← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 17419

تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجد

الجراعي

Полный текст (404 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والثالثة: التساوي؛ وهذه صفتها: النبي ﷺ أبو بكر ﵁ عمر ﵁ قال ابن الجوزي: واختُلف في قبره: هل هو مسنَّم أو مسطَّح؛ فَرُوي الوصفان جميعًا. انتهى (١). والتسنيم أفضل؛ عند أبي حنيفة ومالك وأحمد والمُزَني وكثير من الشافعية. وفي البخاري، عن سُفيان التمَّار أنَّه قال: رأيت قبر النبي ﷺ مُسَنَّمًا (٢). وزاد أبو (٣) نعيم في "المستخرج": وقبر أبي بكر وعمر ﵄ كذلك. ومنصوص الشافعي: التسطيح أفضل. وفي مسلم: من حديث فضالة بن عبيْد أنَّه أمر بقبر فسُوِّي ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها (٤). * روى ابن بطَّة بسنده إلى حبيان بن ثابت ﵁، أنَّه قال في النبيُّ وفي أبي بكر وعمر ﵄: ثلَاثَةٌ بَرَزُوا بِفَضْلِهِمُ ... نَضَّرَهُمْ رَبُّهُمْ إذَا نُشِرُوا

стр. 282

فَلَيسَ مِنْ مُؤْمِنٍ لَهُ بَصَرٌ ... يُنْكِرُ تفْضِيلَهُمْ إذا ذُكِرُوا عَاشُوا بِلَا فُرْقَةٍ ثلَاثَتُهُمْ ... وَاجْتَمَعُوا في المَمَاتِ إذْ قُبِرُوا * قال ابن بطة: قال لي أبو بكر محمد بن الحسين: سألت أبا بكر أحمد بن غزال - قال أبو بكر: وكان ابن غزال من أهل السِّيَر وأهل القرآن والنحو والأدب، وكان من جلساء أبي بكر بن الأنباري - أن يُنشدني، فأنشدني شيئًا في دفن أبي بكر وعمر ﵄ مع النبي ﷺ فأنشدني: أَلا إنَّ النَّبِيِّ وَصَاحبَيْهِ ... كمِثْلِ الفَرْقَدَيْنِ، بلَا افْتِراقِ عَلَى رَغْمِ الرَّوَافِضِ قَدْ تصَافَوْا ... وَعَاشُوا في المَوَدَّةِ بِاتفَاقِ وَصَاروا بَعْدَ مَوتهِمُ جمَيعًا ... إلى قَبْرٍ تضَمَّنَ باعْتِناقِ إلَى مَا مِنْهُ قَدْ خُلِقُوا أُعِيدُوا ... وَمِنْهَا يُبْعَثُونَ إلَىَ السِّيَاقِ فَقُلْ لِلرَّافِضىَ تَعِسْتَ يَا مَنْ ... يُبَابِنُ في العَدَاوَةِ وَالشقَاقِ لأَهْلِ السَّبْقِ والأفْضَالِ حَقٌ ... طُوَالَ الدَّهْرِ، يُطْرَحُ في وَثَاقِ فعند الموت تبصر سوء هذا ... وبعد الموت تحشر (٧٣/ب) في الخناق وأَهْلُ البَيتِ حبهم بِقَلْبِي ... وَأصْحابُ النَّبِيِّ، كَذِي وَثَاق بِهمْ نَرْجُو السَّلَامَةَ مِنْ جَحِيْمٍ ... تُسعَّرُ للمُخَالِف بِاحْتِرَاقِ وَفَوْزًا في الجِنَانِ بدَارِ خُلْدٍ ... وَتُلْقي (١) بالتَّحيَّةِ في التلاقي وَهَذا وَاضِحٌ، شُكْرًا لِرَبِّي ... مَكِينٌ عِنْدَ أَهْلِ الحِقِّ بَاقِي * * *

стр. 283

الباب الثامن عشر في ذكر مسجد قباء وأهله: روى ابن النجار بسنده، إلى عويمر بن ساعدة، أن النبي ﷺ قال لأهل قُبا: "إن الله تعالى قد أحسن الثناء عليكم في كتابه العزيز، فقال تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١)﴾ (٢). ما هذا الطهور؟ فقالوا: ما نعلم شيئًا إلَّا أنَّه كان لنا جيران من اليهود وكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا" (٣). وفي "الصحيح": أن رسول الله ﷺ كان يزور قبا راكبًا وماشيًا (٤). وفي رواية عن ابن عُمر: أنَّه كان يأتي قبا كل سبت ويقول: رأيت النبي ﷺ يأتيه كل سبت (٥). وعن سهل بن حنيف، عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: "من توضأ فأسبغ الوضوء وجاء مسجد قباء فصلى فيه ركعتين كان له أجر عُمْرة" (٦). ونقل الطبراني في "معجمه" (٧) عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ

стр. 284

فأحسن وضوءه ثم دخل مسجد قباء يركع فيه أربع ركعات، كان ذلك عِدل عُمْرة". أخرجه أحمد والنسائي، وقال الترمذي حديث حسن صحيح (١). وروى عمر بن شبَّة في "أخبار المدينة" بإسناد صحيح، عن سعد بن أبي وقاص، قال: لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إليَّ من أن آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قبا لضربوا إليه أكباد الإبل (٢). و"قبا": بضم القاف وباء موحَّدة ممدود عند الأكثر، وأنكر السُّكَّري قصره، لكن حكاه صاحب "العين". قال البكري: من العرب من يذكَّرُه فيصرفه، ومنهم من يؤنثه فلا يصْرفه. قال في "المطالع": هو على ثلاثة أميال من المدينة، وقال ياقوت والباجي: على ميلين على يسار قاصد مكة، وهو من عوالي المدينة، وهذا معنى كلام القاضي عياض. فإنه قال: بنو عمرو بن عوف على ثلثَيْ فرسخ، ومسجد قباء: هو مسجد (٧٤/ أ) بني عمرو بن عوف، وهو أول مسجد أسسه رسول الله ﷺ (٣). وذهب قوم؛ إلى أنَّه المسجد الذي أُسِّس على التقوى. وهو رواية عطيَّة عن ابن عباس، وقول عروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، وقتادة. * قال ابن النجار: ذرعت مسجد قبا، فكان طوله: ثمانية وستين ذراعًا

стр. 285

يشفّ قليلًا وعرضه كذلك، وارتفاعه في السماء: عشرون، والمنارة على يمين المصلَّى وهي مربعة (١). وإنما سُمِّيت قباء؛ ببير كانت بها تسمى: "قتارًا" فتطيَّروا منها، فسمُّوها قباء، كما نقله ابن زبالة، والله أعلم. * * *

стр. 286

* الكتاب الثالث * في ذكر المسجد الأقصى وما يتعلق به وفيه خمسة أبواب الباب الأول في معنى اسمه وابتداء بنائه * قيل: سُمِّيَ أقصى؛ لبعد المسافة بينه وبين الكعبة، وقيل: في الزمن، وقيل: لأنه لم يكن وراءه موضع عبادة، وقيل: لبعده عن الأقذار والخبائث، وقيل: هو أقصى بالنسبة إلى مسجد المدينة؛ لأنه بعيد من مكة وبيت المقدس أبعد منه (١). والمسجد الأقصى: هو من إضافة الموصوف إلى الصفة. وقد جوَّزه الكوفيون؛ واستشهدوا له بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ (٢). والبصريون؛ يأوِّلونه بإضمار المكان، أي: بجانب المكان (٣) الغربي ومسجد المكان الأقصى ونحو ذلك (٤).

стр. 287

* أما بناؤه: فقد ثبت في "الصحيح": أن أبا ذَرٍّ قال: قلت يا رسول الله! أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال "المسجد الحرام"، قال: قلت ثم أيّ، قال: "المسجد الأقصى"، قلت: كم كان بينهما؟ قال: "أربعون سنة ثم أين ما أدركتك (١) الصلاة فصلٍّ" (٢). * قوله: "أول": هو بضم اللام، قال أبو البقاء: هي ضمة بناء لقطعه عن الإضافة، مثل: قبلُ وبعدُ، والتقدير: أول كل شيء، ويجوز الفتح مصروفًا وغير مصروف. * قوله: "أربعون سنة": قال ابن الجوزي: فيه إشكال؛ لأن إبراهيم ﵇ بنى الكعبة، وسليمان ﵇ بنى بيت المقدس، وبينهما أكثر من ألف سنة. انتهى. * قلت: مستنده في أن سليمان هو الذي بنى الأقصى؛ ما رواه النَّسائي (٧٤/ ب) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا بإسناد صحيح: "إن سليمان ﵇ لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالًا ثلاثًا فأعطاه اثنتين، وأرجو أن يكون أعطاه الثالثة: سأله مُلكًا لا ينبغي لأحد بعده، فأعطاه إياه. وسأله حكمًا يواطي حكمه فأعطاه إياه، وسأله من أتى هذا البيت - يريد بيت المقدس - لا يريد إلَّا الصلاة فيه أن يخرج من الذنوب كيوم ولدته أمه، فقال رسول الله ﷺ ، وأنا أرجو أن يكون قد أعطاه الثالثة". رواه: ابن خزيمة، وابن حبَّان في صحيحيهما، والحاكم في مُسْتَدرَكِهَ،

стр. 288

وقال صحيح على شرط الشيخين ولا علَّة له (١). * قال ابن الجوزي: وجوابه؛ أن الإشارة إلى أول البناء ووضع أساس المسجد، وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة، ولا سليمان أول من بنى بيت المقدس. فقد روينا: أن أول مَن بنى الكعبة: آدم ﵇، ثم انتشر ولده في الأرض. فجائز؛ أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس، ثم بنى إبراهيم ﵇ الكعبة بنصّ القرآن. وكذا قال القرطبي: إن الحديث لا يدل على أن إبراهيم وسليمان ﵉ بنيا المسجدين ابتديا وضعهما لهما؛ بل ذلك تجديد لما كان أسسه غيرهما. * قال ابن حَجَر: وقد مشى ابن حبان على ظاهر هذا الحديث؛ فقال: في هذا الخبر ردٌّ على من زَعَمَ أن بين إسماعيل وداود ألف سنة. وتعقّبه الحافظ الضياء بنحو ما أجاب به ابن الجوزي. وقال الخطَّابي: يشبه أن يكون المسجد الأقصى أول ما وضع بناءه بعض أولياء الله تعالى قبل داود وسليمان، ثم بناه داود وسليمان ﵉ فزادا فيه ووسَّعاه، فأضيف إليهما بناؤه. قال: وقد نُسب هذا المسجد إلى إيلياء؛ فيحتمل أن يكون هذا بانيه وغيره.

стр. 289

قال ابن حجر: الاحتمال الذي ذكره أولًا موجّه، وقد رأيت لغيره أن أول من أسَّس المسجد الأقصى: يعقوب ﵇؛ لكن الاحتمال الذي ذكره ابن الجوزي أوجه. وقد وجدت ما يشهد له؛ فذكر ابن هشام في كتاب (٧٥/ أ) "التيجان": أن آدم ﵇ لما بنى الكعبة أمره الله تعالى بالمسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه، فبناه ونسَك فيه. وبناء (١) آدم ﵇ للبيت مشهور (٢)، وقد تقدم في ذكر بناء البيت. قال ابن حجر: وأما ظنُّ الخطَّابي أن إيلياء اسم رجل؛ ففيه نظر، بل هو اسم البلد (٣)؛ فأضيف إليه المسجد كما يقال مسجد المدينة، ومسجد مكة. * قال أبو عبيد البكري في "معجم البلدان": إيلياء (٤) مدينة بيت المقدس، ولو كان ما قاله الخطَّابي منقولًا لأمكن أن يقال إنها سميت باسم بانيها كغيرها. انتهى (٥). * قلت: قد وجدت ما يشهد لصحة الأعمرة الذي ذكره الخطابي، وهو ما ذكره سعيد بن برزة بترك الإسكندرية في تاريخه المعروف عند الفقهاء الذي سماه: "نظم الجوهر" أن إيلياء اسم ملك، وأنها امرأة يسكن (المدن يهودي وأن يقتلوا ويستأصلوا وأنها تسكن المدن اليونان وبنوا بها الهياكل وأن يجعلوا فوقها ألواحًا ويكتبوا عليها اسم إيلياء الملك، والبرج اليوم على باب

стр. 290

مدينة بيت المقدس ويسمى محراب داود، قال: فسمِّي بيت المقدس إلى هذا (١) الآن إيلياء). * وروى البيهقي في "سننه" عن أبي هريرة قال: "لما أراد عمر ﵁ أن يزيد في مسجد رسول الله ﷺ وقعت زيادة على دار العباس، فأراد عمر أن يدخلها في المسجد ويعوضه منها، فأبى، وقال: قطيعة رسول الله ﷺ ، فاحتملا، فجعلا بينهما أبىّ بن كعب، فأتياه في منزله. وكان يسمّى سيد المسلمين، فأمر لهما بوسادة فأُلقِيت لهما فجلسا عليها بين يديه، فذكر عمر ما أراد، وذكر العباس قطيعة رسول الله، فقال أُبَىّ: أرى الله أمر عبده ونبيه داود ﵇ أن يبني له بيتًا، فقال: أىْ رب، وأيْن هذا البيت؟ قال: حيث ترى الملك شاهرًا سيفه، فرآه على الصخرة. وإذا ما هناك يومئذ أنذر لغلام من بني إسرائيل فأتاه داود، فقال: إني قد أُمرت أن أبني هذا المكان بيتًا لله تعالى، فقال له الفتى: آلله أمرك أن تأخذ مني بغير رضائي؟ قال: لا. فأوحى الله تعالى إلى داود ﵇: "إني قد جعلت في يدك خزائن الأرض فأرضِه"، فأتاه داود فقال: إني قد أمرت برضاك، فلك بها قنطار من ذهب، فقال: (٧٥/ ب) قد قبلت؛ فياداود هي خير أم القنطار؟ قال: بل هي خير، قال: فأرضني! قال: فلك بها ثلاثة قناطير! قال: فلم يزل يشدد على داود حتى أخذها منه بتسع قناطير. قال العباس: اللهم لا آخذ لها ثوابًا، وقد تصدقت بها على جماعة المسلمين، فقبلها عمر، فأدخلها في مسجد رسول الله ﷺ (٢). * وروى أبو القاسم الطبراني في "المعجم الكبير" بسنده إلى رافع بن

стр. 291

عمير، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله لداود ابن لي بيتًا في الأرض، فبنى داود بيتًا لنفسه مثل البيت الذي أُمر، فأَوْحى الله إليه: يا دواد نصبت بيتك مثل بيتي، قال: أي ربِّ هكذا قلتَ فيما قضيت مَنْ مَلَك اسْتأْثَرَ ثم أخذ في بناء المسجد. فلما تم السُّور سقط ثلثاه، فشكا ذلك إلى الله ، فأوحى الله تعالى إليه: إنه لا يصلح أن تبنىَ لي بيتًا. قال: أي ربّ، ولِمَ؟ قال لما خربت على يديك من الدنيا. قال: أي رب، ولم يكن ذلك في هواك ومحبتك؟ قال: بلى؛ ولكنهم عبادي وأنا أرحمهم، فشقَّ ذلك عليه. فأوحى الله تعالى إليه: إني سأقضي بناءه على يَدَىْ ابنك سليمان. فلما مات داود: أخذ سليمان في بنائه، فلما تم، قرَّبَ القرابين وذبح الذبائح، وجمع بني إسرائيل، فأوحى الله تعالى إليه: سلني أُعطِكَ! قال: أسألك ثلاث خصال: حكمًا يصادف حكمَك. وملكا لا ينبغي لأحد من بعدي. ومن أتى هذا البيت لا يريد به إلَّا الصلاة فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. قال رسول الله ﷺ : "أما اثنتين (١) فقد أُعْطِيهما وأنا أرجو أن يكون قد أُعطي الثالثة" (٢). وعن كعب الأحبار: أن سليمان ﵇ بنى بيت المقدس على أساس قديم كان أسسه سام بن نوح.

стр. 292

وعن عطاء الخراساني، قال: بيت المقدس بنته الأنبياء. والله ما فيه موضع شبر إلا وقد سجد فيه نبي. * * *

стр. 293

الباب الثاني في فضله وفضل الصلاة فيه: قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (١). (٧٦/أ) هذه الآية معظِّمةٌ لقدْره؛ بإسراء سيدنا رسول الله ﷺ إليه قبل عروجه إلى السماء، وإخبار الله تعالى بالبركة حوله، وفيه تأويلان: أحدهما: بمن جُعِل حوله من الأنبياء المصطفَيْن (٢) الأخيار. والثاني: لكثرة الثمار ومجاري الأنهار. وقد قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤). وفي "الصحيحين": "لا تشد الرحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد؛ مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى" (٥).

стр. 294

وروى أبو المعالي المقدسي في "فضائل بيت المقدس"، عن أنس بن مالك؛ أنَّه قال: إن الجنة تحن شوقًا إلى بيت المقدس. وصخر بيت المقدس من جنة الفردوس، وهي خير الأرض". * أما فضيلة (١) الصلاة فيه ومضاعفتها؛ فقد اختلفت الأحاديث فيها: فورد: أنها فيه (٢) بخمسمائة. وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: إنه الصواب. وقد رواه البزَّار والطبراني من حديث أبي الدرداء رفعه: "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة" (٣). قال البزار: إسناده حسن. * وورد: أنها بألف - كما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث ميمونة مولاة النبي ﷺ قالت: "يا نبي الله أَفْتِنَا في بيت المقدس؟ قال: أرضُ المحشر والمنشر، إِيتُوه فصلُّوا فيه؛ فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره، قالت: أرأيت من لم يُطِق أن يتحمل إليه أو يأتيه؟ قال: فليَهْد له زيتًا يُسْرُج فيه؛ فإن من أهدى كان كمن صلَّى فيه" (٤). قال بعضهم: فيه نكارة من جهة أن الزيت يعز في الحجاز؛ فكيف يأمر الشرع بنقله من هناك إلى معدنه. "المحْشَر": بكسر الميم: الموضع الذي يُحشر الناس فيه، أي:

стр. 295

يجمعوا (١)، وبالفتح المصدر. وذكر صاحب "مختصر العين": أن "المحشر": بالكسر والفتح: الموضع الذي يحشر الناس. و"المنشر": موضع النشور، وهو قيام الموتى (٧٦/ ب) من قبورهم. * وورد: أنها بخمسين ألفًا؛ لِمَا روى ابن ماجه في "سُنَنِهِ" من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يُجمَّع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في مسجدي بخمسمائة ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة" (٢). في إسناده أبو الخطَّاب الدمشقي، وهو لا يُعرف. وأطلق في: "عيون المسائل" و"المستوعب" و"الرعاية" وغيرها: أنها بالأقصى بخمسة وعشرين ألفًا، ولعل مُسْتندَهُ حديث أَنَس المتقدم إن كان ورد في بعض طرقه أنها بالأقصى كذلك؛ لأنه (٣) فيه أنَّه مساوٍ لمسجد النبي ﷺ . * وورد ما يدلّ أنها بمائتين وخمسين كما روى الطبراني في "معجمه"، من حديث أبي ذر: "صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه" (٤) -

стр. 296

يعني بيت المقدس - وساق بقيته، فدل أنها ببيت (١) المقدس بمائتين وخمسين. * وروى أبو بكر الواسطي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلَّى في بيت المقدس خمس صلوات نافلة، كل صلاة أربع ركعات يقرأ في الخمس عشرة آلاف ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقد اشترى نفسه من الله ﵎ وليس للنار عليه سلطان" (٢). * قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: ورُوي أن الصلاة فيه بخمسين صلاة، والنبي ﷺ ليلة المعراج صلى في بيت المقدس ركعتين - كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح (٣). * * *

стр. 297

الباب الثالث في ذكر فتح بيت المقدس ومصلى المسلمين الذي بناه عمر (١) ﵁ والصخرة وغير ذلك: * فقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: أعدد ستًّا بين يدَىْ الساعة، فذكر منها فتح بيت المقدس (٢)، ففتحه عمر ﵁ صلحًا لخمسٍ خلون من ذي القعدة سنة ست عشرة من الهجرة بعد موت سيدنا رسول الله ﷺ (٧٧/ أ) بخمس سنين وأشهُر. * قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: لما فتح عمر ﵁ بيت المقدس، وجد النصارى قد ألقت على الصخرة زبالة عظيمة؛ لأنَّ النصارى كانوا يقصدون إهانتها مقابلة لليهود الذين يصلُّون إليها، فأزالها ونظَّفها، وقال لكعب الأحبار: أين ترى أن نبني مصلَّى المسلمين، فقال: خلف الصخرة فزجره عمر ﵁، وقال: خالطتك يهودية، بل إنما نبنيه أمامها فإن لنا صدور المجالس، فبناه في قبلي المسجد، وهو الذي يسميه كثير من العامة اليوم الأقصى. والأقصى: اسم للمسجد الذي بناه سليمان ﵊ كله في هذا المصلَّى الذي بناه عمر ﵁ أفضل منها في سائر المسجد. * وقد رُوي: أن عمر ﵁ صلى في محراب داود عليه

стр. 298

السلام، وأما الصخرة فلم يصلِّ عندها عمر ﵁ ولا الصحابة ﵃. ولهذا؛ لما قَدِمَ الأوزاعي بيت المقدس، توضأ، ثمَّ جعل الصخرة وراء ظهره، وصلَّى ثماني ركعات وصلَّى الخمس صلوات، ثمَّ قال: هكذا فعل عمر بن عبد العزيز ﵁، ولم يأتِ شيئًا من تلك الأماكن. * وروى الإمام أحمد في "مسنده" أن عمر بن الخطَّاب رضي الله [عنه] كان بالجابية، فذكر فتح بيت المقدس، قال عُبيد بن آدم: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ قال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة؛ فكان القدس كلها بين يديك فقال عمر: ضاهيت اليهودية! ولكن أصلي حيث صلَّى رسول الله ﷺ ، فتقدم إلى القبلة فصلَّى، ثمَّ جاء فبسط رداءه فكنَس الكناسة في ردائه، وكنَس الناس (١). * وقد كانت الصخرة مكشوفة في خلافة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، ومعاوية، ويزيد بن معاوية، ومروان، ولكن؛ لما أخذ عبد الملك بن مروان الشام ووقع بينه وبين ابن الزبير الفتنة كان الناس يحجون فيجتمعون بابن الزبير، فأراد عبد الملك أن يصرف الناس عن ابن الزبير، فبنى لهم القبة على الصخرة، وكساها في (٧٧/ أ) الشتاء والصيف؛ ليرغب الناس في زيارة بيت المقدس، ويصّدهم بذلك عن ابن الزبير. * وأما أهل العلم من الصحابة والتابعين؛ فلم يكونوا يعظِّمون الصخرة؛ فإنها كانت قِبْلة ثمَّ نُسخت - كما أن يوم السبت كان عيدًا في شريعة موسى ﵇ ثمَّ نسخ في شريعة محمَّد ﷺ بيوم الجمعة، فليس للمسلمين أن يخصّوا يوم السبت ويوم الأحد بعبادة - كما يفعله اليهود والنصارى، وكذلك

стр. 299

الصخرة؛ إنما يعظمها اليهود وبعض النصارى. وما يذكره بعض الجهال: أن هناك أثر قدم النبي ﷺ ، وأثر عمامته أو غير ذلك: فكله كذب. وكذلك المكان الذي يذكر أنَّه مهد عيسى ﵇: كذب؛ وإنما كان موضع معمودية النصارى. وكذلك من زعم؛ أن هناك الصراط والميزان والسور الذي يضرب به بين الجنة والنار، هو ذلك الحائط المبني شرقي المسجد. وكذلك تعظيم السلسلة أو موضعها: ليس مشروعًا، وليس بيت (١) المقدس مكان تفضله العبادة سوى المسجد الأقصى. * وقد ذكر طائفة من المتأخرين: أن اليمين تغلظ عند الصخرة، وليس هذا في كلام أحمد ولا غيره من الأئمة، فليس له أصل؛ بل تغلظ هناك عند المنبر - كما في سائر المساجد. * وليس ببيت المقدس مكان يسمى: حرمًا، ولا بقرية الخليل، ولا بغير ذلك من البقاع؛ إلا ثلاثة أماكن: أحدها: حرم باتفاق المسلمين، وهو حرم مكة. والثاني: حرم عند جمهور العلماء - كمالك، والشافعيُّ، وأحمد، وهو: حرم المدينة. والثالث: وجّ: وهو واد بالطائف؛ فإن هذا رُوي فيه حديث رواه أحمد في "المُسْند" (٢)، وليس في الصحاح؛ فهو حرم: عند الشافعي؛ لاعتقاده

стр. 300

صحة الحديث. وليس حرمًا عند أكثر العلماء. وأحمد ضعَّف الحديث المروي فيه، ولم يأخذ به. * * *

стр. 301

الباب الرابع في أسمائها: * الأول: "إيلياء"، بهمزة مكسورة بعدها ياء آخر الحرف ساكنة ثمَّ لام مكسورة ثمَّ ياء آخر الحروف مفتوحة ثمَّ ألف ممدودة. * الثاني: "إليا"، (٧٨/ أ) كما تقدم إلَّا أنَّه مقصور، قيل معناه بيت الله. وعن كعب الأحبار: أنَّه كره أن يسمى بإيلياء؛ ولكن: بيت الله المقدَّس. * الثالث: "إلياء"، بحذف الياء الأولى وسكون اللام والمد، حكاها صاحب "الطوالع" (١). * الرابع: "الإليا"، بالألف واللام - ذكره أبو يعلى الموصلي في "مسنده"، عن ابن عباس، واستغرَبه النَّووي. * الخامس: "بيت المقدس": بفتح الميم وإسكان القاف، أي: المكان الذي يطهَّر فيه من الذنوب. قال أبو علي الفارسي: يحتمل أن يكون مصدرًا - كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾، ونحوه من المصادر، ويحتمل أن يكون مكانًا؛ على معنى: أنَّه بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة، أو بيت مكان الطهارة. وتطهيره: إخلاؤه من الأصنام وإبعاده منها.

стр. 302

* السادس: "البيت المقدَّس": بضم الميم وفتح القاف والدال المشدَّدة: أي: المطهر. * قال ابن سُراقة: ويقال: "الأرض المقدسة": ثلاثة: فلسطين والأردن ودمشق؛ وهو ما أدركه بصر إبراهيم ﵇ حين رفع على الجبل، وقيل له: ما أدرك بصرك؛ فهو ميراث لك ولولدك من بعدك. * السابع: "القدس"، بضم القاف وإسكان الدال من غير ميم. * الثامن: "القدس"، بضم القاف والدال. * التاسع: "شلَّم"، بالشين المعجمة وتشديد اللام. * العاشر: "سلَّم"، بالمهملة وتشديد اللام؛ لكثرة سلام الملائكة فيه. قال ابن برِّي: وأصله شلَّم بالشين المعجمة؛ لأنَّ شين العجمية في العربية: سين، فالسلام: شلام، واللسان: لشان، والاسم: اشم. * الحادي عشر: "شلام"، بالمعجمة على وَزْنِ فَعَال، حكاه ابن القطاع في "الأبنية" له. * الثاني عشر: "سَلِم" بفتح المهملة وكسر اللام الخفيفة. قال ابن الأثير في "النهاية": شلَّم بالمعجمة وتشديد اللام: اسم بيت المقدس. ويروى بالمهملة وكسر اللام كأنه عرَّبه، ومعناه بالعبرانية: بيت السلام. * الثالث عشر: "أوري شلم"، بضم الهمزة وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة وفتح الشين المعجمة وكسر (٧٨/ ب) اللام المخففة، كذا قاله أبو عبيدة معْمَر بن المثنى.

стр. 303

أنشد الأعشى: وَقَدْ طُفْتُ لِلْمالِ آفاقَهُ ... دِمَشْقَ فَحِمْصَ فَأُورِي شلِم والأكثرون؛ بفتح الشين واللام. * الرابع عشر: "كورة إليا". * الخامس عشر: "أورشليم". * السادس عشر: "يشليم". * السابع عشر: "بيت إيل". * الثامن عشر: "صهيون". * التاسع عشر: "مصروث"، بالصاد المهملة والثاء المثلثة. * العشرون: "كورسيلا". * الحادي والعشرون: "بابوش"، بموحدتين وآخره شين معجمة. * الثاني والعشرون: "القرية"، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ (١). قال مجاهد هي بيت المقدس، وقال مقاتل: "إيليا". * * *

стр. 304

الباب الخامس في ذكر جملة من خصائصه وأحكامه: * الأول: أن الله تعالى خصه بإسراء نبيه ﷺ إليه بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (١). * الثاني: أن منه حصل المعراج بسيد الأولين والآخرين صلوات (٢) الله وسلامه عليه وناهيك بها (٣) من فضيلة. واختلفوا في وقت المعراج: فقيل: كان قبل المبعث، وهو شاذ؛ إلا إن حُمِل أنَّه حينئذٍ وقع في المنام. وذهب الأكثر: إلى أنَّه كان بعد المبعث. ثمَّ اختلفوا؛ فذهب الأكثر إلى أنَّه كان في ربيع الأول قبل الهجرة بسنة. وبالغ ابن حزم؛ فنقل الإجماع على ذلك. وقيل: قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر، قاله السُّدي، وأخرجه من طريقه (٤) الطبري والبيهقيُّ. فعلى هذا؛ كان في شوال.

стр. 305

وقيل: كان في رجب، حكاه ابن عبد البر، وجزم به النُّووي في "الروضة". وقيل: بثمانية عشر شهرا - حكاه ابن عبد البر، وَقَبله ابن قتيبة؛ فعلى هذا: يكون في رمضان. وقيل: كان قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر؛ فعلى هذا: يكون في ذي الحجة، وبه جزم ابن فارس. وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين - حكاه ابن الأثير، واختار ابن المنير تبعًا للحربي: أنَّه كان في سابع عشر (١) ربيع الآخر، وكذا جزم به النَّووي في "فتاويه"؛ لكن قال في "شرح مسلم": ربيع الأول. * وحكى عياض عن الزُّهري: أنَّه كان بعد المبعث (٧٩/ أ) بخمس سنين، وعليه يدل كلام ابن إسحاق وصنيع ابن عساكر. وأما البخاري؛ فصنيعه يدل: أنَّه كان قبل الهجرة بسنة أو سنتين. واستنبط ابن المنير: أنَّه كان يوم الاثنين؛ لأنه وُلد فيه، وبُعث فيه، وهاجر فيه، ومات فيه. وقد روى ابن (٢) أبي شيْبَة ما يوافقه من حديث جابر وابن عباس؛ قالا: وُلد رسول الله ﷺ يوم الاثنين، وفيه بُعث، وفيه عُرج به إلى السماء، وفيه مات. ورجح القرطبي والنووي تبعًا لعياض قول الزهري. انتهى ملخصًا؛ غالبه من شرح البخاري لابن حجر.

стр. 306

وقد تقدم في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ صلى تلك الليلة ببيت المقدس ركعتين، وكذا تقدم في "المُسند": أنَّه صلى (١)، ورواه البزار في "مسنده"، لكن ذكر ابن حبَّان في "صحيحه": أنَّه لم يصلِّ (٢). * الثالث: مضاعفة الصلاة فيه، وقد تقدمت، وتقدم ذكر الخلاف في قدرها. * الرابع: استحباب شد الرحال إليه، ففي "الصحيحين": "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، فذكر منها المسجد الأقصى" (٣). * الخامس: يستحب ختم القرآن به، كما روى سعيد بن منصور في "سننه"، عن أبي مجلز، قال: كانوا يستحبون لمن أتى المساجد الثلاثة أن يختم بها القرآن قبل أن يخرج: المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ ومسجد بيت المقدس. وروى أبو المعالي: أن سفيان الثوري كان يختم به القرآن. * السادس: يستحب الصيام فيه. فقد رُوي "صوم يوم في بيت المقدس: براءة من النار". * السابع: ذكر بعض الشافعية استحباب الحج والعمرة منه؛ لخبر أم حكيم عن أم سلمة مرفوعًا: "مَنْ أهلَّ بعمرة من بيت المقدس: غُفر له". رواه ابن ماجه (٤) من رواية ابن إسحاق - وهو مدلس - وصرَّح بالسماع.

стр. 307

ولأحمد من روايته - وصرَّح بالسماع -: "من أهلَّ من المسجد الأقصى بعمرة أو بحجة: غُفر له ما تقدم من ذنبه" (١). وفي لفظ له من رواية ابن لهيعة: "من أحرم من بيت المقدس: غُفر له ما تقدم من ذنبه" (٢). وفي رواية لأبي داود: "من أهلَّ بحجة أو عُمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام: غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة" (٣) شكَّ عبد الله أيهما قال، إسناده جيد (٧٩/ ب) ليس فيه ابن إسحاق. وأما عندنا فلا يستحب الإحرام قبل الميقات. وأجاب القاضي أبو يعلى في "التعليق" عن الحديث المتقدم؛ بأنَّ قوله: "من أهلَّ": معناه من قصد من المسجد الأقصى، ويكون إحرامه من الميقات. وأجاب الشيخ موفَّق الدين؛ بتضعيف الخبر؛ لأنه يرويه ابن أبي فدَيْك وابن إسحاق وفيهما مقال، ثمَّ قال: ويُحْتمل اختصاص هذا ببيت (٤) المقدس دون غيره ليجمع بين الصلاة في المسجدين في إحرام واحد؛ ولذلك أحرم ابن عمر منه ولم يكن يحرم من غيره إلا من الميقات. قلت: الاحتمال الثاني الذي ذكره الشيخ: أظهر؛ فإن ابن إسحاق مدلس وقد صرَّح بالسماع عن ابن أبي فُدَيْك ثقة محتجّ به في الكتب الستة، وانفرد ابن سعد بقوله وليس بحجة.

стр. 308

* الثامن: يستحب لمن لم يقدر على زيارته أن يهدي له زيتًا لما تقدم من حديث ميمونة (١). ذكره بعض الشافعية. * التاسع: حُكِىَ عن بعض السلف: أن السيئات تضاعف فيه. رُوي ذلك: عن كعب الأحبار، وذكر أبو بكر الواسطي، عن نافع، قال: قال لي ابن عمر: اخرج بنا من هذا المسجد؛ فإن السيئات تضاعف فيه كما تضاعف الحسنات. * العاشر: أن الدَّجَّال لا يدخل بيت المقدس. روى ذلك: أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنَّفه" (٢)، عن سَمُرة بن جندب، عن النبي ﷺ ، وذكر الدجال، وقال: "وإنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس، وأنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس". وأخرجه الحاكم في "مستدركه" من كتاب صلاة الكسوف، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (٣). وروى الإمام أحمد في "مسْنَده"، عن النبي ﷺ في ذِكر الدَّجَّال، إلى أن قال: "وإنه يلبث فيكم أربعين صباحًا يَرِد فيها كل منهل إلا أربع مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، والطور، ومسجد الأقصى" (٤). * الحادي عشر: قال في "إعلام الساجد": الصخرة في المسجد الأقصى كالحجر الأسود في المسجد الحرام.

стр. 309

قال: ولما فُدي إسماعيل بالكبش ذبحه إبراهيم ﵉ عليها، فاختار الله ذلك الموضع لقربان خليله (٨٠/أ) ﷺ ، ومنّ عليه بفدا ابنه، فهو محلّ للرحمة. قلت: وفيه نظر ظاهر؛ وقد تقدم كلام الشيخ تقي الدين في الصخرة. وذكر الترمذي في التفسير من "جامعه": أن النبي ﷺ قال: "لما كان ليلة أُسْرِىَ بي أتى جبريل الصخرة ببيت المقدس فوضع أصبعه فيها فخرقها فشد بها البراق" (١). وروى أبو نعيم، عن وهب بن منبه، قال: قال الله تعالى لصخرة بيت المقدس: "لأضعن عليكِ عرشي ولأحشرنَّ عليك خلقي، وليأتينَّك داود راكبًا" (٢). * الثاني عشر: أن الصخرة محل نداء القيامة في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ (٣). قال الفرَّاء: واستمع يا محمَّد صيحة (٤) القيامة والنشور يوم ينادي المنادي. قال تعالى: يعني: إسرافيل ﵇ ينادي بالحشر: يا أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن (٥) لفصل القضاء من مكان قريب من صخرة بيت المقدس.

стр. 310

* الثالث عشر: أنها أقرب الأرض إلى السماء. قال تعالى: ﴿مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: قال الكلبي: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلًا. وقال القشيري: باثني عشر ميلًا. * الرابع عشر: أنها وسط الأرض جزم به صاحب "المصابيح". * الخامس عشر: يُكره استقبال بيت المقدس بالبول والغائط، في ظاهر ما نقله حنبل عن الإمام أحمد. وقال النَّووي في "الروضة": يُكره استقباله واستدباره بهما. * السادس عشر: رُوي أنَّه من دُفن ببيت المقدس؛ وُقِىَ فتنة القبر وسؤال الملكين. * السابع عشر: من مات في بيت المقدس؛ فكأنما مات في السَّماء - كما رواه أبو نعيم في "تاريخ أصبهان"، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "مَن مات في بيت المقدس فكأنما مات في السماء" (١). * الثامن عشر: روى الخطيب في كتابه: "الموضِّح أوهام الجمع والتفريق" من حديث جابر يرفعه: "أول من يدخل الجنة الأنبياء ثمَّ مؤذِّنو البيت ثمَّ مؤذِّنو بيت المقدس ثمَّ مؤذنو مسجدي ثمَّ سائر المؤذنين، قال: ومؤذن البيت بلال" (٨٠/ ب) قال الخطيب: غريب (٢). * التاسع عشر: ليحذر من اليمين الفاجرة فيه وكذا في المسجدين، فإن عقوبتها عاجلة.

стр. 311

وروىَ: أن عمر بن عبد العزيز أمر كل عمال سليمان بن عبد الملك إلى الصخرة ليحلفوا عندها، فحلفوا؛ إلَّا واحدًا فدا يمينه بألف دينار، فما حال الحول على واحد منهم، بل ماتوا كلهم. * العشرون: في "الصحيحين": "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم" الحديث (١). قال الطبري في روايته: قيل: فأين هم يا رسول الله، قال: "ببيت المقدس، أو بأكناف بيت المقدس" (٢). وروى أبو يعلى الموصلي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وعلى أبواب بيت المقدس لا يضرهم خذلان مَن خذلهم ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة" (٣). * الحادي والعشرون: تقدم أن صلاة العيد في الصحراء أفضل إلا في مكة؛ لمعاينة الكعبة، وألْحَقَ بعض الشافعية المسجد الأقصى بمسجد مكة، منهم: الصيدلاني، وصاحب "الخصال"، والماوردي، والروياني، والبغويُّ، والبندنيجي، والجويني في "مختصره"، والغزالي في "خلاصته"، والخوارزمي في "الكافي"؛ وعلَّله بعضهم: بأن المعنى في مسجد مكة؛ لما فيه من الفضل والسعة، والمسجد الأقصى يجمعهما. وسكتوا عن مسجد المدينة؛ لصغره. وأما أصحاب الإمام أحمد؛ فإنهم لم يستثنوا إلا المسجد الحرام.

стр. 312

* الثاني والعشرون: قال ابن سُراقة في كتاب "الأعداد": أكبر مساجد الإِسلام واحد، وهو: مسجد بيت المقدس. وقيل: ما تم فيه صف واحد قط في عيد ولا جمعة ولا غير ذلك! ! انتهى. * الثالث والعشرون: أن الله تعالى بارك حوله - كما في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (١). * الرابع والعشرون: الصخرة من جنة الفردوس - كما تقدم في أثر أنس. * الخامس والعشرون: أن الجنَّة تحنُّ شوقًا إلى بيت المقدس - كما تقدم أيضًا. * السادس والعشرون: أن من قصده لا يريد إلَّا الصلاة فيه: يرجى له أن يخرج من ذنوبه (٨١/ أ) كيوم ولدته أمه - كما تقدم في الباب الأول من سؤال سليمان ﵇. * السابع والعشرون: أنَّه ثاني مساجد الدنيا وضعًا - كما ثبت في "الصحيحين" من حديث أبي ذر - وقد تقدم. * * *

стр. 313

* الكتاب الرابع * في ذكر بقية المساجد وذكر طرف من أخبار المدارس وفيه أربعة أبواب: الباب الأول في ذكر أول مسجد بنُي في الإِسلام: * قال ابن الجوزي في "تنقيح فهوم الأثر": أول من بنى مسجدًا في الإِسلام: عمار ابن ياسر. قال الزركشي الشافعي: وهو مسجد قباء ذكره ابن الأثير. * قلت: إن كان المراد بمسجد عمَّار ما فسَّره ابن الأثير؛ ففيه نظر؛ لما وَرَد في "صحيح البخاري" في قصة أبي بكر الصديق ﵁؛ لمَّا ردَّه ابن الدُّغنَّة إلى مكة حين أراد أن يسيح في الأرض ويعبد ربه، وفيه: أنَّه ابتنى مسجدًا بفِناء داره (١)، وهذا؛ كان قبل الهجرة إلى المدينة؛ بل قبل أن يتبين لهم أنهم يهاجرون إلى المدينة. اللهم؛ إلا أن يريد أنَّه أول مسجد بني في الإِسلام بالمدينة؛ فإن هذه القصة لا تخفى على من له أدنى معرفة بالحديث فضلًا عن ابن الجوزي. ثمَّ وجدت بعد ذلك، ما رواه محمَّد بن سعد: أنا قبيصة، أنا سفيان، عن أبيه، قال: أول من اتخذ مسجدًا في بيته يصلِّي فيه: عمَّار بن ياسر (٢).

стр. 314

وبإسناده، عن القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، قال: أول من بنى مسجدًا يصلي فيه: عمار بن ياسر (١). صرح في الرواية المتقدمة: أنَّه اتخذه في بيته، وهو يرد ما حكاه الزركشي عن ابن الأثير، ويزيل الإشكال، ولله الحمد والمنة! ! * * *

стр. 315

الباب الثاني في ذكر طرف من أخبار المدارس (١): * ذكر ابن أبي الدم: أن أول من بنى المدارس في الإِسلام (٢): الوزير قوام الدين نظام الملك الطوسي الحسن بن علي، وكان وزير السلطان ألبارسلان السلجوقي عشر سنين، ثمَّ وزر لولده ملك شاه عشرين سنة، وكان يحب الفقهاء والصوفية ويكرمهم ويؤثرهم: * بنى المدرسة النظامية ببغداد، وشرع فيها سنة سبع وخمسين وأربعمائة، ونُجِّزت سنة تسع وخمسين. (٨١/ ب)، وجمع الناس على طبقاتهم فيها يوم السبت عاشر ذي القعدة؛ ليدرس بها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي؛ فلم يحضر: يقال: لقيه صبي، فقال: كيف تُدرِّس في مكان مغصوب؟ ! فَوَسْوَسَه فاختفى، فلما أيسوا من حضوره: ذكر الدرس بها الشيخ أبو نصر بن الصباغ عشرين يوما، ولما وصل الخبر إلى الوزير: احتال على الشيخ أبي إسحاق، ولم يزل يرفق به حتى درَّس بها وحضر يوم السبت مستهل ذي الحجة وألقى الدرس بها إلى أن توفي. وقيل: إنه كان يخرج أوقات الصلوات فيصلي بمسجد خارجها.

стр. 316

* وبنى أيضًا مدرسة بنيسابور تسمى النظامية: درَّس بها إمام الحرمين، واقتدى الناس به في بناء (١) المدارس. * لكن؛ أنكر الحافظ شمس الدين الذهبي في "تاريخ الإِسلام"؛ على من زعم: أن نظام الملك أول من بنى المدارس، قال: وقد كانت المدرسة البيهقية بنيسابور قبل أن يولد نظام الملك، والمدرسة السعدية بنيسابور أيضًا بناها الأمير نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود لما كان واليًا بنيسابور، ومدرسة ثالثة بنيسابور بناها أبو سعد إسماعيل بن علي بن المثنَّى الاستراباذي الواعظ الصوفي شيخ الخطيب، ومدرسة رابعة بنيسابور أيضًا بنيت للأستاذ أبي إسحاق. قال الحاكم في ترجمة الأستاذ أبي إسحاق: لم يبن بنيسابور مدرسة قبلها مثلها؛ وهذا صريح في أنَّه بني قبلها غيرها. قال القاضي تاج الدين السُّبكي في طبقاته الكبرى: أدرت فكري وغلب على ظني: أن نظام الملك أول من رتَّب فيها المعاليم للطلبة، فإنَّه لم يصحّ لي هل كانت للمدارس قبله معاليم أم لا؟ والظاهر أنَّه لم يكن لهم معلوم. انتهى. * وذكر الشيخ تقي الدين ابن تيمية في قاعدة له، قال: وأحدثت المدارس لأهل العلم، وأحدثت الربط والخوانق لأهل التعبد، وأظن مبدأ انتشار ذلك في دولة السلاجقة. فأول ما بنيت المدارس والرباطات: للمساكين، ووقفت عليها وقوف تجرى على أهلها في وزارة نظام الملك، وأما قبل ذلك (٨٢/ أ): فقد وُجد ذكِر المدارس وذكر الربط، لكن؛ ما أظنه كان موقوفًا عليها لأهلها، وإنما كانت مساكن مختصة. وقد ذكر الإمام معمر

стр. 317

ابن زياد من أصحاب الواحدي أخيار الصوفية، وأن أول دويرة بنيت لهم في البصرة. * وأما المدارس؛ فقد رأيت لها ذكرًا قبل دولة السلاجقة في أثناء المائة الرابعة ودولتهم، إنما كانت في المائة الخامسة. انتهى كلام الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى. * * *

стр. 318

الباب الثالث في ذكر أول مسجد وضع بالقاهرة: * أولها: "الجامع الأزهر": بناه جوهر القائد لما اختطَّ القاهرة سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وكان بناء القاهرة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. ثمَّ أتى العزيز بن المعز فجدَّد فيه أشياء وعمَّر به عدة أماكن. قال الشيخ شمس الدين الجزري في كتابه "الجمان": ويقال: إن به طلسمًا؛ لا يسكنه عصفور ولا يفرخ به. * وكان به تنوران فضة وسبعة وعشرون قنديلًا فضة. وكان له أوقاف كثيرة وفيه أشياء غريبة، ولكن لما احترقت مصر في سنة أربع وستين وخمسمائة تغيَّرت تلك المعالم وجهُلت. * واستمرت الخطبة في الجامع الحاكمي في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، فخُطب به، وانقطعت الخطبة في "الجامع الأزهر" مدة، ثمَّ أعادها إليه الملك الظاهر ركن الدين بيبرس (١) في (٢) سنة خمس وستين وستمائة. * * *

стр. 319

الباب الرابع في ذكر أحكام تتعلق بسائر المساجد: الأول: يجوز للمحدِث الحدث الأصغر: الجلوس في المسجد؛ وادَّعى بعضهم فيه الإجماع؛ ودليله: أن أهل الصُّفَّة كانوا ينامون في مسجد رسول الله ﷺ ؛ والمراد: إذا لم يكن به علة غير الحدث الأصغر على ما يأتي. الثاني: يُمنع السكران من دخوله؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (١)، والنهي عن قُربان الصلاة: نهى عن قُربان مواضعها. الثالث: يُمنع نجس البدن من الَّلبث فيه بلا تيمُّم، ذكره ابن تميم وغيره. وقال بعض الشافعية: إنْ خاف تلويث المسجد: لم يجِز الدخول، وإن أمِن ذلك: جاز. الرابع: يُستحب لزوم المساجد والجلوس فيها لطاعة الله تعالى، لما في ذلك من إحياء البقعة وانتظار الصلاة؛ وقد (٨٢/ ب) صحَّ عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات! ! قالوا بلى يا رسول الله! ! قال: كثرة الخُطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط" (٢).

стр. 320

* وقال سعيد بن المسّيب: "إن للمساجد عبادًا لله أوتادًا، جلساؤهم الملائكة، فإذا فقدوهم سألوا عنهم، فإن كانوا مرضى عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم": رواه الإمام أحمد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، ولفظه: "إن للمسجد أوتادًا؛ الملائكة جلساؤهم، إن غابوا: يفتقدونهم (١)، وإن مرضوا: عادوهم، وإن كانوا في حاجة: أعانوهم. * وقال: جليس المسجد على ثلاث خصال: أخ مستفاد. أو كلمة مُحْكَمة. أو رحمة منتَظرة" (٢). الخامس: يجوز عمارة المساجد كلها وكسوتها وإشعالها بمال كافر وأن يبنيه بيده. ذكره في "الرعاية" وغيرها، فظاهره: إن لم يكن صريحًا، لا فرق بين المسجد الحرام وغيره، فعلى هذا المراد (٣)؛ العمارة في الآية: دخوله وجلوسه فيه؛ يدل عليه: خبر أبي سعيد المرفوع: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ - الآية (٤) -، رواه أحمد، وابن ماجه، والترمذي وحسَّنه (٥) من رواية دراج أبي السمح وهو ضعيف.
следующие страницы →