← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

قلت: معتمد مذهب الإمام أحمد: متى ظُفر بهم، حَرُمَ قتلُ صبي وامرأة وخنثى وراهب، ولو خالط الناس، وشيخٍ فانٍ، وَزَمِنٍ، وأعمى. وفي "مغني" الإمام الموفق: وعبد، وفلاح لا رأي لهم، إلا أن يقاتلوا، أو يحرضوا عليه (١). وأما المريضُ، فيُقتل مَنْ لو كان صحيحًا، لقاتل؛ كالإجهاز على الجريح، وإن كان ميئوسًا من برئه، فَكَزَمِنٍ فانٍ، فإنْ تَتَرَّسوا بهم، جاز رميهم، ويقصد المقاتلة. ولو وقفت امرأة في صف الكفار، أو على حصنهم، فشتمت المسلمين، أو تكشفت لهم، جاز رميُها والنظرُ إلى فرجها للحاجة إلى رمِيها، وكذلك يجوز رميُها إذا كانت تلتقط لهم السهام، أو تسقيهم الماء (٢). والله الموفق.

стр. 3957

الحديث الثاني عشر عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ ﵁: أَنَّ عَبْدَ الرّحمَنِ بْنَ عَوْفٍ، والزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ، شَكَيا القَمْلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ في غَزاةٍ لَهُما، فَرَخَّصَ لَهُما في قَمِيصِ الحَرِيرِ، وَرَأَيْتُه عَلَيْهِما (١).

стр. 3958

(عن) أبي حمزةَ (أنسِ بنِ مالك ﵁: أنَّ) أبا محمَّد (عبدَ الرحمن بنَ عوفِ) بنِ عبد الحارث بنِ زهرة بنِ كلاب بنِ مرة بنِ كعب بنِ لؤي بنِ غالب القرشيَّ الزهريَّ، كان اسمه في الجاهلية عبدَ عمرو، وقيل: عبد الكعبة، فسماه النبي ﷺ : عبد الرحمن، وأمُّه الشفاءُ بنتُ عوفِ بنِ عبد الحارث بنِ زهرة، أسلمت وهاجرت. أسلم عبد الرحمن بن عوف قديمًا على يد أبي بكر الصديق. وقدّم البرماوي أن أم عبد الرحمن صفيةُ بنتُ عبد مناف بن زهرة، ثمَّ ذكر بقيل: أنها الشفاء -بكسر الشين المعجمة وبالفاء- بنتُ عوف، قال: ويقال: إن الشفاء بنتَ عوف إنما هي أختُهُ. وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحابِ الشورى، هاجر للحبشة، وشهد المشاهد كلها، وثبت يوم أحد، وصلَّى النبي ﷺ وراءهُ في غزوة تبوك؛ كما في "صحيح مسلم" (١)، وأتَمَّ ما فاته، وبعثه ﷺ إلى دومة الجندل، وعَمَّمَه بيده، وسَدَلَها بين كتفيه، وقال: "إن فتحَ الله عليك، فتزوج بنتَ ملكِهم أو عريفِهم" (٢)، فتزوجَ بنتَ شريفهم، وهي تُماضِرُ بنتُ الأصبغِ بنِ ثعلبةَ بنِ ضَمْضَم، فولدت له أبا سلمة الفقيه، وهي أولُ كلبيةٍ نكحها قرشيٌّ. أصاب عبدَ الرحمن يوم أحد نحوُ العشرين من الجراحة، أو أكثر، وبعضها في رجله، فعرج. ولد بعد عام الفيل بعشر سنين، قاله المدائني وغيره، ومات سنة اثنتين

стр. 3959

أو إحدى، أو ثلاث وثلاثين، وصلَّى عليه عثمانُ بن عفان، ودُفن في البقيع وله اثنتان وسبعون سنة، وقيل: خمس، وقيل: ثمان. كان ﵁ طفلًا رقيقَ البشرة أبيضَ مشربًا بحمرة، ضخمَ الكتفين، أقنى، وقيل: كان ساقط الثنيتين، أعرجَ؛ لما أصابه من الجراحة يومَ أحد، ويجتمع نسبُه مع نسب النبي ﷺ في كلاب بن مرة. روي له عن النبي ﷺ خمسة عشر حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة. وقال الحافظ ابن الجوزي في "مشكل الصحيح": روى خمسة وستين حديثًا، اتفقا على سبعة. قلت: وكذا في "منتخب المنتخب" له، إلا أنَّه قال: أخرج له في "الصحيحين" سبعة أحاديث، المتفق عليه منها حديثان، وباقيهما للبخاري. قال ابن الأثير في "جامع الأصول": روى عنه ابن عباس، وابنه إبراهيم، وبجالة بن عبيد (١)، ويقال: ابن عبدة التميمي، كان كاتبَ جَزْءِ بنِ معاويةَ عمِّ الأحنفِ بن قيس، مكيّ ثقةٌ، ويعد في أهل البصرة (٢).

стр. 3960

(و) أبا عبد الله (الزُّبَير) -بضم الزاي- (بنَ العَوَّام) -بفتح العين المهملة والواو المشددة فألف فميم- بن خُوَيْلِد -بضم الخاء المعجمة وفتح الواو- بن أسد بن عبدِ العزى بنِ قصيِّ بنِ كلابِ بنِ مرةَ القرشيَّ الأسديَّ المدنيَّ، أُمه صفيةُ بنتُ عبد المطلب عمةُ المصطفى ﷺ ، أسلمت، وهاجرت إلى المدينة. أسلم الزبير ﵁ قديمًا، وهو ابن خمس عشرة سنة، وقيل: ست عشرة، وقيل: إنه أسلم وهو ابن ثمان سنين، وكان إسلامه بعد إسلام الصديق بقليل، قيل: إنه كان رابعًا أو خامسًا، على يد أبي بكر الصديق ﵁، فعذبه عمه بالدخان ليترك الإسلام، فلم يفعل، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. هاجر ﵁ الهجرتين، وهو أول من سَلَّ سيفًا في سبيل الله، وثبتَ مع النبي ﷺ يوم أحد، وشهد اليرموكَ وفتحَ مصر، وقال النبي ﷺ : "لكل نبيٍّ حَوارِيُّ، وحَوارِيَّ الزبيرُ" (١). وكان أبيضَ طويلًا، ويقال: إنه لم يكن بالطويل ولا بالقصير، يميل إلى الخفة في اللحم. ويقال: كان أسمر خفيف العارضين. كان الزبير يومَ الجمل قد تركَ القتال، وانصرفَ لأمرٍ ذَكَّرَه به أميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالب، فلما ذكره، اعترف به، وانصرف، فلحقه عُمير بن جرموز بسفوان من أرض البصرة، فقتله بوادي السباع، وقبرُه هناك مشهور، وذلك في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وكان عمره يومئذٍ

стр. 3961

أربعًا وستين سنة، وقيل: سبعًا، وقيل: ستًا وستين سنة، وقيل غيرُ ذلك. روي له عن النبي ﷺ ثمانية وثلاثون حديثًا، منها في "الصحيحين" تسعةُ أحاديث، المتفق عليه منها حديثان، وباقيها للبخاري (١). ومالُ الزبيرِ وعبدِ الرحمن بن عوف ﵄ وكثرتُه وشهرتُه وسعةُ تركتهما وعظيم نفقتهما معلومٌ مشهور، وهو في تواريخ الإِسلام وكتبهم مسطور ومذكور، فلا حاجة إلى ذكره (شكيا)؛ أي شكا كلُّ واحد منهما (القمل إلى رسول الله ﷺ )؛ أي: ما يلقاه من كثرته، والتألم به. والقملُ واحدته قملة، وهو يتولد من العرق والوسخ إذا أصاب ثوبًا أو ريشًا أو شعرًا حتى يصير عفنًا (٢). قال الجاحظ: وربما كان الإنسان قَمِلَ الطباع، وإن تنظَّف وتعطَّر وبدَّل الثياب (٣)، واستدل بالزبير، وعبد الرحمن بن عوف ﵄، وكان ذلك (في غزاة لهما). وفي رواية: شكوا بالواو (٤)، وهي لغة، يقال: شكوت وشكيت -بالواو والياء (٥) -. (فرخص) ﷺ (لهما)؛ أي: لكل واحد منهما (في) لبس

стр. 3962

(قميص الحرير)؛ لأجل القمل والحكة، فلبساه. قال أنس ﵁: (ورأيته)؛ أي: قميص الحرير (عليهما)؛ أي: على كل واحد منهما. من الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف قميصًا من الحرير. فيستفاد من الحديث: جواز لبس الحرير للرجال للقمل، وكذا للحكة؛ لأن في لفظ من حديث أنس عندهما: أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف وللزبير بن العوام في قميص من حرير من حكة كانت بهما (١). قال علماؤنا: يباح لبس الحرير لحكة، ولو لم يؤثر لبسه في زوالها، وكذا لقمل، ومرض. وفي حربٍ، مباحٌ إذا تراءى الجمعان إلى انقضاء القتال، ولو لغير حاجة (٢). وقد ترجم البخاري في "صحيحه" لذلك باب: الحرير في الحرب (٣). قال أكثر الشراح: -بالحاء المهملة-، وقيل: -بالجيم-، لكن ذكر ذلك في أبواب الجهاد يؤيد الأول (٤). وكذا ذكر الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى-[له] في كتاب الجهاد يشعر به. وترجم الترمذي باب: ما جاء في لبس الحرير في الحرب (٥).

стр. 3963

والحاصل: أنَّه حصل من مجموع الروايات ثلاث علل: الحكة، والقمل، والحرب -المفهوم من قوله: في غزاة- تصلح كل واحدة منها أن تكون علة للإباحة، فأباح علماؤنا لبس الحرير لكل واحد من الثلاثة كما مر في اللباس. قال القرطبي: يدل الحديث على جواز لبس الحرير للضرورة. وبه قال بعض أصحاب مالك. فأما مالك، فمنعه في الحكة والضرورة، والحديث واضح الدلالة عليه، إلا أن يدعي الخصوصية لهما، [ولا يصح] (١)، ولعل الحديث لم يبلغه (٢)، انتهى. وقال ابن العربي: اختلف العلماء في لباسه على عشرة أقوال: الأول: حرام بكل حال. الثاني: يحرم إلا في الحرب. الثالث: يحرم إلا في السفر. الرابع: يحرم إلا في المرض. الخامس: يحرم إلا في الغزو. السادس: يحرم إلا في العَلَم. السابع: يحرم على الرجال والنساء. الثامن: يحرم لبسُه من فوق دون لبسه من أسفل، قاله أبو حنيفة، وابن الماجشون.

стр. 3964

التاسع: مباح بكل حال، وهذا ساقط بالمرة. العاشر: محرم، وإن خلط مع غيره؛ كالخز (١)، وتقدم ذلك في اللباس بما فيه غُنية. وقال ابن بطال: اختلف السلف في لباس الحرير في الحرب، فكرهته طائفة، منهم: عمر بن الخطاب، وابن سيرين، وعكرمة، وغيرهم، وقالوا: الكراهة في الحرب أشدُّ؛ لما يرجون من الشهادة، وهو قول مالك، وأبي حنيفة. وممن أباحه في الحرب: أنس. قال ثابت: رأيت أنس بن مالك ﵁ لبس الديباج في فزعة فزعَها الناس (٢). وقال عطاء: الديباج في الحرب سلاح (٣). وأجازه محمَّد بن الحنفية، وعروة، والحسن البصري. وهو قول الإمام أحمد، والشافعيُّ، ومحمد بن الحسن، وأبي يوسف. وذكر ابن حبيب عن ابن الماجشون: أنه استحب الحرير في الجهاد، والصلاة به حينئذٍ؛ لترهيب العدو، والمباهاة على العدو (٤)، والله أعلم.

стр. 3965

الحديث الثالث عشر عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، قَالَ: كانَتْ أَمْوالُ بَني النَّضِيرِ مِمَّا أَفاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بخَيْلٍ وَلَاْ رِكابٍ، وَكانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ خاصَّةً، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يعْزِلُ نفَقَةَ أَهْلِهِ سَنة، ثُمَّ يَجْعَلُ ما بقِيَ في الكُراعِ والسِّلَاحِ عُدَّةً في سَبِيلِ اللهِ (١). * * * (عن) أمير المؤمنين (عمرَ بنِ الخطاب ﵁، قال: كانت

стр. 3966

أموال بني النَّضِير) -بفتح النون وكسر الضاد المعجمة فياء مثناة تحت ساكنة فراء-: حيّ من يهود دخلوا في العرب، وهم على نسبهم إلى هارون ﵇، وكانوا من سبطٍ لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله تعالى قد كتب عليهم ذلك (١). وسبب جلائهم من أرضهم: أنهم هَمُّوا بالفتك برسول الله ﷺ ومكيدتِه والغدرِ به، فسار ﵊ في أصحابه إليهم، واستخلف على المدينة ابنَ أمِّ مكتوم، فلما رأوا رسولَ الله ﷺ وأصحابه، قاموا على جدر حصونهم معهم النبلُ والحجارة، واعتزلهم بنو قريظة، فلم يعينوهم بسلاح ولا رجال، ولم يقربوهم، وجعلت بنو النضير يرمون بالنبل والحجارة، فحاصرهم ﷺ خمسة عشر يومًا. وقال ابن إسحاق، وابن عبد البر: ستَّ ليال. وقال سليمان التيمي: قريبًا من عشرين ليلة. وقال ابن الطَّلاع: ثلاثًا وعشرين ليلة. وعن عائشة: خمسة وعشرين، حتى أجلاهم، ووليَ إخراجَهم محمدُ بن مسلمة ﵁، فلما أجلاهم، كانت أموالهم من الأرض والنخيل وكل شيء من الحلقة والسلاح والكراع (مما أفاء الله) به (على رسوله) محمَّد ﷺ (٢). وأصل الفيء: الرجوع، يقال: فاء يفيء فيئة وفَيْئًا (٣)، كأنه كان في الأصل له ﷺ ، فرجع إليه؛ لأنَّ الله لم يبح النعم للخلق إلا بشرط الشكر،

стр. 3967

فإذا لم يشكروا، لم يُبِح لهم من نعمه شيئًا، فيكونون قد استولوا على ما ليس لهم به حق (مما لم يوجف المسلمون) من أصحابه الكرام -عليهم الرضوان والسلام- (عليه)؛ أي: مال بني النضير؛ أي: لم يسرعوا؛ لأنَّ الإيجاف: سرعة السير. وقد أوجف دابته يوجفها إيجافًا: إذا حثها (١) (بخيل) مسومة (ولا ركاب) من الإبل. قال في "المطالع ": الركاب: الإبل، وتجمع على ركائب (٢)، (وكانت) أموالُ بني النضير التي جلوا عنها وخلَّوها (لرسول الله ﷺ ) خصَّه بها الله تعالى (خاصة) دون غيره من الصحابة الكرام. (فكان رسول الله ﷺ يعزل) في كل سنة (نفقةَ أهله)؛ أي: من أزواجه وخدمهن وما يلحق بذلك (سنة) عند حصول التمر والبر والشعير، (ثم) بعد ادخاره لأهله نفقة سنتهم، (يجعل ما بقي) من الغلال والثمار (في) تحصيل (الكراع). قال في "النهاية": الكراع: اسم لجميع الخيل (٣). وكذا قال في "القاموس" (٤). (والسلاح) من السيوف والرماح والدروع وسائر آلات الحرب، يَتَّخِذُ ذلك، وُيِعُّده (عدة في سبيل الله )؛ نصرة لأوليائه، وعونًا على أعدائه من أهل الكفر والشرك والنفاق.

стр. 3968

قال أهل السير: لما قَبض رسولُ الله ﷺ أموال بني النضير والحلقةَ، وجدَ خمسين درعًا، وخمسين بيضة، وثلاث مئة وأربعين سيفًا، فقال عمر ﵁: يا رسول الله! لا تخمس ما أصبت، فقال ﷺ : "لا أجعلُ شيئًا جعلَه الله تعالى لي دون المؤمنين بقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] الآية كهيئة ما وقع فيه السهمان"، فكانت أموال بني النضير من صفايا رسول الله ﷺ ، جعلها حبيسًا لنوائبه، وكانت له خاصة، فأعطى مَنْ أعطى منها، وحبس ما حبس. ولما تحول ﷺ في ابتداء هجرته من بني عمرو بن عوف إلى المدينة، تحول المهاجرون معه، فتنافست فيهم الأنصار ﵃ أن ينزلوا عليهم حتى اقترعوا فيهم بالسهمان، فما نزل أحد من المهاجرين على أحد من الأنصار إلا بقرعة بينهم، فكان المهاجرون في دور الأنصار وأموالهم، فلما غنم ﷺ بني النضير، دعا ثابتَ بنَ قيس بن شماس، فقال: "ادعُ لي قومَكَ"، قال ثابت: الخزرج يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ : "الأنصار كلها"، فدعا الأوسَ والخزرجَ، فتكلم رسولُ الله ﷺ ، فحَمِدَ الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله، ثمَّ ذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين، وإنزالهم إياهم في منازلهم وأموالهم، وأثرتهم على أنفسهم، ثمَّ قال: "إن أحببتم، قسمتُ بينكم وبينَ المهاجرين ما أفاء الله عليَّ من بني النضير، وكان المهاجرون على ما هُمْ عليه من السُّكنى في مساكِنِكم وأموالِكم، وإن أحببتم، أعطيتهم، وخرجوا من دورِكم، ورَدُّوا عليكم أموالَكم". فتكلم سعدُ بنُ عبادة، وسعدُ بنُ معاذ ﵄، وجزاهما الله خيرًا-، فقالا: يا رسول الله! بل تقسمه بين المهاجرين، ويكونون في دورنا كما كانوا، ونادت الأنصار ﵃: رضينا وسلَّمنا يا رسول الله.

стр. 3969

فقال ﷺ : "اللهم ارحم الأنصار، وأبناءَ الأنصار". فقسم ﷺ ما أفاء الله تعالى عليه من أموال بني النضير، فأعطى المهاجرين، ولم يعط أحدًا من الأنصار من ذلك الفيء شيئًا، إلا رجلين كانا محتاجين: سهلَ بنَ حُنيف، وأبا دجانة، وأعطى سعدَ بنَ معاذ ﵁ سيفَ أبي الحقيق، وكان سيفًا له ذِكْر عندهم (١). وذكر البلاذري في "فتوح البلدان": أنَّه ﷺ قال للأنصار: "ليس لإخوانكم من المهاجرين أموال"، وذكر نحو ما تقدم، وأجابوه بنحو ما تقدم، قال: فنزل قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢) [الحشر: ٩]. وروى الآجري في كتاب "الشريعة" عن قيس بن أبي حازم، قال: قال أبو بكر الصديق ﵁: جزاكم الله يا معشرَ الأنصار خيرًا، فوالله! ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال الغنوي -وهو بالغين المعجمة والنون-: [من الطويل] جَزَى اللهُ عَنَّا جَعْفَرًا حِين أَزْلَقَتْ ... بِنا نَعْلُنا في الواطِئِينَ فَزَلَّتِ أَبَوْا أَنْ يَمَلُّونا وَلَوْ أَنَّ أُمَّنَا ... تُلَاقي الَّذِي يَلْقَوْنَ مِنَّا لَمَلَّتِ (٣) والله الموفق.

стр. 3970

الحديث الرابع عشر عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: أَجْرَى النَّبِيُّ ﷺ ما ضُمِّرَ مِنَ الخَيْلِ مِنَ الحَفْياءِ إِلَى ثَنِيةِ الوَداعِ، وَأَجْرَى ما لَمْ يُضَمَّر مِنَ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ. قَالَ ابنُ عُمَرَ: وَكنتُ فِيمَنْ أَجْرَى. قَالَ سُفْيانُ: مِنَ الحَفْياءِ إلَى ثَنِيَّةِ الوَداعِ: خَمْسَةُ أَمْيالٍ أَوْ سِتَّةٌ، وَمنْ ثَنِيَّةِ الوَداعِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ: مِيلٌ (١).

стр. 3971

(عن) أبي عبدِ الرحمن (عبد الله بن) أمير المؤمنين (عمرَ ﵄ قال: أجرى)؛ أي: أمر بالإجراء والمسابقة (النبيُّ ﷺ ما ضُمِّر)، والإضمار والتضمير: أن يظاهر على الخيل بالعلف حتى تسمَنَ، ثمَّ لا تُعْلَف إلا قوتًا لتخفَّ، وقيل: تُشَدُّ عليها سروجُها وتُجَلَّلُ بالأَجِلَّةِ حتى تعرقَ تحتَها، فيذهبَ دهنُها، ويشتدَّ لحمُها (١). ويقال: تضمير الخيل: أن تدخل في بيت، ويُنقص من علفها، وتُجلل حتى يكثر عرقه، فينقص لحمُه ليكون أقوى لجريه. وقيل: ينتقص علفه، ويجلل بجلٍّ مبلول (٢)، فلهذا أجرى ﵇ ما ضمر (من الخيل من الحفياء) -بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء ممدودًا-. قال في "المطالع": وضبطه بعضهم -بضم الحاء والقصر-، وهو خطأ (٣)، انتهى. وفي "القاموس": الحفياء، وتقصر، ويقال بتقديم الياء: موضع بالمدينة (٤)، انتهى. (إلى ثنية الوداع) أصل الثنية: الطريق في الجبل.

стр. 3972

قال في "المطالع": ومنه ثنية الوداع، قال: والثنية أيضًا: على مسيل من رأس الجبل، وأما إضافتها إلى الوداع، فاختلف فيه، فقيل: لأنه موضع وداع المسافرين من المدينة إلى مكة، وقيل: لأنَّ النبي ﷺ ودَّع بها بعض من خلفه بالمدينة في آخر خرجاته، وقيل: في بعض سراياه المبعوثة عنه، وقيل: الوداع اسمُ وادٍ بمكة، حكاه ابن المظفر، وزعم أن نساء المدينة قلنه في رجزهم عند لقاء النبي ﷺ يوم الفتح. قال في "المطالع": وهذا قلب للمعلوم المشهور من أن نساء المدينة ارتجزنه عند ورود النبي ﷺ المدينة، وهو اسم قديم جاهلي لهذه الثنية؛ لأنه موضع للتوديع كما تقدم (١)، انتهى. وفي كلامه نظر يظهر بالتأمل. (وأجرى) ﵊؛ أي: أمرَ بإجراء (ما لم يُضمر) من الخيل (من الثنية) المذكورة، وهي ثنية الوداع (إلى مسجد بني زُريق) -بضم الزاي-، والنسبة زُرقي، وزريق هو ابن عبد حارثة بن ثعلبة بن مالك بن غَضْب -بفتح الغين وسكون الضاد المعجمتين- بن جُشَم -بضم الجيم وفتح الشين المعجمة- بن الخزرج الأكبر (٢). (قال) أبو عبد الرحمن عبدُ الله (بنُ عمر) ﵄: (وكنتُ) أنا (فيمن أجرى) رسولُ الله ﷺ . وفي لفظ: كان ابن عمر ممن سابق فيها (٣). (قال سفيان) كما في "البخاري" -يعني: ابن عُيينة-: (من الحفياء إلى

стр. 3973

ثنية الوداع خمسةُ أميال، أو ستة) أميال (ومن مسجد بني زُريق إلى ثنية الوداع ميلٌ). قال موسى بن عقبة: من الحفياء إلى ثنية الوداع ستة أميال، أو سبعة. وقد أجمع العلماء على جواز المسابقة بلا عوض. قال علماؤنا: تجوز المسابقة بلا عوض على الأقدام، وبين سائر الحيوانات من إبل وخيل وبغال وحمير وفيلة وطيور، حتى حَمام، وبين سفن ومزاريق ونحوها، ومجانيق، ورمي أحجار بيد، ومقاليع، ويكره كلُّ ما يسمى لعبًا، إلا ما كان مُعينًا على قتال العدو، فيكره لعب بأرجوحة. وكلام الشيخ تقي الدين يقتضي تحريم اللعب بالطاب والنقلية. وقال أيضًا: كلُّ فعل أفضى إلى محرم كثيرًا، حرمه الشَّارع إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة؛ لأنه يكون سببًا للشر والفساد. وقال أيضًا: ما ألهى وشغل عما أمر الله به، فهو منهي عنه، وإن لم يحرم جنسه؛ كبيع وتجارة ونحوهما. وأما اللعب بآلة الحرب، فمستحب، وليس من اللهو المحرَّم ولا المكروه تأديبُ فرسِه، وملاعبتُه أهلَه، ورميُه عن قوسه. وأما اللعب بالنرد والشطرنج، فلا يباح بحال، وهي بالعوض أَحْرَمُ. وأما المسابقة بعوض، فلا تجوز على معتمد المذهب إلا في الخيل والإبل والسهام بشروطها المذكورة في كتب الفقه (١). وحكي عن مالك المنعُ؛ لأنه قمار.

стр. 3974

واختلف العلماء في المسابقة على الأقدام بعوض. فمذهب أحمد، ومالك: عدم الجواز، وهو منصوص الشافعي أيضًا. ومذهب أبي حنيفة: يجوز، وهو وجه عند الشافعية (١). وحجة من منع: حديثُ أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "لا سَبْقَ إلا في خُفٍّ أو حافِرٍ أو نَصْل"؛ أي: لا يسوغ أخذُ السبق الذي هو العِوَضُ المجعولُ في المسابقة إلا في الثلاثة المذكورة، والحديث رواه الإمام أحمد، وأصحاب "السنن" الأربع، إلا أن ابن ماجه لم يذكر فيه: "أو نصل" (٢). وروى الإمام أحمد من حديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ سابق بالخيل، وراهن (٣). وفي لفظ له: سابق بين الخيل، وأعطى السابق (٤). وروى الإمام أحمد عن أنس ﵁: أنَّه قيل له: أكنتم تراهنون على عهد رسول الله ﷺ ؟ أكان ﷺ يراهن؟ قال: نعم، والله! لقد راهن على فرس يقال له: سبحة، فسبق الناس، فابتشَّ لذلك وأعجبه (٥).

стр. 3975

وروى الإمام أحمد، والبخاري عن أنس ﵁، قال: كان لرسول الله ﷺ ناقة تسمى العَضْباء، وكانت لا تُسبق، فجاء أعرابي على قَعود له، فسبقَها، فاشتد ذلك على المسلمين، وقالوا: سُبقت العضباءُ، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ حَقًّا على الله أَلَّا يرفعَ شيئًا من الدنيا إلا وَضَعَهُ" (١). تنبيه: يشترط لإباحة أخذ الرهن على مسابقة الخيل والإبل خمسة شروط: الأول: تعيينُ المركوبين بالرؤية، وتساويهما في ابتداء العدو وانتهائه، لا تعيينُ الراكبينِ. الثاني: كونُ المركوبين من نوع واحد، فلا يصح بين عربيٍّ وهَجينٍ. الثالث: تحديدُ المسافة والغاية بما جرت به العادةُ. الرابع: كونُ العوضِ معلومًا بالمشاهدة، أو بالقدر، أو بالصفة، ويجوز أن يكون حالًّا ومؤجلًا، وبعضه حالًّا، وبعضه مؤجلًا. الخامس: الخروج عن شبهة القمار بأَلَّا يُخْرِجَ جميعُهم، فإن أخرجا معًا، لم يَجُزْ، وكان قمارًا؛ لأنَّ كل واحد لا يخلو عن أن يغنم أو يغرم، وسواء كان ما أخرجاه متساويًا، أو متفاوتًا، إلا بمحلل لا يُخرج شيئًا، ويكفي واحد، ولا تجوز الزيادة عليه، تكافىء فرسُه فرسيهما، أو بعيرُه بعيريهما، فإن سبقهما، أحرزَ السبقين، وإن سبقاه، لم يأخذا منه شيئًا،

стр. 3976

وإن سبق أحدهما، أحرز السبقين، وإن سبق معه المحلل، أحرز السابق مال نفسه. وسَبْقُ المسبوقِ بين المحلِّلِ والسابق نصفين. وإن جاء الغاية دفعة واحدة، أحرز كل واحد منهما سبق نفسه، ولا شيء للمحلل (١). ولم يعتبر شيخ الإسلام محللًا، وقال: كون السبق من كل واحد منهما أولى بالعدل من كون السبق من أحدهما، وأبلغُ في تحصيل مقصود كل منهما، وهو بيان عجز الآخر. وقد انتصر تلميذه الإمام المحقق لهذا في كتابه "الفروسية"، وأجلب عليه من الأدِلَّة وأطنب، وأتى من الاستدلال لذلك ما يقضي له بالعجب (٢)، والله الموفق.

стр. 3977

الحديث الخامس عشر وَعَنْهُ، قَالَ: عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنا ابنُ أَربَعَ عَشْرَةَ سَنةً، فَلَمْ يُجِزْني، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وَأَنا ابنُ خَمْسَ عَشْرَةَ، فَأَجازَني (١).

стр. 3978

ما أشار إليه بقوله: (وعنه)؛ أي: عن عبد الله بن عمر ﵄، (قال: عُرضت على النبي ﷺ ) لأخرجَ للجهاد وقتال الكفار (يوم أحد) -بضم الهمزة والحاء والدال المهملتين-. قال ياقوت في "معجمه": هو جبل أحمر ليس بذي شناخب، بينه وبين المدينة أقل من فرسخ، وهو في شمالها (١). وقد قال ﷺ في أحد: "هذا جبل يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ" رواه الشيخان وغيرُهما من حديث أنسٍ (٢)، وغيرِه. وقال ﷺ عنه: "إنه ركنٌ من أركانِ الجنةِ" رواه الطبراني من حديث سهل بن سعد (٣)، وقال: "إنه على باب من أبواب الجنة" (٤). قال ياقوت: وهو اسمٌ مرتَجَل لهذا الجبل (٥). وقال السهيلي: يسمى أُحدًا؛ لتوحُّده وانقطاعه عن جبال أُخر هناك، أو لِما وقع لأهله من نصرة التوحيد (٦)، والمراد: الواقعةُ المشهورة في أُحد، وكانت في شوال سنة ثلاث من الهجرة باتفاق الجمهور.

стр. 3979

وقال في "الفتح": كانت الوقعة لإحدى عشرةَ ليلة خلت في شوال نهار السبت. قال الإمام مالك: أول النهار. وشذّ من قال: سنة أربع (١). (وأنا) يومئذٍ (ابنُ أربع عشرة سنة)؛ أي: كَمُلَ لي من السن منذ ولدت ذلك، (فلم يُجزني) ﷺ ، بل رَدَّني. قال الإمام الشافعي فيما نقله الشيخ نجم الدين القَمُولي -بفتح القاف وضم الميم- في "بحره" (٢): إنه ﷺ رد يومئذٍ سبعةَ عشرَ شابًا عُرضوا عليه، وهم أبناء أربع عشرة سنة؛ لأنه لم يرهم بلغوا، وعرضوا عليه وهم أبناء خمس عشرة، فأجازهم. انتهى (٣). وهم: عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، ورافع بن خديج، وأُسيد بن ظُهير -بضم الهمزة، وأبوه بضم الظاء المعجمة-، وعَرابة بن أوس -بفتح العين المهملة وتخفيف الراء والموحدة-، ووقع عند بعضهم: أوسُ بن عَرابة، والصواب الأول، وأبو سعيد الخدري، وأوسُ بن ثابت الأنصاري، وسعد بن بَحِيرة -بفتح الموحدة وكسر الحاء المهملة-، قاله الدارقطني، وقال ابن سعد:

стр. 3980

-بضم الموحدة وفتح الجيم- بنُ معاويةَ البجليِّ حليف الأنصار، وهو سعد بن حَبْتَةَ -بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة بعدها مثناة فوقية مفتوحة فتاء تأنيث-، وهي أمه (١). ولما رآه يوم الخندق قاتل قتالًا شديدًا، فدعاه، ومسح على رأسه، ودعا له بالبركة في نسلهِ وولده، فكان عمًا لأربعين، وخالًا لأربعين [(٢) وأبًا لعشرين، ومن ولده أبو يوسف القاضي -يعقوب صاحب الإمام أبي حنيفة-، وسعد بن عُقيب -وزان زبير-، وزيد بن جارية -بالجيم والمثناة التحتية-، وجابر بن عبد الله، وليس هو بالذي يروى عنه الحديث، وسمرة بن جندب (٣). ثم إنه ﷺ أجاز رافعَ بن خَديِجِ لمَّا قيل له: إنه رام، فقال سمرة بن جندب لزوج أمه مُرَيِّ -بالتصغير- بن سنان: أجاز رسول الله ﷺ رافعَ بنَ خَديج، وردّني، وأنا أصرعه، فأعْلَم بذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "تصارعا"، فصرع سَمُرَةُ رافعًا، فأجازه (٤). وذَكرُوا النعمان بن بشير، ولا يصح ذلك، لأنه ولد في الثانية قبل أحد بسنة. وذكروا أيضًا أوس بن قَيْظِي -بفتح القاف وسكون التحتية وبالظاء

стр. 3981

المعجمة المشالة-، وهذا معدود من المنافقين. قال عبد الله بن عمرو ﵄: (وعرضت عليه)؛ أي: على النبي ﷺ (يومَ) وقعة (الخندق) الذي خندق به رسول الله ﷺ عليه وعلى أصحابه من أعداء الله لما ساروا إليه، وهم الأحزاب، وكانوا عشرة آلاف، وكان الذي أشار بحفر الخندق سلمان الفارسي ﵁، قال: يا رسول الله! إنا كنا بأرض فارس إذا تخوفنا الخيل، خندقنا علينا، فأعجبهم ذلك (١)، وأحبوا الثبات في المدينة، وأمرهم رسول الله ﷺ بالجدِّ، ووعدهم النصرَ إن هم صبروا واتقوا، وأمرهم بالطاعة، ولم تكن العرب تُخنْدِقُ عليها. ثمَّ إنه ﷺ ارتادَ له موضعًا ينزله، فكان أعجب المنازل إليه أن يجعل سَلْعًا الجبل خلفَ ظهره، ويخندق من المَذَادِ إلى ذُباب إلى راتج. فالمَذاد: أطمٌ بني حرام غربي مسجد الفتح -وهو بميم مفتوحة فذال معجمة فألف فدال مهملة-. والذِبَاب: -كغراب وكتاب-: اسم جبل بالمدينة. وراتِج: -براء فألف ففوقية مكسورة فجيم-: أطم سميت به الناحية. فعمل الصحابة في الخندق مستعجلين يبادرون قدوم العدو عليهم، واستعاروا آلة للحفر من بني قريظة، ووكل ﷺ بكل جانب من الخندق قومًا يحفرونه، فكان المهاجرون من ناحية راتِج إلى ذباب، وكانت الأنصار يحفرون من ذباب إلى جبل أبي عبيدة. وتنافس المهاجرون والأنصار في سلمان ﵁ وعنهم

стр. 3982

أجمعين-، وكان رجلًا قويًا، فقال المهاجرون: سلمان منا، وقالت الأنصار: سلمان منا، فقال رسول الله ﷺ : "سلمانُ مِنَّا أهلَ البيت" (١)، وكان سلمان يعمل عمل عشرة رجال، فعمل المسلمون في الخندق حتى أحكموه. قال محمَّد بن عمر الواقدي، وابن سعد: في ستة أيام، وكان بسطة أو نحوها. قال ابن عمر ﵄: (وأنا ابن خمس عشرة) سنة؛ أي: وسنِّي يوم الخندق المقدار المذكور. (فأجازني) يومئذ، ولم يردَّني. قال محمَّد بن عمر، عن أبي واقد الليثي ﵁، قال: رأيت رسول الله ﷺ يعرض الغلمان، وهو يحفر الخندق، فأجاز من أجاز، وردَّ من رد، وكان الغلمان الذين لم يبلغوا يعملون معه، ولم يجزهم، ولكنه لما لحم الأمر، أمر من لم يبلغ أن يرجع إلى أهله إلى الآطام مع الذراري والنساء (٢)، وممن أجاز رسول الله ﷺ : عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري، والبراء بن عازب ﵃، وهم أبناء خمس عشرة سنة. وكانت غزوة الخندق -كما قال ابن إسحاق ومتابعوه- في شوال. وقال محمَّد بن عمر، وابن سعد: في ذي القعدة (٣).

стр. 3983

قال الجمهور: سنة خمس. قال الإمام ابن القيم في "الهدي": إنه الأصح (١). قال الذهبي: وهو المقطوع به. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": وهو المعتمد (٢). وقال مالك: إنها كانت سنة أربع، وصححه النووي في "الروضة" (٣)، وهو عجيب. واحتجوا بظاهر حديث ابن عمر هذا؛ ولا حجة فيه؛ لاحتمال أن يكون ابن عمر في أُحُد كان هو أول ما طعن في الرابعة عشرة، وكان في الأحزاب قد استكمل الخمس عشرة، وبهذا أجاب البيهقي، وقد بيّن البيهقي سبب هذا الاختلاف: وهو أن جماعة من السلف كانوا يعدون التاريخ من المحرم الذي وقع بعد الهجرة، ويلغون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيع الأول (٤)، وعلى ذلك جرى الحافظ يعقوب بن سفيان في "تاريخه"، فذكر أن غزوة بدر الكبرى كانت في السنة الأولى، وأن غزوة أحد كانت في الثانية، والخندق كانت في الرابعة (٥)، وهذا عمل صحيح على ذلك البناء، لكنه بناء واهٍ، مخالف لما عليه الجمهور من جَعْلِ التاريخ من المحرم سنة الهجرة، وعلى هذا تكون بدر في الثانية، وأحد في الخامسة، وهو المعتمد (٦).

стр. 3984

تنبيه: قال علماؤنا: على الإمام أو الأمير أن يمنع صبيًا لم يشتد من الخروج للقتال (١). ومفهومه: أنه يأذن لمن اشتد من الصبيان، وكأنهم أخذوا ذلك من إجازته ﷺ لرافع بن خديج، وسمرة بن جندب -كما تقدم آنفًا-، وصرح به الإمام الموفق في "المغني" (٢)، وابن أخيه في "شرح المقنع" (٣)، وصحح في "الإنصاف" وغيره: أنه يمنع الصبي (٤)، وقدمه في "الفروع"، قال: وذكره جماعة. قال: وفي "المغني" و"الكافي" و"البلغة" وغيرهما طفلًا (٥)، وهذا ظاهر كلام الإمام مالك؛ فإنه قال: إذا المراهق أطاق القتال، وأجازه الإمام، كمّل له السهم، وإن لم يبلغ. وقالت الشافعية: له -أي: الإمام- أو نائبه الاستعانةُ بمراهق بإذن وليه (٦).

стр. 3985

الحديث السادس عشر وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : قَسَمَ في النَّفَلِ: لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلرَّجُلِ سَهْمًا (١). * * * ما أشار إليه بقوله: (وعنه)؛ أي: عن ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ قسم النفل: للفرس سهمين) من الغنيمة، (و) قسم (للرجل

стр. 3986

سهمًا) واحدًا منها، ولم يذكر في رواية: النفل (١). وقال البخاري: يوم خيبر (٢)، وقال في آخر: للفرس سهمين، ولصاحبه سهما (٣)، ولم يقل: في النفل، قال: وفسره نافع، قال: إذا كان مع الرجل فرس، فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس، فله سهم (٤). وروى الإمام أحمد، وأبو داود من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: له سهم، ولفرسه سهمان (٥). وفي لفظ: أسهم للفرس سهمين، وللرجل سهمًا، متفق عليه (٦). وفي لفظ: أسهم يوم حنين للفارس ثلاثة أسهم: للفرس سهمان، وللرجل] (٧) سهم، رواه ابن ماجه (٨). وأخرج الإمام أحمد عن المنذر بن الزبير، عن أبيه، عن النبي ﷺ : أنَّه أعطى الزبير سهمًا، وأمه سهمًا، وفرسه سهمين (٩).

стр. 3987

وفي لفظ: ضرب رسولُ الله ﷺ يومَ خيبر للزبير أربعةَ أسهم: سهمًا للزبير، وسهمًا لذي القربى لصفية أم الزبير، وسهمينَ للفرس، رواه النسائي (١). وقال ﷺ : "إني جعلتُ للفرس سهمين، وللفارس سهمًا، فمن نقصَهُما، نقصهُ اللهُ" رواه الدارقطني من حديث أبي كبشة الأنماري ﵁ (٢) -. وعن خالد الحذاء، قال: لا يختلف فيه عن النبي ﷺ ، قال: "للفارس ثلاثةُ أسهُمٍ، وللراجل سهمٌ" رواه الدارقطني (٣). والأحاديث في هذا كثيرة جدًا، وبه قال جمهور العلماء محتجين بهذه الأحاديث وأضعافها مما لم نذكره، منهم: إمامنا الإمام أحمد، والإمام مالك، والشافعيُّ، وبه قال محمَّد بن الحسن، وأبو يوسف صاحبا أبي حنيفة. وقال أبو حنيفة ﵀: لا يُسهم للفارس إلا سهم واحد، ولفرسه سهمٌ، واحتج بحديث فيه الواقدي عن المقداد بن عمرو ﵁: أنه كان يوم بدر على فرس يقال له: سبحة، فأسهم له النبيُّ ﷺ سهمين: لفرسه سهم واحد، وله سهم. رواه الطبراني (٤). قال في "التوضيح": خالف أبو حنيفة عامةَ العلماء قديمًا وحديثًا،

стр. 3988

فقال: لا يسهم للفرس إلا سهم واحد، وقال: أكره أن أفضل بهيمةً على مسلم. وخالفه أصحابه، فبقي وحده. وقال ابن سحنون: انفرد أبو حنيفة بذلك دون فقهاء الأمصار. واحتج البدر العيني للإمام أبي حنيفة بظاهر قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١]، قال: فإنَّه يقتضي المساواة بين الفارس والراجل، وهو خطاب لجميع الغانمين، وقد شملهم هذا الاسم. قال: وما ورد مما تقدم محمول على وجه التنفيل (١)، انتهى. ولا يخفى بعدُ هذا الحمل، وما في استدلاله بالآية الكريمة من النظر الواضح الذي لا يخفى على آحاد العلماء، فضلًا عن أئمتهم. تنبيه: الفرسُ الذي يستحقُّ السهمين إنما هو العربي، ويسمى: العتيق، وهو الرابع الكريم، والعربُ تسمي كل شيء بلغ الغاية في الجودة: عتيقًا. وأما إن كان الفرس هجينًا، وهو ما أبوه عربي وأمه غيرُ عربية، أو مقرفًا، وهو عكس الهجين، أو بِرْذَوْنًا، وهو ما أبواه نبطيان، فله سهم واحد، ولفارسه سهم، على الصحيح المعتمد. ومعتمد مذهبنا: لا يُسهم لأكثر من فرسين مع فارس واحد، ولا لغير خيل (٢). وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعيُّ: لا يُسهم لأكثرَ من فرس واحد،

стр. 3989

واتفقوا أنَّه لا يسهم لغير الخيل على المعتمد. وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعيُّ: الهجين كالعتيق. إلا أن مالكًا يشترط إجازة الإمام. وكذلك قولهم في المُقْرِف، والبِرْذَون (١). وقول الليث كقول إمامنا: يسهم للفرسين، وكذا قال الأوزاعي، والثوري، وأبو يوسف، وإسحاق. وهو قول ابن وهب، وابن الجهم من المالكية. قال ابن المناصف: أول من أسهمَ للبرذون سهمه رجلٌ من همدان يقال له: المنذر الوادعي، فكتب بذلك إلى عمر ﵁، فأعجبه، فجرت سنة للخيل والبراذين، وفي ذلك يقول الشاعر: [من الطويل] وَمِنّا الَّذِي قَد سَنَّ في الْخَيْلِ سُنَّةً ... وَكانَتْ سَواءً قَبْلَ ذاكَ سِهامُها وروى أبو داود في المراسيل عن مكحول: أن رسول الله ﷺ هَجَّنَ الهجينَ يوم خيبر، وعَرَّبَ العربيَّ، للعربيِّ سهمان، وللهجين سهمٌ (٢). وقال الحافظ الإشبيلي: وروي موصولًا عن مكحول، عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة، عن النبي ﷺ (٣)، والمرسَلُ أصحُّ. وقال ابن المناصف: وروي أيضًا عن الحسن، وبه قال الإمام أحمدُ بن حنبل. انتهى.

стр. 3990

وقال ابن حزم: للراجل وراكب البغل والحمار والجمل سهمٌ واحد فقط، وهو قول مالك، والشافعيُّ. قال: وقال أحمد: لراكب البعير سهمان، انتهى (١). قلت: وهذا مرجوح في مذهب الإمام أحمد. قال في "الفروع": ولا شيء لغير خيل. وعنه؛ أي: الإمام أحمد: لراكب بعير سهمٌ. وعنه عند عدم غيره. واختار جماعة: يسهم له مطلقًا، منهم: أبو بكر، والقاضي، وظاهر كلام بعضهم: كفرس، وقيل: له ولفيلٍ سهمُ هجين، انتهى (٢)، والله أعلم.

стр. 3991

الحديث السابع عشر وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خاصَّةً سِوَى قَسْمِ عامَّةِ الجَيْشِ (١). * * * ما أشار إليه بقوله: (وعنه)؛ أي: عن عبد الله بن عمر ﵁: (أن النبي ﷺ كان ينفِّلُ) هذه تقتضي كثرةَ وقوع ذلك منه ﷺ (بعض من يبعث) لجهاد أعداء الله تعالى (من السرايا) جمعُ سرية. وتقدَّم أنها اسمٌ لطائفة من الجيش تُبعث إلى العدو (لأنفسهم) متعلِّق بـ: ينفل (خاصَّة) يختصون به (سوى) سهامهم التي يستحقونها كـ (قسم)

стр. 3992

غيرهم من (عامة الجيش) بل كل واحد منهم يساوي كل واحد من الجيش، ويُزادون على غيرهم بالنفل الذي كان ينفِّلُهم به النبيُّ ﷺ . والنَّفْل -بالسكون، وقد يحرك-: الزيادة على السهم يعطيه الإمام أو نائبه لمصلحة. قال علماؤنا: يجوز أن ينفل سرية من جيشه تُغير أمامه بالربع فأقلَّ بعد الخمس، أو خلفه إذا قفل بالثلث فأقل بعده؛ أي: بعد الخمس (١). قال في "الفروع": ولا يعدل شيءٌ عند الإمام أحمد الخروجَ في السرية مع غلبة السلامة؛ لأنه أنكى، وأن يجعل لمن عمل ما فيه غَناء جُعلًا كمن نقب، أو صعد هذا المكان، أو جاء بكذا، فله من الغنيمة، أو منه كذا، ما لم يجاوز ثلث الغنيمة بعدَ الخمس، نص عليه الإمام أحمد (٢). وروى الإمام أحمد، وأبو داود عن حبيب بن سلمة: أن النبي ﷺ نفل الربعَ بعدَ الخمس في بدأته، ونفل الثلث بعد الخمس في رجعته (٣). وروى الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه عن عبادة بن الصامت ﵁: أن النبي ﷺ كان ينفل في البدأة الربعَ، وفي الرجعة الثلثَ (٤). وفي رواية عند الإمام أحمد: كان إذا أغار في أرض العدو، نفل الربعَ،

стр. 3993

وإذا أقبل راجعًا وكُلَّ الناسِ نفل الثلثَ. وكان يكره الأنفال، ويقول: "ليردَّ قويُّ المؤمنين على ضعيفهم" (١). وقيل: إن النفل من خمس الخمس، وهذا مقتضى كلام الفقهاء غيرِ أصحابنا. والأحاديث مصرِّحة بأن النفلَ من أصل الغنيمة بعدَ الخمس الذي لله ورسوله ولذي القربى؛ كما في الآية الكريمة. قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "السياسة الشرعية": للإمام أن ينفِّل من ظَهَرَ منه زيادةُ نكاية؛ كـ: سريةٍ سرت من الجيش، أو رجلٍ صَعِد على حصن ففتحه، أو حمل على مقدَّم العدو فقتله، فهزم العدو، ونحو ذلك؛ فإن النبي ﷺ وخلفاءَه كانوا ينفِّلون لذلك، وكان ﷺ ينفل السرية في البدأة الربعَ بعدَ الخمس، وفي الرجعة الثلثَ بعدَ الخمس. قال: وهذا النفل قال بعض العلماء: إنه يكون من الخمس. وقال بعضهم: إنه يكون من خمس الخمس؛ لئلا يفضل بعض الغانمين على بعض. قال: والصحيح: أنَّه يجوز من أربعة أخماس الغنيمة، وإن كان فيه تفضيل بعضهم على بعض لمصلحة دينية، لا لهوى النفس؛ كما فعل النبيُّ ﷺ غيرَ مرةٍ. قال: وهذا قول فقهاء الثغر، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم، وعلى هذا فقد قيل: له أن ينفل الربعَ والثلثَ بشرطٍ وغيرِ شرطٍ، وينفل الزيادة على ذلك بالشرط؛ بأن يقول: من دَلَّني على قلعة، فله كذا، وقيل:

стр. 3994

لا ينفل زيادةً على الثلث، ولا ينفِّلُه إلا بالشرط. قال: وهذان قولان للإمام أحمد وغيرِه. قال: وكذلك على القول الصحيح للإمام أن يقول: من أخذ شيئًا، فهو له (١)، انتهى. قال الإمام صدرُ الوزراء ابنُ هبيرة: إذا قال الإمام: من أخذ شيئًا، فهو له، فأبو حنيفة يقول: هو شرط صحيح يجوز للإمام أن يشرطه، إلا أن الأولى أَلَّا يفعل. وقال مالك: يكره له ذلك. وقال الشافعي: ليس بشرط لازم، في أظهر القولين عنه. وقال أحمد: هو شرط صحيح، وهو من الخُمس، لا من أصل الغنيمة (٢)، انتهى. قلت: الذي استقر عليه مذهب الإمام أحمد ﵁: أنَّه يحرم قول الإمام: من أخذ شيئًا، فهو له، ولا يستحقه، وقيل: يجوز لمصلحة، ويجوز تفضيل بعض الغانمين على بعض؛ لغَناء فيه؛ كشجاعة ونحوها، وإلا حرم (٣)، والله تعالى الموفق.

стр. 3995

الحديث الثامن عشر عَنْ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنا السِّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا" (١). * * * (عن أبي موسى عبد الله بن قيس) الأشعريِّ (﵁)، وتقدمت ترجمته في باب: السواك، (عن النبي ﷺ : أنَّه قال: من حمل علينا السلاح) لقتالنا، (فليس) هو (مِنَّا)؛ أي: على طريقتنا وتمام شريعتنا؛ لما في ذلك من إدخال الرعب على المسلمين؛ بخلاف ما إذا حمله لحفظهم وحراستهم؛ فإنَّه يحمله لهم لا عليهم.
следующие страницы →