← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 17419

تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجد

الجراعي

Полный текст (404 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

زاد قاضي (١) القضاة كمال الدين أبو الفضل النويْري، قاضي مكة وخطيبها: وَمِنْ يمن سَبْعٌ بِتَقْدِيمِ سِينِهَا ... وَقَدْ كمُلتْ فاشْكُرْ لِرَبِّك إِحْسَانَهْ وَقَذ زِيدَ في حَدٍّ لَطائفٍ أَربَعٌ ... وَلَمْ يَرْضَ أَهْلُ العِلْم وَالحِفْظِ إِتقَانَهْ قال كمال الدين الدَّميري، الأوْلى (٢) أن يقال: وَمِنْ يَمَنِ سَبْعٌ بِتَقْديمِ سينِهَا ... كَذَلِكَ سَيْل الحِلِّ لَمْ يَعْدُ بُنْيَانَهْ * لأجل فائدة: وهي أَن سيل الحِلّ لا يدخل الحَرَم. وهذا ذكره الأزرقي، عن عمر ابن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه لما؛ بعث أربعة من قريش يحددون أنْصَاب الحرم: وهم مخرمة بن نوفل، وسعيد بن يربوع المخزومي، وحويطب ابن عبد العُزّى، وأزهر بن عبد عوف الزُّهري؛ أمَرَهم أن ينظروا إلى كل وادٍ يصبّ في الحرم، فنصبوا عليه وأعلموه وجعلوه حرمًا. وإلى كل وادٍ يصبّ في الحل فجعلوه حِلًّا (٣)، وسيأتي (٣٤/ ب) لهذا مزيد إن شاء الله تعالى في الثالث والسبعين من الخصائص. * قال ابن سراقة في كتاب "الأعداد والحَرم": في الأرض موضع واحد وهو مكة وحولها، ومساحة ذلك: ستة عشر ميلًا في مثلها، وذلك بريد واحد وثلث في بريد واحد وثلث على التقريب - انتهى. * وقال أبو القاسم بن خردادبة الخراساني في كتابه "المسالك والممالك": وطول الحرم حول مكة كما يدور: سبعة وثلاثون ميلًا، وهي التي تدور بأنصاب الحرم - انتهى.

стр. 142

* فإن قال قائل: فما السبب في أن بعض حدود الحرم يقرب من مكة، وبعضها بعيد ولم يُجعل على قانون واحد؟ فالجواب من أربعة أوجه (١): * أحدها: ما روى سعيد بن جُبيْر عن ابن عباس قال: لما أُهبط آدم ﵇ خرَّ ساجدًا يعتذر، فأرسل الله تعالى إليه جبريل ﵇ بعد أربعين سنة فقال: ارفع رأسك فقد قبلت توبتك، فقال: يارب إنما أتلهَّف على ما فاتني من الطواف بعرشك مع ملائكتك، فأوحى الله تعالى إليه: إني سأنزل لك بيتًا أجعله قِبلة، فأهبط الله تعالى إليه البيت المعمور وكان ياقوتة حمراء يلتهب التهابًا، وله بابان: شرقي وغربي، قد نُظمت حيطانه بكواكب بمض من ياقوت الجنة. فلما استقر البيت في الأرض أضاء نوره ما بين المشرق والمغرب، فنفرت لذلك الجنّ والشياطين وفزعوا فارتقوا في الجو ينظرون من أين ذلك النور فلما رأوه من مكة أقبلوا يريدون الاقتراب إديه، فأرسل الله تعالى ملائكته؛ فقاموا حوالي الحرم في مكان الأعلام اليوم، فمن ثَمَّ ابتدأ اسم الحرم. * الثاني: ما رواه وَهب بن منبِّه: أن آدم ﵇ لما نزل إلى الأرض اشتد بكاؤه فوضع الله تعالى له خيمة بمكة موضع البيت، وكانت الخيمة ياقوتة حمراء من الجنة وفيها ثلاثة قناديل فيها نور يلتهب من الجنة، فكان ضوء النور ينتهى إلى موضع الحرَم،

стр. 143

وحرس اللَّه تعالى تلك الخيمة بملائكة، فكانوا يقفون على (٣٥/ أ) مواضع أنصاب الحرم يحرسونه ويذودون سكان الأرض من الجن. فلما قبض اللَّه تعالى آدم ﵇، رفعها إليه. * الثالث: أن إبراهيم الخليل ﵇ لمَّا بنى البيت قال لإسماعيل ﵇: ابغني حجرًا أجعله للناس آية فذهب إسماعيل ﵇ ورجع ولم يأتِه بشيء ووجد الركن عنده، فقال: من أين لك هذا؟ قال: جاء به من لم يَكلني إلى حجرك، جاء به جبريل ﵇، فوضعه إبراهيم ﵇ في موضعه هذا، فأنار شرقًا وغربًا ويمينًا وشمالًا، فحرَّم اللَّه تعالى الحرم حيث انتهى نور الركن وإشراقه من كل جانب. * الرابع: أن آدم ﵇ لما أُهبط إلى الأرض خاف على نفسه من الشياطين، فاستعاذ باللَّه تعالى، فأرسل اللَّه تعالى ملائكة حفُّوا بمكة من كل جانب ووقفوا حواليها، فحرّم اللَّه تعالى الحرم من حيث كانت الملائكة وقفت. قال عبد اللَّه بن عمر: والحرم حرام إلى السماء السابعة. وقال عطاء: كانوا يرون أن العرش على الحرم (١). * * *

стр. 144

الباب الحادي والثلاثون في ذكر نُصُب حدود الحرم وأول مَن نصَبَها: * وذكروا؛ أن أول مَن نصَبَها: إبراهيم الخليل ﵇، ثم إن قريشًا قلعوها في زمن النبي ﷺ ، فاشتد ذلك على رسول اللَّه ﷺ ، فجاءه جبريل ﵇، فقال: يا محمد، اشتد عليك؟ ! قال نعم. قال: أما إنهم سيعيدونها، فرأى رجال منهم في المنام قائلًا يقول: حَرَم أعزكم اللَّه به نزعتم أنصابه، الآن تخطَّفُكم العرب. فأصبحوا يتحدثون بذلك في مجالسهم، فأعادوها، فجاء جبريل ﵇ فقال: يا محمد قد أعادوها، قال: أفأصابوا يا جبريل، قال ما وضعوا منها نُصُبًا إلَّا بيد ملك (١). * وروى الزُّهري عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتبة قال: نَصَب إبراهيم ﵇ أنصاب الحرم يُريه جبريل ﵇، ثم لم تحرَّك حتى كان قُصَىٌ فجددها، ثم لم تحرّك حتى كان رسول اللَّه ﷺ فبعث عام الفتح تميم بن أسد الخزاعي فجددها، ثم لم (٣٥/ ب) تحرّك حتى كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فبعث أربعة من قريش فجددوها: مخرمة بن نوفل، وسعيد بن يربوع، وحويطب بن عبد العزَّى، وأزهر بن عوف. ثم جدَّدها معاوية، ثم أمر عبد الملك بتجديدها (٢). * قال في "تحفة الكرام": أول من نَصب ذلك الخليل ﵇ بدلالة

стр. 145

جبريل ﵇، ثم قصَىّ بن كلاب. وقيل: نصبها إسماعيل ﵇ بعد أبيه الخليل ﵇، وقيل: قُصَي، وقيل: إن عدنان بن إدّ أول من وَضع أنصاب الحرم حين خاف أن يُدرس الحرم - ذكره الزُّبير بن بكَّار، ونَصبها النبي ﷺ عام الفتح، ثم عمر بن الخطاَّب ﵁ سنة سبع عشرة، ثم عثمان بن عفان ﵁ سنة ست وعشرين، ثم معاوية، ثم عبد الملك بن مروان، ثم المهدي العباسي. ثم أمر الراضي العباسي بعمارة العَلَمَيْن الكبيرين اللذين بالتنعيم سنة خمس وعشرين وثلاثمائة واسمه عليها مكتوب، ثم أمر المظفَّر صاحب إربل بعمارة العلمين اللذين هما حد الحرم من جهة عرفة سنة عشرة وستمائة، ثم الملك المظفَّر صاحب اليمن سنة ثلاث وثمانين وستمائة. * وقال الأزرقي في أنصاب الحرم: على رأس الثنِيَّة ما كان من وجهها من هذا الشقّ فهو حرَم وما كان في ظهرها فهو حِلّ. * * *

стр. 146

الباب الثاني والثلاثون في ذكر تعظيم حُرمة الحرَم: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (١). لفْظ هذه الآية: لفظ الخبر، ومعناها: الأمر، والتقدير: فمن دخله فأمِّنوه، وهو لفْظ عام فيمن جنى قبل دخوله أو بعده. إلا أن الإجماع انعقد؛ على أن مَن جنى فيه لا يؤمَّن؛ لأنه هتك حرمة الحرَم وردّ الأمان، فبقى حكم الآية فيمن جنى خارجًا منه ثم لجأ إليه. وقد اختلف الفقهاء في ذلك: فقال أحمد في رواية المروزيِّ: إذا قتل (٣٦/ أ) أو قطع يدًا أو أتى حدًّا في غير الحرَم ثم دخله لم يُقم عليه الحد ولا يُقتصُّ منه، ولكن: لا يبايع ولا يشارى ولا يواكل حتى يخرج. وقال في رواية حنبل: إذا قتل ثم لجأ لم يُقتل، وإن كانت الجناية فيما دون النفس فإنه يُقام عليه الحد، وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك والشافعي: يقام عليه الحد في النفس وفيما دون النفس، وفي الآية دليل على صحة مذهبنا. * وقد ألهم اللَّه تعالى الحيوان البهيم تعظيم الحرم؛ فإن الظبي يجتمع مع الكلب في الحرَم، فإذا خرجا عنه تنافرا، وإن الطير لا تعلو على البيت إلا أن يستشفي مريضها به.

стр. 147

الباب الثالث والثلاثون في ذرْع المسجد الحرام وعدد اسطواناته: * وقال أبو الوليد: ذرْع المسجد الحرام مكسَّرًا: مائة ألف ذراع وعشرون ألف ذراع. وذرع المسجد طولًا من باب بني جُمح إلى باب بني هاشم الذي عنده العلَم الأخضر مقابل دار العباس بن عبد المطلب: أربعمائة ذراع وأربعة أذرع مع جدرية يمر في بطن الحِجر لاصقًا بجدر الكعبة. وعرضه من باب دار الندوة إلى الجدار الذي يلي الوادي عند باب الصفا لاصقًا بوجه الكعبة: ثلاثمائة ذراع وأربع أذرع. وذرع عرض المسجد الحرام من المنارة التي عند المسعى، إلى المنارة التي عند باب بني شيبة الكبير: مائتا ذراع. وذرع عرض المسجد الحرام من منارة باب أجياد إلى منارة بني سهم: مائتا ذراع وثمان وسبعون ذراعًا (١). * وعدد اسطوانات المسجد الحرام من شقه الشرقي: مائة وثلاث اسطوانات، ومن شقه الغربي: مائة اسطوانة وخمس اسطوانات، ومن شقه الشامي: مائة وخمس وثلاثون اسطوانة، ومن شقه اليماني: مائة واحد وأربعون اسطوانة، فجميع ما فيه من الاسطوانات: أربعمائة اسطوانة وأربع

стр. 148

وثمانون اسطوانة. طول كل اسطوانة: عشر أذرع، وتدويرها: ثلاث أذرع، منها على الأبواب: عشرون اسطوانة، فعلى الأبواب التي تلي المسعى: ست، وعلى الأبواب التي على الوادي والصفا: عشر، وعلى (٣٦/ ب) الأبواب التي تلي باب بني جمح: أربع وذرع ما بين كل اسطوانتين من أساطينه: ست أذرع وثلاث عشرة أصبعًا. وذكر في "تحفة الكرام": أن في الجوانب الأربع من المسجد الحرام غير الزيادتين: أربعمائة اسطوانة وتسعة وستين اسطوانة، وعلى أبواب المسجد من داخله وخارجه: تسعة وعشرون اسطوانة، فيصير جملة الأساطين بجوانب المسجد غير الزيادتين والتي على أبوابه: أربعمائة اسطوانة وستًّا وتسعين اسطوانة - بتقديم التاء على السين - وذلك؛ يزيد على ما ذكره الأزرقي عشر أساطين (١). * * *

стр. 149

الباب الرابع والثلاثون في عدد الطاقات (١) به: * قال أبو الوليد: وعلى الأساطين: أربعمائة طاقة وثمان وتسعون طاقة: منها في الظلال التي تلي دار الندوة: مائة واثنتان وأربعون طاقة. ومنها في الظلال التي تلي الوادي: مائة وخمس وأربعون طاقة. ومنها في الظلال التي تلي المسعى: تسع وتسعون طاقة. ومنها في الظلال التي تلي شقّ بني جمُح: مائة واثنتا عشرة طاقة. منها في الطبقات التي تلي بطن المسجد الحرام: مائة وإحدى وخمسون من ذلك مما يلي دار الندوة: ست وأربعون، ومما يلي بني جمح: تسع وعشرون، ومما يلي الوادي: خمس وأربعون، ومما يلي المسعى: إحدى وثلاثون (٢). * * *

стр. 150

الباب الخامس والثلاثون في صفة أبواب المسجد وعددها وذرْعها: * قال أبو الوليد: وفي المسجد الحرام: ثلاثة وعشرون بابًا، فيها ثلاث وأربعون طاقًا: منها في الشق الذي يلي المسعى وهو الشرقي: خمسة أبواب، وهي إحدى عشرة طاقة: من ذلك: الباب الأول: وهو الباب الكبير الذي يُقال له باب بني شيبة وهو باب بني عبد شمس بن عبد مناف وبهم كان يعرف في الجاهلية والإسلام عند أهل مكة، فيه اسطوانتان (٣٧/ أ) وعليه ثلاث طاقات. والطاقات طولها: عشر أذرع، وما بين جدري الباب: أربع وعشرون ذراعًا. والباب الثاني: طاق طوله: عشر أذرع، وعرضه: سبع أذرع. والباب الثالث: طاق واحد طوله: عشر أذرع، وعرضه: سبع أذرع، وهو باب النبي ﷺ ؛ كان يخرج منه ويدخل فيه من منزله الذي في زقاق العطارين، يقال له: مسجد خديجة. يُصعد إليه من المسعى بخمس درجات. والباب الرابع: فيه اسطوانتان وعليه ثلاث طاقات، طول كل طاقة: ثلاث عشرة ذراعًا، وما بين جدري الباب: إحدى وعشرون ذراعًا، وُيرتقى إلى الباب: بسبع درجات، وهو باب العباس، وعنده علَم المسعى من خارج.

стр. 151

والباب الخامس. وهو باب بني هاشم، وهو مستقبل الوادي، وسعة ما بين جدري الباب: إحدى وعشرون ذراعًا، وفيه اسطوانتان عليهما ثلاث طاقات طول كل طاقة ثلاث عشرة ذراعًا. وفي عتبة الباب: سبع درجات إلى بطن الوادي. وفي الشقّ الذي يلي الوادي وهو شقّ المسجد اليماني: سبعة أبواب، وسبع عشرة طاقًا منها: الباب الأول: فيه اسطوانة، عليها طاقان طول كل طاق في السماء: ثلاث عشرة ذراعًا ونصف، وما بين جدرَيْ الباب: أربع عشرة ذراعًا وثماني عشرة إصبعًا، وفي العتبة: اثنتا عشرة درجة إلى بطن الوادي، وهو الباب الأعلى، يقال له: باب بني عايد. والباب الثاني: فيه اسطوانة عليها طاقان، طول كل طاق: ثلاث عشرة ذراعًا ونصف. وما بين جدري الباب: أربع عشرة ذراعًا ونصف. وفي العتبة: اثنتا عشرة درجة إلى باطن الوادي وهو باب بنى سفيان بن عبد الأسد. والباب الثالث: وهو باب الصفافيه أربع أساطين عليها خمس طاقات طول كل طاق في السماء: ثلاث عشرة ذراعًا ونصف، الطاقة الأوسط: أربع عشرة ذراعًا. وما بين جدري الباب: ست (٣٧/ ب) وثلاثون ذراعًا، وفي عتبة الباب: اثنتا عشرة درجة. والباب الرابع: فيه اسطوانة عليها طاقان طول كل طاق منها: ثلاث عشرة ذراعًا ونصف، وما بين جدري الباب: خمس عشرة ذراعًا: وفي عتبة الباب: اثنتا عشرة درجة، وفي بطن الوادي، وُيقال لهذا الباب باب بني مخزوم.

стр. 152

والباب الخامس: فيه اسطوانة عليها طاقان، طول كل طاق: ثلاث عشرة ذراعًا ونصف، وما بين جدري الباب: خمس عشرة ذراعًا، وفي عتبة الباب: اثنتا عشرة درجة. وهذا الباب من أبواب بني مخزوم. والباب السادس (١): كذلك ويقال له باب بني تميم. والباب السابع: فيه اسطوانة عليها طاقان، طول كل طاق: ثلاث عشرة ذراعًا واثنتا عشرة أصبعًا، وما بين جدري الباب: أربع عشرة ذراعًا وثماني عشرة أصبعًا، وفي عتبة الباب: اثنتي عشرة درجة، وهذا الباب كان يقال له باب أُمِّ هانئ. وفي الشق الذي يلي بني جمح: ستة أبواب وعشر طاقات. الباب الأول: يلي المنارة التي تلي أجياد الكبير فيه اسطوانة عليها طاقان، طول كل طاق: ثلاث عشرة ذراعًا وما بين جدري الباب: خمسة عشر ذراعًا، وفي عتبة الباب: ثماني درجات، وُيقال له باب بني حكيم بن حزام وبَنِي الزبير بِن العوَّام. والباب الثاني: فيه اسطوانتان عليها: ثلاث طاقات، طول كل طاق في السماء: ثلاث عشرة ذراعًا، وما بين جدري الباب: أحد وعشرون ذراعًا، وفي عتبة الباب: سبع درجات، وهذا الباب اليوم يقال له باب الحنَّاطين. والباب الثالث: فيه اسطوانة عليها طاقان، طول كل طاق في السماء: عشر أذرع، وما بين جدرَي الباب: خمس عشرة ذراعًا، وفي عتبة الباب: سبع درجات، وهو باب بني جُمح. والباب الرابع: طاق طوله في السماء: عشر أذرع، وعرضه: خمس

стр. 153

أذرع، وهو باب أبي البختري الأسدي كان يستقبل داره. قال أبو الحسن: قد كان هذا على ما ذكره الأزرقي حتى كانت أيام جعفر المقتدر بالله أمير المؤمنين، وكان يتولى الحكم كله محمد بن موسى فغير هذين (١) البابين؛ المعروف أحدهما: بالحنَّاطين (٢) والآخر: ببني جُمح، وجعل مسجد وصله بالمسجد الكبير؛ فاتسع الناس به وصلُّوا فيه (٣)؛ وذلك: في سنة ست، وسنة سبع وثلاثمائة. والباب الخامس: طاق طوله في السماء: عشر أذرع، وعرضه: أربع أذرع واثنتا عشرة أصبعًا. والباب السادس: طاق طوله في السماء: عشر أذرع، وعرضه: سبع أذرع، وفي العتبة: عشر درجات، وهو باب بني سهم. وفي الشق الذي يلي دار الندوة وهو الشق الشامي من الأبواب ستة أبواب: الباب الأول: يلي المنارة التي تلي بني سهم، طاق طوله في السماء: عشر أذرع وعرضه: أربعة أذرع، وفي العتبة: ست درجات، وهو باب عمرو ابن العاص. والباب الثاني: قد سدّ. والباب الثالث: باب دار العجَلة.

стр. 154

والباب الرابع: باب قعيقعان، طاق طوله في السماء: عشر أذرع، وعرضه: تسع أذرع وست أصابع، وُينزل منه إلى بطن المسجد بست درجات، ويقال: ثمان ويقال له: باب حجير بن أبي أهاب. الباب الخامس: هو باب دار الندوة. الباب السادس: طاق واحد طوله في السماء: تسع أذرع، وعرضه: خمس أذرع، وفيه عتبة هذا الباب ثماني درجات في بطن المسجد. وهو باب دار شيبة بن عثمان. * وذكر في "تحفة الكرام": أن أبواب المسجد الحرام: تسعة عشر بابًا - بتقديم التاء على السين - يُفتح على ثمانية وثلاثين طاقًا (٣٨/ ب). وذكر أن في الجانب الشرقي: أربعة أبواب أنقص منه الأزرقي بباب، فذكر باب بني شيبة - كما ذكره، وذكر باب النبي ﷺ ، وعرَّفه: بباب الجنائز، وأنه طاقان، والأزرقي جعله طاقًا (٣٨/ ب). وذكر ابن جبير في رحلته أنه طاقان من سنة تسع وسبعين وخمسمائة، ولم يذكر الباب الذي بين ياب بني شيبة وبين باب النبي ﷺ وعرَّف باب بني هاشم: بباب علي ﵁. ووافق الأزرقي في الشق الجنوبي وهو شق اليمن؛ إلا أنه عرَّف الأول: بياب بازان وهي عين لمكة قربه. والثاني: بباب البغلة - بالباء الموحَّدة والغين المعجمة. والرابع (١): بباب أجياد الصغير.

стр. 155

والخامس: بباب المجاهدية، مدرسة الملك المجاهد صاحب اليمن، ولقال له: باب الرحمة. والسادس: باب مدرسة الشريف عجلان صاحب مكة. والسابع: بباب الملاعبة. وذكر في الشق الغربي؛ وهو الذي يلي بني جُمح: ثلاثة أبواب، فنقص عما قال الأزرقي ثلاثة، وذكر الأول وعرَّفه: بباب عزوُرة المصحَّف عن حزوَرة؛ والغالب عليه باب الحزامية؛ لأنه يلي الحزامية. الثاني: طاق واحد، ويقال له باب إبراهيم. وكان إبراهيم هذا خياطًا. وذُكر عن ابن عساكر وغيره أنهم نسبوه إلى إبراهيم الخليل ﵇، وهو بعيد عن الصواب. الباب الثالث: طاق واحد، ويعرف: بباب العمرة؛ لأن المعتمرين من التنعيم يخرجون منه ويدخلون منه، وسماه الأزرقي: باب بني سهم. وفي الجانب الشامي خمسة أبواب: الأول: يعرف بباب السُّدَّة، وهو طاق. والباب الثاني: طاق، وهو الثالث في كلام الأزرقي. وذكر الرابع؛ الذي هو خامس في كلام الأزرقي: طاقين. قلت: التحرير في تسميتها الآن: أن الأول: من عند باب العمرة سمى باب السُّدَّة. والثاني: باب العجلة. والثالث: باب الندوة وباب الفهود.

стр. 156

والرابع: باب السويقة وباب الزيادة، وهو باب قعيقعان، وهو وحده طاقان في هذا الشق. والثاني كل واحد طاق. والخامس (٣٩/ أ): باب الدربية هذا من الشق الشامي، والباقي؛ موافق لما في "تحفة الكرام". واللَّه أعلم. * * *

стр. 157

الباب السادس والثلاثون في ذرع جدرات المسجد وعدد شرفاته: * قال أبو الوليد: ذرع الجدر الذي يلي المسعى وهو الشرقي: ثماني عشرة ذراعًا في السماء. وطول الجدر الذي يلي الوادي وهو الشق اليماني في السماء: اثنان وعشرون ذراعًا. وطول الجدر الذي يلي بني جمح وهو الغربي: اثنان وعشرون ذراعًا ونصف. وطول الجدر الذي يلي دار الندوة وهو الشق الشامي: تسع عشرة ذراعًا ونصف. وعدد شرفاته التي على جدرات المسجد من خارجه: مائتا شرافة واثنان وسبعون شرافة ونصف، منها في الجدار الذي يلي المسعى ثلاث وسبعون شرافة، وفي الذي يلي الوادي: مائة وتسع عشرة، وفي الذي يلي بني جمح: خمس وسبعون. وفي الذي يلي دار الندوة: خمس شرافات ونصف. * * *

стр. 158

الباب السابع والثلاثون في حكم بيع مكة وإجارتها: * اختلف العلماء في ذلك: فمذهب (١) أحمد المرجح عند أصحابه؛ أنها فتحت عنوة وفاقًا لأبي حنيفة ومالك، فيحرم بيعها وإجارتها وفاقًا لأبي حنيفة ومالك كبقاع المناسك، وجوزهما الشيخ موفق الدين، واختار الشيخ تقي الدين بن تيمية جواز البيع فقط وتابعه صاحب "الهدي". وعن أحمد: يجوز الشرا لحاجة وإن سكن فيها بأجرة، فعنه؛ لا يأثم بدفعها. جزم به الشيخ. وعنه إنكار عدمه جزم به القاضي لالتزامه. * وقال أبو العباس: هي ساقطة عنه يحرم بذلها وأخذها ومَنْ عنده فضل نُزِّل فيه لوجوب بذله وإلا حُرم، نص عليه: نقل حنبل وغيره سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي. وحكى أبو جعفر الأبهري عن مالك: أنه كره بيع دور مكة وكِراها، فإن بيعت أو أكريت (٢) لم ينفسخ. وحكى اللخمي عن مالك منع ذلك.

стр. 159

* ويُتحصل في (٣٩/ ب) كرائها في مذهب مالك أربع روايات: الجواز؛ وهو الظاهر من مذهب ابن القاسم في "المدوَّنة". والمنع؛ وهو الظاهر من قول مالك في سماع ابن القاسم في "كتاب الحج". والكراهية مطلقًا، والكراهية في أيام الموسم توسعة على الحاج. ونقل ابن الحاج في "منسكه" عن مالك: أنه يرى بيع رباع مكة وكرا منازلها. * وقال السهيلي المالكي: إن أرضها؛ يعني مكة ودورها، لأهلها ولكن أوجب اللَّه تعالى عليهم التوسعة على الحجيج إذا قدموها وأن لا يأخذوا منهم كرا في مساكنها. فهذا حكمها؛ فلا عليك بعد هذا فتحت عنوة أو صلحًا - انتهى كلام السهيلي. * وكره أبو حنيفة بيع دور مكة وإجارتها، وأجاز ذلك صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وعليه الفتوى؛ على ما قال الصدر الشهيد. * ومذهب الشافعي: جواز بيع دور مكة وإجارتها. * وسبب الخلاف في ذلك عند غير المالكية: الخلاف في مكة: هل فتحت عنوة أو صلحًا. * وسبب الخلاف عند المالكية في ذلك مع اتفاقهم على أنها فتحت عنوة - على ما ذكر ابن رشد في بيانه اختلافهم في مكة: هل منّ بها على أهلها فلم تُقْسم كمالهم لما عَظَّم اللَّه تعالى من حرمتها، وعليه؛ يُبنى جواز بيع دور مكة وإجارتها. أو هل أُقرَّت للمسلمين، وعليه يبنى المنع.

стр. 160

* وذكر المازري (١) في شرح مسلم أن القول بأن مكة فتحت عنوة، وهو (٢) قول جماهير العلماء وأهل السِّيَر. * * *

стр. 161

الباب الثامن والثلاثون في ذكر مِنى: * "مِنَى" بكسر الميم وفتح النون مخفف بوزن ريا. قال البكري: يذكَّر ويؤنّث، فمن أنّث لم يجره يعني لم يصرفه. وقال الفراء: الأغلب عليه التذكير. وقال الحازمي في "أسماء الأماكن": مِنَّى بكسر الميم وتشديد النون، الصقع قرب مكة. ولم نر هذا لغيره؛ والصواب: الأول. وبينه وبين مكة (٤٠/ أ): ثلاثة أميال. وسمي مِنَى؛ لما يُمنَى فيه من دماء الذبائح (١)، أي: يُراق. سئل ابن عباس: لم سميت مِنَى؟ فقال؛ لما يقع فيها من دماء الذبائح (٢)، وشعور الناس؛ تقربًا إلى اللَّه تعالى وتمنيًّا للأمان من عذابه. وروى الكلبي عن ابن عباس، قال: إنما سميت منى؛ لأن جبريل ﵇ حين أراد أن يفارق آدم ﵇ قال له: تمنَّ؟ فقال: أتمنى الجنة؛ فسميت: مِنَى؛ لأمنية آدم ﵇، ذكره الأزرقي.

стр. 162

* وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت: "قلت يا رسول اللَّه ألا يبنى (١) لك بِمنَى بيتًا أو بناء يظلك من الشمس، فقال لا إنما هو مُناخ مَنْ سَبَق" (٢). * قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب: لم يكن لهم أن يتخذوا بمنى شيئًا، فإذا اتخذه فلا يدخله أحد إلا بإذنه. قد كان سفيانًا اتخذ بها حائطًا وبنى فيه بيتين وربما قال لأصحاب الحديث يبقوها (٣) فلا يدخل رجل مَضْرَب رجل إلا بإذنه. قال القاضي: وظاهر هذا، أنه قد أجاز البناء بمنى (٤) على وجه ينفرد به. وقال في رواية ابن منصور: أما البناء بِمِنَى فإني أكرهه. قال القاضي: فظاهر هذا؛ المنع. فهذا كله؛ إذا قلنا إنها فُتحت عنوة، فأما إذا قلنا إنها فتحت صلحًا: فإنه يجوز بيعها وإجارتها. * وحدّ منى: من جمرة العقبة إلى وادي محسّر، قاله: ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن" والأزرقي. زاد الأزرقي عن عطاء أنه قال: فلا أحب أن ينزل أحد إلا فيما بين العقبة إلى محسر. فأخذ النَّووي من كلام عطاء هذا: أن الجمرة ووادي محسر ليسا من مِنى. حكاه في "شرح المهذب" عن الأزرقي وأصحاب الشافعي، وكذا جزم

стр. 163

الشيخ موفق الدين في "المغني" أنهما ليسا من مِنى. وذكره عن الشافعي وعطاء، وتابعه الشيخ شمس الدين في "شرح المُقْنع". وقال المحب الطبري: العقبة من مِنى، ولم ينقل عن أحد أن الجمرة ليست من مِنى. وقال عمر ﵁: لا يبيتنّ أحد من (٤٠/ ب) الحجاج وراء العقبة حتى يكونوا بمنى. وكذا قال ابن عمر. ورُوي عن ابن عباس. فظاهر كلامهم: أن العقبة من منى؛ إذ لم يقولوا: لا يبيتن أحد في العقبة، وإنما قالوا: وراء العقبة. وقال الجوهري عن محسر: هو موضع بِمنَى. وقال البكري: هو واد بجمع وما أقبل من الجبال على مِنَى فهو منها وما أدبر فليس منها. * قال الأزرقي: وذرع مِنَى من جمرة العقبة إلى وادي محسر: سبعة آلاف ومائتا ذراع، وعرض منى من مؤخر المسجد الذي يلي الجبل إلى الجبل بِحِذاه: ألف ذراع. قال الزركشي في "شرح الخرقي" لما ذكر محسر: قيل: وادِ بين المزدلفة ومنى. وقيل: موضع بِمنَى، وقيل: ما صبَّ من محسر في المزدلفة فهو منها وما صب منه في مِنى فهو من مِنى. قال المنذري: وصوَّبه بعضهم، وذكر الشيخ تقي الدين ابن تيمية في "شرح العُمْدة" في موضع: أن محسرًا من مِنَى. وذكر في موضع: تردّدًا. * * *

стр. 164

الباب التاسع والثلاثون في ذكر مسجد الخيْف: * قال ابن فارس اللغوي: "الخيف": ما ارتفع من الوادي وانحدر من الجبل، وأشهر الأخياف: خَيْف مِنَى، ومسجده: مسجد الخيْف، وهو خَيْف بني كنانة الذي ورد في الحديث (١). وذكر الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "صلى في مسجد الخيْف سبعون نبيًّا منهم موسى ﵇ كأني أنظر إليه وعليه عباتان قطوانيتان على بعير" (٢). * وذكر الأزرقي عن ابن عباس، قال: "صلى في مسجد الخيْف سبعون نبيًّا كلهم مخطومون بالليف" (٣)، يعني: رواحلهم. * وذكر الحافظ شرف الدين الدمياطي: وادي السَّرْوِ بمِنى على أربعة أميال من مكة: فيه سروة تحتها سبعون نبيًّا. * وذكر ابن الجوزي، عن وهب بن منبه: أنه كان يلتقي هو والحسن

стр. 165

البصري في المواسم كل عام في مسجد الخيْف إذا هدأت الرجال ونامت العين ومعهما (٤١/ أ) جلَّاس إما يتحدثون إليهما. فبينما هما ذات ليلة يتحدثان مع جلسائهما إذ أقبل طائر له حفيف حتى وقع إلى جانب وهب من خلفه فسلم فرد وهب ﵇ وعلم وهب أنه من الجن، فقال وهب: مَنِ الرجل؟ فقال له: من مسلميهم، قال: فما حاجتك؟ قال: وتنكر أن أجالسكم ونحمل عنكم، إن لكم فينا رواة كثيرة وإنا لنحاضركم في أشياء من صلاة وحج وعمرة، ونحمل عنكم العلم، فقال وهب: فأي رواة الجن عندكم أفضل، فقال: رواة هذا الشيخ وأشار إلى الحسن. * * *

стр. 166

الباب الأربعون في ذكر آيات عظام بِمنى: * الأولى: أن الجمار على كثرته في كل سنة يُمتحق وُيرى على قدر واحد. وقد ورد: أن ما تُقبِّل رُفع، وقد جاء ذلك من طرق كثيرة، منها ما رواه ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن" بسنده إلى سعيد بن جبير أنه قال: الحصى قربان؛ فما قُبِل منه: رُفع، وما لم يقبل: بقى (١). وذكر الأزرقي، عن ابن خثيم: أنه سأل أبا الطفيل عن هذه الجمار ترمى في الجاهلية والإسلام كيف لا يكون هضابًا تسدّ الطريق؟ قال سألت عنها ابن عباس، فقال إن اللَّه تعالى وكَّل بها ملكًا، فما تُقبِّل منها: رُفع، وما لم يتقبل منها: تُرك (٢). وعن أبي سعيد الخدري قال: ما تُقبل من الحصى رفع، يعني: حصى الجمار (٣). وقال ابن عمر: واللَّه ما قُبِل من امرئ حجه إلا رفع حصاه. قال المحب الطبري في "شرح التنبيه"، وقد أخبرني شيخنا أبو النعمان

стр. 167

بشير ابن أبي بكر حامد التبريزي شيخ الحرم الشريف ومفتيه، أنه شاهد ارتفاع الحجر عيانًا. قال القاضي مجد الدين الشيرازي: وقد خمنت مرة؛ فاقتضى قياس العقل والحساب وعدد السنين والأعوام التي حُج فيها البيت ورُميت الجمار أن يكون التراكم عند كل جمرة من الحصى ما يواري مساحة خمسين ذراعًا في مثلها في وجه الأرض ومرتفع العلو ارتفاع جبل ثبير، ولكن (٤١/ ب) للَّه تعالى فيها سرّ كريم من أسراره الخفيات لا إله سواه. * الثانية: اللحوم بمنى في أيامها؛ تنشر على الجدار وعلى صخرات الجبال وعلى أسطحة السوق وهي محروسة بحراسة اللَّه تعالى لها من تخطف الطير لها، ومعلوم: أن الحِدَأة - إذا رأت شيئًا أحمر بيد إنسان أو على رأسه: انقضت عليه حتى تخطفه، وهي تحوم حول تلك اللحوم لا تستطيع أن تأخذ منها شيئًا. * الثالث: الذباب لا يقع على الطعام؛ بل يأكل العسل ونحوه مما يجمع الذباب ويتهافت على الوقوع فيه، بل لا يحوم عليه في الغالب مع كثرة العفونات لكثرة الذباب من الدماء والأنتان الملقاة في الطرقات. فإذا انقضت أيام الضيافة والكرامة تهافت الذباب على كل طعام حتى لا يطيب للطاعم طعام. وتلك آيات ظاهرة، ودلالات باهرة على قدرة من يحيى العظام وهي ناخرة. * الرابعة: اتساعها في أيام نزول الحاج بها: عن أبي الدرداء، قال: قلنا يا رسول اللَّه إن أمر مِنى لعجب، هي ضيقة، فإذا نزلها الحاج اتسعت، فقال رسول اللَّه ﷺ : إنما مثل منى كالرحم إذا حملت وسعها اللَّه تعالى (١).

стр. 168

* الخامسة: قلة البعوض بها أيام مِنى؛ على ما ذكر أبو سعد الملاني في "الوفا شرف المصطفى"، فإنه قال: كنت ليلًا بمنى في غير أيام الموسم، وكنت ساهرًا أكثر الليل أتأذى من البعوض، فلما كان من الغد؛ سألت بعض أهل الحرم عن البعوض، فقال: جميع السنة يكون كثيرًا إلا أيام منى فإنه يقلُّ. * * *

стр. 169

الباب الحادي والأربعون في ذكر المزدلفة: * لها أربعة أسماء: الأول: "المزدلفة"؛ لأن الناس يزدلفون فيها، أي: يجتمعون، أو لأنهم يدفَعون منها زلفة أي جميعًا، أو لمجيء الناس إليها في زُلَفٍ من الليل، أي: ساعات. الثاني: "قزح". الثالث: "جمع"؛ لأن الصلاتين تجمع بها. كان الأصل موضع جمعٍ أو ذات جمعٍ ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل؛ لاجتماع (٤٢/ أ) الناس بها، وقيل؛ لاجتماع آدم وحواء فيها. الرابع: "المشعر الحرام"؛ لأن عرفة هي المشعر الحلال. * تنبيه: " قُزح": بقاف مضمومة وزاي مفتوحة ثم حاء مهملة: موضع في وسط المزدلفة، وكأنها سميت به تسمية الكل باسم البعض. وقد بني عليه بناء، ويسمى: المشعر الحرام، قاله جماعة. وأما ابن عمر فقال: المشعر الحرام: المزدلفة كلها، وقاله كثير من أهل التفسير. وحمل المحب الطبري قول ابن عمر ومن وافقه على المجاز، والأفصح

стр. 170

في المشعر: فتح الميم وكسرها لغة حكاه الجوهري. وحدُّ المزدلفة: من مأزمىْ عرفة إلى قرب محسر. وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب، قاله في "المغنى" و"الشرح" و"شرح المحرَّر". * * *

стр. 171

الباب الثاني والأربعون في الطريق من المزدلفة إلى عرفة: * لها طريقان: أحدهما: طريق المأزميْن. والأخرى: طريق ضبّ، وهذه الثانية: طريق مختصرة من المزدلفة إلى عرفة، وهي من أصل المأزمين عن يمينك وأنت ذاهب إلى عرفة. وقد ذكروا: أن النبي ﷺ سلكها حين غدا إلى عرفة، وقال ذلك بعض المكِّيين، وقاله القاضي أبو يَعْلى وجماعة من علمائنا. وقال عطاء: طريق ضب: هي طريق موسى بن عمران ﵇؛ ولأجل هذا: قال علماؤنا: إذا دفع من عرفات سار على طريق المأزمين احترازًا من طريق ضب؛ لأن النبي ﷺ سار إلى عرفة على طريق ضب، ولما رجع إلى المزدلفة سار على طريق المأزمين. وهذا على عادته ﷺ ؛ في أنه إذا ذهب إلى عبادة: ذهب في طريق، وإذا رجع: رجع في أخرى. * * *

стр. 172

الباب الثالث والأربعون في ذكر عرَفة وحدودها: * اختلفوا لِمَ سمِّىَ عرفة؛ على عشرة أقوال: أحدها: وهو قول الضَّحاك، أن آدم ﵇ أُهبط بالهند وحواء بجُدَّة، فتعارفا عند أرض عرفة؛ فسميت لذلك. الثاني: وهو قول عطاء؛ لأن جبريل (٤٢/ ب) كان يُري إبراهيم ﵇ المناسك، فيقول: عرفْتُ؛ فسميت لذلك. رواه الإمام أحمد عنه في "منسكه"، إلا أنه قال: فسميت (١) عرفات. الثالث: أن الناس يعترفون فيها بذنوبهم. الرابع: وهو قول السدي: لما أذَّن إبراهيم ﵇ في الناس بالحج، فأجابوه بالتلبية وأتاه من أتاه، أمَره اللَّه تعالى إلى عرفات، ونعتها، فخرج، فلما بلغ الشجرة، استقبل الشيطان يردُّه، فرماه بسبع حصيَّات يكبِّر مع كل حصاة، فطار، فوقع على الجمرة الثانية، فرماه وكبَّر، فطار، فوقع على الجمرة الثالثة، فرماه وكبّر، فلما رأى الشيطان أنه لا يطيعه، انطلق، فانطلق إبراهيم ﵇ حتى أتى ذا المجاز، فلما نظر إليه لم يعرفه فجاز فسمِّي ذا المجاز، ثم انطلق حتى وقف بعرفات، فعرفها بالنعت، فسمي الوقت عرَفة. والموضع عرفات.

стр. 173

الخامس: إنه سُمِّي بذلك من العَرْف، وهو: الطِّيب. السادس: وهو قول ابن عباس: أن إبراهيم ﵇ رأى ليلة الترْوِيَة في منامه أنه يؤمر بذبح ابنه فلما أصبح روي يومه، أجمع، أي: فكَّر؛ أمِن اللَّه تعالى هذه الرؤيا أم من الشيطان، فسمي اليوم يوم التروية. ثم رأى ليلة عرفة ثانيها، فلما أصبح عرف أن ذلك من اللَّه تعالى، فسُمي اليوم يوم عَرَفة. السابع: لأن الناس يتعارفون حين يلقَى بعضهم بعضًا من كل طرف وبلد بعيد. الثامن: إنما سميت بذلك لعلوها، والعَرْف: العالي، ومنه: عَرْف الديك، ومنه: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ (١). التاسع: أن إبراهيم ﵇ غدا من بيت سارة، فحلفت أنه لا ينزل عن ظهر دابته حتى يرجع إليها من الغيرة. فأتى إسماعيل ﵇ ثم رجع، فحبسته سارة ستة أشهر ثم استأذنها فأذنت له، فخرج، حتى إذا بلغ مكة وجبالها، فبات ليلة يسير حتى أذن اللَّه تعالى له في ثلث الليل فكان عند جبل عرفة. فلما أصبح عرف البلاد (٤٣/ أ) والطريق، فجعل اللَّه عرفة حيث عرف، ذكره الثعلبي مرفوعًا من حديث يَعلَى بن الأشرف (٢) عن عبد اللَّه بن جراد (٣) عن النبي ﷺ . العاشر: أن الأصل في هذين الاسمين قديمًا: عرفة للزمان، وعرفات للمكان؛ من الصبر، يقال: رجل عارف؛ إذا كان صابرًا خاضعًا خاشعًا.

стр. 174

ويقال في المثل: "النفس عروف وَلِمَا حَمَّلْتَها تحْمِلُ" قال الشاعر: فَصَبَرْتِ عَارِفَةً لِذَاكَ (١) حُرَّةً ... حَتَّى إذَا نَفْسُ الجَبَانِ تَقَطَّعُ أي: نفسًا صابرة. وقال ذو الرمَّة: عُروفٌ لما حَطَّتْ عَلَيْهِ المَقَادِرُ. أي: صبور على قضاء اللَّه. فسُمِّيا بهذا الاسم؛ لخضوع الحاج وتذللهم وصبرهم على الدعاء وأنواع البلاء واحتمال الشدائد والمشاق لإقامة هذه العبادة. والعارف: الخاضع. * وأما عرفة؛ فقال الشيخان الموفَّق والمجْد. حدُّ عرفة: من الجبل المشرف على عرفة إلى الجبال المقابلة له إلى ما يلي حوائط بني عامر. وقال ابن عباس: حدُّ عرفة من الجبل المشرف على بطن عرنه إلى جبال عرفة إلى وصيق إلى ملتقى وصيق ووادي عرفة. قوله: ووادي عَرَفة: ذكره بعضهم: بالفاء، وبعضهم: بالنون، ورد رواية النون في: "تحفة الكرام بأخبار البلد الحَرَام". * وذكر بعضهم أن لها أربعة حدود: أحدها: ينتهي إلى جادّة طريق السَّرف.

стр. 175

والثانى: إلى حافات الجبل الذي وراء أرض عرفات. والثالث: إلى البساتين التي تلي قرية عرفة. وهذه القرية على يسار مستقبل الكعبة إذا وقف بأرض عرفة. والرابع: ينتهي إلى وادي عرنة، وليس من عرفات وادي عونة. وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية في "شرح العمدة": عبارة كثير من أصحابنا: أن بطن عرنة ليس من عرفات، وعبارة بعضهم تقتضي: أنه من عرفات، وإنما استْثني من الوقوف. وهذه عبارة الشيخ. ولعل حجة هذا القول: أنه قد روي في أحاديث كثيرة: أن النبي ﷺ خطب الناس في عرفات، وإنما خطب ببطن عرنه. والعبارة الأولى: أسدّ؛ لأن النبي ﷺ (٤٣/ ب) قال في الأحاديث الصحيحة: "عرفة كلها موقف" (١).انتهى كلام الشيخ تقي الدين. * وقال ابن عبد البرّ: أجمع العلماء: على أن من وقف ببطن عرنة: لا يجزيه. وحُكي عن مالك: أنه يهريق دمًا، وحجُّه تام. * واختلفوا في نَمِرة: فقال البغوي والنووي والزركشي والشافعي: ليست من عرفة، وقاله الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة"، وهو ظاهَر "المحرر"؛ لأنه قال: سار إلى نمِرة فأقام بها إلى (٢) الزوال، ثم يجمع بين الصلاتين إن كان ممن يجوز

стр. 176

له الجمع ثم يأتي عرفة، وكذا قال في "التلخيص": أقام بنَمِرة، وقيل: بعرفة. وقال في "المغني": فيقيم بنَمِرة، وإن شاء بعرفة. وقال الزركشي في "شرح الخرقي": نَمِرة موضع بعرفة، وهو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم على يمينك إذا خرجت عن (١) مأزمي عرفة تريد الموقف، قاله المنذري، ثم قال عن قول صاحب "التلخيص": إنه ليس بجيد، يعني: في حكايته القولين: أن نَمِرة من عرفة. وكذلك قال صفي الدين في "شرح المحرر"؛ فإنه قال: يُفهم من كلام المصنف: أن نَمِرة ليست من أرض عرفة؛ لأنه قال بعد ذلك: ثم يأتي عرفة، وليس كذلك؛ فإن نمرة منها، وهي داخلة في تحديده، وكذا قال ابن الصباغ: هي من نمرة، وهي بفتح النون وكسر الميم، قال النووي: ويجوز إسكان الميم مع فتح النون وكسرها، فتبقى فيه ثلاثة أوجه كما في نظائرها. * * *

стр. 177

الباب الرابع والأربعون في ذكر المجاورة بمكة شرَّفها اللَّه تعالى: * اختلف العلماء في المجاورة بمكة: فكرهها أبو حنيفة، ولم يكرهها أحمد بن حنبل، في كثير من العلماء، بل استحبوها. فمن كرهها؛ فلأربعة أوجه: أحدها: خوف الملل. الثاني: قلة الاحترام لمداومة الأنس بالمكان. الثالث: لمهج الشوق بالمفارقة؛ فينشأ داعية العود؛ فإن تعلُّق القلب بالكعبة والإنسان في بيته خير من تعلُّق القلب بالبيت. الرابع: خوف ارتكاب الذنوب هناك، فإن الخطايا ثمَّ ليس كالخطايا (٤٤/ أ) في غيره؛ لأن المعصية تتضاعف عقوبتها - كما تقدم في "الباب الثامن والعشرين". * وعلى هذا؛ يكون الكراهة لضعف الخلْق وقصورهم عن القيام بحق المكان. قال أبو عمرو الزجَّاجي: من جاوَرَ الحرم وقلبه متعلق بشيء سوى اللَّه تعالى فقد أظهر خسارته.

стр. 178

* وأما من لم يكره المجاورة ورآها فضيلة؛ فلفضيلة المكان، ومضاعفة الحسنات - على ما سبق، وقد جاوَر بها خلق كثير، وسكنها مِنَ المعوَّل عليهم بَشَر عظيم. * * *

стр. 179

الباب الخامس والأربعون في كراهة نقل تراب الحرم وحجارته إلى الحلّ وعكسه * ذكر الأزرقي بسنده، عن عبد العزيز بن أبي رواد أنه قال: سمعت غير واحد من الفقهاء يذكرون: أنه يُكره أن يخرج أحد من الحرم من ترابه أو حجارته بشيء إلى الحِلّ، قال: وُيكرَه أن يُدخل من تراب الحِلّ أو حجارته في الحرم بشيء (١). ورُوي عن ابن الزبير: أنه تقدَّم يومًا إلى المقام ليصلي وراءه فإذا حصباء بيضاء أُتِيَ بها فطرحت هناك، فقال: ما هذه البطحاء؟ قال: فقيل له: إنه أُتىَ بها من مكان كذا وكذا خارج من الحرم. قال: فقال: القطوه وارجعوا به إلى المكان الذي جئتم به منه وأخرجوه من الحرم، ولا تخلطوا الحلّ بالحرَم (٢). * * *

стр. 180

الباب السادس والأربعون في بيان الحجاز: * قال الأصمعي: سمّي "حجازا"؛ لأنه حجز بين نجد وتهامة. وعنه أيضًا: إنما سمي "حجازَا"؛ لأنه احتُجز بالحِرار الخمس: حَرَّة بني سلَيْم، وحرَّة واقم، وحَرَّة راجل، وحَرَّة ليلى، وحَرَّة النار. * وقال ابن الكلبي: سُمي "حجازَا؛ لما احتُجز بالجبال، وقيل: لأنه فَصل بين نجد والسَّراة، وقيل: بين الغوْر والشام، وقيل: بين تهامة ونجد. * وقال الراغب: قيل: سمي "حجازا"؛ لكونه حجز بين الشام وبين البادية. * وقال أصحاب الإمام أحمد: "الحجاز": مكة، والمدينة، واليمامة، وخيبر، والبقيع، والفدك، ومخاليفها. وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: منه تبوك ونحوه، وما دون المنحنى، وهو (٤٤/ ب) عقبة الصوان من الشام كَمَعان. وقال الشافعي: "الحجاز": مكة، والمدينة، واليمامة، ومخاليفها، أي: قراها. وعن الكلبي: أن حدود "الحجاز": ما بين جبل طَيّ إلى أطراف العراق. وعن الجرمي: أن تبوك وفلسطين من "الحجاز".
следующие страницы →