← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 17417

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - كتاب الصيام

ابن تيمية

Полный текст (824 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

٥٣٦ - وعن الربيع بن خيثم: أنه كان إذا أفطر؛ قال: «الحمد لله الذي أعانني فصمت, ورزقني فأفطرت». رواه سعيد. * فصل: والسحور سنة , وكانوا في أول الإِسلام لا يحل لهم ذلك. ٥٣٧ - قال البراء بن عازب: «كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائماً, فحضر الإِفطار, فنام قبل أن يفطر؛ لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي, وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً, فلما حضر الإِفطار؛ أتى امرأته, فقال: أعندك طعام؟ قالت: لا, ولكن انطلق فأطلب لك. وكان يومه يعمل, فغلبته عينه, فنام, جاءته امرأته, فلما رأته؛ قالت له: خيبة لك! فلما انتصف النهار؛ غشي عليه, فذكر ذلك للنبي ﷺ , فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ

стр. 492

الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] , ففرحوا بها فرحاً شديداً, ونزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾». ٥٣٨ - وعنه أيضاً؛ قال: «لما نزل صوم رمضان؛ كانوا لا يقربون النساء رمضان كله, وكان رجال يخونون أنفسهم, فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ. . .﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]». رواهما البخاري. ٥٣٩ - قال البراء بن عازب: «كانوا إذا أكلوا لم يأكلوا إلا أكلة حتى يكونوا من الغد. قال: فعمل رجل من الأنصار في أرض له, فجاء, فقامت امرأته تبتاع شيئاً, فغلبته عيناه, فقام, فأصبح وهو مجهود, فنزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]». رواه أحمد في «الناسخ و [المنسوخ]». ٥٤٠ - وعن عطاء الخراساني, عن ابن عباس, في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ يعني بذلك أهل الكتاب,

стр. 493

[وكان] كتابه على أصحاب محمد ﷺ : «أن الرجل كان يأكل ويشرب وينكح ما بينه وبين أن يصلي العتمة أو يرقد؛ فإذا صلى العتمة ورقد؛ منع ذلك إلى مثلها من القابلة, فنسختها هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ. . .﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]». رواهما أحمد في «الناسخ والمنسوخ». وكذلك ذكر القاضي أبو يعلى أن الأكل والشرب والنكاح كان مباحاً إلى أن يرقد أو يصلي العشاء. ٥٤١ - وقال ورقاء: عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: «كانوا يصومون, فإذا أمسوا؛ أكلوا وشربوا وجامعوا, فإذا رقد أحدهم؛ حرم ذلك كله إلى مثلها من القابلة, وكان منهم رجال يختانون أنفسهم في ذلك, فخفف الله عنهم, وأحل لهم الطعام والشراب والجماع قبل النوم وبعده في الليل كله».

стр. 494

٥٤٢ - وقال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس؛ في قول الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾: «وذلك أن المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء؛ حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة, ثم إن أناساً من المسلمين أصابوا النساء والطعام في رمضان بعد العشاء, منهم عمر بن الخطاب, فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ , فأنزل الله : ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ. . .﴾ إلى قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾؛ يعني: انكحوهن, ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾؛ يعني بياض الفجر من سواد الليل, والرفث هو النكاح». ٥٤٣ - وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ قال: «كتب عليهم إذا نام أحدهم ولم يطعم؛ شيئاً إلى القابلة, وحرم عليهم الرفث إلى نسائهم ليلة الصيام

стр. 495

الشهر كله, فرخص الله لكم, وهو اليوم عليهم ثابت». رواه أحمد. ٥٤٤ - وعن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «تسحروا؛ فإن في السحور بركة». رواه الجماعة إلا أبا داوود. ٥٤٥ - وعن أبي هريرة مثله. رواه أحمد والنسائي.

стр. 496

٥٤٦ - وعن ابن مسعود. رواه النسائي.

стр. 497

٥٤٧ - وعن أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «السحور بركة؛ فلا تدعوه, ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء؛ فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين». رواه أحمد.

стр. 498

قال بعض أصحابنا: وكل ما حصل منه أكل أو شرب؛ حصلت به فضيلة السحور؛ لقوله: «ولو على جرعة ماء». والأشبه: أنه إن قدر على الأكل؛ فهو السنة. ٥٤٨ - وعن عمرو بن العاص؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر». رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه. ٥٤٩ - وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, عن أبيه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين».

стр. 499

٥٥٠ - وعن سعيد بن عبد الله بن أبي هند؛ قال: أخذ النبي ﷺ بيده قبضة من تمر, فقال: «نعم؛ سحور المسلم التمر». ٥٥١ - وعن راشد بن سعد؛ قال: سئل رسول الله ﷺ عن السحور؟ فقال: «ذاك الغذاء المبارك». ٥٥٢ - وعن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «استعينوا بقائلة النهار على قيام الليل, وبأكل السحر على صيام النهار». رواهن سعيد. والسنة تأخيره.

стр. 500

٥٥٣ - لما روى أبو ذر أن النبي ﷺ كان يقول: «لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطور». رواه أحمد. وعن مكحول. . . . ٥٥٤ - وعن أنس عن زيد بن ثابت؛ قال: «تسحرنا مع رسول الله ﷺ , ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان مقدار ما بينهما؟ قال: قدر خمسين آية». رواه الجماعة إلا أبا داوود. ويجوز له أن يأكل ما لم يتبين طلوع الفجر, وإن أكل شاكّاً فيه من غير كراهة, لكن يستحب تركه إذا شك في طلوع الفجر, قاله كثير من أصحابنا. قال أصحابنا: فإن شك في الفجر؛ فالاحتياط أن لا يأكل. فإن أكل ولم يتيقن طلوعه؛ فصومه صحيح, وإن غلب على ظنه طلوعه؛ لم يجز الأكل, فإن أكل؛ قضي؛ لأن غالب الظن في المواقيت كاليقين. وأما الجماع؛ فيكره مع الشك.

стр. 501

قال أحمد في رواية أبي القاسم: الجماع في السحر. . . في وقت ليس هو مثل الأكل, الأكل أخف وأيسر, وأخاف عليه من الجماع لا يسلم. وقال في رواية أبي داوود: إذا شك في الفجر؛ يأكل حتى يستيقن طلوعه؛ قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقال في رواية يوسف بن موسى: تأخير السحور حتى يعترض الفجر, فإذا كان الطول ناحية القبلة؛ فذلك هو الكاذب, وإذا كان هكذا وأبعد ومدَّ يده باع؛ فذلك هو الصادق. وقال في رواية حنبل وقد ذكر حديث عدي بن حاتم: ولكن بياض النهار وسواد الليل. قال أبو عبد الله: إذا طلع؛ [فهو] وقت لا يأكل ولا يشرب؛ فجعل الله الفجر علماً وفصلاً بين الليل والنهار. فقد نص على أنه إذا طلع الفجر الصادق؛ حرم الأكل والشرب. ونص في رواية حرب والأثرم وغيرهما: أنه إذا تبين أنه أكل بعد طلوع الفجر؛ أفطر. وهذا هو المذهب. ٥٥٥ - وقال في رواية عبد الله: عن سواد بن حنظلة, عن سمرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يمنعنكم من السحور أذان بلال, ولا الصبح

стр. 502

المستطير في الأفق». ٥٥٦ - وقال: عن قيس بن طلق بن [علي] , عن أبيه, عن النبي ﷺ : «ليس الفجر الأبيض المعترض ولكنه الأحمر». وهذا يدل على جواز الأكل إلى ظهور الحمرة, وقد جاءت الأحاديث تدل على مثل. ٥٥٧ - كما روت عائشة وابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «إن بلالاً يؤذن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى يؤذن لكم ابن أم مكتوم». متفق عليه. وفي رواية لأحمد والبخاري: «فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر». قال ابن

стр. 503

شهاب: وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت. فقد أجاز الأكل إلى حين يؤذن ابن أم مكتوم, مع قوله: «إنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» , ومعلوم أن من أكل حين تأذينه؛ فقد أكل بعد طلوع الفجر؛ لأنه لا بد أن يتأخر تأذينه عن طلوع الفجر ولو لحظة. ٥٥٨ - وعن أبي سلمة, عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده؛ فلا يضعه حتى يقضي حاجته». رواه أبو داوود بإسناد جيد. ومعلوم أنه أراد النداء الثاني الذي أخبر أنه بعد طلوع الفجر.

стр. 504

٥٥٩ - وعن قيس بن طلق, عن أبيه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «كلوا واشربوا, ولا يهدينكم الساطع المصعد, وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر». رواه أبو داوود والترمذي وقال: حسن غريب من هذا الوجه وقد اعتمده أحمد. ٥٦٠ - وعن حذيفة؛ قال: كان بلال يأتي النبي ﷺ وهو يتسحر, وإني لأبصر مواقع نبلي. قلت: أبعد الصبح؟ قال: «بعد الصبح؛ إلا أنها لم تطلع الشمس». رواه أحمد والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح.

стр. 505

..................

стр. 506

٥٦١ - وعن حكيم بن جابر؛ قال: جاء بلال إلى النبي ﷺ وهو يتسحر, فقال: الصلاة. فذهب ثم رجع, فقال: الصلاة. ثم ذهب ثم رجع, فقال: يا رسول الله! لقد أصبحنا. فقال: «يرحم الله بلالاً, لولا بلال؛ لرجونا أن يرخص لنا إلى طلوع الشمس». رواه سعيد وأبو داوود في «مراسيله». ٥٦٢ - وعن مسروق؛ قال: لم يكونوا يعدون الفجر فجركم, إنما يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق. ٥٦٣ - وعن إبراهيم التيمي, عن أبيه, عن حذيفة؛ قال: «خرجت معه في رمضان إلى الكوفة, فلما طلع الفجر؛ قال: هل كان أحد منكم آكلاً أو شارباً؟ قلنا: أما رجل يريد الصوم؛ فلا. فقال لكني. ثم سرنا, حتى إذا استبطأته بالصلاة, فقال: هل كان منكم أحد آكلاً أو شارباً؟ قلنا: أما رجل يريد الصوم؛ فلا. قال: لكني, فنزل فتسحر ثم صلى». ٥٦٤ - وعن حبان بن الحارث؛ قال: «أتيت عليّاً وهو معسكر بدير

стр. 507

أبي موسى, فوجدته يطعم, فقال: ادن فاطعم. قال: قلت: إني أريد الصيام. قال: وأنا أريد الصيام: قال: فطعمت معه, فلما فرغ؛ قال: ابنَ التياح! أقم الصلاة». والصحيح الأول, وأنه إذا دخلت الصلاة؛ حرم الطعام؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. [فمنه أدلة: أحدها: قوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾] , ولو كان المراد به انتشار الضوء؛ لقيل الخيط الأحمر؛ فإن الضوء إذا انتشر ظهرت الحمرة. الثاني: أن الخيط الأبيض يتبين منه الأسود بنفس طلوع الفجر, فينتهي وقت جواز الأكل والشرب حينئذ. الثالث: تسميته لبياض النهار وسواد الليل بالخيط الأبيض والخيط الأسود دليل على أنه أول البياض الذي يبين في السواد مع لطفه ودقته؛ فإن الخيط يكون مستدقاً. الرابع: قوله: ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾: دليل على أنه يتميز أحد الخيطين من الآخر, وإذا انتشر الضوء؛ لم يبق هناك خيط أسود. وأيضاً؛ فإن النبي ﷺ قال لعدي: «إنما هو بياض النهار وسواد الليل» , فعلم أنه أول ما يبدو البياض الصادق يدخل النهار, كما أنه أول ما يقبل من المشرق السواد يدخل الليل.

стр. 508

وأيضاً؛ فإنهم كانوا أولاً يربط أحدهم في رجليه خيطاً أبيض وخيطاً أسود, فنزل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾؛ لرفع هذا التوهم. ثم إن عديّاً ﵁ جعل تحت وسادته عقالين أبيض وأسود, فقال النبي ﷺ : «إن وسادك لعريض» , وهو كناية عن عرض القفا الذي يكنى به عن قلة الفهم. وفي رواية: أنه قال له: «يا ابن حاتم! ألم أقل لك: من الفجر, إنما هو بياض النهار وسواد الليل». فهذا نص من النبي ﷺ : أن الانتظار إلى أن يتبين مواقع النبل وينتشر الضوء حتى يتبين العقال الأبيض من الأسود غير جائز, وأن بعض المسلمين كان قد غلط أولاً في فهم قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ثم نزل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ , وغلط بعضهم في فهمها بعد ذلك. وأيضاً قوله: «ولكن يقول هكذا» وفرق بين السبابتين. وقوله: «لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل في الأفق». وفي لفظ: «نداء بلال وهذا البياض حتى ينفجر (أو: يطلع) الفجر»: دليل على أنه متى ظهر البياض المعترض المنتشر الذي به ينفجر الفجر؛ فقد حرم الطعام. وقد بين ذلك قوله: «وأما الذي يأخذ الأفق؛ فهو الذي يحل الصلاة ويحرم الطعام». فبين أن الذي به تحل الصلاة ويحرم الطعام. وأما حديث حذيفة ومسروق: ففيهما ما يدل على أن عامة المسلمين كانوا على خلاف ذلك.

стр. 509

والحديث المرفوع يحتمل أحد شيئين: أحدهما: أن تلك الليلة كانت مقمرة, فكان يبصر مواقع النبل لضوء [القمر] , فاعتقد أنه من ضوء النهار, وهذا يشتبه كثيراً في الليالي التي يقمر آخرها, وتقدم ذكر أحمد ونحو هذا. قال حرب: سألته؛ قلت: رجل يأكل بعد طلوع الفجر في رمضان وهو لا يعلم؟ قال: يعيد يوماً مكانه. قلت: فالأحاديث التي رويت في هذا, وذكرت له حديث حذيفة؟ قال: إنه ليس في الحديث أن الفجر كان قد طلع. الثاني: أن يكون هذا منسوخاً, وكان هذا في الوقت الذي كان رجال يربط أحدهم في رجليه خيطاً أبيض وخيطاً أسود, ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما, حتى نزل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ , ويكون هذا كان الواجب عليهم كما فهموه من الآية, ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. وكذلك قوله في الحديث المرسل: «لولا بلال؛ لرجونا أن يرخص لنا إلى طلوع الشمس»: دليل على أن التحديد بالفجر لم يكن مشروعاً إذْ ذاك. وأما حديث: «فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم» , وقوله: «إذا سمع أحدكم النداء والإِناء على يده؛ فلا يضعه حتى يقضي حاجته»؛ فقد قال أحمد في الرجل يتسحر فيسمع الأذان؛ قال: يأكل حتى يطلع الفجر. فهو دليل على أنه لا يستحب إمساك جزء من الليل, وأن الغاية في قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾: داخلة في المغيَّى؛ بخلافها في قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ , ولهذا جاءت هذه بحروف (حتى) , ولا ريب أن الغاية المحدودة بـ (حتى) تدخل فيما قبلها؛ بخلاف الغاية المحدودة بـ (إلى).

стр. 510

قال أحمد في رواية الميموني في رجل أخذ في سحوره, ثم نظر إلى الفجر: فإن كان قد أكل بعد طلوعه؛ فعليه القضاء, وإن لم يعلم أنه أكل بعد طلوع الفجر؛ فليس عليه شيء. قال القاضي: وظاهر هذا من كلامه أن الأكل إذا اتصل عند طلوع الفجر؛ لم يضره, ولم يؤثر في النية. لكن الذي ذكر القاضي في «خلافه» وغيره من أصحابنا: أنه يجب الإِمساك قبل طلوع الفجر؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به؛ فهو واجب, ولا يتم صوم جميع النهار إلا بصوم آخر جزء من الليل, ولهذا وجب عليه غسل جزء من الرأس يستوعب الوجه, وغسل رأس العضد يستوعب المرفق. وإما إذا شك في طلوع الفجر؛ فيجوز له الأكل؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ. . .﴾ , والشاك لم يتبين له شيء, ولحديث ابن أم مكتوم وأبي هريرة, وقد تقدم عن ابن عباس قوله: «إذا تسحرت فقلت: إني أرى ذلك الصبح؛ فكل واشرب. وإن قلت: إني أظن ذلك الصبح؛ فكل واشرب, وإذا تبين لك؛ دع الطعام». ٥٦٥ - وعن أبي الضحى؛ قال: جاء إلى ابن عباس, فسأله عن السحور, فقال رجل من جلسائه: حتى تشك. فقال ابن عباس: «إن هذا لا

стр. 511

يقول شيئاً, كل ما شككت حتى لا تشك». ٥٦٦ - وعن عطاء؛ قال: قال ابن عباس لرجل: «طلع الفجر؟». قال: لا. فقال لآخر: «طلع الفجر؟». قال: نعم. قال: «اختلفتما اسقني». رواهما سعيد. والشك تارة يكون مع رعايته للفجر؛ فلا يدري أطلع الضوء أم لا؟ وتارة لاختلاف المخبرين به, وتارة لكونه في موضع محجوب عن الفجر وليس عليه أن يبحث. ٥٦٧ - عن أبي قلابة؛ قال: قال أبو بكر الصديق وهو يتسحر: «يا غلام! أجف الباب لا يفجأنا الصبح». رواه سعيد. * فصل: ويكره الوصال الذي يسميه بعض الناس: الطي. نص عليه في رواية المروذي والأثرم. قال في رواية حنبل: يروى عن النبي ﷺ أنه كان يفطر على تمرات أو شربة ماء, فيستحب له أن يفطر على تمرات أو ماء, ولا يعجبني أن يواصل,

стр. 512

نهى رسول الله ﷺ عن ذلك. [عن ثابت] , عن أنس: أن النبي ﷺ واصل, فواصل ناس من الناس, فبلغ ذلك رسول الله ﷺ , فقال: «لو مد لي الشهر؛ لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم, إني لست كهيئتكم, إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني». ٥٦٨ - وابن الزبير كان يواصل من الجمعة إلى الجمعة؛ لقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ٥٦٩ - قالت ليلى امرأة بشير بن الخصاصية: أردت أن أصوم يومين متواصلة, فنهاني عن ذلك, وقال: إنما يفعل ذلك النصارى, صوموا كما أمركم الله؛ فإذا كان الليل فأفطروا. ٥٧٠ - وعن أبي العالية: أنه قال في الوصال في الصيام, فعابه, ثم قال: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾؛ فإذا جاء الليل؛ فهو مفطر, فإن شاء أكل, وإن شاء ترك. رواهما سعيد.

стр. 513

٥٧١ - وعن ابن عمر: أن النبي ﷺ نهى عن الوصال, فقالوا: إنك تفعله. فقال: «إني لست كأحدكم, إني أظل يطعمني ربي ويسقيني». ٥٧٢ - وعن أنس نحوه. ٥٧٣ - وعنه قال: واصل رسول الله ﷺ في آخر شهر رمضان, فواصل ناس من المسلمين, فبلغه ذلك, فقال: «لو مد لنا الشهر؛ لواصلنا وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم, إنكم لستم مثلي (أو: لست مثلكم) , إني أظل يطعمني ربي ويسقين». متفق عليهما. ٥٧٤ - وعن أبي هريرة ﵁, عن النبي ﷺ ؛ قال: «إياكم والوصال». فقيل: إنك تواصل. قال: «إني أبيت يطعمني ربي ويسقين, فاكلفوا من العمل ما تطيقون». متفق عليهما. ٥٧٥ - وعن عائشة ﵂؛ قال: نهاهم رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم, فقالوا: إنك تواصل. فقال: «إني لست كهيئتكم, إني يطعمني ربي ويسقين». أخرجاه.

стр. 514

٥٧٦ - وعن أبي سعيد الخدري: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ى تواصلوا؛ فأيكم أراد أن يواصل؛ فليواصل حتى السحر». قالوا: إنك تواصل يا رسول الله! قال: «لست كهيئتكم, إني أبيت لي مطعم يطعمني وساقٍ يسقيني». رواه البخاري. [وتفسيره] في أظهر الوجهين: أن الله يغذيه بما يغنيه عن الأكل والشرب المعتاد من العلم والإيمان؛ لقوله: «أظل عند ربي» , وذاك إنما يكون بالنهار, ولو أكل الأكل المعتاد بالنهار؛ لأفطر, [ولأنه بيَّن] أنه يواصل, ولو كان يأكل؛ لم يكن مواصلاً. وأطلق أصحابنا الكراهة, وهذه كراهة تنزيه فيما ذكر أصحابنا؛ لأن أصحاب رسول واصلوا بعد نهيهم, ولو فهموا منه التحريم؛ لما استجازوا أن يعصوا الله ورسوله, بل فهموا أنه نهى رحمة ورفقاً بهم, فظنوا أن بهم قوة على الوصال, وأنهم لا حاجة بهم إلى الفطر, فغضب ﷺ من هذا الظن المخطئ, ولأنه مجرد ترك الأكل بغير نية الصوم على وجه لا يخاف معه التلف ولا ترك واجب, ومثل هذا لا يكون محرماً. فإن واصل إلى السحر؛ جاز له من غير كراهة لما تقدم. وتعجيل الفطر أفضل لما تقدم أيضاً. وقد روى حنبل عن أحمد: أنه واصل بالعسكر ثمانية أيام, ما رآه طعم ولا شرب حتى كلمه في ذلك, فشرب سويقاً, لما طلبه المتوكل.

стр. 515

فقال أبو بكر: قوله: ما أكل فيها ولا شرب: يحتمل أنه ما رآه أكل ولا شرب, ويكون قد أكل وشرب بحيث ر يراه. قال: لأن أحمد لا يرى أن يخالف النبي ﷺ , وقد روى المروذي عنه أنه كان إذا واصل؛ شرب شربة ماء. . . . * فصل: فإن أكل أو شرب ما يرويه وإنْ قل؛ خرج عن حكم النهي . قال القاضي وابن عقيل: وهو مقتضى ما ذكره المروذي عن أحمد: أنه كان إذا واصل؛ شرب شربة ماء. * فصل: وصيام الدهر منهي عنه. ٥٧٧ - قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: فسر مسدود قول أبي موسى:

стр. 516

«من صام الدهر؛ ضيقت عليه جهنم فلا يدخلها». فضحك وقال: من قال هذا؟ فأين حديث عبد الله بن عمرو: «أن النبي ﷺ كره ذلك» وما فيه من الأحاديث. وهو إن سرد الصوم يدخل فيه الأيام المنهي عن صيامها: يوم العيدين, وأيام التشريق, وإذا ترك ذلك؛ لم يكن صائماً للدهر المنهي عنه. هكذا قال أحمد في رواية صالح: إن صام رجل وأفطر أيام التشريق والعيدين؛ رجوت أن لا يكون بذلك بأس, وليس بصائم الدهر. وقال في رواية حنبل: إذا أفطر العيدين. . . فليس ذلك صوم الدهر. ٥٧٨ - لقول النبي ﷺ : «هن أيام عيد, وأيام أكل وشرب».

стр. 517

قال: ويعجبني أن يفطر منه أياماً. قال القاضي: وظاهر قوله: الأفضل أن يفطر مع هذه الأيام الخمسة أياماً أخر لا بعينها, أفضل من سردها بالصيام, فإن سرد لم يكن منهياً عنه. وقال أبو محمد: عندي أن صوم [الدهر] مكروه, وإنْ لم يصم هذه الأيام, فإن صامها؛ فقد فعل محرماً. . . . وهذا في شهر رمضان أعظم لحرمة الشهر. قال ابن أبي موسى: ينبغي له أن يحفظ لسانه وجوارحه ويعظم من شهر رمضان ما عظم الله تعالى. * فصل: وما كان مكروهاً أو محرماً من الأقوال والأعمال في غير زمن الصوم؛ [ففيه] أشد تحريماً وكراهة . فيجب على الصائم أن يحفظ صومه من قول الزور والعمل به, ويجتنب الغيبة والرفث والجهل وغير ذلك من خطايا اللسان, وينبغي له أن يترك من

стр. 518

المباح ما لا يعنيه من الألفاظ. قال أصحابنا: يستحب للصائم أن ينزه صيامه عن اللغو والرفث والكذب والنميمة والمشاتمة والمقاتلة وعن كل لفظ لا يعنيه. قال أبو عبد الله في رواية حنبل: ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه ولا يماري, ويصون صومه. ٥٧٩ - كانوا إذا صاموا؛ قعدوا في المساجد وقالوا: نحفظ صومنا. والغيبة تكره للصائم؛ فلا يغتاب أحداً, ولا يعمل عملاً يجرح به صومه, ولا تفطر الغيبة للصائم. ولذلك قال في رواية. . . . ونقل عنه حرب التوقف في الفطر بالغيبة, فقال: قلت لأحمد: الرجل وهو صائم يعيد الصوم؟ قال: لا أدري كيف هذا وأمسك عنها, وقال: ما أدري. ٥٨٠ - وذكر أن عبد الرحمن بن مهدي كان يأمر بالوضوء من الغيبة.

стр. 519

٥٨١ - وقال إسحاق بن راهوية: قال رسول الله ﷺ : «من لم يدع قول الزور في صيامه؛ فليس له من صيامه شيء». ٥٨٢ - وقال عدة من أهل العلم من التابعين: إن الكذب يفطر الصائم, والغيبة كذلك؛ لقوله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. ٥٨٣ - وعن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». رواه الجماعة؛ إلا مسلم وابن ماجه. ٥٨٤ - وعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم صوم أحدكم؛ فلا يرفث يومئذٍ ولا يصخب؛ فإن شاتمه أحد أو قاتله؛ فليقل: إني امرؤ صائم, والذي نفس محمد بيده؛ لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك, للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر؛ فرح بفطره, وإذا لقي

стр. 520

ربه؛ فرح بصومه». متفق عليه. اللهم اغفر لي وارحمني. *******

стр. 521

انتهى المجلد الأول من كتاب الصيام ويليه المجلد الثاني وأوله باب صيام التطوع

стр. 522

باب صيام التطوع مسألة: أفضل الصيام صيام داوود ﵇, كان يصوم يوماً ويفطر يوماً . هذا لفظ النبي ﷺ , وهو لفظ الإِمام أحمد. قال في رواية صالح: «أحب الصيام إلى الله صيام داوود ﵇, كان يصوم يوماً ويفطر يوماً». ٥٨٥ - وذلك لما روى عمرو بن أوس, عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أحب الصيام إلى الله صيام داوود, وإن أحب الصلاة إلى الله صلاة داوود, كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه, وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً». رواه الجماعة إلا الترمذي.

стр. 523

٥٨٦ - وعن سعيد وأبي سلمة: أن عبد الله بن عمرو قال: أخبر النبي ﷺ أني أقول: والله لأصومن النهار ولأقومنَّ الليل ما عشت. فقال رسول الله ﷺ : «أنت الذي تقول ذلك؟». فقلت له: قد قلته بأبي أنا وأمي يا رسول الله! قال: «فإنك لا تستطيع ذلك؛ فصم وأفطر, ونم وقم, وصم من الشهر ثلاثة أيام؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها, وذلك مثل صيام الدهر». قال: قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «فصم يوماً وأفطر يومين». قال: قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك. قال: «فصم يوماً وأفطر يوماً؛ فذلك صيام داوود ﵇, وهو أعدل الصيام (وفي رواية: هو أفضل الصيام»). قال: قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك. فقال رسول الله ﷺ : «لا أفضل من ذلك». وفي رواية: قال عبد الله بن عمرو: ولأن أكون قبلت الثلاثة أيام التي قال رسول الله ﷺ أحب إليَّ من أهلي ومالي. رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه. وفي رواية عن أبي سلمة [عنه]؛ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «إنك تصوم النهار وتقوم الليل؟». قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: «فلا تفعل؛ صم وأفطر؛ ونم وقم؛ فإن لجسدك عليك حقّاً, وإن لعينك عليك حقّاً, وإن لزوجك عليك حقّاً, وإن لزورك عليك حقّاً, وإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام؛ فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها؛ فإن ذلك صيام الدهر». فشدَّدت فشدد عليَّ. قلت: يا رسول الله! إني أجحد قوة. قال: «صم صيام نبي الله داوود لا تزد عليه». قلت: وما كان صيام داوود؟ قال: «نصف الدهر». وكان عبد الله يقول بعدما كبر: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ . متفق عليه.

стр. 524

٥٨٧ - وعن أبي المليح بن أسامة, عن عبد الله بن عمرو؛ قال: إن رسول الله ﷺ ذكر له صومي, فدخل عليَّ, فألقيت وسادة من أدم حشوها ليف, فجلس على الأرض, وصارت الوسادة بيني وبينه, وقال: «أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام؟». قال: قلت: يا رسول الله! قال: «خمساً». قال: قلت: يا رسول الله! قال: «سبعاً». قال: قلت: يا رسول الله! قال: «تسعاً». قلت: يا رسول الله! قال: «إحدى عشرة». ثم قال النبي ﷺ : «لا صوم فوق صوم داوود, شطر الدهر, صم يوماً وأفطر يوماً». أخرجاه. مسألة: وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم . ٥٨٨ - هذا لفظ الحديث الذي رواه أبو هريرة؛ قال: سئل رسول الله ﷺ : أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: «الصلاة في جوف الليل». فقيل: فأي الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال: «شهر الله المحرم». رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.

стр. 525

ويحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون اسم جنس, وأن يكون مختصّاً بالشهر الذي هو الحول. . . . وهذا في أفضل الصيام لمن يصوم شهراً واحداً, والأولى أفضل الصيام لمن يصوم صوماً دائماً في كل وقت. . . . * فصل: وجاء في صوم الأشهر الحرم مطلقاً . ٥٨٩ - ما روي عن أبي السليل, عن مجيبة الباهلي, عن أبيه أو عمه؛ قال: أتيت النبي ﷺ , فقلت: يا رسول الله! أنا الرجل الذي أتيتك عام الأول. قال: «فما لي أرى جسمك ناحلاً؟». قال: يا رسول الله! ما أكلت طعاماً بالنهار ما أكلته إلا بالليل. قال: «من أمرك أن تعذب نفسك؟». فقلت: يا رسول الله! إني أقوى. قال: «صم شهر الصبر ويوماً بعده». قلت: إني أقوى. قال: «صم شهر الصبر ويومين بعده». قلت: إني أقوى. قال: «صم شهر الصبر وثلاثة أيام بعده وصم أشهر الحرم». رواه الخمسة إلا الترمذي, وهذا لفظ ابن ماجه.

стр. 526

ولفظ أبي داوود: عن أبي السليل, عن أبي مجيبة الباهلية, عن أبيها أو عمها: أنه أتى رسول الله ﷺ , ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حاله وهيئته, فقال: يا رسول الله! أما تعرفني؟ قال: «ومن أنت؟». قال: أنا الباهلي الذي

стр. 527

جئتك عام الأول. قال: «فما غيَّرك وقد كنت حسن الهيئة؟». قال: ما أكلت طعاماً منذ فارقتك إلا بليل. فقال رسول الله ﷺ : «لم عذبت نفسك». ثم قال: «صم شهر الصبر ويوماً من كل شهر». قال: زدني؛ فإن في قوة. قال: «صم يومين». قال: زدني. قال: «صم ثلاثة أيام». قال: زدني. قال: «صم من الحرم واترك, صم من الحرم واترك, صم من الحرم واترك». وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها. * فصل: ويكره إفراد رجب بالصوم . قال أحمد في رواية حنبل: يفطر في رجب ولا يشبه برمضان. وقال في روايته: من كان يصوم السنة؛ صامه, وإلا؛ فلا يصومه متوالياً. ٥٩٠ - وقال في رواية ابن الحكم: يروى في صوم رجب عن عمر أنه كان يضرب على صوم رجب. ٥٩١ - وابن عباس قال: لا يصومه؛ إلا يوم أو أيام.

стр. 528

وقال: يروى عن وبرة, عن خرشة بن الحر, عن عمر ﵁: «أنه كان يضرب على صوم رجب». وإن صامه رجل؛ أفطر فيه يوماً أو أياماً بقدر ما لا يصومه كله. ٥٩٢ - وروي عن أبي بكرة: «أنه دخل على أهله, فرأى عندهم سلالاً جُدداً وكيزاناً, فقال: ما هذا؟ قالوا: رجب نصومه. قال: أجعلتم رجب رمضان؟! فأكفأ السلال وكسر الكيزان». ٥٩٣ - وذلك لما روى داوود بن عطاء, حدثني زيد بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب, عن سلمان, عن أبيه, عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ نهى عن صيام رجب». رواه ابن ماجه.

стр. 529

قال أحمد: لا يُحدث عن داوود بن عطاء بشيء. واعتمد أحمد على ما روي عن وبرة عن خرشة بن الحر: «أن عمر بن الخطاب كان يضرب أيدي الرجال في رجب إذا رفعوا عن طعامه حتى يضعوا فيه, ويقول: إنما هو شهر كانت الجاهلية يعظمونه». ٥٩٤ - وعن عطاء, عن ابن عباس؛ قال: «لا تتخذوا رجب عيداً ترونه حتماً مثل شهر رمضان, إذا أفطرتم اليوم قضيتموه». رواهما سعيد. وروى أحمد عن خرشة؛ قال: «رأيت عمر يضرب أيدي المترجِّبين حتى يضعوها في الطعام, ويقول: كلوا؛ فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية». ٥٩٥ - وعن ابن عمر: أنه كان إذا رأى الناس وما يعدون لرجب؛ كرهه, وقال: «صوموا منه وأفطروا». وعن ابن عباس نحوه. وعن أبي بكرة: «أنه دخل على أهله وعندهم سلالاً جدد وكيزان, فقال: ما هذا؟ فقالوا: رجب نصومه. قال: أجعلتم رجب رمضان؟ فألقى السلال وكسر الكيزان». رواهن أحمد.

стр. 530

٥٩٦ - عن حصين بن أبي [الحر]؛ قال: أتيت عمران بن حصين لحاجة وأنا صائم, فدعا بطعام, فقلت: إني صائم. فقال: لا تصومن يوماً تجعله صوم عليك حتماً ليس شهر رمضان». ٥٩٧ - وقال إبراهيم: «كانوا يكرهون أن يوقتوا شهراً معلوماً أو يوماً معلوماً أن يصوموه». رواهما سعيد. قال أبو حكيم وغيره: إذا صام قبله أو بعده؛ لم يكره, وإنما يكره إفراده بالصوم. مسألة: وما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة . . . . قال أصحابنا: «ويستحب صوم عشر ذي الحجة». وفي الحقيقة المعنى صوم تسع ذي الحجة, وآكدها يوم التروية وعرفة. ٥٩٨ - وعن حفصة؛ قالت: أربع لم يكن يدعهن رسول الله ﷺ : «صيام عاشوراء, والعشر, وثلاثة أيام من كل شهر, والركعتين قبل الغداة». رواه أحمد والنسائي.
следующие страницы →