Полный текст (824 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
٨٥٦ - وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ رأى رجلاً قائماً في الشمس, فقال: «منْ هذا؟». قالوا: هذا أبو إسرائيل؛ نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال: «مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه». رواه البخاري.
стр. 772
٨٥٧ - وعن ليلى امرأة بشير بن الخصاصية: أنه سأل رسول الله ﷺ : أصوم يوم الجمعة ولا أكلم ذلك اليوم أحداً؟ فقال: «لا تصم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها أو في أو في شهر, وأما [أن] لا تكلم أحداً؛ فلعمري؛ لأن تكلم بمعروف وتنهى عن منكر خير من أن تسكت». رواه أحمد.
٨٥٨ - وعن قيس بن أبي حازم؛ قال: «دخل أبو بكر على امرأة من أحمس, فقال لها: زينب! فأبت أن تتكلم. فقال: ما بال هذه؟ قالوا: حجت مصمتة. فقال لها: تكلمي؛ فإن هذا لا يحل, هذا من عمل الجاهلية. فتكلمت». رواه البخاري.
فقد بينت الأخبار أن هذا منهي عنه في الصوم والإِحرام وفي غيرها.
ويتوجه أن يباح هذا للمعتكف؛ لأنه بمنزلة الطائف والمصلي؛ خلاف الصائم والمحرم. . . .
وأما قول مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: رقم ٢٦]؛ أي:
стр. 773
صمتاً؛ فذاك كان في شريعة من قبلنا, وقد نسخ ذلك في شرعنا.
قال ابن عقيل وغيره من أصحابنا: ولا يجوز أن يجعل القرآن بدلاً عن الكلام؛ لأنه استعمال له في غير ما وضع له؛ فأشبه استعمال المصحف في التوسد والوزن ونحو ذلك.
٨٥٩ - وقد جاء: «لا تناظر بكتاب الله».
قيل: معناه: لا تتكلم به عن الشيء تراه كأنك ترى رجلاً قد جاء في وقته, فتقول: لقد جئت على قدر يا موسى.
قال ابن عقيل: كان أبو إسحاق الخراز صالحاً, وكان من عادته الإِمساك عن الكلام في شهر رمضان, فكان يخاطب بآي القرآن فيما يعرض له من الحوائج, فيقول في إذنه: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ , ويقول لابنه في عشية الصوم: ﴿مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا﴾؛ آمراً له أن يشتري البقل. فقلت له: هذا تعتقده عبادة وهو معصية. فصعب عليه, فقلت: إن هذا القرآن العزيز نزل في بيان أحكام شرعية, فلا يستعمل في أعراض دنيوية, وما هذا إلا بمثابة صرك السدر والأشنان في ورق المصحف. فهجرني ولم يصغ إلى الحجة.
стр. 774
* فصل:
قال أحمد في رواية حنبل: يعود المريض, ولا يجلس, ويقضي الحاجة, ويعود إلى معتكفه, ولا يشتري ولا يبيع؛ إلا أن يشتري ما لا بد له منه؛ طعام أو نحو ذلك.
وقال في رواية المروذي: لا ينبغي له إذا اعتكف أن يخيط أو يعمل.
وقال أبو طالب: سألت أحمد عن المعتكف يعمل عمله من الخياطة وغيره؟ قال: ما يعجبني. قلت: إن كان يحتاج؟ قال: إن كان يحتاج؛ فلا يعتكف.
قال أصحابنا: ولا يتجر, ولا يصنع صناعة؛ لسببين:
أحدهما: أن التجارة والصناعة تشغل عن مقصود الاعتكاف, فلا يفعله في المسجد, ولا إذا خرج منه لحاجة.
والثاني: أن ذلك ممنوع منه في المسجد.
فأما البيع والشراء؛ فقال القاضي وابن عقيل: لا يجوز ذلك في المسجد, سواء في ذلك اليسير - مثل الثوب ونحوه - والكثير, وكذلك لا يجوز له فعل الخياطة فيه, سواء كان محتاجاً أو غيره, وسواء قل أو كثر؛ لأن في ذلك فعل معيشة في المسجد, وكذلك الرقوع ونحوه. . . فيمنع من البيع والشراء في المسجد مطلقاً, ويحتمل كلام أحمد. . . .
فأما خارج المسجد؛ فيجوز له أن يشتري ما لا بدَّ منه.
стр. 775
فأما شراء خادم لأهله وكسوة ونحو ذلك مما لا يتكرر أو شراء طعام لهم. . . .
وإذا خاط ثوبه أو رقعه أو فعل نحو ذلك مما لا يتكسب به؛ فقيل: يجوز اليسير منه.
[وإذا كان به حاجة إلى الاكتساب والاتجار؛ فلا يعتكف].
قال أصحابنا: وله أن يتزوج في المسجد, وأن يزوج غيره, وأن يشهد النكاح؛ لأنها عبادة لا تحرم الطيب, فلم تمنع النكاح والصيام, وعكسه الإِحرام أو العدة. . . .
وإذا اتجر أو اكتسب في المسجد؟ فهل يبطل اعتكافه؟. . . .
وإن فعل ذلك خروجاً لأمد قضاء الحاجة أو خروجاً يمتد للحيض والفتنة. . . .
* فصل:
ويجوز للمعتكف أن يغسل رأسه ويرجله حال الاعتكاف:
٨٦٠ - لما روي عن عائشة ﵂: «أنها كانت ترجل النبي ﷺ وهي حائض, وهو معتكف في المسجد, وهي في حجرتها, يناولها رأسه, وكان
стр. 776
لا يدخل البيت إلا لحاجة الإِنسان إذا كان معتكفاً». متفق عليه.
وفي لفظ للبخاري: «إن كان رسول الله ﷺ ليدخل رأسه وهو في المسجد, فأرجله, وكان يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً».
وفي لفظ له: «كان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف, فأغسله وأنا حائض».
قال ابن عقيل: ويجوز غسل جسده والتنظيف بأنواع التنظيف.
وفي معنى ذلك أخذ الشارب وتقليم الأظفار والاغتسال؛ لأن هذا من باب النظافة والطهارة, وهذا مما يستحب للمعتكف.
قال ابن عقيل: لأنها عبادة لا تحرم الطيب, والطيب أكثر من التنظيف, فكان من طريق الأولى أن لا يحرم الغسل والتنظيف.
وأما الطيب:
فقال في رواية المروذي: لا يتطيب المعتكف, ولا يقرئ في المسجد وهو معتكف.
وكذلك ذكر أبو بكر. ذكرها القاضي في بعض المواضع.
وقال القاضي وابن عقيل وغيرهما: لا يحرم عليه الطيب؛ لأن الاعتكاف لا يحرم عقد النكاح فلا يحرم الطيب.
قالوا: والمستحب له أن لا يلبس الرفيع من الثياب, ولا يتطيب؛ لأنها
стр. 777
عبادة تختص بلبث في مكان مخصوص, فلم يكن الطيب والرفيع من الثياب فيها مشروعاً؛ كالحج.
فإن كان المعتكف قد حبس نفسه باعتكافه كما حبس المحرم نفسه بإحرامه, وهذا لأن الاعتكاف يحرم الوطء وما دونه, والطيب من دواعيه, فإذا لم يحرمه؛ فلا أقل من أن لا يستحب.
وأن يخرج إلى المصلى في ثياب اعتكافه, ولا يجدد ثياباً غيرها حتى يرجع إلى المصلى, ولا يحرم عليه شيء من اللباس المباح؛ لأن النبي ﷺ كان يعتكف إلى أن مات, ولم ينقل عنه أنه تجرد لاعتكافه.
قالوا: وله أن يأكل ما شاء كالمحرم.
وقال أبو بكر: يمنع نفسه عن التلذذ بما هو مباح قبل الاعتكاف.
مسألة:
ولا يخرج من المسجد إلا لما لا بد له منه؛ إلا أن يشترط .
وجملة ذلك أن الاعتكاف هو لزوم المسجد للعبادة, فمتى خرج منه لغير فائدة؛ بطل اعتكافه, سواء طال لبثه أو لم يطل؛ لأنه لم يبق عاكفاً في المسجد.
٨٦١ - وقد روت عائشة ﵂: «أنها كانت ترجل النبي ﷺ وهي حائض, وهو معتكف في المسجد, وهي في حجرتها, يناولها رأسه, وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإِنسان إذا كان معتكفاً». متفق عليه.
стр. 778
وفي لفظ للبخاري: وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً.
٨٦٢ - وقد تقدم قولها: «لا يخرج لحاجة؛ إلا لما لا بد له منه». رواه أبو داوود.
فأما خروجه لما لا بد له منه مما يعتاد الاحتياج إليه, ولا يطول زمانه, وهو حاجة الإِنسان, وصلاة الجمعة؛ فيجوز, ولا يقطع عليه اعتكافه, ولا يبطله, ويكون في خروجه في حكم المعتكف بحيث لا يقطع عليه التتابع المشروع وجوباً واستحباباً.
ولا تجوز له المباشرة, ولا ينبغي أن يشتغل إلا بالقرب وما يعنيه؛ لقوله : ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: رقم ١٨٧]؛ فنهى عن المباشرة لمن اعتكف في المسجد, وإن كان في غيره؛ لأن المباشرة في نفس المسجد لا تحل للعاكف ولا غيره.
فعلم من هذا أن العاكف في المسجد قد يكون في حكم العاكف مع خروجه منه, حتى تحرم عليه المباشرة.
وقد ذكرت عائشة أن رسول الله ﷺ كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإِنسان؛ تعني: الغائط والبول, كُني عنهما بالحاجة؛ لأن الإِنسان يحتاج إليهما لا محالة.
وتقدم الدليل على أن له أن يخرج للجمعة.
ومثل هذا المصلي صلاة الخوف إذا استدبر القبلة ومشى مشياً كثيراً؛ فإنه
стр. 779
لا يخرج عن حكم الصلاة – وإن كانت هذه الأفعال تنافي الصلاة – [لكنها] أبيحت للضرورة.
وكذلك؛ الطائف إذا صلى في أثناء صلاة مكتوبة أقيمت أو جنازة حضرت؛ فإنه طواف واحد, وإن تخلله هذا العمل المشروع.
وكذلك إذا قطع الموالاة في قراءة الفاتحة لاستماع قراءة الإِمام ونحو ذلك.
وفي معنى ذلك كل ما يحتاج إلى الخروج له, وهو ما يخاف من تركه ضرراً في دينه أو دنياه, فيدخل في ذلك الخروج لفعل واجب وترك محرم وإزالة ضرر؛ مثل: الحيض, والنفاس, وغسل الجنابة, وأداء شهادة تعينت عليه, وإطفاء حريق, ومرض شديد, وخوف على نفسه من فتنة وقعت, وجهاد تعين, وشهود جمعة, وسلطان أحضره, وحضور مجلس حكم, وقضاء عدم الوفاء, وغير ذلك؛ فإنه يجوز له الخروج لأجله, ولا يبطل اعتكافه, لكن منه ما يكون في حكم المعتكف إذا خرج بحيث يحسب له من مدة الاعتكاف ولا يقضيه – وهو ما لا يطول زمانه -, ومنه ما ليس كذلك – وهو ما يطول زمانه -؛ كما سنذكر إن شاء الله تعالى.
ويدل على جواز الخروج لا يعرض من الحاجات, وإن لم يكن معتاداً, مع احتسابه من المدة:
٨٦٣ - ما روى علي بن الحسين: أن صفية زوج النبي ﷺ أخبرته أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان, فتحدثت عنده ساعة, ثم قامت تنقلب, فقام النبي ﷺ معها يقلبها, حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة؛ مرَّ رجلان من الأنصار, فسلما عللا رسول الله ﷺ , فقال لهما رسول الله ﷺ : «على رسلكما؛ إنها صفية بنت
стр. 780
حيي». فقالا: سبحان الله! وكَبُر عليهما. فقال رسول الله ﷺ : «إن الشيطان يجري من الإِنسان مجرى الدم, وإني خشيت أن يلقي في أنفسكما شيئاً». رواه الجماعة إلا الترمذي.
وفي رواية متفق عليها: وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد.
وفي لفظ للبخاري: كان النبي ﷺ في المسجد عنده أزواجه, فرحن, فقال لصفية بنت حيي: «لا تعجلي حتى أنصرف معك» , وكان بيتها في دار أسامة بن زيد, فخرج النبي ﷺ معها, فلقيه رجلان. . . (وذكر الحديث).
وهذا صريح بأن النبي ﷺ خرج معها من المسجد, وأن قولها: «حتى بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة»؛ تعني: باباً غير الباب الذي خرج منه؛ فإن حجر أزواج النبي ﷺ كانت شرقي المسجد وقبلته, وكان للمسجد عدة أبواب, أظنها ستة, فيمر على الباب بعد الباب, والرجلان رأيا النبي ﷺ ومعه المرأة خارج المسجد؛ فإنه لو كان في المسجد؛ لم يحتج إلى هذا الكلام.
وقوله: «لا تعجلي حتى أنصرف معك» , وقيامه معها ليقلبها: دليل على أن مكانها كان بينه وبين المسجد مسافة يخاف فيها من سير المرأة وحدها ليلاً, وذلك والله أعلم قبل أن يتخذ حجرتها قريباً من المسجد, ولهذا قال: «كان
стр. 781
مسكنها في دار أسامة».
وهذا كله مبين لخروجه من المسجد؛ فإن خروجه إلى مجرد باب المسجد لا فائدة فيه, ولا خصوص لصفية فيه لو كان منزلها قريباً دون سائر أزواجه, فهذا خروج للخوف على أهله, فيلحق به كل حاجة.
ولا يجوز أن يقال: اعتكافه كان تطوعاً, وللمتطوع أن يدع الاعتكاف؛ لأن النبي ﷺ كان يحفظ اعتكافه مما ينقصه, ولهذا كان لا يدخله إلا لحاجة, ويصغي رأسه إلى عائشة لترجله, ولا يدخل.
ولأنه لو ترك الاعتكاف ساعة؛ لم يكن قد اعتكف العشر الأواخر, وهو ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر.
ثم إنه كان يقضي هذا الاعتكاف إذا فاته؛ فكيف يفسده أو يترك منه شيئاً؟!
على أن أحداً من الناس لم يقل: إن النبي ﷺ قد كان ترك اعتكافه بخروجه مع صفية؛ فإن العمدة في صفة الاعتكاف فرضه ونفله على اعتكافه ﷺ , كيف وقد كان إذا عمل عملاً أثبته ﷺ .
* فصل:
وأما عيادة المريض وشهود الجنازة ؛ ففيه روايتان منصوصتان:
إحداهما: يجوز.
قال في رواية ابن الحكم: المعتكف يعود المريض ويشهد الجنازة.
стр. 782
٨٦٤ - ويروى عن عاصم بن ضمرة, عن علي ﵁ «المعتكف يعود المريض ويشهد الجنازة والجمعة». وعاصم بن ضمرة عندي حجة.
وقال حرب: سل أحمد عن المعتكف يشهد الجنازة ويعود المريض ويأتي الجمعة؟ قال: نعم. ويتطوع في مسجد الجامع؟ قال: نعم؛ أرجو أن لا يضره. قيل: فيشترط المعتكف الغداء أو العشاء في منزله؟ فكره ذلك. قيل: فيشترط الخياطة في المسجد؟ قال: لا أدري. قيل: فهل يكون اعتكاف إلا بصيام؟ قال: قد اختلفوا فيه.
وكذلك نقل عن الأثرم: يخرج لصلاة الجنازة.
وقال في رواية حنبل: ويعود المريض, ولا يجلس, ويقضي الحاجة, ويعود إلى معتكفه, ولا يشتري, ولا يبيع؛ إلا أن يشتري ما لا بد له منه؛ طعام أو نحو ذلك, وأما التجارة والأخذ والعطاء؛ فلا يجوز شيء من ذلك.
والرواية الثانية: لا يجوز ذلك إلا بشرط.
قال في رواية المروذي في المعتكف: يشترط أن يعود المريض ويتبع الجنازة؟ قال: أرجو. كأنه لم ير به بأساً.
ويشبه أن تكون هي الآخرة؛ لأن ابن الحكم قديم.
وهذه اختيار عامة أصحابنا: الخرقي, وأبي بكر, وابن أبي موسى, والقاضي, وأصحابه, وغيرهم.
لأن النبي ﷺ كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإِنسان.
فعلم أن هذه سنة الاعتكاف, وفعله يفسر الاعتكاف المذكور في القرآن.
стр. 783
وقد تقدم حديث عائشة ﵂ على المعتكف: «أن لا يعود مريضاً, ولا يشهد جنازة, ولا يمس امرأة, ولا يباشرها, ولا يخرج إلا لما لا بد منه».
٨٦٥ - وعن عائشة ﵂؛ قالت: «إن كنت لأدخل البيت للحاجة, والمريض فيه, فما أسأل عنه إلا وأنا مارة». متفق عليه.
٨٦٦ - وعنها؛ قالت: «كان النبي ﷺ يمر بالمريض وهو معتكف, فيمر كما هو, ولا يعرج يسأل عنه». رواه أبو داوود, عن ليث بن أبي سليم, عن ابن القاسم, عن أبيه, عن عائشة.
وفي لفظ: «كان النبي ﷺ يعود المريض وهو معتكف».
ولأنه خروج لما له منه بد, فلم يجز؛ كما لو خرج لزيارة والديه أو صديقه أو طلب العلم ونحو ذلك من القرب.
стр. 784
فعلى هذا: إذا خرج لحاجة؛ فله أن يسأل عن المريض في طريقه, ولا يجلس عنده, ولا يقف أيضاً, بل يسأل عنه مارّاً؛ لأنه [مقيم] لغير حاجة.
وقد ذكر عائشة مثل ذلك.
وقول أحمد: «يعود المريض ولا يجلس»: دليل على جواز الوقوف؛ إلا أن يحمل على الرواية الأخرى.
ووجه الرواية الأولى: ما احتج به أحمد, وهو ما رواه عاصم بن ضمرة, عن علي ﵁؛ قال: «إذا اعتكف الرجل؛ فليشهد الجمعة, وليحضر الجنازة, وليعد المريض, وليأت أهله يأمرهم بحاجته وهو قائم».
٨٦٧ - وعن عبد الله بن يسار: «أن عليّاً أعان ابن أخيه جعدة بن هبيرة بسبع مائة درهم من عطائه أن يشتري خادماً, فقال له: ما منعك أن تبتاع خادماً؟! فقال: إني كنت معتكفاً. قال: وما عليك لو خرجت إلى السوق فابتعت؟!».
٨٦٨ - وعن إبراهيم؛ قال: «كانوا يحبون للمعتكف أن يشترط هذه
стр. 785
الخصال, وهي له [و] إن لم يشترط: عيادة المريض, ولا يدخل سقفاً, ويأتي الجمعة, ويشهد الجنازة, ويخرج في الحاجة».
٨٦٩ - قال: وكان إبراهيم يقول: «لا يدخل المعتكف سقيفة إلا لحاجة أو سقف المسجد». رواهن سعيد.
٨٧٠ - وقد روي عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «المعتكف يتبع الجنازة ويعود المريض». رواه ابن ماجه, وراويه متروك الحديث.
وأيضاً؛ فإن هذا خروج لحاجة لا تتكرر في الغالب, فلم يخرج به عن كونه معتكفاً؛ كالواجبات.
وذلك أن عيادة المريض من الحقوق التي تجب للمسلم على المسلم, وكذلك عيادة المريض. . .؛ فعلى هذه الرواية هل يقعد عنده؟. . . .
وإن تعين عليه الصلاة على الجنازة, وأمكنه فعلها في المسجد؛ لم يجز الخروج إليها, وإن لم يمكنه؛ فله الخروج إليها.
وكذلك يخرج لتغسيل الميت وحمله ودفنه إذا تعيَّن عليه.
стр. 786
وأما إذا شرط ذلك؛ فيجوز في المنصوص المشهور كما تقدم.
وقال في رواية الأثرم: يشترط المعتكف أن يأكل في أهله, ويجوز الشرط في الاعتكاف.
وحكى الترمذي وابن المنذر عن أحمد. . . .
٨٧١ - لأن النبي ﷺ قال لضباعة: «حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني؛ فإن لك على ربك ما اشترطت».
عام, فإذا كان الإِحرام الذي هو ألزم العبادات بالشروع يجوز مخالفة موجبه بالشرط؛ فالاعتكاف أولى.
٨٧٢ - [وعن إبراهيم؛ قال: «كانوا يحبون للمعتكف أن يشترط هذه الخصال, وهي له إن لم يشترط: عيادة المريض, ولا يدخل سقفاً, ويأتي الجمعة, ويشهد الجنازة, ويخرج في الحاجة».]
وكان إبراهيم يقول: «لا يدخل المعتكف سقيفة إلا لحاجة أو سقف المسجد». رواه سعيد.
* فصل:
قال أبو بكر: لا يقرأ القرآن, ولا يكتب الحديث, ولا يجالس العلماء,
стр. 787
ولا يتطيب, ولا يشهد جنازة, ولا يعود مريضاً؛ إلا أن يشترط في اعتكافه.
ذكر ابن حامد والقاضي وغيرهما: أن له أن يشترط كل ما في فعله قربة؛ مثل: العيادة, وزيارة بعض أهله, وقصد بعض العلماء.
وقسموا الخروج ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يجوز بالشرط ودونه ولا يبطل الاعتكاف.
وهو الخروج لما لا بد منه من قضاء الحاجة والخوف والمرض ونحو ذلك مما تقدم.
والثاني: ما لا يجوز الخروج إليه إلا بشرط.
وهو عيادة المريض, وزيارة الوالدة, واتباع الجنازة.
والثالث: ما لا يجوز الخروج إليه بشرط وبغير شرط, ومتى خرج إليه؛ بطل اعتكافه.
وهو اشتراط ما لا قربة فيه؛ كالفرجة والنزهة والبيع في الأسواق.
وكذا لو شرط أن يجامع متى شاء.
قال بعض أصحابنا: وكذا إن شرط التجارة في المسجد أو التكسب بالصنعة فيه أو خارجاً منه.
وأما المنصوص عن أحمد, والذي ذكره قدماء وأصحابه؛ فهو اشتراط عيادة المريض واتباع الجنازة.
قال ابن عقيل: وزاد ابن حامد فقال: ولا بأس أن يشترط زيارة أهله لأنه لما كان له أن يشترط قطعه والخروج منه؛ كان له أن يشترط تحلل القربة له.
قال: والجواب عما ذكره ابن حامد: أنه ليس إذا ملك أن يقطع
стр. 788
الاعتكاف, يملك أن يشترط شيئاً يبطل مثله الاعتكاف مع عدم الشرط؛ كما أنه يجوز أن يشترط يوماً ويوماً لا, ولا يملك أن يطأ في اليوم الذي لم ينذر اعتكافه, ومع هذا لا يملك أن يطأ.
فأما اشتراط المباح؛ على ما ذكره القاضي: لا يجوز.
وقال بعض أصحابنا: يجوز شرط ما يحتاج إليه؛ كالأكل والمبيت في المنزل؛ لأن الاعتكاف يجب بعقده, فكان الشرط إليه فيه كالوقف.
ولأنه لا يختص بقدر, فإذا شرط الخروج؛ فكأنه نذر القدر الذي أقامه.
أما الأكل؛ ففيه عن أحمد روايتان؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما المبيت؛ فقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن المعتكف يشترط أن يأكل في أهله؟ قال: إذا اشترط؛ فنعم. قيل له: وتجيز الشرط في الاعتكاف؟ قال: نعم. قلت له: فيبيت في أهله؟ قال: إذا كان تطوعاً؛ جاز.
فأخذ بعض أصحابنا من هذا جواز شرط المبيت لجواز شرط الأكل, [و] ليس بجيد؛ فإن أحمد أجاز الأكل بالشرط مطلقاً, وأجاز المبيت في الأهل إذا كان متطوعاً, ولم يعلقه بشرط, فعلم أنه لا يجوز في النذر.
وليس هذا لأجل الشرط, بل لأن التطوع له تركه متى شاء؛ فإذا بات في أهله؛ كأنه يعتكف النهار دون الليل.
ولو نذر أن يعتكف عشرة أيام يبيت بالليل عند أهله؛ يكون قد نذر اعتكاف الأيام دون الليالي, فيكون اعتكاف كل يوم اعتكافاً جديداً يحتاج إلى نية مستأنفة.
وإذا خرج بالليل؛ لم يكن معتكفاً, حتى لو جامع أهله فيه؛ كان له ذلك.
стр. 789
فأما جواز المبيت في أهله, مع كونه معتكفاً؛ فهذا إخراج للاعتكاف عن حقيقته. . . .
* فصل:
فإن قال: عليَّ أن أعتكف شهر رمضان إن لم أكن مريضاً أو مسافراً , أو أصوم شعبان إن لم أكن مريضاً أو مسافراً, أو أتصدق بكذا إن لم يحتج إليه؛ جاز؛ لأن النذر عقد من العقود, يصح تعليقه بشرط؛ فلأن يصح الاستثناء فيه والاشتراط أولى وأحرى.
وإن قال: عليَّ أن أعتكف هذا الشهر على أني متى عرض لي ما يمنعني المقام خرجت؛ جاز ذلك؛ كما لو قال في الحج: إن حبسني حابس؛ فمحلي حيث حبستني, ويكون فائدة ذلك أنه لا يلزمه قضاء ولا كفارة.
مسألة:
ولا يباشر امرأة .
والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: رقم ١٨٧].
فلا يحل له في المسجد ولا خارجاً منه إذا خرج خروجاً لا يقطع الاعتكاف أن يباشرها بوطء ولا لمس ولا قبلة لشهوة, بل ذلك حرام عليه.
٨٧٣ - قال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي
стр. 790
الْمَسَاجِدِ﴾؛ قال: «كان الناس إذا اعتكفوا يخرج أحدهم فيباشر أهله, ثم يرجع إلى المسجد, فنهاهم الله تعالى عن ذلك».
٨٧٤ - وعن ابن عباس ﵄؛ قال: «إذا جامع المعتكف؛ بطل اعتكافه, واستأنف الاعتكاف». رواهما إسحاق بن راهوية.
٨٧٥ - فأما إن مسها لغير شهوة, مثل أن يناولها حاجة أو تناوله؛ فلا بأس؛ لحديث عائشة.
والوطء يبطل الاعتكاف بإجماع أهل العلم. ذكره ابن المنذر.
لأنها عبادة حرم فيها الوطء فأبطلها كالصوم والإِحرام.
стр. 791
فأما المباشرة دون الفرج؛ كالقبلة واللمس؛ فإنها لا تبطله فيما ذ كره القاضي ومن بعده من أصحابنا؛ كما لا يبطل الإِحرام والصيام؛ إلا أن يقترن بها الإِنزال؛ فإن أنزل؛ فسد الاعتكاف كما يفسد الصيام بالإِنزال, وكذلك الحج في رواية, وفي الرواية الأخرى الحج آكد في اللزوم؛ فإنه لا يخرج منه بالإِفساد؛ بخلاف الاعتكاف؛ فإنه لو خرج من المسجد أو جامع؛ خرج من الاعتكاف, ولو أراد الخروج من تطوعه؛ كان له ذلك.
ويبطل الاعتكاف بالوطء؛ سواء عامداً أو ناسياً أو عالماً أو جاهلاً عند أصحابنا, وهو ظاهر كلامه؛ كما قلنا في الإِحرام والصيام.
ويتخرج. . . .
وإن باشر ناسياً فأنزل؛ فقياس المذهب أن ما كان منه ملحقاً بالوطء يستوي فيه عمده وسهوه, وهو جميع المباشرة في رواية, أو الوطء دون الفرج في رواية.
وما كان منه مفارقاً للجماع في وجوب الكفارة به في الصيام.
وإن خرج من المسجد ناسياً؛ ففيه وجهان:
أحدهما: لا يبطل اعتكافه. قاله القاضي في «المجرد»؛ لأن الاعتكاف منع من شيئين: المباشرة والخروج؛ كما منع الصوم والمباشرة والأكل, فلما كان أكل الصائم ناسياً لا يبطل صومه؛ بخلاف الجماع؛ فكذلك خروجه من المسجد, والجاهل بأنه محرم. . . .
والثاني: يبطل اعتكافه. قاله القاضي في «خلافه» والشريف وأبو جعفر
стр. 792
وأبو الخطاب وابن عقيل, حتى جعلوه أوكد من الجماع؛ لأن اللبث في المسجد من باب المأمور به, فيستوي في تركه العمد والخطأ؛ كترك أركان الصلاة وأركان الحج وواجباته؛ بخلاف الجماع؛ فإنه من المنهي عنه.
وسواء في ذلك إن نسي المسجد أو نسي أنه معتكف (. . .).
فإن أكره على الخروج؛ لم يبطل اعتكافه, سواء أكره بحق؛ مثل إحضاره مجلس الحكم, أو بباطل؛ بأن يحمل أو يكره على الخروج لمصادرة أو تسخير.
فأما إن أمكنه الامتناع بأداء ما وجب عليه أو بغير ذلك, بأن يكون عليه حق, وهو قادر على وفائه, فيمتنع حتى يخرجه الخصم إلى مجلس الحكم؛ بطل اعتكافه.
* فصل:
وإذا أبطل اعتكافاً لزمه قضاؤه؛ فهل عليه كفارة ؟ على روايتين:
إحداهما: لا كفارة عليه.
قال في رواية أبي داود: إذا جامع المعتكف؛ فلا كفارة عليه؛ لأنه لا نص في وجوب الكفارة ولا إجماع ولا قياس صحيح.
لأنها إن قيست على الصيام؛ فالصوم لا تجب الكفارة بالوطء فيه إلا نهار رمضان خاصة, ولهذا تجب على من وجب عليه الإِمساك, وإن لم يكن صائماً, فكانت الكفارة لحرمة الزمان لا لحرمة جنس الصوم.
وإن قيست على الحج؛ فالحج يلزم جنسه بالشروع, ثم الكفارة الواجبة فيه ليست من جنس كفارة الحج.
стр. 793
وأيضاً؛ فالحج والصيام عبادتان عظيمتان, يجب جنسهما بالشرع, ويدخل المال في جبرانهما؛ بخلاف الاعتكاف. ثم ليس إلحاقه بالحج والصيام بأولى من إلحاقه بالطواف والصلاة والطهارة؛ فإنه لو نذر أن يبقى يوماً متطهراً, ثم أفسد طهارته؛ م تجب عليه كفارة. . . .
والرواية الثانية: عليه الكفارة, وهي اختيار القاضي وأصحابه.
وحكى ابن أبي موسى وغيرهما هذه الرواية: أنه يلزمه كفارة الظهار, سواء وطئ ليلاً أو نهاراً, عامداً أو ساهياً.
قال ابن أبي موسى: وهو مذهب الزهري.
٨٧٦ - وذكر إسحاق عن الزهري في الرجل يقع على امرأته وهو معتكف؟ قال: «لم يبلغنا في ذلك شيء, ولكنا نرى أن يعتق رقبة, مثل الذي يقع على أهله في رمضان».
٨٧٧ - وعن الحسن: «إذا واقعها وهو معتكف؛ يحرر محرراً».
وذك لأنها عبادة مقصودة يحرم فيها الوطء ويفسدها, فوجب فيها كفارة
стр. 794
كالصيام والحج, ولا ينتقض بالطواف والصلاة؛ لأن الواطئ إنما يفسد الطهارة, وفساد الطهارة يفسد الصلاة والطواف.
والطهارة ليست عبادة مقصودة لنفسها, أو يقال: عبادة لا تشترط لها الطهارة, ويحرم الوطء, فأشبه الصيام والحج.
وهذا لأن العاكف قد منه نفسه من الخروج, كما منع الصائم نفسه عن الأكل والشرب والنكاح, ومنع المحرم نفسه عن اللباس والطيب والنكاح وغيرها.
٨٧٨ - ولهذا قال النبي ﷺ في العاكف: «هو يعكف الذنوب».
٨٧٩ - كما قال في الصوم: «الصوم جنة».
ولهذا كره للصائم والعاكف والمحرم فضول القول والعمل منصوصاً في الكتاب والسنة, ولهذا قرن العكوف بالصيام: إما وجوباً, أو استحباباً مؤكداً, وجمع بينهما في آية واحدة, وقرن بالحج في قوله تعالى: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥].
ولفظ هذه الرواية فيما ذكره القاضي: قال في رواية حنبل: وذكر له قول ابن شهاب: «من أصاب في اعتكافه؛ فهو كهيئة المظاهر» , فقال أبو عبد الله: وإذا كان نهاراً أوجبت عليه الكفارة.
وقال في موضع آخر في مسائل حنبل: إذا واقع المعتكف أهله؛ بطل اعتكافه, وكان عليه أيام مكان ما أفسده, ويستقبل ذلك, ولا كفارة عليه إذا كان الذي واقع ليلاً وليس هو واجباً فتجب عليه الكفارة.
стр. 795
ولأصحابنا في تفسير هذا الكلام ثلاثة طرق:
أحدها: أن قوله: «لا كفارة عليه إذا كان ليلاً, ليس هو واجباً عليه فتجب عليه الكفارة»: دليل على أن الكفارة تجب في الواجب وإن كان ليلاً.
وقوله في اللفظ الآخر: «وإذا كان نهاراً وجبت عليه الكفارة»: قصد به إذا كان الاعتكاف واجباً عليه أو لم يوجبه على نفسه ليلاً, فأما إذا وجب اعتكاف شهر متتابع أو أيام متتابعة؛ فإن الليل والنهار سواء في ذلك. هذا تفسير القاضي.
الثانية: أنه في اللفظ أوجب كفارة الظهار بالوطء نهاراً فقط؛ لأنه يكون صائماً؛ فإن الصوم وجب في إحدى الروايتين, وهي رواية حنبل. ومؤكداً الاستحباب في الأخرى, فيكون قد أفسد الصوم والاعتكاف كالواطئ في رمضان يهتك حرمة الإِمساك وحرمة الزمان, ويكون الصوم المقرون به الاعتكاف كالصوم في نهار رمضان؛ بخلاف الواطئ ليلاً؛ فإنه لم يفسد إلا مجرد الاعتكاف.
وفي اللفظ الثاني: أوجب الكفارة بالوطء ليلاً ونهاراً إذا كان واجباً.
فتكون المسألة على ثلاث روايات:
وهذه طريقة ابن عقيل في «خلافه» , ولم يذكر في الفصول إلا روايتين:
إحداهما: وجوب الكفارة.
والثانية: لا تجب إلا إذا كان واجباً بالنذر, وكان الوطء نهاراً.
قال: ولعل الوطء في ليل المعتكف يوجب كفارة اليمين, فعلى هذا تكون الروايتان متفقة على أن النهار فيه كفارة الظهار, والليل فيه كفارة يمين.
الثالثة: أن احمد إنما سئل عن المعتكف في رمضان, وعلى هذا خرج
стр. 796
كلامه؛ فإن وطئ نهاراً؛ وجبت عليه كفارة الظهار لأجل رمضان, وإذا وطئ ليلاً وليس هو واجباً عليه؛ فلا كفارة عليه, وإن كان واجباً؛ وجبت عليه كفارة ترك النذر.
ويدل على أن هذا معنى كلامه قوله: «ولا كفارة عليه إذا كان الذي واقع ليلاً وليس هو واجباً»؛ فهذا دليل على ثبوته إذا كان نهاراً, وإذا كان ليلاً وهو واجب, ودليل على أنه إذا كان واجباً؛ وجبت الكفارة لوجوبه, وهذه كفارة اليمين. وكذلك قال أبو بكر.
والرجل إذا جامع في اعتكافه؛ بطل اعتكافه, ويستقبل؛ فإن كان نذراً؛ كان عليه كفارة يمين والقضاء لما أفسد.
وعلى هذه الطريقة فتكون المسألة رواية واحدة: أنه يجب عليه كفارة اليمين لترك النذر.
وذكر القاضي أبو الحسين وغيره في الكفارة الواجبة بالوطء في الاعتكاف؛ هل هي كفارة يمين أو ظهار؟ على روايتين:
إحداهما: أنها كفارة يمين. اختاره أبو بكر والقاضي في «الجامع الصغير».
والثانية: أنها كفارة ظهار. اختاره القاضيان ابن أبي موسى وأبو يعلى في «خلافه».
وهذا يقتضي أنه لا كفارة على الرواية الأخرى؛ لا كفارة جماع, ولا كفارة يمين.
وهذا غلط على المذهب؛ فإن الاعتكاف إذا كان منذوراً معيناً وأفسده؛
стр. 797
لزمته كفارة ترك المنذور بغير خلاف في المذهب؛ كما يلزمه كفارة لو خرج من المسجد.
وقول أحمد: «إذا جامع المعتكف؛ فلا كفارة عليه»؛ أي: لا كفارة عليه للجماع في الاعتكاف.
وهذا إنما تجب عليه الكفارة لتفويت النذر؛ كالخروج من المسجد وأولى.
نعم؛ مَنْ قال مِن أصحابنا عليه كفارة ظهار؛ فإنه يستغني بوجوبها عن كفارة اليمين, ومن لم يوجب عليه كفارة ظهار. . . وهو الذي يقتضيه كلام أحمد وقدماء أصحابه؛ فإنه لا بد في كفارة اليمين إذا كان النذر معيناً.
وأما إذا كان مطلقاً؛ فهل تجب كفارة اليمين؟
وإذا باشر دون الفرج فأنزل؛ فقال ابن عقيل: يتخرج في إيجاب الكفارة وجهان, على الروايتين في الصوم؛ لأن الاعتكاف عبادة تحرم الوطء ودواعيه؛ هو كالصيام والإِحرام.
* فصل:
ويبطل الاعتكاف أيضاً بالردة ؛ لأن الردة تبطل جميع العبادات من الطهارة والصلاة والصوم والإِحرام؛ فكذلك الاعتكاف؛ لأن الكافر ليس من أهل العبادات.
فإن عاد. . . .
стр. 798
ويبطل أيضاً بالسكر؛ لأن السكران ممنوع من دخول المسجد؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: آية ٤٣]. . . .
فأما إن زال عقله بغير النوم من جنون أو إغماء. . . .
* فصل:
وإذا ترك الاعتكاف بالخروج من المعتكف: فإما أن يكون نذراً أو تطوعاً: أما النذر؛ فأربعة أقسام:
أحدها: أن يكون نذراً معيناً, مثل أن يقول: لله عليَّ أن أعتكف هذا الشهر, أو هذا العشر, أو العشر الأواخر من رمضان. . . ونحو ذلك؛ ففيه روايتان, ويقال: وجهان مبنيان على روايتين منصوصتين في الصيام:
أحدهما: يبطل ما مضى من اعتكافه, وعليه أن يبتدئ الاعتكاف, فيعتكف ما بقي من المدة, ويصله باعتكاف ما فوته منها؛ لأنه وجب عليه أن يعتكف تلك الأيام متتابعة, فإذا بطا الاعتكاف؛ قطع التتابع؛ فعليه أن يأتي به في القضاء متتابعاً؛ لأن القضاء يحكي الأداء, ووجب عليه أن يعتكف ما بقي من المدة لأجل التعيين, وهذا أولى من الصوم؛ لأن الصوم عبادات يتخللها [ما ينافيها, فإذا أفطر يوم؛ لم يلزم منه فطر يوم آخر؛ بخلاف] الاعتكاف؛ فإنه عبادة واحدة متواصلة, فإذا أبطل آخرها؛ بطل أولها؛ كالإِحرام وصوم اليوم الواحد والصلاة.
стр. 799
والرواية الثانية: لا يبطل ما مضى من اعتكافه, بل يبني عليه ويقضي ما تركه, وإن شاء قضاه متتابعاً, وإن شاء متفرقاً, وإن شاء وصله بالمدة المنذورة, وإن شاء فصله عنها؛ لأن التتابع إنما وجب تبعاً للتعيين في الوقت, فإذا فات التعيين؛ سقط التتابع لسقوطه؛ كمن أفطر يوماً من رمضان؛ فإنه يبني على ما صام منه, ويقضي يوماً مكان ما ترك, وعليه كفارة يمين لما فوته من التعيين في نذره رواية واحدة.
القسم الثاني: أن ينذر اعتكاف الوقت المعين متتابعاً, بأن يقول: عليَّ أن أعتكف هذا العشر متتابعاً, فإذا ترك بعضه؛ كان عليه استئناف الاعتكاف, فيعتكف ما بقي, ويصله بالقضاء.
الثالث: أن ينذر اعتكافاً متتابعاً غير معين؛ مثل أن يقول: عليَّ أن أعتكف عشرة أيام متتابعة أو شهراً متتابعاً, فإذا ترك بعضه؛ كان عليه أن يستأنف الاعتكاف في أي وقت كان, ولا كفارة عليه.
الرابع: أن ينذر اعتكافاً مطلقاً غير متتابع, مثل أن يقول: عليَّ اعتكاف عشرة أيام متفرقة, فإذا ترك اعتكاف بعضها؛ لم يبطل غير ذلك اليوم. . . .
وأما إذا أبطله بالوطء والسكر ونحوهما:
فقال ابن عقيل وكثير من متأخري أصحابنا: هو كما لو أبطله بالخروج من معتكفه.
فإن كان مشروطاً فيه التتابع؛ فعليه الاستئناف؛ رواية واحدة؛ لفوات التتابع المشروط فيه, لا لفساد ما مضى منه.
وإن لم يشترط فيه التتابع؛ فهل يبني أو يستأنف؟ على وجهين, مع
стр. 800
وجوب الكفارة فيهما.
ولفظ ابن عقيل: هل يبطل ما مضى منه. على روايتين:
إحداهما: يبطل. لأنها عبادة واحدة, فيبطل لما مضى منها بالوطء فيما بقي؛ كالطواف.
والثانية: لا يبطل الماضي.
لأنه عبادة بنفسه؛ بدليل أنه يصح أن يفرد بالنذر والنفل, وإن لم يكن معيناً؛ فعليه القضاء والاستئناف.
وإن كان متتابعاً بغير كفارة. . . .
والذي ذكره قدماء الأصحاب مثل الخرقي وأبي بكر وابن أبي موسى وغيرهم أن عليه القضاء والاستئناف. وهذا هو المنصوص عنه.
قال في رواية حنبل: إذا واقع المعتكف أهله؛ بطل اعتكافه, وكان عليه أيام مكان ما أفسده, ويستقبل ذلك, ولا كفارة عليه إذا كان الذي واقع ليلاً, وليس هو واجب فتجب عليه الكفارة.
وكذلك قال أيضاً: إذا وطئ المعتكف؛ بطل اعتكافه, وعليه الاعتكاف من قابل.
وهذا أجود؛ لأنه إذا نذر اعتكاف العشر, وجامع فيه؛ فإن الجماع يبطل اعتكافه, فيبطل ما مضى منه؛ لأن الاعتكاف المتتابع عبادة واحدة, فإذا طرأ عليها ما يبطلها؛ أبطل ما مضى منها؛ كالإِحرام والصيام.
وأيضاً؛ فإن مدة الوطء قليلة؛ فلو قيل: إن ما قبله صحيح, وما يفعل بعده صحيح؛ لم يبق معنى قولنا: يبطل اعتكافه؛ إلا وجوب قضاء ذلك الزمن اليسير, وهذا لا يصح.
стр. 801
وأيضاً. . .
وكون ما قبل الوطء يصح إفراده بالنذر والفعل لا يلزم منه أن يكون عبادة إذا ضم إلى غيره؛ كما لو صلى أربع ركعات؛ فإنه إذا أحدث في آخر ركعة؛ بطل ما مضى, ولو خرج منه؛ لصح, وكذلك لو جامع المحرم في لحج بعد الطواف والسعي؛ بطل, وإن كان يصح إفراده ما مضى عمرة.
وإفساد العبادة يخالف تركها, والخروج من المسجد ترك محض.
* فصل:
قال ابن أبي موسى: لو نذر اعتكاف العشر الأواخر من رمضان, ثم أفسده؛ لزمه أن يقضيه من قابل في مثل وقته.
وهذا أخذه من قول أحمد في رواية حنبل وابن منصور: إذا وقع المعتكف على امرأته؛ انتقض اعتكافه, وعليه الاعتكاف من قابل.
وهذا لأن الاعتكاف هذه الأيام أفضل من غيرها.
ولهذا كان رسول الله ﷺ يختصها بالاعتكاف, ويوقظ فيه أهله, ويحيي الليل, ويشد المئزر, وفيها ليلة القدر, فلا يقوم مقامها إلا ما أشبهها,, وهو العشرين العام القابل؛ كما قلنا فيما إذا [عين] مكاناً مخصوصاً بالسفر إليه مثل المسجد الحرام؛ لم يجزه الاعتكاف إلا فيه, ولو أفسد الاعتكاف الواجب فيه؛ لم يجزه قضاؤه إلا فيه.
ولا يرد على هذا قضاء النبي ﷺ لاعتكافه في شوال؛ لأنه لم يكن واجباً
стр. 802
عليه, على أنه قد اعتكف في العام الذي قبض فيه عشرين, ولم يكن في الرمضان الذي كان مسافراً فيه, فلعله قضاه من ثانية.
فإن قيل: فقد قلتم: إذا أفسد اعتكاف الأيام المعينة؛ لزم إتمام باقيها, إما بناء أو ابتداء؛ لأجل التعيين.
قلنا: إذا كان ما بعدها مساوياً لها, فأما هنا؛ فإن العشر إلى العشر أقرب من شوال إلى العشر.
وقال القاضي: إذا قلنا: يصح الاعتكاف بغير صوم, وفاته, فنذر اعتكاف شهر رمضان؛ لزمه اعتكاف شهر بلا صوم؛ فإن أراد أن يقضيه في رمضان آخر؛ أجزأه وكذلك إن قضاه في غير رمضان.
وإن قلنا: لا يصح بغير صوم؛ لزمه قضاء شهر بصوم, فإن أراد أن يقضيه في رمضان آخر؛: فعلى وجهين:
أحدهما: لا يجزيه؛ لأنه ما فاته؛ لزمه اعتكاف شهر بصوم, فلم يجعل صيام رمضان واقعاً عليه.
والثاني: لا يجزيه؛ لأنه لم يلزمه بالنذر صيام, وإنما وجب ذلك عن رمضان, وهو ظاهر قوله في رواية حنبل: عليه أيام مكان ما أفسده, ويستقبل ذلك.
وبمكن الجمع بين القولين بأن تحمل مسألة ابن أبي موسى على ما إذا نذر اعتكاف شهر مطلق, ومسألة القاضي على ما إذا نذر اعتكاف هذا العشر.
* فصل:
فإن كان الاعتكاف الذي أفسده تطوعاً ؛ فلا قضاء فيه. ذكره الخرقي وابن أبي موسى والقاضي وعامة أصحابنا.
стр. 803
قال في رواية أبي داوود: المعتكف ببغداد إذا وقع فتنة يدع اعتكافه, وليس عليه شيء, إنما هو تطوع. . . .
وقال أبو بكر: إذا جامع الرجل؛ بطل اعتكافه, ويستقبل, فإن كان نذراً؛ كان عليه كفارة يمين والقضاء لما أفسده.
وظاهر هذا أن عليه أن يستقبل التطوع, ولا كفارة فيه.
وهكذا نقل حنبل: إذا واقع المعتكف أهله؛ بطل اعتكافه, وكان عليه أيام مكان ما أفسده, ويستقبل ذلك, ولا كفارة عليه إذا كان الذي واقع ليلاً, ليس هو واجباً فتجب عليه الكفارة.
فجعل عليه استقبال القضاء مطلقاً, وخص الكفارة بالواجب.
وكذلك قوله في رواية حنبل وابن منصور: إذا واقع المعتكف امرأته؛ انتقض اعتكافه, وعليه الاعتكاف من قابل.
وفي لفظ: والمعتكف يقع بأهله يبطل اعتكافه, وعليه الاعتكاف من قابل.
ولم يفرق بين النذر والتطوع.
وهذا يحتمل شيئين:
أحدهما: أنه ليس له أن يخرج من الاعتكاف لغير عذر.
والثاني: أنه ليس له أن يطأ مع نية الاعتكاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: آية ١٨٧].
стр. 804
مسألة:
وأن يسأل عن المريض أو غيره في طريقه ولم يعرج عليه
٨٨٠ - وذلك لقول عائشة ﵂: «إن كنت لأدخل البيت للحاجة, والمريض فيه, فما أسأل عنه؛ إلا وأنا مارة». رواه مسلم.
٨٨١ - وقد تقدم أنها روت عن النبي ﷺ نحو ذلك.
ولأن سؤاله عن المريض كلام فيه مصلحة وقربة ولا يحبسه عن اعتكافه, فجاز كغيره من الكلام المباح, ومثل هذا أن يأمر أهله بحاجة أو يسأل عما يعنيه, لكن لا يجلس عند المريض ولا يعرج إليه إذا لم يكن على طريقه.
قال القاضي وابن عقيل: يسأل عنه مارّاً ولا يقيم للمسألة عنه؛ لأنه يقيم لغير حاجة, ولم يشترط ذلك في اعتكافه, وهذا على قولنا: لا يجوز للمعتكف أن يعود المريض بغير شرط.
* فصل:
في تفصيل الأسباب المبيحة للخروج وأحكامها .
أحدها: الخروج لحاجة الإِنسان من البول والغائط, وهو في خروجه في حكم المعتكف؛ بحيث لا يقطع خروجه تتابع الاعتكاف المشروط فيه, بل يحسب له من أوقات الاعتكاف.
стр. 805
ولو جامع في مخرجه؛ بطل اعتكافه.
ويستحب له أن يتحرى الاعتكاف في مسجد تكون المطهرة قريبة منه لئلا يطول زمن خروجه.
قال في رواية المروذي: اعتكف في ذلك الجانب, وهو أصلح من أجل السقاية, ومن اعتكف في هذا الجانب؛ فلا بأس أن يخرج إلى الشط إذا كانت له حاجة, ولا يعجبني أن يتوضأ في المسجد.
قال المروذي: سألت أبا عبد الله عن الاعتكاف في المسجد الكبير أعجب إليك أو مسجد الحي؟ قال: المسجد الكبير. وأرخص لي أن أعتكف في غيره. قلت: فأين ترى أن أعتكف في هذا الجانب أو في هذا الجانب؟ قال: في ذاك الجانب هو أصلح. قلت: فمن اعتكف في هذا الجانب ترى أن يخرج إلى الشط يتهيأ؟ قال: إذا كان له حاجة لا بد له من ذلك. قلت: يتوضأ الرجل في المسجد؟ قال: لا يعجبني أن يتوضأ في المسجد.
قال القاضي: [يكره] الطهارة في المسجد كما يكره غسل اليد؛ لأنه يتمضمض ويستنشق فربما تنخع فيه.
وإذا خرج من المسجد, وله منزلان, أو هناك مطهرتان, إحداهما أقرب من الأخرى, وهو يمكنه الوضوء في الأقرب بلا مشقة؛ فليس له المضي إلى الأبعد. قاله أبو بكر.
وإن كان هناك مطهرة أقرب من منزله يمكنه التنظف فيها؛ لم يكن له المضي إلى منزله. قاله القاضي وغيره. لأنه له من ذلك بدّاً.
стр. 806
وإن لم يمكنه التنظف فيها؛ فله المضي إلى منزله.
وقال بعض أصحابنا: إن كان يحتشم من دخولها, أو فيه نقيصة عليه ومخالفة لعادته؛ فله المضي إلى منزله؛ لما فيه من المشقة عليه في ترك مروءته, هذا إذا كان منزله قريباً من معتكفه.
فأما إن تفاحش بُعده؛ فقال القاضي: لا يمضي إليه؛ أنه خرج عن عادة المعتكفين, وليس عليه أن يشرع المشي, بل يمشي على عادته.
وقد قال أحمد في رواية المروذي: يجب على المعتكف أن يحفظ لسانه, ولا يؤويه إلا سقف المسجد, ولا ينبغي له إذا اعتكف أن يخيط أو يعمل. . . .
فأما البول في المسجد؛ فلا يجوز, وإن بال في طست ونحوه. . . .
وإن أراد أن يفصد أو يحتجم لحاجة؛ فله أن يخرج من المسجد كما يخرج لحاجة الإِنسان, ولا يجوز أن يفعل ذلك في المسجد لحاجة ولا لغيرها. قاله القاضي.
كما لا يجوز له أن يبول في الطشت؛ لأن هواء المسجد تابع للمسجد في الحرمة, بدليل أنه لا يجوز له أن يترك في أرضه نجاسة, ولا يجوز أن يعلق في هوائه نجاسة, مثل ميتة يعلقها, أو قنديل فيه خمر أو دم.
قال ابن عقيل: ويحتمل التجويز مع الضرورة؛ كما ورد في المستحاضة.
فأما مع القدرة على الخروج؛ فلا. وهذا قول بعض أصحابنا: أنه إذا لم
стр. 807
يمكن التحرز من ذلك إلا بترك الاعتكاف؛ ألحق بالمستحاضة.
فعلى هذا يجوز لمن به سلس البول. . . .
فإن كان في المسجد نهر جارٍ أو برك يفيض ماؤها إلى بلاليع ونجو ذلك؛ جاز غسل اليد, وإزالة الوسخ فيها.
فأما الفصد والبول ونحو ذلك؛ فلا يجوز على ما ذكره أصحابنا.
وإذا خرج لحاجة الإِنسان, فدخل في طريقه إلى مسجد آخر ليتم فيه بقية اعتكافه؛ جاز, فإن دخل فيه ليمكث فيه بعض مدة الاعتكاف ثم يعود. . . .
وكذلك إن خرج من مسجد إلى مسجد آخر, وليس بينهما ما ليس بمسجد؛ لأنه لا يتعين للاعتكاف بقعة واحدة.
وإن ذهب إلى مسجد هو أبعد منه عن بيته ومسجده الأول؛ بطل اعتكافه؛ لأنه مشى إليه لغير عذر, فأشبه ما لو خرج إليه ابتداء.
وأما الوضوء؛ ففي كراهته في المسجد روايتان:
فإن خرج من المسجد لتجديد الطهارة؛ بطل اعتكافه؛ لأن له منه بدّاً.
وإن خرج للتوضي عن حدث؛ لم يبطل, سواء كان في وقت صلاة أو لم يكن؛ لأن به إليه حاجة, وهو من تمام سنن الاعتكاف, ولأن الوضوء لا بد منه, وإنما يتقدم وقته.
وإن توضأ للشك في بقاء طهارته, أو خرج لغسل الجمعة؛ فقيل: لا يجوز ذلك. . . .
стр. 808
* فصل:
وأما خروجه للجمعة .
فقال القاضي: يكون خروجه بقدر ما يصلي [أربعاً قبل الجمعة وأربعاً بعدها] , ثم يوافي معتكفه, فيبني على ما مضى.
وكذلك قال ابن عقيل: لا يستحب له الإِطالة, ولكنه يصلي الجمعة, وإن أحب أن يتنفل؛ تنفل بأربع, وعاد إلى معتكفه, ولا يزيد على ذلك.
وقال ابن عقيل: يحصل أن يكون بضيق الوقت, وأفضل من البكور إلى الجمعة؛ لأنه إن كان نذراً؛ فهو واجب, والبكور ليس بواجب, وإن كان تطوعاً؛ فقد ترجح الاعتكاف بتقدمه على الجمعة.
وقال أحمد في رواية أبي داوود: يركع بعد الجمعة في المسجد بقدر ما كان يركع. قيل له: فيتعجل إلى الجمعة؟ قال: أرجو.
قال القاضي: وظاهر هذا جواز التقديم إلى الجمعة؛ لأنه بالتقديم هو في مسجد أيضاً.
وقد قيل له في رواية حرب: وقيل: يتطوع في المسجد الجامع؟ قال: نعم؛ أرجو أن لا يضره.
فقد نص أنه يصلي بعد الجمعة سنتها الراتبة. قدَّرها القاضي وابن عقيل بأربع, وقال أحمد: يركع كعادته. وأطلق التطوع في الرواية الأخرى.
وعلى ما قالوه: الأفضل أن يعجل الرجوع إلى معتكفه, ويكره له المقام بعد السنة الراتبة.
стр. 809
وقيل: يحتمل أن يكون الخيرة إليه في تعجيل الرجوع وتأخيره؛ كما لو نوى إتمام الاعتكاف في الجامع؛ لأنه في مكان يصلح للاعتكاف, [وهذا ليس بشيء؛ لأن المكان إن صلح للاعتكاف] , فليس هو معتكفاً فيه حتى ينوي الاعتكاف فيه.
ولو نوى الاعتكاف فيه؛ لم يجز له العود إلى معتكفه الأول لغير حاجة, فإذا كان من نيته العود إلى معتكفه؛ لم يكن بمقامه فيه معتكفاً, بل يكون مصلياً للجمعة, فلا يزيد على القدر المشروع, فإن زاد. . . .
* فصل:
وإذا جوزنا له الخروج لعيادة المريض وتشييع الجنازة بغير شرط أو كان قد اشترطه؛ فإنه لا يزيد على المسنون , وهو اتباعها من حين كان يخرج من دارها إلى أن يؤذن بالانصراف, وأن يجلس عند المريض, ما جرى به العرف, فإن لم يعلم حين خروجها؛ فهل ينتظرها. . . .
* فصل:
قال في رواية المروذي: يجب على المعتكف أن يحفظ لسانه, ولا يؤويه إلا سقف المسجد, ولا ينبغي له إذا اعتكف أن يخيط أو يعمل, وذلك لما روي:
٨٨٢ - عن ابن عمر ﵄: أنه قال: «لا يدخل المعتكف تحت سقف». ذكره ابن المنذر.
стр. 810
٨٨٣ - وعن إبراهيم؛ قال: «كانوا يحبون للمعتكف أن يشترط هذه الخصال, وهي له إن لم يشترط: عيادة المريض, ولا يدخل سقفاَ, ويأتي الجمعة, ويشهد الجنازة, ويخرج في الحاجة».
وكان إبراهيم يقول: «لا يدخل المعتكف سقيفة إلا لحاجة أو سقف المسجد».
ومعنى هذا انه لا يؤويه سقف مسكن.
فأما في حال مروره في طريقه أو في حال دخوله إلى منزله إذا آواه الباب أو دخل الكنيف ونحو ذلك مما يحتاج إليه؛ فلا بأس به.
وهذا لأن مقامه تحت السقف دخول إلى المساكن وإقامة فيها, وذلك يخالف حال المقيم في المسجد.
٨٨٤ - ولأن النبي ﷺ أمر الحيض أن يقمن في رحبة المسجد؛ لئلا يقمن في مساكنهن.
فعلى هذا الحائض. . . .
* فصل:
قال الخرقي وابن أبي موسى: ولا يخرج من معتكفه إلا لحاجة الإِنسان أو صلاة الجمعة.
следующие страницы →