← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 17417

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - كتاب الصيام

ابن تيمية

Полный текст (824 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

والدم محرم أكله, ولم يكن النبي ﷺ [بإدخاله] الدم إلى فمه بآكل ولا منهي عنه في هذا الحال. فكذلك الأشياء إذا دخلت فم الصائم لا تضره, لكن يكره ذلك إذا لم تدع إليه الحاجة؛ [لأن فيه حوماً حول الحمى]. فأما إن كان لحاجة؛ مثل أن يذوق طعم القدر أو خلَاّ ونحوه مما يريد شراءه, أو يمضغ الخبز للصبي ونحو ذلك؛ ففيه روايتان: إحداهما: يكره.

стр. 457

٤٩١ - قال في رواية حنبل: عن عكرمة, عن ابن عباس: «لا بأس أن يذوق الصائم الخل والشيء الذي يريد شراءه ما لم يدخل حلقه». ٤٩٢ - ومنصور عن الحسن: «أنه كان يمضغ الجوز والشيء لابنه, وهو صائم». قال أبو عبد الله: أحب إليَّ أن يجتنب الصائم ذوق الشيء, فإن فعل؛ لم يضره, ولا بأس به». وهو اختيار أبي الخطّاب. والثانية: لا يكره. قال في رواية أبي الحارث: يمضغ للصبي الخبز في شهر رمضان ضرورة. وهذا قول أبي بكر وابن عقيل. وقال القاضي: إذا كان الشيء الذي يذوقه مما يتحلل إلى حلقه مثل الخل وغيره من الأشياء؛ منع من ذلك. [وإن كان ما لا يتحلل غالباً كالخبز والقثاء ونحو ذلك؛ جاز له ذلك]؛ فإن فعل, فوجد طعمه أو نزل إلى جوفه بغير اختياره:

стр. 458

فقال أبو بكر: لا يضرُّه ما لم يبلعه أو يزدرده متعمداً, وعلى الغلبة لا قضاء عليه. وقال القاضي وأصحابه وغيرهم من أصحابنا: يفطر بنفس وجود الطعم, وإن ذاقه ثم لفظه؛ لأنه يُعلم أنه قد تحلل إلى حلقه منه شيء؛ بخلاف ما إذا لم يجد طعمه في حلقه, وبخلاف العلك الذي يصلب بالعلك؛ فإن الريق يتميز عنه ويأخذ الطعم منه, وهذه المذوقات لا يتميز الريق منها. وأكثر كلام أحمد على هذا, ورواية ابن القاسم توافق قول أبي بكر. فأما وضع ما لا طعم له؛ فلا يكره. قال في رواية المروذي: إذا وضع الصائم في فمه ديناراً أو درهماً وهو صائم؛ أرجو أن لا يكون به بأس؛ ما لم يجد طعمه, وما وجد طعمه لا يعجبني. قال ابن عقيل: وهذا عندي محمول على أجزاء ما يكون على الدينار من غبار وما شاكله, فأما الذهب؛ فلا طعم له في نفسه, ولو كان له طعم؛ فإنه لا يتحلل منه شيء إلى الفم. وإذا وجد طعم الدرهم والدينار؛ ففيه وجهان على ما ذكره القاضي. فأما ما يبقى في الفم من أجزاء الماء في المضمضة؛ فإنه لا يفطر بوصوله إلى جوفه, وإن أمكن الاحتراز عنه بالبصق, ولا يستحب إخراجه. فأما ما يبقى من أثر المذوق. . . . ويكره للصائم مضغ العلك, وهو الموميا واللبان, الذي كلما علكه؛ قوي وصلب ولم يتحلل منه شيء؛ لما تقدم من أنه لا حاجة إليه, وهو يحلب الفم

стр. 459

ويجمع الريق فيه ويورث العطش, وجمع الريق وبلعه مكروه, ولا يفطر باجتماع هذا الريق وابتلاعه ما لم يجد طعم العلك. قاله القاضي وغيره من أصحابنا. وذكر ابن عقيل فيه الروايتين التي تقدمت فيمن جمع الريق وبلعه: فإن ابتلع الريق فوجد طعم العلك في حلقه؛ فقد قال أحمد فيما إذا وجد طعم الدينار: لا يعجبني. وهذا مثله, وفيه وجهان: أحدهما: أنه يفطر. قال القاضي: وهو ظاهر قوله: «لأنه وجد الطعم في حلقه» , فأفطر كما لو [وجد طعم الكحل] وأولى, ولأن الريق باختلاطه بالعلك وامتزاجه به صار بمنزلة شيء من خارج, فإذا بلعه؛ فقد بلع جسماً له طعم فيفطر؛ كما لو مزج ريقه بخل ثم بلعه. والثاني: لا يفطر. لأن الطعم عرض, وهو لم ينزل في حلقه شيء من الأجسام, وهو لا يفطر بهذا؛ كما لو وضع رجله في الماء فوجد بردها, كما لو لطخ رجله بالحنظل فوجد طعمه في فيه؛ فإنه لا يفطر. فأما الذي يتحلل منه أجزاء وهو يتفشى ويتهرأ بالعلك: فقال أصحابنا: لا يجوز له مضغه, ومتى مضغه فوجد طعمه في حلقه؛ أفطر. وقال ابن عقيل: يحرم مضغه ويفسد الصوم؛ لأنه ابتلع في صومه ما يقدر على التحرز منه. وقال غيرهما: يحرم؛ إلا إذا لم يبتلع ريقه.

стр. 460

وقال غيره: هذا إذا لم يكن إليه حاجة, فأما مع الحاجة؛ فيجوز. وذكر القاضي: أنه لا يعلكه, ولم يكره؛ كما نص عليه أحمد في مضغ الجوز وغيره. وإذا كانت الحاجة إليه؛ ففي الكراهة الروايتان. وإذا وجد طعمه وأثره وبصاقه في فيه؛ فعلى الوجهين: فإن مضغ هذا العلك, فنزل في حلقه منه شيء؛ أفطر؛ لأنه أجزاء منه؛ فهو كما لو جعل في [فمه] طعام, فذاب ونزل في حلقه. وإن وجد الطعم, ولم يتيقن نزول الأجزاء؛ أفطر أيضاً. قاله أبو الخطاب. وهو مقتضى قول القاضي؛ لأن طعم هذه العلك لا ينفصل عن أجزائها؛ فإنها تختلط بالريق وتمتزج به. وهل يكره السواك الرطب؟ على روايتين: إحداهما: يكره. نقلها الأثرم, فقال: لا يعجبني السواك الرطب. والثانية: الرطب واليابس سواء. قال في رواية ابن هانئ: أرجو؛ أي: سواء كان الرطب واليابس للصائم. وهو اختيار أبي بكر. وأما ابتلاع ريق الغير؛ فإنه يفطر أيضاً فيما ذكره أصحابنا.

стр. 461

٤٩٣ - واعتذروا عما روي عن عائشة: «أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها». رواه أحمد وأبو داوود.

стр. 462

فإنه قد روي عن أبي داوود: أنه قال: هذا إسناد ليس بصحيح. وإنه يجوز أن يكون المصُّ في غير وقت التقبيل, وأن يكون قد مصه ولم يبتلعه. وحمله بعضهم على أن البلل الذي على لسانها لم يتحقق انفصاله إلى فيه ودخوله إلى جوفه لقلته, فلم يفطر على إحدى المقدمتين. الفصل الثالث: إذا فكر فأنزل, أو قطر في إحليله, أو احتلم, أو ذرعه القيء؛ فإنه لا يفسد صومه. أما القيء والاحتلام: فمن غير خلاف. وأما إذا فكر فأنزل: فقد تقدم أن فيها وجهين: وإذا قطر في إحليله: لم يفطر بمجرد ذلك, وكذلك لا يفسد صومه لو أنزل بغير شهوة؛ كالذي يخرج منه المني أو المذي لغير شهوة.

стр. 463

* فصل: وقال الأثرم: قضية المباشرة شبيهة بقضية القبلة, فالقبلة إذا خاف الصائم أن ينتشر؛ اجتنبها, وإذا أمن ذلك؛ فلا بأس بها, وذلك أن ينتشر فيمذي فيجرح صومه. ولا يباشر الصائم النساء لشهوة. قاله ابن أبي موسى. وهل هو محرم أم مكروه؟ ولفظه: ولا تقرب النساء بجماع ولا مباشرة في نهار الصوم ولا قبلة إذا كان شديداً شابّاً شبقاً يخاف على نفسه. فأما مباشرتها لغير شهوة؛ مثل أن يمس يدها لمرض ونحوه؛ فلا يكره؛ كما لا يكره في الإِحرام والاعتكاف. وقال ابن عقيل: المباشرات دون الفرج مثل القبلة واللمس والمعانقة والمصافحة لشهوة: إن كان من الشيخ الهرم الذي لا تحرك القبلة منه ساكناً؛ فلا إثم عليه ولا قضاء ولا كفارة, وإن كان شابّاً؛ كره له ذلك, وأثم بفعله. فأما القبلة: فإن كانت تحرك شهوته بأن يكون شابّاً؛ كرهت له القبلة. قال بعض أصحابنا: كراهة تحريم. وكذلك ذكر ابن عقيل وأبو الحسين. وقال بعضهم: إذا كان ذا شهوة مفرطة؛ بحيث يغلب على ظنه أنه ينزل معها؛ حرمت كما يحرم [عليه] الاستمناء, وإن لم ينزل معه, وإلا؛ كرهت ولم تحرم. وإن كان ممن لا تحرك القبلة شهوته؛ فعلى روايتين:

стр. 464

إحداهما: لا بأس بها. قال في رواية أبي داوود: إذا كان لا يخاف؛ فإذا كان شابّاً؛ فلا. وقال في رواية ابن منصور وقد سئل عن الصائم يقبل أو يباشر: أما المباشرة شديدة, والقبلة أهون. والثانية: يكره مطلقاً. قال في رواية حنبل: وقد سئل عن القبلة للصائم, فقال: لا يقبل, وينبغي له أن يحفظ صومه, والشاب [ينبغي له] أن يجتنب ذلك؛ لما يخاف من نقض صومه. وهذه الكراهة كراهة تحريم فيما ذكره القاضي وابنه أبو الحسين. لأن الله سبحانه قال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ. . .﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. والمباشرة أن تلاقي البشرة للبشرة على وجه الاستمتاع, وهو أعم من الجماع. وقد مُدَّ إباحة ذلك إلى تبين الفجر, يدل على ذلك أنه قال في الاعتكاف: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ , وعم ذلك المباشرة بالوطء والغمز والقبلة, وكذلك قوله في آية الحج: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ , [والرفث الجماع ومقدماته].

стр. 465

وآية الصيام قد ذكر فيها الرفث [والمباشرة] , ولأن كل عبادة حرمت من الوطء؛ حرمت مقدماته؛ كالإِحرام والاعتكاف, ولأن المباشرة والقبلة من دواعي الجماع؛ فلا يؤمن أن يقترن بها إنزال مني أو مذي, أو أن تدعو إلى الازدياد والإِكثار, فيفضي إلى الجماع. - فإن سلمة بن صخر رأى بياض ساق امرأته, فدعاه ذلك إلى جماعها. ومن نصر هذه الرواية؛ قال: إن تقبيل النبي ﷺ كان من خصائصه. ٤٩٤ - لما روت عائشة ﵂؛ قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم, ويباشر وهو صائم, وكان أملككم لإِربه». متفق عليه. وفي رواية لمسلم: «في شهر رمضان». والرواية الأولى اختيار أبي موسى والقاضي وأصحابه. ٤٩٥ - لما روي عن امسلمة ﵂: «أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم». متفق عليه. وعن عمرو بن أبي سلمة: أنه سأل رسول الله ﷺ : أيقبل الصائم؟ فقال

стр. 466

له: «سل هذه (لأم سلمة»). فأخبرته أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. فقال: يا رسول الله! قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال له رسول الله ﷺ : «أما والله؛ إني لأتقاكم لله وأخشاكم له». رواه مسلم. [وتكرار] النظر مكروه لمن تحرك شهوته بخلاف من لا تحرك شهوته. وقيل: لا يكره بحال. ٤٩٦ - وعن أبي هريرة ﵁: «أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم فرخص له, وأتاه آخر فنهاه عنها؛ فإذا الذي رخص له شيخ, وإذا الذي نهاه شاب». رواه أبو داوود.

стр. 467

مسألة: «ومن أكل يظنه ليلاً فبان نهاراً؛ أفطر» . هذه المسألة لها صورتان: إحداهما: أن يأكل معتقداً بقاء الليل, فتبين له أنه أكل بعد طلوع الفجر. والثانية: أن يأكل معتقداً غروب الشمس لتغيم السماء ونحو ذلك, فتبين أنه أكل قبل مغيبها, وفي كلا الموضعين يكون مفطراً, سواء في ذلك صوم رمضان وغيره, لكن إن كان في رمضان؛ لزمه أن يصوم بقية يومه [حتى لو جامع فيه لزمته الكفارة وعليه القضاء. هذا نصه في غير موضع ومذهبه] وإن كان في قضاء رمضان؛ جاز له الخروج منه, والأفضل إتمامه وقضاؤه. وإن كان في غير رمضان؛ لم يلزمه المضي فيه؛ سواء كان نفلاً أو نذراً معيناً أو صوم متتابع؛ كصوم كفارة الظهار والقتل, ولا ينقطع تتابعه بالأكل فيه بعد ذلك, هكذا ذكر. . . . وذلك لأن الله تعالى يقول: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].

стр. 468

وهذا أكل بعد أن تبين بياض النهار من سواد الليل أو لم يتم صيامه إلى الليل. ٤٩٧ - لما روى علي بن حنظلة عن أبيه؛ قال: كنا مع عمر بن الخطاب في شهر رمضان, فلما غابت الشمس فيما يرون؛ أفطر بعض الناس, فقال رجل: يا أمير المؤمنين! هذه الشمس بادية. فقال: «أعاذنا الله من شرك, ما بعثناك راعياً للشمس». ثم قال: «من أفطر منكم؛ فليصم يوماً مكانه». ٤٩٨ - وعن بشر بن قيس؛ قال: «كنا عند عمر بن الخطاب في عيشة رمضان, وكان يوم غيم, فجاءنا سويق, فشرب, وقال لي: أتشرب؟ فشربت, فأبصرنا بعد ذلك الشمس, فقال عمر: لا والله؛ ما نبالي أن نقضي يوماً مكانه».

стр. 469

٤٩٩ - وعن زيد بن أسلم, عن أخيه, عن أبيه: «أن عمر بن الخطاب أفطر, فقالوا له: طلعت الشمس. فقال: خطب يسير, قد كنا جاهلين». رواهن سعيد.

стр. 470

ورواه مالك, عن زيد بن أسلم, عن أبيه: «أن عمر أفطر ذات يوم في رمضان في يوم ذي غيم, رأى أن قد أمسى وغابت الشمس, فجاءه رجل, فقال: يا أمير المؤمنين! قد طلعت الشمس. فقال عمر بن الخطاب: الخطب يسير, وقد اجتهدنا». قال مالك: يريد بذلك القضاء, ويسير مؤنته وخفته فيما نرى. والله أعلم. قال أحمد في رواية الأثرم: إذا تسحر وظن الفجر لم يطلع فشرب, ثم علم أنه طلع؛ يقضي يوماً مكانه, ومن أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت. يذهب إلى القضاء؛ على حديث زيد بن أسلم عن أخيه عن أبيه عن عمر بن

стр. 471

الخطاب؛ قال: قضاء يوم يسير. يقول: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ , فيقضي إذا أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت. ٥٠٠ - وعن مكحول: أن أبا سعيد الخدري سئل عن رجل تسحر وهو يرى أن عليه ليلاً, وقد طلع الفجر؟ فقال: «إن كان في شهر رمضان؛ صام يومه ذلك وعليه قضاء يوم مكانه, وإن كان من غير شهر رمضان؛ فليأكل من آخره؛ فقد أكل من أوله». ٥٠١ - وعن يحيى الجزار؛ قال: سئل ابن مسعود عن الرجل يتسحر وهو يرى [أنه ليل] , وقد طلع الفجر؟ قال: «من أكل من أول النهار؛ فليأكل من آخره». رواهن سعيد.

стр. 472

فقد اتفقت الصحابة ﵃ على إيجاب القضاء مع الجهل؛ لأنه أفطر في جزء من رمضان يعتقده وقت فطر, فلزمه القضاء؛ كما لو أفطر يوم ثلاثين من شعبان, فتبين أنه من رمضان. والفرق بين هذا وبين الناسي: أنه قد كان يمكنه الاحتراز؛ لأنه أكل باجتهاده, فتبين خطأ اجتهاده؛ بخلاف الناسي؛ فإنه لا يمكنه الاحتراز. مسألة: وإن أكل شاكّاً في طلوع الفجر؛ لم يفسد صومه, وإن أكل شاكّاً في غروب الشمس؛ فسد صومه .

стр. 473

هذا منصوص أحمد وأصحابه. قال حرب: قيل لأحمد: رجل يتسحر وقد طلع الفجر؟ قال: إذا استيقن بطلوع الفجر؛ أعاد الصيام, وإن شك؛ فليس عليه شيء أرجو. إلا أن القاضي ذكر في بعض المواضع: أنه لو أكل يظن أن الفجر لم يطلع؛ كان عليه القضاء, وإن كان الأصل بقاء الليل؛ احتياطاً؛ كما لو أكل وظن أن الشمس غربت. وكذلك ذكر ابن عقيل في بعض المواضع: من خاف طلوع الفجر؛ يجب عليه أن يمسك جزءاً من الليل؛ ليتحقق له صوم جميع [النهار] , وقاس عليه يوم [الإِغمام]. وذكر ابن عقيل في موضع آخر: أنه إذا أكل ثم شك هل طلع الفجر أو غربت الشمس؟ ولم يبين له يقين الخطأ؛ فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يتيقن وجود سبب القضاء. والمذهب الذي ذكراه في سائر المواضع وذكره عامة الأصحاب كالمنصوص؛ لأن الأصل بقاء النهار؛ فإذا أكل قبل أن يعلم الغروب؛ فقد أكل في الوقت الذي يحكم بأنه نهار, وإذا أكل قبل أن يتبين الفجر؛ فقد أكل في الوقت الذي يحكم بأنه ليل, ولأن الله سبحانه قال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾؛ فمن أكل وهو شاك؛ فقد أكل قبل أن يتبين له الخيط الأبيض. ولأن الأكل مع الشك في طلوع الفجر جائز, والأكل مع الشك في الغروب غير جائز؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى, وإذا فعل الجائز؛ لم يفطر؛

стр. 474

إلا أن يتبين له الخطأ. وإن غلب على ظنه طلوع الفجر: فقال بعض أصحابنا: هو كما استيقنه؛ لأن غلبة الظن في مواقيت العبادات تجري مجرى اليقين. وظاهر قول أحمد وابن أبي موسى: أنه ما لم يتيقن طلوعه؛ فصومه تام. وإن غلب على ظنه غروب الشمس؛ جاز له الفطر. وقياس قول القاضي في الصلاة. . . . * فصل: [الوقت] الذي يجب صيامه من طلوع الفجر الثاني إلى مغيب قرص الشمس؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ٥٠٢ - وعن سهل بن سعد؛ قال: «أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ , ولم ينزل: مِنَ الْفَجْرِ﴾ , فكان رجال إذا أرادوا الصوم؛ ربط أحدهم في رجليه الأبيض والخيط الأسود, ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما, فأنزل الله بعد ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ , فعلموا إنما يعني الليل والنهار» أخرجاه.

стр. 475

٥٠٣ - وعن عدي بن حاتم؛ قال: لما نزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾؛ عمدت إلى عقالين؛ عقال أبيض وعقال أسود, فوضعتهما تحت وسادتي, فجعلت أقوم الليل فلا يتبين لي, فلما أصبحت؛ ذكرت ذلك للنبي ﷺ , فقال: «إن وسادك لعريض, إنما هو بياض النهار من سواد الليل». رواه الجماعة إلا ابن ماجه. ٥٠٤ - وعن سمرة: أن النبي ﷺ قال: «لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا, حتى يستطير هكذا». قال: يعني: معترضاً. رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه. ولفظ أحمد وأبي داوود والترمذي: «لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال, ولا الفجر المستطيل, ولكن الفجر المستطير في الأفق». وفي لفظ لأحمد: «لا يغرنكم نداء بلال وهذا البياض حتى ينفجر (أو: يطلع) الفجر». ٥٠٥ - وعن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره؛ فإنه يؤذن (أو قال: ينادي) بليل؛ ليرجع قائمكم, ويوقظ نائمكم, وليس الفجر أن يقول هكذا, ولكن يقول هكذا (يعني: الفجر هو المعترض وليس بالمستطيل»). رواه الجماعة إلا الترمذي.

стр. 476

وفي رواية صحيحة: «ليس أن يقول هكذا (وضم يده ورفعها) , ولكن يقول هكذا (وفرق بين السباتين»). ٥٠٦ - وعن ابن أبي ذئب, عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: «هما فجران؛ فأما الفجر الذي كأنه ذنب السرحان؛ فإنه لا يحل شيئاً ولا يحرمه, وأما المستطير الذي يأخذ الأفق؛ فبه تحل الصلاة ويحرم الصيام». رواه أبو داوود في «مراسيله». ٥٠٧ - وعن عمر بن الخطاب ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أقبل الليل, وأدبر النهار, (وفي لفظ: وغابت الشمس)؛ أفطر الصائم». ٥٠٨ - وعن عبد الله بن أبي أوفى؛ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر في شهر رمضان, فلما غابت الشمس؛ قال: «يا بلال! انزل فاجدح لنا». فقال: يا رسول الله! إن عليك نهاراً. قال: «انزل فاجدح». فنزل, فجدح, فأتاه به, فشرب النبي ﷺ ؛ ثم قال: «إذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا؛ فقد أفطر

стр. 477

الصائم (وأشار بأصبعه قبل المشرق»). رواه الجماعة إلا ابن ماجه والترمذي. [وفي رواية ابن عيينة عن الشيباني عن ابن أبي أوفى؛ قال: «انزل فاجدح لي». قال: الشمس يا رسول الله! قال: «انزل فاجدح». فجدح له فشرب. قال: فلو نزا أحد على بعيره لرآها (يعني: الشمس) , ثم أشار النبي ﷺ بيده قبل المشرق, فقال: «إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا؛ فقد أفطر الصائم»]. * فصل: والسنة تعجيل الفطور لقوله تعالى: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ٥٠٩ - وقال ﷺ : «إذا غربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم». ٥١٠ - «وأمر بلالاً لما غربت الشمس أن ينزل فيجدح لهم السويق». ٥١١ - وعن سهل بن سعد: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». رواه الجماعة إلا أبا داوود والنسائي.

стр. 478

٥١٢ - وعن أبي هريرة: عن النبي ﷺ : «يقول الله تعالى: إن أحب عبادي إليَّ أعجلهم فطراً». رواه أحمد واحتج به, وللترمذي حسن غريب. ٥١٣ - وعن أبي هريرة, عن النبي ﷺ ؛ قال: «لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون». رواه أبو داوود والنسائي وابن ماجه, ولفظه: «لا يزال الناس بخير».

стр. 479

٥١٤ - وعن سعيد بن المسيب؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال الناس بخير ما عجلوا إفطارهم, ولم يؤخروا تأخير أهل المشرق». رواه مالك وسعيد. ٥١٥ - وعن مكحول: أن رسول الله ﷺ قال: «من فقه الرجل تعجيل فطره وتأخير سحوره؛ فإن الله جاعل لكم من سحوركم بركة». رواهما سعيد. ٥١٦ - وعن أبي عطية الهمداني؛ قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة رحمها الله, فقلنا: يا أم المؤمنين! رجلان من أصحاب محمد, كلاهما لا يألوا عن الخير, أحدهما يعجل الإِفطار ويعجل الصلاة؟ قال: قلنا: عبد الله. قالت: كذلك كان يفعل رسول الله ﷺ . وفي رواية: «يعجل المغرب والإِفطار, والآخر يؤخر المغرب والإِفطار». وفي رواية: «والآخر أبو موسى». رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه, وقال الترمذي: حسن صحيح.

стр. 480

٥١٧ - وعن مورق العجلي, عن أبي الدرداء؛ قال: «ثلاث من أخلاق الأنبياء: التبكير بالإِفطار, والإِبلاغ في السحور, ووضع اليمين على الشمال في الصلاة». رواه سعيد. ويستحب التعجيل إذا غاب القرص مع بقاء تلك الحمرة الشديدة, ويستدل على مغيبها باسوداد ناحية المشرق. وإذا تيقن أو غلب على ظنه مغيبها؛ جاز له الفطر, وليس عليه أن يبحث بعد ذلك. قاله أصحابنا. فأما مع الشك؛ فلا يجوز له الفطر, والاختيار أن لا يفطر حتى يتيقن الغروب. ويتخرج على قول القاضي في مواقيت الصلاة أن لا يفطر حتى يتيقن

стр. 481

الغروب إذا لم يحل بينه وبين الشمس حائل؛ لأنهم أفطروا على عهد رسول الله ﷺ ثم طلعت الشمس, وكذلك على عهد عمر. ٥١٨ - وعن ابن عباس؛ قال: «إذا تسحرت, فقلت: إني أرى ذاك الصبح؛ فكل واشرب, وإن قلت: إني أظن ذاك الصبح؛ فكل واشرب, وإذا تبين لك؛ فدع الطعام, وأما الإِفطار؛ فلا تنظر إلى الشمس؛ فإن الشمس يواريها الجبال والسحاب, ولكن انظر إلى الأفق الذي يأتي منه الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم؛ فإذا رأيت الليل؛ فافطر». رواه سعيد. ٥١٩ - وعن قيس بن أبي حازم؛ قال: أتى عمر بن الخطاب بشراب عند الإِفطار, فقال لرجل عنده: «اشرب لعلك من المسوفين؛ سوف سوف». ٥٢٠ - وعن سعيد؛ قال: قال عمر: «عجلوا الفطر, ولا تنطعوا تنطع أهل العراق».

стр. 482

٥٢١ - وعن [أيمن] المكي: أنه نزل على أبي سعيد الخدري, فرآه يفطر قبل مغيب القرص. رواهن سعيد. وهذا محمول على القرص الأحمر لا على نفس قرص الشمس. ٥٢٢ - وعن مجاهد؛ قال: كنت آتي ابن عمر بشراب للفطر, وكنت أخفيه من الناس لتعجيل الإِفطار. وفي رواية: كان يدعو بالشراب وهو صائم, فآخذ في نفسي من سرعة ما يشرب. ٥٢٣ - وعن رجل: «أن ابن عمر كان يدعو بالشراب وهو صائم, فيغمزه ابنه أن لا تعجل حتى يؤذن المؤذن, ففطن له ابن عمر, فقال: ويلك! أترى هذا أفقه في دين الله مني». رواهن سعيد.

стр. 483

ويستحب أن يفطر قبل الصلاة: لأن التعجيل إنما يحصل بذلك, ولأنه أقرب إلى جمع الهم في الصلاة, ولأن الفصل بين زمن الصوم وغيره مشروع [إذا كان الإِمساك في غير زمان الصوم غير مشروع] , ولهذا استحب الفطر يوم الفطر قبل الصلاة؛ كما يدل عليه حديث بلال. ٥٢٤ - وكما [جاء] عن أنس: أن النبي ﷺ كان يفطر قبل أن

стр. 484

يصلي, ولأن النبي ﷺ أفطر قبل الصلاة, وكذلك في حديث عمر وأبي سعيد وابن عمر ٥٢٥ - وعن عبد الرحمن بن عبيد؛ قال: حضرنا الإِفطار عند علي في رمضان, فقال: «ابدؤوا فاطعموا؛ فإنه أحسن لصلاتكم». رواه سعيد. ٥٢٦ - وعن ابن عباس وطائفة: أنهم كانوا يفطرون قبل الصلاة.

стр. 485

٥٢٧ - وقد روي عن مالك, عن ابن شهاب, عن حميد بن عبد الرحمن: أنه أخبره: «أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يصليان المغرب, ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يفطرا, ثم يفطرا بعد ذلك في رمضان».

стр. 486

ورواه معمر, عن ابن شهاب, عن حميد بن عبد الرحمن: «أن عمر وعثمان ﵄ كانا يصليان المغرب في رمضان قبل أن يفطرا». وينبغي له أن يفطر على خلوفه: ٥٢٨ - لما روى المسيب بن رافع: «أن أبا هريرة كان يكره للصائم عند فطره أن يتمضمض ثم يمجه». وفي رواية: أنه قال في مضمضة الصائم عند الإِفطار: «يزدرده ولا يمجه». رواهما سعيد. لأنه أثر العبادة فلم يضيعه.

стр. 487

ويستحب له الفطر على رطب, فإن لم يكن فعلى تمر, فإن لم يكن فعلى ماء: هكذا قال أصحابنا. ٥٢٩ - لما روى أنس بن مالك؛ قال: «كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي, فإن لم تكن رطبات فتمرات, فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء». رواه أحمد وأبو داوود والترمذي وقال: حديث حسن, والدراقطني وقال: هذا إسناد صحيح. ٥٣٠ - وعن سلمان بن عامر الضبي؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أفطر أحدكم؛ فليفطر على تمرات, فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه

стр. 488

طهور». رواه الخمسة, وقال الترمذي: حديث حسن صحيح, وفي رواية للنسائي: «فإنه بركة».

стр. 489

٥٣١ - وعن جابر ﵁؛ قال: «كان رسول الله ﷺ يعجبه أن يفطر على الرطب ما دام الرطب, وعلى التمر إذا لم يكن رطب, ويختم بهن, ويجعلهنَّ وتراً ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً». رواه الشافعي في «الغيلانيات». ويستحب أن يدعو عند فطره. . . . ٥٣٢ - عن مروان بن سالم؛ قال: رأيت ابن عمر يقبض على لحيته فيقطع ما زاد على الكف, وقال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر؛ قال: «ذهب الظمأ, وابتلت العروق, وثبت الأجر إن شاء الله تعالى». رواه أبو داوود والنسائي والدارقطني, وقال: إسناد حسن.

стр. 490

٥٣٣ - وعن معاذ بن زهرة: أنه بلغه أن النبي ﷺ كان إذا أفطر؛ قال: «اللهم! لك صمت, وعلى رزقك أفطرت». رواه أبو داوود. ٥٣٤ - وعن ابن عباس؛ قال: كان النبي ﷺ إذا أفطر؛ قال: «اللهم! لك صمنا, وعلى رزقك أفطرنا؛ فتقبل منا؛ إنك أنت السميع العليم». رواه الدارقطني. قال القاضي: المستحب له أن يدعو عند إفطاره: ٥٣٥ - بما روى أنس بن مالك عن النبي ﷺ : أنه قال: «إذا صام أحدكم, فقُدَِّم عشاؤه؛ فليذكر الله , وليقل: اللهم! لك صمت, وعلى رزقك أفطرت, سبحانك وبحمدك, اللهم! تقبل منا؛ إنك أنت السميع العليم».

стр. 491

٥٣٦ - وعن الربيع بن خيثم: أنه كان إذا أفطر؛ قال: «الحمد لله الذي أعانني فصمت, ورزقني فأفطرت». رواه سعيد. * فصل: والسحور سنة , وكانوا في أول الإِسلام لا يحل لهم ذلك. ٥٣٧ - قال البراء بن عازب: «كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائماً, فحضر الإِفطار, فنام قبل أن يفطر؛ لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي, وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً, فلما حضر الإِفطار؛ أتى امرأته, فقال: أعندك طعام؟ قالت: لا, ولكن انطلق فأطلب لك. وكان يومه يعمل, فغلبته عينه, فنام, جاءته امرأته, فلما رأته؛ قالت له: خيبة لك! فلما انتصف النهار؛ غشي عليه, فذكر ذلك للنبي ﷺ , فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ

стр. 492

الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] , ففرحوا بها فرحاً شديداً, ونزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾». ٥٣٨ - وعنه أيضاً؛ قال: «لما نزل صوم رمضان؛ كانوا لا يقربون النساء رمضان كله, وكان رجال يخونون أنفسهم, فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ. . .﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]». رواهما البخاري. ٥٣٩ - قال البراء بن عازب: «كانوا إذا أكلوا لم يأكلوا إلا أكلة حتى يكونوا من الغد. قال: فعمل رجل من الأنصار في أرض له, فجاء, فقامت امرأته تبتاع شيئاً, فغلبته عيناه, فقام, فأصبح وهو مجهود, فنزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]». رواه أحمد في «الناسخ و [المنسوخ]». ٥٤٠ - وعن عطاء الخراساني, عن ابن عباس, في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ يعني بذلك أهل الكتاب,

стр. 493

[وكان] كتابه على أصحاب محمد ﷺ : «أن الرجل كان يأكل ويشرب وينكح ما بينه وبين أن يصلي العتمة أو يرقد؛ فإذا صلى العتمة ورقد؛ منع ذلك إلى مثلها من القابلة, فنسختها هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ. . .﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]». رواهما أحمد في «الناسخ والمنسوخ». وكذلك ذكر القاضي أبو يعلى أن الأكل والشرب والنكاح كان مباحاً إلى أن يرقد أو يصلي العشاء. ٥٤١ - وقال ورقاء: عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: «كانوا يصومون, فإذا أمسوا؛ أكلوا وشربوا وجامعوا, فإذا رقد أحدهم؛ حرم ذلك كله إلى مثلها من القابلة, وكان منهم رجال يختانون أنفسهم في ذلك, فخفف الله عنهم, وأحل لهم الطعام والشراب والجماع قبل النوم وبعده في الليل كله».

стр. 494

٥٤٢ - وقال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس؛ في قول الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾: «وذلك أن المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء؛ حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة, ثم إن أناساً من المسلمين أصابوا النساء والطعام في رمضان بعد العشاء, منهم عمر بن الخطاب, فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ , فأنزل الله : ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ. . .﴾ إلى قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾؛ يعني: انكحوهن, ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾؛ يعني بياض الفجر من سواد الليل, والرفث هو النكاح». ٥٤٣ - وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ قال: «كتب عليهم إذا نام أحدهم ولم يطعم؛ شيئاً إلى القابلة, وحرم عليهم الرفث إلى نسائهم ليلة الصيام

стр. 495

الشهر كله, فرخص الله لكم, وهو اليوم عليهم ثابت». رواه أحمد. ٥٤٤ - وعن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «تسحروا؛ فإن في السحور بركة». رواه الجماعة إلا أبا داوود. ٥٤٥ - وعن أبي هريرة مثله. رواه أحمد والنسائي.
следующие страницы →