في كل مكان، إلى أنْ قال: والله فوق سمواته، بائن من خلقه، فمن لم يعرفْه بذلك، لَمْ يعرفْ إلَهَهُ الذي يعبده، انتهى المقصودُ من كلامه، وقد نقله ابنُ القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية"، وأثنى على كتاب الدارمي في الرد على الجهميَّة، وعلى كتابه في "النقض على بشر المريسي"، وقال: إنَّهما من أجلِّ الكتب المصنفة في السنة وأنفعها، قال: وينبغي لكلِّ طالبِ سُنَّة، مراده الوقوف على ما كان عليه الصَّحابة والتابعون والأئمة - أن يقرأ

стр. 82

كتابيه، قال: وكان شيخُ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - يُوصي بهذين الكتابين أشد الوصية، ويعظمهما جدًّا، وفيهما من تقرير التوحيد والأسماء والصِّفات بالعقل والنَّقل ما ليس في غيرهما؛ انتهى كلام ابن القيم - رحمه الله تعالى. قول عبدالله بن مسلم بن قتيبة قال في كتابه "تأويل مُختلف الحديث": نحن نقول في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]: أنَّه معهم بالعلم بما هم عليه، كما تقول للرجل وجَّهْتَه إلى بلد شاسع، ووكلته بأمر من أمورك: احذر التقصيرَ والإغفالَ لشيء مما تقدمت فيه إليك، فإنِّي معك، تريد أنه لا يَخفى عليَّ تقصيرُك أو جدك للإشراف عليك، والبحث عن أمورك. وإذا جاز هذا في المخلوق الذي لا يعلم الغيب، فهو في الخالق الذي يعلم الغيبَ أجوز، وكيف يسوغ لأحد أن يقول: إنَّه بكل مكان على الحلول مع قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ومع قوله

стр. 83

- تعالى -: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وكيف يصعد إليه شيء هو معه، أو يرفع إليه عملٌ، وهو عنده؛ قال: ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم، وما ركبت عليه خلقتهم من معرفة الخالق - سبحانه - لعلموا أن الله - تعالى - هو العليُّ، وهو الأعلى، وهو بالمكان الرَّفيع، وأنَّ القلوب عند الذكر تسمو نحوه، والأيدي ترفع بالدُّعاء إليه. قال: والأمم كلها عربيها وعجميها تقول: إنَّ الله - تعالى - في السماء ما تُرِكَت على فِطْرَتِها، ولم تنقل عن ذلك بالتعليم، قال: وأما قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، فليس في ذلك ما يدُلُّ على الحلول بهما، وإنَّما أراد أنَّه إله السماء، وإله من فيها، وإله الأرض وإله من فيها، وكذلك قوله - جل وعز -: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، لا يريد أنَّه معهم بالحلول، ولكن بالنُّصرة والتوفيق والحياطة؛ انتهى المقصود من كلامه ملخصًا.

стр. 84

قول أبي عيسى الترمذي ذكر في تفسير سورة الحديد من جامعه حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا في بُعد ما بين السماء والأرض، وما بين كلِّ سماءين، وأنَّ العرش فوق السموات، وبينه وبين السماء بُعد ما بين كل سماءين، ثم ذكر بُعد ما بين الأرضين السبع، ثم قال: ((والذي نفس محمد بيده، لو أنَّكم دَلَّيْتُم بحبل إلى الأرض السُّفلى، لهبط على الله))، ثم قرأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، قال الترمذي: حديث غريب، وقال الذهبي: هو خبر منكر؛ انتهى. قلت: وهو من رواية الحسن عن أبي هريرة ﵁ وقد قال الترمذي بعد إيراده: يُروى عن أيوب ويونس بن عبيد، وعلي بن زيد، قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، قال: وفسر بعضُ أهل العلم هذا الحديث، فقالوا: إنَّما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسُلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف في كتابه؛ انتهى.

стр. 85

قول محمد بن عثمان بن أبي شيبة ذكر الذهبي في كتاب "العلو" أنه ألَّف كتابًا في العرش، فقال: ذكروا أنَّ الجهمية يقولون: ليس بين الله وبين خلقه حجاب، وأنكروا العرش، وأن يكون الله فوقه، وقالوا: إنه في كل مكان، ففسرت العلماء: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤]؛ يعني: علمه، ثم تواترت الأخبار أن الله - تعالى - خلق العرش، فاستوى عليه، فهو فوق العرش، بائن من خلقه، وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في "القاعدة المراكشية": ذكر أبو عمر الطلمنكي الإمام في كتابه الذي سماه "الوصول إلى معرفة الأصول" أنَّ أهل السنة والجماعة مُتَّفقون على أنَّ الله استوى بذاته على عَرْشه، قال: وكذلك ذكره محمد بن عثمان بن أبي شيبة حافظ الكوفة في طبقة البخاري ونحوه، ذكر ذلك عن أهل السنة والجماعة. قول زكريا الساجي ذكر الذَّهبي في كتاب "العلو"، وابنُ القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عن أبي عبدالله بن بطة العكبري، قال:

стр. 86

حدثنا أبو الحسن أحمد بن زكريا بن يحيى الساجي، قال: قال أبي: القول في السنة التي رأيت عليها أصحابَنا أهل الحديث الذين لقيناهم أن الله - تعالى - على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء. قول محمد بن جرير الطبري قال في تفسير قول الله - تعالى - في سورة الحديد: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، يقول: "وهو مُشاهد لكم أيها الناس أينما كنتم يعلمكم، ويعلم أعمالكم ومُتقلبكم ومَثواكم، وهو على عرشه فوق سمواته السبع"، وقال في تفسير قوله - تعالى - في سورة المجادلة: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]: "يسمع سِرَّهم ونَجواهم لا يَخفى عليه شيء من أسرارهم، ﴿وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، يقول: في أيِّ موضع ومكان كانوا، وعَنِيَ بقوله: ﴿هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]؛ بمعنى: أنَّه مشاهدهم بعلمه وهو على عرشه"، ثم روى بإسناده إلى الضحاك في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧] إلى قوله: ﴿هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، قال: "هو فوق العرش، وعلمه معهم أينما كانوا"، وقال في تفسير قوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ

стр. 87

وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]: "يقول تعالى ذكره: والله الذي له الألوهية في السماء معبود، وفي الأرض معبود، كما في السماء معبود، لا شيء سواه تصلح عبادته، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل"، ثم روى بإسناده عن قتادة في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، قال: "يعبد في السماء ويعبد في الأرض". قول حماد البوشنجي الحافظ روى شيخ الإسلام الهروي بإسناده إلى حماد بن هناد البوشنجي، قال: هذا ما رأينا عليه أهل الأمصار، وما دلَّت عليه مذاهبُهم فيه، وإيضاح منهاج العلماء وصفة السنة وأهلها: أنَّ الله فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه، وعلمه وسلطانه وقدرته بكل مكان؛ انتهى، ونقله الذهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية". قول إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة قال الحاكم أبو عبدالله النيسابوري في كتابه "معرفة علوم الحديث": سمعت محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت أبا بكر

стр. 88

محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: من لم يُقِرَّ بأن الله - تعالى - على عرشه قد استوى فوق سبع سمواتِه، فهو كافر بربِّه، يستتاب، فإنْ تابَ وإلاَّ ضربت عنقه، وأُلْقِي على بعضِ المزابل؛ حيث لا يتأذى المسلمون والمعاهدون بنتن ريح جيفته، وكان ماله فيئًا لا يرثه أحد من المسلمين؛ إذ المسلم لا يرثُ الكافرَ، كما قال ﷺ وذكر ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" ما رواه الشيخ الأنصاري بإسناده إلى خزيمة أنه قال: نحن نؤمن بخبر الله - سبحانه - أنَّ خالقنا مستوٍ على عرشه، وقال في كتاب "التوحيد": "باب ذكر استواء خالقنا العليِّ الأعلى الفعَّال لما يشاء على عرشه، وكان فوقه فوق كل شيء عاليًا"، ثم ساق الأدلة على ذلك من القرآن والسنة، ثم قال: "باب الدليل على أنَّ الإقرار بأن الله فوق السماء من الإيمان"، وذكر فيه حديث الجارية. قول الإمام الطحاوي قال في عقيدته المشهورة: "ذكر بيان السنة والجماعة على مذهب فُقهاء الملَّة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن"، نقول في توحيد الله مُعتقدين أنَّ الله واحد لا شريكَ له، ولا شيء

стр. 89

مثله - إلى أنْ قال -: والعرش والكرسي حقٌّ، وهو مُستغنٍ عن العرش، وما دونه مُحيط بكل شيء وفوقه؛ انتهى المقصود من كلامه. قول الحسن بن علي بن خلف البَرْبَهاري (١) ذكر القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" أنَّ البَرْبَهَاريَّ قال في "شرح كتاب السنة": ولا يتكلم في الربِّ إلاَّ بِمَا وصف به نفسه في القرآن، وما بَيَّن رسول الله ﷺ لأصحابه، وهو - جل ثناؤه - واحد: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وهو على عرشه استوى، علمه بكلِّ مكان لا يَخلو من علمه مكان؛ انتهى المقصود من كلامه. قول أبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني ذكر الذهبي في كتاب "العلو" عنه أنَّه قال في "كتاب

стр. 90

السنة" له: "باب ما جاء في استواء الله - تعالى - على عرشه بائن من خلقه"، ثم ساق بعض الأحاديث الواردة في ذلك. قول أبي الحسن الأشعري قال في كتابه "مقالات الإسلاميِّين، واختلاف المصلين": جُملةُ ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرارُ بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثِّقات عن رسول الله ﷺ لا يردون من ذلك شيئًا إلى أنْ قال: وأنَّ اللهَ - سبحانه - على عرشه كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ثم قال بعد إيراد أقوال أصحاب الحديث والسنة: وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب. وقال في كتاب "الإبانة عن أصول الديانة": إنْ قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول: إن الله مستوٍ على عرشه؛ كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، واستدل بآياتٍ من القرآن على عُلُوِّ الرب فوق السموات، ومنها قولُ الله : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، ثم قال: فالسموات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السموات، قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]؛ لأنَّه مستوٍ على العرش الذي

стр. 91

فوق السموات، وكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السموات، وليس إذا قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]؛ يعني: جميعَ السموات، وإنَّما أراد العرش الذي هو أعلى السموات إلى أن قال: ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأنَّ الله مستوٍ على العرش الذي هو فوق السموات، فلولا أن الله على العرش، لم يرفعوا أيديهم نحو العرش؛ انتهى. قول أبي بكر محمد بن الحسين الآجري قد ذكرتُ كلامَه في ذلك مع أقوال الذين نقلوا الإجماعَ على أنَّ الله - تعالى - فوق العرش، وعلمه مُحيط بكل شيء من خلقه، وقد ذكر أن هذا قول المسلمين. وقال في كتاب "الشريعة": قال - جل ذكره -: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وقد كان النبي ﷺ إذا استفتح دُعاءه يقول: ((سبحان ربي الأعلى الوهاب))، وكان جماعة من الصحابة إذا قرؤوا ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قالوا: سبحان ربِّنا الأعلى، منهم عليُّ بن أبي طالب، وابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر ﵃ وقد علَّم النبي ﷺ أمَّته أن يقولوا في السجود:

стр. 92

((سبحان ربي الأعلى ثلاثًا))، وهذا كله يقوي ما قلنا: إنَّ الله العليُّ الأعلى، عرشه فوق السموات العُلى، وعلمه مُحيط بكل شيء خلاف ما قالته الحلولية، نعوذ بالله من سوء مذهبهم. وقال أيضًا: ومما يَحتج به الحلولية مما يُلَبِّسُون به على مَن لا علمَ معه قول الله : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣]، وقد فسر أهل العلم هذه الآية: هو الأول قبل كل شيء من حياة وموت، والآخر بعد كل شيء بعد الخلق، وهو الظاهر فوق كل شيء؛ يعني: ما في السموات، وهو الباطن دون كل شيء يعلم ما تحت الأَرَضِين، دَلَّ على هذا آخر الآية: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، كذا فسره مُقاتل بن حيان، ومقاتل بن سليمان، وبينت ذلك السنة، ثم ساق حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: ((اللهم أنت الأَوَّل، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء)). قال: ومما يلبسون به على مَن لا عِلْمَ معه قوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، وبقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وهذا كلُّه إنَّما

стр. 93

يطلبون به الفتنة، كما قال الله : ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، وعند أهلِ العلم من أهل الحق: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣]، هو كما قال أهل الحق: يعلم سِرَّكم، مما جاءت به السنن أنَّ الله على عرشه، وعلمه محيط بجميع خلقه، يعلم ما تسرون وما تعلنون، يعلم الجهر من القول، ويعلم ما تكتمون، وقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، فمعناه أنَّه - جل ذكره - إله مَن في السموات وإله من في الأرض، هو الإله يعبد في السموات، وهو الإله يعبد في الأرض، هكذا فسره العلماء، ثم روى بإسناده عن قتادة في قول الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، قال: هو إلهٌ يعبد في السماء، وإله يعبد في الأرض؛ انتهى. قول الحافظ أبي الشيخ عبدالله بن محمد بن حيان ذكر الذَّهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنَّه قال في كتاب "العظمة": ذكر عرش الرب ﵎ وكرسيه وعظمة خلقهما، وعلو الرب

стр. 94

- ﷻ فوق عرشه، ثم ساق جملةً من الأحاديث في ذلك. قول أبي الحسن بن مهدي تلميذ الأشعري ذكر الذهبي في كتاب "العلو" أنَّه قال في كتاب "مشكل الآيات" له: اعلم أنَّ الله في السماء فوق كل شيء، مستوٍ على عرشه بمعنى أنَّه عالٍ عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء، كما تقول العرب: استويت على ظهر الدَّابة، واستويت على السطح بمعنى علوته، يدُلُّ على أنه في السماء عالٍ على عرشه قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، وقوله: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، ثم قال: فإنْ قيل: ما تقولون في قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، قيل: معنى ذلك أنَّه فوق السماء على العرش، كما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]، بمعنى على الأرض، وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، فكذلك: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]؛ انتهى المقصود من كلامه ملخصًا. قول ابن بطة العكبري قد ذكرت عنه فيما تقدَّم أنه نقل إجماعَ الصحابة والتابعين أنَّ

стр. 95

الله على عرشه فوق سمواته بائن من خلقه، وذكرت أيضًا كلامه على معنى قوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، وفيه الرد على من قال: إنَّ الله معنا وفينا، فليراجع كلامه. قول أبي محمد بن أبي زيد القيرواني شيخ المالكية قد ذكرت عنه فيما تقدَّم أنَّه نقل إجماعَ الأمة على أنَّ الله - تعالى - فوق سمواته دون أرضه، وأنه في كل مكان بعلمه، ثم ذكر أنَّ هذا قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث. وقال في مقدمة رسالته المشهورة "باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات": من ذلك الإيمان بالقلب، والنطق باللسان بأنَّ اللهَ إله واحد لا إلهَ غيره، ولا شبيهَ له، ولا نظيرَ له، ولا ولد له، ولا والد له، ولا صاحبة له، ولا شريك له، وأنَّه فوق عرشه المجيد بذاته، وهو بكلِّ مكان بعلمه؛ انتهى المقصودُ من كلامه، وقد نقله ابنُ القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية"، وأقرَّه. قال: وكذلك ذكر مثل هذا في نوادره وغيرها من كتبه، ونقل عنه أيضًا أنه قال في "مختصر المدونة": وأنَّه - تعالى - فوق عرشه بذَاتِه،

стр. 96

فوق سبع سمواته دون أرضه؛ انتهى، وقد نقل شيخُ الإسلام أبو العباس ابن تيميَّة في "القاعدة المراكشية" قولَ ابن أبي زيد: إنَّ الله - تعالى - فوق عرشه المجيد بذاته، وهو في كلِّ مكان بعلمه، وقال أيضًا: صَرَّح ابنُ أبي زيد في "المختصر" بأنَّ اللهَ في سَمائه دون أرضه. قال شيخ الإسلام أبو العباس: هذا لفظه، قال: والذي قاله ابن أبي زيد ما زالت تقوله أئمة أهل السنة من جميع الطَّوائف؛ انتهى، ونقل الذهبي في كتاب "العلو" قولَ ابن أبي زيد، وأنه - تعالى - فوق عرشه المجيد بذاته، ثم قال: وقد تقدَّم مثلُ هذه العبارة عن أبي جعفر بن أبي شيبة، وعثمان بن سعيد الدَّارمي، وكذلك أطلقها يَحيى بن عمار واعظ سجستان في رسالته، والحافظ أبو نصر الوائلي السجزي في كتاب "الإبانة" له، فإنَّه قال: وأئمتنا كالثوري، ومالك، والحمادين، وابن عيينة، وابن المبارك، والفضيل، وأحمد، وإسحاق مُتَّفِقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأنَّ علمه بكل مكان، وكذا أطلقها ابنُ عبدالبر، وكذا عبارة شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري، فإنَّه قال: وفي أخبار شتى أن الله في السماء السابعة على العرش بنفسه، وكذا قال أبو الحسن الكَرَجي (١) الشافعي في تلك القصيدة:

стр. 97

عَقَائِدُهُمْ أَنَّ الْإِلَهَ بِذَاتِهِ ... عَلَى عَرْشِهِ مَعْ عِلْمِهِ بِالْغَوَائِبِ وعلى هذه القصيدة مكتوب بخط العلاَّمة تقي الدين ابن الصلاح: هذه عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث، وكذا أطلق هذه اللَّفظة أحمد بن ثابت الطَّرْقِي (١) الحافظ، والشيخ عبدالقادر الجيلي، والمفتي عبدالعزيز القحيطي وطائفة، والله - تعالى - خالقُ كلِّ شيء بذاته، ومُدبر الخلائق بذاته بلا مُعين ولا مؤازر، وإنَّما أراد ابنُ أبي زيد وغيره التفرقةَ بين كونه - تعالى - معنا، وبين كونه - تعالى - فوق العرش، فهو كما قال، ومعنا بالعلم، وأنَّه على العرش، كما أعلمنا حيث يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقد تلفَّظ بالكلمة المذكورة جماعةٌ من العلماء كما قدَّمناه، وبلا ريب أنَّ فضولَ الكلام تركُه من حسن الإسلام؛ انتهى كلام الذَّهبي، وقد ذكرت بعد تعقيبه على ذكر الذَّات في كلام أبي نصر السجزي أنَّ ذكر الذات ليس من فضول الكلام، وإنَّما هو من الإيضاح والتفريق بين عُلُو الله - تعالى - فوق عرشه بذاته، وبين معيته بالعلم مع الخلق.

стр. 98

قول أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني قد ذكرت عنه فيما تقدم أنَّه نقل الإجماع على خلاف من قال: إنَّ الله في كل مكان، وعلى تخطئة قائل ذلك، وذكرت أيضًا قوله في إثبات استواء الله على عرشه، وما استدل به من الآيات، فليراجع كلامه. قول الحافظ أبي نعيم أحمد بن عبدالله بن أحمد الأصبهاني قد ذكرت عنه فيما تقدم أنَّه نقل الإجماع على أن الله مستوٍ على عرشه في سمائه دون أرضه، وأنه بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يَحِلُّ فيهم ولا يَمتزج بهم. قول معمر بن أحمد بن زياد الأصبهاني ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في "الفتوى الحموية الكبرى" عنه أنه قال: أحببت أنْ أوصي أصحابي بوصية من السنة، وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين، قال فيها: وأنَّ الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل،

стр. 99

والاستواء معقول، والكيف فيه مجهول، وأنه مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، والخلق منه بائنون بلا حُلُول ولا ممازجة ولا اختلاط ولا ملاصقة؛ لأنَّه الفرد البائن من الخلق، الواحد الغني عن الخلق؛ انتهى، وقد نقله الذَّهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية". قول أبي القاسم عبدالله بن خلف المقري الأندلسي نقل ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنه ذكر حديث النُّزول، ثم قال: في هذا الحديث دليلٌ على أنه - تعالى - في السماء على العرش فوق سبع سموات - ثم ذكر الأدلة على ذلك من القرآن، وذكر قول مالك بن أنس: الله في السماء، وعلمه في كلِّ مكان، لا يَخلو من علمه مكان، إلى أنْ قال: ومن الحجة أيضًا في أنَّ الله على العرش فوق السموات السبع أنَّ الموجودين أجمعين إذا كربهم أمر، رفعوا وجوههم إلى السماء، يستغيثون اللهَ ربَّهم، وقوله ﷺ للأَمَة التي أراد مولاها أنْ يعتقها: ((أين الله؟))، فأشارت إلى السماء، ثم قال لها: ((من أنا؟))، قالت: أنت رسول الله، قال: ((اعتقها فإنَّها مؤمنة))، فاكتفى رسولُ الله ﷺ منها برفع رأسها إلى السماء، ودَلَّ على

стр. 100

ما قدمناه أنه على العرش، والعرش فوق السموات السبع؛ انتهى. قول أبي عبدالله محمد بن أبي نعيس المالكي المشهور بابن أبي زمنين نقل ابنُ القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنَّه قال في كتابه الذي صنفه في أصول السنة "باب الإيمان بالعرش"، ومن قول أهل السنة: إنَّ الله خلق العرش واختصه بالعُلُو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء، كما أخبر عن نفسه في قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] إلى أنْ قال: ومن قول أهل السنة: أنَّ الله بائن من خلقه، متحجب عنهم بالحجب - تعالى الله عما يقول الظالمون عُلُوًّا كثيرًا - وذكر حديث النُّزول، ثم قال: وهذا الحديث يبين أن الله - تعالى - على عرشه في السماء دون الأرض؛ انتهى، وقد ذكرت بعض كلامه مع أقوال الذين نقلوا إجماع أهل السنة على أن الله - تعالى - مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وقد نقل شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في الفتاوى جملة من أول كلامه، وذكر عنه أنه قال: فسبحان من بَعُدَ فلا يُرى، وقرب بعلمه وقدرته.

стр. 101

قول القاضي عبدالوهاب المالكي نقل ابنُ القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنَّه صرح بأن الله - سبحانه - استوى على عرشه بذاته، نقله شيخ الإسلام عنه في غير موضع من كتبه، ونقله عنه القرطبي في شرح الأسماء الحسنى. قول الإمام أبي أحمد بن الحسين الشافعي المعروف بابن الحداد ذكر ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنَّه قال في عقيدته: وأنه - سبحانه - مستوٍ على عرشه، وفوق جميع خلقه، كما أخبر في كتابه، وعلى ألسنة رسله - صلى الله عليهم وسلم - من غير تشبيه ولا تعطيل، ولا تحريف ولا تأويل. قول الحافظ أبي القاسم اللالكائي قد ذكرت كلامَه في أول الفصل، وإنَّما قدمته من أجل ما ذكر فيه عن عمر وابن مسعود وابن عباس وأم سلمة ﵃ ومن التابعين: ربيعة وسليمان التيمي ومقاتل بن حيان، ومن الأئمة مالك والثوري وأحمد، فكل هؤلاء يقولون: إنَّ الله

стр. 102

على عرشه وعلمه بكل مكان، وفي هذا أبلغ رد على من زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية. قول يحيى بن عمار السجستاني الواعظ ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في "القاعدة المراكشية"، والذَّهبي في كتاب "العلو" عنه أنَّه قال في رسالته: لا نقول كما قالت الجهمية: إنَّه تعالى مداخل للأمكنة، وممازج بكل شيء، ولا نعلم أين هو، بل نقول: هو بذاته على العرش، وعلمه مُحيط بكل شيء، وسمعه وبصره وقدرته مدركة لكل شيء، وذلك معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقد ذكر ابن القيم بعضَ هذا الكلام في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية". قول القادر بالله أمير المؤمنين قال الذهبي في كتاب "العلو" - له معتقد مشهور قرئ ببغداد بمشهد من علمائها وأئمتها، وأنه قول أهل السنة والجماعة، وفيه أشياء حسنة، من ذلك -: وأنَّه خلق العرش لا لحاجة، واستوى عليه كيف شاء.

стр. 103

قول أبي عمر الطلمنكي قد ذكرت عنه فيما تقدم أنه نقل الإجماع على أنَّ الله مستوٍ على عرشه، وعلمه وقدرته وتدبيره بكلِّ ما خلقه، وأن معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، ونحو ذلك في القرآن أنَّ ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته، مستوٍ على عرشه كيف شاء، وأنَّ الاستواء من الله على عرشه على الحقيقة لا على المجاز، وقد ذكر شيخُ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في "القاعدة المراكشية" عن أبي عمر الطلمنكي أنَّه ذكر في كتابه الذي سماه "الوصول إلى معرفة الأصول" عن أهل السنة والجماعة أنَّهم متفقون على أنَّ الله استوى بذاته على عرشه، قال شيخ الإسلام: وكذلك ذكر محمد بن عثمان بن أبي شيبة حافظ الكوفة في طبقة البخاري ونحوه، ذكر ذلك عن أهل السنة والجماعة، وكذلك ذكره يَحيى بن عمار السجستاني الإمام في رسالته المشهورة التي كتبها إلى ملك بلاده، وكذلك ذكر أبو نصر السجزي الحافظ في كتاب "الإبانة" له، وكذلك ذكر شيخ الإسلام الأنصاري وأبو العباس الطَّرْقي، والشيخ عبدالقادر الجيلي، ومن لا يُحصي عدده إلا اللهُ من أئمة الإسلام

стр. 104

وشيوخه؛ انتهى، وقد تقدم ذكر آخره بعد كلام السجزي في أول الفصل. قول أبي عثمان الصابوني قد ذكرت عنه فيما تقدم أنه نقل عن أصحاب الحديث أنَّهم يعتقدون ويشهدون أن الله فوق سبع سمواته على عرشه كما نطق به كتابه، وأنَّ علماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف لم يختلفوا أنَّ الله على عرشه وعرشه فوق سمواته. قول أبي عمرو عثمان بن أبي الحسن بن الحسين السهروردي الفقيه المحدث من أئمة أصحاب الشافعي ذكر ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنَّه قال في كتابه "في أصول الدين": ومن صفاته ﵎ فوقيته واستواؤه على عرشه بذاته، كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ بلا كيف - ثم ذكر الأدلة على ذلك من القرآن إلى أنْ قال -: وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السَّلف لم يَختلفوا في أن الله - سبحانه - مستوٍ على عرشه، وعرشه فوق سبع سمواته، ثم ذكر كلام عبدالله بن المبارك: نعرف ربنا بأنه فوق سبع سمواته على

стр. 105

عرشه، بائن من خلقه، وساق قول ابن خزيمة: من لم يُقِرَّ بأن الله - تعالى - فوق عرشه قد استوى فوق سبع سمواته، فهو كافر - ثم ذكر حديث الجارية التي قال لها النبي ﷺ : ((أين الله؟))، فأشارت إلى السماء، فقال لها: ((من أنا؟))، فأشارت إليه وإلى السماء، تعني أنَّك رسولُ الله الذي في السماء، فقال: ((اعتقها فإنَّها مؤمنة))، فحكم رسولُ الله ﷺ بإسلامها وإيمانها لما أقرت بأن ربَّها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية؛ انتهى. قول الإمام أبي بكر محمد بن محمود بن سورة التميمي فقيه نيسابور ذكر ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" ما رواه الحافظ عبدالقاهر الرهاوي عنه أنه قال: لا أصلي خلف من لا يُقِرَّ بأن الله - تعالى - فوق عرشه بائن من خلقه. قول أبي نصر السجزي قد ذكرت كلامه في أول الفصل، وما نقله عن الثوري ومالك والحمادين وسفيان بن عيينة والفضيل وابن المبارك وأحمد وإسحاق أنَّهم مُتَّفقون على أنَّ الله - سبحانه - بذاته فوق العرش، وعلمه بكلِّ

стр. 106

مكان، وإنَّما قدمت كلامه في أول الفصل من أجل ما نقله عن هؤلاء الأئمة من الاتِّفاق على أنَّ الله - سبحانه - بذاته فوق العرش، وعلمُه بكل مكان، وفي هذا الاتِّفاق رد على من زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية. قول إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي ذكر ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنَّه قال في كتاب "الحجة" "باب في بيان استواء الله على عرشه"، قال الله - تعالى -: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وذكر آيات، ثم قال: قال أهلُ السنة: الله فوق السموات لا يعلوه خلق من خلقه، ومن الدليل على ذلك أنَّ الخلق يشيرون إلى السماء بأصابعهم، ويدعونه ويرفعون إليه رؤوسهم وأبصارهم - ثم قال: "فصل في بيان أنَّ العرش فوق السموات، وأنَّ الله فوق العرش" إلى أنْ قال: قال علماءُ السنة: إنَّ الله على عرشه بائن من خلقه، وقالت المعتزلة: هو بذاته في كل مكان - إلى أن قال: وروي عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله - تعالى -: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، قال: هو على عرشه، وعلمه في كل مكان - إلى أن

стр. 107

قال: وزعم هؤلاء - يعني المعتزلة - أنه لا تجوز الإشارة إلى الله - سبحانه - بالرؤوس والأصابع إلى فوق، فإنَّ ذلك يوجب التحديد، وقد أجمع المسلمون أن الله - سبحانه - العليُّ الأعلى، ونطق بذلك القرآن، فزعم هؤلاء أنَّ ذلك بمعنى علو الغلبة لا علو الذات، وعند المسلمين أن لله علوَّ الغلبة، والعلو من سائر وجوه العلو؛ لأنَّ العلو صفة مدح، فنثبت أن لله - تعالى - علوَّ الذَّات، وعلو الصفات، وعلو القهر والغلبة، وفي منعهم الإشارة إلى الله من جهة الفوق خلافٌ منهم لسائر الملل؛ لأن جماهير المسلمين وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله من جهة الفوق في الدُّعاء والسؤال، واتِّفاقهم بإجماعهم على ذلك حجة، ولم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة الأسفل ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق؛ انتهى المقصود من كلامه. قول أبي عمر بن عبدالبر قد ذكرت عنه فيما تقدَّم أنه نقل إجماع الصحابة والتابعين على القول بأن الله - تعالى - على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يُحتج بقوله، وذكرت له أيضًا كلامًا حسنًا على

стр. 108

حديث النزول، فليُراجَع كلُّ ما تقدم عنه. قول أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي قال في كتابه المسمى بـ "الاعتقاد": "باب القول في الاستواء"، قال الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ثم ذكر آيات في ذكر استواء الرب على العرش، وآيات في ذكر علو الله على خلقه، وقد ذكر الآيات أيضًا والكلام عليها في كتابه المسمى بـ "الأسماء والصفات"، ونقلت من كلامه ما يتعلَّق بالرد على من زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية، فليراجع ذلك مع الكلام على قول الله - تعالى -: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] الآية. قول أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي ذكر الذهبي في كتاب "العلو" عنه أنَّه قال في كتاب "الحجة" له، وأن الله - تعالى - مستوٍ على عرشه بائن من خلقه كما قال في كتابه.

стр. 109

قول أبي جعفر الهمداني قال شارح العقيدة الطحاوية: ذكر محمد بن طاهر المقدسي: أنَّ الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين، وهو يتكلَّم في نفي صفة العلو ويقول: كان الله ولا عرش وهو الآن على ما كان، فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضَّرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارفٌ قطُّ: يا الله، إلا وجد في قلبه ضرورة يطلب العُلُوَّ، ولا يلتفت يَمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟ قال: فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل، وأظنه قال: وبكى، وقال: حيَّرني الهمداني، وقد ذكر هذه القصة ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" بنحو ما ذكرها شارح العقيدة الطحاوية. وذكرها الذهبي في كتاب "العلو"، فقال: قال أبو منصور بن الوليد الحافظ في رسالة له إلى الزنجاني: أنبأنا عبدالقادر الحافظ بحران، أنبأنا الحافظ أبو العلاء، أنبأنا أبو جعفر ابن أبي علي الحافظ قال: سمعت أبا المعالي الجويني، وقد سئل عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فقال: كان الله ولا عرشَ، وجعل يتخبَّط في الكلام، فقلت: قد علمنا ما أشرت

стр. 110

إليه، فهل عندك للضرورات من حيلة؟ فقال: ما تريد بهذا القول؟ وما تعني بهذه الإشارة؟ فقلت: ما قال عارفٌ قطُّ: يا رباه، إلاَّ قبل أن يتحرك لسانه قام من باطِنِه قصدٌ لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضَّروري عندك من حيلة، فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت، وبكيت وبكى الخلق، فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: يا لَلَحَيْرة! وخرق ما كان عليه، وانخلع وصارت قيامَةً في المسجد، ونزل ولم يُجبني إلا يا حبيبي، الحيرة الحيرة! والدهشة الدهشة! فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون: سمعناه يقول: حيرني الهمداني. قال شارح العقيدة الطحاوية في الكلام على هذه القصة: أراد الشيخ أنَّ هذا أمر فَطَرَ الله عليه عباده من أنْ يتلقوه من المرسلين يَجدون في قلوبهم طلبًا ضروريًّا يتوجه إلى الله، ويطلبه في العلو؛ انتهى. قول شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاري الهروي ذكر الذهبي في كتاب "العلو" عنه أنه قال في كتاب "الصفات" له: "باب استواء الله على عرشه فوق السماء السابعة بائنًا من خلقه من الكتاب والسنة"، ثم ساق آيات وأحاديث - إلى
следующие страницы →