← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 17419

تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجد

الجراعي

Полный текст (404 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

محله، معظّمَة لجليل ذكره. * الثاني والثمانون: إن الله تعالى هو الذي بناه لا ببناء أحد من الناس، وهو أحد الأقوال التي تقدمت في أوائل الكتاب، وناهيك بها من فضيلة ما أجلّها. * الثالث والثمانون: إن الله تعالى عطف القدوب والأفئدة إليه دون غيره من البلاد، فهو أعظم جذبًا للقلوب من جذب المغناطيس للحديد، ولهذا؛ أخبر سبحانه أنه ﴿مَثَابَة للناسِ﴾ (١)، أي: يثوبون إليه، أي: يعني يرجعون إليه على تعاقب الدهور وممر الأيام والشهور من جميع الأقطار يجوبون البراري والقفار ولا يقضون منه الأوطار، بل كلما قربوا منه: ازدادوا شوقًا إليه، والسِّرّ في هذا التوقان: دعاء الخليل ﵇ (٥٣/ ب) في قوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ (٢). * الرابع والثمانون: ما يُروى أن الله تعالى يلحظ الكعبة في كل عام لحظة في ليلة نصف شعبان، فأصبح هذا سبب التوْق وكثرة الحنين والشوق. * الخامس والثمانون: رُوي في حديث "وُعد هذا البيت أن يحجَّه كل سنة ستمائة ألف، فإن نقصوا: أكملهم (٣) الله تعالى من الملائكة" (٤). * السادس والثمانون: رُوي أن الكعبة تحشر كالعروس المزفوفة. ومن حَجَّها: تعلق بأستارها حتى تُدخله الجنة.

стр. 212

* السابع والثمانون: إنها منذ خلقت ما خلت عن طائف يطوف بها من جن أو إنس أو ملك. وعن بعض السلف: أنه خرج في يوم شديد الحر فرأى حية تطوف وحدها. * الثامن والثمانون: إن أهلها يقال لهم: "جيران الله" كما تقدم في "الباب التاسع والعشرون". * التاسع والثمانون: إن أهلها يقال لهم: "أهل الله" - كما تقدم في الباب المذكور. * التسعون: من أمّن أهل الحرم: استوجب بذلك أمان الله تعالى، وقد تقدم. * الحادي والتسعون: من أخاف أهل الحرم: فقد أخفر الله في ذمته، وقد تقدم. * الثاني والتسعون: أن بطن مكة حوزة الله تعالى التي اختارها لنفسه، وقد تقدم. * الثالث والتسعون: فضل مقبرتها. أخرج البزار عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لمقبرة مكة: "نِعْم المقبرة هذه" (١). وعن ابن مسعود قال: وقف رسول الله ﷺ على ثنيَّة المقبرة، وليس بها يومئذ مقبرة فقال: "يبعث الله من هذه البقعة أو من هذا الحرم سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، يشفع كل واحد منهم في سبعين

стр. 213

ألفًا، وجوههم كالقمر ليلة البْدر، قال أبو بكر: ومن هم يا رسول الله؟ قال: هم الغرباء" (١). * الرابع والتسعون: تخصيصها بالحجر الأسود الذي هو يمين الله تعالى في الأرض، وقد تقدم أنه ياقوتة من يواقيت الجنة. * الخامس والتسعون: تخصيصها بمقام إبراهيم الخليل ﵇، وهو ياقوتة من يواقيت الجنة أيضًا. * السادس والتسعون: تخصيصها بماء زمزم؛ الذي هو هزمة جبريل ﵇ (٥٤/ أ) وهمزته، وهو طعام طعم، وشفاء سقم. * السابع والتسعون: تخصيصها بالصفا والمروة اللذين هما من شعائر الله. * الثامن والتسعون: تخصيصها بالمشاعر العظام والمواقف الكرام: كمِنَى وعرفات وما تقدم ذكره في مِنَى من (٢) الآيات. * التاسع والتسعون: من رأى الكعبة في المنام فهي رؤيا حق؛ لما روى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "من رآني في المنام فقد رآني حقًا؛ فإن الشيطان لا يتمثَّل بي ولا بالكعبة": رواه الطبراني في "معجمه"، وقال: هذه اللفظة "ولا الكعبة": لا تحفظ إلا في هذا الحديث (٣). * تمام المائة: لو نذر الصلاة في المسجد الحرام أو الاعتكاف: لا يجزيه في غيره من المساجد لما تقدم من أنه أفضل المساجد على الإطلاق -

стр. 214

كما هو عندنا وعند الشافعي وأبي حنيفة. * الأول بعد المائة: لو نذر إتيان المسجد الحرام: لزمه إتيانه بحج أو عمرة؛ لحديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" (١)، وأصح الطريقين عند الشافعية كذلك، ونصَّ عليه الشافعي لحديث أخت عُقبة. * الثاني بعد المائة: لو نذر المشي إلى بيت الله الحرام: لزمه المشي في حج أو عمرة، فإن تركه وركب لعذر أو غيره: فكفارة يمين؛ لأن المشي غير مقصود، ولم يعتبره الشرع في موضع، وعنه دم. وفي "المغني": قياس المذهب، يستأنفه ماشيًا؛ لتركه صفةً للمنذور. * الثالث بعد المائة: لو نذر إتيان مكة من الحرم ماشيًا: لزمه المشي في حج أو عمرة أيضًا. * الرابع بعد المائة: لو نذر إتيان مكان من الحرم ماشيًا: لزمه المشي في حج أو عمرة. * الخامس بعد المائة: لو نذر إتيان بيت الله ولم يقل الحرام، فوجهان عند الشافعية: أصحهما ونقله البندنيجي عن نصَّه في "الأم" أنه لا ينعقد نذره إلا أن ينوي البيت الحرام؛ لأن جميع المساجد: بيوت الله تعالى. وعن المُزَني: لزومه؛ لأن إطلاق البيت ينصرف إليه دون غيره، وهذا مذهبنا. قال في "المحرر": ومن نذر المشي إلى بيت الله أو بقعة من الحرم: لزمه (٥٤/ ب) أن يمشي في حج أو عمرة. * السادس بعد المائة: لو حلف بالطلاق الثلاث، لا بدَّ أن يعبد الله

стр. 215

تعالى عبادة ينفرد بها دون جميع الناس في وقت تلبُّسه بها، فما يفعل من العبادات؟ ! قلت: هذه فتوى جاءت من العجم إلى بغداد فعُرضَت على العلماء العراقيين، فلم يتضح لها لأحد جواب، فجاءت إلى شيخ الطريقة وإمام الحقيقة قطب الزمان وعين الأعيان صاحب الخاطر العاطر: الشيخ عبد القادر، فكتب عليها على الفور: "يأتي مكة، ويُخلَى له المطاف، ويطوف أسبوعًا وحده، وتنحل يمينه، فما بات المستفتي ببغداد"! ! * السابع بعد المائة: الطواف بالكعبة أفضل من الصلاة، بدليل الحديث الذي تقدم في ذكر الرحمة التي تنزل على البيت وأن منها ستين للطائفين وأربعين للمصلين، وليس في الدنيا بنية الطواف بها أفضل من الصلاة غيرها. نقل حنبل: لمن قدم مكة أن يطوف؛ لأنه صلاة، والطواف أفضل من الصلاة، والصلاة بعد ذلك. وعن عطاء وابن عباس: الطواف لأهل العراق، والصلاة لأهل مكة. وذكره القرافي المالكي وغيره اتفاقًا. وظاهر كلام ابن الجوزي وغيره: أن الطواف أفضل من الصلاة فيه. وقاله الشيخ تقي الدين ابن تيميَّة، وذكره عن جمهور العلماء. * الثامن بعد المائة: كره جماعة من السلف اتخاذ السجن بمكة. حكى ذلك ابن أبي شيبة في "مصنَّفه" لإسناده عن طاوس: قال: لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت رحمة. والجمهور على خلافه فقد اشترى عمر دارًا للسجن بمكة. * التاسع بعد المائة: إن من حجه أو اعتمره لا يزال يزداد هيبة وتعظيمًا

стр. 216

وبِرًّا، كما أُمِرْنا بالدعاء له في قولنا: "وزد من عِظَمه ممن حجه أو اعتمره تشريفًا وتعظيمًا وبِرًّا" (١). * العاشر بعد المائة: ائتلاف الظباء والسباع (٥٥/ أ) في الحرم، ذكره المحب الطبري. * الحادي عشر بعد المائة: إن الحرم حرَّم حِذاه من السموات السبع، ذكره مجاهد. وعن قتادة: أنه حُرِّم حياله إلى العرش. * الثاني عشر بعد المائة: أن الحرم حرّم حياله من الأرضين السبع، قاله مجاهد. * الثالث عشر بعد المائة: إنها محفوفة بسبعة أملاك، قاله مجاهد. * الرابع عشر بعد المائة: إن الله تعالى جعل رزقها من ثلاثة سبل، فليس يؤتى أهل مكة إلا من ثلاثة طرق: أعلى الوادي وأسفله وكداء (٢). * الخامس عشر بعد المائة: أن الله تعالى بارك لأهلها في اللحم والماء، وفي رواية: في الماء واللبن، ذكر هذه الخمسة: الأزرقي. * السادس عشر بعد المائة: إن بناءها الموجود الآن لم يتوهن، وهو لا يقتضي أن يبقى هذه المدَّة على ما ذكره بعض المهندسين، وإنما بقاؤه آية من آيات الله تعالى. * السابع عشر بعد المائة: إنه لا يرى البيت الحرام أحد ممن لم يكن يراه

стр. 217

إلا ضحك أو بكى، قاله الجاحظ. قلت أو حصلت له نشأة لم تكن حصلت له قبل ذلك ولا تحصل بعده. * الثامن عشر بعد المائة: الجارح يتبع الصيد، فإذا دخل الحرم تركه، ذكر ذلك ابن الحاج عن بعض المفسرين. * التاسع عشر بعد المائة: لو اقتصر أهل مكة على اللحم والماء كفاهم، وأما غيرهم فلا، كما ذكره البخاري في كتاب "الأنبياء" لما دَعَا إبراهيم ﵇ فقال: "اللهم بارك لهم في اللحم والماء"، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. * العشرون بعد المائة: ما رواه الأزرقي في "تاريخه": أن طيرًا طاف على منكب بعض الحجاج أسابيع والناس ينظرون إليه وهو مستأنس بهم ثم طاف وخرج من المسجد الحرام، وذلك في السابع والعشرين من ذي القعدة سنة ست وعشرين ومائتين. * الحادي والعشرون بعد المائة: قال ابن الصلاح من الشافعية: "لا يجوز أخذ شيء من مساويك الحرم. قلت: وهو ظاهر كلام أصحابنا إن نبت بنفسه لأنهم لم يستثنوا إلا الإذخر والكمأة والثمرة وما أنبته الآدمي (٥٥/ ب)، اللهم إلا أن يكون يابسًا فهو مستثنى عندنا أيضًا، وكذا لو قطع أو قُلع بغير فعل آدمي. أما إن قطعه آدمي غيره فعلى الخلاف المتقدم في "الثالث والأربعين". وذكر ابن الحاج من المالكية: لا بأس بأخذ السّواك من الحرم. * الثاني والعشرون بعد المائة: أن المرء إذا خرج يريد الطواف بالبيت، أقبل يخوض الرحمة، فإذا دخله غمرته، ثم لا يرفع قدمًا ولا يضع قدمًا إلا كتب الله تعالى له بكل قدم خمسمائة حسنة وحطّ عنه خمسمائة سيئة أو قال

стр. 218

خطيئة ورفعت له خمسمائة درجة، فإذا فرغ من طوافه فصلى ركعتين دُبُر المقام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وكتب له أجر عِتْق عشر رقاب من ولد إسماعيل واستقبله ملك الركن فقال له: "استأنف العمل فيما بقي فقد كُفيت ما مضى وشُفِّع في سبعين من أهل بيته": رواه الأزرقي بسنده مرفوعًا إلى النبي ﷺ من رواية عمرو بن شُعَيْب عن أبيه عن جدِّه (١). * الثالث والعشرون بعد المائة: ذكر الأزرقي عن عمرو بن يسار المكي: أن البعير إذا حج بورك في أربعين من أمهاته. وإذا حُجّ عليه سبع مرار كان حقًا على الله تعالى أن يرعى في رياض الجنة (٢). * الرابع والعشرون بعد المائة: "أن النظر إلى الكعبة محض الإيمان" نقله الأزرقي عن ابن عباس. * الخامس والعشرون بعد المائة: ذكر الأزرقي عن ابن المسيِّب أن من نظر إلى الكعبة إيمانًا وتصديقًا: خرج من الخطايا كيوم ولدته أمه. * السادس والعشرون بعد المائة: لا يدخلها الدجَّال، كما ثبت في "الصحيحين" عن النبي ﷺ (٣)، وهذا وإن كان ما هو من خصائصها على العموم، فإنه لم يشاركها فيه إلا مدينة النبي ﷺ على ما في "الصحيحين" (٤)، وكذلك القدس كما يأتي التنبيه عليه في موضعه إن شاء الله (٥٦/ أ) تعالى، فهو من الخصائص بالنسبة إلى المدينة أو إليها وإلى بيت المقدس. * السابع والعشرون بعد المائة: احتكار الطعام بمكة إلحاد، كما روى

стр. 219

أبو القاسم (١) الطبراني في "معجمه الأوسط" من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "احتكار الطعام بمكة إلحاد" (٢). * الثامن والعشرون بعد المائة: ورد النهي عن سُكنَى مكة لسافك دم أو مشِّاءٍ بنَمِيم، كما روى أبو القاسم الأصفهاني في كتاب "الترغيب" بسنده إلى جابر قال، قال رسول الله ﷺ : "لا يسكن مكة سافك دم ولا مشَّاء بنميم" (٣). قوله: "لا يسكن": هو بجزم النون على النهي، ولو روى بضمها على الخبر: لكان خبرًا بخلاف مخبره، ولا يجوز ذلك على رسول الله ﷺ . * التاسع والعشرون بعد المائة: إن مفتاح الكعبة إذا وضع في فم الصغير الذي ثقل لسانه عن الكلام تكلم سريعًا بقدرة الله تعالى. ذكره الفاكهي، وذكر أن المكيين يفعلونه. قال بعضهم وكذلك يفعلونه الآن. * الثلاثون بعد المائة: أن مَن مات في مكة فكأنما مات في السماء الدنيا. * الحادي والثلاثون بعد المائة: عند الركن اليماني باب من أبواب الجنة، ذكرهما الحسن في "رسالته" (٤). * الثاني والثلاثون بعد المائة: ما بين الركن اليماني والركن الأسود روضة من رياض الجنة.

стр. 220

* الثالث والثلاثون بعد المائة: مَن صبر على حرِّ مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائة عام، ذكرهما الحسن في "رسالته" عن النبي ﷺ (١). * الرابع والثلاثون بعد المائة: قواعد البيت في الأرض السابعة السفلى، كما تقدم عن مجاهد في "الباب الأول". والحمد لله على التيسير. * * *

стр. 221

* الكتاب الثاني * في المسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام وما يتعلق به (١) وفيه ثمانية عشر بابًا الباب الأول في ذكر بنائه (٥٦/ ب): * قَدم النبي ﷺ المدينة يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، وقيل: لليلتين خلتا منه، وقيل: لهلال ربيع الأول. قال ابن الجوزي: والأول أصح، وجزم به ابن النجار، وزاد: حين اشتدَّ الصبح. وكذا جزم به النووي في زوائده من كتاب السِيَر من "الروضة". وقيل: قدَمها لثمان خلون من ربيع الأول. وفي "الإكليل" عن الحاكم: تواترت الأخبار بذلك. وقيل: لثمان عشرة، وقيل: بضع عشرة ليلة. وعند البيهقي: لاثنتين وعشرين ليلة. وعند ابن حزم: "خرجنا من مكة وقد بقي من صفر ثلاث ليالٍ" وقال البرقي: قدمها ليلًا، وقيل: قدم لثلاث عشرة ليلة مضت منه. ولما ورَّخوا من الهجرة ردوا التاريخ إلى المحرَّم؛ لأنه أول السنة. * ولما دخل ﷺ المدينة مكث بقبا ثلاث ليالٍ ثم ركب يوم الجمعة فمرّ على بني سالم فجمَّع بهم فكانت أول جمعة صلّاها بالمدينة، ثم ركب من بني

стр. 222

سالم فجعل كلما مرّ على دار من دُور الأنصار يدعونه إلى المقام عندهم يقولون: يا رسول الله هلمّ إلى القوة والمنعة، فيقول: خلُّوا سبيلها، يعني: الناقة؛ فإنها مأمورة، وقد أرخى زمامها وما يحركها وهي تنظر يمينًا وشمالًا حتى إذا أتت إلى باب مسجده، وهو يومئذ مربد للتمر لسُهَيْل وسهل ابني رافع وعمرو بن مالك بن عباد ابن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، وقيل: في حجر معاذ بن عفراء، وقيل: لأبي أيوب. ثم ثارت وهو عليها حتى بركت على باب أبي أيوب الأنصاري، ثم ثارت منه وبركت في مبركها الأول وألقت جرانها بالأرض وأرزَمَتْ. والجران: باطن العنق، وأرزمت الناقة: صوَّتت من غير أن تفتح فاها. فنزل عنها رسول الله ﷺ وقال: "هذا المنزل إن شاء الله تعالى"، واحتمل أبو أيوب رحله وأدخله بيته، فقال رسول الله ﷺ (٥٧/ أ) المرء مع رحله، فمضت مثلًا. * وذكر ابن إسحاق فى "المبتدأ" أن هذا البيت الذي لأبي أيوب بناه تبَّع الأول، واسمه: تبَّان أسعد لمَّا مرّ بالمدينة، وترك فيها أربعمائة عالم، وكتب كتابًا للنبي ﷺ ودفعه إلى كبيرهم وسأله أن يدفعه للنبي ﷺ ، فتداول الدار الملاك إلى أن صارت لأبى أيوب وهو من ولد ذلك العالم، قال وأهل المدينة الذين نصروه من ولد أولئك العلماء، فعلى هذا: إنما نزل في منزل نفسه لا في منزل غيره. * وأرسل رسول الله ﷺ إلى ملأ بني النجار بسبب موضع المسجد، فقال: "يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا"، فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. وحديث إرساله ﷺ إلى بني النجار في "الصحيح" (١)،

стр. 223

وظاهره: أنهم لم يأخذوا ثمنه. وذكر محمد بن سعد في "التاريخ الكبير"، عن الواقدي، عن معمر، عن الزُّهري: أنه ﷺ اشتراه من بني عفراء بعشرة دنانير ذهبًا دفعها أبو بكر الصديق ﵁، فهذا من مراسيل الزُّهري، ومراسيله إذا صحَّت عنه: فهي من أضعف المراسيل، فكيف إذا انفرد بها الواقدي! ! فإن صحّ هذا؛ فهو دليل: على أن الغلامين كانا قد بلغا الحُلُم. وروي عن الحسن أنهما وهباه للنبي ﷺ فقبله. ونقل ابن عقبة: أن أسعد عوَّضهما عن مربدهما نخلًا له في بني بياضة. وذكر بعضهم: أن أسعد مات قبل أن يُبنَى المسجد، فابتاعه النبي ﷺ من وليهما. وعن أبي معشر: اشتراه أبو أيوب منهما، فأعطاه رسول الله ﷺ ، فبناه مسجدًا، فكان فيه خِرَبٌ ونخلٌ وقبور المشركين، فأمر النبي ﷺ بالقبور فنُبِشت، وبالخِرَب فسُوِّيَتْ، وبالنخل فقُطِع، فصفوا النخل قِبْلة له، وجعلوا عضادتيه (١) حجارة. وعمل فيه النبي ﷺ بنفسه الشريفة ترغيبًا لهم (٢)، (٥٧/ ب) حتى نقل بعضهم عن زيد قال "خرج رسول الله ﷺ ومعه حجر، فلقيه أُسيْد بن حضير، فقال: يا رسول الله أعطنيه، فقال اذهب فاحْتَمِل غيره فلسْتَ بأفقر إلى الله تعالى مني".

стр. 224

وبناه ﷺ مربعًا، وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل طوله: سبعين ذراعًا في ستين أو يزيد، وذكر بعضهم أن ذرعه كان من القبلة إلى حده الشامي: أربعة وخمسين ذراعًا وثُلثَي ذراع، ومن المشرق إلى المغرب: ثلاث وستون ذراعًا، فيكون ذلك مكسَّرًا: ثلاثة آلاف وأربعمائة وأربعة وأربعين ذراعًا، وهذا محمول على بنائه في المرة الأولى. فإنه ﷺ بناه مرتين - كما قال المحب بن النجار في كتابه: "الدرة الثمينة في أخبار المدينة": المرة الأولى: حين قدم أقل من مائة في مائة، فلما فتحت خيبر بناه وزاد عليه في الدُّور مثله، وكان قد جعل له ثلاثة أبواب: بابًا في مؤخره، وباب عاتكة وهو باب الرحمة، والباب الذي كان يدخل منه النبي ﷺ ، وهو باب عثمان. ولما صُرفت القبلة إلى الكعبة وكان قد أقام ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا: سدَّ الباب الذي كان خلفه وفتح بابًا حذاءه، فكان المسجد له ثلاثة أبواب: باب خلفه، وباب عن يمين المصلي، وباب عن يساره. وأقام رهطًا على زوايا المسجد ليعدل القبلة حين حُوَّلت، فأتاه جبريل ﵇ وكشف له عن الكعبة، وقال: يا رسول الله ضع القبلة وأنت تنظر، فوضع وهو ينظر إلى الكعبة لا يَحُول دون نظره شيء فلما فرغ قال جبريل ﵇: هكذا، فأعاد الجبال والشجر والأشياء على حالها: فصارت قِبلتُه إلى الميزاب. وذكر بعضهم: أنه بُني أولًا بالسميط لَبِنَة على لَبِنَة، ثم بالسعيدة لَبِنَة ونصف، ثم بالذكَر والأنثى وهي لبنتان مختلفتان، فجعلوا (٥٨/ أ) خَشَبَهُ وسواريه جذوعًا، وظلَّلوه بالجريد، ثم بالخصف، فلما وَكَف عديهم: طينوه بالطين. وتوفي رسول الله ﷺ والمسجد كذلك، ولم يزد أبو بكر ﵁ في المسجد شيئًا لاشتغاله بالفتح ثانيًا، فلما وَلىَ عمر قال أني أزيد في

стр. 225

المسجد ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ينبغي أن يزاد في المسجد" ما زدت فيه شيئًا (١). وروى الإمام أحمد: أن عمر زاد في المسجد من الاسطوانة إلى المقصورة. وزاد عثمان، فقال عمر: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ينبغي أن نزيد في مسجدنا" ما زدت فيه (٢). * وذكر ابن النجار وغيره: أن النبي ﷺ قال يومًا وهو في مصلَّاه في المسجد "لو زدنا في مسجدنا"، وأشار بيده الكريمة نحو القبلة (٣). فلما وَلي عمر وأراد الزيادة أجلسوا رجلًا في المصلى ثم رفعوا يده وخفضوها، ثم جيء بمقاط، فوضعوا طرفه بيد الرجل ثم مدَّوه، فلم يزالوا يقدمونه ويؤخرونه حتى رأوا أن ذلك شبيه بما أشار به النبي ﷺ ، فكان موضع جدار عمر رضي الله تعالى عنه في القبلة. وجعل عمر طول المسجد: أربعين ومائة ذراع (٤)، وعرضه: عشرون ومائة ذراع، وبدل أساطينه بأُخر من جذوع النخل- كما كانت على عهده ﵊ وسقَفه بجريد وجعل له ستة أبواب: بابين عن يمين القبلة، وبابين عن يسارها، وبابين خلفها. ثم قال لما فرغ من زيادته: لو انتهى بناؤه إلى الجبَّانة لكان الكل مسجد رسول الله ﷺ . وقال أبو هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول "لو زيد فى هذا المسجد ما زِيد لكان الكل مسجدي".

стр. 226

وفي رواية: "لو بُني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي، فلو مُدَّ إلى باب داري ما عددت الصلاة فيه" (١). وعن ابن أبي ذئب (٢): أن عمر بن الخطاب قال: لو مُدّ مسجد رسول الله ﷺ إلى ذي (٥٨/ ب) الحليْفة لكان منه. وقال عمر ابن أبي بكر (٣) الموصلي: بلغني عن ثقات: أن رسول الله ﷺ قال: "ما زيد في مسجدي فهو منه ولو بلغ ما بلغ" (٤). وفي "الصحيح" عن ابن عمر: أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيًّا باللبن، وسقفه الجريد، وعُمُده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر ﵁ شيئًا، وزاد فيه عمر ﵁، وبناه على بنائه في عهد رسول الله ﷺ باللبن والجريد وأعاد عُمُده خشبًا، ثم غيَّره عثمان وزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقَصَّة وجعل عُمُده من حجارة منقوشة وسَقَفه بالساج (٥) - انتهى. "القَصَّة" بفتح القاف والصاد المهملة: الجَصّ. و"الساج": بالسين المهملة والجيم: خشب أسود رزين يجلب من الهند ولا تكاد الأرض تُبليه. * قال أهل السِّيَر: جعل عثمان ﵁ طول المسجد: مائة وستين ذراعًا، وعرضه: مائة وخمسين، ولم يغيّر أبوابه عن ستة.

стр. 227

وكان بناؤه على المشهور: سنة ثلاثين، وقيل: في آخر سنة من خلافته. قال ابن حجر: ويمكن الجمع بأن الأول: كان تاريخ ابتدائه، والثاني: تاريخ انتهائه. * وذكر ابن النجار: أن عمله في أول شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين، وفرغ منه لهلال المحرم سنة ثلاثين، وقيل: ليلة الجمعة لليلة بقيت من ذي الحجة، وقيل: يوم الجمعة ثاني عشر ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. ثم زاد فيه الوليد بن عبد الملك؛ فجعل طوله: مائتي ذراع، وعرضه في مقدَّمه: مائتين، وفي مؤخره: مائة وثمانين، وكانت زيادته على يد: عمر ابن عبد العزيز، وكان عامله على المدينة ومكة، وكان استعماله عليها سنة سبع وثمانين، وبعث إلى عمر بمالٍ، وقال له: "زد في المسجد ومن باعك فأعطه ثمنه، ومن أبى فاهدم عليه وأعطه المال، فإن أبي أن يأخذه فاصرفه إلى الفقراء. * وأرسل إلى ملِك الروم أيضًا فقال إنا نريد أن نعمِّر مسجد (٥٩/ أ) نبيِّنا الأعظم فأعنا بعمال وفسيفساء، فبعث إليه ثمانين عاملًا من الروم وأربعين من القُبط وثمانين ألف مثقال وأحمالًا من الفسيفساء وأحمالًا من سلاسل القناديل. واشترى عمر بن العزيز الدُّور، وأدخلها مع حجرات النبي ﷺ ، وأدخل القبر الشريف فيه، وبناه بالحجارة المنقوشة المطابقة، وقَصَّه بطن نخلٍ، وعمله بالفسيفساء والمرمر، وعمل سقفه بالسَّاج وماء الذهب، واعتنى بتحسينه حتى كان العامل إذا عمل الشجرة الكبيرة من الفسيفساء فأحسن عمله نفله ثلاثين درهمًا.

стр. 228

ولما فرغ؛ أرسل إلى أبَان بن عثمان فحمل في كساء خزّ، فقال له عمر: أين هذا من بنيانكم؟ فقال: بنيناه بناء المساجد، وبنيتموه بناء الكنائس. ويقال: إن السائل له هو الوليد نفسه. * ونقل السهيلي: أن الحُجَر والبيوت خلطت بالمسجد في زمن عبد الملك ابن مروان، ورجَّح في "تحقيق النصرة": الأول. وقد قال عطاء الخراساني: أدركت حُجَر أزواج النبي ﷺ من جريد النخل، على أبوابها المسوح من شعر أسود، كل مَسح ثلاثة أذرع في ذراع. وكان باب عائشة مواجه، الشام وكان بمصراع واحد من عرعر أو ساج. قال عطاء: وحضرت كتاب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز يأمر فيه بإدخال حُجَر أزواج النبي ﷺ في مسجده، فما رأيت باكيًا أكثر من (١) ذلك اليوم. وسمعت سعيد بن المسيَّب يقول يومئذ: والله لوددت لو تركوها على حالها؛ ينشأ ناس من المدينة ويقدُم القادم من الأفق: فيرى ما اكتفى به رسول الله ﷺ في حياته فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والفخر. * قال أهل العلم: فبينا العمال من الروم يعملون يومًا وقد خلا المسجد لهم، فقال أحدهم لأصحابه: لأبولنَّ على قبر نبَيِّهم، فنهوه؛ فأبى، وتهيأ لذلك، فأُلقي على رأسه فانتثر دماغه، فأسلم بعض أولئك العمال (٥٩/ ب) لذلك. * وأول من أحدث الشرافات والمحراب: عمر بن عبد العزيز، ويقال: عملها عبد الواحد البصري وكان واليًا، وجعل للمسجد أربع منارات في كل ركن واحدة.

стр. 229

* وكان هدمه للمسجد: سنة إحدى وتسعين، وقيل: سنة ثمان وثمانين، وفرغ منه سنة إحدى وتسعين. قال في "تحقيق النصرة": وهو أشبه. وفيها حج الوليد، وقيل: هدمه سنة ثلاث وتسعين، ويضعِفه: أنها سنة عزل عمر عن المدينة. * قال ابن النجار: وطول المسجد في السماء: خمس وعشرون ذراعًا، ثم زاد فيه المهدي: مائة ذراع من جهة الشام فقط دون الجهات الثلاث. * * *

стр. 230

الباب الثاني في فضله: في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى" (١). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله قال: "إني آخر الأنبياء، وإن مسجدي آخر المساجد" (٢). وفي رواية عن عائشة: "أنا خاتم الأنبياء، ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء، أحق المساجد أن يُزار وُيركب إليه الرواحل" (٣). وفي صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدري قال: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله، أيّ المسجد الذي أسس على التقوى؟ فأخذ كفًا من الحصى فضرب به الأرض، ثم قال: "هو مسجدكم هذا" (٤)؛ لمسجد المدينة. وقال في "تحقيق النصرة": وينبغي أن نُورد ما رويناه من حديث أحمد أن رسول الله ﷺ قال: "من صلى في مسجدي أربعين صلاة كتب الله له براءة

стр. 231

من النار وبراءة من العذاب وبراءة من النفاق" (١). وذكر ابن الجوزي وابن النجار أن النبي ﷺ قال: "من خرج على طُهر لا يريد إلا الصلاة في مسجدي حتى يصلي فيه: كان بمنزلة حجة" (٢). وذكر ابن النجار أيضًا: أن النبي ﷺ (٦٠/ أ) قال: "من دخل مسجدي هذا يتعلم فيه خيرًا أو يعلِّمه كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن دخله لغير ذلك من أحاديث الناس كان كالذي يرى ما يعجبه وهو لغيره" (٣). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيرًا أو ليعلِّمه كان كالمجاهد في سبيل الله. ومن دخله لغير ذلك كان كالناظر إلى ما ليس له" (٤). وفي رواية له أيضًا "ومن جاءه لغير ذلك فهو بمنزلة رجل ينظر إلى متاع غيره" (٤). وروى ابن ماجه، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلِّمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاءه لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره" (٥). * * *

стр. 232

الباب الثالث في فضل الصلاة فيه: * قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "الصلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلَّا المسجد الحرام" (١). وذكر في "المستوعب" وغيره: أن الصلاة فى مسجد النبى ﷺ بخمسين ألفًا. وقد رواه ابن ماجه من حديث أنَس عن النبي ﷺ ، إلَّا أن في إسناده أبا الخطاب وهو لا يُعرف، قال بعضهم: ولا يصح! ! مع أن فيه إنها في المسجد الأقصى بخمسين ألفًا (٢). * وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: الصلاة بالمسجد الحرام بمائة ألف وبمسجد المدينة بألف، وإن الصواب: في الأقصى بخمسمائة (٣). وما قاله (٤) الشيخ تقي الدين. هو حديثا رواه البزار والطبراني، من حديث أبي الدرداء - كما يأتي في الأقصى إن شاء الله. لكن هذه المضاعفة؛ هل تخُتص بما كان فى زمن النبى ﷺ من مسجده، أم حُكمُ الزيادة حُكم الأصل؟

стр. 233

* قال ابن عقيل: الأحكام المتعلقة بمسجد النبي ﷺ لما كان في زمانه لا ما زيد فيه لقوله ﵇: (٦٠/ ب) في مسجدي هذا، وكذا قال الشيخ محي الدين النووي. وقال ابن مفلح في "آدابه": وهذه المضاعفة تخُتَصُّ بالمسجد على ظاهر الخبر. وقول العلماء من أصحابنا وغيرهم. واختار الشيخ تقي الدين ابن تيمية: أن حكم الزائد حكم المزيد عليه. قال الشيخ تقي الدين السبكي: اختلفوا؛ إذا وُسِّع عما كان عليه في زمن النبي ﷺ ، هل تثبت هذه الفضيلة له أو تخُتص بالقدْر الذي كان في زمنه ﷺ ؟ وممن رأى الاختصاص النووي للإشارة بقوله: "مسجدي هذا". ورأى جماعة عدم الاختصاص، وأنه لو وسّع: فهو مسجده - كما في مسجد مكة إذا وُسّع، فإن تلك الفضيلة ثابتة له، وقد قيل: إن مسجد النبي ﷺ كان في حياته سبعين ذراعًا في ستين ذراعًا - انتهى كلام السُّبكي. * وقال الشيخ زين الدين ابن رجب في "شرح البخاري" (١): وحكم الزيادة حكم المزِيد فيه في الفضل أيضًا، فما زِيد في المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ : كلُّه مسجد، والصلاة فيه سواة في المضاعفة والفضل. وقد قيل: إنه لا يُعلم عن السَّلف في ذلك خلاف، إنما خالف فيه بعض المتأخرين من أصحابنا؛ منهم: ابن عقيل وابن الجوزي. ولكن؛ قد رُوي عن الإمام أحمد التوقف (٢) في ذلك؛ قال الأثرم: قلت

стр. 234

لأبي عبد الله: الصف الأول في مسجد النبي ﷺ أيُّ- صيف هو؟ ؛ فإني رأيتهم يتوخّرون دون المنبر ويدعون الصف الأول! قال: ما أدري. قلت لأبي عبد الله: فما زيد في مسجد النبي ﷺ فهو عندك منه؟ فقال: وما عندي! ! إنما هم أعلم بهذا يعني أهل المدينة! وقد روى عمر بن شبة في كتاب "أخبار المدينة" بإسناد فيه نظر، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لو بني المسجد إلى صنعاء لكان مسجدي"، فكان أبو هريرة يقول: "لو مُدَّ هذا المسجد إلى باب داري ما عدوت أن أصلي فيه" (١). وبإسناد فيه ضعف، عن ابن عمر قال: زاد عمر في المسجد (٦١/ أ) في شاميِّهِ، ثم قال: لو زدنا فيه حتى يبلغ الجبَّانة: كان مسجد النبي ﷺ . وبإسناد عن ابن أبي ذئب قال: قال عمر: لو مُدَّ مسجد النبي ﷺ إلى ذي الحُلَيْفة كان منه، وكذلك الزيادة في المسجد الحرام. وقد ذكر الشافعية: أنه لو حلف أن يدخل هذا المسجد؛ فزِيد فيه: فدخل موضع الزيادة: لم يحنث، ولو حلف لا يدخل مسجد بني فلان؛ فزيد فيه: فدخل موضع الزيادة: حنَث. وهذا مما يشهد؛ لأن حكم الزيادة حكم المزيد في المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ ؛ لأنه عرَّف المسجد الحرام بالألف واللام ومسجده بإضافته إليه، ولكنه جمع بين الإشارة إليه وتعريفه بالإضافة فقال: "مسجدي هذا". انتهى كلام الشيخ زين الدين رحمه الله تعالى. * وذكر الرافعي في "الفروع المنثورة" آخر "كتاب الأَيْمان" عن الحنفية

стр. 235

ووافقهم: أنه لو حلف لا يدخل هذا المسجد؛ فزِيد فيه: فدخل موضع الزيادة: حنث. قال في "الروضة": وفيه نظر، وينبغي أن لا يحنث بدخولها؛ لأن اليمين لم يتناولها حالة الحلف. * * *

стр. 236

الباب الرابع في ذكر منبر النبي ﷺ -: * في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: "ومنبري على حوضي" (١). وفي تفسيره أقوال: أحدها: أنه يُنصب على حوضه يوم القيامة. والثاني: أن له منبرًا ينصب على حوضه. والثالث: من لزم عبادة الله تعالى عند المنبر سُقي من الحوض يوم القيامة. وذكر ابن الجوزي في "مثير الغرام الساكن"، بسنده: أن النبي ﷺ قال: "منبري على ترعة من تُرع الجنة" (٢). وفي الترعة ثلاثة أقوال؛ ذكرها أبو عبيد: أحدها: أنها الروضة تكون على المكان المرتفع خاصة، فإذا كانت في المكان المطمئن فهي روضة. والثاني: أنها الباب. والثالث: أنها الدرجة.

стр. 237

وقد كان النبي ﷺ يخطب أولًا إلى جذع ولم يكن له منبر، حتى قالت له امرأة من الأنصار من بني (٦١/ ب) ساعدة، ويقال امرأة رجل منهم يقال لها: مينا، إن لي غلامًا نجارًا ألا أجعل لك أعوادًا تجلس عليهن إذا كلَّمت الناس. قال: "إن شئت"؛ فعمِلَت له المنبر ثلاث درج وهو من طرفاء (١) الغابة (٢). واسم الغلام: مينا، ويقال: إبراهيم. وقيل: صنعه غلام عمه العباس، واسمه: صباح، وقيل: كلاب. وفي "أبي داود": إنما عمله تميم الداري، وقيل: عمله غلام لسعيد بن العاص يقال له: باقول، وقيل: عمله غلام لرجل من بني مخزوم. * وكان اتخاذ المنبر: سنة ثمان من الهجرة- كما نقله ابن النجار. فجلس النبي ﷺ على المجلس ووضع رجليه على الدرجة الثانية. فلما ولي أبو بكر ﵁؛ قام على الدرجة الثانية ووضع رجليه على الدرجة السفلى. فلما وَلي عمر ﵁؛ قام على الدرجة السفلى ووضع رجليه على الأرض إذا قعد. فلما وَلي عثمان ﵁؛ فعل مثل ذلك سنتين (٣) من خلافته، ثم علا إلى موضع النبي ﷺ ، وكَسَى المنبر قبطيَّة، وهو أول من كساه، فسرقتها امرأة، فأُتِىَ بها، فقال لها: سرقتِ؟ قولي لا! فاعترفت؛ فقطعها. واتفق لامرأة مع ابن الزبير مثل ذلك.

стр. 238

وطوله - كما حكاه ابن النجار: ذراعان في السماء وثلاث أصابع، وعرضه: ذراع راجح، وطول صدره وهو مستَنَد النبي ﷺ وسلم: ذراع، وطول رمانتي المنبر اللتين كان النبي ﷺ يمسكهما بيديه الكريمتين إذا جلس: شبر وإصبعان، وتربيعُهُ: سواء، وعدد درجاته: ثلاث بالمقعد، وفيه خمسة أعواد من جوانبه الثلاثة. وهذا؛ كان في حياته ﵊، وفي خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. فلما حجّ معاوية: كساه قبطية، وليس هو أول من كساه - كما تقدم. و"القبطية" - بضم القاف وقد "عسر مع سكون الباء الموحَّدة فيهما-: ثياب رقاق من مصر. ثم كتب معاوية إلى مروان وهو عامله على المدينة: أن ارفع المنبر (٦٢/ أ) عن الأرض، فدعا النجارين ورفعوه عن الأرض، وزاد من أسفله ست درجات ورفعوه عليها، فصار للمنبر تسع درجات بالمجلس. * واحترق المسجد الشريف: ليلة الجمعة أول شهر رمضان سنة أربع وخمسين وستمائة. ونقل أبو شامة: أن ابتداء حريقه من زاويته الغربية من الشمال، واحترق أبو بكر الفرَّاش في حاصل المسجد تلك الليلة، واتصلت النار بالسقف سَرِعة، ثم دبّت في السقوف أخذت قبلة فأعجلت الناس عن قطعها، فما كان إلا ساعة حتى احترقت سقوف المسجد ولم يبقَ خشبة واحدة ووقع بعض أساطينه وذاب رصاصهما، وكل ذلك؛ قبل أن ينام الناس، وسقط السقف الذي كان على أعلى الحجرة المقدسة فوق سقف بيت النبي ﷺ ، ووقع ما وقع منه في الحجرة وبقي على حاله، فكُتِب بذلك إلى الخليفة المعتصم بالله من المدينة في شهر رمضان، فوصلت الالآت صحبة الصنَّاع مع ركب العراق، وابتُدئ بعمارته: أول سنة خمس وخمسين وستمائة.

стр. 239

وعمل الملك المظفر صاحب اليمن منبرًا رُمَّانتاه من الصندل، وأرسله: في سنة ست وخمسين وستمائة، ونصب في موضع منبر النبي ﷺ ، وبقي عشر سنين يُخْطَبُ عليه إلى سنة ست وستين وستمائة أرسل الملك الظَّاهر هذا المنبر الموجود اليوم وعدد درجاته سبع بالمقعد. * قال في "تحقيق النُصرة": ثم في عشر الستين وسبعمائة؛ اشتُريَتْ قرية من بيت المال بمصر ووقفت على كُسْوة الكعبة المشرفة في كل سنة وعلى كسوة الحجرة المقدسة والمنبر الشريف في كل لست سنين مرة يُعمل من الديباج الأسود مرقوم بالحرير الأبيض إلَّا كسوة المنبر فإنه بتقصيص أبيض. * * *

стр. 240

الباب الخامس في ذكر الروضة: في الصحيح، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة" (١). وفي رواية: ما بين بيتي ومنبري روضة (٦٢/ ب) من رياض الجنّة" (٢). * واختلفوا فيه على أربعة أقوال: أحدها: أنَّه من الجنّة كما أن الحجر الأسود من الجنّة. الثاني: أنَّه يريد بذلك أنَّه سبب لرياض الجنّة، كما في الحديث: "الجنّة تحت ظلال السيوف" (٣) وما أشبهه. الثالث: لما كانت الجنّة يحصل فيها سرور وفرح وكان هذا المكان يحصل فيه ذلك، شُبِّه بذلك. الرابع: قال الخطَّابي: معناه من لزم طاعة الله في هذه البقعة آلت به الطاعة إلى روضة من رياض الجنّة. قلت: وما قاله الخطَّابي ليس بظاهر؛ لأن من لزم طاعة الله تعالى في بقعة من البقاع التي تصلح للتعبُّد غير هذه، آلت به الطاعة إلى روضة من

стр. 241

رياض الجنّة، فلا فرق بينها وبين غيرها. إذًا (١)؛ والنبي ﷺ إنما قال ذلك تبيينًا لفضلها وتمييزًا لها على (٢) غيرها وتنويها بعلو قدرها. والذي يظهر: أن أقوى الأقوال: الأول؛ لأنه أبلغ في إظهار الفضيلة، وبه يُحمل اللفظ على حقيقته ولا مانع من ذلك، وإن كان ابن حزم قد أنكر ذلك؛ فلا عبرة بإنكاره مع إثبات سيد المرسلين له مع أنَّه ما ينطق عن الهوى. وإذا حُمل اللفظ على حقيقته: ظهرت الفضيلة والمزيَّة. أما إذا حُمل على شيء من التأويلات المذكورة: فإنها تبقى حينئذ هي وغيرها على حدٍّ سواء، فأي فضل أو أي مزية تبقى لها. وذكر في "تحقيق النصرة": أن ذرع ما بين القبر المقدِّس والمنبر الشريف ثلاث وخمسون ذراعًا، وفي رواية: أربع وخمسون ذراعًا وسدس ذراع. * * *

стр. 242

الباب السادس في حنين الجذع الَّذي كان في مسجد النبي ﷺ -: * قد ثبت في "الصحيح": أن النبي ﷺ كان يخطب إلى جذع، فلما اتُّخذ له المنبر وتحوَّل عليه: سُمع لذلك الجذع صوت كصوت العِشار حتَّى نزل النبي ﷺ فضمه إليه فجعل يئن أنين الصبي الَّذي يسكن حتَّى استقر قال: "بكت على ما كانت تسمع من الذكر عندها" (١). وفي رواية خارج "الصحيح": "لو لم أحتضنه لَحَنَّ إلى يوم (٦٣/ أ) القيامة" (٢). وفي رواية: "خارَ كَخِوار الثور حتَّى ارتج المسجد من خُواره تحزُّنا على رسول الله ﷺ " ... (٣). وفي رواية "فحَنَّ الجِذع حنينًا رقّ له أهل المسجد، فأتاه فوضع يده عليه فسكن وأقلع (٤). وقال: إن شئت أن أردُّك إلى الحائط الَّذي كنت فيه كما كنت ينبت لك عروقك ويكمل خلقك وجُدد خوصك وثمرك، وإن شئت أن أغرسك في الجنّة فيأكل أولياء الله تعالى من ثمرك، ثم أصغي إليه النبي ﷺ رأسه يسمع ما يقول، قال: بل تغرسني في الجنّة فيأكل مني أولياء الله تعالى

стр. 243

وأكون في مكان لا أبْلي فيه، فسمعه من يليه، فقال النبي ﷺ : فنعم قد فعلت، فعاد إلى المنبر ثم أقبل على الناس، فقال: خيَّرته كما سمعتم فاختار أن أغرسه في الجنّة، اختار دار البقاء على دار الفناء". وفي رواية: فغاب الجِذع فذهب، والله أعلم. * وكان الحسن رحمه الله تعالى؛ إذا حدَّث بحديث الجذع بكى، وقال يا عباد الله، الخشبة تحنُّ إلى رسول الله ﷺ شوقًا إليه؛ لمكانه من الله تعالى، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه. * * *

стр. 244

الباب السابع في ذكر بناء الجدار الَّذي سقط في زمن الوليد بن عبد الملك: * قد ثبت في "صحيح البخاري"، عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما سقط عليهم الحائط في زمان الوليد بن عبد الملك، أخذوا في بنائه، فبدت لهم قدم، ففزعوا وظنوا أنها قدم النبي ﷺ ، فما وجد واحد يعلم ذلك، حتَّى قال لهم عروة: لا والله ما هي قدم النبي ﷺ ، ما هي إلَّا قدم عمر ﵁ (١). والسبب في ذلك؛ ما رواه أبو بكر الآجُرِّي، من طريق شُعَيْب بن إسحاق، عن هشام بن عروة: أخبرني أبي، قال: كان الناس يصلُّون إلى القبر، فأمر به عمر بن عبد العزيز فرُفع؛ حتَّى لا يُصَلِّي إليه أحد، فلما هدم، بدت قدم بساق وركبة، ففزع عمر بن عبد العزيز، فأتاه عروة، فقال هذا: ساق عمر وركبته، فسرِّي عن عمر (٦٣/ ب) بن عبد العزيز. * قال في "تحقيق النصرة": ولم يَردْ أن أحدًا دخل بيت النبي ﷺ عند القبر المقدس بعد موت عائشة ﵂؛ إلَّا ما حكاه ابن زُبالة، وتبعه ابن النجَّار: أن جدار الحُجرة الشريفة الَّذي يلي موضع الجنائز لما سقط في زمان عمر بن عبد العزيز وظهرت القبور المقدسة، قالوا: فما رؤي بكاء أكثر منه في ذلك اليوم، فأمر بقباطي فخيطت ثم سترها، وأمر ابن وردان أن

стр. 245

يكشف عن الأساس، فبينا هو يكشف؛ رفع يده وتنحَّى قائمًا، فقام عمر ابن عبد العزيز فزعًا، فرأى قدمين وعليهما الشعر، وراء الأساس، فقال له عبيد الله بن عبد الله بن عمر وكان حاضرًا: لا يَرُعْك فهما قدما جدك عمر ابن الخطاب ﵁ ضاق البيت عنه، فحفروا له في الأساس، فقال عمر: يا ابن وردان! غطِّ ما رأيت، ففعل، ولما فرغوا منه ورفعوه؛ دخل مزاحم مولى عمر من كوة جُعلت فيه، فقمَّ ما سقط على القبر من طين وتراب، ونزع القباطي، فكان عمر يتمنى أن لو كان تولّى ذلك. ثم لم يَرِدْ أن أحدًا دخل بعد بناء عمر بن عبد العزيز لهذا الحايز؛ إلَّا ما حكاه ابن النجار: أن في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، سُمع من داخل الحجرة الشريفة هدَّه، وكان الوالي يومئذ بالمدينة الشريفة الأمير قاسم بن مهنَّا الحسيني، وكان يفهم العلم فذُكِرَ له ذلك، فقال: ينزل شخص من أهل الدين والصلاح (١)، فلم يجدوا يومئذ أمثل حالًا من الشيح: عمر النَّسائي شيخ شيوخ الصوفية بالموصل (٢)، وكان مجاورًا، فكلَّموه في ذلك عن الأمير، فامتنع واعتذر بمرض كان به يحتاج معه إلى الوضوء في غالب الوقت، فألزمه الأمير قاسم بالدخول، فقال: أمهلوني حتَّى أروِّض نفسي، فيقال: إنه امتنع من الأكل والشرب مدة، وسأل الله تعالى إمساك المرض عنه بقدر ما يبصر ويخرج، فأنزلوه بالحبال من بين السقفين من الطايف المذكور، فنزل بين حائط النبي ﷺ (٦٤/ أ) وبين الحايز ومعه شمعة يستضيء بها، ومشى إلى باب البيت ودخل من الباب إلى القبور المقدسة، فأزاله، وكنس ما عليها من التراب بلحيته، وكان مليح الشيبة، وأمسك الله

стр. 246

عنه المرض بقدر ما دخل وخرج وعاد إلى وجهه. * وذكر ابن النجار: أن في سنة أربع وخمسين وخمسمائة في أيام قاسم المذكور؛ وجدوا من داخل الحجرة الشريفة رائحة متغيِّرة، فذكروا ذلك للأمير، فأمرهم بالنزول، وتعيين من يصلح، فأُنزل الطواشي بيان أحدَ خدام الحجرة الشريفة، ونزل معه الصفي الموصلي متولي عمارة المسجد، ونزل معهما هارون الشاذي الصوفي بعد أن سأل الأمير ذلك وراجعه وبذل له جملة من المال، فوجدوا هرًّا قد سقط من الشباك الذي في أعلا الحايز بين الحايز وبيت النبي ﷺ وجيَّف، فأخرجوه وطيبوا مكانه، وكان نزولهم يوم السبت حادي عشر ربيع الآخر. * * *

стр. 247

الباب الثامن في ذكر آثار حسنة في المسجد الشريف: * منها؛ قول النبي ﷺ : "سدوا عني كل باب في هذا المسجد إلَّا باب أبي بكر" (١). وذكر ابن النجار: أن خوخة أبي بكر كانت غربي المسجد قريب المنبر، ولما زادوا في المسجد إلى حدّه من المغرب نقلوا الخوخة وجعلوها مثل مكانها. انتهى. * ومثال باب خوخته: باب خزانة لبعض حواصل المسجد إذا دخلتَ من باب السلام كانت على يسارك قريبًا من الباب. * وفي سنة ست وسبعين وخمسمائة: أُحْدِث في صحن الحرم الشريف قبة كبيرة، عمَّرها الإمام الناصر لدين الله لحفظ حواصل الحرم الشريف وذخائره، مثل: المصحف الكريم العثماني، وعدة صناديق كبار متقدمة التاريخ، صنعت بعد الثلاثمائة من الهجرة جميعها سالمة فيها إلى اليوم، وقد سلمت من الحريق ببركة القرآن الكريم، ولكونها متوسطة في المسجد، ولله الحمد والمنَّة. * وفي سنة تسع وعشرين وسبعمائة: أمر السلطان الملك الناصر محمد ابن قلاوون بإنشاء رواقين من جهة القبلة، فاتسع (٦٤/ ب) مسقَّف القبلي بهما وعمَّ نفعهما.

стр. 248

الباب التاسع في فضل المدينة: * وذكر ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن" (١)، بسنده إلى النبي ﷺ أنَّه قال: "من استطاع أن يموت بالمدينة فليَمُت فإن من مات بالمدينة شفعت له يوم القيامة" (٢). * وذكر أيضًا عن النبي ﷺ أنَّه قال: "غبار المدينة شفاء من الجذام" (٣). وذكر أيضًا، عن عائشة ﵂ أنها قالت: كل البلاد افتُتحت بالسيف وافتُتحت المدينة بالقرآن وهي مهاجر رسول الله ﷺ ومحل أزواجه وفيها قبره" (٤). * وكان مالك بن أنس يقول في فضلها: هي دار الهجرة والسنَّة، وهي محفوفة بالشهداء، واختارها الله تعالى (٥) لنبيه ﷺ ؛ فجعل قبره بها، وبها روضة من رياض الجنّة، وفيها منبر رسول الله ﷺ . (٦)

стр. 249

* في "الصحيح" عن النبي ﷺ أنه قال: "اللهم اجعل بالمدينة ضِعفَى ما جعلت بمكة من البركة" (١). وفيه أيضًا، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا يكيد أحد أهل المدينة إلَّا انماع كما ينماع الملح في الماء" (٢). وفيه أيضًا؛ أنَّه قال: "على إنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدَّجال" (٣). وفيه أيضًا؛ أنَّه ﷺ قال: "لا يصبر أحد على لأوائها وجهدها إلَّا كنت له شفيعًا - أو شهيدًا - يوم القيامة" (٤). وفيه أيضًا عن النبي ﷺ أنَّه قال: "أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد" (٥). قيل: تأكل القرى؛ لأنها مركز جيوش الإسلام، أو لأن أول الإسلام منها، أو لأن أكلها وميرتها (٦) يكون من القرى المفتتحة؛ لأن الغنامْ تُساق إليها، أو لأنها تفرغ القرى بوجوب المعجزة (٧) إليها فكأنها أكلتها. وفيه أيضًا؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الإيمان ليأرِز إلى المدينة كما

стр. 250

تأرِز الحيَّة إلى جُحرها" (١). قيل: يأرز ينضم، وقيل: ينقبض. * ذكر ابن النجار بسنده إلى معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : "المدينة (٦٥/ أ) مُهاجَري، فيها مضجعي - وفي رواية ابن زبالة: فيها قبري -، وفيها مبعثي، حقيق على أمتي حفظ جيراني ما اجتنبوا الكبائر، مَنْ حفظهم كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة، ومن لم يحفظهم سُقِي من طينة الخبال". سئل المُزني عن طينة الخبال: قال: عصارة أهل النار (٢). * وذكر ابن الجوزي بسنده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الجمعة بالمدينة كألف صلاة فيما سواها" (٣). وقال أيضًا: "صيام شهر رمضان بالمدينة كصيام ألف شهر فيما سواها" (٤). وروى الطبراني بإسناد ضعيف: أنَّه ﷺ قال: "رمضان بالمدينة خير من ألف فيما سواها من البلدان" (٥). * * *
следующие страницы →