← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 17419

تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجد

الجراعي

Полный текст (404 стр.). Показаны 386–404 · переход к 391.

стр. 386

وقال شيخنا: قياس المذهب يضمنه. الحادي والثلاثون بعد المائة: إذا غصب مالًا وبنى به رباطًا ومسجدًا أو قنطرة، فهل ينفعه أو يكون الثواب للمغصوب منه؟ قال ابن عقيل: لا ثواب على ذلك لواحد منهما، أما الغاصب؛ فعليه العقوبة وجميع تصرفاته في مال الغير آثام متكررة. وأما صاحب المال؛ فلا وجه لثوابه؛ لأن ذلك البناء لم يكن له (١) فيه نية ولا حِسبة وما لم يكن للمكلف فيه حسبة ولا نية: فلا يثاب عليه، وإنما يطالب غاصبه يوم القيامة فيأخذ من حسناته بقدر ماله. قال العلامة ابن القيم: قُلت: في هذا نظر؛ لأن النفع الحاصل للناس متولِّد من مال هذا، وعمل هذا، والغاصب وإن عُوقب على ظلمه وتعديه واقتص المظلوم من حسناته، فما تولّد من نفع الناس بعمله له (٢)، وغصب المال عليه، وهو لو غصبه وفسق به لعوقب عقوبتين، فإذا غصبه وتصدق به أو بنى به رباطًا أو مسجدًا أو افتكَّ به أسيرًا فقد عمل خيرًا وشرًا ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٣). وأما ثواب صاحب المال؛ فإنه وإن لم يقصد ذلك: فهو متولد من مال اكتسبه، فقد يتولّد من كسبه خير ولم يقصده، فيشبه ما يحصل له من الخير بولده البرِّ كان لم يقصد ذلك الخير، وأيضًا؛ فإن أَخْذَ مالِهِ مصيبة فإذا أنفق في خير فقد تولد له (٤) من المصيبة خير، والمصائب إذا ولَّدت خيرًا.

стр. 387

[لم يعدم صاحبها ثوابًا، وكما أن الأعمال إذا ولدت خيرًا] (١) أُثيب عليه (٢) كان لم يقصده. والله تعالى أعلم. الثاني والثلاثون بعد المائة: قال بعض الشافعية يُكْره سلُّ السيف في المسجد. قال عطاء: نهُي عن سل السيف في المسجد، وفيه آثار رواها (١٠٣/ أ) ابن أبي شيبة في "مصنفه". قال في "المستوعب": ويجتنب المساجد الأطفال والمجانين وإقامة الحدود وسل السيوف وإنشاد الضَّوالّ. وقد تقدم حديث واثلة: أن النبي ﷺ قال: جنِّبوا مساجدكم (٣) صبيانكم ... إلى أن قال: " ... وسل سيوفكم رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف (٤). قال بعضهم: وأما إقراره ﷺ الحبشة على لعبهم بالحراب والسيوف في المسجد يوم العيد (٥) فهو مخصوص بما أقره ﷺ من جهة التدريب على الحرب والتمرين فيه والتنشيط عليه، فهو من باب المندوب، ويلحق به ما في معناه من الأسباب المعِينة على الجهاد وأنواع البِر. الثالث والثلاثون (٦) بعد المائة: يُسْتَحبّ البكور إلى الجمعة؛ فإن النبي

стр. 388

- ﷺ قد حث على البكور، ومازال الناس فيما سلف يبكِّرون إلى الجامع رغبة في جزيل الأجر. قال الغزالي في "الإحياء": قيل: أول بدعة أحدثت (١) في الإسلام ترك البكور إلى الجامع يوم الجمعة، كان الناس في القرن الأول كانوا يمشون سَحَرًا والطرقات مملوءة بالناس وبالسرج كأيام الأعياد. قال ابن الجوزي: ولقد رأيت بخط شيخنا أبي الحسن بن الزاغوني- رحمه الله تعالى- في كتاب ألَّفه سمَّاه "إرشاد الهداية" في باب آداب الجمعة: أخبرنا غير واحد أنه كان يرى بكور الناس إلى الجوامع بالسُّرُج والشمع، حتى أخبر مخبر أنه صلّى في بعض الجوامع الفجر فأحصى للمبكّرين أكثر من مائتي شمعة. واختلف العلماء في قول النبي ﷺ : "مَن راح في الساعة الأولى" (٢): فقيل: المُراد به من أول النهار، والساعات محسوبة من ذلك. وهذا مذهب الشافعي، وأحمد. وقيل: إنها أجزاء (٣) من الساعة السادسة بعد الزوال، وهو مذهب مالك، وحجته: أن الرواح لا يكون إلّا بعد الزوال؛ لأنه مقابل للغدو. وأنكر مالك التبكير إليها أول النهار، وقال: لم ندرك عليه أهل المدينة. قال الإمام أحمد: التبكير مستحب؛ ولو كان مشتغلًا بالصلاة في منزله، ويكون بعد طلوع الفجر وفاقًا للشافعي. وقيل: بعد صلاته لا بعد طلوع الشمس خلافًا لأبي حنيفة ولا بعد

стр. 389

الزوال خلافًا لمالك. وذكر أبو المعالي من علمائنا: أن تبكير الإمام لا يستحب. الرابع (١٠٣/أ) والثلاثون بعد المائة: يكره تخطي أحد، وحرَّمه في "النصيحة" و"المنتخب" وأبو المعالي وأبو العباس ابن تَيْميَة. الخامس والثلاثون بعد المائة: إذا رأى فُرجة فإن وصلها بدون التخطي كُرِهَ وإلَّا فلا. وعنه: لا مطلقًا. وعنه: عكسه. وعنه: ثلاثة صفوف، وعنه: بل أكثر. وقيل: إن كانت أمامه لم يُكره. وجزم أبو الخطاب وغيره وأبو المعالي: أنه لا يكره للإمام وغيره للحاجة. السادس والثلاثون بعد المائة: يحرم وِفاقًا للأئمة الثلاثة، وفي "الرعاية": يُكْره أن يُقيم غيره فيجلس مكانه، ولو كان الغير ولده أو عبده أو عادته يصلي فيه حتى المعلم ونحوه؛ خلافًا للشافعي؛ لأن عنده إذا حضر لم يكن لغيره جلوسه فيه. وقال (١) علماؤنا: إلا من جلس بمكانه يحفظه لغيره بإذنه أو دونه. قيل: لأنه يقوم باختياره، وقيل: لأنه جلس يحفظه. ولا يحصل ذلك إلا بإقامته، ولم يذكر جماعة، أو دونه. قال أبو المعالي: فإن جلس في مصلى الإمام أو طريق المارَّة أو (٢) استقبل المصلين في مكان ضيق أقيم، ذَكَرَهُ في "الفروع". وذكر في "إعلام الساجد"، عن الشافعي، قال: يكره للرجل أن يقيم الرجل عن مجلسه ويجلس هو مكانه إمامًا كان أو مأمومًا، في يوم الجمعة أو

стр. 390

غيره. فإن اختار صاحب المكان أن يقوم منه وُيجْلِس غيره فيه. [لم يكن له، وإن تباعد عن ذلك كره له، قال: ولو نصب رجل صاحبًا له فجلس في مكان حتى إذا جاء قام هو وجلس فيه] (١): لم يكُره له ولا يكره لهذا الجالس أن يتحول عنه أيضًا. السابع والثلاثون بعد المائة: إذا آثر بمكانه الأفضل أو سبق إليه آخر، فقيل: يكره، وقيل: يباح. وفي "الفصول": لا يجوز الإيثار، وقيل: يجوز إن آثر أفضل منه، وفي "الفنون": فإن آثر ذا هيئة بعلم أو دين: جاز، وليس إيثارًا حقيقة بل اتباعًا للسنَّة؛ لقوله ﵇: "لِيَليَنِي منكم أولو الأحلام والنهى" (٢)، ولا يُكره القبول، وقيل: بَلَى. الثامن والثلاثون بعد المائة: ظاهر كلام أحمد كراهة الصلاة في المساجد المشْرفة، وقاله النَّووي في "الروضة" قِبَل باب السجدات؛ لأنها تشغل المصلِّين. روى البيهقي، عن أنَس (١٠٤/ أ) مرفوعًا: "ابنوا المساجد واتخذوها جُما" (٣) بضم الجيم وتشديد الميم. قال أبو عبيد: الجمَّة التي لا شُرَف له. وعن ابن عمر ﵄: "نهانا (٤) أو نهينا أن نصلي في مسجد بشُرف" (٥).

стр. 391

والشُّرَف: بضم الشين وفتح الراء جمع شرفة كغرفة وغرف (١). وكلام الإمام أحمد تقدم في "الرابع بعد المائة" في الكلام على المحراب لما نقل أثر ابن عمر وعلي ﵄. التاسع والثلاثون بعد المائة: إذا رأى الإمام أو مَن وراءَه في بعض الصلاة في المسجد: صحّ أن يأتمَّ به. الأربعون بعد المائة: إذا لم يَر الإمام [ولا من وراءه صح أن يأتم به إذا سمع التكبير وهو والإمام] (٢) في المسجد وفاقًا لمالك والشافعي، وعنه: لا، وعنه: تصحُّ في النفل، وعنه: والفرض مطلقًا وفاقًا لأبي حنيفة، كظلمة وضرر. وعنه: لا يضر المنبر، وعنه: لجمعة ونحوها. الحادي والأربعون بعد المائة (٣): يكره على الأصح علو الإمام كثيرًا وفاقًا لأبي حنيفة ومالك؛ لأن فعله في خبر سهل (٤): يدل على أن النهي ليس للتحريم. وعنه: إن لم يرد التعليم وفاقًا للشافعي، وقيل: إن فعله لم تصح صلاته وفاقًا لمالك، وإن ساواه (٥) بعضهم: صحت (٦) صلاته وصلاتهم على الأصح وفاقًا لمالك، زاد بعضهم: بلا كراهة وفاقًا لأبي حنيفة. وفي النازلين إذن الخلاف، والكثير ذراع عند القاضي؛ وقدَّره أبو المعالي بقامة المأموم

стр. 392

لحاجته إلى رفع رأسه. الثاني والأربعون بعد المائة: لا بأس بعلوّ المأموم، نُصَّ عليه خلافًا للشافعي. ولا يعيد الجمعة مصلِّيها فوق المسجد خلافًا لمالك. الثالث والأربعون بعد المائة: لو غصب أرضًا فبناها مسجدًا: لم تصح الصلاة فيه، وعنه: تصح مع التحريم، وعنه: تكره، وعنه: إن علم النهي بطلت، وإن جهله أو علمه وتعذر تحوله عنه: لم تبطل، وقيل: إن خاف فوت الوقت: صحت. ونقل جعفر في مسجدٍ محرابه غصب قدم ما يقوم الإمام فيه صلاة الإمام فاسدة، وإذا فسدت صلاته (١): فسدت صلاة المأمومين. الرابع والأربعون بعد المائة: قال الإِمام أحمد (٢): يُخْرِج من المسجد المعبر دون (٣) القصَّاص. وقال: يعجبني القاص إذا كان صدِّيقًا ما أحوج الناس إليه. وقال في رواية ابن هانئ: ما أنفعهم للعامة وإن كان عامة حديثهم كذبًا. الخامس والأربعون بعد المائة: يمين الإمام أفضل من يساره؛ لقول النبي (١٠٤/ ب) ﷺ : "إن الله وملائكته يصلُّون على ميامن الصفوف". رواه أبو داود وابن ماجه (٤). وكلما قرب منه: أفضل مما بَعُد؛ لكن لو قرُب واحد عن يساره وبعُد

стр. 393

واحد عن يمينه، فهل نقول: الأيسر أفضل؛ لقرْبه (١) أم الأيمن؛ لفضيلة اليمين، أم سواء؛ لأن كل واحد امتاز بشيء؟ ! ظاهر كلامهم في قولهم: وكلما قرب منه أفضل: أن الأقرب أفضل، ولو كان في ناحية اليسار. وقال في "الفروع": ويتوجه احتمال أن بعد يمينه (٢) ليس أفضل من قرب يساره؛ ولعل (٣) مرادهم: فعلى هذا يكون سواءً. وظاهر ما حكاه أحمد، عن عبد الرزاق: أن نُقْرة الإمام أفضل. وفي وصية ابن الجوزي لولده: "اقصد وراء الإمام". وفي كتابه "النور": وأفضل (٤) الصف الأول؛ أن يكون مقابلًا للإمام، فإن لم يكن، ففي جنبه الأيمن. السادس والأربعون بعد المائة: "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها. وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها"ـ (٥). هكذا صح عن النبي ﷺ . السابع والأربعون بعد المائة: الصف الأول هو ما يقطعه المنبر ويلي الإمام وفاقًا للأئمة الثلاثة. وقالت طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه ولا يتخلله منبر ولا مقصورة ولا شيء. وهو من رواية أحمد.

стр. 394

وقاله (١) في "الإحياء": وإن تأخر عن الإمام. وقال بعضهم: الصف الأول عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أولًا، وإن صلى في صف متأخر، ذكره في "شرح مسلم"؛ وغلَّطه هو والقول الذي قبله. الثامن والأربعون بعد المائة: إذا قدِر على الصلاة في الصف الأول وتركه فهل يكره ذلك؟ في المسألة وجهان. وظاهر الأحاديث: الكراهة. التاسع والأربعون بعد المائة: للأفضل تأخير المفضول والصلاة مكانه. ذكره بعضهم؛ لأن أُبيًّا نحَّى قيس بن عبادة وقام مكانه، فلما صلى، قال: "يا بنىّ لا يسؤك، فإني لم آتك (٢) التي أتيت بجهالة، ولكن رسول الله ﷺ قال لنا: كونوا في الصف الذي يليني، وإني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك" رواه أحمد بإسناد جيد، والنَّسائي (٣). وهذا (١٠٥/ أ) لا يدل على أنه ينحيه (٤) من مكانه، فهو رأي صحابي مع أنه في الصحابة مع التابعين. فظاهر كلامهم في الإيثار بمكانه وفيمن سبق إلى مكان ليس له ذلك. وصرَّح به غير واحدٍ. قلت: ولعل هذا أوْلى. الخمسون بعد المائة: لو صفّ صفٌّ عن جانبي الإمام وصفّ صفٌ

стр. 395

خلفه؛ فهل الصف الذي عن جانبيه الأول أم الذي خلفه (١)؟ قال ابن نصر الله في "حواشيه على الفروع": الذي خلْفه هو الصف الأول، وهو ظاهر. الحادي والخمسون بعد المائة: لا يجوز إخراج بُسُطِ المسجد وحُصُره لعرس ولا لمن ينتظر جنازة ولا لغير ذلك، وعنه: جوازه لمن ينتظر جنازة. الثاني والخمسون بعد المائة: التيمُّم بالتراب المغصوب كالماء. وظاهر كلامهم: ولو تراب مسجد، وفاقًا للشافعي، وذكر بعض الشافعية في جوازه وجهين. قال في "الفروع": ولعل هذا الظاهر غير مراد؛ فإنه لا يكره بتراب زمزم مع أنه مسجد. وقالوا: يكره إخراج حصى المسجد وترابه للتبرُّك وغيره، والكراهة لا تمنع الصحة وأنه لو تيمَّم بتراب الغير جاز في ظاهر كلامهم للإذن فيه عادة وعرفًا- كالصلاة في أرضه، وقد يتوجه: أن تراب الغير يأذن فيه مالكه عادة وعرفًا بخلاف تراب المسجد. وقد قال الخلَّال في "الأدب": التوقي أنه لا يترَّب الكتاب إلَّا من المباحات. ثم روى المروذي: أن أبا عبد الله كان يجيء معه بشيء ولا يأخذ من تراب المسجد. الثالث (٢) والخمسون بعد المائة: إذا استناب إمام المسجد من يصلي عنه

стр. 396

لغير عذر، فأفتى النَّووي أنه لا يستحق شيئًا من الجامكية (١)؛ لا هو ولا النائب، ثم إن جعل للنائب جُعلًا استحقه وإلا فلا، وكذا أفتى ابن عبد السلام، وقال: إن أذن له الناظر في الاستنابة: جاز واستحق النائب المشروط للإمام دونه، وليس هو نائبًا عنه، بل هو وكيل في هذه التولية. فإن تواطئوا على أن يأخذ الوكيل بعضًا والقائم بالإمامة بعضًا: لم يجز. وفي صحة التولية في هذه الصورة نظر؛ مبني على: أن المعلوم كالمشروط ولو شرط ذلك في التولية بطلت ولم يستحق القائم بالإمامة شيئًا؛ لبطلان التولية، فإن لم يجز شرط (١٠٥/ ب) ولا تواطؤ فتبرع الإمام على الوكيل فلا بأس به. وخالفهما الشيخ تقي الدين السبكي وغيره؛ فأفتوا بجواز الاستنابة. وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: النيابة في مثل هذه الأعمال المشروطة جائزة ولو عيَّنه الواقف إذا كان مثل المستنيب له في صفاته ولم يكن في ذلك مفسدة راجحة - كالأعمال المشروطة في الإجارة على عمل في الذمة. وقال أيضًا فيمن زوّر ولايته لنفسه بإمامة وباشر: إن له أجر مِثْلٍ وأطلق، كمن ولايته فاسدة بغير كذبه إلَّا ما يستحقه عَدْلٌ بولاية شرعية. انتهى. فإذا كان قد جعل له أجر مثله مع الولاية الفاسدة؛ فمع الاستنابة من باب أوْلى أن يستحق، لكن هل يستحق أجرة (٢) مثله أو المشروط، كل هذا محل نظر، ولو قيل: إن (٣) ظاهر كلام الشيخ تقي الدين إنه يستحق الكل لما كان بعيدًا؛ لقوله: ومَن أكل المال بالباطل قوم لهم جهات معلومها كثير يأخذونه

стр. 397

ويستنيبون فيها حتى يسيروا (١)، والله تعالى أعلم. الرابع والخمسون بعد المائة: لو وُقِف على من يصلي الصلوات الخمس في هذا المسجد أو على من يشتغل بالعلم في هذه المدرسة أو يقرأ كذا كل (٢) يوم في هذه التربة فأخلّ الإمام والمشتغل (٣) والقارئ بهذه الوظائف في بعض الأيام، فأفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام: أنه لم (٤) يستحق شيئًا من الغلة في مقابلة الأيام التي أدى فيها الوظيفة بخلاف ما لو استأجره لخياطة خمسة أثواب فخاط بعضها فإنه يستحق حصة ما خاطه من الأجرة. والفرق: أننا نتبع في الأعواض والعقود: المعاني، وفي الشروط والوصايا: بالألفاظ، والوقف في باب الأرصاد الأرزاق (٥) لا من باب المعاوضات، فمن أخلَّ بشيء من الشروط: لم يستحق شيئًا. انتهى. * قال الزركشي الشافعي: وفيه نظر؛ بل ينبغي أن يقال: يستحق قدر ما عمل، وعليه عمل الناس، ويدل له قول الأصحاب: أن من استؤجر للنيابة في الحج فمات وقد بقي عليه بعض الأركان أنه يوزَّع على العمل والسير، وهو واضح. انتهى. وأما عندنا؛ فإنهم قالوا: ما تأخذه (٦) (١٠٦/ أ) الفقراء هل هو كإجارة أو جُعالة، وأنه يستحق بقدر عمله؛ لأنه موجب العقد عرفًا أو كرزق من بيت

стр. 398

المال؟ أقوال: الأخير: اختاره القاضي في خلافه وأبو العباس؛ فعلى الأخير؛ الذي يظهر: أنه يأخذ الجميع؛ لأنه أعانه على العلم، وعلى الثاني: صرَّحوا بأنه يستحق بقدر عمله، وعلى الأول: إن أجرينا فيه أحكام الإجارة لا يستحق شيئًا، وأما عند الشيخ تقي الدين ابن تيمية؛ فإن الشرط إذا أفضى إلى ترك ما هو أفضل منه لا عبرة به، فإنه أفتى به: فيمن بني مدرسة في القدس وشرط عليهم الصلوات (١) الخمس فيها، الأفضل لأهلها أن يصلُّوا الصلوات الخمس في الأقصى ولا يقف استحقاقهم الصلاةُ في المدرسة. ووافقه ابن عبد السلام من الشافعية وغيره، بل عند الشيخ تقي الدين أن الأماكن لا تتعين لعبادة من العبادات دائمًا إلا إذا عيَّنها الشارع. الخامس والخمسون بعد المائة: لباس الخطيب السواد؛ قال علماؤنا: يسنُّ له لِبس أفضل ثيابه: البياض. وقالوا عن لِبس السواد: في الجملة يُباح -كعمامة: نُصَّ عليه، وثوب، وقُباء، وعنه: يكره للجند، وقيل: في غير حرب، وقيل: وإلَّا المصاب (٢). ونقل المروذي بحرقة الوصي ولم يرد أحمد سلام لابسه. وقال الغزالي: كره جماعة لبس السواد؛ لأنه بدعة حدث بعد رسول الله ﷺ ، وليس بمكروه؛ لكنه ليس بمحبوب إذْ أحبُّ الثياب إلى الله تعالى البياض. السادس والخمسون بعد المائة: الدُعاء للسلطان في الخطبة؛ قال علماؤنا: يجوز الدعاء لمعين، وقيل يستحب للسلطان، ويستحب الدعاء

стр. 399

له (١) في الجملة. قال الإِمام أحمد وغيره: لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها لإمام عادل؛ لأن في صلاحه صلاح المسلمين. وقال الشيخ أبو إسحاق من الشافعية: لا يستحب. سئل عنه عطاء، وقال (٢): محدث، وإنما كانت الخطبة تذكيرًا. وقال القاضي الفارقي: يكره تركه الآن لما في تركه من الضرر بعقوبة السلطان. السابع والخمسون بعد المائة: قال (١٠٦/ ب) بعض الشافعية: يجوز التشبيك بين الأصابع في المسجد؛ لأن في حديث ذي اليدين الذي في "الصحيحين": أن النبي ﷺ شبك بين أصابعه (٣)، وحكاه ابن أبي شيبة عن ابن عمر وغيرهم (٤). وحُكِىَ كراهته عن إبراهيم النخعي وكعب وعن النعمان بن عياش. قال: كانوا ينهون عن تشبيك الأصابع، يعني: في الصلاة. وأما علماؤنا؛ فقالوا يكره التشبيك في الصلاة، ولا شك أن الذي في المسجد ينتظر الصلاة: في صلاة. قال ابن حمدان في "الرعاية": ولا يشبك أصابعه فيه، يعني: في المسجد، على خلاف صفة ما شبكها النبي ﷺ . وقد روى الإمام أحمد في "مسنده"، وابن أبي شيبَة في "مصنَّفه" عن

стр. 400

أبي سعيد: أن النبي ﷺ قال: "إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه" (١). وعن كعب بن عجرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا توضأ أحدكم ثم خرج عامدًا إلى الصلاة فلا يشبكن بين يديه فإنه في صلاة"، رواه أحمد وأبو داود والترمذي (٢). * وقد قسَّم بعض العلماء التشبيك إلى أربعة أقسام: أحدها: إذا كان الإنسان في الصلاة فلا شك في كراهته. ثانيها: إذا كان في المسجد ينتظر الصلاة أو وهو عامد إلى المسجد يريدها بعدما تطهر، فالظاهر كراهته. ثالثها: أن يكون في المسجد بعد فراغه من الصلاة وليس يريد صلاة أخرى ولا ينتظرها فلا يكره؛ لحديث ذي اليدين. رابعها: في غير المسجد، يعفى وغير ما تقدم فهو أوْلى بالإباحة وعدم الكراهة. الثامن والخمسون بعد المائة: بول الخشاف (٣) في المسجد. قال أبو طالب أحمد بن حميد المشكاتي: سألت أحمد بن حنبل عن الخشاف يكون في المسجد فيبول فيصيب الرجل؟ قال: أرجو أن لا يضر. قلت: إن كان كثيرًا: نجس؟ قال: ما أدري!

стр. 401

قلت: أليس (١) البول كثيره وقليله يغسل؟ ! قال: ذلك بول الإنسان! قلت: هذا لا يؤكل لحمه يغسل. التاسع (١٠٧/ أ) والخمسون بعد المائة: المصلَّى المتخذ للعيد ونحوه، هل حكمه حكم المسجد أم لا؟ قال الشيخ وجيه الدين أبو المعالي في "شرح الهداية": المكان البعيد لصلاة الجنازة اختلفوا في كونه مسجدًا وكذلك المتخذ لصلاة العيد. والصحيح في المتخذ لصلاة الجنازة: أنه ليس بمسجد؛ لأنه ما أُعد للصلاة حقيقة. ومصلّى العيد: الصحيح أنه مسجد؛ لأنه يعد للصلاة حقيقة. انتهى. والأصح عند الحنفية، وهو ظاهر مذهب الشافعي: أنه لا يُعطى حكم المسجد؛ لأنها صلاة نادرة، أشبه ما لو وقع (٢) صلاة في بقعة من البقاع، أو صلَّى فيها على جنازة أو سَجَدَ فيها سجود تلاوة. ووجه أنه يعطى حكم المسجد ما جاء في "الصحيحين" من حديث أم عطية: أن النبي ﷺ أمر الحيَّض أن يحضرْن يوم العيد ويعتزلن المصلّى (٣)؛ ولأنه يصلّى فيه بعض الأوقات، فأشبه ما لو صُلِّى فيه أيام الصيف خاصة. وأجاب بعضهم عن حديث أم عطية؛ بأنه إنما أَمَرَهنّ بالاعتزال؛ ليتَّسع على غيرهن وليتميَّزْن. الستون بعد المائة: قال مالك: لم تكن القراءة في المصحف في المسجد من أمر الناس القديم، وأول من أحدثه الحجاج بن يوسف، وقال أيضًا: أكره

стр. 402

أن يقرأ في المصحف في المسجد. قال الزركشي الشافعي: وهذا استحسان لا دليل عليه. والذي عليه السلف والخلف: استحباب ذلك؛ لما فيه من عمارتها بالذكر، قال تعالى: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (١)، وهو عام في المصاحف وغيرها. وفي "الصحيح": "إنما بنيت لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن" (٢). الحادي والستون بعد المائة: قال الدميري في "شرح المنهاج": واقعة: قال السبكي: قال لي ابن الرفعة: أفتيت ببطلان وقف خزانة وقفها واقف لتكون في مكان معين في "مدرسة العاجينية" بمصر؛ لأن ذلك المكان مستحق لغير تلك المنفعة. قال السبكي: ونظيره إحداث منبر في مسجد لم يكن فيه جمعة: لا يجوز. وكذلك إحداث كرسي مصحف مؤبدًا (٣) يقرأ فيه -كما يفعل بالجامع الأزهر وغيره. ولا يصح وقفه، ويجب إخراجه (١٠٧/) من المسجد- كما تقدم من استحقاق هذه المنفعة لغير هذه الجهة. والعجب؛ من قضاة يثبتونه ذلك شرعًا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. الثاني والستون بعد المائة: أفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام بأن متولي تدريس المدرسة هو الذي يقدر مقدار الجامكية للفقهاء وينزلهم (٤) وليس للناظر في الوقف إلَّا تحصيل الريع وقسمته على المنزَلين، وأما عندنا؛ فقال في "الفروع": ومن وقف على مدرِّس وفقهاء فللناظر ثم للحاكم بعده

стр. 403

تقدير استحقاقهم. الثالث والستون بعد المائة: لو أجَّر متولي المسجد حانوته الخراب بشرط أن يعمّره المستأجر من ماله ويكون ما أنفقه محسوبًا من أجرته لم تصح الإجارة، ذكره الرافعي في أواخر الإجارة؛ لأنه عند الإجارة (١): غير منتفع به، وهذه المسألة مما تعم البلوى بها. وأما عندنا؛ فينبغي أن يقال: إن كانت الإجارة تلي مدَّتها العقد فكذلك، وإن كانت لا تلى مدتها العقد وأمكن فراغه إلى ابتدائها فتصح - كما قلنا في إجارة العين المشغولة مدة (٢) مضافة إذا أمكن التسليم أو أمكن في وقته المستحق أنها تصح، والله أعلم. الرابع (٣) والستون بعد المائة: قال الشافعية: يستحب الاستعاذة للخارج من المسجد، وهو توجيه عندنا؛ لما رَوى ابن السُّنّي عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ : أنه قال: "إن أحدكم إذا أراد أن يخرج من المسجد تداعت جنود إبليس، أجْلبَتْ واجتمعتْ كما تجتمع النحل على يعسوبها، فإذا قام أحدكم على باب المسجد فلْيَقل: اللهم إني أعوذ بك من إبليس وجنوده فإنه إذا قالها: لم يضره" (٤). وفي "المستدرك" للحاكم من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلِّم على النبي ﷺ وليقل: اللَّهم أجرني من الشيطان الرجيم".

стр. 404

وقال صحيح (١) على شرط الشيخين، ولم يخرِجاه (٢). والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا آمين. * قال مؤلفه رحمه الله تعالى: ووافق الفراغ منه: في خامس ذي القعدة في شهر الحرام من شهور سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة. * وكان الفراغ من كتابته: ليلة السبت في ثاني عشر من جمادي الأول سنة سبعة وتسعين وألف: على يد الفقير إلى الله تعالى: إبراهيم بن طعمة الصالحي غفر له ولوالديه آمين .. آمين * * *