الاستضعاف وأحكامه في الفقه الإسلامي
تأليف
د. زياد بن عابد المشوخي
عضو هيئة التدريس بجامعة الأمير سلطان - الرياض
إصدارات
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية
بتمويل الإدارة العامة للأوقاف
دولة قطر
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أصل هذا الكتاب
رسالة تقدم بها الباحث إلى كلية الشريعة والقانون ضمن تخصص الفقه المقارن لنيل درجة الدكتوراه، في جامعة أم درمان الإِسلامية، السودان، بتاريخ ٢٢/ ٩ / ١٤٣٢ هـ الموافق ٢٢/ ٨ / ٢٠١١ م.
وقد تشكلت لجنة المناقشة من:
١) فضيلة الأستاذ الدكتور/ حسن محمد الأمين (عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة أم درمان الإِسلامية سابقا، ومدير معهد البحوث والدراسات الإستراتيجية) .... (مشرفًا).
٢) فضيلة الأستاذ الدكتور/ موسى محمد عثمان (رئيس قسم الفقه المقارن) .... (مناقشًا).
٣) فضيلة الأستاذ الدكتور/ الطاهر عبد الكريم ساتي - عميد كلية الشريعة بجامعة القرآن الكريم .... (مناقشًا).
стр. 3
مقدمة كتاب الاستضعاف وأحكامه في الفقه الإسلامي
الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فإن وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بدولة قطر -وقد وفقها اللَّه لأن تضرب بسهم في نشر الكتب النافعة للأمة- لَتحمد اللَّه على أن ما أصدرته قد نال الرضا والقبول من أهل العلم.
والمتابع لحركة النشر العلمي لا يخفى عليه جهود دولة قطر في خدمة العلوم الشرعية، ورفد المكتبة الإِسلامية بنفائس الكتب القديمة والمعاصرة؛ وذلك منذ تسعة عقود، عندما وجَّه الشيخ عبد اللَّه بن قاسم آل ثاني -حاكم قطر آنذاك- بطباعة كتابي (الفروع) و (تصحيح الفروع)، سنة ١٣٤٥ هـ، وكان المؤسس الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني -رحمه اللَّه تعالى- قد سنَّ تلك السنة من قبل.
وقد جاء مشروع إحياء التراث الإِسلامي والنشر العلمي الذي بدأته الوزارة في السنوات الأخيرة امتدادًا لتلك الجهود، وسيرًا على تلك المحجة التي عُرفت بها دولة قطر.
ومنذ انطلاقة هذا المشروع المبارك يسَّر اللَّه جلَّ وعلا للوزارة إخراج مجموعة من أمهات كتب العلم والدراسات المعاصرة المتميزة في فنون مختلفة، تُطبع لأول مرة، نذكر منها:
في التفسير وعلوم القرآن:
- أصدرت الوزارة عدة كتب منها: (فتح الرحمن في تفسير القرآن) للعُليمي، و (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) لابن عطية في طبعته الثانية.
- وفي علم رسم المصحف أصدرت الوزارة: كتاب (مرسوم المصحف) للعُقيلي، و (الدرة الصقيلة في شرح أبيات العقيلة) لأبي بكر اللبيب.
стр. 4
- وفي علم القراءات أصدرت الوزارة كتاب: (البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة) لأبي حفص النشار، و (معاني الأحرف السبعة) لأبي الفضل الرازي.
وفي السنة النبوية وشروحها:
أصدرت الوزارة عدة كتب، منها: (التقاسيم والأنواع) لابن حبان، و (مطالع الأنوار) لابن قرقول، و (التوضيح شرح الجامع الصحيح) لابن الملقن، و (حاشية مسند الإِمام أحمد) للسندي، وشرحان لموطأ الإمام مالك؛ لكُلٍّ من (القنازعي)، و (البوني)، و (المخلصيات) لأبي طاهر المخلص، و (شرح مسند الإِمام الشافعي) للرافعي، و (نخب الأفكار شرح معاني الآثار) للعيني، و (مصابيح الجامع) للدَّمَاميني.
ومما تشرفت الوزارة باصداره في تحقيق جديد متقن: (صحيح ابن خزيمة)، و (السنن الكبرى) للإمام النسائي، والمحقَّقان على عدة نسخ خطية، و (جامع الأصول في أحاديث الرسول)، و (النهاية في غريب الحديث) لابن الأثير.
وفي الفقه وما يتصل به:
أصدرت الوزارة عدة كتب في المذاهب الأربعة، منها: كتاب: (الأصل) لمحمد بن الحسن الشيباني (ت ١٨٩ هـ) كاملًا محققًا على أصول عدة، و (التبصرة) للخمي، و (نهاية المطلب في دراية المذهب) للإمام الجويني بتحقيقه المتقن للأستاذ الدكتور عبد العظيم الديب -رحمه اللَّه تعالى- عضو لجنة إحياء التراث الإِسلامي، و (حاشية الخلوتي).
كما أصدرت الوزارة: (الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف) للإمام ابن المنذر بمراجعة دقيقة للشيخ الدكتور عبد اللَّه الفقيه عضو لجنة إحياء التراث الإِسلامي، و (بغية المتتبع لحل ألفاظ روض المربع) للعوفي الصالحي، و (منحة السلوك في شرح تحفة الملوك) للعيني.
стр. 5
وفي السيرة النبوية:
أصدرت الوزارة الموسوعة الإسنادية: (جامع الآثار في السير ومولد المختار) لابن ناصر الدين الدمشقي، وغيرها.
وفي العقيدة والتوحيد:
أصدرت الوزارة كتابًا نفيسًا لطيفًا هو: (الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد) لابن العطار تلميذ الإِمام النووي رحمهما اللَّه تعالى، كما أعادت نشر كتاب (الرد على الجهمية) للإمام أحمد رحمه اللَّه تعالى، وغيرها من كتب عقيدة أهل السنة والجماعة.
وفي مجال الدراسات المعاصرة المتميزة:
أصدرت: (القيمة الاقتصادية للزمن)، و (نوازل الإنجاب)، و (مجموعة القره داغي الاقتصادية)، و (التعامل مع غير المسلمين في العهد النبوي)، و (صكوك الإجارة)، و (الأحكام الفقهية المتعلقة بالتدخين)، و (التورق المصرفي)، و (حاجة العلوم الإِسلامية إلى اللغة العربية)، و (روايات الجامع الصحيح ونسخه دراسة نظرية تطبيقية)، وغيرها.
كما قامت الوزارة بشراء وتوزيع أجود الطبعات من بعض الكتب المطبوعة لما لها من أهمية، مثل: (مسند الإِمام أحمد)، و (صحيح الإِمام مسلم)، و (الجامع لأحكام القرآن) للقرطبي، و (الجامع لشعب الإيمان) للبيهقي، و (تاريخ الخلفاء) للسيوطي، و (التاريخ الأندلسي) لعبد الرحمن علي الحجي، و (الإقناع في مسائل الإجماع) لابن القطان الفاسي، و (شرح العقيدة الطحاوية) لابن أبي العز الحنفي، و (قواعد الأحكام في إصلاح الأنام) للعز بن عبد السلام.
ومثل (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) لأبي الحسن الندوي، و (الرسالة المحمدية) لسليمان الندوي، وغيرها.
واليوم يسرنا أن تقدم لإصدار جديد هو كتاب: (الاستضعاف وأحكامه في الفقه الإِسلامي) لمؤلفه د. زياد بن عابد المشوخي، وهو أطروحة نال بها الباحث درجة
стр. 6
الدكتوراه، تناول فيها حالات الاستضعاف التي مرَّت بالأمة عبر عصورها، وكيفية تعامل علماء الأمة معها، وتأتي أهمية الكتاب في محاولة تتبع حالات الاستضعاف ومظاهره، ودراسة مسائله دراسة فقهية، وبيان أحكامها.
وقد قام الباحث بتعريف الاستضعاف ومظاهره، والفرق بينه وبين المصطلحات المشابهة، ثم ذكر الأحكام الخاصة به وضوابطها، ثم تعرض للموقف الشرعي تجاه ما يعرض للأمة في مرحلة الاستضعاف، متبعًا في ذلك المنهج الاستقرائي الوصفي، ومستعينًا بالمنهج التحليلي الاستنباطي.
ونرى أن هذا الكتاب مما تحتاجه الأمة في هذا الزمن الذي يحاول فيه مخلصوها النهوض بها من الكبوة، والخروج بها من الأزمة.
والحمد للَّه على توفيقه ونسأله المزيد من فضله.
وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
إدارة الشؤون الإِسلامية
стр. 7
تقريظ
الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول اللَّه، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد أطلعني الأخ الدكتور/ زياد بن عابد المَشوخي/ على مسودة كتابه: (الاستضعاف وأحكامه في الفقه الإِسلامي)، الذي أصله رسالة علمية، نال بها درجة الدكتوراه في الفقه الإِسلامي، فسررتُ لذلك العنوان والموضوع؛ لما أعهده في المؤلف الفاضل أثناء تدريسي له من همة عالية، وفكر متفتح، وثقافة واسعة، وجدية ظاهرة في استيعاب ما يقوم به من جهد علمي، واعتدال في المنهج.
وقد اشتمل هذا الكتاب على جهد واضح، ومنهج علمي سليم، وعناوين رئيسة وجانبية، واضحة ومعبِّرة، ومسائل وقضايا وموضوعات كثيرة قديمة ومعاصرة، تكرر حدوثها في حياة المسلمين، في الديار الإِسلامية، وفي خارجها، على صعيد الأفراد، والجماعات، والدول، وكثر السؤال عن أحكامها الشرعية.
فجاء هذا الكتاب القَيِّم ليُفردها بالجمع، والبحث، والتحليل، والدراسة، والمقارنة مع حالات الاستضعاف التي مرت بالمسلمين السابقين في العهد المكي، وفي غيره من الفترات، لاستثنائية التي مرت بالمسلمين، أفرادًا، وجماعات، ودولًا.
فبين أحكام ذلك كله، استنادًا إلى نصوص الكتاب والسنة، واجتهادات الفقهاء الأثبات الأتقياء من سلف هذه الأمة، ومن تبعهم بإحسان، ووازن بين تلك الأقوال، واختار ما هو الأنسب لحال المسلمين المستضعفين، من غير شذوذ ولا إغراب في الاختيار، ولا خضوع للمؤثرات والضغوط التي حلت بالمسلمين، ولا خروج على نصوص الشريعة ومقاصدها.
стр. 8
كما جاء هذا الكتاب بأسلوب علمي رصين، وعبارات واضحة سهلة، وتوثيق ممتاز، لا تخلو فيه كل صفحة من مراجع عديدة معتبرة، بلغ عددها في الفهرس المخصص لها حوالي (٤٠٠) مرجع، من شتى أصناف العلوم والفنون والمعارف والثقافات.
يضاف إلى هذا شيء آخر على جانب من الأهمية، وهو ما اتصف به المؤلف من وعي وتبصُّر في فهم النصوص الشرعية ومقاصدها، وفي أحوال المسلمين المستضعفين، مع صدق في السريرة، وحماس ظاهر لهذا الدين الحق، وإيمان مطلق، بأن الاستضعاف في حياة المسلمين هو حالة استثنائية، لا ينبغي أن تؤثِّر فيهم، أو توهن من عزائمهم، بل عليهم أن يشخِّصوا أسباب الاستضعاف الداخلية والخارجية، ويعالجوها بموضوعية، وصدق، وجدية؛ لينهضوا من كبوتهم، كما نهض المسلمون السابقون في حالات الاستضعاف التي نزلت بهم، فالمستقبل للإسلام كما وعد بذلك ربنا سبحانه في قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، وفي قوله أيضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
وأخيرًا: لا بد من القول: إن هذا الكتاب يستحق القراءة بإمعان وتدبر، من بدايته إلى نهايته، وسيكون -إن شاء اللَّه- مرجعًا في بابه. . .
أسأل اللَّه تعالى أن ينفع بهذا الجهد، ويثيب المؤلف على ما بذل، ويوفقه إلى مزيد من العطاء العلمي. والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات. . .
أ. د. حسن عبد الغني أبو غدة
أستاذ الفقه المقارن والسياسة الشرعية
كلية التربية. جامعه الملك سعود
стр. 9
المقدمة
إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣). . . أما بعد:
لقد شاء اللَّه وقدر أن يكون الصراع بين الحق والباطل قائمًا، وأن تكون الغلبة للباطل أحيانًا وإن كانت العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٥).
والمتأمل في السيرة النبوية يجد الفرق واضحًا بين الأحكام في المرحلة المكية والأحكام في المرحلة المدنية، ولقد شاءت حكمة اللَّه أن تمر الدولة الإِسلامية الأولى
стр. 10
بظروف متنوعة لتستلهم الأجيال منها العبر والدروس وكذلك الأحكام، بحسب اختلاف تلك الظروف والأحوال.
ولم يغفل الفقهاء ﵏ في كتبهم دراسة أحكام مرحلة الاستضعاف، وإن كان بحثهم لمسائل وأحكام استضعاف الأفراد أكثر استفاضة من أحكام استضعاف الأمة والدولة الإِسلامية، وذلك تحت مباحث عوارض الأهلية ومنها: الإكراه والإلجاء.
والأمة الإِسلامية تمر بمرحلة الاستضعاف، وقد تكون أسباب الاستضعاف من الخارج أو الداخل، وربما تجتمع عليها لتكون من الخارج ومن الداخل، لذا فإن هذا الموضوع بحاجة إلى الدراسة وجمع مسائله وأقوال الفقهاء فيه مع بيان أدلتها وتحليلها وموازنتها والتخريج عليها، مع يقيننا بتغير الأحوال مستقبلًا وعودة الأمة الإِسلامية لقيادة البشرية وانقاذها من جحيم وويلات البعد عن شريعة اللَّه .
والبشائر بعودة المسلمين للريادة والقيادة ظاهرة ولله الحمد، ولكن التمكين لهذه الأمة لن يكون دون ثمن وتضحية وتمحيص في مرحلة الاستضعاف، قال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (١).
فمن رحم الظلام يولد الصباح، وتكون مرحلة التمكين بإذن اللَّه ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، فمرحلة الاستضعاف هي مقدمة لمرحلة التمكين للأمة بإذن اللَّه.
стр. 11
أهمية البحث:
تظهر أهمية البحث من خلال النقاط التالية:
١ - إيضاح مفهوم الاستضعاف ومظاهره وكيفية التعامل معه.
٢ - الحاجة إلى جمع المسائل وبيان الأحكام المتصلة بهذا الموضوع.
٣ - ارتباط الموضوع بالحياة العملية للشعوب الإِسلامية في مناطق شتى.
٤ - ارتباط هذا الموضع بالعلاقات الدولية بين الدولة الإِسلامية والدول غير الإسلامية.
٥ - وجود نوازل معاصرة مرتبطة بالموضوع مما يتطلب بحثها ودراستها.
أهداف البحث:
يهدف هذا البحث إلى أمور منها:
١ - محاولة حصر حالات الاستضعاف ومظاهرها.
٢ - دراسة مسائل استضعاف الأمة الإِسلامية دراسة فقهية مفردة وبيان أحكامها.
٣ - وضع الضوابط التي تحدد مواقف وتصرفات الأمة الإِسلامية وولاة أمرها في مرحلة الاستضعاف.
٤ - الاستفادة من تجربة الدولة الإِسلامية الأولى وتنزيل أحكامها على بعض القضايا المعاصرة، مع مراعاة المتغيرات.
٥ - الاستفادة من مبادىء سد الذرائع والمصالح المرسلة ونحوها تجاه ما يمر به المسلمون حاليًا.
أسئلة البحث:
يجيب البحث عن عدد من الأسئلة ومنها:
١. ما مفهوم الاستضعاف؟ وما مظاهره؟
стр. 12
٢. ما الفرق بين الاستضعاف وغيره من المصطلحات المشابهة له؟
٣. هل هناك أحكام خاصة بمرحلة الاستضعاف؟ وما ضوابطها؟
٤. ما الموقف الشرعي تجاه ما يعرض من مشكلات للأمة في مرحلة الاستضعاف؟
الدراسات السابقة:
إن موضوع استضعاف الأمة لم تتم دراسته دراسة فقهية مفردة فيما اطلعت عليه في المكتبات والمراكز البحثية، وبعد عرض الفكرة على عدد من الأساتذة والباحثين واستشارتهم أشاروا إلى جدته وعدم وجوده في دراسة فقهية مستقلة وحبذوا دراسته والبحث فيه.
وينبغي الإشارة هنا إلى وجود عناوين عديدة لمؤلفات أو مقالات تتعلق بمواضيع ذات صلة بمرحلة الاستضعاف، أو بدراسة بعض حالات الاستضعاف، كحالة استضعاف الفرد الذي غالبًا ما يتم علاجه وبحثه تحت مسمى الإكراه، وبعض هذه الدراسات والمقالات يغلب عليها الطابع الفكري لا الفقهي أو التأصيلي (١).
وهناك العديد من الكتب والأبحاث والمقالات التي عالجت جانبًا من جوانب الاستضعاف وتطرقت لبعض حالاتة وذلك في الكتابات والدراسات التي عُنيت بفقه
стр. 13
الأقليات، وكذلك تلك التي عُنيت بأحكام الأسرى (١).
لذلك عزمت على البحث في هذا الموضوع لأهميته والحاجة إليه في الحياة العملية للشعوب والدول الإِسلامية.
منهج الدراسة:
اتبعت في دراسة هذا الموضوع المنهج الاستقرائي الوصفي عبر الرجوع ما أمكنني إلى كتب التفسير والحديث والفقه والسيرة النبوية وكتب السياسة الشرعية والمقاصد مقارنًا ذلك بالمنهج التحليلي الاستنباطي، حيث أقف على النصوص وأحاول أن أسبر أغوارها وأقارن بينها واختار منها ما أرى وجاهة دليله من الأقوال.
حدود الدراسة:
اقتصرت هذه الدراسة على أقوال المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وربما أذكر أقوال فقهاء آخرين.
كما وضعت قواعد وضوابط للأحكام من خلال دراسة أبرز الأمثلة على تلك الحالات المتنوعة للاستضعاف وخاصة المتصلة بالفقه السياسي.
إجراءات الدراسة:
١ - عزوت الآيات بذكر اسم السورة ورقم الآية.
стр. 14
٢ - قمت بتخريج الأحاديث والآثار من مصادرها، وبيان درجتها من الصحة أو الضعف بحسب كلام العلماء، وما كان في الصحيحين أو أحدهما فاكتفيت بالعزو إليه.
٣ - عزوت أقوال المذاهب إلى أصحابها من المصادر الأصلية المعتمدة.
٤ - رجعت إلى كتب فقهاء المذاهب الأربعة، وجمعت أدلتهم وناقشتها، واخترت القول الراجح مع ذكر سبب الترجيح، واستفدت مما كتبه المعاصرون من حيث الأفكار والتبويب والتقسيم والترتيب.
٥ - ذكرت عنوان المرجع والموضع -الصفحة والجزء إن وجد- دون اسم المؤلف، إلا في حالة تكرار العنوان لمؤلف آخر فإني أذكر اسم المؤلف.
٦ - أتبعت قول كل فريق بأدلته من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو المعقول أو غيرها من الأدلة مع بيان وجه الاستدلال.
٧ - أتبعت أدلة كل قول بما وجه إليه من مناقشة أو اعتراض من قبل الفريق الآخر، أو من عندي إن ظهر لي ضعف الاستدلال، فإن كان ما وجه إلى الدليل منصوصًا عليه فإني أُحيل إلى المرجع.
٨ - أنهيت كل مسألة بذكر ما يترجح لدي من أقوال العلماء ذاكرًا سبب الترجيح، وخلاصة ما بعثت فيها.
٩ - رجعت إلى كتب التفسير وشروح الأحاديث ومواضع السيرة النبوية ذات الصلة بالموضوع.
١٠ - ترجمت للأعلام الواردة في البحث باختصار ما عدا المشهورين منهم.
١١ - قمت بشرح الألفاظ الغريبة والمصطلحات العلمية الواردة في البحث.
١٢ - وضعت خاتمة للبحث متضمنة أهم النتائج والتوصيات.
стр. 15
وضعت فهارس للآيات والأحاديث النبوية والتراجم والمراجع والموضوعات.
وإني إذ أكتب عن أحكام الاستضعاف، فما هذا إلا للانطلاق نحو التمكين بإذن اللَّه، وليس المراد التأصيل للاستثناء بل للحث على العودة إلى الأصل.
هذا، وأحمد اللَّه على عونه وتوفيقه وتيسيره ومنه وفضله وكرمه، وأسأله التوفيق لشكره، وأن يجعل ما كتبت من العلم الذي ينتفع به، وأن يتقبله بقبول حسن، وأن ينصر المسلمين المستضعفين في كل مكان، وأن يمكن لهم في الأرض.
стр. 16
الشكر والتقدير:
يطيب لي أن أتقدم بالشكر والتقدير لوالدي الكريمين اللذين شجعاني على طلب العلم منذ طفولتي، وزوجتي التي وقفت إلى جانبي وهيئت لي أسباب البحث، وكذلك كل من ساهم معي في هذا البحث برأي أو نصيحة أو مراجعة من مشايخي وزملائي، فجزاهم اللَّه خير الجزاء وكتب لهم الأجر والثواب.
* * *
стр. 17
الباب الأول تعريف الاستضعاف وأنواعه ومظاهره
وفيه فصلان
الفصل الأول: تعريف الاستضعاف.
الفصل الثاني: أنواع الاستضعاف ومظاهره.
стр. 18
الفصل الأول: تعريف الاستضعاف
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الاستضعاف.
المبحث الثاني: الاستضعاف في القرآن الكريم.
المبحث الثالث: الاستضعاف في الأحاديث النبوية.
المبحث الرابع: بيان الألفاظ ذات الصلة.
المبحث الخامس: المقارنة بين الاستضعاف والألفاظ ذات الصلة.
стр. 19
المبحث الأول: تعريف الاستضعاف
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الاستضعاف لغة
الضعف مصدر ضعف: (الضاد والعين والفاء) أصلان متباينان، يدل أحدُهما على خلاف القوة وهو المراد هنا، ويدل الآخر على أن يزاد الشيءُ مثله. فالأول: الضَّعف والضُّعف، وهو خلاف القوة، يقال: ضَعُفَ يضعُف، ورجل ضعيف وقوم ضُعفاءُ وضِعافٌ (١).
ويُقال: أضعفت فلانًا، أي: وجدته ضعيفًا، وضعفته، أي: صيرته ضعيفًا، واسْتَضْعَفَه وتَضَعَّفَه: وجده ضعيفًا فركبه بسُوء، واسْتَضْعَفَهُ: أي عدَّه ضعيفًا (٢).
ونخلص مما سبق أن كلمة الاستضعاف مأخوذة من الضَّعف وهو ضد القوة، إلا أن الاستضعاف نتيجة فعل واقع من الغير على الشخص الضعيف أو الذي اعتبر ضعيفًا، وهو يقع على الفرد كما يقع على الجماعة.
* * *
المطلب الثاني: تعريف الاستضعاف اصطلاحًا
لم يتطرق الفقهاء للاستضعاف بشكل خاص، وإنما بحثوا مسائله في أبواب متفرقة، كما اعتنوا بوضع القواعد العامة والضوابط التي تحكم مرحلة الاستضعاف عند تطرقهم لمسائل الضرورة والحاجة والإكراه.
стр. 20
وقد أشار بعض الباحثين لمراحل تأسيس الدولة الإِسلامية على عهد النبي ﷺ وذكر أنها مرت بمرحلتين:
الأولى: الاستضعاف.
والثانية: التمكين، والتي كانت وفق مراحل زمنية متعددة (١).
كما عبر عنها البعض بحالة الضعف، ووصفها بأنها: الحالة التي لا يقدر المسلمون فيها على إظهار دينهم وإقامة شعائرهم خوفًا من بطش عدوهم (٢).
ولم أعثر على تعريف للاستضعاف فيما اطلعت عليه من الكتب الفقهية والأصولية، وقد عرَّفت مرحلة الاستضعاف عند بعض المعاصرين بأنها: "المرحلة التي تمرُّ بها الدعوة الإِسلامية في ظل صراع مع منهج غير إسلامي، يقوم على الظلم والعدوان ومصادرة الحقوق، يتزامن -مع ذلك- عمل المسلمين الجاد للخُروج من قيد الاستضعاف إلى التمكين" (٣).
والتعريف السابق اقتصر على الدعوة الإِسلامية، كما أنه لم يشر إلى استضعاف الأفراد، ولعله ومن خلال ما مضى يمكننا القول بأن الاستضعاف هو: "الحالة التي يكون فيها الفرد المسلم أو الجماعة المسلمة ضعفاء، بحيث لا يقدرون على إظهار الإِسلام وشعائره أو تطبيقها كلها أو بعضها بسبب عدو أو سطان جائر".
* * *
стр. 21
المبحث الثاني: مفهوم الاستضعاف في القرآن الكريم
ورد الاستضعاف في القرآن الكريم (١) بلفظ اسْتُضْعِفُوا، ومُسْتَضْعَفِينَ، ومُسْتَضْعَفُونَ، واستضعفوني، ويستضعف، وكذلك المسْتَضْعَفِينَ، وذلك في ثلاث عشرة آية وفي خمس سور هي كالتالي:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٢).
﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾: استذلوني وعدوني ضعيفًا، وكادوا أي: قاربوا يقتلونني" (٣)، ودلت الآية: "على أن لمن خشي القتل عند تغيير المنكر أن يسكت عنه" (٤).
ولقد حاول هارون ﵇ منع بني إسرائيل من اتخاذ العجل وعبادته، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ (٥)،
стр. 22
فرد القوم عليه بقولهم: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ (١) أي: لا نترك عبادته حتى نسمع كلام موسى فيه، وخالفوا هارون في ذلك وحاربوه وكادوا أن يقتلوه، ولما رجع موسى ﵇ غضب على هارون ﵇، وقال له: هلا قاتلتهم وقد علمت أني لو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم، وقيل: أن لا تتبعني، أي ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم فتكون مفارقتك إياهم تقريعا وزجرا لهم عما أتوه، فاعتذر هارون ﵇ بأنه خشي لو أنكر عليهم أن يصيروا حزبين يقتل بعضهم بعضا، فتقول أنت فرقت بين بني إسرائيل ولم تحفظ وصيتي حين قلت لك اخلفني في قومي وأصلح أي: ارفق بهم، وكان الإصلاح في حفظ الدماء والمدارة لهم (٢)، قال تعالى ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ (٣).
٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٤). " ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ﴾: استكبر وتجبر وتعظم، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: أرض مصر، ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾: فرقا وأصنافا في
стр. 23
الخدمة والتسخير، ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾: أراد بالطائفة: بني إسرائيل، ثم فسر الاستضعاف فقال: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾: سمى هذا استضعافا لأنهم عجزوا وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم" (١).
"وقد سلط عليهم هذا الملك الجبار العنيد يستعملهم في أخس الأعمال ويكُدُّهُم ليلًا ونهارًا في أشغاله وأشغال رعيته، ويقتل مع هذا أبناءهم ويستحيي نساءهم إهانة لهم واحتقارًا، وخوفًا من أن يوجد منهم الغلام الذي كان قد تخوف هو وأهل مملكته من أن يوجد منهم غلام يكون سبب هلاكه وذهاب دولته على يديه" (٢).
٣ - قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (٣) أي: قال الجماعة الذين استكبروا من قوم صالح من الأشراف والقادة للذين استضعفوا يعني لأهل المسكنة من أتباع صالح والمؤمنين به منهم دون ذوي شرفهم وأهل السؤدد منهم (٤). "والاستفهام في قوله جل شأنه: ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: للاستهزاء؛ لأنهم يعلمون أنهم عالمون بذلك، ولذلك لم يجيبوهم على مقتضى الظاهر كما حكى سبحانه عنهم بقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾: فإن الجواب الموافق لسؤالهم نعم أو نعلم أنه مرسل منه تعالى" (٥).
стр. 24
"وكون المؤمنين مستضعفين معناه: أن غيرهم يستضعفهم ويستحقرهم، وهذا ليس فعلًا صادرًا عنهم، بل عن غيرهم، فهو لا يكون صفة ذم في حقهم، بل الذم عائد إلى الذين يستحقرونهم ويستضعفونهم" (١).
٤ - قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (٢)، "أي: ننعم على الذين استضعفوا وهم بنو إسرائيل، ونجعلهم أئمة يُقتدى بهم في الخير، وقال قتادة: ولاة وملوكا ونجعلهم الوارثين لملك فرعون بعد غرقه" (٣) , "وهذه سنته تعالى فيمن يريد رفعه من خلقه، أن يمن عليه بعد استضعافه وذله وانكساره" (٤).
٥ - قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ (٥).
٦ - وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ (٦).
٧ - وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي
стр. 25
أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١)، وفي هذه الآيات وصف لحال الأشراف والقادة مع الأتباع يوم القيامة، وفيه تنبيه للكفار على أن طاعة بعضهم لبعض في الدنيا تصير سببا للعداوة في الآخرة (٢).
فلم يقبل اللَّه عذر المستضعفين في إتباعهم للمستكبرين، بل وصفهم سبحانه بذات الوصف وهو الظلم، أما المستكبرين أنفسهم فقد وصفوا أتباعهم من المستضعفين بأنهم مجرمين.
٨ - قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (٣)، أخبر تعالى أنه أورث بني إسرائيل الذين كان يستضعفهم فرعون وملأه مشارق الأرض ومغاربها (٤). قال ابن كثير ﵀: "فإن اللَّه تعالى لما أهلك فرعون وجنوده استقرت يد الدولة الموسوية على بلاد مصر بكمالها" (٥).
٩ - قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٦)، ينبه تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم وإحسانه إليهم، حيث كانوا قليلين فكثرهم، ومستضعفين خائفين فقداهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات، واستشكرهم فأطاعوه، وامتثلوا جميع ما أمرهم. وهذا كان حال المؤمنين حال مقامهم بمكة قليلين
стр. 26
مستخفين مضطهدين يخافون أن يتخطفهم الناس من سائر بلاد اللَّه، من مشرك ومجوسي ورومي، كلهم أعداء لهم لقلتهم وعدم قوتهم، فلم يزل ذلك دأبهم حتى أذن اللَّه لهم في الهجرة إلى المدينة، فآواهم إليها، وقيض لهم أهلها، آووا ونصروا يوم بدر وغيره وواسوا بأموالهم، وبذلوا مهجهم في طاعة اللَّه وطاعة رسوله ﷺ (١).
وصيغة الأمر في الآية: ﴿اذْكُرُوا﴾ تدل على تحتم ذكر النعمة بذلك، وإذًا فلا مانع من كون الحكمة في بقاء حكم الرمل (٢) هي تذكر نعمة اللَّه بالقوة بعد الضعف، والكثرة بعد القلة، ومما يؤيده أن رسول اللَّه ﷺ رمل في حجة الوداع بعد زوال العلة المذكورة (٣).
١٠ - قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (٤)، أي: ما لكم لا تسعون في خلاص هؤلاء الضعفاء المساكين حتى يسلم اللَّه هؤلاء ودينهم، قال ابن عباس ﵄: (وهم ناس مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا، والقرية: مكة في قول الجماعة) (٥)، وذكر
стр. 27
الولدان في الآية يشير إلى ظلم قريش للمستضعفين، حتى بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين؛ إرغاما لآبائهم وأمهاتهم (١).
والآية فيها حث من اللَّه لعباده المؤمنين وتهييج لهم على القتال في سبيله، وأن ذلك قد تعين عليهم، لتخليص المستضعفين، بل وتوجه اللوم العظيم عليهم بترك نصرتهم، وقد استجاب اللَّه دعاء المستضعفين بأن يسر لبعضهم الخروج إلى المدينة، ويسر لبعضهم الخروج مع أبي بصير (٢) وأبي جندل (٣) ﵄ بعد صلح الحديبية، وجعل لمن بقي منهم
стр. 28
خير ولي وناصر بفتح مكة على نبيه ﷺ فتولاهم ونصرهم ثم استعمل عليهم عتاب بن أسيد ﵁ (١) فحماهم ونصرهم حتى صاروا أعز أهلها (٢).
١١ - قال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ (٣)، المستضعفين من الولدان! الذين لا أب لهم، أكد اللَّه سبحانه أمرهم كما أكد أمر اليتامى، ويحتمل أن يريد بالمستضعفين من كان هو وأبوه ضعيفًا، واليتيم المنفرد بالضعف، ويحتمل أن يريد بالمستضعفين من رماه أهله ودفعه أبوه عن نفسه لعجزه عن
стр. 29
أمره (١)، ولقد كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات (٢).
١٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٣)، قال ابن كثير: "إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم أي بترك الهجرة قالوا: فيم كنتم؟ أي: لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة، قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، أي: لا نقدر على الخروج من البلد ولا الذهاب في الأرض" (٤).
١٣ - قال تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (٥)، قال الطبري (٦): "حيلة في المال والسبيل الطريق" (٧)، وقال
стр. 30
القرطبي (١): "الحيلة لفظ عام لأنواع أسباب التخلص، والسبيل سبيل المدينة" (٢).
والآيات الكريمة السابقة دلت على الكثير من الأحكام، ولكي نصل إلى تعريف الاستضعاف نقتصر على بيان جزء من دلالاتها، فيما يلي:
١ - وقوع الاستضعاف على الأنبياء وأتباعهم.
٢ - أن المستضعف يرخص له في بعض الأمور لا سيما إن هدد بالقتل كما جرى مع هارون ﵇.
٣ - مقابلة الاستضعاف في القرآن الكريم بالاستكبار والإفساد، والظلم والعلو.
٤ - أن الاستضعاف الواقع على المؤمنين لا يكون صفة ذم في حقهم، وإنما الذم يعود إلى المستكبرين.
٥ - من وسائل استضعاف الجماعة التفريق بينها.
٦ - الاستضعاف يعتبر من الأعذار الشرعية إذا تحققت الشروط.
٧ - عدم قبول عذر الاستضعاف على إطلاقه سواء في الدنيا أو الآخرة.
٨ - من وصايا القرآن للمستضعفين الصبر وأن التمكين يأتي بعد الاستضعاف.
٩ - من صفات المستضعفين القلة والخوف.
١٠ - وجوب نصرة المستضعفين والقتال من أجلهم.
стр. 31
١١ - أن الاستضعاف يقع على الفرد كما في قصة هارون ﵇، ويقع على الجماعة كما في قصة بني إسرائيل مع فرعون.
١٢ - من وسائل دفع الاستضعاف الهجرة في سبيل اللَّه.
١٣ - من وسائل دفع الاستضعاف الجهاد في سبيل اللَّه.
١٤ - من صفات المستضعفين قلة الحيلة وعدم معرفة السبيل.
* * *
стр. 32
المبحث الثالث: مفهوم الاستضعاف في الأحاديث النبوية
ورد ذكر الاستضعاف والمستضعفين في أحاديث، نذكر منها ما يلي:
١ - عن عبيد اللَّه قال سمعت ابن عباس ﵄ قال: (كنت أنا وأمي (١) من المستضعفين)، وفي روايةٍ قال: تلا ابنُ عباسِ: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾، فقال: (كنت أنا وأمي ممَّن عَذَرَ اللَّهُ، أنا من الولدان، وأمي من النساء) (٢).
٢ - عن أني هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة يقول. (اللهم أَنْجِ سَلَمَةَ بن هشام (٣)، اللهم أَنْجِ الوليد بن الوليد (٤)، اللهم أَنْجِ عَيَّاشَ بن
стр. 33
أبي رَبِيعَةَ (١)، اللهم أَنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ من المؤمنين، اللهم اشْدُدْ وَطْأَتَكَ على مُضَرَ (٢)، اللهم سِنينَ كسني يُوسُفَ) (٣). وقد صرح النبي ﷺ بأسماء هؤلاء الصحابة ﵃ في القنوت
стр. 34
لاشتهار خبرهم، ودعا للمستضعفين في مكة فشمل دعاؤه ﵇ الأسرى وكذلك من كان يكتم إيمانه ولم تعرف قريش أمر إسلامه.
٣ - وفي حديث الحديبية (١) قال رسول اللَّه ﷺ : (يا أبا جَنْدَلٍ اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ فإن اللَّه جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ من المُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إنا قد عَقَدْنَا بَيْنَنَا وبين الْقَوْمِ صُلْحًا فَأَعْطَيْنَاهمْ على ذلك وَأَعْطَوْنَا عليه عَهْدًا وَإنَّا لن نَغْدِرَ بهم) (٢).
وقد جعل اللَّه له وللمستضعفين معه فرجًا ومخرجًا بانحيازهم لأبي بصير ﵁، فصار بإمكان المستضعفين التأثير على العدو أكثر من الدولة الإِسلامية القائمة في المدينة؛ لعدم دخولهم في الهدنة مع قريش، فكلما سمعوا بقافلة لقريش هاجموها, ولم يكن بإمكان قريش مهاجمتهم لعدم استقرارهم وسرعة تنقلهم، حتى ناشدت قريش النبي ﷺ إلغاء شرط رد من يسلم إليها (٣).
стр. 35
٤ - عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (أَلَا أُخْبِرُكَ عَنْ مُلُوكِ الجنَّةِ) قُلْتُ: بَلَى، قال: (رَجُلٌ ضَعِيفٌ مُسْتَضْعَفٌ ذُو طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ له لو أَقْسَمَ على اللَّهِ لأَبَرَّهُ) (١)، "والمراد بالمستضعَف بفتح العين على المشهور، أي: يستضعفه الناس ويحتقرونه ويتجبرون عليه لضعفه ولفقره ورثاثته وخموله، وفي رواية بكسر العين، أي: نفسه كمال لتواضعه وضعف حاله في الدنيا، ذو طمرين بكسر فسكون إزار ورداء خلقين، لا يؤبه له، أي: لا يحتفل به" (٢).
٥ - وفي الصحيحين: (ألا أُخْبِرُكُمْ بأهل الجنة كل ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ على اللَّه لَأبَرَّهُ، ألا أُخْبِرُكُمْ بأهل النار كُلُّ عُتُلٍّ جوَّاظٍ (٣) مُسْتكْبِرٍ) (٤).
стр. 36
قال ابن الأثير ﵀ (١): "يُقال: تَضعَّفَتْهُ واسْتَضْعَفْتُه بمعنى، كما يقال: تَيَقَّنَ واسْتَيْقَنَ، يريد الذي يَتَضعَّفَهُ الناس ويَتَجَبَّرون عليه في الدُّنيا للفَقْر ورَثاثَةِ الحال" (٢).
وقال النووي ﵀ (٣): "كل ضَعِيف مُتَضَعِّف إنه الخَاضِع للَّه تعالى المُذِلّ نَفْسه له ضد المُتَجَبِّر المُسْتَكْبِر" (٤)، قال ابن حجر ﵀: "وفي رواية الإسماعيلي: مستضعف، والمراد بالضعيف من نفسه كمال لتواضعه وضعف حاله في الدنيا، والمستضعف المحتقر لخموله في الدنيا" (٥).
стр. 37
وهذا الحديث نص في تفضيل الضعيف على القوي، وقد ورد عكسه كما في قوله ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى اللَّه من المؤمن الضعيف وفي كل خير. . .) (١)، وهو نص في تفضيل القوي على الضعيف، وقد جمع الإِمام النووي ﵀ بين الحديثين فقال: "والمراد بالقوة هنا عزيمة النفس والْقَرِيحَة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه، وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات اللَّه تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها، ومحافظة عليها ونحو ذلك" (٢)، وأما مدح الضعيف "فمن حيث رقة القلوب ولينها واستكانتها لربها وضراعتها إليه" (٣)، كما يحمل مدح الضعف في حال التعامل مع المسلمين كما قال سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ. . .﴾ (٤).
٦ - قال رسول اللَّه ﷺ : (إنما ينصر اللَّه المسلمين بدعاء المستضعفين) (٥)، وقال عليه
стр. 38
الصلاة والسلام: (ابْغُوني الضُّعَفَاءَ فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ) (١).
٧ - عن أوس بن حذيفة قال قدمنا على رسول اللَّه ﷺ في وفد ثقيف فنزلوا الأحلاف (٢) على المغيرة بن شعبة وأنزل رسول اللَّه ﷺ بني مالك في قبة له فكان يأتينا كل ليلة بعد العشاء فيحدثنا قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش ويقول: (وَلا سَوَاءٌ، كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَذَلِّينَ، فَلَمَّا خَرَجْنَا إِلَى المَدِينَةِ كَانَتْ سِجَالُ الْحَرْبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُم،
стр. 39
نُدَالُ عَلَيْهِمْ وَيُدَالُونَ عَلَيْنَا) (١)، "أي ما كان بيننا وبينهم مساواة بل أنهم كانوا أولا أعز ثم أذلهم اللَّه تعالى" (٢).
ومن فوائد هذه الأحاديث:
١. بيان أصناف المستضعفين الذين عذرهم اللَّه لعجزهم عن الهجرة.
٢. دعاء النبي ﷺ للمستضعفين بالنجاة، ومشروعية الدعاء على من يستضعفهم.
٣. وصية النبي ﷺ للمستضعفين بالصبر والاحتساب.
٤. وصية النبي ﷺ للمستضعفين بالبحث عن مخارج تخلصهم من الظلم الواقع عليهم، وحثهم على التعاون فيما بينهم.
٥. مقابلة الاستضعاف بالاستكبار، وارتباط الاستضعاف بالذل والقهر والغلبة والقلة.
٦. أن النبي ﷺ عد الخروج إلى المدينة والهجرة إليها انتهاءً لمرحلة الاستضعاف التي كانت في مكة.
٧. أن اللَّه عظم من شأن المستضعفين وجعل صبرهم وجهادهم من أسباب انتصار الأمة.
* * *
стр. 40
المبحث الرابع: بيان الألفاظ ذات الصلة
تطرق الفقهاء لمصطلحات متعددة لها صلة بالاستضعاف ومنها: الإكراه والإلجاء، والاضطهاد، والإجبار، الاضطرار، ولكل كلمة دلالاتها الخاصة في اللغة، وفي استعمالات الفقهاء (١)، ولعل التعريف بكل واحد من هذه المصطلحات يظهر لنا وجه الشبه أو الفرق فيما بينها وبين الاستضعاف، وذلك من خلال المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريف الإكراه
وفيه ثلاثة فروع:
الفرع الأول: تعريف الإكراه لغة:
عرف الإكراه لغة بأنه: خلاف الرضا والمحبة، يقال: كرهت الشيء أكرهه كرها، والكره الاسم. ويقال: بل الكُره: المشقة، والكَره: أن تكلف الشيء فتعمله كارها، وأكرهه على الأمر: قهره عليه، وكره إليه الأمر، صيره كريهًا إليه، والمكره: ما يكرهه الإنسان ويشق عليه، وجمعه مكاره (٢).
"الكره المشقة التي تنال الإنسان من خارج مما يحمل عليه بإكراه، والكُره بالضم ما يناله من ذاته وهي ما يعافه، وذلك إما من حيث العقل أو الشرع، ولهذا يقول الإنسان في