← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 17419

تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجد

الجراعي

Полный текст (404 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وإن قلنا: إنه نجس كمذهب الحنفية: حرم. وقيل: يكره الغسل دون الوضوء، واختاره أبو العباس؛ لأن حدث الجنابة أغلظ وهي تجري مجري إزالة النجاسة من وجه، ولهذا عمَّت البدن كله، ولأن العباس إنما حَجَزها (١) عن الغُسْل خاصة. وأما إزالة النجاسة به فهل يحرم أم لا، أم يحرم حيث تنجس؟ في المسألة: ثلاثة أقوال، وقال بالكراهة: الروياني من الشافعية، وبالتحريم: المحب الطبري (٢)، وكذا الماوردي؛ لكنه خصَّه بالاستنجاء. * * *

стр. 107

الباب العشرون في أسماء زمزم: * زمزم: بالزاي المكررة غير مصروفة للتأنيث (٢٦ / أ) والعَلَمية: البئر المباركة المشهورة بمكة وبينها وبين الكعبة: ثمان وثلاثون ذراعًا. قيل: سُميت بذلك لكثرة مائها. وقيل: سميت بذلك لصوت الماء وانبثاقه لمَّا خرج. قال أبو إسحاق إبراهيم بن إسحق الحربي: سُمِّيت زمزم لتزمزُم الماء فيها، وهو حركته، والزمزمة: الصوت تسمع له دويًّا. وقال المسعودي: سميت زمزم؛ لأن الفُرْس كانت تحج إليها في الزمن الأول فتزمزم عليها، والزمزمة: صوت تخرجه الفَرَس من خياشيمها عند شرب الماء. وقد كتب عمر رضي الله تعالى عنه إلى عماله أنْ: أُنهو الفُرْس عن الزمزمة. وقيل: بل من ضمِّ هاجر لها حين انفجرت وزمّها الماء. وقيل: بل من زمزمة جبريل وكلامه عليها. وقبل: هو اسم عَلَم. * ولها ستة وأربعون اسمًا: أحدها: زمزم.

стр. 108

الثاني: زمزوم بزيادة واو. الثالث: زمازم بزيادة ألف. الرابع: زُمَزِم، بضم أوله وفتح ثانيه وكسر ثالثه. الخامس: كذلك إلا أن الثاني مشدَّد. والسادس: تكتُم بوزن تكتُب. السابع: المضمونة (١). الثامن: طعام طُعم. التاسع: شفاء سُقم. العاشر: شراب الأبرار. الحادي عشر: برَّة. الثاني عشر: سُقيا الله تعالى إسماعيل ﵇. الثالث عشر: بركة. الرابع عشر: سَيِّدَة. الخامس عشر: نافعة. السادس عشر: مصونة. السابع عشر: عُونة. الثامن عشر: بُشرى.

стр. 109

التاسع عشر: صافية. العشرون: عصمة. الحادي والعشرون: سالمة. الثاني والعشرون: ميمونة. الثالث والعشرون: مباركة. الرابع والعشرون: كافية. الخامس والعشرون: عافية. السادس والعشرون: مغذية. السابع والعشرون: طاهرة. الثامن والعشرون: حَرَميّة. التاسع العشرون: مُروِيَة. الثلاثون: مؤنسة. الحادي والثلاثون: شيَّاعة بفتح الشين المعجمة وتشديد الياء المثناة من تحت وبالعين المهملة، عزاه البكري إلى أبي عمرو الزاهد. قال بعض الأعيان: هو غريب، والمعروف: بالباء الموحدة. الثاني والثلاثون: قرية النمل. الثالث والثلاثون: نُقرة الغراب. الرابع والثلاثون: هزمة (٢٦ / ب) إسماعيل ﵇.

стр. 110

ومن الثاني عشر إلى الثلاثين: مما رواه الفاكهي عن أشياخ مكة (١). وما بعد الثلاثين إلى الأخير: ذكره في "تحفة الكرام" بصيغة التمريض. الخامس والثلاثون: ذكر بعضهم، السقيا. السادس والثلاثون: سِقاية الحاج. السابع والثلاثون: مكنونة. الثامن والثلاثون: دفين عبد المطلب. التاسع والثلاثون: الدواء، بالفتح والمد. الأربعون: شيعة. الحادي والأربعون: بلتتومة، ذكره ابن خالوَيه في أسمائها. الثاني والأربعون: أم العيال. الثالث والأربعون: طَيْبة، بفتح الطاء المهملة وسكون المثناة تحت، يليها موحدة مفتوحة ثم هاء التأنيث. الرابع والأربعون: طيِّبة بتشديد المثناة وكسرها. الخامس والأربعون: هزمة جبريل، وهي الغمزة الداخلة في الأرض. السادس والأربعون: همزة جبريل، بتقديم الميم على الزاي، وهو الغمز بمعنى الأول. * وقولهم بئر زمزم، هو من إضافة المسمَّى إلى الاسم كقولهم سعيد كرز أىْ صاحب هذا اللقب.

стр. 111

* ومما أنشده الشيخ الإمام العالِم العلامة الحافظ شمس الدين محمد الشهير بابن ناصر الدين: خَيْرُ المِيَاه بِلَا نِزَاعٍ زَمْزَمُ ... لَا السَلْسَبيلُ، وكَوثَرًا يَتَقَدَّمُ عَلِم النَّبيُّ مِياهَ جَنَّةِ رَبِّهِ ... وَيقولُ زَمْزَمُ: خَيْر ماءٍ فَافْهَمُوا لَا يَلْتَقي أَبدًا ونارَ جَهَنَّمٍ ... في جَوْفِ مَنْ هُوَ في الحَقِيقَةِ مُسلِمُ يَنْفي النِّفاق تَضَلُّعٌ مِنْ شرْبهِ ... يَشْفِي السُّقَامَ طعامُ طُعْم يُعْلَمُ بِيرٌ مُبَاركةٌ وبرُّ (١) طيْبَةٌ ... شَيَّاعَةُ أُمُّ العِيالِ وَزَمْزَمُ وكَذَا الدَّوَاءُ وَهَمْزةٌ مَظْنُونَةٌ ... وَشَرَابُ أَبْرارٍ بذاك تُتَرْجَمُ وتطلع (٢) فيها يَكُونُ عِبَادَةً ... وجَلَا العُيُونِ وَللخَطايا يهَدِمُ تَسْقي الحَجيجَ وَلَا تُذَمُّ بِخِلَّةٍ ... تَفْنَى المِياهُ وَمَاؤُهَا لَا يُعْدَمُ وَمِنَ الجنانِ الله أخْرَجَ ماءَها ... سُقْيَا لِهاجَرَ حَيْثُ لا هي تَعْلَمُ وَبِمَائِهاَ جبْرِيلُ، قَلْبَ مُحَمَّدٍ ... غَسْلًا أَجادَ، فَعَادَ وهو مُكَرَّم ملآنَ إيمانًا يُجَلُّ وحِكمَةً ... يَدْعُو بِهَا، يا سَعْدَ مَنْ يَتَقَدَّمُ (٢٧ /أ) لإجابَةِ الدَّاعي النّبيّ مُحَمّدٍ ... خَيْر الوَرَى عِنْدَ العظيمِ مُعَظَّمُ صَلَّى عَلَيه ربُّهُ أَعْلا الَّذي ... صَلَّى عَلَى عَبدٍ يُعَزُّ ويُكرَمُ وعَلَى الأكارِمِ (٣) آِلهِ وَصِحَابِهِ ... أَزْكَى السَّلام يعُودُ إِذْ هُوَ يُخْتَمُ - انتهى- * وقد صرَّح الشيخ في نظمه هذا بأن زمزم خير من الكوثر. وقد تقدم كلام البلقيني في الباب قبله.

стр. 112

وقد ذكر الشيخ شمس الدين ابن ناصر الدين أيضًا حديثًا في كتابه: "الدراية فيما جاء في زمزم من الرواية"، بسنده إلى جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : "من طاف بالبيت سبعًا وصلى خلف المقام ركعتين وشرب من ماء زمزم غفر الله له ذنوبه كلها بالغة ما بلغت" ثم قال: هكذا رواه أبوسعيد الجندي في كتابه: "فضائل مكة" وخرَّجه أبو حفص عمر بن أحمد ابن عثمان بن شاهين في كتابه: "فضائل الأعمال" (١). ومما ذكره أيضًا في هذا الكتاب أن بمكة بئرًا أخري يُقال لها "رمرم" براءين مهملتين مفتوحتين، كانت لبني سهم في ناحيتهم، فقال إنها دخلت في المسجد الحرام حين وسَّعه الخليفة أبو جعفر المنصور، والله أعلم. * * *

стр. 113

الباب الحادي والعشرون في غور الماء قبل يوم القيامة إلَّا زمزم وذكر ذرعها وغور مائها وفوره: * ذكر الأزرقي بسنده عن الضحَّاك بن مزاحم: أن الله تعالى يرفع المياه العذاب قبل يوم القيامة، غير زمزم، وتغور المياه، غير (١) زمزم. وذكر؛ أن ذرع زمزم من أعلاها إلى أسفلها: ستون ذراعًا. وفي قعرها: ثلاث عيون: عين حذاء الركن الأسود، وعينٌ حِذاء أبي قبيس والصفا، وعين حِذاء المروة. ثم كان قد قلت ماؤها جدًا في سنة ثلاث وعشرين وأربع وعشرين ومائتين، فضرب فيها تسعة أذرع سحًا في الأرض في تقوير جوانبها، ثم جاء الله تعالى بالأمطار والسيول في سنة خمس وعشرين. وكان رجل يُقال له محمد بن مبشر من أهل الطائف يعمل فيها لما قلّ ماؤها، قال: أنا صليت في قعرها. وغورها من رأسها إلى الجبل: أربعون ذراعًا ذلك كله (٢٧ / ب) بنيان، وما بقي فهو جبل منقور وهو تسع وعشرون ذراعًا. وذرع حبك زمزم في السماء ذراعان وشبر وذرعٌ تدوير، فم زمزم: أحد عشر ذراعًا، وسَعة فم زمزم: ثلاث أذرع وثلثا ذراع (٢). * وذكر الأزرقي عن أبي محمد الخزاعي أنه قال: وقد رأينا في سنة

стр. 114

إحدى وثمانين ومائتين، وذلك أنه أصاب مكة أمطار كثيرة فسأل واديها بأسيال عظام في سنة تسع وسبعين وسنة ثمانين ومائتين فكثر ماء زمزم وارتفع حتى قارب رأسها فلم يكن بينه وبين شفتها العليا إلَّا سبع أذرع أو نحوها. وما رأيتها قط كذلك ولا سمعت من يذكر أنه رآها كذلك. وعذبت جدًا حتى كان ماؤها أعذب من مياه مكة التي يشربها أهلها. وكنت أنا وكثير من أهل مكة نختار الشرب منها لعذوبته وإنَّا رأيناه أعذب من مياه العيون. ولم أسمع أحدًا من المشايخ يذكر أنه رآها بهذه العذوبة، ثم غلظت بعد ذلك في سنة ثلاث وثمانين وما بعدها. وكان الماء في الكثرة على حاله وكنا نقدِّرها أنها لو كانت في بطن وادي مكة لسالَ ماؤها على وجه الأرض لأن المسجد أرفع من الوادي وزمزم أرفع من المسجد. وكانت شعاب مكة وفجاجها في هاتين السنتين وبيوتها التي في هذه المواضع تتفجر ماءً (١). * * *

стр. 115

الباب الثاني والعشرون في حدِّ المسجد الحرام ومن هو حاضره: * ذكر الأزرقي بسنده إلى علي الأزدي قال، سمعت أبا هريرة يقول: إنا لنجد في كتاب الله تعالى أن حدَّ المسجد الحرام من الحزْوَرة إلى المسعى (١). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: أساس المسجد الذي وضعه إبراهيم ﵇ من الحزْورة إلى المسعى إلى مخرج سيل أجياد (٢). وذُكر أيضًا عن عطاء أنه قال: المسجد الحرام، الحرم كله (٣). وقد تقدَّم في الباب الرابع ما يتعلق بذلك. * وأما حاضر المسجد الحرام: فهم أهل الحرم ومن كان من الحرم دون مسافة القصر. ذكره ابن هبَيْرة قول أحمد والشافعي. وقيل من مكة، وقاله أحمد، ونسبه بعض علمائنا إلى الشافعي أيضًا. وقال ابن المنذر في "الإشراف": هم أهل مكة وأهل ذي طُوى. وقال مجاهد وطاوُس: هم أهل الحَرَم. وقال مكحول من كان أهله

стр. 116

خلْف المواقيت إلى مكة، فهو من حاضري المسجد الحرام، وبه قال الشافعي إذْ هو بالعراق، وأبو حنيفة. وقال مالك: هم أهل مكة.

стр. 117

الباب الثالث والعشرون في ذكر حال انتهاء البيت: * روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يخرِب الكعبة ذو السويْقتين من الحبشة" (١). وفي رواية له: "كأني به أسود أفحج (٢) يقلعها حجرًا حجرًا" (٣). * وروى أحمد عن أبي هريرة: "يبايَع لرجل بين الركن والمقام، ولن يَستحلّ هذا البيت إلَّا أَهلُه، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلَكَةِ العرب، ثم تجيء الحبشة فيخرِبونه خرابًا لا يعمَر بعده أبدًا. وهم الذين يستخرجون كنزه" (٤). * ورُوي أيضًا عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "فيسلبها حُلِيَّها ويجرِّدها من كُسوتها كأني أنظر إليه أصلع فَيْدَع، يضرب عليها بمِسْحاته أَو بِمِعْوله" (٥). * واختلف الناس متى بكون ذلك: * فذكر الحليمي في "منهاجه": أن ذلك يكون في زمن عيسى عليه

стр. 118

السلام، وأن الصريخ يأتيه بأن ذا السويْقتين وأصحابه قد ساروا إلى البيت لهدمه، فيبعث إليه عيسى ﵇ طائفة ما بين الثمان إلى التسع. * وقال القرطبي: الصحيح أن خرابه يكون بعد رفع القرآن من الصدور والمصاحف (١)، وبه جزم السهيلي، وذلك: بعد موت عيسى ﵇. ويوافق الأول ما في كتاب "الملاحم والفتن" لنعيم بن حماد من حديث عبد الله بن عمر: "وتخرج الحبشة بعد نزول عيسى ﵇ فيبعث عيسى ﵇ (٢) طليعة فيُهزَمون، وفي رواية، يهُدَم مرتين وُيرفع الحجر في الثالثة". * وذكر ابن بطَّال في "شرح البخاري": أن تخريب الحبشة يحصل، ثم تعود حُرمتها ويعود الحج إليها. واحتجّ بما رواه البخاري من حديث أبي سعيد قال، قال رسول الله ﷺ : "ليحجَّنّ البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج" (٣). ورُوي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال، قال الله تعالى: "إذا أردت أن أخرب الدنيا بدأت ببيتي فخربته، ثم أخرِب الدنيا على أثره". وقال الحاكم في "مستدركه": يمكن أن يُحَج وُيعتمر بعد ذلك، ثم ينقطع الحجّ بمرّة (٤). قلت: ما صحَّحه القرطبي ظاهر، وهو موافق لرواية الإمام (٥) أحمد

стр. 119

المتقدمة، ولا يُعَمَّر بعده أبدًا، فإن هذا، والله أعلم، لا يكون إلَّا قرب قيام الساعة حيث لا يبقى في الأرض أحد يقول: الله الله. * قال القرطبي: لا تَعارُض بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ (١) لأن تخريب الكعبة إنما يكون عند خراب الدنيا، ولعله يكون في الوقت الذي لا يبقى إلَّا شِرار الخلق فيكون حَرَمًا آمنًا مع بقاء الدين وأهله، فإذا ذهبوا ارتفع ذلك المعنى. ولو قيل في الجواب: على أنه يُحمل ذلك على الأعمّ الأغلب من أحواله لَمَا كان بعيدًا، وإن كان قد وُجد الخوف فيه في أيام يزيد والقرامطة، فإنه شيء يسير نادر منْغَمر في الأعمِّ الأغلب. * فإن قيل: ما السر في حراسة الكعبة من الفيل ولم تحرس في الإسلام من الحجَّاج والقرامطة وذي السويْقتين؟ ! فالجواب؛ كما قال أبو الفرج إن حَبْس الفيل كان من إعلام نبوَّة رسول (٢٩ / أ) الله ﷺ ودلائل رسالته ولتأكُد الحجة عديهم بالأدلَّة التي شوهدت بالبصر، مثل الأدلَّة المرئيَّة بالبصائر. * * *

стр. 120

الباب الرابع والعشرون في أسماء مكة: * ولها أسماء كثيرة، قد منّ الله تعالى وله الحمد والمنَّة بتحصيل جملة صالحة منها: الأول: مكة. واتفق العلماء: على أن مكة اسم لجميع البلد. قال الزجّاج: مكة لا تنْصرف؛ لأنها مؤنثة وهي معرفة. قال ابن الجوزي: ويصلح أن يكون اشتقاقها كاشتقاق؛ بكة لأن الميم تبدل من الباء، يقال ضربة لازم ولازب. وقد تقدم الكلام على اشتقاق بكة في الباب الأول، ويصلح أن يكون اشتقاقها من قولهم إمْتَكَّ الفصيل ما في ضرع الناقة، إذا مصَّ مصًّا شديدًا حتى لا يبقي فيه شيئًا فسُميت بذلك لشدة ازدحام الناس فيها. وقال ابن فارس: تمككت العظم إذا أخرجت مخه، والتمكك الاسقتصار (١)، في الحديث: "لا تمكَّكوا على غرمائكم" (٢). وفي سبب تسمية مكة بهذا الاسم أربعة أقوال: أحدها: لأنها مثابة يؤمُّها الناس من كل فجٍّ عميق، فكأنها هي التي تجذبهم

стр. 121

إليها، من قول العرب: امْتَكَّ الفصيل ما في ضرع الناقة. الثاني: أنها تَمكُّ من ظلم فيها، أي تهلكه. وتمكّ الذنوب أي تُذْهبها. الثالث: لجهد أهلها. الرابع: لقلة مائها. الثاني من أسمائها: البلد، قال الله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ (١)، يعني: مكة. والبلد في اللغة: صدر القرى، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (٢). الثالث: القرية. قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ (٣) يشير إلى مكة، فإنها كانت ذات أمْن، يأمَن أهلها أن يُغار عليهم، مُطْمَئِنَّةً أي ساكنة، أهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق يَأْتِيها، رِزْقُها رَغَدًا، والرَّغد: الرزق الواسع الكثير، فَكَفَرَتْ بأَنْعُم الله تعالى، أي كذَّبت محمدًا ﷺ ، فأَذاقَهَا الله لِبَاسَ الجُوعِ والخوْفِ. وأصل الذوق بالفم، ولكنه استعارة منه، وذلك؛ أن الله تعالى عذب كفار مكة بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجِيَف والعظام المحرقة. وكانوا يخافون من رسول الله ﷺ ومن سراياه. والقرية: اسم لما يجمع جماعة كثيرة من الناس، وهو اسم مأخوذ من الجمع، تقول: قريت الماء في الحوض إذا جمعته فيه، ويسمى ذلك الحوض: مقرًّا.

стр. 122

الرابع: أم القرى. قال الله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ (٢). وفي تسميتها بذلك أربعة أقوال: أحدها: لأن الأرض دُحيت من تحتها، قاله ابن عباس. وقال ابن قتيبة؛ لأنها أقدمها. والثاني: لأنها قِبلة يؤمها جميع الناس. والثالث: لأنها أعظم القرى شأنًا. والرابع: لأن فيها بيت الله . ولما اطردت العادة بأن بلد الملك وبيته هو المقدَّم على الأماكن سُمّي أُمًّا، لأن الأم مقدمَّة. الخامس: بكة، على أحد الأقوال الأربعة: وهو قول الضحَّاك. واحتج لتصحيحه ابن قتيبة؛ بأن الباء تبدل من الميم، يقال: سبد الرجل رأسه وسمد رأسه، إذا استأصله، وشرّ لازم ولازب. والقول الثاني: أنها اسم للبقعة التي فيها الكعبة، قاله ابن عباس (٣٠/ أ). وقد تقدَّم في الباب الأول، وتقدم أيضًا ذكر اشتقاق بكة هناك. القول الثالث: أنها ما حول البيت، ومكة ما وراء ذلك، قاله عكْرمة. القول الرابع، أنها المسجد والبيت. ومكة اسم الحَرَم كله، قاله الزُّهري.

стр. 123

السادس: الناسَّة، بالنون أوَّله والسين المهملة المشددة آخره، من نسَّ الشيء إذا يبس من العطش. قال في "الصحاح": ويقال لمكة: الناسَّة؛ لقلَّة مائها من النسَّ وهو اليبَس. السابع: الباسة، بالباء الموحدة. حُكِي عن مجاهد؛ لأنها تبسّ من ألْحَد فيها أي تحطمه وتهلكه. والبسّ، الحِطْم، قال تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ (١). الثامن: النسَّاسة، بنون ثم سين مشددة؛ لأنها تنسّ الملحد فيها أي تطرده. وقيل: لقلَّة مائها من النسّ وهو اليبس، كما تقدَّم. التاسع: صلاح، بفتح الصاد وكسر الحاء على وزن قَطَامِ معدولة (٣٠/ ب) عن صالحة؛ لأن فيها صلاح الخلق، أو لأنها تُعمل فيها الأعمال الصالحة. ذكره المبرِّد. العاشر: بالتنوين. الحادي عشر: مخرج صِدق. الثاني عشر: كُوثى، بضم الكاف وفتح الثاء المثلثة، باسم موضع بها. الثالث عشر: الحاطمة، بالحاء المهملة لحطمها الملحد. الرابع عشر: العَرش، بفتح العين المهملة وإسكان الراء على وزن فرش.

стр. 124

الخامس عشر: العرش (١)، بضم العين والراء - كما ضبطه البكري في "معجمه". السادس عشر: العريش، بزيادة ياء - ذكره ابن سِيدة. السابع عشر: الرأس؛ لأنها أشرف الأرض كرأس الإنسان. الثامن عشر: القادس. التاسع عشر: المقدسة. نقلهما النَّووي. العشرون: مَعاد (٢)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ (٣) قيل القتيْبي ومجاهد: هي مكة، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. الحادي والعشرون: صاحبة المشاعر العظام، وزمزم والمقام، والمسجد الحرام. الثاني والعشرون: مهبط الوحي، وملاذ الرسل، ومعاذ الصالحين من سائر الأمم. الثالث والعشرون: البلدة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ (٤). الرابع والعشرون: بلد الله تعالى. الخامس والعشرون: البلد الأمين.

стр. 125

السادس والعشرون: البُنْية. السابع والعشرون: برة. ذكره ابن خليل. الثامن والعشرون: أمُّ رحم، بالراء المهملة المضمومة؛ لأن الناس يتراحمون ويتواصلون فيها، أو لأن الرحمة تنزل بها. التاسع والعشرون: أمُّ راحم. الثلاثون: أمُّ الرحم. الحادي والثلاثون: أمُّ زحم بالزاي المعجمة. الثاني والثلاثون: أمُّ صبح، ذكره ابن الأثير في كتابه "المرصَّع". الثالث والثلاثون: أمُّ كوثى، ذكره ابن المرجاني. الرابع والثلاثون: أمُّ روْح، ذكره ابن الأثير في كتابه "المرصّع". الخامس والثلاثون: العطِشة. السادس والثلاثون: القادسية. السابع والثلاثون: المكتان، ذكره القيراطي (١) في ديوان شعره. الثامن والثلاثون: سبوحة. التاسع والثلاثون: السّلم. الأربعون: العذر. الحادي والأربعون: نادرة. الثاني والأربعون: الوادي.

стр. 126

الثالث والأربعون: البحر. الرابع والأربعون: الحرم. الخامس والأربعون: الحُرمة بالضم. السادس والأربعون: الحِرمة بالكسر. السابع والأربعون: الرتاج، براء مهملة مكسورة وتاء مثناة من فوق وألِف وجيم. ذكره المحب الطبري في "شرح التنبيه" فيما نقله عنه ابن جماعة. قلت: المعروف في اللغة: أن الرتاج هو الباب العظيم، أو الباب المغلق. الثامن والأربعون: بُساق، بباء موحدة وسين مهملة وألف وقاف. ذكره ابن رشيق في "العُمدة" في تفسير قول أمية بن حرثان: سأَسْتَأذِي عَلَى الفارُوقِ رَبًّا ... لَهُ عَمَدَ الحَجِيجُ إلَى بُسَاقِ ثم قال ابن رشيق. وقد قيل إن بساق بلد بالحجاز. التاسع والأربعون: النابتة، بالنون والباء الموحَّدة. ذكره ابن كثير في تفسيره (١). الخمسون: أمّ الرحمن. ذكره ابن المرجاني وعزاه لابن العربي. الحادي والخمسون: العروس. الثاني والخمسون: النابشة، بالنون والشين المعجمة. الثالث والخمسون: البسَّاسة، بالباء الموحدة والسين المهملة. الرابع والخمسون: البشاشة، بالباء الموحدة والشين المعجمة المكررة.

стр. 127

الخامس والخمسون: النسناسة، بالنون المكرَّرة والسين المهملة المكررة. السادس والخمسون: فاران، ذكره ياقوت الحموي (١). السابع والخمسون: المسجد الحرام، ذكره ابن خليل في "منسكه"، وهذا من باب تسمية الشيء باسم بعضه. الثامن والخمسون: قرية النمل. التاسع والخمسون: نقرة الغراب. الستون: قرية الحمُس. الحادي والستون: السيل. ذكر هذه الأربعة قاضي اليمن مجد الدين الشيرازي. * وكثرة الأسماء: تدل على شرف المسمّى؛ ولهذا كثرت أسماء الله تعالى ورسوله ﷺ . * * *

стр. 128

الباب الخامس والعشرون في فضل مكة: * روى ابن الجوزي بسنده إلى النبي ﷺ ، أنه لما قدِم مكة أتته الأنصار فجلسوا حوله، فجعل يقلِّب بصره في نواحي مكة وينظر (٣١/ ب) إليها ويقول: "والله لقد عرفتُ أنك أحبّ البلاد إلى الله وأكرمها على الله تعالى، ولولا أن قومي أخرجوني ما خرجت" (١). * وبسنده أيضًا: أن النبي ﷺ قال وهو واقف بالحزْوَرة من سوق مكة: "والله إنك لخير أرض الله وأحبّ أرض الله ﵎ إليه، ولولا أني أُخرجتُ منك ما خرجت" (٢). * وعن كعب قال: "اختار الله البلاد، فأحبُّ البلاد إلى الله تعالى البلد الحرام" (٣). * وقال ابن إسحاق (٤): حُدِّثْنا أن قريشًا وجدت في الركن كتابًا بالسريانية فلم يُدْر ما هو حتى قرأه لهم رجل من اليهود، فإذا فيه: "أنا الله ذو بكة، خلقتها يوم خلقت السموات والأرض. وصوَّرت الشمس والقمر، وحففتها

стр. 129

بسبعة أملاك حُنُفا، فلا تزول حتى يزول أخشباها، مبارك لأهلها في الماء واللبن" (١). * وفي الصحيحين من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرَّمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة وأنه لا يحل القتال فيه لأحد قبلي ولا يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، ولا يُعضد شوكه ولا يُنفَّر صيده، ولا تلتقط (٢) لقطته إلا مَنْ عرفها، ولا يختلى خلاؤه، فقال العباس: يا رسول الله، إلَّا الإذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال: إلا الإذخر" (٣). * تنبيهان: أحدهما: الخلى، مقصور: هو الحشيش، فإذا مُدّ فهو المكان الخالي. ذكره ابن الجوزي (٤) وكذا قال ابن فارس في "المجمل": إن الخلى، مقصور: هو الحشيش اليابس واحدته خلاة، والذي ذكره الجوهري وصاحب "الكفاية" وابن خطيب الدهشة: أن الخَلَى بالقصر: الرطْب من النبات. وأما الحشيش: فهو اليابس. الثاني: الأخشبان: الجبلان، وهما أبو قبيس والجبل الذي يقال له الأحمر، وكان يسمى الأعرَف في الجاهلية (٥)، وهو الجبل المشرِف، وجهه

стр. 130

على قعيقعان. ومكة بين هذين الجبلين (١). وأبو قبيس هو الجبل المشرف على الصفا إلى السويد إلى الحندمة، (٣٢/ أ) وكان يُسمى في الجاهلية: الأمين؛ لأن الركن الأسود كان مستودَعًا فيه عام الطوفان. واختلفوا لِمَ قيل له أبو قبيس على ثلاثة أقوال: أحدها: لأنه أول مَن نهض فبنى فيه رجل من مذحج يسمى أبو قبيس، فلما صُعد بالبناء فيه سُمِّي جبل أبي قبيس. وقيل: إنه من. إياد، وهو الأشهر عند أهل مكة على ما ذكره الأزرقي (٢). والثاني: لأنه اقتبس من الركن، فسمي لذلك. قال ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن": والأول أصح (٣). والثالث: أن رجلًا يُقال له قبيس بن سالح بن جرهم كان قد وشى بين عمر ابن مضَّاض الجرهمي ملك جرهم بمكة وبين ميَّة بنت عمه، فنذرت أن لا تكلمه، وكان شديد الكلَف بها، فحلف ليقتلنّ قبيسًا. فهرب منه في الجبل المعروف به وانقطع خبره، فإمَّا مات وإمَّا تردَّى منه، فسُمي الجبل أبا قبيس. ذكر هذا القول السهيلي في "الروض الأُنُف"، وذكر: أن ابن هشام ذكره في خبر طويل في غير "السيرة" لابن إسحاق. * ورُوي عن ابن عباس، أن أبا قبيس أول جبل وضع في الأرض (٤).

стр. 131

وذكر أبو عبد الله محمد القزويني في "عجائب المخلوقات" أن الناس يزعمون أن مَن أكل رأسًا مشويًّا على أبي قبيس يأمن أوْجاع الرأس، وكثير من الناس يفعل ذلك. * * *

стр. 132

الباب السادس والعشرون في فضل صوم رمضان بمكة: * روى الأزرقي بسنده إلى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من أدركه شهر رمضان بمكة وصامه كله وقام منه ما تيسّر: كتب الله له مائة ألف شهر رمضان بغير مكة، وكتب له بكل يوم: حسنة، وكل ليلة: حسنة، وكل يوم: عِتْق رقبة، وكل ليلة: عتق رقبة، وكل يوم: حملان فرس في سبيل الله ، وكل ليلة: حملان فرس في سبيل الله تعالى" (١). * * *

стр. 133

الباب السابع والعشرون في أن الحسنات كلها تضاعف بمكة كالصلاة: * قال الحسن البصري: صوم بمكة: بمائة ألف يوم، وصدقة درهم: بمائة ألف درهم. وكل حسنة: بمائة ألف (١). وقال إبراهيم النخعي: (٣٢/ ب) كان يعجبهم إذا قدموا مكة، لا يخرجون حتى يختموا القرآن (٢). * * *

стр. 134

الباب الثامن والعشرون في أن السيئات تضاعَف فيها كما تضاعَف الحسنات وأنه يعاقَب عليها قبل فِعلها: * قال ابن مسعود: ولو أن رجلًا همَّ بقتل مؤمن عند البيت وهو بَعَدن أذاقه الله تعالى في الدنيا من عذاب أليم. * وقال الضحَّاك: إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو بأرض أخرى فتُكْتب عليه ولم يعملها. * وقال مجاهد: تضاعَف السيئات بمكة كما تضاعَف الحسنات. * وسئل أحمد بن حنبل: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ قال: لا؛ إلَّا بمكة لتعظيم البلد. * وسئل ابن عباس؛ عن مقام يعني بمكة. فقال: ما لي ولبلد تضاعَف فيه السيئات كما تضاعَف الحسنات، ثم قيل: تضعيفها كمضاعفة الحسنات بالحرم، وقيل: بل خارجه. * قال بعض السلف لابنه: "يا بني، إياك والمعصية، فإن عصيت ولا بد، فليكن في مواضع الفجور لا في مواضع الأجور؛ لِئلا يتضاعف عليك الوِزْر أو تعجل لك العقوبة". * وقال بعضهم: المراد بالمضاعفة: غِلظها لا كمِّيتها في العدد؛ فإن السيئة: جزاؤها سيئة؛ ولكن السيئات تتفاوت بالنسبة إلى الكِبر والصِّغر، فإن

стр. 135

السيئة في حرَم الله وأشهُره الحُرُم ليست كالسيئة في غير ذلك. * قلت: ولعل هذا مراد من قال بعدم المضاعفة، وهم الذين أخذوا بالعمومات. قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (١). وقال النبي ﷺ : "من هم بسيئة وعملها كتبت عليه سيئة واحدة" (٢). * * *

стр. 136

الباب التاسع والعشرون في بيان أن أهل مكة أهل الله تعالى: * لما استعمل رسول الله ﷺ عتَّاب بن أسْيَد على مكة قال: "يا عتَّاب أتدري على من استعملتك؟ استعملتك على أهل الله تعالى، فاستوصِ بهم خيرًا" (١) يقولها ثلاثًا. وقال ابن أبي مُليكة: كان أهل مكة فيما مضى يُلقَوْن، فيُقال: يا أهل الله، وهذا من أهل الله. * وكان وَهب بن منبّه يروي أن الله تعالى يقول: "من آمن أهل الحرم استوجب بذلك (٣٣/ أ) أماني، ومن أخافهم فقد خفرني في ذمتي، ولكل مَلِكٍ حيازة مما حواليه، وبطن مكة حوزتي التي اخترت لنفسي. أنا الله ذو بكة، أهلها: جيرتي وجيران بيتي، وعمَّارها وزوَّارها وفْدي وأضيافي وفي كنفي وأماني، ضامنون عليَّ وفي ذمتي وجواري". * * *

стр. 137

الباب الثلاثون في ذكر حدود الحرم: * حدُّه من جهة المدينة: ثلاثة أميال- كما قال الأزرقي- دون التنعيم عند بيوت نِفار، بنون مكسورة وفاء وألف وراء مهملة، وجزم به القاضي أبو يعلى في "أحكامه"، وأبو الخطاب، وابن الجوزي، والمجد، وابن حمدان، والرافعي، وقدَّمه في "الفروع"، وقال: عند بيوت السُّقيا، تبعًا "للهداية"- كما نقله عن ابن القاص، وقدمه في "إعلام الساجد". وقيل: أربعة أميال- كما قال الفاكهي. وقيل: خمسة أميال- على ما ذكره الباجي. تنبيه: قال صاحب "المطالع" عن التنعيم: إنما سُميت بذلك؛ لأن جبلًا عن يمينها يقال له: "نعيم" وآخر عن شمالها (١) يقال له (٢): "ناعم"، والوادي: نعْمان. * ومن طريق اليمن: سبعة أميال- بتقديم السين-، جزم به الأزرقي، وأبو الخطاب، وابن الجوزي، وابن حمدان، وصاحب "الفروع". وقدم في "إعلام الساجد": ستة أميال، قال في "تحفة الكرام": وجدت

стр. 138

بخط المحب الطبري في "القِرى": أن حدّ الحرم من جهة اليمن: ستة أميال، ولعلّ ذلك؛ سبق قلم، عند (١) أَضاة لِبْن في ثنِيَّة لِبْن (٢)، وهذه الأضاة تعرف الآن بأضاة ابن عَقَشِّر، والأَضاة: مُسْتنقع الماء، وهي بهمزة مفتوحة وضاد معجمة على وزن قناة، ولِبْ بكسر اللام وسكون الباء الموحَّدة: قاله الحازمي، وضبطها سليمان بن خليل: بفتح اللام والباء على ما وجده بعض الأعيان بخطه في مواضع من "منسكه". * ومن جهة العراق: سبعة أميال- بتقديم السين-، قاله الأزرقي، وجزم به القاضي أبو يعلي في "أحكامه"، وأبو الخطَّاب، وابن الجوزي، والمجد، وصاحب "الفروع"، والرافعي، وقدمه في "الرعاية"، و"إعلام الساجد". وقيل: ثمانية أميال- على ما ذكر ابن أبي زيد المالكي في "النوادر" (٣٣/ ب). وقيل: تسعة أميال- حكاه ابن حمدان. وقيل: عشرة أميال - على ما ذكر سليمان بن خليل. وقيل: ستة أميال - على ما ذكر ابن خُردادبة على ثنيَّة خلّ بالمقْطَّع. فأما "خل"، فبخاء معجمة مفتوحة، و"المُقطَّع" بضم الميم وفتح الطاء المشددة - على ما وُجِدَ بخط سليمان بن خليل فيهما. ووُجِدَ بخط المحبّ الطبري في "القِرى" (٣) على الخاء من خلّ نقطة من

стр. 139

فوق وعلى اللَّام شدة وضبط المَقْطع بفتح الميم وإسكان القاف. وفي "تاريخ الأزرقي": على الخاء أيضًا من خل نقطة من فوقها. ودكر النَّووي في "الإيضاح" و"تهذيب الأسماء واللغات": حوض خل جبل بجيم وباء موحَّدة. قال في "تحفة الكرام": وذلك تصحيف، والله أعلم. وذكر الأزرقي: أن سبب تسميته بذلك؛ أنهم قطعوا منه أحجار الكعبة في زمن ابن الزبير، وقيل غير ذلك. * ومن جهة جُدة - بضم الجيم - عشرة أميال، جزم به الأزرقي، والقاضي أبو يعلى في "أحكامه"، وأبو الخطَّاب، وابن الجوزي، والمجد، وابن حمدان، وصاحب "الفروع" والرافعي، وابن أبي زيد. قال في "تحفة الكرام": ونحو ثمانية عشر ميلًا - على ما ذكر الباجي في مقدار ما بين مكة والحديبية - بتخفيف الياء الثانية على الأصوب فيها. ومنتهاها حدُّ الحرم من جهة جُدة - كما ذكر ابن أبي زيد في "النوادر": قال الأزرقي: منتهى الحد في هذه الجهة منقطع الأعشاش: جمع عش، وقال القاضي في "أحكامه": منقطع العشائر، وكذا قال في "إعلام الساجد". * ومن جهة الجعرانة - بسكون العين وتخفيف الراء على الأصوب في ضبطها -: تسعة أميال- بتقديم التاء -: قاله الأزرقي، والقاضي أبو يَعلَى، وأبو الخطَّاب، وابن الجوزي، والمجد، وابن حمدان، وصاحب "الفروع"، والرافعي. وقيل: بريد: حكاه ابن خليل بصيغة التمريض في شِعْب آل عبد الله بن خالد بن أسْيَد وهو لا يُعرف الآن.

стр. 140

* ومن طريق الطائف على طريق عرفة من بطن نَمِرة: أحد عشر ميلًا، قاله الأزرقي. * قال في "الفروع": ومن (٣٤/ أ) الطائف: سبعة أميال عند طرف عرفة. * ومن بطن عُرَنة: أحد عشر ميلًا، و"الفروع": تابع ابن الجوزي، وابن الجوزي: تابع أبا الخطَّاب في نقله الذي نقله في "الهداية" عن ابن القاص. وقيل: نحو ثمانية عشر ميلًا، ذكره الباجي. وقيل: تسعة أميال - بتقديم التاء على السين -، ذكره ابن أبي زيد، وابن خليل، وغيرهما. وقيل: سبعة - بتقديم السين على الباء -، كما ذكره الماوردي، وأبو إسحاق الشيرازي، والقاضي أبو يَعْلَى في "أحكامه"، والرافعي، والنووي، وابن حمدان، لكنه قال: وعرفات والطائف وبطن نمرة: سبعة أميال. * ومن بطن عرفة: أحد عشر ميلا. قال في "تحفة الكرام": وفيما قالوه نظر قوي يقتضي عدم استقامة قولهم. وقد جزم جماعة، منهم الرافعي - كما تقدم؛ على أنه من طريق المدينة: على ثلاثة، ومن العراق والطائف: على سبعة، ومن الجعرانة: تسعة، ومن جُدَّة: عشرة. وعليه بنى الشاعر قوله: وَللْحَرَمِ التَّحْدِيدُ مِنْ أَرْض طَيْبَةٍ ... ثَلَاَثةُ أَمْيَالٍ إِذَا رُمْتَ إِتْقَانَة وَسَبْعَةُ أَمْيَالِ عِراقٌ وطائف ... وَجُدَّةُ عَشْرٌ ثُمَّ تِسْعُ جُعْرَانَة

стр. 141

زاد قاضي (١) القضاة كمال الدين أبو الفضل النويْري، قاضي مكة وخطيبها: وَمِنْ يمن سَبْعٌ بِتَقْدِيمِ سِينِهَا ... وَقَدْ كمُلتْ فاشْكُرْ لِرَبِّك إِحْسَانَهْ وَقَذ زِيدَ في حَدٍّ لَطائفٍ أَربَعٌ ... وَلَمْ يَرْضَ أَهْلُ العِلْم وَالحِفْظِ إِتقَانَهْ قال كمال الدين الدَّميري، الأوْلى (٢) أن يقال: وَمِنْ يَمَنِ سَبْعٌ بِتَقْديمِ سينِهَا ... كَذَلِكَ سَيْل الحِلِّ لَمْ يَعْدُ بُنْيَانَهْ * لأجل فائدة: وهي أَن سيل الحِلّ لا يدخل الحَرَم. وهذا ذكره الأزرقي، عن عمر ابن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه لما؛ بعث أربعة من قريش يحددون أنْصَاب الحرم: وهم مخرمة بن نوفل، وسعيد بن يربوع المخزومي، وحويطب ابن عبد العُزّى، وأزهر بن عبد عوف الزُّهري؛ أمَرَهم أن ينظروا إلى كل وادٍ يصبّ في الحرم، فنصبوا عليه وأعلموه وجعلوه حرمًا. وإلى كل وادٍ يصبّ في الحل فجعلوه حِلًّا (٣)، وسيأتي (٣٤/ ب) لهذا مزيد إن شاء الله تعالى في الثالث والسبعين من الخصائص. * قال ابن سراقة في كتاب "الأعداد والحَرم": في الأرض موضع واحد وهو مكة وحولها، ومساحة ذلك: ستة عشر ميلًا في مثلها، وذلك بريد واحد وثلث في بريد واحد وثلث على التقريب - انتهى. * وقال أبو القاسم بن خردادبة الخراساني في كتابه "المسالك والممالك": وطول الحرم حول مكة كما يدور: سبعة وثلاثون ميلًا، وهي التي تدور بأنصاب الحرم - انتهى.

стр. 142

* فإن قال قائل: فما السبب في أن بعض حدود الحرم يقرب من مكة، وبعضها بعيد ولم يُجعل على قانون واحد؟ فالجواب من أربعة أوجه (١): * أحدها: ما روى سعيد بن جُبيْر عن ابن عباس قال: لما أُهبط آدم ﵇ خرَّ ساجدًا يعتذر، فأرسل الله تعالى إليه جبريل ﵇ بعد أربعين سنة فقال: ارفع رأسك فقد قبلت توبتك، فقال: يارب إنما أتلهَّف على ما فاتني من الطواف بعرشك مع ملائكتك، فأوحى الله تعالى إليه: إني سأنزل لك بيتًا أجعله قِبلة، فأهبط الله تعالى إليه البيت المعمور وكان ياقوتة حمراء يلتهب التهابًا، وله بابان: شرقي وغربي، قد نُظمت حيطانه بكواكب بمض من ياقوت الجنة. فلما استقر البيت في الأرض أضاء نوره ما بين المشرق والمغرب، فنفرت لذلك الجنّ والشياطين وفزعوا فارتقوا في الجو ينظرون من أين ذلك النور فلما رأوه من مكة أقبلوا يريدون الاقتراب إديه، فأرسل الله تعالى ملائكته؛ فقاموا حوالي الحرم في مكان الأعلام اليوم، فمن ثَمَّ ابتدأ اسم الحرم. * الثاني: ما رواه وَهب بن منبِّه: أن آدم ﵇ لما نزل إلى الأرض اشتد بكاؤه فوضع الله تعالى له خيمة بمكة موضع البيت، وكانت الخيمة ياقوتة حمراء من الجنة وفيها ثلاثة قناديل فيها نور يلتهب من الجنة، فكان ضوء النور ينتهى إلى موضع الحرَم،

стр. 143

وحرس اللَّه تعالى تلك الخيمة بملائكة، فكانوا يقفون على (٣٥/ أ) مواضع أنصاب الحرم يحرسونه ويذودون سكان الأرض من الجن. فلما قبض اللَّه تعالى آدم ﵇، رفعها إليه. * الثالث: أن إبراهيم الخليل ﵇ لمَّا بنى البيت قال لإسماعيل ﵇: ابغني حجرًا أجعله للناس آية فذهب إسماعيل ﵇ ورجع ولم يأتِه بشيء ووجد الركن عنده، فقال: من أين لك هذا؟ قال: جاء به من لم يَكلني إلى حجرك، جاء به جبريل ﵇، فوضعه إبراهيم ﵇ في موضعه هذا، فأنار شرقًا وغربًا ويمينًا وشمالًا، فحرَّم اللَّه تعالى الحرم حيث انتهى نور الركن وإشراقه من كل جانب. * الرابع: أن آدم ﵇ لما أُهبط إلى الأرض خاف على نفسه من الشياطين، فاستعاذ باللَّه تعالى، فأرسل اللَّه تعالى ملائكة حفُّوا بمكة من كل جانب ووقفوا حواليها، فحرّم اللَّه تعالى الحرم من حيث كانت الملائكة وقفت. قال عبد اللَّه بن عمر: والحرم حرام إلى السماء السابعة. وقال عطاء: كانوا يرون أن العرش على الحرم (١). * * *

стр. 144

الباب الحادي والثلاثون في ذكر نُصُب حدود الحرم وأول مَن نصَبَها: * وذكروا؛ أن أول مَن نصَبَها: إبراهيم الخليل ﵇، ثم إن قريشًا قلعوها في زمن النبي ﷺ ، فاشتد ذلك على رسول اللَّه ﷺ ، فجاءه جبريل ﵇، فقال: يا محمد، اشتد عليك؟ ! قال نعم. قال: أما إنهم سيعيدونها، فرأى رجال منهم في المنام قائلًا يقول: حَرَم أعزكم اللَّه به نزعتم أنصابه، الآن تخطَّفُكم العرب. فأصبحوا يتحدثون بذلك في مجالسهم، فأعادوها، فجاء جبريل ﵇ فقال: يا محمد قد أعادوها، قال: أفأصابوا يا جبريل، قال ما وضعوا منها نُصُبًا إلَّا بيد ملك (١). * وروى الزُّهري عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتبة قال: نَصَب إبراهيم ﵇ أنصاب الحرم يُريه جبريل ﵇، ثم لم تحرَّك حتى كان قُصَىٌ فجددها، ثم لم تحرّك حتى كان رسول اللَّه ﷺ فبعث عام الفتح تميم بن أسد الخزاعي فجددها، ثم لم (٣٥/ ب) تحرّك حتى كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فبعث أربعة من قريش فجددوها: مخرمة بن نوفل، وسعيد بن يربوع، وحويطب بن عبد العزَّى، وأزهر بن عوف. ثم جدَّدها معاوية، ثم أمر عبد الملك بتجديدها (٢). * قال في "تحفة الكرام": أول من نَصب ذلك الخليل ﵇ بدلالة

стр. 145

جبريل ﵇، ثم قصَىّ بن كلاب. وقيل: نصبها إسماعيل ﵇ بعد أبيه الخليل ﵇، وقيل: قُصَي، وقيل: إن عدنان بن إدّ أول من وَضع أنصاب الحرم حين خاف أن يُدرس الحرم - ذكره الزُّبير بن بكَّار، ونَصبها النبي ﷺ عام الفتح، ثم عمر بن الخطاَّب ﵁ سنة سبع عشرة، ثم عثمان بن عفان ﵁ سنة ست وعشرين، ثم معاوية، ثم عبد الملك بن مروان، ثم المهدي العباسي. ثم أمر الراضي العباسي بعمارة العَلَمَيْن الكبيرين اللذين بالتنعيم سنة خمس وعشرين وثلاثمائة واسمه عليها مكتوب، ثم أمر المظفَّر صاحب إربل بعمارة العلمين اللذين هما حد الحرم من جهة عرفة سنة عشرة وستمائة، ثم الملك المظفَّر صاحب اليمن سنة ثلاث وثمانين وستمائة. * وقال الأزرقي في أنصاب الحرم: على رأس الثنِيَّة ما كان من وجهها من هذا الشقّ فهو حرَم وما كان في ظهرها فهو حِلّ. * * *
следующие страницы →