← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 17419

تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجد

الجراعي

Полный текст (404 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

عنه المرض بقدر ما دخل وخرج وعاد إلى وجهه. * وذكر ابن النجار: أن في سنة أربع وخمسين وخمسمائة في أيام قاسم المذكور؛ وجدوا من داخل الحجرة الشريفة رائحة متغيِّرة، فذكروا ذلك للأمير، فأمرهم بالنزول، وتعيين من يصلح، فأُنزل الطواشي بيان أحدَ خدام الحجرة الشريفة، ونزل معه الصفي الموصلي متولي عمارة المسجد، ونزل معهما هارون الشاذي الصوفي بعد أن سأل الأمير ذلك وراجعه وبذل له جملة من المال، فوجدوا هرًّا قد سقط من الشباك الذي في أعلا الحايز بين الحايز وبيت النبي ﷺ وجيَّف، فأخرجوه وطيبوا مكانه، وكان نزولهم يوم السبت حادي عشر ربيع الآخر. * * *

стр. 247

الباب الثامن في ذكر آثار حسنة في المسجد الشريف: * منها؛ قول النبي ﷺ : "سدوا عني كل باب في هذا المسجد إلَّا باب أبي بكر" (١). وذكر ابن النجار: أن خوخة أبي بكر كانت غربي المسجد قريب المنبر، ولما زادوا في المسجد إلى حدّه من المغرب نقلوا الخوخة وجعلوها مثل مكانها. انتهى. * ومثال باب خوخته: باب خزانة لبعض حواصل المسجد إذا دخلتَ من باب السلام كانت على يسارك قريبًا من الباب. * وفي سنة ست وسبعين وخمسمائة: أُحْدِث في صحن الحرم الشريف قبة كبيرة، عمَّرها الإمام الناصر لدين الله لحفظ حواصل الحرم الشريف وذخائره، مثل: المصحف الكريم العثماني، وعدة صناديق كبار متقدمة التاريخ، صنعت بعد الثلاثمائة من الهجرة جميعها سالمة فيها إلى اليوم، وقد سلمت من الحريق ببركة القرآن الكريم، ولكونها متوسطة في المسجد، ولله الحمد والمنَّة. * وفي سنة تسع وعشرين وسبعمائة: أمر السلطان الملك الناصر محمد ابن قلاوون بإنشاء رواقين من جهة القبلة، فاتسع (٦٤/ ب) مسقَّف القبلي بهما وعمَّ نفعهما.

стр. 248

الباب التاسع في فضل المدينة: * وذكر ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن" (١)، بسنده إلى النبي ﷺ أنَّه قال: "من استطاع أن يموت بالمدينة فليَمُت فإن من مات بالمدينة شفعت له يوم القيامة" (٢). * وذكر أيضًا عن النبي ﷺ أنَّه قال: "غبار المدينة شفاء من الجذام" (٣). وذكر أيضًا، عن عائشة ﵂ أنها قالت: كل البلاد افتُتحت بالسيف وافتُتحت المدينة بالقرآن وهي مهاجر رسول الله ﷺ ومحل أزواجه وفيها قبره" (٤). * وكان مالك بن أنس يقول في فضلها: هي دار الهجرة والسنَّة، وهي محفوفة بالشهداء، واختارها الله تعالى (٥) لنبيه ﷺ ؛ فجعل قبره بها، وبها روضة من رياض الجنّة، وفيها منبر رسول الله ﷺ . (٦)

стр. 249

* في "الصحيح" عن النبي ﷺ أنه قال: "اللهم اجعل بالمدينة ضِعفَى ما جعلت بمكة من البركة" (١). وفيه أيضًا، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا يكيد أحد أهل المدينة إلَّا انماع كما ينماع الملح في الماء" (٢). وفيه أيضًا؛ أنَّه قال: "على إنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدَّجال" (٣). وفيه أيضًا؛ أنَّه ﷺ قال: "لا يصبر أحد على لأوائها وجهدها إلَّا كنت له شفيعًا - أو شهيدًا - يوم القيامة" (٤). وفيه أيضًا عن النبي ﷺ أنَّه قال: "أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد" (٥). قيل: تأكل القرى؛ لأنها مركز جيوش الإسلام، أو لأن أول الإسلام منها، أو لأن أكلها وميرتها (٦) يكون من القرى المفتتحة؛ لأن الغنامْ تُساق إليها، أو لأنها تفرغ القرى بوجوب المعجزة (٧) إليها فكأنها أكلتها. وفيه أيضًا؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الإيمان ليأرِز إلى المدينة كما

стр. 250

تأرِز الحيَّة إلى جُحرها" (١). قيل: يأرز ينضم، وقيل: ينقبض. * ذكر ابن النجار بسنده إلى معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : "المدينة (٦٥/ أ) مُهاجَري، فيها مضجعي - وفي رواية ابن زبالة: فيها قبري -، وفيها مبعثي، حقيق على أمتي حفظ جيراني ما اجتنبوا الكبائر، مَنْ حفظهم كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة، ومن لم يحفظهم سُقِي من طينة الخبال". سئل المُزني عن طينة الخبال: قال: عصارة أهل النار (٢). * وذكر ابن الجوزي بسنده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الجمعة بالمدينة كألف صلاة فيما سواها" (٣). وقال أيضًا: "صيام شهر رمضان بالمدينة كصيام ألف شهر فيما سواها" (٤). وروى الطبراني بإسناد ضعيف: أنَّه ﷺ قال: "رمضان بالمدينة خير من ألف فيما سواها من البلدان" (٥). * * *

стр. 251

الباب العاشر في ذكر حدود الحرم: * في الصحيح عن النبي ﷺ أنَّه قال: "المدينة حرَم ما بين عَيْر إلى ثور؛ فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدِثًا فَعَليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا" (١). قال أبو عبيد: "عَيْر" و"ثور": اسما جبلين بالمدينة غير أن أهل المدينة، لا يعرفون جبلًا بها يقال له "ثور"، فنرى الحديث أصله ما بين "عَيْر" إلى "أُحُد". * وقد ذكر الشيخ الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري: أنَّه خرج (٢) رسولاً إلى العراق فلما رجع إلى المدينة كان معه دليل فكان يذكر له الأماكن والجبال قال: "فلما وصلنا إلى أُحُد إذا بقربه جبل صغير فسألته عنه فقال هذا يسمى ثورًا، قال فعلمت صحة الرواية". * وذكر أبو بكر بن حسين المراغي - نزيل المدينة - في "مختصر أخبار المدينة": أن خَلَفَ أهل المدينة ينقلون عن سَلَفِهم: أن خلْف "أُحُد" من جهة الشمال جبلًا صغيرًا إلى الحمرة بتدوير يُسمى "ثورًا"، قال: وقد تحققته بالمشاهدة. * قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: "عير": جبل عند الميقات يشبه العير وهو الحمار، و"ثور": وهو جبل من ناحية "أُحُد" وهو غير جبل "ثور"

стр. 252

الذي بمكة. انتهى. * وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: "لو رأيت الظِّباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها. قال رسول الله ﷺ (٦٥/ ب): "ما بين لابيتها حرام" (١). قال أبو هريرة وجعل النبي ﷺ اثنى عشر ميلًا: حمى حول المدينة، وهو بريد في بريد. وهذا يدل؛ على أن صيدها وشجرها: محرَّم، وهو قول: مالك، والشافعي، وأحمد، وقال أبو حنيفة: ليس بمحرَّم. واختلفت الرواية عن أحمد؛ هل يُضمن صيدها وشجرها بالجزاء أم لا؟ وهما روايتان عن مالك، وقولان للشافعي، فإن قلنا بضمانه؛ فجزاؤه: سَلَبُ قاتله، يملكه الذي يسلبه. وتفارق مكة؛ في أن من أدخل إليها صيدًا لم يَجِب عليه رفع يده عنه، ويجوز له ذبحه وأكله، ويجوز أن يأخذ من شجرها ما تدعو الحاجة إليه للرحل وللسَّوائد ومن حشيشها ما يُحتاج إليه للعلف بخلاف مكة. * وقوله في الحديث: "ما بين عير إلى ثور": هو بيان لحدّ الحرَم من جهتي الجنوب والشمال. وقوله: "ما بين لابيتها": هو بيان لحدّ الحرَم من جهتي (٢) المشرق والمغرب. واللابتان: هما الحرَّتان، تثنية حَرَّة بالفتح، هي أرض ذات حجارة سود. * * *

стр. 253

الباب الحادي عشر فى أسماء مدينة النبي ﷺ -: الأول: "المدينة"، وهو المشهور وهو علم بالغلَبة لا بالوضع ولا يجوز نزع الألف واللام منها إلَّا في نداء أو إضافة. قال قُطرب وابن فارس وغيرهما: هي مشتقة من دان إذا أطاع والدِّبن الطاعة، فتكون الميم على هذا زائدة. وقيل: من مدَن بالمكان إذا أقام به فتكون الميم أصلية، وجمعها مدُن بضم الدَّال وإسكانها ومدائن بالهمز وتركه أفصح وبه جاء القرآن. قد سئل أبو علي النَّسَوي؛ عن همزه، فقال: من جعله فعلية (١) من قولهم مدن بالمكان إذا أقام هَمَزَهُ، ومَن جعله مفعلة من دين إذا ملك لم يهمز كما لم يهمز معايش، وإذا نسبت إلى المدينة كالرجل والثوب: مدني، والطين: مديني. قال سيبويه: وأما قولهم: مدايني فإنهم جعلوا البناء اسمًا للبلد. وقال ابن دحية في "خصائص الأعضاء": النسب إليها: مديني، وإلى مدينة أبي جعفر المنصور (٢)، وهي (٦٦/ أ) بغداد: مدني؛ لأن الميم فيها أصلية والياء زائدة.

стр. 254

* الثاني: "طَيْبة"، سماها به رسول الله ﷺ (١) وهي بفتح الطاء احترازًا من طيبة بكسر الطاء فإنها قرية قرب زرود. * الثالث: "طابة"، وفي "الصحيح": "إن الله سمَّى المدينة طابة" (٢). وهما؛ إما من الطِّيب، وهي الرائحة الحسنة، والطاب والطيب: لغتان بمعنى. قال ابن بطَّال: مَن سكنها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيب، والمعجونات (٣) من الطيب منها أحدّ رائحة من غيرها. وإما من الطَّيِّب، بفتح الطاء وتشديد الياء، وهو الطاهر، لخلوصها من الشرك وطهارتها. وإما من طِيب العيش بها؛ أقوال. * الرابع: المطيَّبة. * الخامس: المسكينة. * السادس: المدرا. * السابع: الجابر. * الثامن: المجبورة. * التاسع: المحبَّبة. * العاشر: المحبوبة.

стр. 255

وهذه العشرة؛ ذكرها عمر بن شبَّة في "أخبار المدينة" (١). قال: ولم أزل أسمع أن للمدينة عشرة أسماء؛ فذكرها: * الحادي عشر: القاصمة، رواه الزبير في "أخبار المدينة" مع العشرة المتقدمة. * الثاني عشر: الدار، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ (٢). لا خلاف أنها المدينة؛ لأَمنِها وللاستقرار بها. * الثالث عشر: الإيمان. قال ابن أبي خيثمة: الإيمان من أسمائها، ذكره ابن دِحْية. * الرابع عشر: المرحومة. * الخامس عشر: المُحِبَّة. * السادس عشر: الهدرا، نقله: ابن زبالة عن إبراهيم بن يحيى أنَّه من جملة أسمائها في "التوراة". * السابع عشر: العذرا، بالعين المهملة، ذكره في "المُحكم" لابن سِيده، ولعله بدل "السادس". * الثامن عشر: مُدْخل صدق في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ (٣) (٤)، قال أكثر المفسرين: هو المدينة.

стр. 256

* التاسع عشر: حسنة؛ قال تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ (١). قيل: هي المدينة. * العشرون: الحبيبة، حكاه ابن خالويه. * الحادي والعشرون: دار الهجرة. * الثاني والعشرون: دار السنة. * الثالث والعشرون: البلاط، ذكره ابن خالويه في كتاب: "ليس". وذكر البكري من أسمائها: "نيدر" و"بلندر"، وزاد كراع في "المنتخب" له "البَحرة": والبُحرة، والبَحِيرة (٦٦/ ب) والبُحيْرة: تصغير بحرة؛ فعلى هذا: تصير تسعة وعشرين. وقد بدئت في المجلس الثاني من "أمالي" الخلّال، فيما رواه عنه أبو الخير العسَّال، فيما قرأته بمكة المشرفة على أبي الفضل المرجاني بالسند المتصل إلى أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "المدينة قبة الإسلام ودار الإيمان وأرض الهجرة ومَبْيَن الحلال والحرام". وذكر بعضهم: أنها تسمى: "الرَّبذة" بالتحريك، ومنه الحديث في الكافر ومحله من النار - كما بين مكة والربذة، قالوا: أراد المدينة. وقد ذكر عبد العزيز الدراوردي، قال: بلغني أن لها أربعين اسمًا. وفي رواية: أن لها في "التوراة": أربعين اسمًا. * وأما تسميتها بـ "يثرب" فقد كرهه بعض العلماء لقوله ﷺ : "يقولون

стр. 257

يثرب، وهي المدينة" (١). ولِمَا في مسند الإمام أحمد من حديث البراء بن عازب، قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمى المدينة يثرب؛ فليستغفر الله تعالى: هي طابة، هي طابة" (٢). وروى عمر بن شبَّة من حديث أبي أيوب: أن رسول الله ﷺ نهى أن يقال للمدينة يثرب (٣). ولهذا؛ قال عيسى بن دينار من المالكية: من (٤) سمى المدينة بـ "يثرب": كتبت عليه خطيئة؛ لأن يثرب إما من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة، أو من الثرَب؛ وهو الفساد، وكلاهما: مستقبح، وكان ﷺ يحب الاسم المستحسن ويكره الاسم القبيح. وذكر أبو إسحاق الزجَّاج في "مختصره": إنما سميت بيثرب بن قائلة بن مهلايل ابن عبد بن عوض بن إرم بن سام بن نوح؛ لأنه أول من سكنها بعد العرب، ونزل أخوه خيبور خيبر؛ فسميت به. وقال ابن دقيق العيد في "شرح الإمام": اختلفوا في "يثرب" هل هو اسم مرادف للمدينة، أو اسم لقطر محدود والمدينة في (٥) ناحية منه؟ عن أبي عبيدة: "يثرب" اسم الأرض، ومدينة رسول الله ﷺ في ناحية منها، وهذا الاسم الآن: يطلق على أرض غربي مشهد حمزة بن عبد المطلب

стр. 258

عم رسول الله ﷺ (٦٧/ أ) وشرقي الموضع المعروف بالبِرْكة، مصرف عين الأزرق، وتسمِّيها (١) الحجاج: "عيون حمزة". والقول الثاني: حكاه ابن عباس أنَّه اسم مرادف للمدينة. * * *

стр. 259

الباب الثاني عشر في ذكر خراب المدينة: * روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلَّا العوافي، يريد عوافي السباع والطير، ثم يخرج راعيان من مُزَيْنَة يريدان المدينة ينعِقان بغنمهما فيجدانها وحوشًا، حتَّى إذا بلغا ثنية الوداع خرَّا على وجوههما" (١)، هذا لفظ مسلم. وقال البخاري فيه: "وآخر من يُحشر راعيان من مزينة يريبيان المدينة". وفي لفظ لمسلم: "لَيتركنَّها أهلها على خير ما كانت. مذلَّلة للعوافي ينعِقان (٢) - بكسر العين - أي: يصيحان ويجدانها وحوشًا" (٣). ذكر بعضهم؛ أن الضمير عائد على الغنم، إما بقلب ذاتها أو تتوحش فينفر (٤) من أصواتها (٥). وأنكره القاضي عياض والنَّووي، وقالا: إن الضمير في يجدانها عائد إلى المدينة لا إلى الغنم، وقد اختلف الناس؛ متى يكون ذلك.

стр. 260

فقال القاضي عياض: إن هذا جرى في العصر الأول، وإنه من المعجزات. فقد تركت المدينة على أحسن ما كانت للدين والدنيا: أما الدين؛ فلكثرة العلماء (١) بها، وأما الدنيا؛ فلعمارتها واتساع حال أهلها. قال: وذكر الأخباريون في بعض الفتن التي جرت (٢) بالمدينة وخاف أهلها: أنَّه رحَل عنها أكثر الناس، وبقيت ثمارها للعوافي، وخلت مدة لم تراجع الناس إليها. قال: وحالها اليوم قريب من هذا، وقد خربت أطرافها. وقال النَّووي: الظاهر المختار أن هذا التَّرْك للمدينة يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة ويوضحه قضية الراعيين من مُزَيْنَة؛ فإنهما يخرَّان على وجوههما حتَّى تدركهما الساعة، وهما آخر من يحشر -كما ثبت في "صحيح البخاري" (٣). وروى الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "آخر قرية من قرى الإسلام خرابًا: المدينة"، وقال: حديث حسن غريب (٤). * * *

стр. 261

(٦٧/ ب) الباب الثالث عشر في ذكر خروج النار التي أخبر عنها المختار: * وهي من إخباره بالمغيبات؛ عليه أفضل الصلاة، وإنما أفردتها بالذكر؛ لأنها معجزة كبرى. قال ﷺ : "لا تقوم الساعة حتَّى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء (١) لها أعناق الإبل بِبُصْرَى" (٢). وكان ظهورها في الحَرَّة الشرقية من المدينة في جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة. * قال في "تحقيق النصرة: وسارت من مخرجها إلى جهة الشمال مدة ثلاثة أشهر تدب دبيب النمل، تأكل كل ما مرت عليه من جبل وحجر، ولا تأكل الشجرة، فلا تمر على شيء من ذلك إلَّا صار سُدى لا مُلك فيه لإنسان ولا دابة إلى منتهى الحرَّة من جهة الشمال، فقطعت في وسط وادي الشظاة إلى جهة جبل وغيره، فسدَّت الوادي المذكور بسد عظيم بالحجر المسبوك بالنار ولا كسدّ ذي القرنين، وصار السيل ينحبس خلف السدّ المذكور وادٍ عظيم فتجتمع خلفه المياه حتَّى تصير بحرًا مدَّ البصر عرضًا وطولًا؛ كأنه نيل مصر عند زيادته. * قال المطري: وأخبرني علم الدين سنجر العربي عتيق الأمير منيف بن شيخة صاحب المدينة؛ أن الأمير أرسله بعد ظهور النار بأيام ومعه شخص

стр. 262

من العرب ليتحفظ أمرها، قال: ونحن فارسان إلى أن قربنا منها فلم نجد لها حرًّا، فنزلت عن فرسي وسرت إلى أن وصلت إليها وهي تأكل الصخر والحجر وأخذت سهمًا من كنانتي ومددت به إلى أن وصل النصل (١) إليها فلم أجد لذلك ألمًا ولا حدًّا، فحرق النصل ولم يحترق العود، فأدرت السهم وأدخلت فيها الريش فاحترق ولم تؤثر في العود. * قال: وأخبرني بعض من أدركها من النساء؛ أنهن كن يغزلن على ضوئها بالليل على أسطحة المدينة. ونقل أبو شامة، عن مشاهدة كتاب شمس الدين ساف بن عبد الوهاب ابن عيلة الحسيني قاضي المدينة: أنها رؤيت من مكة ومن الفلاة جميعها، ورآها أهل ينبع وأرسلوا قاضيهم بن سعد. قال أبو شامة: وأخبرني بعض من أثق به ممن شاهدها بالمدينة أنَّه بلغه (٦٨/ أ) أنَّه كتب بتيماء على ضوئها الكتب. * قد يظهر من عدم أكلها الشجر دون الحجر؛ تحريم النبي ﷺ شجر المدينة، وهو من الإعجاز؛ لأن طاعته ﷺ واجبة على كل مخلوق، هذا حاصل كلام المطري. * نقل في "السكردان" عن أبي شامة أنَّه قال: زلزلت المدينة بسببها، وسمعوا أصواتًا عجيبة قبل ظهورها بخمسة أيام، وذلك يوم الإثنين مستهل الشهر، يعني المتقدم ذكره، ولم تزَل ليلًا ونهارًا حتَّى طلعت يوم الجمعة خامسة فانبجست تلك الأرض عند وادي شظاه عن نار عظيمة جدًا فصارت مثل الوادي العظيم، طوله أربع فراسخ في عرض أربعة أميال وعمقه قامه ونصف ويسيل منها الصخر حتَّى يبقى مثل الإبل ثم يصير كالفحم الأسود.

стр. 263

وذُكر؛ أن من الناس مَن كتب على ضوئها في الليل، وكأنَّ في كل بيت منها مصباحًا، ورأى الناس سَناها من مكة. وقال ابن كثير: أخبرني قاضي القضاة صدر الدين علي الهيتمي، قال: أخبرني والدي - هو الشيخ صفيّ الدين مدرس مدرسة بُصْرى -، أنَّه أخبره عن واحد من الأعراب صبيحة تلك الليلة ممن كان محاضره ببلد بصرى: أنهم رأوا صفحات أعناق إبلهم في ضوء تلك النار التي ظهرت من أرض الحجاز. قال أبو شامة: أهل المدينة لجئوا في تلك الأيام إلى المسجد الشريف النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، وتابوا إلى الله تعالى من ذنوب كانوا عليها، واستغفروا عند قبر سيدنا رسول الله ﷺ مما سلف منهم، وأعتقوا عبيدهم، وتصدقوا على فقرائهم. * * *

стр. 264

الباب الرابع عشر فيما جاء أن المدينة أقل الأرض مطرًا: * قال الشافعي في: "الأم": أخبرني من لا أتَّهم: قال إسحق بن عبد الله، عن الأسود، عن ابن مسعود: أن النبي ﷺ قال: "أرى المدينة بين عيني السماء عين بالشام وعين باليمن، وهي أقلّ الأرض مطرًا" (١). قال: وأخبرني من لا أتهم، قال: أخبرني يزيد أو نوفل بن عبد الملك الهاشمي: أن النبي ﷺ (٦٨/ ب) قال: "أُسكِنتُ أقل الأرض مطرًا، وهي عينَيْ السماء عين الشام وعين اليمن" (٢). قال: وأخبرني من لا أتهم: قال حدثني سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: "يوشك المدينة تمطر مطرًا لا يكنُّ أهلها ظلال البيوت ولا يكنّهم إلَّا ظلال الشَّعْر" (٣). وروى الشافعي - أيضًا -، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه قال: "توشك المدينة أن يصيبها مطر أربعين ليلة، لا يَكُنُّ أهلها بيت من مدر (٤) " (٥).

стр. 265

الباب الخامس عشر هل المدينة حجازية أم شامية أم يمانية ؟ * قال النووي في "فتاويه": مدينة النبي ﵊، ليست يمانية ولا شامية، بل هي حجازية، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء. انتهى. * قال بعضهم: وما حكاه من الاتفاق على أنها ليست يمانية عجيب، فقد نصّ الشافعي على أنها يمانية، وحكاه البيهقي في "المعرفة" في الكلام على الأذان للصبح قبل الفجر؛ ولفَظَه: * قال الشافعي: ومكة والمدينة: يمانيتان. وفي "مسند" الشافعي: أخبرنا عثمان بن محمد بن علي بن العباس، عن الحسن بن القاسم الأزرقي، قال: وقف رسول الله ﷺ على ثنية تبوك فقال: "ما ها هنا شام وأشار بيده إلى الشام، ومن ها هنا يمن وأشار بيده إلى جهة المدينة (١) " (٢). قال ابن الأثير في شرحه: الغرض من هذا الحديث بيان حد الشام واليمن وقد جعل المدينة من اليمن، ثم قال في جهة الشام ما ها هنا ومن جهة اليمن ومن ها هنا، وبينهما فرق، وذلك: أن قوله ومن ها هنا يفيد إن ابتداء اليمن من هذه البقعة. وقوله: "ما ها هنا": أشار إلى أن هذه البقعة من الشام ولم يتعرَّض إلى

стр. 266

أنها ابتداء الشام أو لا. انتهى كلام ابن الأثير. وقد تقدَّم كلام الشافعي في "الباب السادس والأربعين" أن الحجاز: مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها، أي: قراها، وكذا كلام أصحاب الإمام أحمد. قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: مدينة النبي ﷺ من الحجاز باتفاق أهل العلم، ولم يقل أحد من المسلمين ولا غيرهم أن المدينة النبوية من الشام، وإنما يقول هذا (٦٩/ أ) جاهل بحد الشام والحجاز، جاهل بما قال الفقهاء وأهل اللغة وغيرهم، ولكن يقال: المدينة شامية ومكة: يمانية، أي: المدينة أقرب إلى الشام، ومكة أقرب إلى اليمن، وليست مكة من اليمن، ولا المدينة من الشام. وقد أمر النبي ﷺ في مرض موته أن تخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وهي الحجاز، فأخرجهم عمر بن الخطاب من: المدينة، وخيبر، واليُنبع، واليمامة، ومخاليف هذه البلاد، ولم يخرجهم من الشام، بل لما فتح الشام أَقَرَّ اليهود والنصارى بالأردن وفلسطين وغيرها (١) - كما أقرهم بدمشق وغيرها. وتربة الشام؛ تخالف تربة الحجاز، كما يوجد الفرق عند المنحنى الذي يُسمَّى: "عَقَبة الصَّوَّان"، فإن الإنسان يجد تلك البرية مخالفة لهذه البرِّيَّة، كما تختلف برِّيَّة الشام ومصر، فما كان دون "وادي المنْحنَى" فهو من الشام مثل "مَعان"، وأما "العُلا" و"تبوك"، ونحوها فمن أرض الحجاز، والله أعلم. * * *

стр. 267

الباب السادس عشر في ذكر جملة من الخصائص والأحكام والفضائل: * الأول: إنشاء أصل (١) مسجدها على يدى سيد المرسلين وإمام المتقين ومعه المهاجرون الأولون والأنصار المتقدمون، خيار هذه الأمة وأولاهم بالفضل والرحمة، وفى ذلك من مزيد الشرف ما لا يخفى، ومن ظهور النور ما لا يُطْفَى. * الثاني: اشتمالها على بقعة حَوَت المختار وأرْبت على غيرها بعلو المقدار. وقد تقدم عن القاضي عياض: أنها أفضل بقاع الأرض بالإجماع. * الثالث: تخصيصها ببقعة من بقع الجنّة وهي الروضة على أحد الأقوال المتقدمة. * الرابع: تحريم صيدها وشجرها على الحَلال والمُحْرِم كمكَّة، خلافًا لأبي حنيفة لنا قوله ﷺ : "إن إبراهيم حرَّم مكة وإني حرَّمت المدينة" رواه مسلم (٢). وقال ﷺ : "المدينة حَرَم من كذا إلى كذا، لا يُقطع شجرها" رواه البخاري (٣).

стр. 268

* قد تقدم حكم الضمان في باب حدود الحرَم. وأما حديث: "يا أبا عمير ما فعل (١) النغير" (٢)، فيحتمل أن يكون قبل تحريم المدينة. ومنهم من حمله: على عدم (٦٩/ ب) الضمان لا على جواز الفعل، ويحتمل: أن يكون صِيد من خارج الحرم. وقد تقدم أيضًا ما تفارق به مكة في باب حدود الحرم. * الخامس: قال بعضهم: يحرم نقل تراب حرم المدينة وأحجاره إلى خارج عنه. قال النَّووي في "شرح المهذَّب" ولا يجوز أخذ الأُكَرَ (٣) والأباريق المعمولة من ترابها. * السادس: يستحب المجاورة بالمدينة. قال الإمام أحمد في رواية أبي داود، قال: سئل عن المقام بمكة أحب إليك أم بالمدينة، فقال: بالمدينة لمن قوي عليه؛ لأنها مهاجَر المسلمين. * السابع: الصلاة في مسجدها تربو على الصلاة في غيره بألف صلاة، إلَّا المسجد الحرام (٤). * الثامن: أنها دار الهجرة والسنة. * التاسع: أنها محفوفة بالشهداء كما قاله الإمام مالك، كحمزة وقتلى أُحد وما أدراك.

стр. 269

* العاشر: أن الله تعالى عوّض قاصد مسجد النبي ﷺ عن الحج بأمر وعد عليه ذلك الثواب -كما روى ابن الجوزي وابن النجار بسندهما إلى أبي أمامة أن: رسول الله ﷺ قال: "من خرج على طُهر لا يريد إلَّا الصلاة في مسجدي حتَّى يصلي فيه كان بمنزلة حجة" (١). * الحادي عشر: يُستحبُّ الانقطاع بها ليحصل له الموت بها. وفي "صحيح البخاري": أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك (٢). وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من استطاع أن يموت بالمدينة فلْيَمت بها، فإني أشفع لِمَن يموت بها"، رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح غريب (٣). * الثاني عشر: اختصاص أهلها بمزيد الشفاعة والإكرام زائدًا على غيرهم من الأنام - كما في "معجم الطبراني"، عن عبد الملك بن عبَّاد بن جعفر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أول من أشفع له من أمتي أهل المدينة ثم أهل مكة ثم أهل الطائف"، وأخرجه البزار في مسنده (٤). وفي "الصحيحين": "مَن صبر على لأوائها وشدتها - يعني: المدينة -

стр. 270

كنت له شهيدًا (٧٠/ أ) أو شفيعًا يوم القيامة" (١). * الثالث عشر: وجود البركة في صاعها ومُدِّها، لأن النبي ﷺ دعا بالبركة في صاعها ومُدِّها. وقال ﷺ : "اللهم اجعل بالمدينة ضِعفَىْ ما جعلت بمكة من البركة" (٢) وهو في "الصحيح". * الرابع عشر: أن الدَّجال لا يدخلها كما لا يدخل مكة، كما في "الصحيحين" عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ما من بلد إلَّا سيطاؤه الدجال إلَّا مكة والمدينة" (٣). وفي "الصحيح" أيضًا "لا يدخل المدينة رُعب المسيح الدجال. لها يومئذ سبعة أبواب، على كل باب ملكان" (٤). * الخامس عشر: أن الطاعون لا يدخل المدينة - كما في "الصحيحين"، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدَّجّال" (٥). والأنقاب: جمع نقْبِ بكسر النون وضمها، وهو الطريق على رأس الجبل. وقال الأخفش: أنقاب المدينة: طرقها وفِجاجها.

стр. 271

والسر في ذلك؛ أن الطاعون وباء عند الأطباء؛ ولما قدم النبي ﷺ المدينة كانت أوبأ أرض الله، فدعا لها النبي ﷺ فرُفع ذلك بدعائه ﷺ كما في "الصحيح": أنَّه ﷺ قال: "اللهم انقل حمَّاها فاجعلها بالجُحْفة (١) " لأنها كانت دار شِرْك (٢). * السادس عشر: أنها كانت تأكل القرى -كما في "الصحيحين"، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أُمرْت لقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب، وهي: المدينة" (٣). وقد تقدَّم معنى تأكل القرى في "الباب التاسع". * السابع عشر: أنها كالكِير في إزالة الخَبَث عنها؛ لما في "الصحيح" عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إنما المدينة كالكِير تنفي خَبَثَها وتُبْقي طيِّبها" (٤). * الثامن عشر: أنَّه لا يدعها أحد رغبة عنها إلَّا أبدل (٥) الله تعالى فيها من هو خير منه - كما ثبت في "الصحيح" (٦). وفي معناه قولان: أحدهما: أنَّه مخصوص بمدة حياته ﷺ . والثاني: أنَّه دائم أبدًا. قال القرطبي: ومعناه: أن الذي يخرج عن المدينة راغبًا عنها - أي: زاهدًا فيها -؛ إنما هو إما جاهل بفضلها وفضل القيام فيها، أو كافر بذلك.

стр. 272

وكل واحد (٧٠ / ب) من هذين إذا خرج منها فمن بقي من المسلمين خير منه وأفضل على كل حال. قال: وقد خصَّ الله تعالى مكة والمدينة بأنهما لا يخلوا (١) من أهل العلم والفضل والدين إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومَن عليها، وهو خير الوارثين. * التاسع عشر: أنَّه لا يريد أحدٌ أهْلها بسوء إلَّا انذاب ذوب الرصاص أو ذُوب الملح في الماء - كما ثبت في "الصحيح" (٢). قال القرطبي: ظاهره؛ أن الله تعالى يعاقبه بذلك في النار، وُيحتمل؛ أن يكون ذلك كناية عن إهلاكه في الدنيا، أو عن توهين أمره وطمس كلمته، كما قد فعل الله تعالى ذلك بمن غزاها وقاتل أهلها كمسلم بن عقبة وغيره. * العشرون: مضاعفة الصيام بالمدينة، كما رَوى الطبراني بإسناد ضعيف، أنَّه صلى الله عديه وسلم قال: "رمضان بالمدينة خير من ألف شهر رمضان فيما سواها من البلدان" (٣). وذكره (٤) ابن الجوزي أيضًا في "مثير العزم الساكن"؛ لكنه قال: "كصيام ألف شهر فيما سواها" (٥). * الحادي والعشرون: مضاعفة صلاة الجمعة بها، فقد روى ابن الجوزي

стр. 273

بسنده إلى عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الجمعة بالمدينة كألف صلاة فيما سواها". (١) * الثاني والعشرون: رُوي عن مالك رضى الله عنه، أنَّه كان لا يركب بالمدينة بغلة، فقيل له في ذلك، فقال: لا أطأ راكبًا بمكان وطئه رسول الله ﷺ ماشيًا، وكان لا يرفع صوته في مسجد رسول الله ﷺ ، ويقول: حرمة الرسول ﷺ حيًا وميتًا سواءٌ، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٢). * الثالث والعشرون: قال في "إعلام الساجد": لا يُجْتَهَدُ في محراب رسول الله ﷺ ؛ لأنه صواب قطعًا إذا لا يُقر على خطأ، فلا مجال للاجتهاد فيه حتَّى لا يجتهد في اليمنة واليسرة بخلاف محاريب المسلمين. والمُرَاد بمحرابه ﷺ : مكان مصلاه؛ فإنه (٣) لم يكن في زمنه محراب. انتهى. وأما عندنا؛ فإن قلنا يلزمه الاستدلال بمحاريب يعملها للمسلمين كما هو المقدم (٤) في المذهب فلا يتأتى هذا. وإن قلنا على رواية أنَّه يجتهد فتأتي هذه المسألة، ولنا رواية: أنَّه يجتهد ولو في المدينة. ولعل وجهها - والله أعلم-: أن المحراب إنما وضع في زمن عمر بن عبد العزيز - كما تقدِّم، فهو لم يوضع بوضع النبي ﷺ لاسيما مع حصول الزيادة.

стр. 274

* الرابع والعشرون: يستحب الغُسْل لدخول المدينة كما يُستحب لدخول مكة على قول تقدمت الإشارة إليه، وذكر الشيخ تقي الدين منصوص أحمد. * الخامس والعشرون: أنها حرَم النبي ﷺ -كما قال ﷺ : "إني حرَّمتُ المدينة حرامًا ما بين مأزمَيْها (١): أن لا يهراق بها دم ولا يُحمل فيها سلاح لقتال ولا يُخبط فيها شجر إلَّا لعلف" رواه مسلم (٢). ولام العلف الثانية ساكنة: قاله النَّووي. * السادس والعشرون: روى البخاري: "مَنْ تصبَّح كل يوم سبع (٣) تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سمّ ولا سحر" (٤). وفي مسلم: "سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح لم يضره سمّ حتَّى يُمسي" (٥). * السابع والعشرون: إن تمرها يشفي من الجذام، كما روى الحافظ أبو أحمد بن عبد الله بن عدي الجرجاني في "كامله" من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "ينفع من الجذام أن يأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة كل يوم يفعل ذلك سبعة أيام" (٦). * الثامن والعشرون: روى ابن أبي خيثمة بسنده إلى النبي ﷺ أنَّه قال: "من كان له بالمدينة أصل فليتمسَّك به، ومن لم يكن له فليجعل له بها أصلًا

стр. 275

ولو قصرة" (١). قال الخطابي: القصرة: النخلة. * التاسع والعشرون: روى ابن أبي خيثمة في "تاريخه الكبير"، عن مالك: إن المدائن كلها افتُتحت بالسيف، والمدينة افتُتحت بالإيمان، ثم ساق سنده إلى عائشة ﵂، قالت: كل البلاد افتُتحت بالسيف والرمح، وافتتحت المدينة بالقرآن (٢). * الثلانون: لو نذر الصلاة في مسجد المدينة فإنه يُجزيه، وفي مَسجد مكة إن قلنا إن مكة أفضل -كما (٧١/ أ) هو المشهور في المذاهب الثلاثة. وإن قلنا إن المدينة أفضل: فلا يُجزيه في غيره. * الحادي والثلانون: إذا نذر المشي إلى مسجد المدينة فإنه يلزمه مع الصلاة. قال في "الفروع": ويتوجه أن مرادهم لغير المرأة لأفضلية بيتها. * الثاني والثلاثون: أن الإيمان يأرز إليها - كما تأرز الحية إلى جحرها. كما ثبت ذلك في "الصحيح" عن النبي ﷺ (٣). * الثالث والثلاثون: أن غبار المدينة شفاء من الجذام، كما نقله ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن" عن النبي ﷺ (٤).

стр. 276

* الرابع والثلاثون: أن من صلَّى في مسجدها أربعين صلاة: كتبت له براءة من النار وبراءة من العذاب وبراءة من النفاق - كما تقدم. (١) * الخامس والثلاثون: أن من دخل مسجدها يتعلم فيه خيرًا أو يعلِّمه، كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله تعالى، وقد تقدم. (٢) * السادس والثلاثون: ذكر صاحب "المناهج" أن العطر والبخور يوجد لهما من التَّضَوُّع والرائحة الطيبة بطيبة أضعاف ما يوجد في سائر البلاد، وهي في نفسها طيبة وإن لم يكن (٣) فيها شيء من الطيب، كيف لا؛ وفيها تربة حَوَتْ سيد المرسلين وإمام المتَّقين عليه صلوات الله وسلامه في كل حين. ولله در القائل: يا خير من دُفنت في القاع أعْظُمُه ... فطاب من طِيبِهنّ القاع والأكم والقائل أيضًا: ماذا على من شمَّ تربة أحمد ... أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا * السابع والثلاثون: أن من أحدث فيها حدثًا أو آوى محدِثًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، كما ثبت ذلك في "الصحيح" عن النبي ﷺ (٤). * الثامن والثلاثون: لو نذر زيارة قبر رسول الله ﷺ وقبر صاحبيه فظاهر كلام أصحابنا لزوم الوفاء به.

стр. 277

وقال ابن كج من الشافعية: فيما إذا نذر زيارة قبر رسول الله ﷺ : يلزمه الوفاء به وجها واحدًا، وحُكي فيما إذا نذر زيارة قبر غيره وجهين في لزوم الوفاء، وأقره الرافعي وغيره. * التاسع والثلاثون: أنَّه لا يصبر أحدٌ على لأواء المدينة وجهدها (٧٢/ أ) إلَّا كان له النبي ﷺ شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة -كما ثبت ذلك في "الصحيح" (١). * الأربعون: حقيق على الأمة حفظ جيران النبي ﷺ ما اجتنبوا الكبائر، كما تقدم عن النبي ﷺ في "الباب التاسع"، أنَّه قال: "المدينة مُهاجَرِي، فيها مضجعي - وفي رواية: قبري (٢) - وفيها مبعثي، حقيق (٣) على أمتي حفظ جيراني ما اجتنبوا الكبائر. من حَفِظهم كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة، ومن لم يحفظهم سُقِىَ من طينة الخَبَال" (٤). * * *

стр. 278

الباب السابع عشر في صفة قبر النبيُّ وقبر صاحبيه ﵄: * ذكر ابن بطة في "الإبانة": صفة القبور، فذكر بسنده إلى عائشة ﵂ أنها وصفت قبر النبي ﷺ وقبرَى أبي بكر وعمر ﵄. وهذه القبور في سهوة في بيت عائشة ﵂؛ ورأس النبي ﷺ ممَّا يلي المغرب، وقبر أبي بكر ﵁ رأسه عند رجلىْ النبي ﷺ ، وقبر عمر ﵁ خلْف أبي بكر. وبقي ثمَّ موضع قبر. وهذه صفة قبورهم على وصف أبي أوْيس عن يحيى بن سعيد عن عَمرة عن عائشة. قال الشيح: "السهوة": هي الصُّفَّة، وفيها قبورهم. * هذه هي صفة السهوة من الحجرة وصفة القبور فيها على ما ورد في هذا الحديث، والله أعلم: محمد ﷺ ... الحجرة أبو بكر ... السهوة عمر * ذكر بسنده؛ صفة أخرى عن رجاء بن حَيْوَة (١)، وأن رأس أبي بكر

стр. 279

رضي الله عنه عند وسط النبي ﷺ . ورأس عمر ﵁ عند وسط أبي بكر ﵁. انتهى. فعلى هذا تكون صفتهم هكذا: النبي ﷺ أبو بكر عمر * ذكر ابن بطة أيضًا صفة أخرى؛ من رواية ابن مخلد بسنده إلى غنيم ابن بسطام (١) المدائني قال: رأيت قبر النبي ﷺ لما قدِم (٢) عمر بن العزيز، (٧٢/ب) فرأيت قبر النبي ﷺ مرتفعًا نحوًا من أربع أصابع عليه حتَّى إلى الحُمْرة ما هي (٣). ورأيت قبر أبي بكر ﵁ وراء قبر النبي ﷺ أسفل منه. ورأيت قبر عمر ﵁ وراء قبر أبي بكر ﵁ أسفل منه. ووصفه لنا ابن مخلَّد في هذا الحديث بالخط على هذا الشكل: النبي ﷺ أبو بكر عمر

стр. 280

* ذكر صفة أخرى، من رواية القاسم بن محمد أنَّه قال: دخلت على عائشة ﵂ فقلت: يا أمَّه! اكشفي لي عن قبر النبي ﷺ وصاحبيه فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة ولا لاطِيَة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء، قال: فرأيت قبر النبي ﷺ مقدَّمًا وقبر أبي بكر ﵁ عند رأسه، وقبر عمر ﵁ عند رجل النبي ﷺ . قال عمرو بن عثمان: فوصف لي القاسم قبورهم: قبر النبي ﷺ قبر أبي بكر ﵁ ... قبر عمر ﵁ * وساقه من طريق آخر، عن القاسم كذلك، إلَّا أنَّه قال فيه: فرأيت قبر النبي ﷺ مقدّمًا وأبا بكر عند رأسه: رِجْلاه بين كتفىْ النبي ﷺ ، وعمر عند رجلَي النبي ﷺ . * ذكر هذه الصفة؛ من طريق آخر عن مِصعب بن الزبير، وزاد بعد أن مثَّل قبورهم، قال إبراهيم الحربي: فرِجْلا عمر ﵁ تحت الجدار. انتهى. * قلت: قد روى حديث القاسم الذي تقدم أبو داود والحاكم على غير الصفة المتقدمة؛ فإنهما رويا: أنها كشفت عن ثلاثة قبور لا مشرِفة ولا طية مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء، زاد الحاكم: فرأيت رسول الله ﷺ مقدَّمًا وأبا بكر رأسه بين كتفَىْ النبي ﷺ وعمر رأسه عند رجلَىْ النبي ﷺ . (٧٣/ أ) وذكر ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن" ثلاث صفات: إحداها: التي نقلها ابن بطة عن القاسم. والثانية: التي نقلها عن رجاء بن حَيْوَة.

стр. 281

والثالثة: التساوي؛ وهذه صفتها: النبي ﷺ أبو بكر ﵁ عمر ﵁ قال ابن الجوزي: واختُلف في قبره: هل هو مسنَّم أو مسطَّح؛ فَرُوي الوصفان جميعًا. انتهى (١). والتسنيم أفضل؛ عند أبي حنيفة ومالك وأحمد والمُزَني وكثير من الشافعية. وفي البخاري، عن سُفيان التمَّار أنَّه قال: رأيت قبر النبي ﷺ مُسَنَّمًا (٢). وزاد أبو (٣) نعيم في "المستخرج": وقبر أبي بكر وعمر ﵄ كذلك. ومنصوص الشافعي: التسطيح أفضل. وفي مسلم: من حديث فضالة بن عبيْد أنَّه أمر بقبر فسُوِّي ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها (٤). * روى ابن بطَّة بسنده إلى حبيان بن ثابت ﵁، أنَّه قال في النبيُّ وفي أبي بكر وعمر ﵄: ثلَاثَةٌ بَرَزُوا بِفَضْلِهِمُ ... نَضَّرَهُمْ رَبُّهُمْ إذَا نُشِرُوا

стр. 282

فَلَيسَ مِنْ مُؤْمِنٍ لَهُ بَصَرٌ ... يُنْكِرُ تفْضِيلَهُمْ إذا ذُكِرُوا عَاشُوا بِلَا فُرْقَةٍ ثلَاثَتُهُمْ ... وَاجْتَمَعُوا في المَمَاتِ إذْ قُبِرُوا * قال ابن بطة: قال لي أبو بكر محمد بن الحسين: سألت أبا بكر أحمد بن غزال - قال أبو بكر: وكان ابن غزال من أهل السِّيَر وأهل القرآن والنحو والأدب، وكان من جلساء أبي بكر بن الأنباري - أن يُنشدني، فأنشدني شيئًا في دفن أبي بكر وعمر ﵄ مع النبي ﷺ فأنشدني: أَلا إنَّ النَّبِيِّ وَصَاحبَيْهِ ... كمِثْلِ الفَرْقَدَيْنِ، بلَا افْتِراقِ عَلَى رَغْمِ الرَّوَافِضِ قَدْ تصَافَوْا ... وَعَاشُوا في المَوَدَّةِ بِاتفَاقِ وَصَاروا بَعْدَ مَوتهِمُ جمَيعًا ... إلى قَبْرٍ تضَمَّنَ باعْتِناقِ إلَى مَا مِنْهُ قَدْ خُلِقُوا أُعِيدُوا ... وَمِنْهَا يُبْعَثُونَ إلَىَ السِّيَاقِ فَقُلْ لِلرَّافِضىَ تَعِسْتَ يَا مَنْ ... يُبَابِنُ في العَدَاوَةِ وَالشقَاقِ لأَهْلِ السَّبْقِ والأفْضَالِ حَقٌ ... طُوَالَ الدَّهْرِ، يُطْرَحُ في وَثَاقِ فعند الموت تبصر سوء هذا ... وبعد الموت تحشر (٧٣/ب) في الخناق وأَهْلُ البَيتِ حبهم بِقَلْبِي ... وَأصْحابُ النَّبِيِّ، كَذِي وَثَاق بِهمْ نَرْجُو السَّلَامَةَ مِنْ جَحِيْمٍ ... تُسعَّرُ للمُخَالِف بِاحْتِرَاقِ وَفَوْزًا في الجِنَانِ بدَارِ خُلْدٍ ... وَتُلْقي (١) بالتَّحيَّةِ في التلاقي وَهَذا وَاضِحٌ، شُكْرًا لِرَبِّي ... مَكِينٌ عِنْدَ أَهْلِ الحِقِّ بَاقِي * * *

стр. 283

الباب الثامن عشر في ذكر مسجد قباء وأهله: روى ابن النجار بسنده، إلى عويمر بن ساعدة، أن النبي ﷺ قال لأهل قُبا: "إن الله تعالى قد أحسن الثناء عليكم في كتابه العزيز، فقال تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١)﴾ (٢). ما هذا الطهور؟ فقالوا: ما نعلم شيئًا إلَّا أنَّه كان لنا جيران من اليهود وكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا" (٣). وفي "الصحيح": أن رسول الله ﷺ كان يزور قبا راكبًا وماشيًا (٤). وفي رواية عن ابن عُمر: أنَّه كان يأتي قبا كل سبت ويقول: رأيت النبي ﷺ يأتيه كل سبت (٥). وعن سهل بن حنيف، عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: "من توضأ فأسبغ الوضوء وجاء مسجد قباء فصلى فيه ركعتين كان له أجر عُمْرة" (٦). ونقل الطبراني في "معجمه" (٧) عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ

стр. 284

فأحسن وضوءه ثم دخل مسجد قباء يركع فيه أربع ركعات، كان ذلك عِدل عُمْرة". أخرجه أحمد والنسائي، وقال الترمذي حديث حسن صحيح (١). وروى عمر بن شبَّة في "أخبار المدينة" بإسناد صحيح، عن سعد بن أبي وقاص، قال: لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إليَّ من أن آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قبا لضربوا إليه أكباد الإبل (٢). و"قبا": بضم القاف وباء موحَّدة ممدود عند الأكثر، وأنكر السُّكَّري قصره، لكن حكاه صاحب "العين". قال البكري: من العرب من يذكَّرُه فيصرفه، ومنهم من يؤنثه فلا يصْرفه. قال في "المطالع": هو على ثلاثة أميال من المدينة، وقال ياقوت والباجي: على ميلين على يسار قاصد مكة، وهو من عوالي المدينة، وهذا معنى كلام القاضي عياض. فإنه قال: بنو عمرو بن عوف على ثلثَيْ فرسخ، ومسجد قباء: هو مسجد (٧٤/ أ) بني عمرو بن عوف، وهو أول مسجد أسسه رسول الله ﷺ (٣). وذهب قوم؛ إلى أنَّه المسجد الذي أُسِّس على التقوى. وهو رواية عطيَّة عن ابن عباس، وقول عروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، وقتادة. * قال ابن النجار: ذرعت مسجد قبا، فكان طوله: ثمانية وستين ذراعًا

стр. 285

يشفّ قليلًا وعرضه كذلك، وارتفاعه في السماء: عشرون، والمنارة على يمين المصلَّى وهي مربعة (١). وإنما سُمِّيت قباء؛ ببير كانت بها تسمى: "قتارًا" فتطيَّروا منها، فسمُّوها قباء، كما نقله ابن زبالة، والله أعلم. * * *
следующие страницы →