← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 17417

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - كتاب الصيام

ابن تيمية

Полный текст (824 стр.). Показаны 806–824 · переход к 811.

стр. 806

وإن لم يمكنه التنظف فيها؛ فله المضي إلى منزله. وقال بعض أصحابنا: إن كان يحتشم من دخولها, أو فيه نقيصة عليه ومخالفة لعادته؛ فله المضي إلى منزله؛ لما فيه من المشقة عليه في ترك مروءته, هذا إذا كان منزله قريباً من معتكفه. فأما إن تفاحش بُعده؛ فقال القاضي: لا يمضي إليه؛ أنه خرج عن عادة المعتكفين, وليس عليه أن يشرع المشي, بل يمشي على عادته. وقد قال أحمد في رواية المروذي: يجب على المعتكف أن يحفظ لسانه, ولا يؤويه إلا سقف المسجد, ولا ينبغي له إذا اعتكف أن يخيط أو يعمل. . . . فأما البول في المسجد؛ فلا يجوز, وإن بال في طست ونحوه. . . . وإن أراد أن يفصد أو يحتجم لحاجة؛ فله أن يخرج من المسجد كما يخرج لحاجة الإِنسان, ولا يجوز أن يفعل ذلك في المسجد لحاجة ولا لغيرها. قاله القاضي. كما لا يجوز له أن يبول في الطشت؛ لأن هواء المسجد تابع للمسجد في الحرمة, بدليل أنه لا يجوز له أن يترك في أرضه نجاسة, ولا يجوز أن يعلق في هوائه نجاسة, مثل ميتة يعلقها, أو قنديل فيه خمر أو دم. قال ابن عقيل: ويحتمل التجويز مع الضرورة؛ كما ورد في المستحاضة. فأما مع القدرة على الخروج؛ فلا. وهذا قول بعض أصحابنا: أنه إذا لم

стр. 807

يمكن التحرز من ذلك إلا بترك الاعتكاف؛ ألحق بالمستحاضة. فعلى هذا يجوز لمن به سلس البول. . . . فإن كان في المسجد نهر جارٍ أو برك يفيض ماؤها إلى بلاليع ونجو ذلك؛ جاز غسل اليد, وإزالة الوسخ فيها. فأما الفصد والبول ونحو ذلك؛ فلا يجوز على ما ذكره أصحابنا. وإذا خرج لحاجة الإِنسان, فدخل في طريقه إلى مسجد آخر ليتم فيه بقية اعتكافه؛ جاز, فإن دخل فيه ليمكث فيه بعض مدة الاعتكاف ثم يعود. . . . وكذلك إن خرج من مسجد إلى مسجد آخر, وليس بينهما ما ليس بمسجد؛ لأنه لا يتعين للاعتكاف بقعة واحدة. وإن ذهب إلى مسجد هو أبعد منه عن بيته ومسجده الأول؛ بطل اعتكافه؛ لأنه مشى إليه لغير عذر, فأشبه ما لو خرج إليه ابتداء. وأما الوضوء؛ ففي كراهته في المسجد روايتان: فإن خرج من المسجد لتجديد الطهارة؛ بطل اعتكافه؛ لأن له منه بدّاً. وإن خرج للتوضي عن حدث؛ لم يبطل, سواء كان في وقت صلاة أو لم يكن؛ لأن به إليه حاجة, وهو من تمام سنن الاعتكاف, ولأن الوضوء لا بد منه, وإنما يتقدم وقته. وإن توضأ للشك في بقاء طهارته, أو خرج لغسل الجمعة؛ فقيل: لا يجوز ذلك. . . .

стр. 808

* فصل: وأما خروجه للجمعة . فقال القاضي: يكون خروجه بقدر ما يصلي [أربعاً قبل الجمعة وأربعاً بعدها] , ثم يوافي معتكفه, فيبني على ما مضى. وكذلك قال ابن عقيل: لا يستحب له الإِطالة, ولكنه يصلي الجمعة, وإن أحب أن يتنفل؛ تنفل بأربع, وعاد إلى معتكفه, ولا يزيد على ذلك. وقال ابن عقيل: يحصل أن يكون بضيق الوقت, وأفضل من البكور إلى الجمعة؛ لأنه إن كان نذراً؛ فهو واجب, والبكور ليس بواجب, وإن كان تطوعاً؛ فقد ترجح الاعتكاف بتقدمه على الجمعة. وقال أحمد في رواية أبي داوود: يركع بعد الجمعة في المسجد بقدر ما كان يركع. قيل له: فيتعجل إلى الجمعة؟ قال: أرجو. قال القاضي: وظاهر هذا جواز التقديم إلى الجمعة؛ لأنه بالتقديم هو في مسجد أيضاً. وقد قيل له في رواية حرب: وقيل: يتطوع في المسجد الجامع؟ قال: نعم؛ أرجو أن لا يضره. فقد نص أنه يصلي بعد الجمعة سنتها الراتبة. قدَّرها القاضي وابن عقيل بأربع, وقال أحمد: يركع كعادته. وأطلق التطوع في الرواية الأخرى. وعلى ما قالوه: الأفضل أن يعجل الرجوع إلى معتكفه, ويكره له المقام بعد السنة الراتبة.

стр. 809

وقيل: يحتمل أن يكون الخيرة إليه في تعجيل الرجوع وتأخيره؛ كما لو نوى إتمام الاعتكاف في الجامع؛ لأنه في مكان يصلح للاعتكاف, [وهذا ليس بشيء؛ لأن المكان إن صلح للاعتكاف] , فليس هو معتكفاً فيه حتى ينوي الاعتكاف فيه. ولو نوى الاعتكاف فيه؛ لم يجز له العود إلى معتكفه الأول لغير حاجة, فإذا كان من نيته العود إلى معتكفه؛ لم يكن بمقامه فيه معتكفاً, بل يكون مصلياً للجمعة, فلا يزيد على القدر المشروع, فإن زاد. . . . * فصل: وإذا جوزنا له الخروج لعيادة المريض وتشييع الجنازة بغير شرط أو كان قد اشترطه؛ فإنه لا يزيد على المسنون , وهو اتباعها من حين كان يخرج من دارها إلى أن يؤذن بالانصراف, وأن يجلس عند المريض, ما جرى به العرف, فإن لم يعلم حين خروجها؛ فهل ينتظرها. . . . * فصل: قال في رواية المروذي: يجب على المعتكف أن يحفظ لسانه, ولا يؤويه إلا سقف المسجد, ولا ينبغي له إذا اعتكف أن يخيط أو يعمل, وذلك لما روي: ٨٨٢ - عن ابن عمر ﵄: أنه قال: «لا يدخل المعتكف تحت سقف». ذكره ابن المنذر.

стр. 810

٨٨٣ - وعن إبراهيم؛ قال: «كانوا يحبون للمعتكف أن يشترط هذه الخصال, وهي له إن لم يشترط: عيادة المريض, ولا يدخل سقفاَ, ويأتي الجمعة, ويشهد الجنازة, ويخرج في الحاجة». وكان إبراهيم يقول: «لا يدخل المعتكف سقيفة إلا لحاجة أو سقف المسجد». ومعنى هذا انه لا يؤويه سقف مسكن. فأما في حال مروره في طريقه أو في حال دخوله إلى منزله إذا آواه الباب أو دخل الكنيف ونحو ذلك مما يحتاج إليه؛ فلا بأس به. وهذا لأن مقامه تحت السقف دخول إلى المساكن وإقامة فيها, وذلك يخالف حال المقيم في المسجد. ٨٨٤ - ولأن النبي ﷺ أمر الحيض أن يقمن في رحبة المسجد؛ لئلا يقمن في مساكنهن. فعلى هذا الحائض. . . . * فصل: قال الخرقي وابن أبي موسى: ولا يخرج من معتكفه إلا لحاجة الإِنسان أو صلاة الجمعة.

стр. 811

وقال غيرهما من أصحابنا: يخرج للاغتسال من الجنابة, لكن. . . . * فصل: وأما الأكل ؛ فالمنصوص عن أحمد أن عليه أن يأكل في المسجد؛ إلا أن يشترط الأكل في أهله؛ ففيه روايتان منصوصتان: أحدهما: ليس له ذلك. قال حرب: قيل لأحمد: فيشترط للمعتكف الغداء والعشاء في منزله؟ فكره ذلك. وذلك لأنه شرط الخروج من المسجد لغير قربة, فلم يجز ذلك؛ كما لو شرط الخروج للجماع وللبيع والشراء أو النوم. والثانية: له ذلك. قال في رواية الأثرم: يشترط المعتكف أن يأكل في أهله. ويجوز الشرط في الاعتكاف؛ لأنه شرط للخروج لما هو محتاج إليه, فأشبه شرط الخروج لعيادة المريض أولى؛ لأنه ربما كان عليه كلفة في الأكل والشرب في منزله. وهذه الرواية. . . . فأما إن خرج من المعتكف لقضاء الحاجة ونحوها مما يجيز الخروج, فأكل عند أهله:

стр. 812

فقال ابن حامد: يأكل في بيته اللقمة واللقمتين مع أهله, فأما جميع أكله؛ فلا؛ لأن ذاك يسير, لا يعد به معرضاً عن الاعتكاف؛ لأن تناول اللقمة واللقمتين لا يمنعه المرور في طريقه, فأشبه مساءلته عن المريض في طريقه. وقال غيره: ليس له ذلك؛ لأنه لبث في غير معتكفه لما له منه بُد, فأشبه اللبث لمحادثة أهله. فأما إن أكل وهو مارٌّ؛ فلا بأس بذلك؛ لأنه لا احتباس فيه. وقال القاضي: يتوجه أن يقال: له أن يخرج للأكل في بيته؛ لأن الأكل في المسجد دناءة وسقوط مروءة, ولأنه قد يخفي جنس قوته عن الناس, ويكره أن يطلع, مثل الشعير والذرة. قال القاضي وابن عقيل: إذا خرج لحاجة, فأراد أن يقيم للأكل؛ فالحكم فيه وفي الخروج للأكل ابتداء واحد. قال شيخنا: يجوز أن يأكل اليسير في بيته؛ مثل اللقمة واللقمتين مع أهله, فأما جميع أكله؛ فلا. وهذا والله أعلم غلط على ابن حامد؛ فإنه يجوز الخروج ابتداء, وإنما يجوز الأكل اليسير إذا خرج لحاجة؛ كما يجوز السؤال عن المريض في طريقه. وقال أبو الخطاب: إذا خرج لما لا بد منه من الأكل والشرب وقضاء حاجة الإِنسان؛ لم يبطل اعتكافه, والصواب المنصوص؛ لأن النبي ﷺ لم يكن يدخل البيت إلا لحاجة الإِنسان, وهذا يقتضي أنه كان يأكل في المسجد, ولأن الخروج من المسجد مناف للاعتكاف؛ فلا يباح منه إلى القدر الذي تدعو إليه الحاجة, ولا حاجة إلى الخروج للأكل والشرب.

стр. 813

وإذا أراد أن يأكل في المسجد؛ وضع مائدة أو غيرها؛ لئلا يقع من طعامه فتات يلوث المسجد ويسقط فيه شيء من إدامه؛ كالدبس والعسل, والأولى أن يغسل يده في الطست ليصب الماء خارج المسجد لئلا يلوث, ولو خرج لغسل يده؛ بطل اعتكافه. قال القاضي. وقال ابن عقيل: إذا احتاج إلى غسل يده؛ خرج من المسجد كما يخرج للفصد والحجامة؛ لأن المسجد تجب صيانته من الأدران والأوساخ. فأما إذا احتاج إلى الخروج بأن لا يكون له من يشتري له الطعام فيحتاج أن يخرج ليشتريه. . . . وإن صنع له في داره طعام, ولم يكن له من يأتي به. . . . * فصل: وأما إذا تعينت عليه شهادة أو أحضره سلطان بحق؛ مثل أن يخرجه لإِقامة حد في زنى أو سرقة, أو بغير حق؛ مثل أن يخرجه لأخذ ماله؛ لم يبطل اعتكافه. وقد أباح الله تعالى إخراج المعتدة لإِقامة الحد عليها. فإن خرج مختاراً للأداء؛ بطل اعتكافه, سواء قد تعين عليه التحمل أو لم يتعين.

стр. 814

* فصل: وإذا حاضت المرأة أو نفست ؛ فإنه يجب أن تخرج من المسجد؛ لأن المسجد لا يحل لجنب ولا حائض, لا سيما إن كانت قد نذرت الصوم في الاعتكاف, أو قلنا: لا يصح إلا بصوم؛ فإن الحيض لا يصح معه الصوم, ولأن الاعتكاف من جنس الصلاة والطواف, فنافاه الحيض. قال في رواية حنبل: والمعتكفة إذا حاضت؛ اعتزلت المسجد حتى تطهر؛ فإذا طهرت؛ قضت ما عليها من الاعتكاف والصوم ولا كفارة عليها. وكذلك قال أبو بكر: إذا حاضت؛ خرجت, فإذا طهرت؛ رجعت, فبنت على اعتكافها. قال القاضي: إذا خرجت من المسجد؛ كان لها المضي إلى منزلها لتقضي حيضها ثم تعود. نص عليه. وقال الخرقي وابن أبي موسى وغيرهما: تضرب خباء في الرحبة. قال القاضي: وهذا على طريق الاختيار؛ لتكون بقرب المسجد. ٨٨٥ - وذلك لما روى عبد الرزاق, ثنا الثوري, عن المقدام بن شريح, عن أبيه, عن عائشة ﵂؛ قالت: «كن المعتكفات إذا حضن؛ أمر رسول الله ﷺ بإخراجهم من المسجد, وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن». رواه المحاملي وابن بطة وغيرهما.

стр. 815

وظاهر كلام الخرقي الوجوب على ظاهر أمر النبي ﷺ لهن بضرب الأخبية, ولأن رحبة المسجد فناؤه ومختصة به؛ فمقامها فيها ضرب من العكوف؛ بخلاف ذهابها إلى دارها؛ فإنه خروج عنه بالكلية من غير ضرورة, ولأن الخروج من المسجد إنما يباح للحاجة, والحكم المقيد بالحاجة مقدر بقدرها, وإنما يحتاج في الخروج إلى الرحبة خاصةً؛ ذهابها إلى منزلها لا حاجة إليه, ولهذا قالوا: إذا أمكن حاجة الإِنسان في مكان قريب من المسجد؛ لم يجز له أن يذهب إلى منزله. . . . فإن لم يكن للمسجد رحبة أو كانت رحبة لا يمكنها المقام فيها؛ جاز لها الذهاب إلى منزلها. وهل تدخل تحت السقوف؟ قال أصحابنا: لها ذلك. وإذا خرجت من المسجد؛ فهل هي في حكم المعتكفة بحيث تحرم عليها لو خرجت لحاجة الإِنسان ونحو ذلك مما يقصد زمانه. . . . والحيض لا يبطل ما مضى من الاعتكاف, سواء كان اعتكافها زماناً لا

стр. 816

يخلو من الحيض أو أمكن أن ينفك من الحيض, مثل أن تنذر اعتكاف خمسة عشر يوماً, أو لم يمكن؛ مثل أن تنذر اعتكاف شهر ونحو ذلك؛ فإذا طهرت؛ بنت على ما قبل الحيض, ولم تستأنف الاعتكاف, سواء كان الاعتكاف معيناً؛ مثل أن يقول: هذا العشر, أو مطلقاً؛ مثل أن يقول: عشرة أيام, ولا كفارة عليها إن كان منذوراً. نص عليه, وهو قول عامة الأصحاب. قال بعضهم: لا نعلم فيه خلافاً؛ لأنه خروج لأمر معتاد, فأشبه الخروج للجمعة والجنازة وحاجة الإِنسان. وطريقة بعض أصحابنا أنه إن كان معيناً؛ بنت, وعليها الكفارة في أحد الوجهين, وإن كان مطلقاً؛ فلها الخيار بين أن تبني وتكفر وبين أن تستأنف؛ إلحاقاً لخروج الحائض بخروج المعتدة والخروج لفتنة والنفير ونحو ذلك؛ لأنه خروج يطول زمانه, فأشبه الخروج للفتنة ونحو ذلك. ولا تحتسب بمدة الحيض من الاعتكاف على ما نص عليه في رواية حنبل, وهو قول عامة أصحابه أبي بكر وابن أبي موسى والقاضي وأصحابه وغيرهم. بل إن كان نذراً معيناً أو مطلقاً؛ فعليها قضاء مدة الحيض, وإن لم يكن نذراً؛ لم يكن عليها قضاء, لكن لا يتم لها اعتكاف المدة التي نوتها إلا بالقضاء. وظاهر كلام الخرقي أنها إذا أقامت في الرحبة حسب لها من الاعتكاف كما يحسب [له من الاعتكاف خروجه للحاجة والجمعة, ويتوجه أن يحسب] مطلقاً, ويتوجه أن لا قضاء عليها.

стр. 817

وإن لم يحسب من الاعتكاف, لا سيما إن كانت المدة التي نذرتها مما لا تنفك عن الحيض؛ فإن مدة الحيض تقع مستثناة بالشرع والنية والنذر ووجه الأول: أنه زمن يطول. . . . فأما المستحاضة؛ فإنها تقيم في المسجد: ٨٨٦ - لما تقدم عن عائشة ﵂؛ قالت: «اعتكفت مع النبي ﷺ امرأة من أزواجه مستحاضة, فكانت ترى الحمرة والصفرة, وربما وضعت الطست وهي تصلي». رواه البخاري. ولأن أكثر ما في ذلك أنها محدثة, ولأنه يخرج منها نجاسة لا يمكن الاحتراز منها لا تلوث المسجد؛ فإن الواجب عليها أن تتحفظ من تلويث المسجد: إما بالتحفظ, أو وضع شيء تحتها. فإن لم تكن صيانة المسجد منها؛ خرجت منه؛ لأنه عذر, وكانت كالتي خرجت. . . . [ثم إن طالت مدته]. . .

стр. 818

* فصل: وإذا وجبت عليها عدة وفاة وهي معتكفة ؛ فإنها تخرج لتعتد في منزلها, وإن كان الاعتكاف منذوراً؛ لأن قضاء العدة في منزلها أمر واجب, فخرجت من اعتكافها إليه؛ كخروج الرجل للجمعة, وخروجها لمجلس الحاكم, وأداء الشهادة, وذك لأن الاعتكاف وإن كان واجباً, لكن يقدم عليه قضاء العدة في منزل الزوج لوجوه: أحدها: أن هذه الأشياء وجبت بالشرع, فتقدمت على ما وجب بالنذر؛ لأن نذره لو جاز أن يتضمن إسقاط ما يجب بالشرع؛ لكان له أن يسقط إيجاب الشرع عن نفسه, وهذا لا يكون. الثاني: أن قضاء العدة في منزل الزوج يتعلق بها حق لله تعالى وحق للزوج؛ فيأخذ شبهاً من الجمعة ومن أداء الشهادة, فيكون أوكد مما ليس فيه إلا مجرد حق الله تعالى. الثالث: أن الاعتكاف يمكن استدراك ما فات منه بالقضاء؛ بخلاف المكث في منزلها؛ فإنها لا يقضى بعد انقضاء العدة. الرابع: أن الاعتكاف يجوز تركه للعذر, وهذا عذر من الأعذار. فأما عدة الطلاق الرجعي - إذا قلنا: هي كالمتوفى عنها على المنصوص -, وعدة الطلاق البائن - إذا قلنا بوجوبها في منزلها على رواية, أو اختار الزوج إسكانها في منزله في الرجعي والبائن -؛ فينبغي أنه إن كان الاعتكاف بإذنه. . . , وعليها قضاء ما تركه من الاعتكاف إن كان واجباً,

стр. 819

ويستحب لها قضاؤه إن كان مستحبّاً بغير تردد؛ لأنها تركت الاعتكاف لأمر غير معتاد, وهو مما يطول زمانه. وظاهر ما ذكره القاضي في «خلافه»: أنه ليس عليها استئناف الاعتكاف؛ كما لو أخرجها السلطان إلى مسجد آخر, أو خرجت لصلاة الجمعة. ثم إن كان معيناً؛ فإنها تبني على ما مضى, وفي الكفارة وجهان حكاهما ابن أبي موسى, أحدهما: عليها الكفارة. قاله الخرقي. وإن كان مطلقاً؛ فقيل: لها الخيار بين أن تبني وتكفر وبين أن تستأنف الاعتكاف. وقال القاضي: إذا قال: لله عليَّ أن أعتكف شهراً متتابعاً. وخرج منه لعذر؛ لم يبطل اعتكافه, وإن خرج بغير عذر؛ بطل اعتكافه وابتدأ. والأعذار التي [لا] تبطل: إما فعل واجب, أو ما يخاف عليه فيه الضرر؛ كالخوف والمرض والكفارة على ما تقدم. * فصل: وإذا وقعت فتنة خاف منها على نفسه أو ماله أو أهله الحاضر عنده أو الغائب؛ فله أن يخرج, سواء كان واجباً أو تطوعاً. قال أحمد في رواية أبي داوود: المعتكف ببغداد إذا وقعت فتنق؛ يدع اعتكافه, ويخرج, وليس عليه شيء, إنما هو تطوع, والمعتكف ينفر إذا سمع النفير.

стр. 820

وذلك لأن ما وجب بأصل الشرع من الجمعة والجماعة يجوز تركه بمثل هذا؛ فما وجب بالنذر أولى. ثم إن كان تطوعاً؛ فإن أحب أن يتمه, وإن أحب أن لا يتمه. وإن كان واجباً بالنذر معيناً؛ مثل: هذا الشهر؛ فإنه يبني على ما مضى, ويقضى ما تركه. وهل يجب في القضاء أن يكون متصلاً متتابعاً؟ أو يجوز أن يفرقه ويقطعه؟ على وجهين, وعليه كفارة يمين لفوات التعيين في المشهور عند أصحابنا. وذكر ابن عقي لان أحمد نص فيمن خرج لفتنة: يكفر كفارة يمين ويبني؛ لأن هذا قطع للاعتكاف بأمر غير معتاد, وهو لحظة. ومما يبد. . . . وإن كان مطلقاً غير متتابع, مثل عشرة أيام؛ فإنه يبني على ما فعل, لكن يبتدئ اليوم الذي خرج فيه من أوله؛ لأن التتابع في اليوم الواحد واجب. وإن كان مطلقاً متتابعاً؛ فله الخيار أن يستأنف ولا كفارة عليه, أو يبني على ما فعل وعليه الكفارة. هذا هو المشهور في المذهب. وروى. . . . ولو خاف انهدام المسجد عليه, أو انهدم بحيث لم يمكنه الاعتكاف؛ فإنه يخرج فيتمه في غيره, ولا يبطل اعتكافه, ولا كفارة عليه.

стр. 821

ومثل هذا إذا مرض مرضاً لا يمكنه المقام منه في المسجد؛ كالقيام المتدارك وسلس البول والإِغماء, أو يمكنه القيام بمشقة شديدة, بأن يحتاج إلى خدمة وفراش؛ فله ترك الاعتكاف, ويكون كما لو تركه للخوف. وإن كان مرضاً خفيفاً؛ كالحمى الخفيفة ووجع الضرس والرأس؛ فهذا لا يخرج لأجله؛ فإن خرج؛ استأنف. [وإن] احتاج إلى ما يأكل, وليس له شيء, فاحتاج إلى اكتساب أو اتِّجار. . . . قال القاضي وابن عقيل: متى خرج خروجاً جائزاً لحق وجب عليه؛ كإقامة الشهادة أو العدة والنفير والحيض والجمعة والمرض الذي لا يمكن معه المقام؛ فلا كفارة عليه. وإن كان لغير واجب؛ كالخروج من فتنة أو لمرض يمكن معه المقام بغير مشقة؛ فعليه الكفارة؛ لأنه خرج لحظ نفسه. وتأول كلام الخرقي. * فصل: وإذا تعيَّن عليه الخروج للجهاد ؛ بأن يحضر عدو يخافون كلبه, أو يستنفر الإِمام استنفاراً عامّاً؛ فإنه يخرج ويدع اعتكافه؛ كما قلنا في الخروج لقضاء العدة وأشد؛ لأن الجهاد من أعظم الواجبات, والتخلف عنه من أعظم المفاسد. ثم إذا قضى غزوه, وكان تطوعاً؛ فله الخيار بين أن يقضيه أو لا يقضيه,

стр. 822

والأفضل أن يقضيه. وإن كان نذراً؛ فعلى ما ذكرنا في الخروج لقضاء العدة: يبني إن كان معيناً, وفي الكفارة وجهان حكاهما ابن أبي موسى في العدة. أحدهما: يجب. قاله الخرقي وغيره. والثاني: لا يجب. قاله القاضي. وفرَّق بين الخروج الواجب كالنفير والعدة وبين الخروج. . . . وإن كان مطلقاً؛ فهو بالخيار بين أن يستأنف وبين أن يبني. . . . وإن لم يكن الجهاد متعيناً؛ فهل يجوز الخروج إليه؛ كصلاة الجنازة وعيادة المريض؟ وأولى. . . لم يجز له الخروج عند أصحابنا, مع أن الجهاد والرباط أفضل من الاعتكاف. وقال في رواية الأثرم: الخروج إلى عبادان أحب إليَّ من الاعتكاف, وليس يعدل الجهاد والرباط شيء. . . . فإذا كان الاعتكاف تطوعاً, فعرض [له] جنازة أو مريض يعاد ونحو ذلك؛ فقال بعض أصحابنا: إتمام اعتكافه أفضل: ٨٨٧ - لأن النبي ﷺ لم يكن يعرج على مريض. ولم يكن واجباً عليه, ولأن إتمام العبادة التي شرع فيها أفضل من إنشاء

стр. 823

عبادة أخرى؛ لأن إتمامها واجب عند بعض العلماء, ومؤكد الاستحباب عند بعضهم. ٨٨٨ - وقد أمر النبي ﷺ الصائم إذا دعي وكان صائماً أن يصلي, ولم يأمره بالأكل. * فصل: ويستحب لمن اعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان أن يبيت ليلة العيد في معتكف ه ويخرج منه إلى المصلى في ثياب اعتكافه. قال في رواية الأثرم: يخرج من معتكفه إلى المصلى. وقال في رواية المروذي: لا يلبس ثيابه يوم العيد, ويشهد العيد في ثيابه التي اعتكف فيها. وذكر ذلك عن أبي قلابة. ٨٨٩ - وذلك لما روي عن إبراهيم؛ قال: «كانوا يحبون لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان أن ينام ليلة الفطر في المسجد, ثم يغدو إلى المصلى من المسجد».

стр. 824

٨٩٠ - وعن أيوب: «أن أبا قلابة اعتكف في مسجد قومه, فغدوت عليه غداة الفطر وهو في المسجد, فأتى بجويرية مزينة, فأقعدها في حجره, ثم أعتقها, ثم خرج كما هو من المسجد إلى المصلى». رواهما سعيد. ٨٩١ - ٨٩٢ - وذكر القاضي عن ابن عمر والمطلب بن عبد الله بن حنطب وأبي قلابة مثل ذلك. وذلك لأن يوم العيد يوفى الناس أجر أعمالهم, وفي ليلة الفطر ينزل جوائز للصوام, والصوام. . . ,فاستحب له أن يصل اعتكافه بعيده؛ كما استحب للمحرم أن يصل إحرامه بعيده. انتهى المجلد الثاني وهو آخر كتاب الصيام ويليه كتاب الحج *******