كشف اللثام شرح عمدة الأحكام
تأليف
الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن سالم السفاريني النابلسي الحنبلي
المولود سنة (١١١٤ هـ) - والمتوفى سنة (١١٨٨ هـ) - رحمه الله تعالى -
اعتنى به تحقيقا وضبطا وتخريجا
نور الدين طالب
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
كَشْفُ اللِّثَامِ شَرح عُمْدَةِ الأَحْكَامِ
стр. 4
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
رَقم الْإِيدَاع بمَكتَب الشؤون الفَنيَّة
٢٢/ ٢٠٠٧ م
قطَاع المسَاجْد - مَكتب الشؤون الفَنيَّة
الكويت - الرقعي - شَارِع مُحَمَّد بني الْقَاسِم
بدالة: ٤٨٩٢٧٨٥ - داخلي: (٤٠٤)
فاكس: ٥٣٧٨٤٤٧
موقعنا على الإنترنت
www.islam.gov.kw
قطَاع المسَاجْد - مَكتب الشؤون الفَنيَّة
قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والتصحيح العلمي والإخراج الفني والطباعة
دَار النَّوَادِر لصَاحِبهَا ومديرها الْعَام نور الدّين طَالب
سوريا - دمَشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦
لبنان - بَيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤
هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ (٠٠٩٦٣١١) - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
www.daralnawader.com
стр. 5
تصدير
الحمد لله الذي غمر العِبَاد بإنعامه، وعَمَر قلوب العُبّاد بأنوار الدّين وأحكامه، وتعهّدهم بما شرع لهم بلطيف حكمته وأحكامه، أحمده حمداً كثيرًا طيباً مباركاً فيه يدوم بدوامه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في إيجاده وإعدامه، وأشهد أن سيِّدنا محمّداً عبدُه ورسولُه أفضل مبلّغٍ عنه لحلاله وحرامه، اللهم صلّ وسلّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه العاملين بشرائع دينه وأحكامه.
أمّا بعد:
فمن أجلّ العلومِ وأرفعِها عند الله قدراً، وأعزّها عند أهل العلم مكانةً وشرفاً: علمُ الفقه؛ إذ به يكون المسلم على بصيرةٍ من دينه، وثقةٍ من أفعاله وأقواله، وقد دَأَبَ علماءُ الأمّة منذ صدْرها الأول إلى يومنا هذا على التّأليف في هذا العلم المبارك، وتبيانه للنّاس، وتوضيح مسائله وتعليل أحكامه، فألّفُوا فيه الكتبَ والرّسائلَ طويلةً ومختصرة؛ مراعاةً لأحوالِ القارئين ومستوياتهم.
وقد ارتأى قطاع المساجد بوزارة الأوقاف والشّؤون الإِسلاميّة أن يُسهم في خدمة كتاب: "كشف اللِّثام بشرح عمدة الأحكام" للإمام السفّارينيّ، وهو من الكتب الفقهيّة المهمة النّافعة التي اعتنت بشرح أحاديث الأحكام، فجمعت بذلك بين الحديث وفِقْهِهِ.
стр. 6
* إنّ قطاع المساجد -مُمثَّلاً بمكتب الشّؤون الفنّية- يحرص دائماً على اقتناء كلّ مفيدٍ وجديدٍ من الكتب الشّرعيّة النّافعة، وتوزيعها على الدّعاة وطلبة العلم، وعلى الأئمّة والخطباء، تواصلاً معهم، وإثراءً لمعلوماتهم، وإعانةً لهم على ما تحمّلوا من أمانة الكلمة وإبلاع الرّسالة، وزاداً علميّاً لهم، لِما اشتملت عليه هذه المصنّفات من الفوائد العلميّة والآداب المرعيّة.
* وقطاع المساجد بوزارة الأوقاف والشّؤون الإِسلاميّة بإسهامه بهذا الكتاب يبقى متحفّزاً لنشْر غيره مِن الكتُب النّافعة المختارة مِن جميع الفنون، حرصاً على نشْر العلم وبثّ الخير وإصلاح النّاس.
نسأل الله تعالى التّوفيق والسّداد، والهداية والرَّشاد، هو حسبُنا ونعم الوكيل.
والله تعالى أعلم
الوكيل المساعد لشؤون المساجد
عبد الله محمد شهاب
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
стр. 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمدُ لله منزلِ الشرائع والأحكام، وجاعلِ سنةِ نبيِّهِ ﷺ مبينةً للحلال والحرام، والهادي من اتبعَ رضوانَه سبلَ السلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةَ تحقيق على الدوام، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسوله، أرسلَه رحمةً للأنام، وعلى آله وصحبه الكرام.
أما بعد:
فإن الله قد أنزل كتابه الكريم، وتكفَّل لهذه الأمة بحفظه، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
وندب رسولَه الأمين محمدًا ﷺ إلى الأخذ به، والتبليغ عنه، وبيانِ ما أشكلَ منه بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] , "والذكر: اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه ﷺ من قرآنٍ، أو من سُنَّةٍ وحياً يبيِّنُ بها القرآن، فصحَّ أنه ﵊ مأمور ببيان القرآن للناس" (١).
وما قَبَضَ اللهُ رسولَه ﷺ حتى أكملَ له ولأمته الدين، قال تعالى:
стр. 8
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
قال عمه العباس ﵁: "والله ما مات رسولُ الله ﷺ حتى ترك السبيلَ نهجاً واضحاً، وأحلَّ الحلال، وحرَّمَ الحرام، ونكح وطَلَّق، وحارب وسالَم، وما كان راعي غنم يتبع بها رؤوس الجبال، يخبط عليها العِضاه بمخبطته، ويَمْدُر حوضَها بيده، بأنصبَ ولا أدأبَ من رسول الله ﷺ كان فيكم" (١).
ولما كان طريقُ معرفة سنة النبي ﷺ النقلَ والرواية, وجب أن يكون السبيلُ إلى معرفة صحَّتهما محفوظاً أيضًا، ولهذا اختار الله رجالاً جعلهم حَفَظَةَ الدينِ وخَزَنتَهُ، وأوعيةَ العلمِ وحَمَلَتَهُ، "أمعنوا في الحفظ، وأكثروا في الكتابة، وأفرطوا في الرحلة، وواظبوا على السنن والمذاكرة، والتصنيف والدراسة، حتى إن أحدهم لو سُئلَ عن عدد الأحرف في السنن لكل سُنَّةٍ منها، عدَّها عدّاً، ولو زيد فيها ألف أو واو، لأخرجها طوعاً، ولأظهرها ديانة" (٢)، "سلكوا محجَّةَ الصالحين، واتبعوا آثار السلف من الماضين، ودفعوا أهلَ البدع والمخالِفين بسنن رسول الله ﷺ وعلى آله أجمعين، آثروا قطعَ المفاوزِ والقِفار، على التنعُّم في الدِّمَنِ والأوطار، فعقولهم بلذاذة السنة غامرة، وقلوبهم بالرضاء في الأحوال عامرة، تعلُّمُ السنن سرورُهم، ومجالسُ العلم حُبورُهم" (٣). فلله
стр. 9
درُّهم، كم ذَبُّوا عن هذا الدين تحريفَ الجاهلين، وحفظوه من تأويل الغالين، ولولاهم لَدَرَسَتِ الآثار" واضمحلَّت الأخبار.
وقد اعتنوا ﵏ بحفظ أصولها، وجمع مفرداتها، وبيان حال رجالاتها، وشرحِ غريب مفرداتها، وقرَّبوا حفظها لكل مسلم، واختلفت مقاصدُهم في جمعها وتأليفها وترتيبها، فمنهم من اعتمد على ذكر أحاديث الترغيب والترهيب، ومنهم من قصد جمع أحاديث الأحكام، وغير ذلك.
وكان كتاب: "العمدة في الأحكام، في معالم الحلال والحرام، عن خير الأنام محمَّد ﵊ "، مما اتفق عليه الشيخان، للإمام الحافظِ الكبير تقيِّ الدين أبي محمدٍ عبدِ الغنيِّ بنِ عبدِ الواحدِ بنِ عليِّ بنِ سرورٍ المقدسيِّ ﵀ من بين تلك الكتب المعتمدة في الإِسلام، التي اشتملت على جملة من الأحاديث النبوية التي ترجع أصول الأحكام إليها، ويعتمد علماء أهل الإِسلام عليها، "وقد طار -كتابه- في الخافِقَين ذكرُه، وذاع بين الأئمة نشرُه، واعتنى الناس بحفظه وتفهمه، وأكبوا على تعليمه وتعلمه، لا جرم اعتنى الأئمة بشرحه، وانتدبوا لإبراز معانيه عن سهام قَدْحِه" (١).
وكان من أولئك العلماء الذي عكفوا على شرحه، وبيان أحكامه ومسائله: الإمامُ، العلامةُ، بقيةُ السلف، وقدوةُ الخلف، الشيخُ محمدُ بنُ أحمدَ السَّفارينيُّ الحنبليُّ، الذي يعتبر كتابه هو الأولَ من بين شروح العمدة الذي تناول فقه الحنابلة، والذي جاء كتاب "العمدة" لتقويته واعتماده، وهو الأول من بين شروح العمدة الذي اعتمد كلام محققي علماء الإِسلام
стр. 10
الأماثل؛ كشيخ الإِسلام ابن تيمية، والإمام ابن القيم، والإمام ابن دقيق العيد، والحافظ ابن حجر العسقلاني، وغيرهم.
وقد بذل جهده ﵀ في تنقيح مسائله، وتوضيح دلائله، ولم يَأْلُ جهداً في زيادة تبينيه وتمكينه، وجمعه وتأليفه، وتحريره وتصنيفه، وقد عزا -غالبًا- كلَّ قول لقائله، جامعاً مادةَ كتابه هذا من أكثر من مئة كتاب نقل منها، وبحسب مواد أصلها تزيد على الألوف.
ومن تأمل هذا الشرح بالإنصافِ، ظهر له أنه نسيجُ وحدِه في معناه، وفريدُ عِقْدِه في مبناه.
فإن شاء المُطالع، تناولَ منه أحاديثَ نبويةً، وآثاراً سلفيةً.
وإن شاء، اقتبس منه أحكاما فقهيةً وآداباً شرعيةً.
وإن شاء معرفةَ أخبارِ الصحابةِ وغيرهم، ظفر فيه بشذرة عليَّة.
وإن شاء تقويم لغته، وجد فيه جمهرة من المواد اللغوية والنكاتِ الأدبية.
وإن شاء الوقوف على كلام العلماء المحققين وجده مجموعًا في حُلَّةٍ ذَهبية.
ولله درُّ الإِمام السفارينيِّ حيث يقول: [من الطويل]
جزى الله خيراً مَنْ تأملَ تأليفي ... وقابلَ بالإغضاء وضَعْي وتصنيفي
فما ليَ شيء غيرَ أني جمعتُه ... وحَرَّرته من غير شَيْنٍ وتحريفِ
وضمَّنتُه علماً نفيسًا وكنتُ في ... مناقشتي كشَّافًا عن كلِّ ذي زيفِ
وقمتُ على ساقِ التقشُّفِ ضارعاً ... إلى الله في الأسحار بالذل والخوفِ
стр. 11
عسى خالقي يمحو ذنوبي بمنِّهِ ... ويمنحُني الرضوانَ من غيرِ تَعْنيف (١)
وقد تمَّ -بفضل الله وتوفيقه- التقديمُ لهذا السفر الجليل بفصلين هامين، تضمن الأول منهما ترجمةً حافلة للإمام السفاريني، وكان الآخر لدراسة الكتاب، وبيان ما فيه، وفي كل منهما مباحثُ متعددة، وبالله التأييد.
وفي الختام: لا بد لي من أن أتوجه بالشكر الجزيل والتقدير الأثيل لكل من ساهم في إخراج هذا الكتاب إلى حيز الوجود -بعد شكري وتذللي لله تعالى الذي أعان عليه، ويَسَّرَ أسباب العمل فيه-، وهم:
أولًا -وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية في دولة الكويت- قطاع المساجد: والتي قامت بتبني طبع هذا الكتاب وتوزيعِه على طلبة العلم مجاناً لوجه الله تعالى، فلكل من ساهم بذلك أجرُه وثوابُه عند الله تعالى.
ثانيًا: فضيلة الشيخ المحبوب: أبو الحارث فيصلُ بنُ يوسفَ العلي -حفظه الله تعالى-: والذي تفضل أولًا -كعادته- بإرسال النسخ الخطية للكتاب، حاثًّا ومشجعاً على تحقيقه، وذلك في أثناء زيارته لنا بالشام سنة ١٤٢٥ هـ، ثم لسعيه المبارك الحثيث لنشر هذا الكتاب لدى وزراة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بدولة الكويت، ضمن إدارته المباركة في مكتب الشؤون الفنية بقطاع المساجد، فالله وحده يجزيه أجره.
ثالثًا: فضيلة الشيخ المبارك محمدُ بنُ ناصرٍ العجمي -حفظه الله تعالى-: الذي تابع وشجع تحقيق الكتاب، ووفر بعضَ مصادرِه ومراجِعِه، وحثَّ وأثنى على العمل، وزكّى نشرَه وتوزيعَه، فالله يجزيه خير الجزاء.
стр. 12
رابعاً: اللجنة العلمية التي شاركت معي في تحقيق هذا الكتاب، وهم من خيرة طلبة العلم وحملته في بلاد الشام، وأخص بالذكر منهم:
١ - أ. زكريا عبد العزيز الجاسم - من قسم الإدارة والتنفيذ.
٢ - أ. محمد خلوف العبد الله - من قسم التحقيق والدراسات.
٣ - أ. عبد الرحمن بن محمد الكشك - من قسم الضبط اللغوي.
كما أشكر جميع الإخوة الأفاضل، والأخوات الفاضلات من المتعاونين مع مكتب التحقيق والدراسات بدار النوادر الذين كان لهم دور موفَّق في مجال النسخ والمراقبة والمقابلة والتنضيد والتصحيح والفهرسة لهذا الكتاب.
خامساً: كما أشكر آخراً، وحقَّهم عليَّ أن يُذكروا أولًا:
* والديَّ الكريمين على رضاهما ودعائهما الدائم الذي لا ينقطع.
* وزوجتي الفاضلة، على تحمُّلها معي أعباءَ القيام بهذا العمل، وصبرِها، ورعايتها للمنزل والأسرة.
* وإخوتي وأخواتي الأفاضل على دعائهم وتشجيعهم الدائم.
هذا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وقدوتنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
وكتبه
نور الدين طالب
стр. 13
الفصل الأول
ترجمة الإمام السفاريني
стр. 14
المبحث الأول
اسمه ونسبه وولادته , و نشأته وطلبه للعلم
* اسمه ونسبه وولادته:
هو الإمامُ، المحدِّثُ، المتعبِّدُ، الزاهدُ، الصالحُ، أبو العون (١) وأبو عبد الله (٢)، محمدُ بنُ أحمدَ بنِ سالمِ بنِ سليمانَ السفارينيُّ، النابلسيُّ، الدمشقيُّ (٣)، الحنبليُّ.
ولد -كما وُجد بخطه- سنة (١١١٤ هـ) بقرية سفَّارين من قرى نابُلُسَ في فلسطين (٤).
* نشأته وطلبه للعلم:
نشأ ﵀ بقريته سفارين، وقرأ القرآن سنة (١١٣١ هـ) في نابلس، واشتغل بالعلم قليلاً، ثم رحل منها بقصد الطلب إلى دمشق
стр. 15
سنة (١١٣٣ هـ)، ومكث بها قدر خمس سنين، وأخذ بها في طلب العلم مشمِّراً عن ساق الاجتهاد، فقرأ على المتصدِّرين إذ ذاك بها من الأئمة، فقرأ بها على الشيخ عبدِ القادرِ التغلبى، وأخذ عنه الفقهَ الحنبليَّ، وكان الشيخُ يكرمه، ويقدمه على غيره، وقد ذاكره في عدة مباحث من شرحه على "الدليل"، وأجازه (١).
كما قرأ على الشيخ عبدِ الغنيِّ النابلسيِّ الحنفيِّ، وأخذ عنه فقهَ الحنفية.
وعلى الشيخ أبي المعالي بنِ زينِ الدين عبدِ الرحمنِ العمريِّ المعروفِ بابن الغَزِّيِّ، وأخذ عنه فقهَ الشافعية (٢).
كما لازم الشيخ إسماعيلَ العَجْلونيَّ خمس سنين في الثلاثة أشهر من كل سنة: رجب، وشعبان، ورمضان، بعد عصر كل يوم، مع مراجعة شروح البخاري (٣).
كما كان يحضر دروس الشيخ أحمد الغزي في "صحيح البخاري"، وكان يقدمه ويجلُّه (٤).
وقرأ أيضاً على الشيخ العلامة الشهاب المنينيِّ الحنفيِّ.
ثم حج سنة (١١٤٨ هـ)، فسمع بالمدينة على الشيخ محمد حياة السِّنْدِيِّ، وتفقه على عدة من المشايخ بها، وأدرك بالمدينة صهرَ الشيخِ محمد حياة الشيخَ محمداً الدقاق (٥)، وقرأ عليه أشياء.
стр. 16
واجتمع بالسيد مصطفى البكريِّ، فلازمه، وقرأ عليه مصنفاته، وقد أجازوه جميعا (١).
وقد حصل له ﵀ في طلبه للعلم ملاحظةٌ ربانية، حتى حصَّل في الزمن اليسير ما لم يحصِّلْه غيرُه في الزمن الكثير (٢).
وقد قضى ﵀ أربعين سنة في الإملاء والإفادة والتدريس (٣).
* * *
стр. 17
المبحث الثاني
أخلاقه وصفاته
قال تلميذه الزَّبيديُّ: وكان المترجمُ شيخاً ذا شيبة منورة، مهاباً، جميلَ الشكل، ناصراً للسنة، قامعاً للبدعة، قوالاً بالحق، مقبلاً على شأنه، مداوماً على قيام الليل في المسجد، ملازماً على نشر علوم الحديث، محباً في أهله (١).
وكان يُدعى للملمَّات، ويُقصد لتفريج المهمَّات، ذا رأي صائب، وفهم ثاقب، جسوراً على ردع الظالمين، وزجر المغترين، إذا رأى منكراً، أخذته رعدة، وعلا صوته من شدة الحدة، وإذا سكن غيظه، وبرد قيظه، يقطر رقَّةً ولطافة، وحلاوة وظَرافة (٢).
وقال الغزي: وكان ﵀ جليلاً جميلاً، صاحبَ سَمْتٍ ووقار، ومهابة واعتبار، وكان كثيرَ العبادة والأوراد، ملازماً على قيام الليل، ودائماً يحث الناس عليه، وكانت مجالسه لا تخلو من فائدة، ولا تعرو عن عائدة، وكان مُشْغِلاً جميعَ أوقاته بالإفادة والاستفادة، يطرح المسائل على الطلاب والأقران، ويدور بينه وبينهم المحاورةُ في التحرير والإتقان، وكان صادعاً بالحق، لا يماري فيه، ولا يهاب أحدًا، والجميع من أعيان بلده وأمرائها
стр. 18
يهابونه، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وكان خيراً جواداً، لا يقتني شيئاً من الأمتعة والأسباب الدنيوية سوى كتب العلم، فإنه كان حريصاً على جمعها، ويقول دائماً: أنا فقير من الكتب العلمية، وكان كل ما يدخل إلى يده من الدنيا ينفقه، وعاش مدة عمره في بلده عزيزاً موقراً محتشماً (١).
ومن تواضعه ﵀ ما قاله عن نفسه لما استجازه الشيخُ عبدُ القادر بنُ خليل، فقال: "ولو رأى من استجازه وحقق حلاه، لقال: تسمعَ بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه، ولو استنصحني عن نفسي، واستفسرني عن رأيي وحدسي، لقلت له عن حالي: لقد استسمَنْتَ ذا ورم، ونَفَخْتْ من غير ذي ضَرَم .. ، بضاعتي مُزجاة، وصناعتي مقلاة، ما حل من التضلع من معادن العلوم الدقيقة" (٢).
ومن عجيب ما جرى للإمام السفاريني ﵀ مما يدل على حسن أدبه وتواضعه، ما ساقه في "إجازته للزبيدي"، فقال: ومن مشايخي الذين أخذتُ عنهم: الشيخُ موسى المحاسني ... ، ولكني لم أستجزه، لأمر حدث منه، وهو أن بعض الوُشاة أنهى إليه أني سُئلت: من أفضل: الشيخ المنيني، أو الشيخ المحاسني؟ فزعم الواشون أني فضَّلتُ المنيني عليه، فكتب لي بهذه الأبيات: [من الكامل]
لا تَزْدَرِ العلماءَ بالأشعارِ ... وتَحُطَّ قَدراً من أُولي المِقْدارِ
أتظنُّ سَفَّارينَ تُخرجُ عالِماً ... يُنْشِي القريضَ بدقَّةِ الأنظارِ
هلَّا أخذتَ على الشيوخ تَأَدُّباً ... كي ترتَقي دَرَج العُلا بفَخارِ
واللِّينُ منك لاحَ في مرآتِه ... لا زِلْتَ تكشِفُ مُشْكِلَ الأخبارِ
стр. 19
فأجبته:
قُلْ للإمامِ مهذِّبِ الأشعارِ ... مُنْشِي القَريضِ ومُسْنِدِ الأخبارِ
تفديكَ نفسي يا أديبَ زمانِنا ... يا ذا الحِجَى يا عالِيَ المقدارِ
مَنْ قال عَنِّي يا همامُ بأنني ... أُزْري بأهلِ الفضل والآثارِ
عَجَباً لمن أضحى فريداً في الورى ... يُصْغي لقولِ مُفَنِّدٍ مكَّار
مقصودُه وَشْيُ الحديثِ ووضعُهُ ... فقبِلْتَهُ من غيرِ ما إنكارِ
وغدوتَ مفتخراً على صَبٍّ إذا ... جَنَّ الظلامُ بَكى منَ الأكدارِ
ورشقتَهُ بسهامِ نظمِك مُزْدَرٍ ... للناس بالتحقيرِ والإصغارِ
هَبْ أن سَفَّارينَ لم تُخْرِجْ فَتًى ... ذا فطنةٍ بنتائج الأفكارِ
أيُباحُ عُجْبُ المرءِ يا مولايَ في ... شرعِ النبيِّ المصطفى المُختارِ
لا زلتَ في أَوْجِ المكارِم راقياً ... تُنشي القريضَ بهيبةٍ ووَقارِ
ما حَرَّكَ الشوقَ التليد صبابةً ... صَدْحُ الحَمام ونغمةُ الهَزَّارِ
فجاء واعتذر، ولكني لم أقبل عذره، فجاء يوماً بابنه، وقال له: قم قَبِّل يدَ عمك ليسمحَ لأبيك عما بدر منه، فقلت له: أنا أرجو منك السماح (١).
وبالجملة: فقد جمع هذا الإمامُ بين الأمانة والفقه، والديانة والصيانة، وفنون العلم والصدق، وحسن السَّمْتِ والخلق والتعبُّد، وطولِ الصمت عَمّا لا يعني، وكان محمودَ السيرة، نافذَ الكلمة، رفيعَ المنزلة عندَ الخاصِّ والعام, سخيَّ النفس، كريماً بما يملك، مُهابًا مُعظماً، عليه أنوارُ العلم بادية (٢).
* * *
стр. 20
المبحث الثالث
عقيدته ومذهبه
كان الإِمام السفاريني ﵀ ناصراً للسنة، قامعاً للبدعة، قوالاً بالحق (١)، فكان حنبليَّ الأصول، يقرر عقيدته على طريقة أهل الحديث، باتباع المأثور، واقتفاء السلف الصالح في سائر الأمور (٢)، وهو القائل ﵀: [من الطويل]
عليكَ بآثارِ الرسول وصحبهِ ... ودع عنكَ آراءَ الرجالِ فتغلِبُ
وإنْ شئتَ أَنْ تخترْ لنفسِكَ مذهَباً ... فقولُ ابنِ حنبلْ يا أخا العلمِ أصوَبُ (٣)
ويقول ﵀: اعلم أن مذهب الحنابلة هو مذهب السلف، فيصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسولُه، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل، فالله تعالى ذاث لا تشبه الذوات، متصفةٌ بصفات الكمال التي لا تشبه الصفات من المحدثات، فإذا ورد القرآن العظيم، وصحَّت سنةُ النبيِّ الكريم، عليه أفضلُ الصلاة والتسليم بوصف للباري جلَّ شأنه، تلقيناه بالقبول والتسليم، ووجب إثباتُه له على الوجه الذي ورد، ونَكِلُ معناه للعزيز الحكيم، ولا نعدل به عن حقيقة وصفه، ولا نُلْحِدُ في
стр. 21
كلامه، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا نزيد على ما ورد، ولا نلتفتُ لمن طعن في ذلك وَرَدّ. فهذا اعتقاد سائر الحنابلة كجميع السلف، فمن عدل عن هذا المنهج القويم، زاغ عن الصراط المستقيم وانحرف، فدع عنك فلاناً عن فلان، وعليك بسنة ولدِ عدنان، فهي العروةُ الوثقى التي لا انفصامَ لها، والجُنَّةُ الواقية التي لا انحلال لها (١).
ويقول ﵀: [من الرجز]
فكلُّ ما قدْ جاء في الدليلِ ... فثابتٌ من غيرِ ما تمثيلِ (٢)
وقد جمع ﵀ في كتابه "لوامع الأنوار" أقوال السلف والخلف، ومذاهبَ الفرق في المسائل الاعتقادية، وبَيَّنَ رجحانَ مذهب السلف على غيره، مؤيداً ذلك بالدلائل النقلية، وكذا العقلية فيما يستدل على مثله بالعقل، واقتبس جُلَّ تحقيقاته فيه من كلام شيخ الإِسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم - رحمهما الله - (٣)، فقد كان الإِمام السفارينيُّ مُحِباً لهما، لا يكاد كتاب أو رسالة له تخلو من ذكرٍ لهما بالنقول عنهما، وتقديمِ ترجيحاتهما (٤).
стр. 22
ومن أحسن ما قرر به الإِمام السفاريني عقيدته ولخصها بقوله في نظم رائق: [من الطويل]
ألا نحنُ قومٌ قدْ رَضِينا بكلِّ ما ... أتى في كتاب الله يُتلى ويُكتبُ
ونوصِفُ مولانا الكريم بكلِّ ما ... وَصَفْهُ رَسُولُ الله ذاكَ المُقَرَّبُ
ولكنْ بلا كيفٍ ومِثْلٍ لأن من ... يُشَبِّهْ إلهَ العرشِ بالخَلْقِ يكذبُ
وما ذاكَ إلا كافرٌ أو منافقٌ ... وقلْ مثلَه مَنْ قالَ جسمٌ وأكذَبُ
ونرفُضُ قولَ المُلحِدين وزَعْمَهم ... وعن قولِ أصحابِ الضلالةِ نرغَبُ
ولا نَرتضي ما يزعُمون جميعَه ... سوى ما به جاء الكتابُ المُهَذَّبُ
وتأويلُهم من أقبحِ العلمِ عندنَا ... وقولُ رسولِ الله أحلى وأعذَبُ
فجَهْمُ بنُ صفوانَ اللعينُ وحزبُه ... يُصيبون والمختارُ يُخْطِي ويكذب؟!
فهذا لَعَمْري باطلٌ باتِّفاقِ مَنْ ... يرى الحقَّ والأَعْمى عن الحقِّ يُحْجَبُ
فمَنْ قالَ في اللهِ العظيمِ برأيِه ... فلا ريبَ [في] طغيانِهِ يا مُؤَدَّبُ (١)
ومع هذا التقرير القوي منه ﵀ لأصول عقائد السلف، إلا أنه ﵀ قد تأثر ببعض الأفكار التي كانت سائدة في عصره، كالتوسل (٢)، والتبرك بالدعاء عند القبور (٣)، وأخذِه بعضَ الطرق الصوفية (٤)، وقراءةِ
стр. 23
بعض الكتب المتضمنة لمخالفات شرعية على بعض مشايخ عصره (١).
وعلى أي حال، فالإمام السفاريني ﵀ إمام محبٌّ للسلف الصالح، سائر على طريقهم، مقتفٍ لآثارهم، وعليه مؤاخذاتٌ فيما نُبِّه عليه، مما لا تَحُطُّ من قدره أو علمه، وإنما على المرء التنبهُ إليها؛ لتحصل بركةُ الانتفاع المرجوة من علوم هذا الإِمام القدير، والعصمة لله وحده.
* أما مذهبه في الفروع: فقد كان ﵀ حنبليَّ المذهب، كما كان حنبليَّ الاعتقاد، فقد كان مُحباً للإمام أحمد ﵀، وقد ترجم له تراجمَ مطوَّلَةً في أكثرَ من كتاب من كتبه (٢)، وكان مُكثراً من نُقول مذهب الحنابلة في سائر كتبه، ولا يخرج عن المذهب أبدًا، وهو القائل: [من الكامل]
مالي إليكَ وسيلةٌ إلا الرَّجا ... وجميلُ عفوِكَ ثمَّ إني حنبلي (٣)
ولم يكن ﵀ يشنع على المخالفين لمذهبه، أو يقوده تعصبٌ
стр. 24
أعمى لترجيحه، بل كان ﵀ يكِنُّ حباً للأئمة الأربعة، ويذكر أقوالهم وأدلتهم حيث ذكر مذهب الحنابلة في الغالب، فيقول ﵀ عنهم:-[من الرجز]
ورحمةُ الله مع الرضوانِ ... والبرِّ والتكريمِ والإحسانِ
تُهْدَى معَ التبجيلِ والإِنعام ... مِنِّي لِمَثْوى عِصْمَةِ الإِسلامِ
أَئمةٍ لدينِ هذي الأُمةِ ... أهلِ التقى من سائر الأئمةِ
لا سيما أحمدَ والنعمانِ ... ومالِكٍ محمدِ الصِّنْوانِ
مَنْ لازمٌ لكلِّ أربابِ العَمَلْ ... تقليدُ حِبْرٍ منهمُ فاسمعْ تَخَلْ (١)
* * *
стр. 25
المبحث الرابع
شعره
كان الإمام السفاريني ﵀ يحفظ من أشعار العرب العرباء والمولَّدين شيئًا كثيرًا (١)، مما أعطاه قوة في نظم الشعر الحسن في المراسلات والغزليات والوعظيات والمرثيات (٢)، فجاء شعره لطيفًا، منبئاً عن قدر في الفضائل منيفاً (٣).
فله في المناجاة: [من الطويل]
ثَمِلْتُ بحُبِّي لا بِرَنْدٍ ولا خمرِ ... وهمتُ بِحُبِّي لا بزيدٍ ولا عَمْرِ
وفُهْتُ بما أخفى الفؤادُ وطالما ... كتمتُ الهوى عن أعينِ الناسِ في صدري
وناجَيْتُ مَنْ أهوى مناجاةَ وامِقٍ ... على غفلةِ الواشينَ في عالَمِ السرِّ
وقمتُ على ساقِ التذلُّلِ ضارِعاً ... لذي عِزَّةٍ والقلبُ مِنِّي على جَمْرِ (٤)
وله أيضًا: [من مجزوء الكامل]
الصبرُ عِيلَ من القِلا ... والنفسُ أَمْسَتْ في بَلا
стр. 26
والجفنُ جَفَّ من البُكا ... والقلبُ في الشَّجوِ غَلا
وشكا اللسانُ فقال في ... شكواهُ لا حَوْلَ وَلا (١)
وقوله في التضرع والتذلل: [من الكامل]
يا مَنْ إليه تضرُّعي وتوسُّلي ... ولَدَيْهِ طالَ تَقَشُّفي وتَذَلُّلِي
إِنِّي قَرَعْتُ البابَ أرجو توبةً ... ومحبةً يا ذا العَطاءِ المُنْهَلِ
فاغفرْ ذنوبي يا رحيمُ وكنْ إذا ... أمسيتُ فرداً مؤنسي في منزلي (٢)
وله أيضًا: [من الطويل]
ألا ليتَ شعري هل أَبيتَنَّ ليلةً ... بمكَّةَ حولي صالِحٌ وزَميلُ
وهل أرِدَنْ يومًا مياهاً لزَمْزَمٍ ... وهل يبدُوَنْ [لي] في الطَّوافِ قَبولُ (٣)
وله في الحض على الإكثار من صالح الأعمال: [من الوافر]
تَزَوَّدْ في حياتِكَ للمآلِ ... وقُمْ بالذُّلِّ في غَسَقِ الليالي
ولا تَرْكَنْ لدُنيانا وسافِرْ ... لدارِ الخلدِ واقْصِدْ ذا الجَلالِ
ولا تَدَعِ الدُّعا سِرًّا وجَهْراً ... وتقوى اللهِ تظفرْ بالنَّوالِ
وإنْ لمْ تَجْتَنِ الخيراتِ فيها ... فترحلَ مِنْ وَبالِ إلى وبالِ (٤)
وله في الرضا بقضاء الله: [من مجزوء الكامل]
ما لي على مُرِّ الرِّضا ... من حيلةٍ غيرُ الرِّضا
أنا في الهوى عبدٌ وما ... للعبدِ أن يتعرَّضا (٥)
стр. 27
وله في نظم الموبقات السبع: [من الطويل]
خُذْ المُوبقاتِ: الشركُ والقتلُ والزنا ... وأكلُ الرِّبا والسحرُ مع قَذْفِ نُهَّدِ
وأكلُكَ أموالَ اليتامى بباطلٍ ... تَوَلِّيكَ يومَ الزحفِ في حربِ جُحَّدِ (١)
كما نظم أمهات مسائل عقائد السلف في "الدرة المضية في عِقْد أهل الفرقة المرضية" وعدتها مئتا بيت وبضعة عشر، وهي تكفي وتشفي من معظم الخلاف الذي ذاع وانتشر (٢).
وله غير ذلك من الأشعار، والنظام والنثار (٣).
* * *
стр. 28
المبحث الخامس
شيوخه
١ - الشيخُ، الإمامُ، القدوةُ، العالمُ، الزاهدُ، الخاشعُ، أبو التقى، عبدُ القادرِ بنُ عمرَ التَّغْلبِيُّ الحنبليُّ الفَرَضي ، مفتي الحنابلة بدمشق الشام.
وقد ارتحل إليه الإِمام السفاريني سنة (١١٣٣ هـ)، وقرأ عليه: "دليل الطالب" للشيخ مرعي الكرمي، وختمه، وابتدأ بقراءة "الإقناع" للحجاوي، وحضره في عدة كتب، وفي "الجامع الصغير" للجلال السيوطي بين العشاءين، وذاكره في عدة مباحث من "شرحه على الدليل"، فمنها ما رجع عنها، ومنها ما لم يرجع، لوجود الأصول التي نقل منها، وكان يكرمه ويقدمه على غيره، وقد أجازه سنة (١١٣٥ هـ)، وهي السنة التي توفي فيها الشيخ التغلبي ﵀ (١).
٢ - الشيخ المشهور، المكثِرُ من التصانيف الذائعة الصيت: عبدُ الغنيِّ النابلسيُّ ، المتوفَّى سنة (١١٤٣ هـ)، صاحبُ التآليف العديدة، والتصانيف المفيدة.
وقد حضر الإمام السفاريني دروسه في "تفسير البيضاوي"، و"تفسيره"
стр. 29
الذي صنفه، وفي علم التصوف -وكان الغالب على علمه-، وأجازه في سنة (١١٣٨ هـ) عموماً بسائر ما يجوز له، وبمصنفاته الكثيرة الشهيرة، وهي زهاء ثلاث مئة مؤلف في أنواع العلوم والفنون ما بين المجلد والمجلدين والثلاثة، والأقل والأكثر، حسبما ذكر له في إجازة مطولة (١).
٣ - الشيخ المعمَّر، الفقيه، المحدِّثُ، الورعُ، عبدُ الرحمنِ بن محيي الدينِ بنِ سليمانَ الحنفيُّ ، المجلِّدُ.
وقد قرأ عليه "ثلاثيات البخاري"، وحضر دروسه العامة، وأجازه (٢).
٤ - الإِمام العلامة، الصالح، الزاهدُ، المحققُ، الملا إلياس الكرديُّ الكُورانيُّ ، المتوفَّى سنة (١١٣٨ هـ).
وقد قرأ عليه كتب المعقول، وله عدة تآليف في الرقائق، و"حاشية على رسالة العضد في الوضع"، وغير ذلك (٣).
٥ - الإمامُ العلامةُ، الشيخُ عبدُ السلام بنُ محمدٍ الكامليُّ ، المتوفَّى سنة (١١٣٨ هـ).
وقد قرأ عليه بعض كتب الحديث، وبعض "رسائل إخوان الصفا" في داره، وأجازه أن يروي عنه الكتب الستة، وسائرَ كتب الحديث والفقه والتفسير وغيرها (٤).
стр. 30
٦ - الشيخُ، الإمامُ، العلامةُ، إسماعيلُ بنُ محمد جراح بنِ عبدِ الهادي، العجلونيُّ ، المتوفَّى سنة (١١٦٢ هـ)، المدرِّسُ (٤٣ سنة) لـ"صحيح البخاري" تحت قبةِ النَّسْرِ في الجامع الأموي.
وقد لازمه السفارينيُّ خمسَ سنين، فقرأ عليه "الصحيح" بطرفيه، مع مراجعة شروحه الموجودة، و"ثلاثيات البخاري"، وغيرها، وعرض عليه كتابه: "تحبير الوفا"، فاستجاده، وأثنى عليه، وقد أجازه إجازة مطولة (١).
٧ - الإمامُ العلامةُ، المحققُ، شهابُ الدين أحمدُ بنُ عليٍّ المنينيُّ ، المتوفَّى سنة (١١٧٢ هـ).
وقد قرأ عليه "شرح جمع الجوامع" للجلال المحلِّيِّ، و"شرح كافية ابن الحاجب" للملا جامي، وأولَ "البخاري"، وحاضرَه في عدة من كتب الحديث، وغير ذلك، وقد أجازه إجازة مطولة كتبها إليه بخطه بكل ما يجوز له وعنه روايته (٢).
٨ - الشيخُ، الإمامُ، الفقيهُ، الفَرَضِيُّ، المحققُ، المدققُ، مصطفى بنُ عبدِ الحقِّ اللَّبَدِيُّ، الحنبليُّ ، المتوفَّى سنة (١١٥٣ هـ).
وقد صحبه الإِمام السفاريني، وقرأ عليه غالبَ مشاهير كتب المذهب، وباحثه وراجعه، وأجازه بكل ما يجوز له وعنه روايته (٣).
стр. 31
٩ - الشيخُ عوادُ بنُ عبيدِ بنِ عابدٍ الكوريُّ الحنبليُّ -نسبةً إلى قرية كور من قرى جبل نابُلُس- المتوفَّى سنة (١١٦٨ هـ).
وقد قرأ عليه عدة من كتب المذهب، وكتب عنه شيئًا في علم الحساب، وكتب له إجازة مطولة فيها فوائد مبجَّلة (١).
١٠ - الشيخُ أحمدُ الغزيُّ ، المتوفَّى سنة (١١٤٣ هـ).
وقد قرأ عليه غالبَ "صحيح البخاري"، وكان يقدمه ويجلُّه، وكان يحضر درسه في خلوته بالجامع الأموي مع جملة من كبار شيوخ المذاهب الأربعة -مع أنه كان في عداد الطلبة-، فكان يحتشم من جلوسه مع أشياخه، أو مَنْ فوقَهم، وكان إذا بدا ما يسأل عنه في المذهب الحنبلي، سأله بحضور الأشياخ الكبار (٢).
١١ - الشيخُ محمدُ بنُ عبدِ الرحمن الغزيُّ ، المتوفَّى سنة (١١٦٧ هـ)، وهو قريبُ الشيخ أحمدَ الغزيِّ المذكور، وهو الذي ولي الفتوى بعده، وكان عالمًا فاضلاً.
وقد قرأ عليه بعض "شرح ألفية العراقي" للشيخ زكريا الأنصاري، وأول "سنن أبي داود"، وغيرهما، وكتب له إجازة مطولة (٣).
стр. 32
١٢ - الشيخُ عبدُ الله البصرويُّ ، المتوفَّى سنة (١١٧٠ هـ).
وقد سمع عليه "ثلاثيات أحمد" مع المقابلة بالأصل المصحح (١).
١٣ - الشيخُ موسى المحاسني ، المتوفَّى سنة (١١٧٣ هـ)، صاحبُ تآليف، ودرَّسَ في جامع دمشق في عدة كتب، وكان حنفيَّ المذهب، من بيت علم وفضل. وله مع الإمام السفاريني قصة (٢).
١٤ - الشيخُ المحققُ مصطفى السواريُّ ، المتوفَّى سنة (١١٤٤ هـ).
وقد قرأ عليه من أول "صحيح مسلم" طرفاً، وأجازه بالباقي، وبما يجوز له وعنه روايته من سائر العلوم النقلية والعقلية (٣).
١٥ - الشيخُ محمدُ بنُ خليلٍ العجلونيُّ ، المتوفَّى سنة (١١٤٨ هـ)، المدرِّسُ عند القنوات، وكتب له إجازة (٤).
١٦ - الشيخُ طه بنُ أحمدَ اللَّبديُّ ، المتوفَّى نحو سنة (١١٧٥ هـ) (٥).
١٧ - الشيخُ مصطفى بنُ يوسفَ الكرميُّ (٦).
стр. 33
١٨ - الشيخُ عبدُ الرحيم الكرميُّ (١).
١٩ - الشيخُ المعمَّرُ السيدُ هاشمٌ الحنبليُّ (٢).
٢٠ - الشيخُ محمد السلفيتيُّ (٣).
٢١ - الشيخُ محمدٌ الخليليُّ ، المتوفَّى سنة (١١٤٧ هـ).
وقد أخذ عنه وسمع منه أشياء (٤).
٢٢ - الشيخُ المحققُ مصطفى بنُ كمالِ الدين البكريُّ الخلوتيُّ ، المتوفَّى سنة (١١٦٢ هـ).
وقد لازمه وقرأ عليه مصنفاته، وأجازه بما لَه، وكتب له بذلك (٥).
٢٣ - الشيخُ الإمامُ حامدُ أفندي مفتي الشام ، المتوفَّى سنة (١١٧١ هـ).
وقد قرأ عليه الحديث المسلسل بالأولية، وبعضَ "ثلاثيات الإمام أحمد"، و"ثلاثيات البخاري"، وذلك سنة (١١٤٨ هـ) (٦).
стр. 34
٢٤ - الشيخُ الإمامُ محمدُ حياةَ السنديُّ ، المتوفَّى سنة (١١٦٣ هـ).
وقد سمع منه بالمدينة الحديثَ المسلسلَ بالأولية، وقرأ عليه أولَ الكتب الستة، وغيرها (١).
٢٥ - الشيخُ محمدٌ الدقاقُ المغربيُّ ، المتوفَّى سنة (١١٥٨ هـ)، وهو صهرُ الشيخ محمد حياة.
وقد أدركه بالمدينة، وسمع منه أشياء سنة (١١٤٨ هـ) (٢).
٢٦ - الشيخُ أحمدُ الدسوقيُّ (٣).
٢٧ - الشيخُ حسنٌ المصريُّ (٤).
٢٨ - الشيخُ محمد حفيدُ أبي المواهبِ الحنبليُّ (٥).
* وقد جمعهم العلامة اللغوي الزبيدي في نظم رائق رائع، فقال في كتابه "ألفية السند":
وقدْ روى عن الإمامِ التغلِبي ... شيخِ الحديثِ الكاملِ المهذَّبِ
والعارفِ المشهورِ ذي التفنُّنِ ... عبدِ الغنيِّ القطبِ نورِ الأعينِ
كذاكَ إلياسَ فَتَى كُورانِ ... وحامدِ المفتي الرفيع الشَّانِ
وشيخِهِ عبدِ السلام الكامِلي ... وهاشِمِ السيِّدِ ذي الفضائلِ
стр. 35
وابنِ سِوَارِ المحيويِّ مصطفى ... وشيخِهِ موسى الفقيهِ ذي الوفا
نجلِ أبي السُّعودِ ذي المحاسنِ ... وبيتُهم يُعرفُ بالمَحاسني
ومُسنِدِ الوقتِ بلا ظُنونِ ... سليلِ جَرّاحٍ فتى عَجْلونِ
كذا ابنِ عبدِ الحقِّ ذاكَ اللَّبَدِي ... وابنِ عُبَيْدٍ خذْ مَعَ المُجَلِّدِ
وأحمدَ الغزيِّ مفتي الشامِ ... والسيِّدِ البكريِّ ذي الإنعامِ
ومصطفى بنِ يوسُفَ المُمَجَّدِ ... منسوبِ "كَرْمِ" الألمعيِّ الأوحدِ
وذي التُّقى الغزِّيِّ قُلْ: محمَّدَا ... وشيخِهِ طه أي: ابنِ أحَمدَا
كذا المنينيِّ الشَّهيرِ الصِّيتِ ... وعن محمدٍ فتى "سَلفيتِ"
وشمسِ دينِ الله ذي المراتبِ ... حفيدِ مولانا أبي المواهبِ
وعن محمَّدٍ هو الدقَّاقُ ... نزيلُ طيبةَ الرِّضا الغيداقُ
وعابدِ الرحيم ذاك اللبَدِي ... كذا الخليليِّ الفتى محمَّدِ
والعالمِ السِّنْدِيِّ ذي الهِبات ... أعني به: محمدَ الحَياةِ
والحَسَنِ المِصْريِّ ذي الفنونِ ... كذلكم مُحَمَّدِ العجلوني
والبَصْرَوِيِّ الفَرْدِ عبدِ الله ... ومِن "دُسوقَ" أحمدَ الأوَّاهِ (١)
* * *
стр. 36
المبحث السادس
تلامذته
١ - العلامةُ، اللغويُّ، الشيخُ، المسندُ، محمدُ مرتضى بنُ محمدٍ الحسينيُّ العلويُّ الزبيديُّ ، المتوفى سنة (١٢٠٥ هـ).
قال الزبيدي: كتبت إليه أستجيزه، فكتب إليَّ إجازة حافلة في عدة كراريس، حشاها بالفوائد والغرائب، وذلك سنة (١١٧٩ هـ)، ثم كاتبته ثانيًا في سنة (١١٨٣ هـ)، وأرسلت إليه الاستدعاء باسم جماعة من الأصحاب، فاجتهد وحرر إجازة حسنة حشَّاها بفوائد غريبة في كراريس (١).
٢ - الشيخُ مصطفى بنُ سعدٍ الرحيبانيُّ الدمشقيُّ الحنبليُّ الشهيرُ بالسيوطيِّ ، المتوفَّى سنة (١٢٤٥ هـ)، أو (١٢٤٢)، وهو من أكبر تلاميذ الإمام السفارينيِّ (٢).
٣ - عثمانُ بنُ محمدٍ الرحيبانيُّ الحنبليُّ .
وقد ارتحل إلى سَفَّارين زهاءَ سبعةِ أشهر، وقرأ على الإمام السفاريني في الفقه بعضَ مختصر الشيخ منصور المسمَّى بـ "العمدة" مع شرحها لخاتمة
стр. 37
المحققين عثمان النجدي، وقرأ "عقيدة النجدي" تماماً، وحضر أول "شرح مختصر التحرير" لابن النجار الفتوحي، وغير ذلك (١).
٤ - الشيخُ، المجوِّدُ، المحدِّثُ عبدُ القادر بنُ خليلِ بنِ عبدِ الله الروميُّ المدنيُّ المعروفُ بـ"كدك زاده "، المتوفى سنة (١١٨٩ هـ).
وقد استجاز له الزبيدي من الإمام السفاريني، فكتب له إجازة طويلة في خمسة كراريس، فيها فوائد جمة (٢).
٥ - الشيخُ، المحدِّثُ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ خيرِ الله البخاريُّ الحنفيُّ الأثريُّ المحدثُ ، نزيلُ نابُلُسَ، المتوفَّى بها سنة (١٢٠٠ هـ) (٣).
٦ - محمدُ شاكر بنُ عليِّ بنِ سعدٍ العمريُّ الشهيرُ بالعقادِ الدمشقيُّ الحنفيُّ ، المتوفَّى سنة (١٢٢٢ هـ) (٤).
٧ - الشيخُ كمالُ الدين محمدٌ الغزيُّ العامريُّ الدمشقيُّ، ابنُ سِبْطِ الشيخِ عبدِ الغنيِّ النابلسيِّ ، صاحبِ "النعت الأكمل"، والمتوفَّى سنة (١٢١٤ هـ) (٥).
٨ - الشيخُ محمدُ زيتون بنِ حسنِ بنِ هاشمٍ الحنبليُّ ، المتوفَّى سنة (١٢٢٨ هـ) (٦).
стр. 38
المبحث السابع
تصانيفه
صنف الإمام السفاريني جملة من التصانيف الجليلة النافعة، والتي امتازت بحسن التقرير والتحرير، وبحسن الجمع والتأليف، والترتيب والترصيف، وإكثار النقول من كتب الأئمة المحققين، كشيخ الإِسلام ابنِ تيمية، وابن القيم، وابن حجر، والحجاوي، وغيرهم، فقد ظل الإمام السفاريني يرتشف من كنوز علمهم الجواهرَ والدرر، فجاءت كتبه مليئة بالفوائد والعوائد (١).
стр. 39
وقد تمَّ -بتوفيق الله- الوقوفُ على تسمية مصنفاته مجموعة من كتبه وكتب مَنْ ترجم له، وفيما يلي عرضٌ لكل واحد منها (١):
١ - "كشف اللثام شرح عمدة الأحكام"، وهو الكتاب الذي بين أيدينا.
٢ - "غذاء الألباب بشرح منظومة الآداب" في مجلد ضخم (٢).
قال عنه مؤلفه في آخره (٢/ ٤٧٢): " .. وقد سهرت الليالي في جمع مسائله، وبذلت مجهودي في تهذيب دلائله، ولم آلُ جهداً في زيادة تبيينه، وتوضيحه وتمكينه، وجمعه وتأليفه، وتحريره وتصنيفه ... " ثم قال: "فهاك كتابا جمعٍ فأوعى، وسِفْراً حوى من العلوم فصلًا ونوعاً، ولو سافرتَ إلى صنعاء اليمن في تحصيله، لما خابت سفرتُك، ولو تاجرتَ فيه بأغلى بضاعتك، لما خسرتْ تجارتُك، وقد جلبتُ إليك فيه نفائسَ في مثلها يتنافس المتنافسون، وجليت عليك فيه عرائسَ إلى مثلها يبادر الخاطبون".
وقال عنه ابن حميد في "السحب الوابلة" (٢/ ٨٤٢): وأودَع فيه من غرائِب الفوائد ما لا يوجد في كتاب.
стр. 40
٣ - "نفثاتُ صدرِ المُكْمَد وقرةُ عينِ المُسْعَد لشرح ثلاثيات مسندِ الإمام أحمد" (١).
قال عنه مؤلفه (ص: ٣٧) من كتابه هذا: "وإذا تأملت شرحي للثلاثيات تأملاً تاماً، وأنعمتَ النظرَ فيه بمانصاف، رأيتَ من الفوائد الغريبة، والحقائق العجيبة، والدقائق النفيسة، والتنبيهات الأنيسة، والتحقيقات الفقهية، والتدقيقات الأثرية، ما لعلك لا تكاد تظفر به في غيره من الكتب، وستقف على أشياء في مصنفنا أكثر مما وصفنا".
٤ - "لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية" (٢).
وقد جمع فيه أقوال السلف والخلف، ومذاهب الفرق في مسائل