← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17438

الاستضعاف وأحكامه في الفقه الإسلامي

زياد بن عابد المشوخي

Полный текст (432 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قال ابن الأثير ﵀ (١): "يُقال: تَضعَّفَتْهُ واسْتَضْعَفْتُه بمعنى، كما يقال: تَيَقَّنَ واسْتَيْقَنَ، يريد الذي يَتَضعَّفَهُ الناس ويَتَجَبَّرون عليه في الدُّنيا للفَقْر ورَثاثَةِ الحال" (٢). وقال النووي ﵀ (٣): "كل ضَعِيف مُتَضَعِّف إنه الخَاضِع للَّه تعالى المُذِلّ نَفْسه له ضد المُتَجَبِّر المُسْتَكْبِر" (٤)، قال ابن حجر ﵀: "وفي رواية الإسماعيلي: مستضعف، والمراد بالضعيف من نفسه كمال لتواضعه وضعف حاله في الدنيا، والمستضعف المحتقر لخموله في الدنيا" (٥).

стр. 37

وهذا الحديث نص في تفضيل الضعيف على القوي، وقد ورد عكسه كما في قوله ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى اللَّه من المؤمن الضعيف وفي كل خير. . .) (١)، وهو نص في تفضيل القوي على الضعيف، وقد جمع الإِمام النووي ﵀ بين الحديثين فقال: "والمراد بالقوة هنا عزيمة النفس والْقَرِيحَة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه، وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات اللَّه تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها، ومحافظة عليها ونحو ذلك" (٢)، وأما مدح الضعيف "فمن حيث رقة القلوب ولينها واستكانتها لربها وضراعتها إليه" (٣)، كما يحمل مدح الضعف في حال التعامل مع المسلمين كما قال سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ. . .﴾ (٤). ٦ - قال رسول اللَّه ﷺ : (إنما ينصر اللَّه المسلمين بدعاء المستضعفين) (٥)، وقال عليه

стр. 38

الصلاة والسلام: (ابْغُوني الضُّعَفَاءَ فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ) (١). ٧ - عن أوس بن حذيفة قال قدمنا على رسول اللَّه ﷺ في وفد ثقيف فنزلوا الأحلاف (٢) على المغيرة بن شعبة وأنزل رسول اللَّه ﷺ بني مالك في قبة له فكان يأتينا كل ليلة بعد العشاء فيحدثنا قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش ويقول: (وَلا سَوَاءٌ، كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَذَلِّينَ، فَلَمَّا خَرَجْنَا إِلَى المَدِينَةِ كَانَتْ سِجَالُ الْحَرْبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُم،

стр. 39

نُدَالُ عَلَيْهِمْ وَيُدَالُونَ عَلَيْنَا) (١)، "أي ما كان بيننا وبينهم مساواة بل أنهم كانوا أولا أعز ثم أذلهم اللَّه تعالى" (٢). ومن فوائد هذه الأحاديث: ١. بيان أصناف المستضعفين الذين عذرهم اللَّه لعجزهم عن الهجرة. ٢. دعاء النبي ﷺ للمستضعفين بالنجاة، ومشروعية الدعاء على من يستضعفهم. ٣. وصية النبي ﷺ للمستضعفين بالصبر والاحتساب. ٤. وصية النبي ﷺ للمستضعفين بالبحث عن مخارج تخلصهم من الظلم الواقع عليهم، وحثهم على التعاون فيما بينهم. ٥. مقابلة الاستضعاف بالاستكبار، وارتباط الاستضعاف بالذل والقهر والغلبة والقلة. ٦. أن النبي ﷺ عد الخروج إلى المدينة والهجرة إليها انتهاءً لمرحلة الاستضعاف التي كانت في مكة. ٧. أن اللَّه عظم من شأن المستضعفين وجعل صبرهم وجهادهم من أسباب انتصار الأمة. * * *

стр. 40

المبحث الرابع: بيان الألفاظ ذات الصلة تطرق الفقهاء لمصطلحات متعددة لها صلة بالاستضعاف ومنها: الإكراه والإلجاء، والاضطهاد، والإجبار، الاضطرار، ولكل كلمة دلالاتها الخاصة في اللغة، وفي استعمالات الفقهاء (١)، ولعل التعريف بكل واحد من هذه المصطلحات يظهر لنا وجه الشبه أو الفرق فيما بينها وبين الاستضعاف، وذلك من خلال المطالب التالية: المطلب الأول: تعريف الإكراه وفيه ثلاثة فروع: الفرع الأول: تعريف الإكراه لغة: عرف الإكراه لغة بأنه: خلاف الرضا والمحبة، يقال: كرهت الشيء أكرهه كرها، والكره الاسم. ويقال: بل الكُره: المشقة، والكَره: أن تكلف الشيء فتعمله كارها، وأكرهه على الأمر: قهره عليه، وكره إليه الأمر، صيره كريهًا إليه، والمكره: ما يكرهه الإنسان ويشق عليه، وجمعه مكاره (٢). "الكره المشقة التي تنال الإنسان من خارج مما يحمل عليه بإكراه، والكُره بالضم ما يناله من ذاته وهي ما يعافه، وذلك إما من حيث العقل أو الشرع، ولهذا يقول الإنسان في

стр. 41

شيء واحد: أريده وأكرهه بمعنى أريده من حيث الطبع، وأكرهه من حيث العقل أو الشرع" (١). فنلاحظ مما سبق، أن معاني الإكراه في اللغة تدور حول المشقة والقهر والإجبار، ومنافاة الرضا والمحبة والاختيار. الفرع الثاني: تعريف الإكراه اصطلاحًا: وأما اصطلاحًا فقد عد فقهاء الحنفية الإكراه من عوارض الأهلية، وهي: أحوال تطرأ على الإنسان بعد كمال أهلية الأداء، مما يؤثر فيها بإزالتها أو نقصانها، وفي الأحكام المترتبة عليها بالتغيير أو النقص (٢). وتنقسم عوارض الأهلية إلى قسمين هما: القسم الأول: عوارض سماوية أي: ليس للعبد فيها اختيار، ولذلك نسبت إلى السماء وهي: الجنون، والعته، والنسيان، والنوم، والغماء، والمرض، والرق، والحيض، والنفاس، والموت. القسم الثاني: عوارض مكتسبة وهي: التي يكون لكسب العباد مدخل فيها بمباشرة الأسباب، وهي نوعان إما مكتسبة (٣) من نفسه كالجهل، والسكر، والهزل، والسفه،

стр. 42

والإفلاس، والسفر، والخطأ. أو من غيره وهو الإكراه (١)، وهو الذي يعنينا من هذه العوارض. وبالنظر إلى هذه العوارض نجد أنها لا تختلف عما ذكره الفقهاء في قواعدهم الكلية كقاعدة: "المشقة تجلب التيسير" من أسباب التخفيفات، ورفع الحرج، إلا أن الفرق أنهم لما كتبوا في قاعدة المشقة ذكروا أسباب التخفيف العائدة إلى المأمور وهو ما بحث في العوارض، وبين ما هو عائد إلى المأمور به كالعسر وعموم البلوى مثلا (٢)، بل صرح الأصوليون أن مسائل العوارض مبنية على رفع الحرج، قال الأنصاري ﵀ (٣): "هذا ولما كانت مسائل الإكراه بل سائر العوارض مبنية على انتفاء الحرج في الدين أورد مسألته عقيب الإكراه متخللة بين العوارض" (٤). عرف الفقهاء الإكراه بتعريفات متنوعة واختلفت بحسب شروطهم في الإكراه ومن تلك التعريفات: (حَملُ الغَيْرِ على أَمرٍ يَكْرَهُهُ ولا يُرِيدُ مُباشَرَتَهُ لولا الحَمْل عليه" (٥). وقال

стр. 43

السرخسي ﵀ (١): "اسم لفعل يفعله المرء بغيره، فينتفي به رضاه، أو يفسد به اختياره من غير أن تنعدم به الأهلية في حق المكره أو يسقط عنه الخطاب؛ لأن المكره مبتلى، والابتلاء يقرر الخطاب" (٢). كما عرف بأنه "حمل الغير على ما لا يرضاه" (٣). وعرف أيضًا بأنه: "إجبار أحد على أن يعمل عملا بغير حق من دون رضاه بالإخافة" (٤). كما عرف الإكراه بأنه: "الإجبار وهو العمل على فعل الشيء كارها" (٥). قال الشافعي ﵀: "والإكراه أن يصير الرجل في يدي من لا يقدر على الامتناع منه من سلطان أو لص أو متغلب على واحد من هؤلاء، ويكون المكره يخاف خوفا عليه دلالة أنه إن امتنع من قول ما أمر به يبلغ به الضرب المؤلم أو أكثر منه أو إتلاف نفسه" (٦). قال ابن حجر ﵀: "الإكراه إلزام الغير بما لا يريده" (٧)، وقال ابن حزم ﵀:

стр. 44

"هو كل ما سمي في اللغة إكراها، وعرف بالحس أنه إكراه" (١). ومما مضى يمكن تعريف الإكراه بأنه: "دفع الشخص بغير حق على فعل أمر لا يرضاه. وتجدر الإشارة إلى أن الإكراه لا تأثير له في المباح، وكذلك على ترك الحرام والمكروه والمندوب، وإنما أثره في ترك الواجب وفي فعل الحرام" (٢). أما فقهاء القانون المدني فعرفوا الإكراه بأنه: ضغط غير مشروع على إرادة شخص يدفعه إلى التعاقد، أو هو إجبار شخص على أن يبرم عقدًا دون رضاه (٣)، أما الإكراه الأدبي أو المعنوي: "هو ضغط غير مادي على الإرادة يلجىء الشخص إلى ارتكاب فعل مضر" (٤). الفرع الثالث: استخدام الفقهاء لكلمة الإكراه: كما تطرق الفقهاء لمصطلحات أخرى في مسائل متعددة وعرفوها بأنها الإكراه، ومن ذلك ما جاء عند فقهاء المالكية من مسألة بيع المضغوط وفسروه بأنه المكره (٥)، ومن تلك المسائل الإغلاق وفسروه بأنه الإكراه: "لأن المكره مغلق عليه في أمره مضيق عليه في تصرفه كمن أغلق عليه باب" (٦). وكذلك من الألفاظ التي لها صلة بالاستضعاف وبالإكراه الإجبار، وقد عرف لغة بأنه: القهر والإكراه. يقال: أجبر ته على كذا حملته عليه قهرا، وغلبته فهو مجبر.

стр. 45

أما اصطلاحًا: فقد قال النووي: "وأما (المجْبُور) فهو المُكْرَه، يقال: أجبرته فهو مُجْبَر، هذه اللغة المشهورة" (١)، وقال الجصاص (٢): "الإجبار على الأمر وهو الإكراه عليه" (٣)، وإن كان يفهم من كلام بعض الفقهاء أنهم خصوا الإجبار في الإكراه بحق وممن له ولاية شرعية في حمل الغير على فعل مشروع، وبالإلزام للحكم القضائي؛ إذ استخدموا هذا المصطلح في مسائل القضاء وولاية النكاح وغيرها من المسائل (٤)، بل صرح بعضهم بأن الإجبار بحق لا يُعد إكراهًا، "الإِجْبَارِي الذي بحق لا يعد إكراها" (٥). أما الإكراه فيكون من ذي قوة أو سلطان على تنفيذ ما توعد به وفي حمل الغير على فعل غير مشروع (٦).

стр. 46

المطلب الثاني: تعريف الاضطرار وفيه فرعان: الفرع الأول: تعريف الاضطرار لغة: وهو افتعال من الضرورة وتقديره: أنه نالته الضرورة فطاوعها، والمضطر مفتعل من الضر، وأصله مضترر فأدغمت الراء وقلبت التاء طاء لأجل الضاد، والضَّرُّ ضد النفع، ورجل ذو ضَرُورةٍ أي: ذو حاجة، وقد اضْطرَّ إلى الشيء أي: أُلجىء إليه، والاضطِرارُ: الاحتياج إِلى الشيء (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ (٢)، قال ابن عباس: (هو ذو الضرورة المجهود). وقال السدي: "الذي لا حول له ولا قوة" (٣). الفرع الثاني: تعريف الاضطرار اصطلاحًا: تنوعت عبارات الفقهاء في تعريف المضطر، فمنهم من عرفه بشديد الاحْتِيَاجِ وأنه أَخَصُّ من الفقير (٤)؛ لكون الغِنَى لا يُنافي الاضْطِرَارَ إذ قد لا يتمكن من ماله حالة اضطراره (٥).

стр. 47

ومنهم من عرف الاضطرار بأنه: "الضرر الذي يصيب الإنسان من جوع أو غيره ولا يمكنه الامتناع منه" (١). "واضطره بمعنى ألجأه إليه وليس له منه بد، والضرورة اسم من الاضطرار" (٢)، فالاضطرار هو الوقوع في الضرورة. ومن الفقهاء من عرف المضطر بأنه المكره (٣)، أو المكلف بالشيء، الملجأ إليه المكره عليه (٤)، ويوضح ابن رشد ﵀ (٥) سبب هذا بقوله: وذلك أن المكره يشبه من جهة المختار، ويشبه من جهة المضطر المغلوب (٦). جاء في شرح مجلة الأحكام: "معنى الاضطرار هنا الإجبار على فعل الممنوع، والاضطرار على قسمين: أحدهما: ينشأ عن سبب داخلي، يقال له: (سماوي) كالجوع مثلا.

стр. 48

أما القسم الثاني: هو الاضطرار الناشىء عن سبب خارجي ويقال له: (اضطراري غير سماوي) وهو نوعان الإكراه الملجىء والإكراه غير الملجىء" (١). كما يتضح أن حالة الإكراه تتفق مع حالة الاضطرار في الحكم، ولكنهما تختلفان في سبب الفعل، ففي الإكراه يدفع المكره إلى إتيان الفعل المحرّم شخصٌ آخر ويجبره على العمل، أمّا في حالة الاضطرار فقد يكون الاضطرار بسبب الإكراه أو من داخل الإنسان كالجوع والمرض، فيوجد الفاعل في ظروفٍ تقتضي الخروج منها، أن يرتكب الفعل المحرّم ليدفع الضرر عن نفسه (٢). كما أن حالة الضرورة تعتبر أعم وأشد من حالة الإكراه، فالإكراه صورة من صور الضرورة، فإذا ثبتت الإباحة في حال الإكراه دل هذا على تحقق الاضطرار (٣)؛ ولذلك فإن المكره يقاس على المضطر في جواز أكل الميتة للضرورة؛ لأنه في معنى المضطر إلى التغذي بها بجامع استبقاء النفس (٤). يتضح مما سبق أن المضطر هو من وقعت عليه الضرورة، والضرورة اسم مصدر لاضطره، والفقهاء يستعملون الضرورة والاضطرار بمعنى واحد (٥).

стр. 49

المطلب الثالث: الفرق بين الضرورة والحاجة عرَّف الفقهاء الضرورة ببعفض صورها وأمثلتها (١)، وعرفها الشاطبي ﵀ (٢) تعريفًا شاملًا، فقال: "الضرورية فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين" (٣).

стр. 50

أما الحاجة فعُرفت بأنها: "دفع الضرار واستمرار الناس على ما يقيم قواهم" (١)، كما عُرفت بأنها: "حالة جهد ومشقة فهي دون الضرورة، ولا يتأتى معها الهلاك، فلذا لا يستباح بها الممنوع شرعًا" (٢)، قال الشاطبي ﵀: "الحاجيات فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تُراع دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة" (٣). يتضح من هذه التعريفات أن الضرورة والحاجة يدلان على ما يُفتقر إليه مع تفاوت درجة الافتقار، وأن الحاجة أدنى رتبة من الضرورة (٤)، والذي يراعى في حق الأفراد حقيقة الضرورة، أما فيما يعم الكافة فلا تراعى الضرورة بل يُكتفى بالحاجة الظاهرة (٥)، وأن الضرورة هي الأصل، والحاجة مكملة لها، إلا أن المحافظة على الحاجة وسيلة لحفظ الضرورة، وتركها يؤدي في النهاية إلى ترك الضرورة، كما أن استمرار الحاجة يؤدي إلى الضرورة، فإطلاق الفقهاء الحاجة على الضرورة من هذا الباب باعتبار المآل (٦)، فاستعمال

стр. 51

الحاجة بالمعنى الأعم يشمل الضرورة، وإطلاق الضرورة على الحاجة لا يضر لوجود المشقة والضرر فيهما، وإنما المحظور هو الحكم بمقتضى الضرورة في موضع الحاجة (١). والحاجة أعم من الضرورة (٢)، وهي تُعد ميزانًا لقدر ما يُباح لأجل الضرورة (٣)؛ والأحكام الثابتة بالضرورة أحكام مؤقتة تزول بزوالها، وكذلك الحاجة الخاصة، وبالتالي لا بد من تحققها في كل شخص، أما الحاجة العامة فأحكامها مستمرة، ولا يؤثر فيها بقاء الحاجة أو زوالها، ولا يشترط تحققها في كل شخص (٤). * * * المطلب الرابع: تعريف الاضطهاد ومن الألفاظ ذات الصلة بالاستضعاف الاضطهاد، والمضطهد مفتعل من الضرورة، يقال ضهد ضَهَدَه يَضْهَدُه ضَهْدًا واضْطَهَدَه ظَلَمه وقَهرَه وأَضْهَدَ به جارَ عليه، وأَكْرَهه كأَضْهَدَهُ واضْطهَدَه، ويقال: اضْطَهَدَ، فلانٌ فلانًا، إِذا اضْطَعَفَه وقَسَرَه، وهي الضُّهْدَة، يقال: رجلٌ مَضْهُودٌ ومُضْطَهَد مَقْهُور ذليل مضطر (٥).

стр. 52

إذن فمعاني الاضطهاد في اللغة تدور حول: القهر والظلم والجور والغلبة والاضطرار، والمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن هذه الدلالات اللغوية. وفي حديث ابن سيرين عن شريح (١)، قال: (سمعته يقول في رجل يضع من حقه طائفة ثم يرجع فيه، سمعته يقول للذي ترك له الحق: بينتك أنه تركه وهو يقدر على أن يأخذه، ولا يجيز الاضطهاد، ولا الضغطة) (٢). والضغطة العَصْرَةُ من الغريم، والمراد: أن يَمْطُل الغَريم بما عليه من الدَّين حتى يُضْجرِ صاحِبَ الحقِّ ثم يقول له: أَتَدَعُ منه كذا وتأخذ الباقِي مُعجَّلا؟ فيرْضى بذلك (٣)، وهذا

стр. 53

المطل إكراه وظلمُ وقهر، لا يجيز البَيع واليمين وغيرهما (١). قال ابن عباس ﵄: (ليس لِسَكْرَان ولا لِمُضْطَهَدِ طلاق) (٢). قال ابن حجر ﵀ المُضْطَهَد: "هو المغلوب المقهور، وقوله: ليس بجائز، أي: بواقع؛ إذ لا يُعقل للسكران المغلوب على عقله، ولا اختيار لِلْمُسْتكْرَهِ" (٣). وقد بين ابن القيم أن المضطهد هو من يدفع عن حقه حتى يسقط حقًا آخر، ولا يُعد هذا من الإكراه (٤). * * *

стр. 54

المبحث الخامس: المقارنة بين الاستضعاف والألفاظ ذات الصلة المباحث السابقة تظهر الفروق بين الاستضعاف والإكراه والاضطرار والإجبار والاضطهاد، ومن أبرزها: ١. أن الاستضعاف هو نتيجة للضعف، أما الإكراه والاضطرار فقد يقع على القوي وكذلك الإجبار. ٢. أن الاستضعاف يقع من الآخرين، ولا يقع بفعل سماوي، بخلاف الاضطرار فقد يقع بفعل سماوي. ٣. أن الإجبار يقع على أمر مشروع، أما الاستضعاف فيقع على أمر غير مشروع. ٤. أن الإكراه والاضطرار يقع غالبًا على أمر محدد، بينما الاستضعاف يقع على أمور عامة ومتعددة. ويشترك الاستضعاف مع الإكراه والاضطرار بوجود الضرورة والغلبة والقهر، وأن الاستضعاف له أنواع وحالات وصور متنوعة، وكذلك الإكراه، وقد ذكر بعض الباحثين أن الاستضعاف هو أحد أنواع الإكراه (١)، والذي يظهر من خلال ما مضى من تعريفات الفقهاء للإكراه، واستعراض لمفهوم الاستضعاف في القرآن والسنة، أن الاستضعاف أعم من الإكراه، بل ويمكننا القول: إن الإكراه أحد صور ومظاهر الاستضعاف وليس العكس، قال البخاري ﵀: "والمُكْرَهُ لا يَكُونُ إلَّا مُسْتَضْعَفًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ فِعْلِ ما أُمِر بِهِ" (٢).

стр. 55

وخلاصة ما سبق: أن من صور الاستضعاف الإكراه والاضطرار، وأن مفهوم الاستضعاف عام، كما أن بعض صور الإكراه والاضطرار ليس له علاقة بالاستضعاف؛ إذ أن سببها قد يكون سماويًا، ومعلوم أن سبب الاستضعاف فعل واقع من الغير. وننبه في نهاية هذا المبحث إلى أن إطلاق الفقهاء لكلمة الإكراه أو الاضطرار ينبغي أن يحمل في سياقه الوارد فيه، ليعلم المراد منه تحديدًا، ويعلم مرادهم أي نوع من أنواع الإكراه أو أنواع الاضطرار (١). * * *

стр. 56

الفصل الثاني: أنواع الاستضعاف ومظاهره وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: أنواع الاستضعاف. المبحث الثاني: العلاقة بين مرحلة الاستضعاف والمرحلة المكية. المبحث الثالث: مظاهر الاستضعاف. المبحث الرابع: استحكام الاستضعاف فى الأرض.

стр. 57

المبحث الأول: أنواع الاستضعاف وفيه ثلاثة مطالب المطلب الأول: تقسيم الاستضعاف باعتبار درجته وهو نوعان: النوع الأول: الاستضعاف الجزئي: وهو الذي لا يمكن معه تطبيق بعض الأحكام الشرعية، وقد يكون لدى المستضعفين قوة إلا أنها غير كافية. ويمكن أن نمثل لهذا النوع بما وقع للمسلمين يوم الأحزاب من حصار شديد وصفه اللَّه بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (١) , حتى هم رسول اللَّه ﷺ أن يصالح غطفان على شطر ثمار المدينة (٢) , ولم نصفه بأنه كلي بالرغم من عمومه؛ لإمكان ممارسة الشعائر.

стр. 58

كما يمكن أن نمثل للاستضعاف الجزئي بحال المسلمين في أرض الحبشة، ويدل على هذا ما في الصحيحين عن أبي موسى ﵁ في قصة خروجه من اليمن ولحاقه بجعفر ﵁ بالحبشة ثم العودة إلى المدينة قال: (فوافقنا النبي ﷺ حين افْتَتَحَ خيبر وكان أُنَاسٌ من الناس يقولون لنا -يعني لأهل السفينة-: سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عُمَيْسِ (١) وهي ممن قَدِمَ معنا على حفصة زوج النبي ﷺ زَائِرَةً، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء من هذه؟ قالت: أسماء بنت عُمَيْسٍ، قال عمر: الْحَبَشِيَّةُ هذه الْبَحْرِيَّةُ هذه (٢)، قالت أسماء: نعم، قال: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول اللَّه ﷺ . فَغَضِبَتْ وقالت: كلا واللَّه، كنتم مع رسول اللَّه ﷺ يُطعم جائعكم، ويَعِظُ جاهلكم، وكنا في دار أو في أرض الْبُعَدَاءِ الْبُغَضَاءِ (٣) بالحبشة؛ وذلك في اللَّه وفي رسوله ﷺ وَايْمُ اللَّه لا أَطْعَمُ طعامًا ولا

стр. 59

أشرب شرابًا حتى أَذْكُرَ ما قلت لرسول اللَّه ﷺ ، ونحن كُنَّا نُؤْذَى ونخاف، وسأذكر ذلك للنبي ﷺ وأسأله واللَّه لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه، فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي اللَّه إن عمر قال كذا وكذا، قال: (فما قلت له؟) قالت: قلت له كذا وكذا، قال: (ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان)، قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يَأْتُونِي أرسَالًا يسألوني عن هذا الحديث ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي ﷺ ، قال أبو بردة قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني) (١). وهذا الحديث يكشف لنا جانبًا من حال الصحابة رضوان اللَّه عليهم في الحبشة، فأسماء بنت عميس ﵂ وصفت أهل الحبشة بالبعداء والبغضاء، وبينت لعمر ﵁ أنهم كانوا يتعرضون للإيذاء والخوف، فهم هاجروا من مكة حيث الاستضعاف الكلي إلى الحبشة حيث الاستضعاف الجزئي. وقد يبدو ما ذكرته أسماء ﵂ معارضًا لما قاله النبي ﷺ : (لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل اللَّه لكم فرجا) (٢)، وكذلك لحديث أم سلمة زوج النبي ﷺ حين قالت: (لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي أمنا على ديننا وعبدنا اللَّه لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه)، ثم ذكرت

стр. 60

خبر وفد قريش والحوار الذي دار معه في مجلس النجاشي ثم قالت: (فتناخرت (١) بطارقته حوله حين قال ما قال -جعفر- فقال: وإن نخرتم، واللَّه اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي والسيوم الآمنون، من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، فما أحب أن لي دبرا ذهبا وأني آذيت رجلا منكم والدبر بلسان الحبشة الجبل، ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها، فواللَّه ما أخذ اللَّه مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه، قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به (٢)، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار، قالت: فواللَّه إنا على ذلك إذ نزل به يعني من ينازعه في ملكه، قالت: فواللَّه ما علمنا حزنا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك تخوفا أن يظهر ذلك على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه، قالت: وسار النجاشي وبينهما عرض النيل، قالت: فقال أصحاب رسول اللَّه ﷺ من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر، قالت: فقال الزبير بن العوام أنا، قالت: وكان من أحدث القوم سنا، قالت: فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم ثم انطلق حتى حضرهم، قالت: ودعونا اللَّه للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده واستوسق عليه أمر الحبشة (٣) فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول اللَّه ﷺ وهو بمكة) (٤).

стр. 61

وقيل إن الحبشة اجتمعت وقالت للنجاشي: (إنك فارقت ديننا، وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفنا، وقال: اركبوا فيها، وكونوا كما أنتم، فإذا هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا، ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه هو يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمد عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى ابن مريم عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن، وخرج إلى الحبشة وصفوا له، فقال: يا معشر الحبشة ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى، قال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة، قال: فما لكم؟ قالوا: فارقت ديننا، وزعمت أن عيسى عبد، قال: فما تقولون أنتم في عيسى، قالوا: نقول هو ابن اللَّه، فقال النجاشي ووضع يده على صدره على قبائه هو يشهد أن عيسى بن مريم لم يزد على هذا شيئا، وإنما يعني ما كتب فرضوا وانصرفوا) (١). ويبدو أن تلك الحرب كانت قصيرة جدًا (٢). ولقد ذكرت أم سلمة ﵂ أن النجاشي ﵁ كان يعرف حقهم، وأنه لما جاء وفد قريش وقالوا ما قالوا، وأجابهم جعفر ﵁، فقبِل كلام جعفر إلا أن البطارقة لم يرضوا واحتجوا ونخروا حوله، كما ذكرت ما جرى من محاولة للانقلاب عليه ومنازعته الملك، وهذه الأحداث كلها تؤدي إلى الخوف والأذى، وهو بلا شك دون الخوف والأذى الذي كانوا يلاقونه من قريش في مكة، بل إن النجاشي صرح بعدم قدرته على الهجرة للنبي

стр. 62

- ﷺ لعدم استقرار ملكه، حتى إن النجاشي قال للصحابة رضوان اللَّه عليهم: (أشهد أنه رسول اللَّه ﷺ ، وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه) (١). وخبر محاولة الحبشة الخروج على النجاشي لإسلامه يكشف عن إسلام بعض أهل الحبشة وهم الذين صفوا معه في الميدان، كما يكشف عن الجهد الدعوي الذي كان يقوم به الصحابة رضوان اللَّه عليهم، إذ لا يعقل أن يمكث عدد من صحابة رسول اللَّه ﷺ مدة تزيد على أربعة عشر عامًا دون أن يتركوا أثرًا أو يكون لهم صحب، وإن لم تتحدث كتب السير والتاريخ عن هذا الأمر (٢)، وإن كان ابن إسحاق قد ذكر أن النجاشي بعث ابنه في ستين من الحبشة في سفينة فإذا كانوا في وسط من البحر غرقت بهم سفينتهم فهلكوا (٣). إذًا فأسماء بنت عميس ﵂ قارنت حال المسلمين بالحبشة بحالهم في المدينة، وأما أم سلمة ﵂ فقد قارنت حال المسلمين بمكة قبل الهجرة بحالهم في الحبشة، وبهذا يمكن الجمع بين الحديثين، واللَّه أعلم. ويتضح مما تقدم أنه في حالة الاستضعاف الجزئي لا يطلب من المستضعفين ترك كل شعائر الإسلام، إنما قد يطلب منهم التنازل عن بعض مبادئه، أو لا يمكنهم تطبيق بعض تشريعاته.

стр. 63

النوع الثانى: الاستضعاف الكلي: وهو الذي لا يمكن معه إظهار الإسلام وشعائره وتطبيقها، إما كلها أو معظمها. ومن أمثلة الاستضعاف الكلي حال النبي ﷺ والصحابة رضوان اللَّه عليهم في مكة لاسيما في المرحلة السرية من الدعوة، ويصف تلك المرحلة عبد اللَّه بن مسعود ﵁ بقوله: (واللَّه ما استطعنا أن نصلي عند الكعبة ظاهرين حتى أسلم عمر) (١)، وعنه ﵁ قال: (إن إسلام عمر كان فتحا، وإن هجرته كانت نصرا، وإن إمارته كانت رحمة، واللَّه ما استطعنا أن نصلي عند الكعبة ظاهرين حتى أسلم عمر) (٢)، وفي رواية: (مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ) (٣) "أي: لما كان فيه من الجلد والقوة في أمر اللَّه" (٤)، فقد كان ﷺ يصلي مختفيا هو ومن أسلم معه في دار الأرقم (٥)، حتى أسلم عمر ﵁ فأصبح المسلمين يصلون جهارًا

стр. 64

عند الكعبة، وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول اللَّه ﷺ إلى الحبشة (١). ومعلوم أن إسلام عمر ﵁ كان بعد المُبْعَث بست أو بسبع سنين (٢)، ومع ذلك فقد بقيت حالة الاستضعاف بشكله الكلي قائمة في مكة حتى الفتح، قال : ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٣)، أي: لولا وجود المسلمين بين أظهر الكفار ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم خشية على أنفسهم من قومهم، لكنا سَلَّطناكم عليهم فقتلتموهم، ولكن اللَّه أخر عقوبة الكفار؛ ليخلص المؤمنين من بين أظهرهم؛ ولعله يدخل كثير منهم في الإسلام، ولكي لا يصيبكم حرج أو إثم، ولو تميز المسلمين من الكفار لسلطناكم عليهم (٤).

стр. 65

وإن وجود بعض الأوقات والمواقف التي كان فيها مظهر من مظاهر القوة لم يخرج المرحلة المكية عن كونها مرحلة استضعاف كلي. ويمكن أن نمثل لهذا النوع بحال بني إسرائيل مع فرعون، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١)، فقد جعل فرعون بني إسرائيل فرقًا وأصنافًا في الخدمة والتسخير، واستعبدهم وجعلهم في الأعمال القذرة والصعبة، وجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح فلا يكبر صغير، واستبقى النساء للاستذلال والخدمة (٢)، ولقد امتن اللَّه على بني إسرائيل بالنجاة من فرعون، وذكرهم بحالهم قبل النجاة مع موسى ﵇، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٣). ولقد مر المسلمون بمراحل متعددة وفي أماكن مختلفة، كانت أحوالهم فيها استضعافًا جزئيًا وامتد ذلك الاستضعاف حتى أصبح كليًا، ومن ذلك أحوال المسلمين بالأندلس فمنذ نهاية القرن الخامس الهجري نشأت الممالك النصرانية، وتوسعت مع سقوط بعض المدن الإسلامية، وسيادة روح حرب "الاسترداد" لدى الصليبيين، ومع مرور الأيام زاد عدد الرعايا المسلمين تحت حكم النصارى، وأطلق عليهم اسم "المدجنون" (٤) أي: الذين

стр. 66

آثروا التدجن والبقاء تحت سلطان النصارى إما لعدم قدرتهم على الهجرة، أو لاختيارهم البقاء لوجود نوع من التسامح النسبي والسماح لهم بممارسة الشعائر الإسلامية؛ لكونهم صفوة المجتمع في العلوم والفنون والمهن والتجارة والزراعة مما اضطر النصارى لتشجيعهم على البقاء للاستفادة فنهم، لم يدم هذا الأمر طويلًا فسرعان ما اشتعلت النزعة الصليبية ضد المسلمين (١)، لتأتي المرحلة الثانية في التعامل مع المسلمين، وذلك عندما قضي على الحكم الإسلامي في آخر معاقله بغرناطة سنة ٨٩٧ هـ / ١٤٩٢ م عندما استسلم أبو عبد اللَّه (٢) ووافق على تسليم البلاد للنصارى، ولو أن المعاهدة التي وقعها معهم طبقت لأمكننا أن نصف حال المسلمين بالأندلس بأنه استضعاف جزئي -بناء على شروط المعاهدة التي تضمنت حفظ الكثير من حقوقهم وضمان بقاء شعائرهم ومساجدهم

стр. 67

ومحاكمهم وغيرها من الأمور (١) - إلا أن ما جرى من غدر وبطش وإجرام لاحقًا جعلهم يعيشون في حالة الاستضعاف الكلي، وسرعان ما صدر الأمر بإحراق مليون وخمسمائة ألف كتاب ديني، وتم أخذ الأطفال الذين تتراوح أعمارهم من ٥ - ١٢ سنة لتربيتهم بالمعاهد والنصرانية والكنائس، ليكونوا أداة تجسس على أهلهم، وأخذ بعضهم للعمل والخدمة في الكنائس، حتى وصل الأمر بأن فرض على المسلمين أن يتنصروا بالتعذيب ومحاكم التفتيش أو الإغراء، وخلال المدة من ١٤٩٩ - ١٥٠١ م تم تنصير أكثر من خمسين ألف مسلم بغرناطة، ومع هذا ثبت القوم وتمسكوا بدينهم إن لم يتمكنوا من ذلك في العلن ففي السر، وعرفوا في المجتمع المسيحي باسم "المورسِكيُّين"، و"المورسكي" (KI Morisco) تصغير لكلمة "المورو" (El Moro) يعني المسلم الصغير الحقير، وساهمت المرأة المسلمة بدور كبير في نقل تعاليم الإسلام للأطفال من السن الثالثة عشر خشية زلة اللسان، ومر هذا الشعب بمراحل مختلفة حتى تقرر القضاء عليه وإخراجه إخراجًا كاملًا من الأندلس في المدة من ١٦٠٩ - ١٦١٤ م بعد انتهاء الحكم الإسلامي بنحو مائة وعشرين سنة (٢).

стр. 68

كما يمكننا أن نمثل لهذا النوع من الاستضعاف بواقع المسلمين في روسيا "الاتحاد السوفيتي" سابقًا، فقد تبنت الحكومة الروسية سياسة تسامح نسبي مع المؤسسات الإسلامية وتجنبت مواجهتهم في البداية، حتى جاء عام ١٩٢٤ م فألغيت المحاكم الشرعية، وفي عام ١٩٢٨ م أغلقت جميع المدارس الإسلامية، وفي عام ١٩٣٠ م صودرت آخر ممتلكات الأوقاف، وامتد الهجوم المباشر على المسلمين، ومن الأمثلة على ذلك ما جرى سنة ١٩٢١ - ١٩٢٢ م حيث مات مليون مسلم قازاخي بسبب المجاعة بعد طردهم من مزارعهم ومراعيهم ومصادرة أموالهم، وفي المدة الممتدة من سنة ١٩٢٦ إلى ١٩٣٩ م مات مليون آخر بمجاعة أخرى، وهذا ما يعادل ثلث الشعب. وعندما بدأت الحرب العالمية الثانية، اضطرت الحكومة أن تظهر التسامح مع المسلمين أثناء الحرب للاستفادة منهم في القتال، وكان لوسائل الإعلام دور كبير في التحريض على المسلمين ويكفي أن نعلم أنه منذ عام ١٩٥٤ إلى ١٩٦٤ م تم نشر ٩٢٠ مؤلفًا ضد الإسلام بلغات مختلفة (١)، وهكذا أوضحت النماذج السابقة أن الاستضعاف الجزئي امتد حتى وصل إلى الاستضعاف الكلي. * * *

стр. 69

المطلب الثاني: تقسيم الاستضعاف باعتبار من يقع عليه وهو نوعان: استضعاف الفرد: وهو الذي يقع على فرد من الأفراد، فقد يقع عليهم الاستضعاف حتى في حال قوة الدولة الإسلامية عند بُعدهم عنها، أو عدم قدرتها على نصرتهم، كأن يقع الفرد في الأسر، أو لوجود عهد، أو لا يتمكن من الهجرة إلى الدولة الإسلامية، وتختلف النظرة إلى هذا الفرد بحسب مكانته ومنزلته، فليس العالم كباقي أفراد المسلمين، وليس الأسير كغيره. ومن أمثلة استضعاف الأفراد استضعاف ما جرى مع نبي اللَّه هارون ﵇ , وذكر اللَّه ما اعتذر به نبي اللَّه هارون ﵇ لأخيه موسى ﵇، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١). أي: استذلوني وعدوني ضعيفا، وكادوا أي: قاربوا (٢)، فأقام هارون فيمن معه من المسلمين ممن لم يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وتخوف هارون إن سار بمن معه من المسلمين، أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ (٣)، وكان له هائبًا مطيعًا (٤)، وبيَّن

стр. 70

اللَّه براءته بقوله: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ (١)، فرد عبدة العجل من قوم موسى على هارون ﵇: لا نترك عبادته حتى نسمع كلام موسى فيه. وخالفوا هارون في ذلك واستضعفوه وتمردوا عليه وحاربوه وكادوا أن يقتلوه (٢). ومن أمثلة استضعاف الأفراد مؤمن آل فرعون، والذي رجح المفسرون أنه ابن عم فرعون (٣)، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (٤)، وهذا المؤمن يكتم إيمانه وقال ما قال وهو لم يصرح بأنه على دين موسى، بل أوهم أنه مع فرعون وعلى دينه، إلا أنه زعم أن المصلحة تقتضي ترك قتل موسى، والأولى أن يؤخر قتله وأن يمنع من إظهار دينه، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾، فأوهم فرعون أنه أراد بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ أنه يريد موسى وهو إنما كان يقصد

стр. 71

به فرعون، ولعله كان يكتم إيمانه أولًا، فلما قال فرعون: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ أزال الكتمان وأظهر كونه على دين موسى، وشافه فرعون بالحق (١). ومن أمثلة استضعاف الأفراد ما وقع لأبي بصير وأبو جندل، فقد أخرج البخاري قصة توقيع صلح الحديبية وفيه: (فجاء أبو بصير فقال: يا نبي اللَّه قد واللَّه أوفى اللَّه ذمتك قد رددتني إليهم ثم أنجاني اللَّه منهم، قال النبي ﷺ : (وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لو كان له أحد)، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وَيَنْفَلِتُ منهم أبو جندل ابن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة. فواللَّه ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تُنَاشِدُهُ بِاللَّه وَالرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ فمن أتاه فهو آمن فأرسل النبي ﷺ إليهم ﵃) (٢)، "وقصة أبي بصير وأبي جندل وإخوانها لها دلالة مثيرة، فهي قصة المكافحة في لؤمٍ من الأعداء ووحشةٍ من الأصحاب! (٣)، فأبو بصير خرج من المدينة وما معه سوى كف من التمر فأكلها ثلاثة أيام ثم أصبح يأتي الساحل فيصيب حيتانًا ألقاها البحر فيأكلها، وعمر ﵁ كتب للمستضعفين في مكة قول الرسول ﷺ لأبي بصير: (وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لو كان معه رجال)، وأخبرهم أنه بالساحل على طريق عير قريش، فلما جاءهم كتابه جعلوا يتسللون رجلًا رجلًا عند أبي بصير (٤).

стр. 72

وأبو جندل بعودته مع المشركين إلى مكة عاد إلى حالة استضعاف الجماعة، وانضم إلى المستضعفين الذين أخبر عنهم اللَّه بقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ. .﴾ (١)، قال ابن تيمية ﵀: "فهؤلاء كانوا يكتمون إيمانهم في قومهم، ولا يتمكنون من إظهاره، ومن هؤلاء مؤمن آل فرعون، كان يكتم إيمانه، ومن هؤلاء النجاشي الذي صلى عليه رسول اللَّه ﷺ ، فإنه كان ملك النصارى بالحبشة، وكان في الباطن مؤمنًا" (٢). ومن أمثلة استضعاف الأفراد ما جرى مع أصحاب الكهف التي وردت قصتهم في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (٣)، "أي إن علموا بمكانكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم -يعنون أصحاب دقيانوس (٤) - يخافون منهم أن يطلعوا على مكانهم فلا يزالون يعذبونهم بأنواع العذاب إلى أن يعيدوهم في ملتهم التي هم عليها أو يموتوا، وإن وافقتموهم على العود في الدين فلا فلاح لكم في الدنيا ولا في الآخرة" (٥). تنبيه: مما مضى يتبين أنه ليس من شرط تحقق الاستضعاف وقوع المستضعف في عذاب بل يكفي أن يغلب على ظنه وقوعه تحت العذاب ممن يقدر عليه، بل إن النجاشي كان ملكًا ومع هذا لم يقدر على الجهر بإسلامه في أول الأمر، ولا شك أن مجرد عدم إظهار الإسلام

стр. 73

وشعائره فيه عذاب معنوي للمستضعف، وإن سلم من العذاب الحسي، والظاهر أن النجاشي قد كتم إسلامه عن الحبشة حتى لا يعزلوه، واستطاع بذلك أن يحمي المسلمين، وأن يشجع نشر الإسلام بين الحبشة تدريجيًا دون استخدام للعنف أو القهر، ولكن اللَّه تعالى لم يمهله حتى يتم ذلك الأمر (١)، ولذا فقد قال لمبعوث الرسول ﷺ : (ولكن أعواني من الحبشة قليل فأنظرني حتى أكثر الأعوان والين القلوب) (٢)، حتى أنه خفي على بعض المسلمين إسلام النجاشي، ولهذا لما مات ﵁ نعاه الرسول ﷺ ودعا الناس إلى المصلى للصلاة عليه، فعن أبي هريرة ﵁: (أن رسول اللَّه ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المُصلى فصف بهم وكبر أربعًا) (٣)، وعن جابر ﵁ قال: قال ﷺ حين مات النَّجَاشِيُّ: (مات اليوم رجل صالحٌ فقوموا فصلوا على أخيكم أَصْحَمَةَ (٤)) (٥).

стр. 74

قال ابن حجر ﵀: "الظاهر أنه إنما خرج بالمسلمين إلى المصلى؛ لقصد تكثير الجمع الذين يصلون عليه؛ ولإشاعة كونه مات على الإسلام، فقد كان بعض الناس لم يُدْرِكُونَهُ أسلم. . . عن أنس أن النبي ﷺ لما صلى على النجاشي، قال بعض أصحابه: صَلَّى على عِلْج من الحبشة، فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ (١) الآية، وله شاهد في معجم الطبراني الكبير من حديث وحشي بن حرب وآخر عنده في الأوسط من حديث أبي سعيد وزاد فيه أن الذي طعن بذلك فيه كان منافقا" (٢). النوع الثاني: استضعاف الجماعة (٣) والدولة: وهو الذي يقع على طائفة من المسلمين، أو جماعة منهم سواءً أكان لتلك الجماعة دولة أو كانوا أقلية، وقد يكون استضعافًا كليًا أو جزئيًا، ويقع الاستضعاف على تلك الجماعة المسلمة مع وجود قوة للمسلمين في مكان آخر بغض النظر عن الموانع أو الأمور التي تحول دونهم ودون نصرتهم. ومن أمثلة استضعاف الجماعة ما جرى للمسلمين في مكة قبل الهجرة، فالمرحلة المكية تعد نموذجًا لاستضعاف الجماعة، وللاستضعاف الكلي، كما أن المرحلة المدنية في بعض مراحلها تعد نموذجًا لاستضعاف الجماعة ولكن ذلك الاستضعاف كان جزئيًا وليس كليًا.

стр. 75

ومن أمثلة استضعاف الجماعة أو الطائفة ما جرى لبني إسرائيل على يد فرعون، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١)، فقد استعبد فرعون الجبار الطاغية بني إسرائيل وكانوا في ذلك الزمان خيار أهل الأرض وجعلهم فرقًا، واستعملهم في الأعمال الشاقة والقذرة، ليلا ونهارا، ومع هذا كله يقتل أبناءهم ويستحي نساءهم إهانة لهم واحتقارا وخوفا من أن يوجد منهم الغلام الذي كان قد تخوف هو وأهل مملكته منه أن يوجد منهم غلام يكون سبب هلاكه وذهاب دولته على يديه (٢). * * * المطلب الثالث: تقسيم الاستضعاف باعتبار الاعتذار به وهو نوعان: النوع الأول: استضعاف مقبول شرعًا. النوع الثاني: استضعاف غير مقبول شرعًا. ودل على هذا التقسيم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا
следующие страницы →