← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 17419

تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجد

الجراعي

Полный текст (404 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

سجود، لا يُختص السجود منها بموضع دون غيره. ويمكن أن يكون مجازًا عن المكان المبني للصلاة، وهو من مجاز التشبيه؛ لأنه لما جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد في ذلك. وقال ابن التِّين: "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا وجعلت لغيري مسجدًا ولم تجُعل له طهورًا"؛ لأن عيسى ﵇: كان يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة. قال ابن حجر: كذا قال، وسبقه إلى ذلك: الداودي. وقيل: إنما أبيح لهم في موضع يتيقنون فيه الطهارة، بخلاف هذه الأمة، فأبيح لها في جميع الأرض إلا ما تيقن نجاسته. والأظهر؛ ما قاله الخطّابي، وهو: أن مَنْ قَبْلَه إنما أُبيحت لهم الصلاة في أماكن مخصوصة كالبِيَع والصوامع. * ويؤيده: رواية عمرو بن شعيب، بلفظ: "وكان مَنْ قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم" (١). وهذا نص في موضع النزاع؛ فثبتت الخُصوصية. * ويؤيده: ما أخرجه البزار، من حديث ابن عباس، نحو حديث الباب: وفيه: "ولم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه" (٢). انتهى كلام ابن حجر. * قلت: يُستثنى من قوله ﷺ : "جُعلت لىَ الأرض مسجدًا": المواطن

стр. 37

المنْهيّ عن الصلاة فيها؛ لأدلَّة خاصة، كالمزبلة، والمقبرة، ومعاطن الإبل، وقارعة الطريق، والمجزرة، والحمام، والحشّ (١). ولما كان السجود أشرف أفعال الصلاة؛ لقرب العبد فيه من ربه : اشتُق اسم المكان منه ولم يقولوا مركع. * واعلم؛ أن العُرف: خصص المسجد بالمكان المهيأ للصلوات الخمس حتى يخرج المصلَّى المجتَمَع فيه للأعياد ونحوها؛ فلا يُعطَى حكمه، وكذلك الرُّبُط والمدارس (٦/ ب)؛ لأنها هُيِّئت لغير ذلك. * * *

стр. 38

الفصل السادس في ذهاب الأرض كلها يوم القيامة إلا المساجد روى الطبراني في معجمه الأوسط عن ابن عباس قال، قال رسول الله ﷺ : "تذهب الأرض كلها يوم القيامة إلا المساجد" (١). الفصل السابع في فضل (٢) ملازمة المسجد روى البزار في مسنده عن عبد الله بن المختار عن محمد بن واسع عن أم الدرداء عن أبي الدرداء ﵁ قال: لتكن المساجد مجلسك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله ضمن لمن كانت المساجد بيته الأمْن والجواز على الصراط يوم القيامة"، وقال هذا حسن الإسناد (٣)، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 39

* الكتاب الأول * في ذكر الكعبة زادها الله تعالى شرفًا وما يتعلق بها (١) وفيه ثمانية وأربعون بابًا الباب الأول في ذكر أسمائها * الأول: الكعبة * قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ (٢). * وفي تسميتها بالكعبة (٣) قولان: أحدهما؛ لأنها مربعة، قاله: عكرمة ومجاهد. ويقال: بُرد مكعب إذا طُوي مربعًا. والثاني (٤)؛ لعلوها ونتوّها، يقال: كعُبت المرأة تكعُب، من باب قتل، كعابة إذا نتأ ثديها فهي كاعب. * الثاني: البيت العتيق * قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٥).

стр. 40

* وفي تسميته بالعتيق أربعة أقوال: أحدهما؛ لأن الله تعالى أعتقه من الجبابرة: * رواه: عبد الله بن الزبير عن النبي ﷺ ، رواه الترمذي, وقال: حسن غريب (١). والثاني: في أن العتيق بمعنى القديم، قاله: الحسن. والثالث؛ لأنه لم يملِّك قط، قاله: مجاهد. والرابع؛ لأنه أُعتِق من الغرق زمان الطوفان، قاله: ابن السائب. * الثالث: البيت الحرام * وإنما سمِّي حرامًا؛ لأن حرمته انتشرت، ولا يُصاد عنده ولا حوله، ولا يُخْتَلَى ما عنده من الحشيش. * الرابع: أول بيت (٧/ أ) وُضع للناس * قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ (٢). سبب (٣) نزولها: أن المسلمين واليهود افتخروا، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل من الكعبة، وقالت المسلمون: بل الكعبة أفضل؛ فنزلت هذه الآية. قاله (٤) مجاهد.

стр. 41

* واختلف العلماء في معنى قوله أول بيت؛ على قولين: أحدهما: أنَّه أول بيت وضع للعباد. وقد كانت البيوت قبله. والثاني: أنَّه أول بيت كان في الأرض. * ثم اختلف هؤلاء كيف كان أول بيت، على ثلاثة أقوال: * أحدها: أنَّه ظهر على وجه الماء حين خلق الله الأرض، فخلقه قبلها بألفي عام، ودحاها من تحته. قال أبو هريرة: كانت الكعبة حشفة على الماء، عليها ملكان يسبِّحان الليل والنهار قبل الأرض بألفي سنة. وقال ابن عباس: وُضع البيت في الماء على أربعة أركان قبل أن تخُلق الدنيا بألفي سنة، ثم دُحيت الأرض من تحته. وقال مجاهد: لقد خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئًا من الأرض بألفي سنة وأن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى. وقال كعب: كانت الكعبة غُثاء على الماء قبل أن يخلق الله السموات والأرض بأربعين سنة، ومنها دُحيت الأرض. * والثاني: أن آدم ﵇، حين أُهبط استوحش، فأوحى الله تعالى إليه: "ابْنِ لي بيتًا في الأرض، واصنع حوله نحو ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي؛ فبناه (١) ": رواه: أبوصالح، عن ابن عباس. * والثالث: أنَّه أُهبط مع آدم ﵇، فلما كان الطوفان: رُفع؛

стр. 42

فصار معمورًا في السماء، وبنى إبراهيم ﵇ على أثره: قاله: قتادة. * الخامس: من أسمائها: بكَّة * على أحد الأقوال. قال ابن عباس: إنما سميت بكَّة؛ لأنه يجتمع فيها الرجال والنساء. ويقال: لأنها تبكُّ أعناق الجبابرة: أي: تدقها، فما قصدها جبار إلا وقصمه (١) الله تعالى: قاله: ابن الزبير. وقال اليزيدي: لأنها تضع من نخوة المتكبرين. (٧/ ب) وسيأتي بقية الكلام على بكة في الباب الرابع والعشرين إن شاء الله تعالى. * السادس: قادس * وهذا مأخوذ من التقديس، وهو: التطهير؛ لأنه يطهِّر من الذنوب. * السابع: بادر * ذكره: الأزرقي. * الثامن: قبلة أهل الإسلام * * التاسع: القربة القديمة * نقله: الأزرقي، عن الزُّهري. * العاشر: الدُّوَّار * بضم الدال المهملة، وتشديد الواو.

стр. 43

ذكره: مجد الدين الشيرازي في كتابه: "الوصل والمُنى في فضل مِنى". * الحادي عشر: البنيَّة * بباء موحدة، ونون وياء مثنَّاة من تحت مشددة.

стр. 44

الباب الثاني في ذكر بنائها: * اختلف العلماء في المبتدئ ببناء الكعبة على أربعة أقوال: * أحدها: أن الله وضعها لا ببناء أحد. وفي زمن وضعه قولان: أحدهما: قبل خلق الدنيا، وقد تقدَّم عن ابن عباس وغيره. وروى ابن الجوزي بسنده إلى ابن عباس أن رسول الله قال: "كان البيت قبل هبوط آدم ﵇ ياقوتة من يواقيت الجنَّة وكان له بابان من زمرِّد أخضر، باب شرقي وباب غربي، وفيه قناديل من الجنَّة، والبيت المعمور الذي في السماء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه إلى يوم القيامة، حذاء الكعبة الحرام. وإن الله تعالى لما أهبط آدم ﵇ إلى موضع الكعبة وهو مثل الفُلْك من شدة رعدته وأنزل عليه الحجر الأسود وهو يتلألأ كأنه لؤلؤة بيضاء، فأخذه آدم فضمه إليه اسئناسًا به ثم أخذ الله من بني آدم ميثاقهم، فجعله في الحِجْر ثم أنزل على آدم العصا ثم قال: يا آدم تخطَّا، فتخطَّا، فإذا هو بأرض الهند فمكث هنالك (١) ما شاء الله، ثم استوحش إلى البيت فقيل له أحجج (٢) يا آدم، فأقبل يتخطَّا فصار موضع كل

стр. 45

قدم قرية وما بين ذلك مفازة حتَّى قدم مكة فلقيته الملائكة فقالت بُرَّ حَجُّك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام، فقال ما كنتم تقولون حوله؟ قالوا كنا نقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فكان آدم ﵇ إذا طاف (٨/أ) بالبيت قال هؤلاء الكلمات. وكان آدم ﵇ يطوف بالبيت سبعة أسابيع، بالليل، وخمسة أسابيع بالنهار، فقال آدم ﵇. ربِّ اجعل لهذا البيت غُّمَّارًا يعمرونه من ذريتي، فأوحى الله تعالى إليه إني معمِّره نبيًّا من ذريتك اسمه إبراهيم، أتخذه خليلًا أقضي على يديه عمارته وأنبط له سقايته وأريه حِلَّه وحرمه ومواقفه. وأُعلِمه مشاعره ومناسكه، فإذا فرغ من بنائه ينادي إن لله بيتًا فحجُّوه فأسمع مَن بين الخافقين. فقال (١) آدم ﵇، يا رب أسألك من حج هذا البيت من ذريتي لا يشرك بك شيئًا أن تُلحقه بي في الجنَّة، فقال: يا آدم، من مات في الحرم لا يشرك بي شيئًا بعثته آمنًا يوم القيامة" (٢). والثاني: أنَّه أُهبط مع آدم ﵇، وقد تقدَّم ذكره عن قتادة: وروى ابن أبي حاتم من طريق معمر عن قتادة قال: "وضع الله تعالى البيت مع آدم لما أُهبط، ففقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، فقال الله تعالى، يا آدم إني قد أهبطت بيتًا يُطاف به كما يُطاف حول عرشي فانطلق إليه، فخرج آدم إلى مكة وكان هبط بالهند ومدَّ له في خطْئه، فأتَى البيت فطافَ به" (٣).

стр. 46

* والقول الثاني: أن الملائكة بنته: فروى جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي، قال: "لما قال الله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (١) فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (١)، غضب عليهم فعاذوا بالعرش وطافوا حوله سبعة أطواف يسترضون ربهم، فَرَضي عنهم، وقال لهم: ابنوا لِي في الأرض بيتًا يعوذ به كل من سخطتُ عليه ويطوف حوله كما فعلتم بعرشي فبنوا هذا البيت" (٢). * والقول الثالث: أن آدم ﵇ بناه، وقد تقدَّم ذكره عن ابن عباس (٣). وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء: أن آدم ﵇ أول من بَنَى البيت (٤). وروى البيهقي في "الدلائل"، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "بعث الله (٨/ ب) جبريل إلى آدم ﵉ فأمره ببناء البيت ثم أُمر بالطواف به. وقيل له: أنت أول الناس وهذا أول بيت وُضع للناس (٥). وروى أيضًا في "الدلائل" عن عبد الله بن عمرو قال، قال رسول الله ﷺ : "بعث الله تعالى جبريل إلى آدم وحوّاء ﵈، فقال لهما: ابنِيا لىَ بيتًا، فخطَّ لهما جبريل فجعل آدم ﵇ يحفر وحوَّاء ﵍

стр. 47

تنقل حتَّى أصابه (١) الماء نودي من تحت (٢): حسبك يا آدم، فلما بنَياه أوحى الله تعالى إليه أن يطوف به، وقيل له: أنت أول الناس وهذا أول بيت، ثم تناسخت القرون حتَّى حجَّه نوح، ثم تناسخت القرون حتَّى رفع إبراهيم ﵇ القواعد منه". قال البيهقي: تفرَّد به ابن لهيعة هكذا مرفوعًا (٣). وروى محمد بن جرير الطبري، عن عطاء: أن آدم ﵇ قال: أي ربِّ، إني لأسمع أصوات الملائكة، فقال اهبط إلى الأرض فابْنِ لىَ بيتًا ثم احفُف به كما رأيت الملائكة تحفُّ ببيتي الَّذي في السماء، قال فيزعم الناس أنَّه بناه من خمسة أجبل وأن الملائكة كانت تأتيه بالحجارة منها وهي: طور سيناء وطور زِيتا اللذين بالشام والجُوديَّ وهو بالجزيرة ولُبُنان وحِراء وهما في الحَرَم. كل ذلك بحكمة الله تعالى، كيف فعل بناءها من خمسة أجبل فشاكل ذلك معناها؛ إذ هي قبلة للصلوات الخمس وعمود الإسلام وقد بُني على خمس". وروى عطاء، عن ابن عباس: "أن آدم ﵇ بناه من خمسة أجبل: من لبنان وطور سيناء وطور زيتا والجودي وحراء". قال عثمان بن ساج: حُدِّثت: أن آدم ﵇ لما بنى البيت قال: "يا

стр. 48

ربِّ إن لكل عامل أجرًا وإن لي أجرًا؟ قال نعم، قال: تردَّني من حيث أخرجتني، قال ذلك لك، قال ومن خرج إلى البيت من ذريتي يُقرّ على نفسه (٩/ أ) بمثل الَّذي أقررت به من ذنوبي أن تغفر له، قال نعم ذلك لك". وقال عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء: أن آدم ﵇ بناه من خمسة أجبل: حراء وطور زيتا وطور سيناء والجودي ولبنان وكان ربضته من حراء. * والقول الرابع: أن أول من بَناه شيث ابن آدم ﵉، ذكره وهب ابن منبه حكاه عنه ابن حجر، قال: أول من بناه شيث وكان قبل أن يبنيه خيمة من ياقوته حمراء يطوف بها آدم ويأنس بها لأنها نزلت من الجنَّة- وكذا قال السهيلي: أول مَن بناه شيث-، وقال وَهب من منبِّه: لما رفعت الخيمة التي وضعها الله تعالى لآدم مكان البيت ومات آدم، بنى بنو آدم من بعده مكانها بيتًا بالطين والحجارة فلم يَزل معمورًا يعمرونه هم ومَن بعدَهم حتَّى كان زمن نوح ﵇ فنسفه الغرق. قال مجاهد: وكان موضع البيت بعد الغرق أكمة حمراء لا تعلوها السيول وكان يأتيها المظلوم، ويدعو عندها المكروب فقلَّ من دعا عندها إلا استجيب له وكان الناس يحجون إلى موضع البيت حتَّى بوَّأ الله مكانه إبراهيم ﵇. وروى عن ابن أبي حاتم، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لما كان زمن الطوفان رُفع البيت وكان الأنبياء يحجونه ولا يعلمون مكانه حتَّى بوَّأه الله تعالى لإبراهيم ﵇ وأعلمه مكانه. قال العلماء: لما أُمر إبراهيم ﵇ ببناء البيت، قال: يا ربِّ بيّن لي صفته؛ فأرسل الله تعالى سحابة على قدر الكعبة فسارت معه حتَّى قدم

стр. 49

مكة فوقفت في موضع البيت ونودي ابْنِ على ظلِّها ولا تزد ولا تنقص، فكان يبني وإسماعيل يناوله الحجارة فلما فرغ منه أوحى الله تعالى إليه أذِّن في الناس بالحج، فقال يا ربُّ: وما يبلغ صوتي، فقال: عليك الأذان وعلي البلاغ. فعلى (٩/ ب) ثبيرًا ونادى: يا عباد الله إن لله بيتًا فحجوه. قال مجاهد، فلبَّى كل رطب ويابس وأسمع من بين المشرق والمغرب، فأجابوه من أصلاب الرجال: "لبيك اللَّهم لبيك"، فإنما يحجّ اليوم من أجاب يومئذ (١). وروى الفاكهي من حديث علي: كان إبراهيم ﵇ يبني كل يوم سافًا (٢). ومن حديث عبد الله بن عمر: وعنده وعند ابن أبي حاتم أنَّه بناه من خمسة أجبل: من حراء، وثبير، ولبنان، وجبل الطور، وجبل الخمَر. قال ابن أبي حاتم: جبل الخمَر: بفتح الميم هو جبل بيت المقدس. قلت: والمراد بالخَمَر بالتحريك الشجر. وفي حديث أبي جهم: ذهب إسماعيل ﵇ إلى الوادي يطلب حجرًا فنزل جبريل ﵇ بالحجر الأسود، وقد كان رفع إلى السماء حين غرقت الأرض. فلما جاء إسماعيل فرأى الحجر الأسود، قال من أين هذا؟ مَن جاءَك به؟ قال إبراهيم ﵇: من لم يكلني إليك ولا إلى حجرك (٣).

стр. 50

ورواه ابن أبي حاتم من طريق السُّدي نحوه (١)، وأنه كان بالهند وكان ياقوتة بيضاء مثل الثغامة، وهي بالمثلَّثة والمعجمة طير كبير. وذكر ابن الجوزي: أن جبريل ﵇ كان حين الغرق قد استودع أبا قبيس الحجر الأسود، فلما بنى إبراهيم ﵇ أخرجه إليه. وذكر ابن أبي حاتم بسنده إلى علباء (٢) بن أحمد: أن ذا القرنين قدِم مكة فوجد إبراهيم وإسماعيل يبنيان قواعد البيت من خمسة أجبل، فقال ما لكما ولأرضي، فقالا نحن عبدان مأموران، أُمرنا ببناء هذه الكعبة. قال فهاتا بالبيِّنة على ما تدَّعيان فقامت خمسة أكبش فقلن نحن نشهد أن إبراهيم وإسماعيل ﵉ عبدان مأموران أمرا ببناء هذه الكعبة فقال قد رضيت وسلَّمت ثم مضى (٣). وذكر الأزرقي: أن ذا القرنين طافَ مع إبراهيم ﵇ بالبيت، وهذا (١٠/أ) يدل على تقدُّم زمانه (٤)، والله أعلم. وذكر النَّووي في شرح مسلم: أن البيت بُنِىَ خمس مرات: الملائكة ثم إبراهيم ثم قريش في الجاهلية وحضر النبي ﷺ هذا البناء وله خمس وثلاثون سنة وقيل وعشرون (٥)، ثم ابن الزبير، ثم الحجاج، واستمر إلى الآن. * وقال السهيلي: كان بناؤها في الدهر خمس مرات: الأولى: حين بناها شيث بن آدم.

стр. 51

الثانية: حين بناها إبراهيم ﵇ على القواعد الأول. الثالثة: حين بَنَتها قريش قبل الإسلام بخمسة أعوام. والرابعة: حين احترقت في عهد ابن الزبير بشررة طارت من أبي قبيس فوقعت في أستارها فاحترقت. وقيل إن امرأة أرادت أن تجمِّرها فطارت شررة من الجمر في أستارها فاحترقت، فشاور ابن الزبير في هدمها من حضره فهابوا هدمها، وقالوا: نرى أن تصلح ما وهَى منها ولا تهدم فقال: لو (١) أن بيت أحدكم احترق لم يرضَ له إلَّا بأكمل إصلاح ولا يكمل إصلاحها إلا بهدمها، فهدمها حتَّى أفضى إلى قواعد إبراهيم ﵇ فأمرهم أن يزيدوا في الحفر فحركوا حجرًا منها فرأوا تحته نارًا وهوْلًا فأفزعتهم، فأمرهم أن يُقِرُّوا القواعد ويبنوا من حيث انتهى الحفر. وفي الخبر: أنَّه سترها حين وصل إلى القواعد وطافَ الناس بتلك الأستار، فلما تمَّ بناؤها ألصق بابها بالأرض وعمَل لها خَلَفًا أي بابًا آخر من ورائها وأدخل الحِجْر فيها؛ لحديث خالته عائشة عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "ألم ترىْ قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم- الحديث (٢). الخامسة: عبد الملك بن مروان هدم ما بناه ابن الزبير وبناها على ما كانت في عهد رسول الله ﷺ ، فلما فرغ من بنائها جاءه الحارث بن ربيعة ومعه آخر فحدَّثاه (١٠/ ب) عن عائشة بالحديث الَّذي تقدَّمت الإشارة إليه. فظهر عليه آثار الندم وقال: وَدَدت أني لو (٣) تركت ابن الزبير وما تحمَّل من ذلك.

стр. 52

وحكى ابن عبد البر وتبعه عياض وغيره (١) عن الرشيد أو المهدي أو المنصور: أنَّه أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن الزبير فناشده مالك في ذلك وقال: أخشى أنَّه تصير ملعبة للملوك فتركه وروى إسحاق بن راهويه من طريق خالد، عن عروة (٢)، عن علي: في قصة بناء إبراهيم ﵇ البيت، قال: فمرَّ عليه الدهر فانهدم فبنته العمالقة، فمرَّ عليه الدهر فانهدم فبنته جرهُم، فمرَّ عليه الدهر فانهدم فبنته قريش، ورسول الله ﷺ يومئذ شاب، فلما أرادوا أن يضعوا الحجر الأسود اختصموا فيه، فقالوا نحكِّم بيننا أول من يخرج من هذه السكَّة، فكان النبي ﷺ أول مَن خرج منها، فحكم بينهم أن يجعلوه في ثوب ثم يرفعه من كل قبيلة رجل (٣). وذكر أبو داود الطيالسي في هذا الحديث أنهم قالوا أول مَن يدخل من باب بني شيبة وفيه: "وأمَرَ كلَّ فَخِذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب فرفعوه ثم أخذه فوضعه بيده" (٤). وذكر الفاكهي: أن الَّذي أشار عليهم أن يحكِّموا أول داخل: أبو أمية بن المغيرة المخزومي أخو الوليد.

стр. 53

وروى ابن إسحاق وموسى بن عقبة أن قريشًا لما بَنَت الكعبة كان عُمْر النبي ﷺ خمسًا وعشرين سنة. وذكر ابن سعد في "الطبقات": أن سنَّه كان حينئذٍ خمسًا وثلاثين سنة. فعلى هذا؛ يكون قد بُني سبع مرات. وكذا ذكر ابن الجوزي: أن العمالقة بَنَته ثم جرهم ثم قريش، وأن النبي ﷺ كان غلامًا (١)، وذُكِر عن الزُّهري أنَّه كان قد بلغ الحُلُم. * والذي أدخله ابن الزبير من الحِجر في البيت؛ إنما هو ستة أذرع أو سبعة (١١/ أ) لا أنَّه أدخل الحِجْر كله. والذي هدَّمه الحجَّاج من البيت بإشارة عبد الملك إنما هو الجدار الَّذي يلي الحِجْر وسدَّ الباب الغربي ورفع الباب (٢) الشرقي لا أنَّه هدمه كله. * قال ابن سعد: بناها ابن الزبير حين استقل سنة خمس وستين، وحكي عن الواقدي أنَّه ردَّ ذلك، وقال الأثبت أنَّه ابتدأ بناءها بعد رحيل الجيش بسبعين يومًا، والجيش هو جيش الحصين بن نمير، الأمير الَّذي كان يقاتل ابن الزبير من جهة يزيد ابن معاوية لما أتاهم موت يزيد بن معاوية في ربيع الآخر سنة أربع وستين. وجزم الأزرقي أن ذلك كان في نصف جمادى الآخرة سنة أربع وستين. * وكان طول الكعبة: ثمانية عشر ذراعًا، فزاد ابن الزبير في طولها عشرة أذرع واستمرت الزيادة في الطول وهي على ما بناها ابن الزبير والحجَّاج إلى اليوم، لكن وقع الترميم في جدارها غير مرة، وفي سقفها وفي سلِّم سطحها

стр. 54

وجدَّد فيها الرخام فوقع في جدارها الشامي ترميم في شهور سنة سبعين ومائتين، ثم في شهور اثنين وأربعين وخمسمائة، ثم في شهور اثنتي (١) عشرة وستمائة، ثم في سنة (٢) ثمانين وستمائة، ثم في شهور سنة أربع عشرة وثمانمائة، إلى أن نُقِض سقفها في سنة سبع وعشرين وثمانمائة ثم جُدِّد أحد أركانها في سنة سبع وثلاثين وثمانمائة من جانب السلطان مراد رحمه الله تعالى وجدِّد وَرخم السطح ثم جدد في سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة. ومما يُتعجب منه؛ أنَّه لم يتفق الاحتياج في الكعبة إلى الإصلاح إلَّا فيما صنعه الحجَّاج. إمَّا من الجدار الَّذي بناه من الجهة الشامية وإمَّا في السلَّم الَّذي جدَّده للسطح أو للعتَبة. وما عدا ذلك مما وقع فإنما هو لزيادة محضة أو لتحسين كالباب والميزاب، والله أعلم. * وقال قاضي المالكية بمكة المشرفة تقي الدين أبو الطيَّب محمد بن شهاب الدين أحمد الشريف الفاسي (١١/ ب) في كتابه "تحفة الكرام بأخبار البلد الحرام". * ويتحصَّل من مجموع ما قيل في بناء البيت: أنَّه بني عشر مرات: منها بناء الملائكة، ومنها بناء آدم ﵇، ومنها بناء أولاده، ومنها بناء الخليل ﵇، ومنها بناء (٣) العمالقة، ومنها بناء جرهم، ومنها بناء قصي بن كلاب ومنها بناء قريش، ومنها بناء عبد الله بن الزبير ﵄، ومنها بناء الحجَّاج بن يوسف الثقفي، والحجَّاج، إنما بنى الجدار الَّذي يلي الحِجْر وسدَّ الباب، وقد تقدَّم ذلك.

стр. 55

* قال في "الفنون": لا بأس بتغيير حجارة الكعبة إن عرض لها مرمَّة؛ لأن كل عصر احتاجت فيه إليه قد فُعل ذلك بها. ولم يظهر نكير لمن فعله. ولو تعينت الآلة لم يجز ذلك، كالحجر الأسود، فإنه لا يجوز نقله ولا يقوم غيره مقامه. ولا ينتقل النسك معه كآي القرآن لا يجوز نقلها عن سورة أو موضع هي فيه لأنه لم توضع موضعها إلا بنص من النبي ﷺ بقوله: "ضعوا آية كذا في صورة كذا" (١). قال، وقال العلماء: مواضع الآي من كتاب الله تعالى كنفس الآي ولهذا حسم النبي ﷺ مادة التغيير على إدخال الحِجْر في البيت. * ويكره؛ نقل حجارتها عند عمارتها إلى غيرها -كما لا يجوز صرف تراب المسجد للبناء به في غيره بطريق الأَوْلى. قال: ولا يجوز أن يعلِّي (٢) أبنيتها زيادة على ما وجد من علوُّها، وأنه يكره الصك فيها وفي أبنيتها إلا بقدر الحاجة. قال في "الفروع": ويتوجه جواز بنائها على قواعد إبراهيم ﵇؛ لأن النبي ﷺ لولا المعارض في زمنه لفعله، كما ورد ذلك مصرَّحًا به في خبر عائشة، قال ابن هبَيْرة فيه: أنَّه يدل على جواز تأخير الصواب لأجل قالة الناس. وقد رأى مالك والشافعي أن تركه أوْلى؛ لِئلا يصير البيت مَلْعبة للملوك.

стр. 56

الباب الثالث في كيفية بناء المسجد الحرام: * ذكر الفاكهي؛ أن المسجد -يعني الحرام- كان (١٢/ أ) محاطًا بالدُّور على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، فضاق على الناس، فوسَّعه عمر رضي الله تعالى عنه واشترى دُورًا فهدمها وأعطى لمن أبي أن يبيع ثمن داره، ثم أحاط عليه بجدار قصير دون القامة ورفع المصابيح على الجدار، قال: ثم كان عثمان ﵁ فزاد في سعته من جهات أخرى، ثم وسَّعه عبد الله ابن الزبير ثم أبو جعفر المنصور ثم ولده المهدي. قال: ويقال: إن ابن الزبير سقفه أو سقف بعضه ثم رفع عبد الملك بن مروان جدرانه وسَقَفه بالساج. وقيل الَّذي صنع ذلك ولده الوليد، قال ابن حجَر: وهو أثبت، وكان سنة ثمانِ وثمانين. * وذكر الأزرقي؛ أن المسجد الحرام كان فناء حول الكعبة وفضاء للطائفين، ولم يكن له على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁ جدار يحيط به، وكان (١) الدور مُحدقة به وبين الدُّور أبواب يدخل الناس من كل ناحية، فلما استُخلف عمر وكَثر الناس وضيقوا على الكعبة وألصقوا دُورهم بها قال عمر ﵁ إن الكعبة بيت الله ولا بد للبيت من فناء؛ وإنكم دخلتم عليها ولم تدخل عليكم، فاشترى تلك الدُور من أهلها وهدمها

стр. 57

وبَنى المسجد المحيط بها واتخذ جدارًا. ثم لما استُخلف عثمان ﵁ اشترى دورًا أُخَر ووسَّعه أيضًا وبنى المسجد والأروقة، وكان عثمان ﵁ أول من اتخذ الأروقة، فلما كان ابن الزبير زاد في إتقانه لا في سعته وجعل فيه عُمُدًا من الرخام وزاد في أبوابه وحسَّنها. فلما كان عبد الملك بن مروان، زاد في ارتفاع حائط المسجد، وحمل إليه السواري في البحر إلى جدة واحتُملت من جدة على العَجَل إلى مكة. وأمر الحجَّاج فكساها. ثم كان الوليد بن عبد الملك، فزاد في حِلْيتها وضرب في (١٢/ ب) ميزابها وسقفها ما كان في مائدة سليمان ﵇ من ذهب أو فضة. وكانت قد احتُملت إليه من طليطلة من جزيرة الأندلس. فلما كان أبو جعفر المنصور وابنه محمد الهادي؛ زاد في إتقانه ولم يُحذَف منه بعد ذلك. * وذكر ابن الجوزي في "مثير الغرام الساكن" (١) في كيفية بناء المسجد الحرام: أنَّه كان صغيرًا ولم يكن عليه جدار إنما كانت الدور محدِقة به وبين الدُور أبواب يدخل الناس من كل ناحية فضاق على الناس المسجد، فاشترى عمر بن الخطَّاب دُورًا فهدمها ثم أحاط عليه جدارًا قصيرًا، ثم وسمع عثمان فاشترى من قوم، ثم زاد ابن الزبير في المسجد واشترى دُورًا فأدخلها فيه، وأول مَن نقل إليه أساطين الرخام وسَقَفه بالساج المزخرف الوليد بن عبد الملك، ثم زاد المنصور في شقه الشامي، ثم زاد المهدي، وكانت الكعبة في جانب؛ فأحب أن تكون وسطًا فاشترى من الناس الدُور ووسَّطها.

стр. 58

الباب الرابع في فضل المسجد الحرام: * روى ابن الجوزي بسنده إلى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة" (١). قال في "المستوعَب": فإذًا فضيلة النفْل فيهما على النفْل في غيرهما كفضيلة الفرض فيهما على الفرض في غيرهما. وكذا ذكر ابن عبد القوي وصاحب "الرعاية" وزاد: للأثر. وكذا عند الشافعية: المضاعفة لا تختص بالفرض. وقال القاضي السروجي الحنفي: اسم الصلاة يتناول الفرض والنفْل ثم قال: وحكى ابن رشد المالكي في "القواعد": أن أبا حنيفة حمل هذا الخبر يعني صلاة في مسجدي هذا على الفرض؛ ليجمع بينه وبين قوله ﵇: "صلاة أحدكم في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا، إلَّا (١٣/أ) المكتوبة" (٢). قال ابن حجر: ويمكن أن يقال لا مانع من إبقاء الحديث على عمومه فتكون صلاة النافلة في بيت بالمدينة أو بمكة تضاعَف على صلاتها في بيت بغيرها، وكذا في المسجدين، وإن كانت في البيوت أفضل مطلقًا. وقال الشيخ مجد الدين: ظاهر الأخبار أن النفْل في البيت أفضل، قال

стр. 59

عليه الصلاة والسلام: "أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلَّا المكتوبة" متفق عليه. قال: وينبغي أن يكون مرادهم إلا النساء؛ لأن صلاتهن في بيوتهن أفضل، والأخبار مشهورة في ذلك، وهو ظاهر كلام أصحابنا وغيرهم. وقد روى الإمام أحمد، عن أم حميد؛ أنها جاءت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك، قال قد علمت أنك تحبين الصلاة معي وصلاتك في بيتك- خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي هذا، قال فأمرت فبُني لها مسجد (١) في أقصى بيت من بيتها. والله كانت تصلى فيه حتَّى لقيت الله (٢). قال في "الفروع": وظاهر كلامهم (٣) المسجد الحرام أنَّه نفس المسجد، ومع هذا؛ فالحرم أفضل من الحِلِّ، فالصلاة فيه أفضل. * وذكَر ابن الجوزي: أن الإسراء كان من بيت أم هانئ عند أكثر المفسرين، قال فعلى هذا المعنى بالمسجد الحرم كله، والحرم كله مسجد. ذكره القاضي أبو يعلى وغيره، قال: ومرادهم في التسمية لا في الأحكام. قال: ويتوجه من هذا حصول المضاعفة بالحرم كنفس المسجد، وجزم به صاحب "الهدي" من أصحابنا لا سيما عند مَن جعله كالمسجد في المرور قدَّام المصلي وغيره. وصححه النووي.

стр. 60

* ثم إن التضعيف المذكور؛ يرجع إلى الثواب ولا يتعدَّى إلى الإجزاء باتفاق العلماء، كما نقله النووي وغيره. فلو كان عليه صلاتان، (١٣/ ب) فصلَّى في أحد المسجدين صلاة لم تجز إلَّا عن واحدة. قال المقَّري أبو بكر النقاش في "تفسيره": حسبتُ المضاعفة في هذه الرواية -يعني المتقدمة-؛ فبلغت صلاة واحدة في المسجد الحرام: عمر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة. وصلاة يوم وليلة في المسجد الحرام، وهي خمس صلوات: عمر مائتي سنة وسبع وسبعين (١) سنة وتسعة أشهر وعشر ليالٍ. * قال ابن حجر: وقد أوهم كلام النقاش خلاف ما قاله النَّووي في الإجزاء. وقال أيضًا هذا التضعيف، مع قطع النظر عن التضعيف بالجماعة فإنها تزيد سبعًا وعشرين درجة، لكن هل يجتمع التضعيفان أم لا، محل بحث. انتهى كلام ابن حجر. * قلت: وقد ذكر الإمام بدر الدين أحمد بن محمد المعروف بابن الصاحب المصري الآثاري: أن كل صلاة بالمسجد الحرام فرادى: بمائة ألف صلاة، كما ورد في الحديث. وكل صلاة فيه جماعة: بألفي صلاة وسبعمائة ألف صلاة، والصلوات الخمس فيه: بثلاثة عشر ألف ألف صلاة وخمسمائة ألف صلاة، وصلاة الرجل منفردًا في وطنه عن المسجدين المعظمين: كل مائة سنة شمسية: بمائة ألف وثمانين ألف صلاة. وكل ألف سنة: بألف ألف صلاة وثمانمائة ألف صلاة. فتلخَّص من هذا؛ أن صلاة واحدة في المسجد الحرام جماعة: يفضل ثوابها على ثواب مَن صلَّى في بلده فرادى حتَّى بلغ عمر نوح ﵇ وزاد عليه

стр. 61

بنحو النصف، وسلام على نوح في العالمين، وهذه فائدة ؛ تسوي رحلة. ثم قال: هذا إذا لم يُضف إلى ذلك شيئًا آخر من أنواع البِرِّ، فإن صام يومًا وصلَّى الصلوات الخمس جماعة وفعل فيه أنواعًا من البِرِّ. وقلنا بالمضاعفة، فهذا مما يعجز (١) الحساب حصر ثوابه. * فائدة: ذكر الله المسجد الحرام في كتابه في خمسة عشر موضعًا: ستة في البقرة: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢): ثلاثة. الرابع: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٣). الخامس: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٤). (١٤/أ) السادس: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ (٥). والسابع في المائدة: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٦). والثامن في الأنفال: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٧). والتاسِع في التوبة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٨).

стр. 62

والعاشر: ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١). والحادي عشر: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٢). والثاني عشر في بني إسرائيل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٣). والثالث عشر في الحج: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً﴾ (٤). والرابع عشر في الفتح: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٥). والخامس عشر، أيضًا: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٦).

стр. 63

الباب الخامس في ذكر كسوة الكعبة، زادَها الله شرفًا: * روى الأزرقي بسنده إلى أبي هريرة: أن النبي ﷺ نهى عن سب أسعد الحِمْيري وهو تُبَّع، وكان أول مَن كَسا الكعبة. وقال جماعة من أهل العلم: كان قد رأى في المنام أن يكسوها فكساها الأنطاع (١)، ثم أُريَ أنْ اكْسها فكساها الوصائل- ثياب حِبرَة من عُصَب اليمن (٢). * وروى عبد الرزاق عن ابن جريْج قال: بلغنا أن تبَّعًا أول من كَسا الكعبة الوصائل فسُتِّرت بها. قال: وزعم بعض علمائنا أن أول مَن كَسا الكعبة إسماعيل ﵇ (٣). وحكى الزبير بن بكَّار عن بعض علمائهم: أن عدنان أول من كسا الكعبة أو كُسيَتْ في زمنه. * وحكى البلاذُري: أن أول مَن كساها الأنطاع عدنان بن إدٌ، فلما نشأ أبو زمعة ابن المغيرة قال أنا أكسو وحدي الكعبة سنة وجميع قريش سنة، وكان يأتي بالحبِرة الجيدة فيكسوها إلى أن مات فسمَّته قريش: "العِدل"؛ لأنه عدل فعله بفعل قريش كلها.

стр. 64

* وروى الواقدي عن إبراهيم بن أبي ربيعة قال: كُسِي البيت في الجاهلية الأنطاع ثم كساه رسول الله ﷺ الثياب اليمانية، ثم كساه عمر وعثمان القباطي، ثم كساه الحجَّاج الديباج. وقد ذكر ابن إسحاق وتابعه (١) ابن هشام: أن أول مَن كساها (١٤/ ب) الديباج: الحجَّاج. * وروى عبد الرزاق بسنده: أن أول من كساها الديباج عبد الله بن الزبير (٢). وقاله الزبير النسَّاب. وروى عبد الرزاق أيضًا: أن النبي ﷺ كساها القباطي والحبرات وأبو بكر وعمر وعثمان. وأول مَن كساها الديباج عبد الملك بن مروان (٣). ونقل الفاكهي شيئًا؛ يدل على أن خالد بن جعفر بن شهاب أول مَن كساها الديباج (٤)، وقاله الماوردي. * وروى الدارقطني في "المؤتلف": أن أول مَن كَسا الكعبة الديباج: نُتيْلة بنت خبَّاب والدة العباس بن عبد المطلب (٥). وذكر بعضهم: أن أول مَن كساها الديباج: يزيد بن معاوية، وقدم الأزرقي الحجاج، قال: ويقال: يزيد بن معاوية، ويقال: ابن الزبير، ويقال: عبد الملك ابن مروان (٦).

стр. 65

فحصلنا في أول مَن كساها مطلقًا على ثلاثة أقوال: إسماعيل ﵇ أو عدنان أو تُبَّع، وهو: أسعد. وجمع بعضهم بين الأقوال؛ على تقدير ثبوتها: بأن إسماعيل ﵇ أول من كساها مطلقًا، وأما تبع: فأول من كساها ما ذُكر، وأما عدنان: فلعلَّه أول مَن كساها بعد إسماعيل. * وحصلنا في أول مَن كساها الديباج على ستة أقوال ترجع إلى خمسة: الحجَّاج أو عبد الملك والحجَّاج من جهة عبد الملك، فهما قول. أو ابن الزبير أو نتيلة أم العباس أو يزيد بن معاوية أو خالد بن جعفر. وذكر الفاكهي: أن أول مَن كساها الديباج الأبيض: المأمون بن الرشيد. واستمر بعده (١). وأول من خلق جوف الكعبة ابن الزبير (٢). وروى ابن أبي نجيح، عن أبيه: أن عمر بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه كَسا الكعبة القباطي من بيت المال (٣). وأجرى لها معاوية ﵁ وظيفة الطِّيب كل صلاة وبعث إليها عبيدًا يخدمونها (٤). * وذكر الأزرقي: أنها كانت تُكسى كل سنة كُسوتين: كسوة ديباج وكسوة قباطي، فأما الديباج فتكساه يوم التروية، فيعلَّق القميص ويدلَّى (١٥/أ)

стр. 66

ولا يخاط، فإذا صدر الناس من منى خُيِّط القميص وترك الإزار حتَّى يذهب الحاج لِئلا يخرقوه، فإذا كان العاشور عُلِّق الإزار فُوصل بالقميص، فلا تزال هذه الكسوة الديباج عليها حتَّى يوم سبع وعشرين من شهر رمضان فتكسى القباطي للفِطْر، فلما كانت خلافة المأمون رُفع إليه أن الديباج يبلى ويتخرَّق قبل أن يبلغ الفطر ويرقَّع حتَّى يسمج فسأل مبارك الطبري مولاه، وهو يومئذ على بريد مكة وصوافيها: في أي الكسوة الكعبة أحسن؟ فقال له: في البياض، فأمر بكسوة من ديباج أبيض. فعملت سنة ست ومائتين وأرسل بها إلى الكعبة. فصارت الكعبة تُكسى ثلاث كسىً: الديباج الأحمر يوم الترْوية، والقباطي يوم هلال رجب، والديباج الأبيض الَّذي أحدثه المأمون يوم سبع وعشرين من شهر رمضان للفطر، فهي تكسى إلى اليوم ثلاث كسىً. * ثم رُفع إلى المأمون: أن إزار الديباج الأبيض يتخرَّق في أيام الحج من مسِّ الحاج قبل أن يخاط عليها إزار الديباج الأحمر، الَّذي يخاط في العاشور، فبعث بفضل إزار ديباج أبيض تُكساه يوم التروية أو يوم سابع فيستر به ما تخرَّق من الإزار الَّذي كسيته للفطر إلى أن يُخاط عليها إزار الديباج الأحمر. * ثم رُفع إلى المتوكل: أن إزار الديباج الأحمر يَبلى قبل هلال رجب من مسّ الناس وتمسُّحِهم بالكعبة، فزادها إزارين مع الإزار الأول، وأذيل قميصها الديباج الأحمر، حتَّى بلغ الأرض ثم جعل الإزار فوقه: كل شهرين إزار، وذلك في سنة: أربعين ومائتين. ثم كَتَبَت الحَجَبة إليه: إزارًا واحدًا (١) مع ما أذيل من قميصها يجزيها، فصار يبعث بإزار واحد (٢).

стр. 67

* وكسيت في أيام الفاطميين الديباج الأبيض، وكساها محمود بن سبكتكين: ديباجًا أصفر، وكساها الناصر العباسي: ديباجًا أخضر، ثم كساها: ديباجًا أسود، فاستمر إلى الآن. (١٥/ ب) ولم تزَل الملوك يتداولون كسوتها إلى أن وقف عليها الصالح إسماعيل بن الناصر- ﵀ في سنة نيّف وخمسين وسبعمائة (١) قرية بنواحي القاهرة (٢). * قال الزركشي الشافعي في كتابه "إعلام الساجد": أول مَن اتخذ لها غَلَقًا: عبد المطلب، بابًا من حديد من تلك الأسياف (٣). قلت: غَفَل عن ما ذكره الأزرقي عن تُبَّع: أنه لما كَسا الكعبة جعل لها بابًا يغلق بضبَّة فارسية وذكر في موضع آخر أنه جعل لها بابًا يغلق. وقال أسعد في ذلك: وكسونا البيت الَّذي حرَّم الله ... ملاءً معضدًا وبرودا وأقمنا به من الشهر عشرًا ... وجعلنا لبابه إقليدا وخرجنا منه يؤم (٤) سهيْلا ... قد رفعنا لواءنا معقودا (٥) وهذا هو تُبَّع الثالث كما ذكره الأزرقي وغيره. مع أن الزركشي؛ قد ذكر من قصة تُبَّع هذا قطعة قُبيل هذا بيسير (٦).

стр. 68

وذكر الزركشي عن ابن قتيبة أن هذه القصة كانت قبل الإسلام بسبعمائة سنة (١). وذكر الأزرقي: أنه كان في أول زمان قريش. وذكر الأزرقي، عن ابن جريْج في قصة تُبَّع: أنه جعل لها بابًا ولم تكن تغلق قبل ذلك (٢). وقال الزبير بن بكَّار والسهيلي: أول مَن بوَّبها: أنوش بن شيث بن آدم. وقيل: إن جُرْهمًا بوَّبته، ذكَره الفاكهي (٣). * * *

стр. 69

الباب السادس في سدانة البيت: السِدّانة: بكسر السين هي الخدمة. وكان عُمَر ﵁ يقول لقريش إنه كان ولاة هذا البيت قبلكم طسم فاستخفُّوا بحقه واستحلُّوا حرمته فأهلكهم الله . * قال أهل السِّيَر: لما استخفَّت جرهم بحقه شرَّدهم الله تعالى، ووَلِيَتْه خزاعة ثم وَليَه بعد خزاعة قُصىَ بن كلَّاب، ووَلي حجابة الكعبة (١) وأمْرَ مكة، ثم أعطى ولده عبد الدار السدانة (٢)، وهي الحجابة واللواء ودار الندوة، وسميت دار الندوة؛ لاجتماع الندا فيها، وهم الأشراف يجلسون لإبرام أمورهم ومشاورتهم. وأعطى عبد مناف الرِّفادة (٣) (١٦/أ) والسقاية (٤). ثم جعل عبد الدار الحجابة إلى ابنه عثمان، ولم يزل الأمر ينتقل إلى أولاده حتَّى ولي الحجابة عثمان بن طلحة. قال عثمان: كنا نفتح الكعبة يوم الاثنين والخميس، فجاء رسول الله ﷺ

стр. 70

يومًا يريد أن يُدخل جمع الناس، فنلت منه (١)، وحلُم عني، ثم قال: يا عثمان لعلَّك سترى هذا المفتاح يومًا بيدي أضعه حيث شئت، فقلت لقد هلكت قريش يومئذ وذلَّتْ، قال بل عزَّت. ودخل الكعبة ووقعت كلمته مني موقعًا ظننت أن الأمر سيصير إلى ما قال وأردت الإسلام فإذا قومي يزبرونني زبرًا (٢) شديدًا. فلما دخل رسول الله ﷺ مكة عام القضية غيّر الله قلبي ودخلني الإسلام ولم يعزم لي أن آتيه حتَّى رجع إلى المدينة، ثم عزم لي الخروج إليه فأدلجت (٣)، فلقيت خالد بن الوليد، فاصطحبنا فلقينا عمرو بن العاص، فاصطحبنا، فقدمنا المدينة فبايعته وأقمت معه حتَّى خرجت معه في غزوة الفتح، فلما دخل مكة، قال يا عثمان إيتَ بالمفتاح، فأَتيته به، فأخذه مني، ثم دفعه إلىَّ، فقال: "خذوها يا بني أبي (٤) طلحة خالدة تالدة (٥) لا ينزعها منكم إلَّا ظالم (٦) ". وقال ابن عباس: لما طلب رسول الله ﷺ المفتاح من عثمان، فهمَّ أن يناوله إياه، فقال له (٧) العباس بأبي وأمي، اجمعه لي مع السِّقاية. فكفَّ عثمان يده مخافة أن يعطيَه العباسَ بن عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : أرِني المفتاح إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، فقال هاكه يا رسول الله بأمانة الله. فأخذ المفتاح وفتح البيت، فنزل جبريل ﵇ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ

стр. 71

تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١)، ثم لم يزل عثمان يلي فتح البيت إلى أن توفى فدفع ذلك إلى شيبةَ بن عثمان بن أبي (٢) طلحة وهو ابن عمه، فبقيت الحجابة في ولَد شيبة (٣). * * *

стр. 72

الباب السابع في فضل الحجر الأسود وذكر أخذه وردَّه: عن ابن عباس مرفوعًا: "نزل الحجر (١٦/ ب) الأسود من الجنَّة وهو أشد بياضًا من اللبن فسوَّدته خطايا بني آدم" أخرجه الترمذي وصحَّحه (١). وعن ابن عباس أيضًا مرفوعًا: "إن لهذا الحجر لسانًا وشفتين يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحق" أخرجه ابن خُزَيْمَة في صحيحه وصحَّحه أيضًا ابن حبَّان والحاكم (٢). وعن عمرو بن العاص (٣) مرفوعًا: "الحجر (٤) والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنَّة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاء ما بين المشرق والمغرب" أخرجه أحمد والترمذي وصححه ابن حبَّان (٥).

стр. 73

وروى الإمام أحمد وابن حبَّان في صحيحه عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "مسْح الحجر والركن اليماني يحطّ الخطايا حطًّا" (١). * اعترض بعض الملحدين؛ في قول النبي ﷺ عن الحجر سوَّدته خطايا بني آدم، فقال: ما سوَّدته خطايا بني آدم ينبغي أن يبيِّضه توحيد المسلمين. أجاب ابن قتيبة فقال: لوشاء الله لكان ذلك، ثم أما علمت أيها المعترض أن السواد (٢) يصبغ ولا ينصبغ وأن البياض ينصبغ ولا يصبغ. وأجاب ابن الجوزي: بأن إبقاء أثر الخطايا فيه، وهو السواد، أبلغ في باب العِبرة والعِظة من تغيير ذلك ليُعلم أن الخطايا إذا أثرت في الحجر فتأثيرها في القلوب أعظم، فوجب لذلك أن يجتنب (٣). وروى ابن الجوزي بسنده إلى أبي الطُّفَيْل عامر بن واثلة عن أبيه أو جدِّه قال: رأيت الحجر الأسود أبيض، وكان أهل الجاهلية إذا نحروا بُدُنهم لطخوه بالفرْث والدم. * وفي الصحيحين أن عمر بن الخطاب ﵁ قبَّل الحجر الأسود وقال: "إني أعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتُك" (٤). * قال ابن الجوزي: في هذا الحديث من الفقه: أن عمر نبَّه على مخالفة الجاهلية فيما كانت عليه من تعظيم الأحجار، وأخبر أني إنما فعلت ذلك

стр. 74

للسنَّة لا لعادة الجاهلية. وفيه بيان متابعة السنن؛ وإن لم يوقف لها على عِلَل. على أنه قد ذُكرت عِلَّتان في تقبيل (١٧/أ) الحجز ولمسه: إحداهما: أنه قد رُوي في الحديث أن الحجر الأسود يمين الله في الأرض، وكان ذلك في ضرب المثل كمصافحة الملوك للبيعة (١) وتقبيل المملوك (٢) يد المالك، ثم ذكر بسنده إلى ابن عباس أنه قال: "الحَجَر يمين الله في الأرض، فمَن لم يدرك بيعة رسول الله ﷺ فمسح الحجر فقد بايع الله ورسوله" (٣)، ورُوي عن ابن عباس في لفظ آخر أنه قال: "الركن الأسود يمين الله " (٤). الثانية: لما أخذ (٥) الميثاق كتب كتابًا على الذرِية فألقمه هذا الحجر، فهو يشهد للمؤمن بالوفاء وعلى الكافر بالجحود. وهذا مروي عن علي بن أبي طالب ﵁. قال العلماء: ولهذه العلة يقول لامسه (٦) إيمانًا بك ووفاءً بعهدك. * وروى الأزرقي بسنده إلى ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ليبعثنّ هذا الحجر يوم القيامة، وله عينان يبصر بهما ولسان ينطق به، يشهد لمن استلمه بالحق" (٧).

стр. 75

فصل * وأما أخْذه؛ فذكر أهل التاريخ أن عدوَّ الله أبا طاهر القرمطي وافى مكة في سابع ذي الحجة وقيل في ثامنه سنة سبع عشرة وثلاثماثة وفعل فيها هو وأصحابه أمورًا منكرة، منها: أن بعضهم ضرب الحجر افي سود بدبُّوس فكسره ثم قلَعه، وقيل قلَعه جعفر بن علاج البنَّاء بأمر أبي طاهر يوم الاثنين بعد الصلاة لأربع عشرة خلت من ذي الحجة. وذهب به معه إلى بلاده هَجَر. وبقي موضعه خاليًا يضع الناس فيه أيديهم للتبرّك إلى حين رُدَّ إلى موضعه من الكعبة المعظَّمة وذلك يوم الثلاثاء يوم النَّحر من سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة على ما ذكر المسبحي (١) وذكر أن الَّذي وافى به مكة سُنَين بن الحسن القرمطي. وذكر بعضهم: أن القرامطة قلعوا الحجر والباب وأصعدوا رجلًا لقلع الميزاب فتردَّى على رأسه وأخذوا أسلاب (٢) مكة والحاج وألقوا القتلى في زمزم. وهلك تحت الحجر من مكة إلى الكوفة أربعون جملًا فعلَّقه لعنه الله على الإسطوانة السابعة من جامع الكوفة (١٧/ ب) إلى الجانب الغربي؛ ظنًّا منه: أن الحج ينتقل إلى الكوفة. * قال ابن دحية، ثم حُمِل الحَجَر إلى هَجَر سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
следующие страницы →