← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 17419

تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجد

الجراعي

Полный текст (404 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١)، ثم لم يزل عثمان يلي فتح البيت إلى أن توفى فدفع ذلك إلى شيبةَ بن عثمان بن أبي (٢) طلحة وهو ابن عمه، فبقيت الحجابة في ولَد شيبة (٣). * * *

стр. 72

الباب السابع في فضل الحجر الأسود وذكر أخذه وردَّه: عن ابن عباس مرفوعًا: "نزل الحجر (١٦/ ب) الأسود من الجنَّة وهو أشد بياضًا من اللبن فسوَّدته خطايا بني آدم" أخرجه الترمذي وصحَّحه (١). وعن ابن عباس أيضًا مرفوعًا: "إن لهذا الحجر لسانًا وشفتين يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحق" أخرجه ابن خُزَيْمَة في صحيحه وصحَّحه أيضًا ابن حبَّان والحاكم (٢). وعن عمرو بن العاص (٣) مرفوعًا: "الحجر (٤) والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنَّة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاء ما بين المشرق والمغرب" أخرجه أحمد والترمذي وصححه ابن حبَّان (٥).

стр. 73

وروى الإمام أحمد وابن حبَّان في صحيحه عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "مسْح الحجر والركن اليماني يحطّ الخطايا حطًّا" (١). * اعترض بعض الملحدين؛ في قول النبي ﷺ عن الحجر سوَّدته خطايا بني آدم، فقال: ما سوَّدته خطايا بني آدم ينبغي أن يبيِّضه توحيد المسلمين. أجاب ابن قتيبة فقال: لوشاء الله لكان ذلك، ثم أما علمت أيها المعترض أن السواد (٢) يصبغ ولا ينصبغ وأن البياض ينصبغ ولا يصبغ. وأجاب ابن الجوزي: بأن إبقاء أثر الخطايا فيه، وهو السواد، أبلغ في باب العِبرة والعِظة من تغيير ذلك ليُعلم أن الخطايا إذا أثرت في الحجر فتأثيرها في القلوب أعظم، فوجب لذلك أن يجتنب (٣). وروى ابن الجوزي بسنده إلى أبي الطُّفَيْل عامر بن واثلة عن أبيه أو جدِّه قال: رأيت الحجر الأسود أبيض، وكان أهل الجاهلية إذا نحروا بُدُنهم لطخوه بالفرْث والدم. * وفي الصحيحين أن عمر بن الخطاب ﵁ قبَّل الحجر الأسود وقال: "إني أعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتُك" (٤). * قال ابن الجوزي: في هذا الحديث من الفقه: أن عمر نبَّه على مخالفة الجاهلية فيما كانت عليه من تعظيم الأحجار، وأخبر أني إنما فعلت ذلك

стр. 74

للسنَّة لا لعادة الجاهلية. وفيه بيان متابعة السنن؛ وإن لم يوقف لها على عِلَل. على أنه قد ذُكرت عِلَّتان في تقبيل (١٧/أ) الحجز ولمسه: إحداهما: أنه قد رُوي في الحديث أن الحجر الأسود يمين الله في الأرض، وكان ذلك في ضرب المثل كمصافحة الملوك للبيعة (١) وتقبيل المملوك (٢) يد المالك، ثم ذكر بسنده إلى ابن عباس أنه قال: "الحَجَر يمين الله في الأرض، فمَن لم يدرك بيعة رسول الله ﷺ فمسح الحجر فقد بايع الله ورسوله" (٣)، ورُوي عن ابن عباس في لفظ آخر أنه قال: "الركن الأسود يمين الله " (٤). الثانية: لما أخذ (٥) الميثاق كتب كتابًا على الذرِية فألقمه هذا الحجر، فهو يشهد للمؤمن بالوفاء وعلى الكافر بالجحود. وهذا مروي عن علي بن أبي طالب ﵁. قال العلماء: ولهذه العلة يقول لامسه (٦) إيمانًا بك ووفاءً بعهدك. * وروى الأزرقي بسنده إلى ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ليبعثنّ هذا الحجر يوم القيامة، وله عينان يبصر بهما ولسان ينطق به، يشهد لمن استلمه بالحق" (٧).

стр. 75

فصل * وأما أخْذه؛ فذكر أهل التاريخ أن عدوَّ الله أبا طاهر القرمطي وافى مكة في سابع ذي الحجة وقيل في ثامنه سنة سبع عشرة وثلاثماثة وفعل فيها هو وأصحابه أمورًا منكرة، منها: أن بعضهم ضرب الحجر افي سود بدبُّوس فكسره ثم قلَعه، وقيل قلَعه جعفر بن علاج البنَّاء بأمر أبي طاهر يوم الاثنين بعد الصلاة لأربع عشرة خلت من ذي الحجة. وذهب به معه إلى بلاده هَجَر. وبقي موضعه خاليًا يضع الناس فيه أيديهم للتبرّك إلى حين رُدَّ إلى موضعه من الكعبة المعظَّمة وذلك يوم الثلاثاء يوم النَّحر من سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة على ما ذكر المسبحي (١) وذكر أن الَّذي وافى به مكة سُنَين بن الحسن القرمطي. وذكر بعضهم: أن القرامطة قلعوا الحجر والباب وأصعدوا رجلًا لقلع الميزاب فتردَّى على رأسه وأخذوا أسلاب (٢) مكة والحاج وألقوا القتلى في زمزم. وهلك تحت الحجر من مكة إلى الكوفة أربعون جملًا فعلَّقه لعنه الله على الإسطوانة السابعة من جامع الكوفة (١٧/ ب) إلى الجانب الغربي؛ ظنًّا منه: أن الحج ينتقل إلى الكوفة. * قال ابن دحية، ثم حُمِل الحَجَر إلى هَجَر سنة سبع عشرة وثلاثمائة.

стр. 76

وبقي عند القرامطة اثنين وعشرين سنة إلا شهرًا، ثم رُدَّ لخمس خَلَوْن من ذي الحِجَّة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. وكان حَكَم التركي بذل لهم في ردِّه خمسين ألف دينار فلم يفعلوا وقالوا: أخذناه بأمر ولا نرده إلَّا بأمر. * وقيل: إنهم باعوه من الخليفة المقتدر بثلاثين ألف دينار. ولما أرادوا تسليمه، أشهدوا عليهم أنهم تسلَّموا الحجر الأسود، وقالوا لهم بعد الشهادة: "يا مَن لا عقل لهم، مَن علم منكم أن هذا هو الحجر الأسود ولعلنا أحضرنا حجرًا أسود من هذه البرية عوضه، فسكت الناس، وكان فيهم عبد الله بن عكيم المحدّث، فقال لنا في الحجر الأسود علامة، فإن كانت موجودة: فهو هو؛ وإن كانت معدومة: فليس هو، ثم رفع حديثًا غريبًا أن الحجر الأسود يطفو على وجه الماء ولا يسخن بالنار إذا أوقدت عليْه، فأحضر القرمطي طستًا فيه ماء ووضع الحجر فيه فطفى على الماء، ثم أوقدت عليه النار فلم يحس بها فمدَّ عبد الله المحدِّث يده وأخذ الحجر وقبَّله وقال: أشهد أنه الحجر الأسود، فتعجَّب القرمطي من ذلك، وقال: هذا دين مضبوط بالنقل. وأُرسل الحَجَر إلى مكة. * قال ابن دحية: عبد الله بن عكيم هذا لا يعرف، والحجر الأسود جلْمدًا (١) لا تخلَّل فيه. والذي يطفو على الماء يكون فيه بعض التخلل كالخفاف وشبهه. قال وللحجر الأسود علامات غير ذلك، وعرضه وطوله معلوم عند جميع من ألَّف في أخبار مكة ولا يمكن التدليس فيه والنقطة البيضاء التي فيه من أكبر العلامات.

стр. 77

قلت: ولقد شاهدت في سنة خمس وسبعين وثمانمائة وقد ذهبت تلك النقطة البيضاء منه. * وذكر الذهبي: أنه هلك تحته لما حُمِل إلى هَجَر أربعون جملًا، فلما أعيد حُمل على قَعُود هزيل فسمِن. وقيل: هلك تحته لما حُمل (١٨/أ) إلى هجر ثلاثمائة بعير، وقيل: خمسمائة بعير. والله تعالى أعلم! .. * * *

стр. 78

الباب الثامن فيما جاء في رفع الحجر الأسود: * ذكر الأزرقي بسنده عن عائشة قالت، قال رسول الله ﷺ : "أكثِروا استلام هذا الحجر فإنكم توشكون أن تفقدوه، بينما الناس يطوفون به ذات ليلة إذ أصبحوا وقد فقدوه إن الله لا يترك شيئًا من الجنَّة في الأرض إلَّا أعاده فيها قبل يوم القيامة" (١). * وبسنده إلى يوسف بن ماهك قال: إن الله تعالى جعل الركن عيد أهل هذه القبلة كما كانت المائدة عيدًا لبني إسرائيل، وإنكم لن تزالوا بخير ما دام بين ظهرانيكم، وإن جبريل وضعه في مكانه وإنه يأتيه فيأخذه من مكانه (٢). * وذُكر عن مجاهد أنه قال: كيف بكم إذا أُسْري بالقرآن ورُفع من صدوركم ونُسخ من قلوبكم ورفع الركن (٣)؟ . * وقال عثمان بن ساج: بلغني عن النبي ﷺ أنه قال: "أول ما يُرفع الركن والقرآن ورؤيا النبي ﷺ في المنام" (٤). * وذكر بسنده إلى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "إن الله تعالى يرفع القرآن من صدور الرجال والحَجَرَ الأسودَ قبل يوم القيامة" (٥).

стр. 79

الباب التاسع في ذكر الركن اليماني: * ذكر الأزرقي بسنده إلى ابن عمر: أن النبي ﷺ لم يكن يمر بالركن اليماني إلَّا وعنده مَلَك يقول: "يا محمد استلمه" (١). وبسنده إلى عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما مررت بالركن اليماني إلا وجدت جبريل ﵇ قائمًا" (٢). وبسنده إلى الزبير أنه قال: "كان يقال إنه من (٣) باب من أبواب الجنَّة" (٤). وعن مجاهد: مَن وضع يده على الركن اليماني ثم دعا استجيب له (٥). وعنه أيضًا قال: بلغني أن بين الركن اليماني والركن الأسود سبعين ألف ملك لا يفارقونه، هم هنالك منذ خلق الله سبحانه البيت (٦). * وروى ابن الجوزي بسنده إلى النبي ﷺ أنه قال: "على الركن اليماني ملك موكَّل منذ خَلَق الله السموات والأرض فإذا مررتم به فقولوا: (١٨/ ب)

стр. 80

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة وَقِنا عذاب النار فإنه يقول آمين آمين" (١). وبسنده إلى النبي ﷺ أنه قال: "وكَّل الله به سبعين ألف ملك فمن قال أسألك العفو والعافية ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وَقِنا عذاب النار، قالوا آمين" (٢). وكان النبي ﷺ لا يستلم من أركان البيت إلا اليماني والأسود، فاستلام اليماني مسنون عند مالك والشافعى وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يسنّ، والحديث حجة عليه (٣). * * *

стр. 81

الباب العاشر في ذكر الحِجْر: * روى الأزرقي بسنده إلى عائشة أنها قالت: كنت أحب أن أدخل البيت فأصلِّي فيه، فأخذ رسول الله ﷺ بيدي فأدخلني الحِجْر، فقال لي: "صلي في الحِجْر إذا أردتِ دخول البيت، فإنما هو قطعة من البيت، ولكن قومك استقصروا حين بنَوْا الكعبة فأخرجوه من البيت" (١). وذُكر عن ابن عباس أنه قال: "الحِجْر من البيت" (٢) فإذا قلنا هو من البيت فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣). * قال ابن الجوزي: فعلى هذا يلزم الطواف بالحِجْر فإن تَركه في طوافه لم يُجْزئه "وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وقال أبو حنيفة: يجزئه" (٤) انتهى كلام ابن الجوزي (٥). وذكر غيره عن أبي حنيفة أنه قال: إن طاف في (٦) الحِجْر وبَقي في مكة أعاده وإن رجع إلى بلده فلا إعادة عليه ويريق دمًا ويُجْزِئه طوافه.

стр. 82

واحتج الجمهور: بأن النبي ﷺ طاف وراء الحِجْر وقال: "خذوا عني مناسككم" (١) ثم أطبق الناس عليه في زمن النبي ﷺ وإلى الآن (١). وروى الأزرقي، عن عمر بن عبد العزيز أنه قال وهو في الحِجْر شكا إسماعيل ﵇ إلى ربِّه تعالى حرَّ مكة، فأوحى الله تعالى إليه أني أفتح لك بابًا من الجنَّة في الحِجْر يجري عليك منه الروْح إلى يوم القيامة. وفي ذلك الموضع تُوفِّي (٢). قال خالد المخزومي: فيرَون أن ذلك الموضع ما بين الميزاب إلى باب الحِجْر الغربي، فيه قبره (٣). (١٩/أ). وذُكر عن ابن الزبير: أنه حفر الحِجْر فوجد فيه سفَطًا من حجارة أخضر، فسأل قريشًا عنه، فلم يجد عند أحد منهم فيه (٤) عِلْمَا، قال: فأرسل إلى عبد الله ابن صفوان، فسأله فقال: هذا قبر إسماعيل ﵇ فلا تحركه؟ ، قال فتركه (٥). * وقال ابن إسحق: قبر إسماعيل وأمه هاجر ﵉ في الحِجْر. وورد؛ أن إبراهيم ﵇ لما قدِم بهاجر وإسماعيل ﵉ إلى مكة أنزلهما في الحِجْر وأمرها أن تتخذ فيه عرشًا. وذكر ابن إسحاق في أثناء خبر بناء الخليل ﵇ للكعبة أنه جعل الحِجْر إلى جنب البيت عريشًا من أراك يقتحمه العنز، وكان زَرَبًا لِغَنَم

стр. 83

إسماعيل ﵇. * وعرْض الحِجْر من جُدر الكعبة تحت الميزاب إلى جُدر الحِجْر: سبعة عشر ذراعًا وثمان أصابع. وذرع ما بين بابَي الحِجْر: عشرون ذراعًا، وعرضه: اثنان وعشرون ذراعًا، وذرع الجُدر من داخله في السماء: ذراع وأربع عشرة أصبعًا، وذرعه مما يلي الباب الَّذي يلي المقام: ذراع وعشر أصابع، وذرع جدار الحجر الغربي في السماء: ذراع وعشرون أصبعًا، وذرع طول جُدر الحِجْر من خارج مما يلي الركن الشامي: ذراع وست عشرة أصبعًا. وطوله من وسطه في السماء: ذراعان وثلاث أصابع. وعرض الجدار: ذراعان إلا أصبعين، وذرع باب الحِجْر الَّذي يلي المقام: خمسة أذرع وثلاث أصابع، وذرع باب الحِجْر الآخر: سبع أذرع، وذرْع تدوير الحِجْر من داخله: ثمانية وثلاثون ذراعًا. وذرع تدويره من خارج: أربعون ذراعًا وست أصابع. وذرع طَوْف واحد حول الكعبة: مائة ذراع وثلاثة وعشرون ذراعًا وثنتا عشرة أصبعًا. وذرع طَوْف أُسبوع حول الكعبة: ثمانمائة وستة وستون ذراعًا وعشرون أصبعًا. ذكر هذا كله الأزرقي (١). * * *

стр. 84

الباب الحادي عشر في ذكر الميزاب: روى الأزرقي بسنده: أن النبي ﷺ إذا حاذى ميزاب الكعبة وهو في الطواف يقول: "اللَّهم إني أسألك الراحة عند الموت والعفو عند (١٩/ ب) الحساب" (١) ورُوي عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: "مَن قام تحت مثعب (٢) الكعبة فدعا استُجيب له وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (٣). ورُوي عن ابن عباس أنه قال "صلُّوا في مصلَّى الأخيار واشربوا من شراب الأبرار، فقيل له: ما مصلَّى الأخْيار؟ قال. تحت الميزاب، قيل: وما شراب الأبرار؟ قال: ماء زمزم" (٤). * * *

стр. 85

الباب الثاني عشر في ذكر الحطيم: * اختُلف في الحطيم وفي سبب تسميته بذلك: فقيل: إنه ما بين الحَجَر الأسود ومقام إبراهيم ﵇ وزمزم وحِجْر إسماعيل ﵇، وهو مقتضى ما حكاه الأزرقي عن ابن جريج. وفي كتب الحنفية: أن الحطيم الموضع الَّذي فيه الميزاب. قال الإمام أحمد: يأتي الحطيم وهو تحت الميزاب فيدعو. وعن ابن عباس قال: الحطيم: الجدر (١). قال المحبّ الطبري: يعني جدار حجر الكعبة. قال وقد قيل الحطيم هو الشاذروان، سُمِّي بذلك؛ لأن البيت رُفع وتُرك هو محطومًا فيكون فعيلًا بمعنى مفعول. قال: وقد قيل لأن العرب كانت تطرح فيه ما طافت فيه من الثياب فيبقى حتَّى ينْحطِم من طول الزمان فيكون فعيلًا بمعنى فاعل- انتهى (٢). وقيل: إنما سُمِّي الحطيم لأن الناس كانوا يحطِمون هنالك بالأيمان فقلَّ مَن دعا هنالك على ظالم إلَّا هَلَك، وقلَّ مَن حلف هنالك إلا عُجِّلت له العقوبة. ذكره الأزرقي (٣).

стр. 86

الباب الثالث عشر في فضل النظر إلى البيت ونزول الرحمة عليه: * روى الأزرقي بسندِه إلى حسَّان بن عطية: أن الله ، خلق لهذا البيت عشرين ومائة رحمة ينَزِّلها (١) في كل يوم: فستُّون منها للطَّائفين، وأربعون للمصلِّين، وعشرون للناظرين. قال حسان فنظرنا فإذا هي كلها للطائفين وهو يطوف ويصلِّي وينظر (٢). * وعن إبراهيم النخعي وحمَّاد بن أبي (٣) سلمة قال: الناظر إلى الكعبة كالمجتهد في العبادة في غيرها من البلاد (٤). ورُوي عن ابن عباس قال، قال رسول الله ﷺ (٢٠/ أ): "ينَزِّل الله تعالى على هذا البيت كل يوم وليلة عشرين ومائة رحمة، ستون منها للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين" (٥). وعن يونس بن حُباب، قال: النظر إلى الكعبة عبادة فيما سواها من الأرض، عبادة الصائم القائم الدائم (٦) القانت (٧).

стр. 87

* وعن مجاهد قال: النظر إلى الكعبة عبادة ودخول فيها دخول في حَسَنة وخروج منها خروج من سيئة (١). وعن ابن عباس: النظر إلى الكعبة محْض الإيمان (٢). وعن ابن المسيِّب قال: من نظر إلى الكعبة إيمانًا وتصديقًا خرج من الخطايا كيوم ولدته أمه (٣). وعن أبي السايب المَديني قال: مَن نظر إلى الكعبة إيمانًا وتصديقًا تحَاتَّتْ عنه الذنوب كما تتحات الورقُ من الشجر (٤). وعن زهير بن محمد قال: الجالسُ في المسجد ينظر إلى البيت لا يطوف به ولا يصلِّي، أَفضلُ من المصلي في بيته، لا ينظر إلى البيت (٥). وعن عطاء قال: النظر إلى البيت عبادة، والناظر إلى البيت كمنزلة الصائم القائم الدائم المُخْبِت المجاهد في سبيل الله (٦). ونظره إلى البيت تعدل (٧) عبادة ألف سنة، قيامها وركوعها وسجودها. * * *

стр. 88

الباب الرابع عشر في ذكر المواضع التي يُستجاب فيها الدعاء: * ذكر الحسن البصري في رسالته المشهورة: أن الدعاء يستجاب بمكة في خمسة عشر موضعًا: عند الملتَزَم- وتحت الميزاب - وعند الركن اليماني- وعلى الصفا- وعلى المرْوَة- وبينهما- وبين الرّكْن والمقام- وفي جوف الكعبة- وبمِنَى - وجمع- وعرفات- وعند الجمرة الأولى- والوسطى- وجمرة العَقَبة (١). هكذا ذكر أولًا خمسة عشر، وإنما ذكر أربعة عشر. * قال في "تحفة الكرام": يُحتمل أن يكون المكان الَّذي سقط فيه خلف المَقام، وُيحتمل أن يكون في الطواف؛ لأنه رُوي عن الحسن البصري عدَّ هذين الموضعين في المواضع التي يُستجاب بها الدعاء بمكة. قال المحبّ الطبري: ورُوي عن الحسن أن الحجر الأسود يُستجاب عنده الدعاء فتصير المواضع ستة عشر. قال، وسيأتي عند ظَهْر الكعبة موضع سابع عشر، ومراده المستجار ما بين الركن اليماني والباب المسدود. قال في "تحفة الكرام": وفيما قاله الحسن من أنه يُستجاب عند جمرة العقبة (٢٠/ ب) نظرٌ؛ لأن المطلوب أن لا يقف عندها وكيف يفعل شيئًا المطلوب خلافه ويستجاب له، إلا أن يريد بقربها أو وهو مار. قال: وفيه بُعْد.

стр. 89

* وذكر القاضي مجد الدين الشيرازي: يُستجاب أيضًا في ثبير وفي مسجد الكبش. زاد غيره ومسجد الخيْف. زاد آخر وفي مسجد النَّحر، ببطن (١) مِنى. زاد ابن الجوزي: وفي مسجد البيعة، وغار المرسلات، ومغارة الفتح؛ لأنها من ثبير. وقال النقاش: يُستجاب الدُعاء إذا دخل من باب بني شيبة، وفي دار خديجة بنت خويلد ليلة الجمعة، وفي مولد النبي ﷺ يوم الاثنين عند الزوال، وفي دار الخيزران عند المحسا بين العشاءين، وتحت السّدرة بعرفة وقت الزوال، وفي مسجد الشجرة يوم الأربعاء، وفي المتَّكا غداة الأحد، وفي جبل ثور عند الظهر وفي حِراء وثَبير مطلقًا، وفي مسجد النَّحر- انتهى. * * *

стр. 90

الباب الخامس عشر في ذكر طواف الحشرات بالبيت: * ذكر ابن الجوزي بسنده إلى عبد الله بن صفوان: أنه بينا هو قريب من البيت إذ أقبلت حيَّة من باب العراق حتى طافت بالبيت أسبوعًا ثم أتت الحجر فاستلمتْه، فنظر إليها عبد الله بن صفوان فقال: أيها الجان قد قضيتَ عُمْرتكَ وإنا نخاف عليكَ بعض صبياننا فانصرف، فخرجت راجعة من حيث جاءت. * وذكر الأزرقي عن أبي الطفيل قال: كانت امرأة من الجنِّ في الجاهلية تسكن ذا طُوىَ وكان لها ابن ولم يكن لها ولد غيره، وكانت تحبه حبًّا شديدًا، وكان شريفًا في قومه فتزوج وأتى زوجته فلما كان يوم سابعه قال لأمّه يا أمّه إني أحب أن أطوف بالكعبة سبعًا نهارًا، فقالت له أمُّه: أيْ بُنىَ إني أخاف عليك سفهاء قريش، فقال أرجو السلامة، فأذنت له فولّى في صورة جان إلى أن ذكر أنه طاف بالبيت سبعًا وصلّى خلف المَقام ركعتين وأنه دخل بعض دُور بني سهم فقتله شاب من بني سهم أحمر أكتف أزرق أحول أعسر، فثارت بمكة غبْرة حتى لم يبصر (٢١/ أ) لها الجبال. قال أبو الطفيل وبلغنا أنه إنما تثور تلك الغبرة عند موت عظيم من الجن. قال فأصبح من بني سهم على فراشهم موتى كثيرًا من قتلى الجن، وكان فيهم سبعون شيخًا أصلع سوى الشباب. قال فنهضت بنو سهم وحلفاؤها ومواليها وعبيدها فركبوا الجبال والشعاب بالثنِيَّة فما تركوا حيَّة ولا عقربًا ولا حكَّا ولا عطانة ولا خنفسًا ولا شيئًا من الهوامّ يدب على وجه الأرض إلَّا قتلوه فأقاموا بذلك ثلاثًا فسمعوا في الليلة الثالثة على أبي قبيس

стр. 91

هاتفًا يهتف بصوت له جهْوَرِيّ يسمع به (١) بين الجبلين: يا معشر قريش الله الله، فإن لكم أحلامًا وعقولًا أُعذرونا من بني سهم، فقد قتلوا منَّا أضعاف ما قتلنا منهم أُدخلوا بيننا وبينهم بالصلح نعطيهم ويعطوننا العهد والميثاق أن لا يعود بعضنا لبعض بسوء أبدًا. ففعلت ذلك قريش واستوثقوا لبعض من بعض فسُمُّوا بنو سهم العناطلة قتلة الجن (٢). * وذكر الأزرقي أيضًا عن محمد بن هشام السهمي قال: كنت بمال لي بتَبالة (٣) أجد نخلًا لي به وبين يدي جارية لي فارهة فصُرِعتْ قدّامي، فقلت لبعض خدمنا: هل رأيتم هذا منها قبل هذا؟ قالوا: لا، قال فوقفت عليها فقلت يا معشر الجن أنا رجل من بني سهم وقد علمتم ما كان بيننا في الجاهلية من الحرب وما صرنا إليه من الصلح والعهد والميثاق وأنْ لا يغدر بعضنا ببعض ولا يعود إلى مكروه صاحبه فإن وَفيتم وَفيْنا وإن غَدرتم غَدرْنا إلى ما تعرفون قال: فأفاقت الجارية ورفعت رأسها فما عِيد إليها بمكروه حتى ماتت (٤). * وذكر الأزرقي عن طلْق بن حبيب قال: كنا جلوسًا مع عبد الله بن عمرو بن العاص في الحِجْر إذ قلَص الظلّ وقامت المجالس، إذا نحن ببريق أيِّم طالع من هذا الباب، يعني باب بني شيبة، فاشرأبت له أعين الناس فطاف بالبيت سبعًا وصلّى ركعتين وراء المَقام فقمنا إليه فقلنا ألا أيها المعتمر قد قضى الله نسكك وإن بأرضنا عبيدًا وسفهاء وإنا (٢١/ ب) نخشى عليك

стр. 92

منهم. فكوَّم برأسه كومة بطحاء ووضع ذنبه عليها فسما في السماء حتى مَثُل علينا فما نراه. قال أبو محمد الخزاعي: الأيِّم: الحية الذكر (١). * * *

стр. 93

الباب السادس عشر في ذرع الكعبة من جهاتها الأربع وارتفاعها في السماء وذِكْر الشاذروان (١): قال أبو الوليد (٢): كان إبراهيم الخليل ﵇ بنى الكعبة، البيت الحرام، فجعل طولها في السماء: تسع أذرع، وطولها في الأرض: ثلاثين ذراعًا، وعرضها في الأرض: اثنين وعشرين ذراعًا. وكان غير مسقف في عهد إبراهيم ﵇، ثم بَنَتْها قريش في الجاهلية والنبي ﷺ يومئذ غلام، فزادت في طولها في السماء: تسعة أذرع أخرى، فكانت في السماء: ثمانية عشر ذراعًا، وسقفوها ونقصوا من طولها في الأرض: ستة أذرع وشبرًا تركوها في الحِجْر، واستُقصرت دون قواعد إبراهيم ﵇، جعلوا رَبَضًا (٣) في بطن الكعبة وبَنَوا عليه حين قصَّرت بهم النفقة. وحجَّرو الحِجْر على بقية البيت لأن يطوف الطائف من ورائه، فلم تزل على ذلك حتى كان زمن عبد الله بن الزبير فهدم الكعبة وردها إلى قواعد إبراهيم ﵇ وزاد في طولها في السماء: تسعة أذرع أخرى على بناء قريش. فصارت في السماء: سبعة وعشرين ذراعًا، وأوْطأ بابها بالأرض وفتح في ظَهرها بابًا آخر مقابل هذا الباب. وكانت على ذلك حتى قُتل ابن الزبير وظهر الحجَّاج وأخذ

стр. 94

الكعبة، فكتب إليه عبد الملك بن مروان يأمره بهدم ما كان ابن الزبير زاد من الحجر في الكعبة وردها إلى قواعد قريش التي استقصرت في بطن البيت وكسيها بما فَضَل من حجارتها وسدّ بابها الذي في ظهرها ورفع بابها الذي في وجهها وتركها على طولها، وطولها في السماء اليوم: سبعة وعشرون ذراعًا، وذرع طول وجه الكعبة من الركن الأسود إلى الركن الشامي: خمسة وعشرون ذراعًا، ومن الأسود إلى اليماني: عشرون ذراعًا، ومن اليماني إلى الحِجْر: خمسة وعشرون (٢٢/ أ) ذراعًا، وذرع شقها الذي فيه الحِجْر من الركن الشامي إلى الركن الغربي: أحد وعشرون ذراعًا، وذرع جميع الكعبة مكسر أربعمائة ذراع وثماني عشرة ذراعًا وذرع نفد جدار الكعبة: ذراعان. والذراع: أربعة وعشرون إصبعًا. والكعبة لها سقفان: أحدهما فوق الآخر. وطول الكعبة في السماء إلى السقف الأسفل مما يلي باب الكعبة: ثماني عشرة ذراعًا ونصف، وطولها في السماء إلى السقف الأعلى: عشرون ذراعًا، وذرع التحجير الذي فوق سطح الكعبة: ذراعان ونصف، وذرع طول الميزاب: أربع أذرع، وسعته: ثماني أصابع في ارتفاع مثلها. والميزاب: ملبَّس صفائح ذهب داخله وخارجه. وكان الذي جعل عليه الذهب الوليد بن عبد الملك. وذرع الكعبة؛ من وجهها من الركن الذي فيه الحجر الأسود إلى الركن الشامي وفيه الباب: تسع عشرة ذراعًا وعشر أصابع، وذرع ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي وهو الشق الذي يلي الحِجْر: خمسة عشر ذراعًا وثماني عشرة أصبعًا. ومنه إلى الركن اليماني وهو ظَهْر الكعبة: عشرون ذراعًا وست أصابع، ومن اليماني إلى الأسود. ستة عشر ذراعًا وست أصابع، وذرع طول باب الكعبة في السماء: ستة أذرع وعشرة أصابع وهما

стр. 95

مصراعان، عرض كل مصراع: ذراع وثماني عشرة أصبعًا. * وذكر الأزرقي في موضع آخر: أنَّ ذَرْع الكعبة من خارجها في السماء من البلاط المفروش حولها: سبع وعشرون ذراعًا وستة عشر إصبعًا، وطولها من الشاذروان سبعة وعشرون ذراعًا، وعدد حجارة الشاذروان التي حول الكعبة: ثمانية وستون حجرًا في ثلاثة وجوه، من ذلك الركن الغربي إلى اليماني: خمسة وعشرون حجرًا منها حجر طوله ثلاثة أذرع ونصف وهو عتبة الباب الذي سُدّ في ظَهر الكعبة، وبينه وبين الركن اليماني: أربعة أذرع، ويسمَّى "المستجار". وفي الركن اليماني حجر مدور بين الركن اليماني والركن الأسود: تسعة عشر حَجَرًا. ومن حد الشاذروان إلى الركن الذي فيه الحجَر الأسود: ثلاثة أذرع واثنتا عشرة أصبعًا ليس فيه شاذروان. ومن حدّ الركن الشامي إلى الركن الذي فيه الحجَر الأسود: ثلاثة وعشرون حجرًا. ومن الشاذروان الذي يلي الملتَزَم إلى الركن الذي فيه الحجر: ذراعان ليس فيها شاذروان، وهو المُلتَزَم، فطول الشاذروان في السماء: ست عشرة أصبعًا وعرضه: ذراع (١). والشاذروان: بفتح الذال: وهو من جدر البيت الحرام ما ترك من عرض الأساس خارجًا ويسمى تأزيرًا؛ لأنه كالإزار للبيت. وعند الشيخ تقي الدين: أن الشاذروان ليس من البيت بل جُعِل عمارًا للبيت.

стр. 96

تنبيه: هكذا ذكر أبو الوليد: أن ابن الزبير زاد في طولها تسع أذرع، والذي في "صحيح مسلم" من رواية عطاء: أنه زاد عشرة أذرع، والله تعالى أعلم (١).

стр. 97

الباب السابع عشر في ذكر المقام: قد تقدم عن عمرو بن العاص مرفوعًا: "الحَجَر والمَقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طَمَس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاء ما بين المشرق والمغرب" (١). وعن ابن عباس قال: "ليس في الأرض من الجنة إلا الرُّكْن الأسود والمقام فإنهما جوهرتان من جوهر الجنة، ولولا ما مسّهما من أهل الشرك، ما مسَّهما ذو عاهة إلَّا شفاه الله تعالى" (٢). * وعن مجاهد أنه قال: "لا تمسّ المقام فإنه من آيات الله" (٣). وعنه أيضًا؛ أنه قال في قول الله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ (٤) قال: أثر قَدَمَيه في المقام (٥). * وفي سبب وقوفه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه وقف عليه حين أذن للناس بالحج. قال الطبري: وهو أظهر.

стр. 98

وقد رُويَ عن أبي سعيد الخُدْري أنه قال: سألت عبد الله بن سلام عن الأثر الذي بالمقام، فقال: كانت الحجارة على ما هي عليه اليوم، إلَّا أن الله أراد أن يجعل المقام آية من آيات الله تعالى فلما أمَر إبراهيم ﵇ أن يؤذِّن في الناس بالحج قام على المقام وارتفع المقام حتى صار أطول الجبال وأشرف على ما تحته فقال: "يا أيها الناس أجيبوا ربكم" فقالوا: "لبيك اللهم لبيك" فكان أثره ﷺ لما أراد الله سبحانه، فكان ﷺ ينظر عن يمينه وعن شماله: أجيبوا ربكم، فلما فرغ أمَر بالمقام فوضعه قِبَله فكان يصلي إليه مستقْبل الباب فهو قبله إلى ما شاء الله. الثاني: أنه جاء يطلب ابنه إسماعيل فلم يجده، فقالت له زوجته: انزل فأبى، فقالت: فَدعني أغسل رأسك، فأتته بحجر؛ فوضع رجليه عليه وهو راكب، فغسلت شقه ثم رفعته وقد غابت رجله فوضعته تحت الشق الآخر وغسلته فغابت رجله فيه، فجعله الله تعالى من الشعائر، وهذا مروي؛ عن ابن مسعود وابن عباس (١). الثالث: أنه قام على ذلك الحجر لبناء البيت. وكان إسماعيل يناوله الحجارة، قاله: سعيد بن جبير. وروى محمد بن سعد عن أشياخ له: أن عمر بن الخطاب أخَّر المقام إلى موضعه اليوم، وكان ملصقًا بالبيت. وذكر ابن كثير في تفسيره (٢): أن المقام كان ملصقًا بجدار الكعبة قديمًا ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحِجْر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك.

стр. 99

وكان الخليل لما فرغ من بناء البيت وضعه على جدار الكعبة أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك ولهذا، والله أعلم، أُمر بالصلاة هناك عند فراغ الطواف وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه. وإنما (١) أخَّره عن جدار الكعبة: أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة. وقد روى عبد الرزاق، عن عطاء وعن مجاهد أن أول من أخَّر المقام إلى موضعه الآن: عمر بن الخطاب. وروى الإمام أحمد في المناسك عن عبد الرزاق، ثنا ابن جريج قال: سمعت عطاء وغيره من أصحابنا يزعمون: أن عمر ﵁ أول مَن رفع المقام فوضعه في موضعه الآن وإنما كان في قُبُل الكعبة. وروى البيهقي بسنده إلى عائشة: أن المقام كان في زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر ملتصقًا بالبيت ثم أخره عمر بن الخطاب. قال ابن كثير: وسنده صحيح (٢). * وروى ابن أبي حاتم عن سفيان بن عُيَيْنة قال: كان المقام من صقع البيت على عهد رسول الله ﷺ ، فحوَّله عمر إلى مكانه بعد النبي ﷺ . وذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا فرده عمر إليه. وقال سفِيان: لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله. قال سفيان: لا أدري أكان لاصقًا بها أم لا (٣).

стр. 100

قال ابن كثير: فهذه الآثار متعاضدة على ما ذكرناه (١). وذكر الحافظ أبو بكر بن مردَويه بسنده إلى إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد قال: قال عمر، يا رسول الله، لو صلينا خلف المقام، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فكان المقام عند البيت فحوَّله رسول الله ﷺ إلى موضعه هذا، قال مجاهد: قد كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن. هذا مُرسل عن مجاهد، وهو مخالف لما تقدَّم من رواية عبد الرزاق عن مجاهد: أول من أخَّر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطَّاب. قال ابن كثير: وهو أصح من طريق ابن مردوَيه مع اعتضاده بما تقدَّم (٢). * وذكر الأزرقي عن أبي مليكة أنه قال: موضع المقام هذا الذي هو به اليوم، هو موضعه في الجاهلية، وفي عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر إلا أن السيل ذهب به في خلافة عمر؛ فجعلوه في وجه الكعبة حتى قدِم عمر رضي الله تعالى عنه فردّه بمحضر من الناس (٣). ونقل المحب الطبري عن مالك في "المدوَّنة": أن المقام كان في عهد إبراهيم ﵇ في مكانه اليوم. وكان أهل الجاهلية ألصقوه إلى البيت خيفة السيل، فكان كذلك في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر ﵁. فلما وَلِىَ عمر ﵁ ردّه بعد أن قاس موضعه بخيوط قديمة قيس بها حين أخَّروه (٤)، وقيل إن عمر أخَّره أولًا ثم ذهب به السيل ثم أخَّره؛ فيكون

стр. 101

أخَّره مرتين. وذكر ابن جرير وابن الأثير: أن تأخير عمر له كان في سنة سبع عشرة من الهجرة. وذكر ابن حمدون في تذكرته: أنه في سنة ثماني عشرة، والحفرة المرخَّمة عند الباب؛ يقال: إنها الموضع الذي صلّى فيه جبريل بالنبي ﷺ . وقد تقدَّم كلام ابن كثير فيها. * قال بعض سدنته: ذهبنا نرفع المقام في خلافة المهدي فانثلم وهو حجر رخو، فخشينا أن يتفتت، فكتبنا في ذلك إلى المَهْدِي، فبعث إلينا بألف دينار فضببنا بها المقام، أسفله وأعلاه، ثم أمر المتوكل أن يجعل عليه ذهب أحسن من ذلك العمل ففعلوا. * وذرع المقام: ذراع، والقدمان داخلان فيه: سبع أصابع، ودخولهما منحرفتان، وبين القدمين من الحجر: أُصبعان. والمقام مربع؛ سعة أعلاه: أربع عشرة أُصبعًا، في أربع عشرة أُصبعًا، ومن أسفله: مثل ذلك، وفي طرفيه من أعلاه وأسفله: طوقان من ذهب. وما بين الطوقين من الحجر: بارز بلا ذهب عليه. طوله من نواحيه كلها: تسع أصابع، وعرضه: عشر أصابع عرضًا، وعشر أصابع طولًا، وذلك قبل أن يُجعَل عليه هذا الذهب الذي هو عليه اليوم من عمل أمير المؤمنين المتوكل على الله. وعرض حجر المقام من نواحيه: إحدى وعشرون أُصبعًا. وبين الركن الأسود والمقام: تسع وعشرون ذراعًا وتسع أصابع. وبين جدار الكعبة من وسطها إلى المقام: ست وعشرون ذراعًا ونصف، ومن الركن الشامي إلى المقام: ثمانية وعشرون ذراعًا وتسع عشرة أُصبعًا.

стр. 102

الباب الثامن عشر في ذكر ابتداء زمزم وتجديدها بعد دثورها: * أما بُدوّ أمرها؛ فكما ثبت في الصحيحين (١) في قصة إبراهيم ﵇ لما جاء بهاجر وبابنها إسماعيل ﵇ وهي ترضعه، ووضعهما عند دوحة فوق زمزم، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر وسِقاءً فيه ماء. والقصة فيها مشهورة، وفيها: أن هاجر لما نفد ما في السِقاء قامت تنظر وإسماعيل ﵇ يتلوَّى أو يتلبَّط، وفي لفظ: كأنه ينشغ للموت، فصعدت الصفا؛ لأنه أقرب جبل يليها تنظر هل ترى أحدًا، فلم ترَ أحدًا، فهبطت حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف دِرعها وسعت سعي الإنسان المجهود حتى أتت المروَة، فعلت ذلك سبع مرات. فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صه؛ تريد نفسها. ثم تسمَّعت، فسمعت أيضًا، فقالت قد أسمعت أن كان عندك غواث، فإذا هي بالملَك عند موضع زمزم. فبحث بعقبه أو قال بجناحه؛ فانبثق الماء، فدهشت أُم إسماعيل فجعلت تحوضه، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف. قال النبي ﷺ : "أرحم الله أُم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينًا معينًا" فقد بان في هذا الحديث معنى تسميتها زمزم؛ لأن الماء لما فاض زمته هاجر. قال (٢٥ /أ) ابن فارس: وزَمزم من قولك زممت الناقة إذا جعلت لها

стр. 103

زمامًا تحبسها به. * ثم دثرت زمزم بعد ذلك؛ لأن بعض الجرهميين طمَّها. واختُلِف فيه: فالأكثر على أنه عمرو بن الحارث بن مضَّاض بن عمرو بن سعيد، أحد المعمّرين، وهو القائل بعد خروجه من مكة وتأسفه على فوات الأرب، وهو فيما زعموا أول شعر قيل في العرب: كَأْنْ لَمْ يَكُنْ بَين الحُجُونِ إلَى الصَّفَا ... أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمَرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ الأبيات * فاستمرت على ذلك، حتى أُمِر عبد المطلب بحفرها في منامه مرارًا، وقيل له: عند نُقْرَةِ الغراب الأعصم، فحفر عبد المطلب ثلاثة أيام ومعه ابنه الحارث ولم يكن له ولد سواه حتى بدا له الطُّوَى، فكبَّر وقال هذا طُوى إسماعيل، فقالت له قريش أشْرِكنا، فقال ما أنا بفاعل، فاتفقوا على أن يحاكموه إلى كاهنة بني سعد، فخرجوا إليها فعطشوا في الطريق حتى أيقنوا بالموت، فقال عبد المطلب: والله إن ألقانا بأيدينا هكذا العجز أن لا نضرب في الأرض فعسى الله أن يرزقنا ماء، فارتحلوا وقام عبد المطلب إلى راحلته فركبها فلما انبعثت به انفجر تحت خفّها عين ماء عذب فكبَّر عبد المطلب وكبَّر أصحابه وشربوا جميعًا وقالوا له قد قضى لك علينا الذي سقاك، فوالله لا نخاصمك فيها أبدًا فرجعوا وخلُّوا بينه وبين زمزم (١). * * *

стр. 104

الباب التاسع عشر في ذكر الشرب من ماء زمزم والوضوء والغُسل وإزالة النجاسة به: * ذكر الأزرقي عن وَهب بن منبِّه أنه قال عن زمزم: "والذي نفسي بيده إنها لفي كتاب الله تعالى طعام طُعْم وشفاء سُقْم" (١). وروى الطبراني عن النبي ﷺ أنه قال: "خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم فيه طعام من الطُّعم وشفاء من السُّقم" (٢). وذكر شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني: أن ماء زمزم أفضل من الكوثر؛ لأن به غُسل قلب النبي ﷺ ولم يكن يغسل أفضل القلوب إلا بأفضل المياه. قال (٢٥/ ب) بعض الأعيان: الحكمة في غسل قلب النبي ﷺ ليلة المعراج بماء زمزم ليقوى على رؤية ملكوت السموات والأرض والجنة والنار، لأن من خواص ماء زمزم أن يقوِّي القلب ويسكّن الروع، والله أعلم. * وذكر الأزرقي بسنده إلى جابر أن النبي ﷺ قال ماء زمزم لما شُرب له (٣).

стр. 105

* ويُستحب لمن شرب من ماء زمزم أن يكثر منه؛ فقد روى (١) ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "التضلُّع من ماء زمزم براءة من النفاق" ذكره الأزرقي (٢). واختلف العلماء؛ هل يُكره الوضوء والغُسْل من ماء زمزم. فعند الأكثرين: لا يكره، وعن أحمد روايتان: إحداهما كذلك، والأُخرى يُكره. قال ابن الجوزي: لقول العباس: "لا أحلِّها لمغتسل، لكن لشارب حِلٌّ وَبِلٌّ (٣). وقال ابن الزاغوني: لا يختلف المذهب أنه يَنهى عن الوضوء به لقول العباس لا أحلِّها لمغتسل وهي لشارب حلٌّ وبلٌّ. واختُلف في السبب الذي لأجله ثبت النهي على طريقين: أحدهما: أنه اختيار الواقف وشرطه وهو قول العباس المتقدم وهذا كما لو سبَّل ماء للشرب هل يجوز الوضوء به مع الكراهة أو يحرم؟ على وجهين؛ ولأجل هذا: جاء وجه في الوضوء بالتحريم. والثانية: أن سببه الكرامة والتعظيم: فإن قلنا: إن ما ينحدر من أعضاء المتوضّئ طاهر مطهِّر كمذهب مالك: لم يكره. وإن قلنا: إنه طاهر غير مطهِّر: كره.

стр. 106

وإن قلنا: إنه نجس كمذهب الحنفية: حرم. وقيل: يكره الغسل دون الوضوء، واختاره أبو العباس؛ لأن حدث الجنابة أغلظ وهي تجري مجري إزالة النجاسة من وجه، ولهذا عمَّت البدن كله، ولأن العباس إنما حَجَزها (١) عن الغُسْل خاصة. وأما إزالة النجاسة به فهل يحرم أم لا، أم يحرم حيث تنجس؟ في المسألة: ثلاثة أقوال، وقال بالكراهة: الروياني من الشافعية، وبالتحريم: المحب الطبري (٢)، وكذا الماوردي؛ لكنه خصَّه بالاستنجاء. * * *

стр. 107

الباب العشرون في أسماء زمزم: * زمزم: بالزاي المكررة غير مصروفة للتأنيث (٢٦ / أ) والعَلَمية: البئر المباركة المشهورة بمكة وبينها وبين الكعبة: ثمان وثلاثون ذراعًا. قيل: سُميت بذلك لكثرة مائها. وقيل: سميت بذلك لصوت الماء وانبثاقه لمَّا خرج. قال أبو إسحاق إبراهيم بن إسحق الحربي: سُمِّيت زمزم لتزمزُم الماء فيها، وهو حركته، والزمزمة: الصوت تسمع له دويًّا. وقال المسعودي: سميت زمزم؛ لأن الفُرْس كانت تحج إليها في الزمن الأول فتزمزم عليها، والزمزمة: صوت تخرجه الفَرَس من خياشيمها عند شرب الماء. وقد كتب عمر رضي الله تعالى عنه إلى عماله أنْ: أُنهو الفُرْس عن الزمزمة. وقيل: بل من ضمِّ هاجر لها حين انفجرت وزمّها الماء. وقيل: بل من زمزمة جبريل وكلامه عليها. وقبل: هو اسم عَلَم. * ولها ستة وأربعون اسمًا: أحدها: زمزم.

стр. 108

الثاني: زمزوم بزيادة واو. الثالث: زمازم بزيادة ألف. الرابع: زُمَزِم، بضم أوله وفتح ثانيه وكسر ثالثه. الخامس: كذلك إلا أن الثاني مشدَّد. والسادس: تكتُم بوزن تكتُب. السابع: المضمونة (١). الثامن: طعام طُعم. التاسع: شفاء سُقم. العاشر: شراب الأبرار. الحادي عشر: برَّة. الثاني عشر: سُقيا الله تعالى إسماعيل ﵇. الثالث عشر: بركة. الرابع عشر: سَيِّدَة. الخامس عشر: نافعة. السادس عشر: مصونة. السابع عشر: عُونة. الثامن عشر: بُشرى.

стр. 109

التاسع عشر: صافية. العشرون: عصمة. الحادي والعشرون: سالمة. الثاني والعشرون: ميمونة. الثالث والعشرون: مباركة. الرابع والعشرون: كافية. الخامس والعشرون: عافية. السادس والعشرون: مغذية. السابع والعشرون: طاهرة. الثامن والعشرون: حَرَميّة. التاسع العشرون: مُروِيَة. الثلاثون: مؤنسة. الحادي والثلاثون: شيَّاعة بفتح الشين المعجمة وتشديد الياء المثناة من تحت وبالعين المهملة، عزاه البكري إلى أبي عمرو الزاهد. قال بعض الأعيان: هو غريب، والمعروف: بالباء الموحدة. الثاني والثلاثون: قرية النمل. الثالث والثلاثون: نُقرة الغراب. الرابع والثلاثون: هزمة (٢٦ / ب) إسماعيل ﵇.

стр. 110

ومن الثاني عشر إلى الثلاثين: مما رواه الفاكهي عن أشياخ مكة (١). وما بعد الثلاثين إلى الأخير: ذكره في "تحفة الكرام" بصيغة التمريض. الخامس والثلاثون: ذكر بعضهم، السقيا. السادس والثلاثون: سِقاية الحاج. السابع والثلاثون: مكنونة. الثامن والثلاثون: دفين عبد المطلب. التاسع والثلاثون: الدواء، بالفتح والمد. الأربعون: شيعة. الحادي والأربعون: بلتتومة، ذكره ابن خالوَيه في أسمائها. الثاني والأربعون: أم العيال. الثالث والأربعون: طَيْبة، بفتح الطاء المهملة وسكون المثناة تحت، يليها موحدة مفتوحة ثم هاء التأنيث. الرابع والأربعون: طيِّبة بتشديد المثناة وكسرها. الخامس والأربعون: هزمة جبريل، وهي الغمزة الداخلة في الأرض. السادس والأربعون: همزة جبريل، بتقديم الميم على الزاي، وهو الغمز بمعنى الأول. * وقولهم بئر زمزم، هو من إضافة المسمَّى إلى الاسم كقولهم سعيد كرز أىْ صاحب هذا اللقب.
следующие страницы →