الحديث السابع عشر
وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خاصَّةً سِوَى قَسْمِ عامَّةِ الجَيْشِ (١).
* * *
ما أشار إليه بقوله: (وعنه)؛ أي: عن عبد الله بن عمر ﵁: (أن النبي ﷺ كان ينفِّلُ) هذه تقتضي كثرةَ وقوع ذلك منه ﷺ (بعض من يبعث) لجهاد أعداء الله تعالى (من السرايا) جمعُ سرية.
وتقدَّم أنها اسمٌ لطائفة من الجيش تُبعث إلى العدو (لأنفسهم) متعلِّق بـ: ينفل (خاصَّة) يختصون به (سوى) سهامهم التي يستحقونها كـ (قسم)
стр. 3992
غيرهم من (عامة الجيش) بل كل واحد منهم يساوي كل واحد من الجيش، ويُزادون على غيرهم بالنفل الذي كان ينفِّلُهم به النبيُّ ﷺ .
والنَّفْل -بالسكون، وقد يحرك-: الزيادة على السهم يعطيه الإمام أو نائبه لمصلحة.
قال علماؤنا: يجوز أن ينفل سرية من جيشه تُغير أمامه بالربع فأقلَّ بعد الخمس، أو خلفه إذا قفل بالثلث فأقل بعده؛ أي: بعد الخمس (١).
قال في "الفروع": ولا يعدل شيءٌ عند الإمام أحمد الخروجَ في السرية مع غلبة السلامة؛ لأنه أنكى، وأن يجعل لمن عمل ما فيه غَناء جُعلًا كمن نقب، أو صعد هذا المكان، أو جاء بكذا، فله من الغنيمة، أو منه كذا، ما لم يجاوز ثلث الغنيمة بعدَ الخمس، نص عليه الإمام أحمد (٢).
وروى الإمام أحمد، وأبو داود عن حبيب بن سلمة: أن النبي ﷺ نفل الربعَ بعدَ الخمس في بدأته، ونفل الثلث بعد الخمس في رجعته (٣).
وروى الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه عن عبادة بن الصامت ﵁: أن النبي ﷺ كان ينفل في البدأة الربعَ، وفي الرجعة الثلثَ (٤).
وفي رواية عند الإمام أحمد: كان إذا أغار في أرض العدو، نفل الربعَ،
стр. 3993
وإذا أقبل راجعًا وكُلَّ الناسِ نفل الثلثَ. وكان يكره الأنفال، ويقول: "ليردَّ قويُّ المؤمنين على ضعيفهم" (١).
وقيل: إن النفل من خمس الخمس، وهذا مقتضى كلام الفقهاء غيرِ أصحابنا.
والأحاديث مصرِّحة بأن النفلَ من أصل الغنيمة بعدَ الخمس الذي لله ورسوله ولذي القربى؛ كما في الآية الكريمة.
قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "السياسة الشرعية": للإمام أن ينفِّل من ظَهَرَ منه زيادةُ نكاية؛ كـ: سريةٍ سرت من الجيش، أو رجلٍ صَعِد على حصن ففتحه، أو حمل على مقدَّم العدو فقتله، فهزم العدو، ونحو ذلك؛ فإن النبي ﷺ وخلفاءَه كانوا ينفِّلون لذلك، وكان ﷺ ينفل السرية في البدأة الربعَ بعدَ الخمس، وفي الرجعة الثلثَ بعدَ الخمس.
قال: وهذا النفل قال بعض العلماء: إنه يكون من الخمس.
وقال بعضهم: إنه يكون من خمس الخمس؛ لئلا يفضل بعض الغانمين على بعض.
قال: والصحيح: أنَّه يجوز من أربعة أخماس الغنيمة، وإن كان فيه تفضيل بعضهم على بعض لمصلحة دينية، لا لهوى النفس؛ كما فعل النبيُّ ﷺ غيرَ مرةٍ.
قال: وهذا قول فقهاء الثغر، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم، وعلى هذا فقد قيل: له أن ينفل الربعَ والثلثَ بشرطٍ وغيرِ شرطٍ، وينفل الزيادة على ذلك بالشرط؛ بأن يقول: من دَلَّني على قلعة، فله كذا، وقيل:
стр. 3994
لا ينفل زيادةً على الثلث، ولا ينفِّلُه إلا بالشرط.
قال: وهذان قولان للإمام أحمد وغيرِه.
قال: وكذلك على القول الصحيح للإمام أن يقول: من أخذ شيئًا، فهو له (١)، انتهى.
قال الإمام صدرُ الوزراء ابنُ هبيرة: إذا قال الإمام: من أخذ شيئًا، فهو له، فأبو حنيفة يقول: هو شرط صحيح يجوز للإمام أن يشرطه، إلا أن الأولى أَلَّا يفعل.
وقال مالك: يكره له ذلك.
وقال الشافعي: ليس بشرط لازم، في أظهر القولين عنه.
وقال أحمد: هو شرط صحيح، وهو من الخُمس، لا من أصل الغنيمة (٢)، انتهى.
قلت: الذي استقر عليه مذهب الإمام أحمد ﵁: أنَّه يحرم قول الإمام: من أخذ شيئًا، فهو له، ولا يستحقه، وقيل: يجوز لمصلحة، ويجوز تفضيل بعض الغانمين على بعض؛ لغَناء فيه؛ كشجاعة ونحوها، وإلا حرم (٣)، والله تعالى الموفق.
стр. 3995
الحديث الثامن عشر
عَنْ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنا السِّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا" (١).
* * *
(عن أبي موسى عبد الله بن قيس) الأشعريِّ (﵁)، وتقدمت ترجمته في باب: السواك، (عن النبي ﷺ : أنَّه قال: من حمل علينا السلاح) لقتالنا، (فليس) هو (مِنَّا)؛ أي: على طريقتنا وتمام شريعتنا؛ لما في ذلك من إدخال الرعب على المسلمين؛ بخلاف ما إذا حمله لحفظهم وحراستهم؛ فإنَّه يحمله لهم لا عليهم.
стр. 3996
وأطلق اللفظ على احتمال إرادة: أنَّه ليس على الملة؛ للمبالغة في الزجر والتخويف، أو على من استحل ذلك (١).
وقد ورد هذا الحديث من حديث ابن عمر ﵄، رواه مالك، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وغيرهم مرفوعًا (٢).
وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ ، قال: "لا يُشِر أَحَدُكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنَّه لا يدري لعلَّ الشيطانَ يَنْزِعُ في يده، فيقعُ في حفرةٍ من النار" (٣).
ومعنى "يَنْزِع في يده" -بالعين المهملة وكسر الزاي-: أي: يرمي، وروي -بالمعجمة مع فتح الزاي-، ومعناه أيضًا: يرمي ويفسد، وأصلُ النزع: الطعن والفساد (٤).
وفي "مسلم" من حديث أبي هريرة ﵁ أيضًا، قال: قال أبو القاسم ﷺ : "من أشار إلى أخيه بحديدةٍ، فإن الملائكةَ تلعَنُه، حتى وإنْ كان أخا لأبيه وأمه" (٥).
стр. 3997
ولا ريب أن المحاربين وقطاعَ الطريق الذين يعترضون الناسَ بالسلاح في الطرقات ونحوها ليغصبوا المال مجاهرة؛ من الأعراب، أو التركمان، أو الأكراد، وفسقة الفلاحين، أو فسقة الجند، أو مردة الحاضرة، أو غيرِهم.
وقد روى الإمام الشافعي في "مسنده" في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية: عن ابن عباس ﵄ في قطاع الطريق: إذا قَتَلوا وأخذوا المال، قُتلوا وصلبوا، وإذا قَتَلوا ولم يأخذوا المال، قُتلوا ولم يُصلبوا، وإذا أخذوا المالَ ولم يقتلوا، قُطعت أيديهم وأرجلُهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا، نُفوا من الأرض (١).
وهذا قول كثير من أهل العلم؛ كالشافعي، وأحمد، وهو قريب من قول أبي حنيفة.
ومن العلماء من يسوغ للإمام أن يجتهد فيهم، فيقتل من رأى قتلَه مصلحةً منهم، وإن كان لم يقتل؛ مثل أن يكون رئيسًا مُطاعًا فيهم، ويقطع من رأى قطعه مصلحةً، وإن كان لم يأخذ المال، والأولُ قول الأكثر.
فمن كان من المحاربين قد قتل، فإنَّه يتحتَّم على الإمام قتلُه حَدًّا، ولا يجوز العفو عنه بحال، بإجماع العلماء؛ كما ذكره ابن المنذر، وشيخ الإسلام ابن تيمية في "السياسة الشرعية"، فلا يكون أمره إلى ورثة المقتول.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا -يعني: قتلَ القاتل من قطاع الطريق-
стр. 3998
متفقٌ عليه بين الفقهاء، حتى ولو كان المقتول غيرَ مكافىء للقاتل (١).
قال: والصواب الذي عليه جماهير المسلمين: أن من قاتل على أخذ الأموال بأي نوع كان من أنواع القتال، فهو محارِبٌ قاطعٌ، كما أن من قاتل المسلمين من الكفار بأي نوع كان، فهو حربي، ومَنْ قاتل الكفارَ من المسلمين بسيف أو رمح أو سهم أو حجارة أو عصي، فهو مجاهد في سبيل الله تعالى (٢)، والله الموفق.
стр. 3999
الحديث التاسع عشر
وَعَنْهُ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُقاتِلُ شَجاعَةً، وَيُقاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقاتِلُ رِياءً، أَيُّ ذَلِكَ في سَبِيلِ اللهِ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قاتَلَ لِتكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيا، فَهُوَ في سَبِيلِ اللهِ" (١).
стр. 4000
ما أشار إليه بقوله: (وعنه)؛ أي: عن أبي موسى الأشعري ﵁، (قال سئل) -بضم السين المهملة على صيغة ما لم يُسم فاعله- (رسولُ الله ﷺ ) مرفوع نائب الفاعل.
وفي لفظ: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ (١).
وفي آخر: جاء أعرابي (٢).
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": ظاهره أن القائل هو أبو موسى، ويحتمل أن يكون من دونه (٣).
قال العيني: رواية: جاء أعرابي تدلُّ على وهم ما وقع عند الطبراني: عن أبي موسى: أنَّه قال: يا رسول الله! وذكره (٤)؛ فإن أبا موسى، وإن جاز أن يُبهم نفسه، لكن لا يصفها بكونه أعرابيًا.
قال: وقيل: هذا الأعرابي يصلح أن يفسر بلاحق بنِ ضمرة.
وحديثه عند أبي موسى المديني في "الصحابة" من طريق عفير بن معدان: سمعت لاحقَ بنَ ضميرةَ الباهلي، قال: وفدتُ على النبي ﷺ ، فسألته عن الرجل يلتمسُ الأجرَ والذكرَ، فقال: "لا شيء له" الحديث، وفي إسناده ضعف (٥).
وروى أبو داود، والنسائيُّ من حديث أبي أمامة بإسناد جيد، قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله! أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكرَ، ماله؟
стр. 4001
قال: "لا شيء له"، فأعادها ثلاثًا، كُلَّ ذلك يقول: "لا شيء له"، ثمَّ قال رسول الله: ﷺ "إن الله لا يقبلُ من العمل إلا ما كان له خالِصًا، وابتُغي به وجهُه" (١).
(عن الرجل يقاتل شجاعة) هي مَلَكَة تقتضي شدةً في القلب، وقوة في البأس، والشُّجاع؛ كسحاب، وكتاب، وغُراب، وأمير، وكتف: الشديد القلب عند البأس (٢)، (ويقاتل حمية)؛ أي: لأجل الحمية؛ يعني: أنفًا وغضبًا، يقال: حَمِي أنفُه (٣)، (ويقاتل رياء) وسمعة.
وفي رواية: "ليرى مكانه" (٤)؛ أي: مرتبته في الشجاعة (أيُّ: ذلك) المذكور [من] القتال يكون (في سبيل الله)؟
(فقال رسول الله ﷺ ) مجيبًا للسائل بكلمة جامعة في غاية البلاغة والإيجاز، وهي من جوامع كلمِه ﷺ : (من قاتل) الكفارَ (لتكونَ كلمةُ الله)، وهي دعوة الله تعالى إلى الإِسلام؛ يعني: كلمة التوحيد (هي العليا، فهو في سبيل الله).
وفي لفظ في "الصحيحين" و"السنن" الأربعة من حديث أبي موسى أيضًا ﵁: الرجلُ يقاتل للمغنم، والرجلُ يقاتل للذكر،
стр. 4002
والرجلُ يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال ﷺ : "من قاتل" الحديث (١).
ويحتمل أن يكون المراد: أنَّه لا يكون في سبيل الله إلا مَنْ كان سببُ قتاله طلبَ إعلاء كلمة الله فقط؛ بمعنى أنَّه لو أضاف إلى ذلك سببًا من الأسباب المذكورة، أخلَّ بذلك.
ويحتمل أَلَّا يخل إذا حصل ضمنًا، لا أصلًا ومقصودًا، وبذلك صرح الطبري، فقال: إذا كان أصلُ الباعث هو الأول، لا يضره ما عرض له بعد ذلك، وبذلك قال الجمهور، ويحمل ما مر من حديث أبي أمامة على من قصد الأمرين معًا، أو يقصد أحدَهما صرفًا، أو يقصد أحدهما ويحصل الآخر ضِمْنًا، فالمحذور أن يقصد غير الإعلاء، فقد يحصل الإعلاء ضمنًا، وقد لا يحصل، ففيه مرتبتان.
قال ابن أبي جمرة: ذهب المحققون إلى أنه إن كان الباعثُ الأولُ قصدَ إعلاء كلمة الله، لم يضرَّه ما انضاف إليه.
ويدلُّ على أن دخولَ غيرِ الإعلاء ضمنًا لا يقدح في الإعلاءِ إذا كان الإعلاءُ هو الباعثَ الأصليَّ: ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن عبد الله بن حوالة: قال: بعثَنا رسول الله ﷺ على أقدامنا لنغنم، فرجعنا ولم نغنمْ شيئًا، فقال: "اللهمَّ لا تَكِلْهُمْ إِلَيَّ" الحديث (٢).
стр. 4003
واشتمل طلبُ إعلاء كلمة الله على طلب رضاه وثوابه، وطلبِ دَحض أعدائه، وكُلُّها متلازمة.
وحاصل ما ذكر يرجع إلى أن منشأ القتال القوةُ العقلية، والقوةُ الغضبية، والقوةُ الشهوانية، وليس في سبيل الله إلا الأول.
وقال ابن بطال: إنما عدل ﷺ عن ذلك إلى لفظ جامع، فأفاد رفعَ الإلباس، وزيادةَ الإفهام.
وفيه: بيان أن الأعمال إنما تُحسب بالنية الصالحة، وأن الفضلَ الذي ورد في المجاهدين يختصُّ بمن ذُكر.
وفيه: جوازُ السؤال عن العلة، وتقدمُ العلم على العمل (١).
لطيفة:
ذكر ابنُ عرب شاه في "تاريخ تمرلنك" الذي أنشأه، وابنُ الشحنة في "تاريخه": أن تمرلنك لما أخذ حلب الشهباء، واستأصل أهلَها قتلًا وأسرًا ونهبًا، وذلك سنة ثمان مئة وثلاث في شهر ربيع الأول، قال ابن الشحنة: لما كان يوم الثلاثاء تاسع عشر ربيع الأول، صَعِد تمرلنك لقلعة حلب، وآخرَ النهار طلب علماءها وقضاتها.
قال: فحضرنا إليه، فأوَقَفنا ساعةً، ثمَّ أمر بجلوسنا، وطلب مَنْ معه من أهل العلم، فقال لأميرهم عنده، وهو المولى عبدُ الجبار بنُ العلامةِ نُعمانِ الدينِ الحنفيّ، ووالده من العلماء المشهورين بسمرقند: قُلْ لهم: إني سائلُهم عن مسألة سألتُ عنها علماءَ سمرقند وبخارى وهراةَ وسائر البلاد التي افتتحتُها، فلم يفصحوا عن الجواب، فلا تكونن مثلهم، ولا يجاوبني
стр. 4004
إلا أعلمُكم وأفضلُكم، وليعرفْ ما يتكلَّم به؛ فإني خالطتُ العلماء، ولي بهم اختصاص وأُلفة، ولي في العلم طلب قديم.
قال: وكان يبلغنا عنه أنَّه يتعنت العلماء في الأسئلة، ويجعلُ ذلك سببًا لقتلهم أو تعذيبهم.
فقال القاضي شرفُ الدين الأنصاري الشافعي: هذا شيخُنا، ومدرس هذه البلاد ومفتيهًا، سلوه، وبالله المستعان.
فقال لي عبد الجبار: سلطانُنا يقول: إنه بالأمس قُتل منا ومنكم، فمن الشهيدُ، قتيلنُا أم قتيلُكم؟.
فقلنا في أنفسنا: هذا الذي يبلغنا عنه من التعنت.
وسكتَ القوم، ففتحَ اللهُ عليَّ بجواب سريع بديع، وقلت: هذا سئل عنه سيدنا رسولُ الله ﷺ ، وأجاب عنه، وأنا مجيبٌ بما أجاب به سيدُنا رسولُ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
قال لي القاضي شرفُ الدين الأنصاري بعد أن انقضت الحادثة: والله العظيم! لما قلتَ: هذا سؤالٌ سُئل عنه سيدُنا رسول الله ﷺ ، وأجاب عنه، وأنا محدث يا مولانا هذا عالمنا قد اختل عقله، وهو معذور، فإن هذا السؤال لا يمكن الجواب عنه في هذا المقام، ووقع في نفس عبد الجبار مثلُ ذلك.
وألقى تمرلنك إليَّ سمعَه وبصرَه، وقال لعبد الجبار: سله كيف سُئل رسول الله ﷺ عن هذا، وكيف أجاب؟
قلت: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! الرجلُ يقاتل حَمِيَّةً، الحديث.
стр. 4005
فقال تمرلنك: خوب، وقال عبد الجبار: ما أحسن ما قلت!
ومعنى خوب: جيد (١)، والله الموفق.
стр. 4006
كتاب العتق
قال أهل اللغة: العِتْقُ: الحرية؛ يقال: عتق يعتق عِتقًا -بكسر العين وفتحها- عن صاحب "المحكم" (١) وغيره، وعتاقًا وعتاقة، فهو عتيق، وعاتق، حكاها الجوهري (٢).
وفي "القاموس" العِتْق -بالكسر-: الكرم، والجمال، والنجابة، والشرف، والحرية، و-بالضم-: جمع عتيق (٣).
وفي "شرح البخاري" للعيني: العتق لغةً: القوة؛ من عتق الطائر: إذا قوي على جناحيه (٤). انتهى.
وفي "المطلع": قال الأزهري: هو مشتق من قولهم عتق الفرس: إذا سبق ونجا، وعتق الفرخ: إذا طار واستقل؛ لأنَّ العبد يتخلص بالعتق، ويذهب حيث شاء (٥).
стр. 4007
والعتق شرعًا: تحريرُ الرقبة وتخليصها من الرق (١).
والرقُّ عجز حُكميٌّ سببه الكفر.
قال في "المطلع": إنما قيل لمن أعتق نسمة: إنه أعتق رقبةً، وفكَّ رقبةً، وقول الفقهاء: تحرير الرقبة، فخصت الرقبة دون سائر الأعضاء، مع أن العتق يتناول الجميع؛ لأنَّ حكم السيد عليه وملكه له كحبل في رقبته، وكالغُل المانع له من الخروج، فإذا أعتق، فكأن رقبته أُطلقت من ذلك (٢).
قال العلماء: والعتقُ من أفضل القُرَب، والأصلُ فيه قبلَ الإجماع قولُه تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣]، وخبر "الصحيحين" من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أَيُّما رجلٍ أعتقَ امْرَأً مسلِمًا، استنقذَ اللهُ بكلِّ عضوٍ منه عضوًا منه من النار" (٣)، حتى الفَرج بالفرج.
قال علماؤنا: أفضلُ الرقاب أَنْفَسُها عندَ أهلها، وأَغلاها ثمنًا، وعتقُ الذكرِ ولو لأُنثى أفضلُ من عتق الأنثى، وهما في الفكاك من النار إذا كانا مؤمنين سواء (٤).
واختلف فيما إذا كان النصرانيُّ أو اليهوديُّ أو غيرُهما أكثرَ ثمنًا من المسلم.
فقال مالك: عتق الأغلى أفضل، وإن كان غيرَ مسلم.
стр. 4008
وقال أصبغ: عتقُ المسلم أفضلُ (١).
قال في "الفروع": ولعله -أي: كون عتق المسلم أفضل- مرادُ أحمدَ، لكن يثُاب على عتقِ غير المسلم (٢).
وصريحُ العتق: لفظُ عتق، وحرية، كيف صرفا، غيرَ أمرٍ ومضارع واسم فاعل.
ويقع من هازل، لا نائم.
وكناياته: خَلَّيْتُكَ، والحقْ بأهلك، وفككتُ رقبتك، وأنت مولاي (٣)، ونحوها كما في كتب الفقه.
فائدة:
أعتق النبي ﷺ ثلاثًا وستين نَسَمَةً، وعاش ثلاثًا وستين سنةَ، وأعتقت عائشة ﵂ تسعًا وستين، وعاشت كذلك، وأعتق عبدُ الله بنُ عمرَ ألفًا، وأعتق حكيمُ بنُ حزام مئة في الجاهلية، ومئة في الإِسلام مطوَّقين بالفضة، وأعتق ذُو الكلاع الحِمْيَرِيُّ في يوم ثمانيةَ آلاف، وأعتق عبدُ الرحمن بنُ عوف ثلاثين ألفًا ﵃ (٤)، والله الموفق.
وذكر الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى- في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث:
(عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ الله بنِ عمرَ ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: من أعتق شِركًا له في عبد).
وفي رواية في "الصحيحين": "من أعتق عبدًا بين اثنين" (١)، والشِّركُ -بكسر الشين المعجمة-: النصيب، (فكان له)؛ أي المعتِق (مالٌ يبلغ ثمنَ العبد) الذي أعتقَه.
وفي لفظ: "فكان له ما يبلغ" (٢)؛ أي شيءٌ يبلغ، وإنما قيد بقوله: "يبلغ"؛ لأنه إذا كان له مال لا يبلغ ثمنَ العبد، لا يقوم عليه مطلقًا؛ يعني: عند بعض أهل العلم، ومنهم الحنفية.
ومعتمد مذهبنا كالشافعية: أن العتق يسري إلى القدر الذي هو موسر به، فتفيد العتق بحسب الإمكان، وهو قول مالك أيضًا.
والمراد بقوله: ثمن العبد؛ أي: ثمن بقيته؛ لأنه موسر بحصته (٣).
وقد أوضح ذلك النسائي في رواية عن نافع، عن ابن عمر، بلفظ: "وله مالٌ يبلغُ قيمةَ أَنْصِباءِ شركائِه، فإنَّه يضمَنُ لشركائِه أنصباءَهم، ويعتقُ العبدُ" (٤)، والمراد بالثمن هنا: القيمة، (قُوِّمَ) على صيغة المجهول (عليه)؛ أي: الذي أعتقَ نصيبَه (قيمةَ عدلٍ)، وهو أَلَّا يُزاد على قيمته، ولا يُنقص.
وفي رواية لمسلم والنسائيُّ: "قُوِّمَ عليه قيمةَ عدلٍ لا وَكْسَ ولا شَطَطَ" (٥)، والوَكْس -بفتح الواو وسكون الكاف، وبالسين المهملة-:
стр. 4011
النقص، والشطط: الجور (١)، (فأعطى) الذي باشرَ العتقَ (شركاءه) كذا في رواية الأكثرين أن لفظ "أَعْطَى" علي بناء الفاعل، و"شركاءَه" بالنصب على المفعولية.
وروي "فأُعطي" على صيغة المجهول، و"شركاؤه" بالرفع نائب فاعل (٢) (حصصهم)؛ أي: قيمتها (وعَتَقَ عليه) أي: على المعتِق (العبدُ)، وفهم من كونه يعتق عليه: أن ولاءه له دون غيره.
وسواء كان العبد والشركاء مسلمينَ أو كافرينَ، أو بعضُهم مسلمًا وبعضهم كافرًا، فلو أعتقه الشريكُ بعد ذلك، ولو قبل أخذِ القيمة، أو تصرَّفَ فيه، لم ينفذ، وإن اختلفوا في القيمة، رجع إلى قول المقوِّمين، فإن كان العبد المعتَق قد مات، أو غاب، أو تأخر تقويمُه زمنًا تختلف فيه القيمُ، ولم يكن بَيِّنة، فالقولُ قولُ المعتِق؛ لأنه غارم، وإن اختلفوا في صناعة في العتيق توجب زيادةَ القيمة، فقول المعتِق، إلا أن يكون العبدُ يحسن الصناعة في الحال، ولم يمض زمن يمكن تعلُّمها فيه، فقول الشريك، كما لو اختلفوا في عيب ينقصه (٣)، (وإلا) بأن لم يكن للمعتِق مالٌ يبلغُ قيمةَ باقي العبد؛ بأن لم يكن موسرًا، (فقد عتقَ منه)؛ أي: من العبد (ما)؛ أي: نصيبُه الذي (عتق)، دون نصيب شريكه؛ لعدم إيساره بقيمته.
وبهذا الحديث قال ابنُ أبي ليلى، ومالك، والثوري، والشافعيُّ،
стр. 4012
وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن في أن وجوب الضمان إنما هو في الموسِرِ خاصة، دون المعسِرِ؛ لقوله: "وإلا فقد عتق منه".
وقال زفر من الحنفية: يضمنُ قيمةَ شريكه، موسِرًا كان أو معِسرًا، أو يخرج العبد كلُّه حرًا؛ لأنه جنى على مال غيره، فوجب عليه ضمانُ ما أتلف بجنايته، ولا يفترق الحكم فيه بالإيسار والإعسار (١)، وهذا قياس مع النص، فلا يُعَوَّل عليه، وأيضًا هو قياس منظور فيه.
والأحاديث في هذا كثيرة جدًا.
وفي "البخاري" عن ابن عمر ﵄: أنَّه كان يُفتي في العبد أو الأَمَة يكون بين شركاء، فيعتق أحدُهم نصيبه منه، يقول: قد وجب عليه عتقه إذا كان للذي أَعتقَ من المال ما يبلغ أن يُقَوَّم من ماله قيمةَ العدل، ويَدفع إلى الشركاء أنصباءهم، ويخلِّي سبيلَ المعتَق، يخبر بذلك ابنُ عمر، عن النبي ﷺ (٢).
وقال أبو حنيفة: إذا كان المعتِق موسِرًا، فالشريكُ بالخيار، إن شاء أعتق، والولاء بينهما، وإن شاء استسعى العبدَ في نصف القيمة، فإذا أداها، عتق، والولاء بينهما نصفين، وإن شاء ضمن المعتِقُ نصفَ القيمة، فإذا أداها، عتق، ورجع بها المضمن على العبد، فاستسعاه فيها، وكان الولاء للمعتق، وإن كان المعتق معسِرًا، فالشريك بالخيار، إن شاء أعتق، وإن شاء استسعى العبدَ في نصف قيمته، فأيّهما فعل، فالولاء بينهما نصفين.
стр. 4013
وحاصل مذهب أبي حنيفة: أنَّه يرى تجزيء العتق، وأن يسار المعتِق لا يمنعُ السعاية (١).
قال ابن مفلح في "فروعه" في تعليل العتق على المذهب، قال: للخبر، ولأن الرق لا يتجزأ؛ كنكاح، فلو قال إمام لأسير: أرقيت نصفك، لم يصح (٢)، والله أعلم.
(عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : أنَّه قال: مَنْ) أَيُّ بالغ عاقلٍ راشدٍ (أعتق شِقْصًا)، وهو -بكسر الشين المعجمة وسكون القاف فصاد مهملة-: السهم، والنصيب؛ أي: أعتق نصيبه (من مملوك) له فيه شريك فأكثر، (فعليه)؛ أي: المعتِقِ (خلاصُه) من الرق بإعتاق باقيه (في ماله) إن كان له مالٌ يفي بعتق جميعِ بقيته، وإن كان موسِرًا ببعضه، يعتق بقدره؛ كما نص عليه الإمام أحمد، وتقدم.
وهذا الحديث يقتضي أن نصيب شريكه إنما يعتق بدفع قيمته؛ كمذهب أبي حنيفة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية بينهما، فعليه: لو أعتق شريكُه نصيبَه قبلَ الدفع: أنه يعتق عليه، ويكون ولاؤه بينهما.
ولنا فيه وجهان: أصحهما: الذي قدمناه أولًا: أنَّه يعتق جميعُه لمجردِ عتقِ الموسرِ لنصيبه، ولشريكه نصفُ قيمته، قاله الإمام أحمد، لا النصف (١).
تنبيه:
قال في "المغني": المعتبر في الإيسار في هذا الباب: أن يكون له فضلٌ عن قوت يومه وليلته، وما يحتاج إليه من حوائجه الأصلية؛ من الكسوة والمسكن وسائرِ ما لابدَّ له منه؛ كما ذكره الإمام أحمد في رواية ابن منصور، وهو قول الإمام مالك.
وقال الإمام أحمد: لا يباعُ فيه دار، ولا رباع، ومقتضى ذلك: أَلَّا يباع له أصل مال.
стр. 4016
وقال مالك، والشافعيُّ: يباع عليه سِوارُ بنته، وما لَهُ مالٌ من كسوته (١). انتهى.
قال العلامة ابنُ نصر الله في "حواشي الكافي": ومقتضى هذا اشتراط كفاية يومه وليلته اعتبار ذلك بزكاة الفطر؛ فلا يعتبر كون ذلك فاضلًا عن وفاء دينه، إلا أن يكون مطالبًا له.
ولو كان مالُه غائبًا عن بلد العِتْق، فهل يسري عتقه؟
قال ابن نصر الله: لم أر فيه نصًا.
قال: والظاهرُ عدمُ السراية، ودليلُه: المشتري إذا كان الثمن غائبًا، فللبائع الفسخُ.
وظاهر الحديث: السراية؛ لقوله فيه: "فكان له مال يبلغ ثمن العبد"، وهذا مالَهُ مالٌ يبلغُ ذلك.
ولم يفرق في الحديث بين كونِ ماله حاضرًا، أو غائبًا. انتهى (٢).
(فإن لم يكن له)؛ أي: المُعْتِقِ الشقصَ (مال)؛ بأن كان معسرًا، عتق نصيبه الذي أعتقه فقط، و (قُوِّمَ) بالبناء للمجهول (المملوكُ) بالرفع نائب الفاعل (قيمةَ عدلٍ) لا نقصَ فيها ولا جَوْرَ، (ثمَّ اسْتُسْعِيَ) المملوكُ؛ أي: كَلَّفه من العمل ما يؤدِّي به بقيةَ قيمةِ نفسه ليعتقَ به ما بقي.
يقال: سعى سعيًا؛ كرمى: قصد، وعمل، ومشى، وأسعاه: جعله يسعى، والسعاية -بالكسر-: ما كلف من ذلك العمل (٣) (غيرَ مشقوق)؛
стр. 4017
أي: غيرَ مضيَّق (عليه)، بحيثُ لا يوقعه في المشقة مما يصعُب عليه ويُجهضه؛ لأنه ﷺ شفيق رفيق، وقد أوصى بالمملوك خيرًا.
فعلى مقتضى هذا الحديث: أنَّه إذا كان المعتق معسِرًا، عتقَ كلُّه، أما نصيبُ المعتِق، فبإعتاقه له، وأما باقيه، فيعتق أيضًا؛ لأنَّ الحرية كالرق لا تتجزأ.
ويُلزم العبدُ بالاستسعاء في قيمة بقيته، فيدفعها لمالكه، وهو رواية أبي داود عن الإمام أحمد، نصر هذا القول في "الانتصار"، واختاره أبو محمَّد الجوزي، وشيخ الإسلام ابن تيمية.
وفي كونه قبلَ أداء قيمةِ باقيه كحرٍّ أو معتَقٍ بعضُه وجهان:
أصحهما على القول بالاستسعاء: أن حكمَه حكمُ الأحرار، فلو مات وبيده مال، كان لسيده ما بقي من السعاية فقط، والباقي إرث، ولا يرجع العبد على أحد، قدمه في "الرعاية".
وقال الزركشي: هو ظاهر كلام الأكثرين، وصوبه في "الإنصاف".
والوجه الثاني اختاره أبو الخطاب في "الانتصار"، وقدمه ابن رزين في "شرحه" (١).
قال البدر العيني: وعند أبي يوسف، ومحمد: يسعى العبدُ في نصيب شريكه الذي لم يعتق إذا كان المعتِقُ معسرًا، ولا يرجع على العبد شيء.
قال: وهو قول الشعبي، والحسن البصري، والأوزاعي، وسعيد بن المسيب، وقتادة، واحتجوا في ذلك بحديث أبي هريرة المذكور. انتهى (٢).
стр. 4018
قال الإمام موفق الدين في "الكافي": والأول -يعني: أنه إن كان الشريك المعتِقُ موسرًا، عتق، وإلا لم يعتق منه إلا نصيبُه، ويكون باقيه رقيقًا يقاسم السيدُ العبدَ في كسبه؛ لأنه مُبَعَّض، أو يخدمه يومًا، ويخلَّى لنفسِه يومًا -أصحُّ من القول بعتقه كلِّه في حال إعسار المعتِق لبعضِه، وإلزامِه بالاستسعاء.
قال: لأنَّ خبر ابن عمر ﵄ أصحُّ، ولأن الإحالة على السعاية إحالةٌ على وهم، وفيه ضرر بالعبد بإجباره على الكسب من غير اختياره. انتهى (١).
تنبيه:
حديثُ ابن عمر رواه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٢)، وغيرهم، وقد تعددت طرقُه، وتباينت مخارجُه، وأفتى به ابن عمر.
وقد روى الإمام أحمدُ عن إسماعيلَ بنِ أميةَ، عن أبيه، عن جده، قال: كان له غلام يقال له: طهمان، أو ذكوان، فأعتقَ جدُّه نصفَه، فجاء العبدُ إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "تعتق في عِتْقِكَ، وترقُّ في رِقِّكَ"، قال: فكان يخدم سيدَه حتى مات (٣).
وأما حديث أبي هريرة ﵁، فرواه الإمام أحمد (٤)،
стр. 4019
والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (١)، لكنه ضعفه الإمام أحمد وغير واحد من الحفاظ؛ لانفراد سعيد بن أبي عروبة بزيادة الاستسعاء عن قتادة وغيره، ومشاهيرُ أصحاب قتادة لم يذكروا الاستسعاء؛ كشعبةَ، وهشامٍ الدستوائيِّ، وهمّام، وهم أقعد في قتادة، وذكر همام: أن ذكر الاستسعاء من فتيا قتادة، لا من الحديث (٢).
وفي حديث ابن عمر من رواية الدارقطني زيادة ليست في غيره، وهي: "وإلَّا فقد عتقَ عليه ما عتق، ورقّ ما بقي" (٣).
فعلى كل حال: مذهبُ الجمهور على مقتضى حديث ابن عمر، والله الموفق.
(عن) أبي عبد الله (جابرِ بنِ عبدِ الله) الأنصاريِّ الخزرجيِّ (﵄، قال: دَبَّرَ) من التدبير، وهو أن يعلِّق عتقَ عبده بموته؛ لأنه يعتق بعد ما يدبره سيده، والممات دبر الحياة، يقال: أعتقه عن دُبُر؛ أي: بعد الموت، ولا يستعمل في كل شيء بعد الموت من قضية وقف وغيره، فهو لفظ خُصَّ به العتقُ بعد الموت (١).
وفي لفظ: أعتق (رجل من الأنصار).
قال النوويّ: يقال له: أبو مذكور (٢)، ونقله ابن بشكوال عن رواية مسلم (٣)، (غلامًا له)، وهو يعقوب القبطي.
(وفي لفظ) من حديث جابر عندهما: (بلغَ النبي ﷺ أَنَّ رجلًا من أصحابه)، وهو أبو مذكور (أعتق غلامًا له) قبطيًا مات في إمارة ابن الزبير (عن دُبُرٍ) من حياته.
(ولم يكن له)؛ أي: لأبي مذكور (مالٌ غيرُه)، أي: غير يعقوبَ القبطيِّ.
فقال النبي ﷺ : "من يشتريه مني؟ "، فاشتراه نعيم بن عبد الله ﵄، (فباعه) له النبي ﷺ (بثمان مئة درهم)، الظاهرُ: بالدراهم البغلية، أو الطبرية؛ لأنَّ الدراهم كانت مختلفة:
بغلية: منسوبة إلى ملك يُقال له: رأس البغل، كلُّ درهم ثمانية دوانق.
وطبرية: منسوبة إلى طبريا الشام، كل درهم أربعةُ دوانق، فجمعوا
стр. 4022
الوزنين، وهما اثنا عشر، وقسموها على الاثنين، فجاء الدرهم ستةَ دوانق، وأجمعَ أهل العصر الأول على هذا.
قيل: كان ذلك في زمن بني أمية، وقيل: في زمن عمر، والأول أكثر وأشهر (١).
(ثمَّ أرسل) النبي ﷺ (ثمنه)؛ أي ثمن ذلك العبد الذي دَبَّرَه، وهو القبطي؛ يعني: الثمان مئة درهم (إليه)؛ أي: إلى أبي مذكور المذكور.
ونعيم المشتري هو ابنُ عبدِ الله بنِ أسد بنِ عبد يغوث القرشيُّ العدويُّ من ولد عديِّ بن كعب بن لؤي النحام، وسمي النحام؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: "دخلتُ الجنةَ فسمعتُ نَحمَةً من نعيم" (٢).
والنّحمَة -بفتح النون وسكون الحاء المهملة وفتح الميم-: صوتٌ يخرج من الجوف، وهو السعلة، وقيل: النحنحة (٣).
ووقع في بعض طرق البخاري: نعيم بن النحام (٤).
قال القاضي عياض: والصواب إسقاط ابن (٥).
يقال: إنه أسلم بعد عشرة أنفس قبلَ إسلامِ عمرَ بن الخطّاب، وكان يكتُم إسلامه، ومنعه قومه لشرفه فيهم، ولأنه كان ينفق على آرامل بني عدي
стр. 4023
وأيتامهم، ويمونهم، فقالوا: أقمْ عندنا على أي دين شئت، وأَقِمْ في رَبْعك، واكفِنا ما أنت كافٍ من أمر أراملِنا، فوالله! لا يتعرض لك أحد إلا ذهبتْ أنفسُنا جميعًا دونك.
وزعموا أن النبي ﷺ قال له حين قدم عليه: "قومُك يا نعيم كانوا خيرًا لكَ، من قومي لي".
قال: بل قومُك يا رسول الله.
قال: "قومي أخرجوني، وأقرك قومُك".
زاد في رواية: فقال نعيم: يا رسول الله! قومك أخرجوك إلى الهجرة، وقومي حبسوني عنها.
وكانت هجرة نعيم ﵁ عامَ خيبر، وقيل: أيام الحديبية، وقيل: أقام بمكة إلى يوم الفتح، واستشهد بأجنادين سنة ثلاث عشرة في آخر خلافة الصديق.
وقيل: يوم اليرموك في رجب سنة خمس عشرة في خلافة عمر ﵃ أجمعين (١) -.
تنبيهات:
الأول: معتمد مذهب الإمام أحمد كمذهب الشافعي: القول بمضمون هذا الحديث من صحة بيع المُدَبَّر، ولو أمةً، ولو في غير دين، وله هبتُه، ووقفُه، وسواء كان التدبيرُ مقيدًا؛ كإن متُّ من مرضي هذا، فأنت حر، أو مطلقًا (٢).
стр. 4024
وقال أبو حنيفة: لا يصح بيعه إذا كان التدبير مطلقًا، وإن كان مقيدًا من سفر أو مرض بعينه، فبيعه جائز.
وقال مالك: لا يجوز بيعه في حال الحياة، ويجوز بيعُه بعدَ الموت إن كان على السيد دَيْن، وإن لم يكن عليه دَيْن، وكان يخرج من الثلث، عَتَقَ جميعُه، وإن لم يحتملْه الثلث، عتقَ ما يحتملُه، ولا فرق عند مالك بين المطلق والمقيد (١).
الثاني: يعتبر خروجُ المُدَبَّر من الثلث بعدَ الديون ومُؤَنِ التجهيز يومَ موت السيد، سواء دَبَّرَه في الصحة، أو في المرض.
فإن لم يفِ الثلثُ بها، أو بولدها، أقرع بينهما، فأيهما خرجت القرعة له، عتقَ إن احتملت الثلث، وإلا عتقَ منه بقدره، فإن فضل من الثلث بعد عتقه شيء، كمل من الآخر.
وإن اجتمع العتق والتدبير في المرض، قُدِّمَ العتقُ (٢).
الثالث: لو باع المدبرَ، أو زال ملكه عنه بنحو هبة مثلًا، ثمَّ عاد إلى ملكه، عاد التدبير بحاله؛ لأنه علّق العتق بصفة، فلم يبطل هذا التعليق بالبيع حيث عاد إلى ملكه؛ كالتعليق بدخول الدار (٣).
وعند الشافعية: لا يعود التدبير بعَوْده إلى ملكه (٤)، والله سبحانه الموفق.
стр. 4025
قال شارحه العلامة الشيخ المحرر السفاريني: هذا آخر ما قصدت جمعه على عمدة الأحكام.
وكان الفراغ من جمعه في نابلس المحمية لليلتين بقيتا من شعبان سنة سبع وستين ومئة وألف، وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة المباركة في اليوم الثالث عشر من ذي القعدة الحرام سنة تسع وستين ومئة وألف، أحسن الله ختامها (*).