← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 17417

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - كتاب الصيام

ابن تيمية

Полный текст (824 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فاعتكف يوماً». رواه مسلم. قال: «وكان رسول الله ﷺ أعطاه جارية من الخمس, فلما أعتق رسول الله ﷺ سبايا الناس. فقال عمر: يا عبد الله! اذهب إلى تلك الجارية فخل سبيلها». ٨٢٦ - وأيضاً؛ عن عبد الله بن بديل, عن عمرو بن دينار, عن ابن عمر ﵄: أن عمر جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يومها عند الكعبة, فسأل رسول الله ﷺ ؟ فقال: «اعتكف وصم». قال: فبينما هو معتكف؛ إذ كبر الناس, فقال: ما هذا يا عبد الله؟ قال: سبي هوزان, أعتقهم رسول الله ﷺ . قال. وتلك الجارية فأرسلها معهم. رواه أبو داوود. فهذا نص في أنه أمره بالصيام, ودليل على أن الاعتكاف كان نهاراً؛ لأن

стр. 737

تكبير الناس وانتشارهم في أمورهم وظهور عتق السبي إنما كان بالنهار. قال عبد الله بن عمر: بعثت بجاريتي إلى أخوالي في بني جمح ليصلحوا لي منها, حتى أطوف بالبيت ثم آتيهم إذا فرغت, فخرجت من المسجد, فإذا الناس يشتدون, فقلت: ما شأنكم؟ فقالوا: رد علينا رسول الله ﷺ نساءنا وأبناءنا. فقلت: دونكم صاحبتكم؛ فهي في بني جمح. فانطلقوا فأخذوها. ٨٢٧ - وأيضاً؛ فقد روى إسحاق بن راهوية عن ابن عمر: أنه قال: «لا اعتكاف أقل من يوم وليلة». ٨٢٧ - وقد روى عن سعيد: أنه قال: «لا اعتكاف إلا بصوم». فلو كان يروى عن عمر أنه اعتكف ليلة مفردة؛ لما قال هذا ولا هذا. فقد أجاب أصحابنا عن الأول: بجواز أن يكونا واقعتين. وبجواز أن يكون عنى باليوم والليلة؛ لأن رواية البخاري صريحة بأنه اعتكف ليلة, وأما الرواية الأخرى؛ فقال الدارقطني: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: هذا حديث منكر؛ لأن الثقات من أصحاب عمرو ن دينار لم يذكروه, منهم: ابن جريج, وابن عيينة, وحماد بن سلمة, وحماد بن زيد, وابن بديل ضعيف. ٨٢٩ - وأيضاً؛ تقدم في حديث عائشة: «أن النبي ﷺ أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان, فتركه, واعتكف في العشر الأول من شوال».

стр. 738

وفي لفظ: «فلما أفطر؛ اعتكف عشراً من شوال». وفي لفظ: «فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال». رواهن البخاري. فقد بينت عائشة أنه اعتكف العشر الأول من شوال, وهذا إنما يكون إذا اعتكف يوم العيد, لا سيما ومقصوده عشر مكان عشر, وكان يدخل معتكفه بعد صلاة الفجر اليوم الأول من العشر؛ فلذلك ينبغي أن يكون قد دخل معتكفه بعد صلاة العيد. وقولها: «حتى اعتكف في العشر»؛ يعني - والله أعلم - في آخر عشر رمضان؛ يعني: في منسلخه ومنقضاه, وهذا يقتضي أن اعتكافه في أول يوم من شوال؛ كما دلت عليه بقية الروايات, لكن يحتمل أنه لم يحتسب بيوم الفطر, بل بالليلة التي تليه؛ إلا أن يكون دخل ليلة العيد, ويحتمل أن يصح اعتكاف يوم العيد مع أيام أخر. وأيضاً؛ فإنه عبادة من العبادات, فلم يكن الصوم شرطاً في صحتها كسائر العبادات. ولأنه ليس فيه اشتراط الصوم كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح, والحكم إنما يثبت بواحدة من هذه الجهات؛ بخلاف نفي الاشتراط؛ فإنه ثابت بالنفي الأصلي وعدم الدليل الدال على الإِيجاب.

стр. 739

وأما حديث عائشة؛ فقد ذكر أبو داوود وغيره أن المشهور أنه من قولها. وكذلك قول الزهري: «السنة»: عنى به السنة في اعتقاده؛ كما يقول الفقيه: حكم الله في هذه المسألة كذا وكذا, والسنة أن يفعل كذا, وحكم الشريعة كذا؛ يعني به: فيما [علمته] وأدركته. والذي يبين أن الزهري لم يكن عنده بذلك أثر عن النبي ﷺ : ٨٣٠ - ما رواه سعيد, عن الدراوردي, عن أبي سهيل؛ قال: «كان على امرأة من أهلي اعتكاف, فسألت عمر بن عبد العزيز؟ فقال: ليس عليها صيام؛ إلا أن تجعله على نفسها. وقال الزهري: لا اعتكاف إلا بصوم. فقال له عمر: عن النبي ﷺ ؟ قال: لا. قال: فعن أبي بكر؟ قال: لا. قال: فعن عمر؟ قال: لا. وأظنه قال: عن عثمان؟ قال: لا. قال أبو سهيل: فخرجت من عنده, فلقيت طاووساً وعطاء, فسألتهما, فقال طاووس: كان فلان لا يرى عليها صياماً إلا أن تجعله على نفسها». ٨٣١ - وروي بهذا الإِسناد عن طاووس, عن ابن عباس؛ قال: «ليس على المعتكف صيام؛ إلا أن يجعله على نفسه».

стр. 740

٨٣٢ - ورواه الدارقطني مرفوعاً إلى النبي ﷺ , وقال: رفعه السوسي, وغيره لا يرفعه. ٨٣٣ - وعن مقسم: أن عليّاً وابن مسعود قالا: «إن شاء الله المعتكف صام, وإن شاء لم يصم».

стр. 741

٨٣٤ - وقال ابن عباس وعائشة ﵄: «لا اعتكاف إلا بصوم». رواهما سعيد. وأما اعتكاف النبي ﷺ صائماً؛ فلأنه كان يتحرى أفضل الأحوال في اعتكافه, ولهذا كان يعتكف العشر الأواخر, مع أن اعتكاف غيرها جائز, وكان يعتكف عشراً, ولو اعتكف أقل جاز. وأما قياسه على الوقوف؛ فينقلب عليهم بأن يقال: فلم يكن الصوم شرطاً في صحته كالأصل, وهذا أجود؛ لأنه قد صرح فيه بالحكم, ثم القرينة المتضمنة إلى الوقوف هي الإِحرام, وهي تنعقد بالنية, ومثله في الاعتكاف لا بد من النية. وأما اشتراط زيادة على النية؛ فإنه وإن وجب في الأصل, لكنه يصح بدونه. ثم الفرق بين المسجد والمعرِّف ظاهر؛ فإن المسجد لدخوله مزية على

стр. 742

غيره في كل وقت, وعلى كل حال, ولهذا يجب صونه عن أشياء كثيرة, والمعرّف لا يمتاز المكث فيه إلا في يوم مخصوص على وجه مخصوص؛ فكيف يقاس بهذا؟! فعلى هذا يصح اعتكافه ليلة مفردة ويومي العيدين وأيام التشريق مفردات. ولو نذر اعتكافاً؛ لم يلزمه الصوم؛ إلا أن ينذره. فعلى هذا لا بد من اللبث فيه, فلو اجتاز في المسجد, ولم يلبث فيه؛ لم يكن عاكفاً عند أصحابنا؛ بخلاف الوقوف بعرفة؛ فإن الواجب فيه الكون في ذلك المكان؛ لأن العكوف هو الاحتباس والمقام كما تقدم, وذلك لا يحصل إلا بنوع لبث. فعلى هذا: إذا نذر اعتكافاً مطلقاً, وقلنا: الصوم واجب فيه: فقال القاضي وابن عقيل وأبو الخطاب: أقله يوم واحد. وإن قلنا: ليس الصوم شرطاً فيه على ظاهر المذهب؛ لم يكن لأقله حد, فيجزيه ما يقع عليه الاسم؛ كما قلنا في الصلاة والصوم والصدقة. قال القاضي وابن عقيل: ولسنا نريد بقولنا: أقل ما يقع عليه الاسم أن يجلس أقل ما يقع عليه اسم الجلوس, بل ما يُسمى به معتكفاً لابثاً, وإنما يحصل هذا باستقرار ما وقع عليه اسم لبثه. فأما أن يوقع عقيب ما وقع عليه اسم لبث؛ فلا. قالوا: والمستحب له أن لا ينقص من يوم وليلة. وقال بعض أصحابنا: يلزمه ما يُسمى به معتكفاً, [ولو ساعة من نهار؛

стр. 743

فاللحظة وما لا يسمى به معتكفاً]؛ لا يجزيه. فأما إذا مر في المسجد, ولم يقف؛ فليس بمعتكف قولاً واحداً. وإذا نذر أن يعتكف صائماً أو وهو صائم؛ لزمه ذلك, ولم يجز له أن يفرد الصوم عن الاعتكاف في المشهور من المذهب؛ لأن الصوم في الاعتكاف صفة مقصودة كالتتابع, فوجب الوفاء به, فلو ترك ذلك؛ لزمه أن يستأنف الصوم والاعتكاف معاً, وليس له أن يقضي كل منهما مفرداً. وقيل:. . . . ولو نذر أن يعتكف صائماً؛ فكذلك على أحد الوجهين. ولو قال: لله عليَّ أن أعتكف وأصوم. فقال القاضي: هو بالخيار بين الإِفراد والمقارنة. ولو نذر أن يعتكف مصلياً؛ فقيل: هو على أحد الوجهين. وقيل: لا يجب الجمع هنا, وإن وجب في الأولى. ولو قال: لله عليَّ أن أصلي وأصوم؛ فله أن يفرد ويقرن؛ لأن أحدهما ليس شعاراً للآخر. . . . وإذا أفطر في اعتكافه, وقلنا: الصوم شرط فيه, أو كان قد نذره في اعتكافه؛ بطل اعتكافه؛ كما يبطل بالوطء والخروج. فإذا كان متتابعاً؛ كان عليه الاستئناف.

стр. 744

وإن كان معيناً؛ ففيه الوجهان. وقال ابن أبي موسى: من صام في اعتكافه, إذا أفطر فيه عامداً, وقلنا: الصوم من شرطه؛ استأنفه, وإذا قلنا: ليس الصوم شرطاً فيه؛ فلا شيء عليه؛ إلا أن يكون أوجب الاعتكاف بالصوم, فيلزمه قضاء ما أفطر فيه من الاعتكاف بالصوم في أحد الوجهين, وفي الآخر يلزمه استئنافه. ولعل وجه هذا أن الصوم إذا كان شرطاً فيه؛ كان الفطر مبطلاً له؛ كالجماع, فيبطل كله؛ لأنه عبادة واحدة, يطرأ الفساد عليها, فأبطلها كلها كسائر العبادات. وأما إذا أوجب الصوم على نفسه, ولم يكن شرطاً لصحته؛ لم يكن الفطر مبطلاً للاعتكاف, وإنما يكون فيه ترك الوفاء بالنذر, وذلك ينجبر بالقضاء والكفارة؛ كما لو نذر صوم أيام متتابعة فأفطر بعضها. مسألة: ومن نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد؛ فله فعل ذلك في غيره؛ إلا المساجد الثلاثة, فإذا نذر ذلك في المسجد الحرام؛ لزمه, وإذا نذره في مسجد المدينة؛ فله فعله في المسجد الحرام وحده, وإن نذره في المسجد الأقصى؛ فله فعله فيهما . في هذا الكلام مسائل:

стр. 745

المسألة الأولى: إذا نذر الصلاة والاعتكاف في مسجد بعينه غير المساجد الثلاثة؛ فله فعل ذلك فيه وفي غيره من المساجد. وكذلك لو نذر فعل ذلك بزاوية من المسجد؛ فله فعله في زاوية أخرى. فإن اعتكف في مسجد؛ لم يجز له الخروج منه إلى غيره؛ لأنه خروج لما له منه بد. فإن خرج لحاجة, فأتم اعتكافه في مسجد مرَّ به؛ جاز, وإن كان أبعد من حاجته؛ لم يجز فيما ذكره أصحابنا؛ لأنه لا يجب بالنذر إلا ما كان قربة قبل النذر. ٨٣٥ - لقول النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه». وليس قصد مسجد بعينه دون غيره طاعة؛ إلا المساجد الثلاثة. وإن كان الصفة التي يمتاز بها مسجد عن مسجد أمراً مباحاً؛ لم يجب الوفاء. لكن إذا صلى واعتكف في غير المسجد الذي عينه؛ فهل يلزمه كفارة يمين؟ على وجهين. ولو اعتكف في غير مسجد, مثل السوق ونحوه؛ لم يجزه؛ لأن المساجد لها مزية على سائر البقاع. ولو صلى في بيته؛ ففيه وجهان:

стр. 746

أحدهما: يجزيه؛ لأنه قد عادل فضل الصلاة في المسجد فضل النافلة في البيت. ٨٣٦ - وهو قوله ﷺ : «أفضل صلاة المرء في بيته؛ إلا المكتوبة». والثاني: لا يجزيه؛ لأن المسجد أفضل من غيره, وإنما فضلت الصلاة في البيت لأجل الإِخفاء. قال القاضي: وإذا أخفى النافلة في المسجد وفي بيته؛ كانت التي أخفاها في المسجد أفضل من التي أخفاها في بيته. فإن كان المسجد المنذور فيه عتيقاً؛ ففيه وجهان. . . . وسواء كان أبعد عن داره أو لم يكن؛ كما لو نذر الصلاة في المسجد الأقصى وهو بالمدينة؛ أجزأته الصلاة في مسجد المدينة. وإن نذره في المسجد الجامع؛ فقال القاضي: يجوز أن يعتكف في غيره. وإن نذر أن يصلي المكتوبة في جماعة؛ لزمه ذلك. فإن صلى منفرداً؛ صحت صلاته, وبقي عليه إثم النذر. ذكره القاضي, فيجب عليه.

стр. 747

وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن رجل نذر أن يصلي في بيت المقدس, ثم خرج إلى مكة أو المدينة؛ أجزأته الصلاة؟ قال: نعم. قلت: ولا يخرج إلى بيت المقدس؟ قال: نعم؛ حديث ابن عمر: «أمر رسول الله ﷺ بوفاء النذور» , وقال الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإِنسان: آية ٧]. قلت: قول النبي ﷺ : «صل ههنا» للذي نذر أن يصلي في بيت المقدس. قال: نعم. ٧٣٨ - لأن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام». فإنما أمره النبي ﷺ لأنه أفضل من بيت المقدس, وما كان سوى المسجد الحرام ومسجد المدينة؛ لم يجزه إلا الوفاء به. وظاهر. . . . المسألة الثانية: أنه إذا نذر الصلاة والاعتكاف في المسجد الحرام؛ لم يجزه إلا فيه, وإن نذره في مسجد النبي ﷺ ؛ لم يجزه إلا فيه أو في المسجد الحرام, وإن نذره في المسجد الأقصى؛ لم يجزه إلا في أحد الثلاثة. نص أحمد على ذلك كله.

стр. 748

٨٣٨ - لما روى جابر بن عبد الله ﵄: أن رجلاً قال يوم الفتح: يا رسول الله! إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس. فقال: «صل ههنا». فسأله, فقال: «صل ههنا». فسأله فقال: «فشأنك إذاً». رواه أحمد وأبو داوود. واحتج به أحمد. ٨٣٩ - عن رجل من الأنصار: أن رجلاً جاء يوم الفتح, فقال: يا نبي الله! إني نذرت لأن فتح الله للنبي والمؤمنين مكة لأصلين في بيت المقدس. فقال النبي ﷺ : «ههنا فصل». فقال الرجل قوله هذا ثلاث مرات, كل ذلك يقول النبي ﷺ : «ههنا فصل». ثم قال في الرابعة مقالته هذه, فقال النبي ﷺ : «اذهب فصلِّ فيه, فوالذي بعث محمداً بالحق؛ لو صليت ههنا؛ لقضى ذلك كل صلاة في بيت المقدس». رواه أحمد.

стр. 749

وإنما أمره النبي ﷺ بالصلاة في المسجد الحرام لفضله, وأن الصلاة فيه تقضي عنه الصلاة في بيت المقدس؛ كما بين ذلك, وكما فهمه عنه أصحابه. ٨٤٠ - فروى ابن عباس أن امرأة شكت شكوى, فقالت: إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس, فبرأت, ثم تجهزت تريد الخروج, فجاءت ميمونة تسلم عليها, وأخبرتها بذلك, فقالت: اجلسي فكلي ما صنعت وصلي في مسجد الرسول ﷺ ؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة». رواه أحمد ومسلم. وأيضاً فإن أفضل المساجد المسجد الحرام, ثم مسجد النبي ﷺ , ثم المسجد الأقصى.

стр. 750

٨٤١ - لما روى أبو هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام». رواه الجماعة إلا أبا داوود. ٨٤٢ - وعن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه؛ إلا المسجد الحرام». رواه مسلم وغيره. وقد تقدم عن ميمونة مثله. ٨٤٣ - وعن جابر بن عبد الله ﵄, عن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام, وصلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة فيما سواه». رواه أحمد وابن ماجه من حديث عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم عن عطاء عن جابر.

стр. 751

٨٤٤ - وعن عبد الله بن الزبير, عن النبي ﷺ ؛ قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه؛ إلا المسجد الحرام, وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في هذا». رواه أحمد. وقال ابن عبد البر: هو أحسن حديث روي في ذلك. ٨٤٥ - وعن أبي الدرداء؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «فضل الصلاة في

стр. 752

المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة, وفي مسجدي ألف صلاة, وفي بيت المقدس خمس مئة صلاة». رواه البزار وقال: هذا حديث حسن. وإذا كان كذلك؛ فمن نذر الصلاة في المسجد الحرام مثلاً؛ فقد نذر مائة ألف صلاة, فلا يجزئ عنها صلاة أو خمس مئة صلاة أو ألف صلاة. ومن نذر في المسجد الأقصى وصلى في المسجد الحرام؛ فقد أتى بأفضل من المنذور من جنسه. وأيضاً؛ فإن كل ما كان مرغباً في فعله؛ وجب بالنذر؛ كالحج والعمرة؛ لقوله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه». ٨٤٦ - وهذا مرغب فيه؛ لما روى أبو هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: المسجد الحرام, ومسجدي هذا, والمسجد الأقصى». متفق عليه. وفي رواية لمسلم: «إنما يسافر إلى ثلاث مساجد».

стр. 753

٨٤٧ - وعن أبي سعيد, عن النبي ﷺ : نحو الأول. رواه البخاري. والمسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ قد زيد فيهما في عهد الخلفاء الراشدين وخلفاء بني أمية وبني العباس. فإذا صلى في المزيد. . . . * فصل: وإذا نذر المشي إلى بيت المقدس أو إلى مسجد النبي ﷺ ؛ انعقد نذره, ولزمه ذلك, وكان موجبه الصلاة فيه. قال أحمد: إذا نذر المشي إلى بيت المقدس: هو مثل المشي إلى بيت الله الحرام. * فصل: فأما إن نذر الصوم بمكان بعينه ؛ أجزأه الصوم بكل مكان. قاله أصحابنا. وهل يلزمه كفارة لفوات التعيين؟

стр. 754

وإن نذر الذبح أو الصدقة بمكان بعينه. . . . * فصل: فأما الأزمنة: إذا نذر صوماً في وقت بعينه؛ تعين كما تقدم. وإن نذر الصلاة في وقت بعينه. . . . وإن نذر الاعتكاف في وقت بعينه. . . . * فصل: وإذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر أو شهر رمضان ونحو ذلك؛ فإنه يدخل معتكفه قبل غروب الشمس من أول ليلة ؛ لأنه لا يكون معتكفاً جميع العشر أو جميع الشهر إلا باعتكاف أول ليلة منه, لا سيما هي إحدى الليالي التي يلتمس فيها ليلة القدر. قال أبو عبد الله في رواية الأثرم: وقيل له: متى يدخل معتكفه؟ فقد كنت أحب له أن يدخل معتكفه بالليل حتى يبيت في معتكفه, ولكن حديث

стр. 755

عمرة عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يدخل إذا صلى الغداة. [وذكر حنبل] مثل حديث عمرة عن عائشة: «أن النبي ﷺ كان يدخل الاعتكاف إذا صلى الغداة». فيدخل المعتكف قبل غروب الشمس, فيكون يبتدئ ليلة ويخرج منه إلى المصلى. وقال في رواية أبي طالب: إذا أراد أن يعتكف؛ دخل من صلاة المغرب, فيعتكف اليوم والليلة. قلت: ما تقول أنت؟ قال: إن قال: أيام؛ اعتكف من صلاة الفجر, إنما ذكر الأيام, وإن كان يريد الشهر؛ فمن صلاة المغرب من أول الشهر, إنما هو زيادة خير. قال أبو بكر: وبهذا أقول. ٨٤٨ - ويدل على ذلك ما روى أبو سعيد؛ قال: اعتكفنا مع رسول الله ﷺ العشر الأوسط من رمضان, فخرجنا صبيحة عشرين. قال: فخطبنا رسول الله ﷺ صبيحة عشرين, فقال: «إني رأيت ليلة القدر, وإني أنسيتها, فالتمسوها في العشر الأواخر في وتر؛ فإني رأيت إني أسجد في ماء وطين, ومن كان اعتكف مع رسول الله ﷺ ؛ فليرجع». فرجع الناس إلى المسجد, وما نرى في السماء قزعة. قال: فجاءت سحابة, فمطرت, وأقيمت الصلاة, فسجد رسول الله ﷺ في الطين والماء, حتى رأيت الطين في أرنبته وجبهته. رواه البخاري. وفي لفظ له: «من كان اعتكف معي؛ فليعتكف العشر الأواخر؛ فقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها».

стр. 756

وقد بين ﷺ أن من اعتكف العشر الأواخر؛ فإنه يعتكف ليلة إحدى وعشرين. وعنه: فيمن يعتكف العشر: أنه يدخل بعد صلاة الصبح أو قبل طلوع الفجر على الروايتين في اليوم. وقد ذكر ابن أبي موسى رواية فيمن أراد اعتكاف شهر: أنه يدخل قبل طلوع الفجر من أوله. وسيأتي إن شاء الله. ٨٤٩ - فإن قيل: فقد روي عن عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف؛ صلى الفجر, ثم دخل معتكفه, وأنه أمر بخبائه, فضرب, ثم أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان». متفق عليه. قلنا: قد أجيب عن ذلك بأن النبي ﷺ إنما أراد أن يعتكف الأيام لا الليالي, ويشبه والله أعلم أن يكون دخوله معتكفه صبيحة العشرين قبل الليلة الحادية والعشرين؛ فإنه ليس في حديث عائشة أنه كان يدخل معتكفه صبيحة إحدى وعشرين, وإنما ذكرت أنه كان يدخل المعتكف بعد صلاة الفجر, مع قولها: «إنه أمر بخبائه فضرب, ثم أراد الاعتكاف في العشر الأواخر». والعشر صفة لليالي لا للأيام؛ فمحال أن يريد الاعتكاف في الليالي العشر وقد مضت ليلة منها, وإنما كون ذلك إذا استقبلها بالاعتكاف, وقد ذكرت أنه اعتكف عشراً قضاء للعشر التي تركها, وإنما يقضي عشراً من كان يريد أن يعتكف عشراً.

стр. 757

وفي حديث أبي سعيد: «أنه لما كان صبيحة عشرين؛ أمر الناس بالرجوع إلى المسجد»؛ فقد علم من عادته أنه يدخل المعتكف نهاراً, يستقبل العشر الذي يعتكفه, ويؤيد ذلك أنه لم يكن يدخل معتكفه إلا بعد صلاة الفجر, وقد مضى من النهار جزء, مع أنه لم يكن يخرج من منزله إلى المسجد حتى يصلي ركعتي الفجر في بيته, وهذا لا يكون مستوعباً للنهار أيضاً. وذكر القاضي فقال: يحتمل أنه كان يفعل ذلك في اليوم العشرين استظهاراً ببياض يوم زيادة قبل دخول العشر الأواخر, وقد نقل عن هذا عنه. ٨٥٠ - فروت عمرة عن عائشة ﵂؛ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يجاور صبيحة عشرين من رمضان». فثبت أن المر على ما تأولنا. * فصل: ومن نذر اعتكاف ليلة؛ لم يلزمه يومها. وإن نذر اعتكاف يوم؛ لم تلزمه ليلته . قال في رواية علي بن سعيد: وقيل له: مالك يقول: إذا نذر أن يعتكف ليلة؛ فعليه أن يعتكف يوماً وليلته. فقال أحمد: هذا خلاف ما أوجبه على نفسه. وعليه أن يعتكف يوماً متصلاً أو ليلة متصلة, وليس له أن يفرق الاعتكاف في ساعات من أيام؛ لأن اليوم المطلق عبارة عن بياض نهار متصل, وكذلك

стр. 758

الليلة المطلقة عبارة عن سواد ليلة متصلة. فإن قال: عليَّ أن أعتكف يوماً من وقتي هذا, وكان في بعض نهار؛ لزمه الاعتكاف من ذلك الوقت إلى مثله, ويدخل فيه الليل؛ لأنه من نذره, وإنما لزمه بعض يومين لتعيينه. فإن كان المنذور ليلة؛ دخل معتكفه قبل الغروب, أو خرج منه بعد طلوع الفجر الثاني. وإن كان يوماً؛ لزمه – إذا قلنا: ليس من شرط الاعتكاف الصوم- أن يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر, ويخرج منه بعد غروب الشمس؛ لأن اليوم والليلة يتعاقبان, وآخر الليلة طلوع الفجر, فهو أول اليوم. هذا هو المشهور من المذهب. وروي عنه: يدخل معتكفه وقت صلاة الفجر, ويخرج منه بعد غروب الشمس؛ لحديث عائشة المتقدم, ولأن اليوم محقق إنما هو من طلوع الشمس, وقبل ذلك مشترك بين اليوم والليلة؛ فقد يتبع هذا تارة ويتبع هذا تارة. وإن نذر اعتكاف شهر بعينه؛ دخل معتكفه قبل غروب الشمس من أول ليلة في الشهر, فإذا طلع هلال الشهر الثاني؛ خرج من معتكفه, فإن طلع الهلال نهاراً؛ لم يخرج من الاعتكاف في المشهور عنه, بناء على الاحتياط في الهلال المرئي نهاراً, وعلى أنه للمستقبلة بكل حال, وإن قلنا: هو للماضية؛ خرج. هذا هو المنصوص عنه المشهور عند أصحابه. قال ابن أبي موسى: وقيل عنه فيمن أراد اعتكاف شهر: أن يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر من أوله, ويخرج منه بعد غروب الشمس من آخره. ووجه هذا من حديث عائشة: [أنه بنى] على أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم, وإنما يصح في الليل تبعاً للنهار, أو أول ليلة من الشهر, ليس بصيام,

стр. 759

فلا يبتدئ الاعتكاف في وقت لا يصلح للصوم. وإن قيل: إن الصوم فيه مستحب؛ فقد يقال: يحمل القصد والنذر على الوجه الأحسن الأكمل, وهو ما فيه صوم, وإن كان شهراً مطلقاً. . . . وإن نذر اعتكاف عشرة أيام متتابعة إما مطلقة أو معينة: فذكر أبو بكر وابن عقيل فيها روايتين: إحداهما: وهي الصريحة: أنه لا يدخل فيه الليلة الأولى؛ كما نقله أبو طالب, وهي اختيار أبي بكر وابن عقيل والقاضي أخيراً. وفرق أحمد وأبو بكر بين الأيام والشهر, سواء كانت الأيام معينة أو مطلقة. والرواية الثانية: يدخل أول ليلة على وجه التبع؛ لأن الأيام تذكر ويدخل فيها الليالي, وليست صريحة. وذكر القاضي عن أصحابنا طريقين: أحدهما: لا تدخل الليلة الأولى لا في المطلقة ولا في المعينة. على رواية أبي طالب والأثرم, وهذا اختياره في «خلافه». والثانية: (تدخل). وهي قوله في «المجرد». وقال القاضي في «المجرد» وابن عقيل: إن عيَّن أياماً من الشهر, مثل أن يقول: أعتكف العشر الأواخر من رمضان, أو [عيَّن] نذراً نذره أو تطوع به؛ فهذا يلزمه أن يدخل ليلة الحادي والعشرين؛ لأن الليلة تابعة ليومها, فلزمه أن يأتي بالتابع كالليالي التي تتخلل الأيام؛ فههنا هو عبارة عن أول اليوم.

стр. 760

قال: وعلى هذا يحمل كلامه في رواية أبي طالب والأثرم. وإن قال: عليَّ أن أعتكف هذه العشر أو العشر الأواخر من رمضان؛ فعلى ما ذكره القاضي: هو مثل أن يقال: هذه الأيام. حتى قال في «خلافه»: لو نذر اعتكاف عشر بعينه, كالعشر الأواخر من رمضان؛ لم يدخل ليلة العشر فيه. وغيره: تدخل الليلة هنا, وإن لم يدخل في لفظ الأيام. وإذا نذر اعتكاف العشر؛ لم يكن له أن يخرج إلى هلال شوال. ذكره القاضي. وإن كان العشر عبارة عن الليالي؛ لأن بياض نهار كل يوم يدخل في ليلته, ويجزيه, سواء كان الشهر تامّاً أو ناقصاً؛ لأنه إذا أطلق العشر؛ فإنما يفهم منه ما بين العشر الأوسط وهلال شوال. ولو نذر اعتكاف عشر مطلق أو عشرة أيام؛ لم يجزه إلا عشرة تامة, فإذا اعتكف العشر الآخر من رمضان, وكان ناقصاً؛ لزمه أن يعتكف يوم العيد. وإذا نذر عشراً مطلقاً, أو عشر ليال؛ فهل يلزمه بياض اليوم الذي يلي آخر ليلة؟. . . . * فصل: وإذا نذر اعتكاف شهر مطلق ؛ أجزأه ما بين الهلالين إن كان ناقصاً. وإن كان شرع في أثناء شهر؛ لزمه استيفاء ثلاثين يوماً, فإن شرع في أثناء يوم. . . .

стр. 761

وإن قال: ثلاثين يوماً؛ لم يجزه إلا ثلاثين, فإذا كان ناقصاً؛ فعليه يوم آخر. وإذا نذر اعتكاف شهر؛ لزمه أن يعتكف شهراً متتابعاً, سواء قلنا فيمن نذر صوم شهر يلزمه التتابع أم لا. قاله القاضي وأصحابه. لأن الاعتكاف يصح بالليل والنهار, فاقتضى التتابع؛ كمدة الإِيلاء والعِنَّة. وإذا حلف لا يكلمه شهر وعليه الصوم. . . . ومن أصحابنا من خرج في هذه المسألة وجهين؛ قياساً على مَن نذر أن يصوم شهراً: هل يلزمه التتابع أو يجوز له التفريق؟ على روايتين. لأنها عبادة يجوز فعلها متتابعة ومفرقة, فأشبهت الصوم, والأول أجود؛ لأنه لو نذر اعتكاف عشر؛ لزمه متتابعاً, وإن جاز تفريقه؛ فكذلك الشهر. وإذا نذر اعتكاف ثلاثين يوماً؛ فقال القاضي: يلزمه التتابع كما يلزمه في الشهر؛ كما لو حلف لا يكلمه عشرة أيام. فعلى هذا إن نذر اعتكاف ليلتين: فقال: يحتمل أن يلزمه ليلتان ويوم. وقال أبو الخطاب: يجوز أن يفرقهما, وإن أوجبنا التتابع في لفظ الشهر؛ لأن أحمد فرق بين اللفظين في نذر الصيام: فقال في رواية ابن الحكم في رجل قال: لله عليَّ أن أصوم عشرة أيام: يصومها متتابعاً. وإذا قال: شهراً؛ فهو متتابع, وإذا قال: ثلاثين يوماً؛ فله أن يفرق.

стр. 762

فعلى هذا: إن نذر اعتكاف عشرة أيام؛ تلزمه متتابعة كما يلزمه الصوم. وقال ابن عقيل عن أحمد: الفرق بين الأيام والشهر, فأوجب التتابع في الشهر دون الأيام. وزعم القاضي أنه لا فرق بين ثلاثين يوماً وعشرة أيام. قال: ولعله سهو من الراوي. وليس كما قال؛ لأن عدول الحالف عن لفظ (شهر) إلى لفظ (ثلاثين يوماً) , مع أنه أصل, وهو خلاف المعتاد: دليل على أنه أراد معنى يختص به؛ بخلاف لفظ عشرة أيام؛ فإنه ليس لها إلا لفظ واحد, والمطلق في القرآن من الصوم محمول على التتابع؛ فكذلك في كلام الآدميين. وإذا وجب التتابع؛ لزمه اعتكاف الليالي التي تتخلل الأيام, فأما ليلة أول يوم؛ فلا تلزمه؛ مثل أن يقول: لله عليَّ اعتكاف يومين. فتجب الليلة التي بينهما دون التي قبلهما, هذا هو المشهور. وعلى الرواية المذكورة. قيل: تجب الليلة التي قبل. قال ابن عقيل: ويتخرج وجوب يومين بلا ليلة أصلاً؛ كما لو أفرد؛ لأن ليلة اليوم الأول لما لم يلزم أن تدخل في اعتكافه؛ كذلك ليلة اليوم الثاني. وأما إذا لم يجب التتابع؛ فإنما تجب عشرة أيام بلا ليال. ذكره ابن عقيل وغيره. كما لو قال: عليَّ أن أعتكف يوماً؛ فإن اليوم اسم لبياض النهار خاصة, وهذا كله عند الإِطلاق. فإن نوى شيئاً أو شرطه بلفظه؛ عمل بمقتضاه قولاً واحداً. . . .

стр. 763

* فصل: وإذا نذر اعتكاف يوم يقدم فلان ؛ انعقد نذره؛ لأنه نذر قربة, يمكنه الوفاء ببعضها, كما لو نذر صوم يوم يقدم فلان؛ فإن قدم ليلاً؛ لم يلزم النذر؛ لفوات الشرط, وإن قدم نهاراً؛ اعتكف ما بقي من النهار, ولم يلزمه قضاء ما مضى قبل قدومه؛ كما لو قال: لله عليَّ أن أعتكف أمس. وإن قدم والناذر عاجزاً عن الاعتكاف لمرض أو حبس أو نحو ذلك؛ فعليه مع الكفارة قضاء ما بقي من النهار دون ما مضى؛ لأنه لم يجب عليه إلا اعتكاف ما بقي. هذا قول القاضي وأصحابه وأبو محمد وغيرهم من المتأخرين. [من شرط] الصوم؛ فإنه يلزمه القضاء, ولا يصح اعتكاف بعض يوم عن نذره؛ لعدم شرطه, وهو النذر. وعلى الوجه الآخر؛ يجزيه اعتكاف ما بقي منه إذا كان صائماً. واصل هذا أن عندهم مقتضى النذر في الصوم والاعتكاف الفعل فيما بقي من الزمان بعد القدوم, وأما ما وجد قبل القدوم؛ فليس بواجب عليه, لكن لما لم يمكن في الصوم أن يصام بعض يومه؛ لزمه صوم يوم كامل, حتى إذا كان قد أصبح صائماً متطوعاً؛ أجزأه تمام ما بقي من نذره. وقال أبو بكر: إذا قدم في بعض النهار؛ كان عليه كفارة يمين والقضاء, ولا معنى لإِتمامه من يوم آخر. وحكاه عن أحمد؛ كما قد نص أحمد في غير موضع في الصوم على مثل ذلك.

стр. 764

وهذا لأن لفظ الناذر اقتضى اعتكاف جميع اليوم كما اقتضى صوم جميع اليوم, وقد تعذر ذلك؛ فعليه القضاء في الاعتكاف, كما عليه قضاء الصوم والكفارة لفوات المعين. . . . مسألة: ويستحب للمعتكف الاشتغال بالقرب واجتناب ما لا يعنيه من قول أو فعل . فيه فصلان: أحدهما: أن الذي ينبغي للمعتكف أن يشتغل بالعبادات المحضة التي بينه وبين الله تعالى؛ مثل: القرآن, وذكر الله تعالى, والدعاء, والاستغفار, والصلاة والتفكر, ونحو ذلك. فأما العبادات المتعلقة بالناس؛ مثل: إقراء القرآن, والتحديث, وتعليم العلم, وتدريسه, والمناظرة فيه, ومجالسة أهله: إذا قصد به وجه الله تعالى, لا المباهاة؛ فقال الآمدي: هل الأفضل للمعتكف أن يشتغل بإقراء القرآن والفقه أو يشتغل بنفسه؟ على روايتين: إحداهما: يشتغل بإقراء الفقه. وهذا اختيار الآمدي وأبي الخطاب؛ لأن هذا يتعدَّى نفعه إلى الناس, وما تعدى نفعه من الأعمال أفضل مما اقتصر نفعه على صاحبه.

стр. 765

والثانية: لا يستحب له ذلك. وهذا هو المشهور عنه, وعليه جمهور أصحابنا؛ مثل: أبي بكر, والقاضي, وغيرهما. قال القاضي والشريف وغيرهما: يكره ذلك؛ لأن النبي ﷺ كان إذا اعتكف؛ دخل معتكفه, واشتغل بنفسه, ولم يجالس أصحابه, ولم يحادثهم كما كان يفعل قبل الاعتكاف, ولو كان ذلك أفضل؛ لفعله, ولأن الاعتكاف هو من جنس الصلاة والطواف, ولهذا قرن الله تعالى بينهما في قوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: آية ١٢٥]. ولما كان في الصلاة والطواف شغل عن كلام الناس, وكذلك الاعتكاف, وذلك أنها عبادة شرع لها المسجد, فلا يستحب الإِقراء حين التلبس بها كالصلوات والطواف. قال القاضي: لا خلاف أنه يكره أن يهدي القرآن وهو يصلي أو يطوف, كذلك الاعتكاف, ولأن العكوف على الشيء هو الإِقبال عليه على وجه المواظبة, ولا يحصل ذلك للعاكف إلا بالتبتل إلى الله سبحانه وترك الاشتغال بشيء آخر. وأما كون النفع المتعدي أفضل؛ فعنه أجوبة: أحدها: أنه لا يلزم من كون الشيء أفضل أن يكون مشروعاً في كل عبادة, بل وضع الفاضل في غير موضعه يجعله مفضولاً, وبالعكس. ولهذا؛ قراءة القرآن أفضل من التسبيح, وهي مكروهة في الركوع والسجود, ولهذا لا يشرع هذا في الصلاة والطواف, وإن كانا أفضل من الصلاة والطواف النافلتين. الثاني: أن كونهما أفضل يقتضي الاشتغال بهما عن الاعتكاف.

стр. 766

قال الآمدي: لا تختلف الرواية أن من أراد أن يبتدئ الاعتكاف؛ فتشاغله بإقراء القرآن أفضل من تشاغله بالاعتكاف. قال أحمد في رواية المروذي؛ وقد سئل عن رجل يقرئ في المسجد, ويريد أن يعتكف؟ فقال: إذا فعل هذا؛ كان لنفسه, وإذا قعد؛ كان له ولغيره, يقرئ أعجب إليَّ. وفي لفظ: لا يتطيب المعتكف, ولا يقرئ في المسجد وهو معتكف, وله أن يختم في كل يوم, فإذا فعل ذلك؛ كان لنفسه, وإذا قعد في المسجد؛ كان له ولغيره, يقعد في المسجد يقرئ أحب إليَّ من أن يعتكف. الثالث: أن النفع المتعدي ليس أفضل مطلقاً, بل ينبغي للإِنسان أن يكون له ساعات يناجي فيها ربه, ويخلو فيها بنفسه ويحاسبها, ويكون فعله ذلك أفضل من اجتماعه بالناس ونفعهم, ولهذا كان خلْوة الإِنسان في الليل بربه أفضل من اجتماعه بالناس. . . . * فصل: قال أحمد في رواية ابن حرب: المعتكف إذا أراد أن ينام؛ نام متربعاً؛ لئلا [تبطل] عليه الطهارة, فإذا كان نهاراً, وأراد أن ينام؛ فلا بأس أن يستند إلى سارية, ويكون ماء طهارته معلوماً؛ لئلا يقوم من نومه وليس معه ماء. قال علي بن حرب: إنما أراد أحمد أن يكون ماؤه معلوماً, لا يكون يستيقظ يشتغل قلبه بالطلب. قال أبو بكر: لا ينام إلا عن غلبة, ولا ينام مضطجعا, ويكون الماء منه

стр. 767

قريباً؛ لأن الله سمى العاكف قائماً, والقائم هو الواقف للشيء المراعي له, والنوم يضيع ذلك عليه, ولأن العكوف على الشيء هو القيام عليه على سبيل الدوام, وذلك لا يكون من النائم. نعم؛ يفعل منه ما تدعو إليه الضرورة؛ كما يخرج من المسجد لضرورة. ولأن النبي ﷺ كان إذا اعتكف العشر الأواخر؛ أحيا الليل كله, وشد المئزر. فإن شق عليه النوم قاعداً: ٨٥١ - عن نافع, عن ابن عمر ﵄: «أن رسول الله ﷺ كان إذا اعتكف؛ طرح له فراش, ويوضع له سريره وراء أسطوانة [التوبة]». رواه ابن ماجه. *الفصل الثاني: أنهه ينبغي له اجتناب ما لا يعنيه من القول والعمل؛ فإن هذا مأمور به في كل وقت.

стр. 768

٨٥٢ - لقول النبي ﷺ : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». رواه أبو داود.

стр. 769

وقال أحمد في رواية المروذي: يجب على المعتكف أن يحفظ لسانه, ولا يؤويه إلا سقف المسجد, ولا ينبغي له إذا اعتكف أن يخيط أو يعمل. قال أصحابنا: ولا يستحب له أن يتحدث بما أحب, وإن لم يكن مأثماً, ويكره لكل أحد السباب والجدال والقتال والخصومة, وذلك للمعتكف أشد كراهة. ٨٥٣ - قال علي ﵁: «أيما رجل اعتكف؛ فلا يساب ولا يرفث في الحديث, ويأمر أهله بالحاجة (أي: وهو يمشي) , ولا يجلس عندهم». رواه أحمد. قالوا: ويجوز الحديث ما لم يكن إثماً. ٨٥٤ - لحديث صفية: أنها زارت النبي ﷺ ليلاً في معتكفه فحدثته. قال أحمد في رواية الأثرم: لا بأس أن يقول للرجل: اشتر لي كذا, واصنع كذا. وفي معنى ذلك ما يأمر به مما يحتاجه أو يأمر بمعروف من غير إطالة؛ لأن النبي ﷺ لما كان معتكفاً؛ أطلع رأسه من القبة, وقال: «من كان اعتكف

стр. 770

معي؛ فليعتكف العشر الأواخر. . .» الحديث, وتحدث مع صفية بنت حُيي. قالوا: فإن خالف وخاصم أو قاتل؛ لم يبطل اعتكافه؛ لأن ما لا يبطل العبادة مباحه لا يبطلها محظوره؛ كالنظر, وعكسه الجماع. فأما الصمت عن كل كلام؛ فليس بمشروع في دين الإِسلام. قال ابن عقيل: يكره الصمت إلى الليل. وقال غيره من أصحابنا: بل يحرم مداومة الصمت. والأشبه: أنه عن صمت عن كلام واجب – كأمر بمعروف ونهي عن منكر وتعين عليه ونحو ذلك -؛ حرم, وإن سكت عن مستحب أو فرض قام به غيره – كتعليم العلم والإِصلاح بين الناس ونحو ذلك -؛ فهو مكروه. فإن أراد المعتكف أن يفعل ذلك؛ لم يستحب له ذلك, وهو مكروه أو محرم. ٨٥٥ - وذلك لما روي عن علي ﵁, عن النبي ﷺ : أنه قال: «لا صمات يوم إلى الليل». رواه أبو داوود.

стр. 771

٨٥٦ - وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ رأى رجلاً قائماً في الشمس, فقال: «منْ هذا؟». قالوا: هذا أبو إسرائيل؛ نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال: «مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه». رواه البخاري.

стр. 772

٨٥٧ - وعن ليلى امرأة بشير بن الخصاصية: أنه سأل رسول الله ﷺ : أصوم يوم الجمعة ولا أكلم ذلك اليوم أحداً؟ فقال: «لا تصم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها أو في أو في شهر, وأما [أن] لا تكلم أحداً؛ فلعمري؛ لأن تكلم بمعروف وتنهى عن منكر خير من أن تسكت». رواه أحمد. ٨٥٨ - وعن قيس بن أبي حازم؛ قال: «دخل أبو بكر على امرأة من أحمس, فقال لها: زينب! فأبت أن تتكلم. فقال: ما بال هذه؟ قالوا: حجت مصمتة. فقال لها: تكلمي؛ فإن هذا لا يحل, هذا من عمل الجاهلية. فتكلمت». رواه البخاري. فقد بينت الأخبار أن هذا منهي عنه في الصوم والإِحرام وفي غيرها. ويتوجه أن يباح هذا للمعتكف؛ لأنه بمنزلة الطائف والمصلي؛ خلاف الصائم والمحرم. . . . وأما قول مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: رقم ٢٦]؛ أي:

стр. 773

صمتاً؛ فذاك كان في شريعة من قبلنا, وقد نسخ ذلك في شرعنا. قال ابن عقيل وغيره من أصحابنا: ولا يجوز أن يجعل القرآن بدلاً عن الكلام؛ لأنه استعمال له في غير ما وضع له؛ فأشبه استعمال المصحف في التوسد والوزن ونحو ذلك. ٨٥٩ - وقد جاء: «لا تناظر بكتاب الله». قيل: معناه: لا تتكلم به عن الشيء تراه كأنك ترى رجلاً قد جاء في وقته, فتقول: لقد جئت على قدر يا موسى. قال ابن عقيل: كان أبو إسحاق الخراز صالحاً, وكان من عادته الإِمساك عن الكلام في شهر رمضان, فكان يخاطب بآي القرآن فيما يعرض له من الحوائج, فيقول في إذنه: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ , ويقول لابنه في عشية الصوم: ﴿مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا﴾؛ آمراً له أن يشتري البقل. فقلت له: هذا تعتقده عبادة وهو معصية. فصعب عليه, فقلت: إن هذا القرآن العزيز نزل في بيان أحكام شرعية, فلا يستعمل في أعراض دنيوية, وما هذا إلا بمثابة صرك السدر والأشنان في ورق المصحف. فهجرني ولم يصغ إلى الحجة.

стр. 774

* فصل: قال أحمد في رواية حنبل: يعود المريض, ولا يجلس, ويقضي الحاجة, ويعود إلى معتكفه, ولا يشتري ولا يبيع؛ إلا أن يشتري ما لا بد له منه؛ طعام أو نحو ذلك. وقال في رواية المروذي: لا ينبغي له إذا اعتكف أن يخيط أو يعمل. وقال أبو طالب: سألت أحمد عن المعتكف يعمل عمله من الخياطة وغيره؟ قال: ما يعجبني. قلت: إن كان يحتاج؟ قال: إن كان يحتاج؛ فلا يعتكف. قال أصحابنا: ولا يتجر, ولا يصنع صناعة؛ لسببين: أحدهما: أن التجارة والصناعة تشغل عن مقصود الاعتكاف, فلا يفعله في المسجد, ولا إذا خرج منه لحاجة. والثاني: أن ذلك ممنوع منه في المسجد. فأما البيع والشراء؛ فقال القاضي وابن عقيل: لا يجوز ذلك في المسجد, سواء في ذلك اليسير - مثل الثوب ونحوه - والكثير, وكذلك لا يجوز له فعل الخياطة فيه, سواء كان محتاجاً أو غيره, وسواء قل أو كثر؛ لأن في ذلك فعل معيشة في المسجد, وكذلك الرقوع ونحوه. . . فيمنع من البيع والشراء في المسجد مطلقاً, ويحتمل كلام أحمد. . . . فأما خارج المسجد؛ فيجوز له أن يشتري ما لا بدَّ منه.

стр. 775

فأما شراء خادم لأهله وكسوة ونحو ذلك مما لا يتكرر أو شراء طعام لهم. . . . وإذا خاط ثوبه أو رقعه أو فعل نحو ذلك مما لا يتكسب به؛ فقيل: يجوز اليسير منه. [وإذا كان به حاجة إلى الاكتساب والاتجار؛ فلا يعتكف]. قال أصحابنا: وله أن يتزوج في المسجد, وأن يزوج غيره, وأن يشهد النكاح؛ لأنها عبادة لا تحرم الطيب, فلم تمنع النكاح والصيام, وعكسه الإِحرام أو العدة. . . . وإذا اتجر أو اكتسب في المسجد؟ فهل يبطل اعتكافه؟. . . . وإن فعل ذلك خروجاً لأمد قضاء الحاجة أو خروجاً يمتد للحيض والفتنة. . . . * فصل: ويجوز للمعتكف أن يغسل رأسه ويرجله حال الاعتكاف: ٨٦٠ - لما روي عن عائشة ﵂: «أنها كانت ترجل النبي ﷺ وهي حائض, وهو معتكف في المسجد, وهي في حجرتها, يناولها رأسه, وكان
следующие страницы →