← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17442

إحكام النظر في أحكام النظر بحاسة البصر

ابن القطان

Полный текст (513 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

إِحْكَامُ النَّظَرِ فِي أَحْكَامِ النَّظَرِ بِحَاسَّةِ البَصَرِ تَأليف الإِمَام الْمُجْتَهد ابنِ القطّانِ الفاسِيّ (الْمُتَوفَّى ٦٢٨ هـ) تَحْقِيقْ الْأُسْتَاذ إِدْرِيس الصّمَديّ خريج دَار الحَدِيث الحَسنية بالرّباط رَاجَعَهُ وَضَبَطَهُ الْأُسْتَاذ الدكتور فاروق حمادة أستاذ السنّة وعلومها بكلية الْآدَاب - جَامِعَة مُحَمَّد الْخَامِس - الرّباط دَار الْقَلَم

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

دَار الْقَلَم - دمشق أسَّسَها مُحَمَّد عَليّ دولة سنة ١٩٦٧ م طبعة دَار الْقَلَم الأولى ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة تطلب جَمِيع كتبنَا من: دَار الْقَلَم - دمشق هَاتِف: ٢٢٢٩١٧٧ - فاكس: ٢٢٥٥٧٣٨ ص. ب: ٤٥٢٣ الدَّار الشامية - بيروت هَاتِف: ٨٥٧٢٢٢ (٠١) - فاكس: ٨٥٧٤٤٤ (٠١) ص. ب: ٦٥٠١/ ١١٣ توزّع جَمِيع كتبنَا فِي السعودية عَن طَرِيق: دَار البشير - جدّة ٢١٤٦١ ص. ب: ٢٨٩٥ - هَاتِف: ٦٦٥٧٦٢١ - فاكس: ٦٦٠٨٩٠٤

стр. 4

تَقديم الطبعة الثالثة الأستاذ الدكتور فاروق حمادة الحمدُ لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين، وصحابته الغُرِّ الميامين، وبعد: فإن كتاب (إحكام النطر في أحكام النظر بحاسة البصر) للإمام الحافظ أبي الحسن علي بن محمد، المعروف بابن القطان الفاسي، كتاب عزّ نظيره، ونَدَر مثيله مضمونًا ومنهجًا، فقد تناول الأحكام الشرعية لحاسة البصر، وتتبَّعها في مظانها الفقهية وغير الفقهية، وصدَّرها بالآيات والأحاديث النبوية، واستخرج مدلولاتها من هذه وتلك بروح التمكُّن العلميِّ، والنظر الإجتهادي الذي يستند إلى الأصول والقواعد، فجاء أنموذجًا يحتذيه الدارسون الذين يستنبطون الأحكام، وينسبونها إلى الشريعة المحمدية، مع ورع ظاهر حتى في استعمال الألفاظ والكلمات، إنّه خزانة محشوَّة بالنصوص الشرعية، وآراء الفقهاء المذهبية، بترتيب محكم ورؤية تامة شمولية. وقد كشف وجه الحق في هذه الأحكام، ولم يخلط الرأي الذي يدعمه الدليل والحجة بالرأي الذي يستند إلى العاطفة والهوى، ويسقط ذلك على الشريعة الغراء، وأُذكَّر أنه المرجع الحجة في هذا الباب، وسيبقى كذلك إن شاء الله، ولقد لقي القبول والإستحسان عبر العصور إلا أنه بقي منزويًا في صقع ذلك

стр. 5

الإمام -المغرب- فنقل عنه علماء ذلك الصقع الذي كان نئيًّا بعيدًا، ولهجوا بذكره واستحسانه، واختصره بعض الفقهاء منهم، ولكن مخطوطاته غدت نادرة لم يعثر المحقق إلا على واحدةٍ وفيها سقم واضح، ومختصرٍ فقهي له لا يتلو من شيء من ذلك، نسأل الله تعالى أن يُهيِّئ لنا نسخًا مخطوطة جيدة منه، ومن المؤلفات البديعة المفقودة لهذا الحافظ الإمام. وقد طبع للمرة الأولى فنفدت طبعتُه، ثم صوّر مرة ثانية عنها فنفدت كذلك، وكنت أحثُّ المحقق على إعادة النظر فيه، ولكن ظروفه لم تكن تسمح له بذلك، فعُدت إليه وقوّمت ما أمكن تقويمه من نصوصه، وأضفتُ ما يمكن إضافته ممَّا يسهِّل قراءة النص، أو يلقي ضوءًا عليه، وأزلتُ أخطاءً مطبعية وقعت فيه، فجاءت هذه الطبعة أنقى من سابقتيها، وأصفى وأهنأ للواردين إن شاء الله. وحقيقٌ بكلِّ طالب علم مخلص، أو باحث جادٍّ، أو عالم طُلَعة أن يكون هذا الكتاب بين يديه، ومرجعه فيما تناوله مؤلفه وذهب إليه. كما جاءت طباعتُه أعلى وأرقى، طباعةً تليق بهذا الكتاب الفذِّ في المكتبة الإسلامية. فأسأل الله ﵎ أن ينفع به، وأن يغدق على مؤلِّفه شآبيب الرحمة، ويجازي بالخير والإحسان في الحال والمآل محققه ومراجعه، ويثيب ناشره ثواب العاملين. . إنه خير مسؤول وأكرم مأمول. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. في أبو ظبي بتاريخ ٣ جمادى الآخرة ١٤٣١ هـ موافق ٦ / ماي / ٢٠١٠ م وكتبه المستشار الدكتور فاروق محمود حمادة

стр. 6

تَقديم بقلم الأستاذ الدكتور فاروق حمادة إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهدِ الله فهو المهتد، ومَن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. - ١ - أما بعد: فإن كثيرًا من الأفكار تتألَّق بمرور الزمن، وتعاقُب الأيام، فتتلألأ في جنبات التاريخ وموجات الفكر الإِنساني المتلاحق، نيِّرةً متميزة، يُشار إليها بالبنان ويُستشهد بها، وتُزين بها الآراء، ويُحتج بها في المحافل، ويرجع إليها

стр. 7

الناس في كل حين وآن، لا يُقلل من شأنها عند العقلاء أنها ليست من رعونات العصر، أو خارجة عن إبداع الجيل الحاضر ونزقه ونزغاته، وما ذلك إلا لأنها قامت من منطلق صحيح، وبُنيت بمنهج دقيق، وعالجت جانبًا من جوانب الإِنسانية الثابتة التي لا تتبدل ولا تتغير؛ لأنها من خصائص الإِنسان ومميزات وجوده. وإن أبقى الكتب مع الأيام هي التي تضمُّ قدرًا كبيرًا من هذه الأفكار، فلها القبول وعليها المدار. وإن هذا الكتاب الذي بين يديك أيها القارئ الكريم: (إحكام النظر في أحكام النظر بحاسّة البصر) من الأسفار التي ضمّت نيّر الأفكار، وقويَّ الآراء، وسديد الإستنباطات في جانب خطير من جوانبا الإنسانية الثابتة، ألا وهو النظر بالعين، وما تعكسه على النفس والمشاعر من آثار، قد تكون هذه الآثار في غاية النبل والسمو فترفع صاحبها إلى مقام الصدّيقين والشهداء، فيستحق النعيم المقيم في أعلى عليين، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١]. ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٦ - ٨]. أو تهبط بصاحبها إلى دركات الحيوانية، بل دون ذلك، فيكون من الغاوين الذين اتبعوا هواهم، وعاثوا يطلبون مناهم، وأنّى لهم ذلك؟! بل شأنهم في تعب دائم، وشقاء متجدِّد متعاظم، وسُعَار لاهب متفاقم، وفي هؤلاء جاء قول الحق سبحانه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ

стр. 8

وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٧]. ولخطورة حاسة البصر، وأهميتها في حياة الإِنسان جاءت الشريعة المطهَّرة بتحديد مساربها، وبيان الوجهِ الحقِّ لاستعمالها، وضبط العلاقة السليمة بين الناظر وما حوله من الوجود إنسانًا وجمادًا، كلُّ ذلك بما يتفق وتكوينه وغرائزه، وجِبِلَّته وفطرته حتى تكون حاسة البصر أداة خير وبناء، لا معول هدمٍ وإفسادٍ وشقاء. وإنَّ أخطر نظرة تكون بهذه الحالة هي النَّظرة التي تتوجَّه من الرجل نحو المرأة، ومن المرأة نحو الرجل، بحكم الفطرة التي ينجذب إليها أحدهما نحو الآخر، وهي التي في الحديث: "النظرة سهم من سهام إبليس". ولهذا جاءت النصوص الشرعية كثيرة ضافية تضبط النظر من أحدهما نحو الآخر حتى لا يزلَّ وينحرف، أو يسقط وينجرف، وليبقى كلاهما في إنسانية كريمة وعلاقة خيِّرة سليمة. وقد أولى علماء الإسلام عبر العصور ولا يزالون هذه النصوص الشريفة كامل العناية والرعاية من تفسير وشرح، واستنباط وبيان، وذلك خلال درسهم للقرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، أو في كتب الفقه الإسلامي وأبوابه، وكلُّ باب من أبواب كتب الفقه هو باب للإنسانية على حياتها، إن دخلت منه كان دخولها صحيحًا سليمًا، وسيرها مأمونًا قويمًا، فالفقه الإِسلامي هو كتاب الحياة الإِنسانية الواسعة في كلياتها وجزئياتها، في دقائقها ومخفياتها، وقد وقف الفقهاء مع حاسة البصر والنظر وقفات غير قليلة في كتب التفسير، وشروح الحديث، ومصنفات الفقه. ومع هذا فإنَّ هذا الكتاب فريد في بابه، إذ استقلَّ بجمعه دون غيره،

стр. 9

وعمل على الإحاطة بمسائله الكبرى وجزئياته، بل تعمق حتى بحث في خلجات النفس ودقائق الورع، وترك الإِنسان المسلم يواجه أفكاره وحركات نفسه، ويراقب الله وحده. . ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]. ولا نعلم كتابًا قبل هذا الكتاب أفرد مسائل هذا الباب بهذه الكيفية وهذه الشمولية. وإن مؤلفه أبا الحسن بن القطان إمام كبير، وناقد خطير، وحافظ جهبذ. . إنه شيخ شيوخ الدولة الموحِّدية التي أطلقت الفكر من عقاله، وألحَّت على ضرورة طوافه وتجواله للتجديد والإجتهاد، وإن أقوال هذا الإِمام وآراءه في علم الحديث والرجال انتهبَتهَا الدواوين، وتزينت بها الأسفار التي جاءت بعده وغدت متكأً للحفّاظ والنقّاد الكبار، ولئن كان كتابه الكبير (بيان الوهم والإِيهام، الواقعين في كتاب الأحكام) (١) هو الذي جعل صيته يطير شرقًا وغربًا، وسلَّم له بالإِمامة في علم الحديث كلُّ من اطَّلع عليه، فإن كتبه الأخرى -وخاصة هذا الكتاب- قد حظيت بكل قبول وتقدير، واهتبالٍ واحتفال، لما أبدى فيه من قوة عارضة، وسعة أُفق، وحسن تقدير. لقد كسر المصنف كتابه هذا على ثمانية أبواب، متيمِّنًا بأبواب الجنة الثمانية التي هي محطُّ نظر المؤمنين على الدوام، جعلنا الله وإياه من أهلها، متدرِّجًا في أحكام البصر تدرُّجًا سليمًا وقويمًا، بدءًا من غضِّ البصر عما لا يحلُّ، ومشروعية ذلك، إلى ما لا يجوز إبداؤه للناظرين وما يجوز، ثم في نظر الرجال إلى الرجال في شتى الأحوال، ثم في نظر النساء إلى النساء، ثم في نظر الرجال إلى النساء، والنساء إلى الرجال، وهذان البابان قد بلغ فيهما الذروة، وسامى المجتهدين الكبار، ثم عالج مسألة الضرورات المبيحة، وختمه في تقلبات

стр. 10

الطرف في هذا الوجود، ومشروعية أقوال خاصة وأفعال محددة عند نظر بعض المرئيات، وفي خضمِّ هذه الأبواب الثمانية، جمع فأوعى، واستقصى فأوفى. وأما عن منهجه في هذا الكتاب، فهو نموذج رائع، وقدوة لكلِّ باحث ودارس، ويمكن إجمال ذلك من خلال النقاط التالية: ١ - لقد جمع ابن القطان كل الآيات القرآنية المتعلِّقة بالنظر، ووضعها في سياقها الصحيح مع ما قبلها وما بعدها، ونقل أقوال أئمة التفسير فيها بدءًا من الصحابة الكرام ومن تلاهم من التابعين، كاشفًا عن أقوال أئمة اللغة العربية، مع بيان موضع الدليل، ومناط الأحكام فيها. وأما نصوص السُّنَّة الشريفة، فحدِّث عن البحر ولا حرج، فلقد جمعها من مظانِّها، ولم يفته منها نصٌّ ذو شأن، وخطَّ لجمعها خطَّةً جليلةً، فقد التزم بأن يورد الحديث الشريف إذا كان صحيحًا دون إسناد مع بيان مصدره، وإن كان فيه نظر عند المحدِّثين أو تكلّم أحد فيه ساقه بإسناده، وتكلَّم عليه جرحًا وتعديلًا وتصحيحًا وتضعيفًا، وأما الحديث المعروف بالضعف فيورده ويشير إلى موضع العلة فيه. ومن خطته: تقديها الصحيح للإحتجاج، والتعريج على ما فيه كلام ويصلح للاستشهاد، ثم يورد الضعيف لبيان ضعفه حتَّى لا يأتي آتٍ بعده فيظنَّ به أنه لم يطَّلع عليه أو قصر في جمعه والنظر فيه. ويبيّن في كلِّ نصٍّ موضع الدليل، وما يمكن أن يثور في الإعتراض عليه، وما قاله فقهاء السُّنة إن تنازعت دلالتَه الآراء. لقد ذكر في كتابه هذا نحوًا من مئتين وسبعين حديثًا في موضوع النظر، وتكلَّم عليها بما يكفي ويشفي، واقتبس علماء الحديث من بعده طرفًا غير يسير من كلامه فيها. ٢ - لقد أحاط المصنِّفُ في كتابه هذا في موضوع النظر وما يتعلق

стр. 11

به بمذاهب الفقهاء المعتبرين؛ بدءًا من الصحابة الكرام، ومَن تلاهم من التابعين، حتى الأئمة الأربعة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل، ومَن سار خلفهم من كبار علماء الإِسلام الذين يعتدُّ بقولهم، ويُرجع إلى رأيهم ونظرهم. . وكان يسوق أقوالَهم، ويستقصي مذاهبهم من كتبهم المعتمدة، بكلِّ أمانة وإنصاف وإتقان واستيفاء، ثم يبيِّن قويَّ هذه الآراء وقويمها بالحجة والبرهان، دون تعصُّب لمذهب أو انسياق مع فكرة لمكابقة، فهو متحرٍّ للدليل، مجتهدٍ في الرأي، غير منتقٍ من الآراء بدافع هوًى معين، أو ملفقٍ بين بعضها تحت ضغط رغبة جامحة أو نزوة طارئة!. . وقد بلغ في هذا شأوًا بعيدًا، فهذا الكتاب من هذه الناحية كتاب فقه مقارن، وبه يظهر لنماذج من عصرنا وقد نتفوا من القرآن أو السنّة نتفًا، ولم يلامسوا من العربية إلا القليق، وأرادوا الإجتهاد، يظهر لهم كيف يكون الإجتهاد، إنهم بنتفهم قد ضلوا وأضلوا، وزلوا أيما زلل وأزلوا، فالإجتهاد كلمة محبّبة، ولكن الوصول إليها ليس بالآمر الهين، إنه ليس بجمع نصوص لا يدري جامعها ما يصنع بها، أو النظر فيها دون معرفة تفسير الذين نقلوها ورووها. . إنَّ من المهمَّات في باب الإجتهاد الإِحاطة بمذاهب المتقدمين، ومعرفة دليل كل واحد منهم، وحجته فيما ذهب إليه، وإنَّ من ينظر إلى صنيع ابن القطان في هذا الكتاب يتيقَّن أنه من النخبة المتميزة في تاريخ الفقه الإِسلامي. وإن المكتبة الفقهية التي رجع إليها ابن القطان لاستعراض المذاهب والآراء واسعة جدًّا، عرفناها من خلال هذا الكتاب، ومن خلال كتابه البديع المسمى (الإِقناع في مسائل الإِجماع) (١)، الذي نخل فيه كتب فقه المذاهب المعتمدة وأصولها المتداولة المرضية في كل مذهب، وعرفنا من خلاله دقته وحسن تصرفه في كتب الفقه على اختلافها.

стр. 12

٣ - لقد أجاد ابن القطان وأفاد في بحثه لمسألة النظر، وما يجوز إبداؤه، وما لا يجوز وغير ذلك من المباحث الكثيرة التي عرض لها، أجاد وأفاد في ربط النصوص الشرعية بمقاصدها، والحكمة من تشريعها، وبيان الغاية منها في تكوين الإِنسان الربَّاني الصالح، وإبعاده عن مواطن الشبه والريبة، والسمو به عن دركات الفاحشة، فكان تعليل النصوص هاجسًا له يسير معه، ويستعين به، وهو ينظر في القرآن الكريم والسنّة المطهرة، فلم يكن نصيًّا جامدًا يقف مع الظواهر أو يحشر المتناقضات، بل كان يوجه النصوص تبعًا لمقاصدها ويوفق بين ما ظاهره التعارض بوضع كلِّ نصٍّ في محله الذي سيق من أجله. ومَن يقرأ هذا البحث يشعر شعورًا غامرًا بأن فقهاء الإِسلام، كانوا على الدوام أطباء المجتمع، وحرّاس الفضيلة فيه، ومصلحي خلل الأمة، بل كانوا نبضها المتحرك، وروحها الوثَّابة، خبرة ومعرفة بما يجري ويدور في خلد الناس، وجنبات المجتمع، وأعماق الأُسر. . فيدلُّون الناس على الخير، ويجهدون لهم بالنُّصح، ويضعون نصوص الشريعة طبقًا للغاية التي جاءت من أجلها دون تعسُّفا أو التواء؛ لأن الحياة بغير ذلك تفسد ولا تستقيم. . ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩]. ٤ - ومن خلال الثمانية الأبواب التي أدار المؤلف كتابه عليها فرَّع كلَّ باب إلى مباحث ومسائل دقيقة جدًّا، استوعب بها ما هو واقع، وما يمكن أن يخطر بالبال في حياة الإِنسان وله تعلق بالنظر والبصر والعورات، والضرورات، وبهذا يمكن الجزم بأن هذا الكتاب موسوعة شاملة فيه ما ليس في غيره من كتب الفقه والتفسير وفقه الحديث، ويغني عن غيره ولا يغني غيره عنه، ويسوق المسائل بمنهجية صارمة وتسلسل دقيق دون تكرار أو إعادة، وقد بلغت مسائله نحوًا من مئة وإحدى وسبعين مسألة.

стр. 13

٥ - لقد وصل ابن القطان في كتابه هذا إلى نتائج حاسمة في تحديد العورات للرجل والمرأة، وما يجوز للمرأة إبداؤه، وهو الوجه والكفّان فقط، وتردّد في القدمين، ومال إلى عدم الجواز، فجاء هذا الكتاب ردًّا على مَن أراد تجريد المرأة والرجل من الإِنسانية، وإِطلاقهما في غابة الهبوط الحيواني دون خلق، أو وازع، أو حياء، وهذه حالة مَرَضية في تاريخ الإِنسانية تتكرر آنًا بعد آن، فقد كانت قديمًا في الجاهلية: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] وتكون اليوم، وغدًا. . فلا بدَّ لعلماء الشريعة استهداءً بنور الوحي من بيان حكمها والعمل لسدّ خرقها. وجاء كذلك ليردَّ على تشدُّد طائفةٍ غَلَت في الأمر، وأرادت إحاطة المرأة بضباب كثيف، وفرضت عليها تغطية كلِّ شيء فيها، وزعمت أن هذا هو الدين الحق!. . واني أقول لهؤلاء على الدوام: لو قلتم: إنها الغيرة على الحُرَم، أو الورع والاحتياط، لسلمنا ذلك لكم، ولن يلومكم أحد بل يُحمد لكم ذلك، أما أن تعتقدوا وتروِّجوا للغلوِّ، وتفسِّقوا المخالف، فهذا أمر لا يصفو لكم، ولا حجة لديكم. وقد ردّ عليهم ابن القطان بالحجج الدامغة والأدلة البيّنة التي لا تدع قولًا لقائل، بعيدًا عن تطويح العواطف، ونزق الأحداث العارضة، فالشريعة دائمة بدوام الإِنسان، محيطة بكلِّ حياته وأفراده. إنَّ المسلمين جميعًا إن شاء الله سينتفعون بهذا الكتاب، وستكون فائدته أعظم عند الباحثين عن الحق المنقبين بطمأنينة عن الدليل، ولا سيما في هذا الوقت الذي نرى فيه أفكارًا شاذَّة عن الزمان والمكان. . تصبّ الجهود لفرض هيئة معينة، والإِسلام يحاول المحاولون اقتلاعه من جذوره، ويعطيهم السُّذَّج من هؤلاء البرهان والمتمسَّك بخروج المرأة المسلمة في هيئاتها التي يروِّجون لها: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الممتحنة: ٥].

стр. 14

- ٢ - • لقد تشوَّف الباحثون والدارسون، وعلماء الإِسلام وطلاَّب العلم إلى هذا الكتاب عبر العصور لجلالته وأهميته، وتوارى عن الأنظار دهرًا طويلًا، وقد ادَّخر الله تعالى الفضل في إخراجه وتعميم نفعه في المشارق والمغارب للأخ الأستاذ إدريس الصَّمَدي، فأخرجه من ظلمات الرفوف في خزانة الأسكوريال بإسبانيا ليضعه تحت نور الأبصار، والله يختصُّ مَن يشاء بما يشاء. والنسخة الوحيدة التي نعلمها لهذا الكتاب هي نسخة الأسكوريال، وهي نسخة سقيمة وفيها أخطاء كثيرة، وقد عكف الأستاذ الصَّمدي عليها بصبر وتؤدة دون كَلَل أو مَلَل، ولقد كان يعمل بها، ومرَّت به عاصفة من الأسقام والأمراض فما وَنَته عنها، وما أقعدته عن متابعتها، وكنتُ أشفق عليه وهو يجد في ذلك لذّة وحلاوة، واستطاع أن يخرجها ويقوّم كثيرًا من كلماتها وعباراتها، ويردَّها إلى الصواب بما رجع إليه من مصادر ومظان استخدمها المصنف، وبقيت كلمات صعبت عليّ وعليه فنرجو الله أن ييسِّر لنا نسخة أخرى لإِصلاحها واستكمالها. ثم قام بتخريج أحاديثها وتتبعها بشكل جيد، وترجم لعديد من الرواة الذين ذكروا في الأسانيد، أو حام حولهم تعليل ابن القطان وتضعيفه. كما ذكر مظانَّ كثيرٍ من المسائل الفقهية التي أوردها ابن القطان في كتابه، وتكلَّم فيها بما يسهل الرجوع إلى عديد من المصادر لمن أراد المزيد. كما عرَّف بالكتاب وبصاحبه قبل الدخول إليه تعريفًا مطولًا نافعًا إن شاء الله. لقد أسدى الأستاذ إدريس الصَّمَدي للمكتبة الإِسلامية: الحديثية والفقهية بهذا العمل كتابًا نفيسًا، تُشدُّ عليه يد الضّنانة، ويقتنى بكلِّ غالٍ ونفيس، أسدى

стр. 15

مرجعًا أساسيًّا لا يُستغنى عنه، تقبَّل الله منا ومنه هذا الجهد، وقد كان هذا الكتاب مع دراسة له رسالة نال بها درجة دبلوم الدراسات العليا من كلية الآداب والعلوم الإِنسانية بالرباط بتقدير "حسن جدًّا". • وقد تناولتُ الكتاب أثناء عمله فيه، وبعد انتهائه منه، فدققتُ كلِمَه، وأصلحتُ عددًا منها ومن عباراته من الأصل ومن غيره، وتتبعتُ مسائله وأحاديثه وعلَّقتُ على عدد منها بما يقنع ويفيد إن شاء الله. وقد ميزُتها عن عمل الأستاذ إدريس بوضعها بين قوسين، وتصديرها بـ (قال أبو محمود:. . .) واقتصدت في ذلك ما أمكن، وضبطت عددًا من النصوص بالشكل. وبذلك نرجو أن يكون هذا السِّفر النفيس قد غدا معينًا سائغًا للواردين ينهلون منه كلَّ آنٍ وحين، سائلين المولى تعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، ويفيد الأمة في عاجل أمرها وآجله، ويتولانا بكريم رحمته وعنايته، إنه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وكتبه الدكتور فاروق محمود حمادة أبو محمود في القنيطرة بالمغرب الأقصى

стр. 16

التعريف بابن قطان لقد اشتهر ابن القطان عند رجال الحديث والفقه من خلال مؤلفاته القيِّمة، التي برهن فيها على قدرته العلمية الواسعة، واطِّلاعه الكبير، فكان في كثير ممَّا انتهى إليه من الآراء والأحكام حجةً. ولم يظفر بهذا المستوى العلميِّ الذي انتهى إليه ابن القطان من حيث سعة اطلاعه على الحديث: رواية ودراية، إلا نزر قليل في كلِّ طبقة من طبقات الحفاظ المحدِّثين، كشعبة بن الحجاج (ت ١٦٠ هـ)، وسفيان الثوري (ت ١٦١ هـ)، ووكيع بن الجراح (ت ١٩٧ هـ)، ويحيى بن معين (ت ٢٣٣ هـ)، وعلي بن المديني (ت ٢٣٤ هـ)، ومحمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ)، ومسلم بن الحجاج (ت ٢٦١ هـ)، وأبو زرعة الرازي (ت ٢٦٤ هـ). . . وغيرهم. وابن القطان كهؤلاء برز بجهوده المباركة في جميع علوم الحديث، فكان على خبرة شاملة بعلل الحديث، ودراية واسعة بفقهه، فحاز الرتبة المرموقة بين جهابدة الحفّاظ، وكَثُرت النقول عنه في كتب الحديث والرجال من كتاب "بيان الوهم والإِيهام"، وكتاب "إحكام النطر في أحكام النظر بحاسة البصر". وإذا رجعنا مثلًا إلى كتاب "نصب الراية لأحاديث الهداية" للحافظ جمال الدين الزيلعي (ت ٧٦٢ هـ) سنجده مملوءًا بالقول عن كتب ابن القطان، وكذلك كتاب "التلخيص الحبير" للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، و"ميزان

стр. 17

الإعتدال في نقد الرجال" للحافظ الذهبي (ت ٧٤٣ هـ)، وغيرها من كتب الحديث والفقه، كـ"نيل الأوطار" للشوكاني، و"مواهب الجليل لشرح مختصر خليل" للحطَّاب (ت ٩٥٤ هـ)، و"التاج الإِكليل لمختصر خليل" لمحمد بن يوسف المعروف بالمواق (ت ٨٩٧ هـ)، وغيرها. فمَن هو ابن القطان هذا؟. أولًا: اسمه ونسبه: سجَّلت جميع الكتب التي ترجمت له أن اسمه: علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن محمد بن إبراهيم بن خلصة بن سماحة الحميري الكتامي الأصل، الفاسي المولد والمنشأ، نزيل مراكش (١)، المعروف بابن القطان، يكنى: أبا الحسن. وذكر ابن الزبير وابن القاضي وأحمد بابا -من الذين ترجموا له- أن أصل أجداده من قرطبة بالأندلس (٢)، وابن مسدي ذكر أنه "مصري الأصل، مراكشي الدار" (٣). ثانيًا: مولده ووفاته: ذكر مَن ترجم له أنه وُلد بفاس فجر عيد الأضحى سنة اثنتين وستين وخمسمئة هجرية، وتوفي "بين العشاءين من الليلة التي أهلّ فيها هلال ربيع الأول من سنة ثمان وعشرين وستمئة، ودُفن بالركن الواصل بين الصحنين

стр. 18

الشمالي والغربي من الزنقة، لصق الجامع الأعظم بسجلماسة، وقبره معروف هناك إلى الآن" (١). ثالثًا: نشأته وتحصيله العلمي: نشأ ابن القطان بفاس، وبها تلقَّى علومه الأولى، ولازم العديد من شيوخها الذين كانوا يفدون عليها، أو استقروا بها، ونهل من معينهم جميع العلوم واستكثر من علم الحديث، فأجاده رواية ودراية، واشتهر أمره فيه حتى صار حجة فيما ينتهي إليه من الأحكام والآراء. وكان لنضوج الحركة العلمية في المغرب على عهد الموحدين أثر كبير على ابن القطان في تحصيله العلمي، حيث صادف تحصيله العلمي في فاس أولًا، ثم في مراكش ثانيًا بعد أن رحل إليها، اهتمام الدولة الموحدية بعلم الحديث اهتمامًا كبيرًا، إذ جلبوا لتحقيق هذا الهدف كل من اشتهر أمره من العلماء، في الحديت والمناظرة من الأندلس والمغرب، "حتى اجتمع في فاس: علم القيروان، وعلم قرطبة" (٢) "وكان ملوك المغرب يكرمون الوافدين عليهم من العلماء ويجلُّونهم ويفتخرون بهم". وقال صاحب "القرطاس" في عبد المؤمن بن علي: "وكان محبًّا في أهل العلم والأدب، مقربًا لهم، متشوقًا لوفادتهم، منفقًا لبضاعتهم" (٣). ويقول الأستاذ محمد المنوني: "هذا إلى جانب ما وجد في المغرب على عهدهم من أعلام كبار من الأندلس والقيروان وغيرهما حتى اجتمع في فاس على حد تعبير "المعجب"

стр. 19

علم القيروان وعلم قرطبة، وصارت مراكش هي الأخرى عاصمة علم ثانية، الأمر الذي له دخل كبير في تسمية غير واحد لها ببغداد المغرب، وكذا سبتة وطنجة وغير مدينة من مدن المغرب" (١). ويقول أيضًا: "وكذا ازدهر الحديث في هذا العهد ازدهارًا لها يكن له من قبل، وقد استمد نهضته من اهتمام الموحدين به اهتيامًا كبيرًا، ظهر في استدعائهم للمحدثين من الأندلس وأمرهم بتدريسه إلى جانب المحدثين المغاربة" (٢). وهكذا نلاحظ أن المغرب عرف على عهد الموحدين نهضةً علميةً عظيمةً، صادفها ابن القطَّان في تحصيله العلمي، فاستفاد منها كثيرًا. . قضى مرحلته الأولى في التحصيل العلمي بفاس، ثم انتقل بعدها إلى مراكش، مهد العلم الثانى بعد فاس، ولربما أصبحت على عهد الموحدين تحتل الرتبة الأولى في العلم، لكثرة وفادة العلماء عليها، بسبب إجلال الموحدين لهم واحترامهم وإكرامهم. وكان انتقال ابن القطان إلى مراكش بعد تجاوزه العشرين من العمر، ولم أقف على تاريخ انتقاله إليها بالضبط، وإنما كل ما هنالك أن ابن الأبار يروي: "أن ابن القطان روى عن أبي عبد الله بن البقار الفاسي بفاس، وتفقه بفقهه، وأجاز له جميع روايته سنة (٥٨٢ هـ) " (٣). وبالرجوع إلى الشيوخ الذين أخذ عنهم بمراكش، نجد ابن الأبار، وكذلك ابن عبد الملك يرويان أنه أخذ عن الحافظ أبي عبد الله بن الفخار الأندلسي

стр. 20

الذي وفد إلى مراكش بطلب من المنصور سنة ثمانين وخمسمئة، وتوفي بها سنة تسعين وخمسمئة، ولازمه ملازمة طويلة. . فيفهم من هذا أن انتقاله إلى مراكش كان بعد سنة اثنتين وثمانين وخمسمئة. وقد ذكر شيخنا الدكتور إبراهيم بن الصديق في أطروحته: أن انتقاله إلى مراكش كان بين سنة (٥٨٣ هـ) و (٥٨٥ هـ)، وعزز هذا: بأن بعض شيوخه الذين أخذ عنهم بمراكش مات في هذا التاريخ أو بعده بقليل (١). وعلى كُلٍّ فإن سنة إنتقاله من فاس إلى مراكش بالضبط لم يذكرها الرواة المترجمون له؛ لأنهم لم يتحدثوا عنه، في مرحلته الأولى بفاس، كما تحدثوا عنه في مرحلته الثانية بمراكش؛ لأن في هذه المرحلة ظهر نبوغه العلمي، واشتهر أمره بين العامة والخاصة، وتم اتصاله بملوك الموحدين، وخاصة منهم يعقوب المنصكور الموحدي الذي كان ابن القطان "من أخص جلسائه، وقد صدر به ابن القطان شيوخه في معجم شيوخه" (٢). والذي يمكن القطع به هنا هو أن انتقاله من فاس إلى مراكش، كان بعد أن جاوز العشرين من العمر؛ لأن شيخه أبا عبد الله بن البقار الفاسي أجازه جميع روايته بفاس سنة اثنتين وثمانين وخمسمئة -كما سبق أن ذكرنا- وابن القطان آنذاك كان قد بلغ العشرين من العمر؛ لأن مولده كان سنة اثنتين وستين وخمسمئة. ولما انتقل إلى مراكش لازم علماءها، ونال من حياضهم الكثير، واتصل بملوك الموحدين فاشتهر أمره. ومن العلماء الذين استفاد منهم ابن القطان -وكان يحظى بالتكريم والإِجلال من طرف المنصور بن عبد المؤمن- الحافظ أبو عبد الله بن

стр. 21

الفخار المالقي، الذي استجلبه المنصور إلى مراكش ليسمع بها عليه، سنة ثمانين وخمسمئة. وأبو عبد الله هذا، وصفه الحافظ الذهبي في "تذكرة الحفّاظ": "بالحافظ الإِمام الأوحد" (١). وقال فيه ابن الأبار: "كان صدرًا في حفّاظ الحديث، مقدمًا في ذلك، معروفًا بسرد المتون والأسانيد، مع معرفته بالرجال وحفظ الغريب، سمع منه جلّة، وحدّث عنه أئمة، واعترف له بالحفظ أهل زمانه" (٢). ومن الذين لازمهم ابن القطان في تحصيله العلمي، وكان من علماء المغرب النابغين في علوم الحديث، أبو عبد الله محمد بن طاهر الحسيني الشريف الصقلي الحافظ المغربي الكبير الذي قال فيه ابن عبد الملك: "وكان راوية للحديث، حافظًا لمتونه، بصيرًا بعلله، عارفًا برجاله، مشرفًا على طبقاتهم وتواريخهم" (٣). وبتتبع ابن القطان مجالس مثل هذين العالمين الجليلين، يكون قد أخذ علم الحديث عن أهله المشهورين بالحفظ والإِتقان. . ولم يكن نبوغه فيه عن طريق المطالعة كما قال الحافظ الذهبي في ترجمته، بل كان نبوغه في جميع العلوم، ومنها علوم الحديث، عن طريق ملازمته للشيوخ الكبار الذين وصفهم الحافظ الذهبي نفسه بالحفّاظ. وقد تعرض شيخنا الدكتور إبراهيم بن الصديق لهذا الموضوع في أطروحته، واستوفى فيه البحث تحت عنوان: "الحافظ الذهبي وابن القطان"

стр. 22

وأكّد فيه بأدلة ناهضة، أن ابن القطان تلقى علوم الحديث، عن أصحاب الفن، فيكون بذلك قد "تأصل في الفن في مدرسة حديثية، تفاعل معها، كما هو شأن المحدثين في سائر الأقطار" (١)، بالإِضافة إلى ما ظفر به في هذا الجانب من خلال رحلاته العلمية التي قام بها إلى إفريقية والأندلس (٢)، حيث التقى أثناءها بعلمائها فأخذ عنهم، كما ذكر ابن الأبار وابن عبد الملك في ترجمته. وقد مكنه ذكاؤه وحدة فطنته من استغلال الحركة العلمية المباركة والاستفادة من مدرسة الحديث التي أقيم صرحها على عهد الموحدين، والتي كانت تضم كبار المحدثين والمشهورين في سعة الرواية والدراية من علماء العدوتين: المغرب والأندلس، حتى بلغ مكانة الأئمة الحفَّاظ، يحتج بأقواله في الجرح والتعديل، وبيان علل الحديثا سندًا ومتنًا. رابعًا: شيوخه: تعلَّم ابن القطان أولًا في بلده فاس، سمع الحديث فيها عن جماعة، ثم انتقل إلى مراكش ليسمع عن علمائها ومحدثيها الوافدين عليها، وقد جمع شيوخه في "برنامجه" الذي يقول عنه ابن القاضي: "وجمع برنامجًا مفيدًا في مشيخته" (٣). وقد وقف عليه ابن عبد الملك ونقل عنه شيوخه. ولابن القطان في تحصيله العلمي مرحلتان: الأولى بفاس، والثانية بمراكش، سمع في المرحلة الأولى من شيوخ فاس ومحدثيها، وفي المرحلة الثانية من علماء مراكش وحفّاظها.

стр. 23

ومن هنا أرى أن أبدأ أولًا بالشيوخ الذين تلقى عنهم بفاس، ثم أتبعهم بالشيوخ الذين تلقى عنهم بمراكش سماعًا وإجازة: ١ - الشُّيوخ الذين تلقَّى عنهم بفاس: • علي بن موسى بن علي بن خلف السالمي الجياني: يكنى: أبا الحسن بن الفرات، نزل مدينة فاس، وتولى مهمة التدريس والخطابة بجامع القرويين. ذكره ابن عبد الملك من شيوخ ابن القطان، حيث قال: "روى عنه أبو الحجاج بن محمد الأندي، وأبو الحسن ابن القطان. . .". وقال فيه: "كان مقرئًا مجوِّدًا محدِّثًا راوية" (١). وكان هذا من شيوخ ابن القطان الأوائل، ولازمه ملازمة طويلة، كما قال ابن عبد الملك في ترجمته. • عبد الرحمن بن عيسى بن يوسف: يكنى: أبا القاسم الملجوم الفاسي، اشتهر أمره في العدوتين: المغرب والأندلس، وكثر الرواة عنه، لما كان يتوفر عليه من علو السند، كما يقول ابن القاضي في "جذوة الاقتباس". وكان متصل العناية بالرواية، ولقاء الشيوخ، والإِكثار من حمل الرواية، بصيرًا بالحديث، محافظًا على تقييده وضبطه. . حدّث وأخذ الناس عنه واستجازه من أقاصي البلاد رغبة فيه، وتنافسًا في علو روايته، وكان أهلًا لذلك (٢). وقد ذكره ابن الزبير وابن عبد الملك في شيوخ ابن القطان، توفي سكنة (٦٠٤ هـ).

стр. 24

• محمد بن إبراهيم بن حزب الله: يكنى: أبا عبد الله بن البقار، من شيوخ ابن القطان بفاس، ذكره ابن الأبار في شيوخه، وقال عنه: "وكان من أهل الفقه والحديث متحققًا بالرواية، والحديث عن رجالها، عاكفًا على التدريس، حافظًا متقنًا .. . روى عنه أبو الحسن بن القطان وتفقّه به، فأجاز له جميع روايته سنة (٥٨٢ هـ) " (١). • إبراهيم بن إبراهيم الأنصاري، المقري، الأشبوني: يكنى: أبا إسحاق ابن العشاب، نزيل فاس، ذكره ابن الأبار في شيوخ ابن القطان وقال عنه: "حدّث وأقرأ وأخذ عنه، حكى أبو الحسن بن القطان أنه أجاز له جميع روايته سنة (٥٨٢ هـ) .. توفي سنة (٥٨٣ هـ) " (٢). • محمد بن طاهر الحسيني الشريف الصقلي: يكنى: أبا عبد الله، يعتبر من أجلّ شيوخ فاس وحفّاظها .. عده ابن عبد الملك في شيوخ ابن القطان، حيث قال: "روى عنه أبو الحسن بن القطان، وأبو عبد الله بن حصاد العجلاني، وكان راوية للحديث، حافظًا لمتونه، بصيرًا بعلله، عارفًا برجاله، مشرفًا على طبقاتهم وتواريخهم، عني بهذا الشأن أتم عناية ودرسه ببلده، واستدرك على "الأحكام الكبرى" لعبد الحق أحاديث كثيرة في أكثر الكتب، رأى أن أبا محمد أغفلها، وأنها أولى بالذكر مما أورده أبو محمد في الأحكام، دل ذلك على حسن نظره، وجودة اختياره" (٣). هذه جملة من الشيوخ الذين يرجح أن ابن القطان أخذ عنهم في مرحلته الأولى من التحصيل العلمي بفاس، ويحتمل أن يكون قد تلقى عن بعضهم بمراكش أيضًا بعد انتقالهم إليها.

стр. 25

٢ - أما الشُّيوخ الذين تلقَّى عنهم بمراكش فمنهم: • أبو بكر بن خلف الأنصاري القرطبي: والد الحافظ أبي عبد الله بن أبي بكر بن المواق تلميذ ابن القطان، وقد عده ابن الأبار في شيوخ ابن القطان، وقال عنه: "وعني بالحديث على جهة التفقه والتعليل والبحث عن الأسانيد والرجال والزيادات، وما يعارض أو يعاضد، ولم يعنَ بالرواية، وقد حدّث وسمع منه أبو الحسن بن القطان، وحظي بخدمة السلطان بمراكش .. . وولي قضاء مدينة فاس، وتوفي بها وهو يتولاه في شوال سنة تسعين وخمسمئة" (١). • محمد بن إبراهيم بن خلف: يكنى: أبا عبد الله بن الفخار المالقي الأندلسي "الحافظ الإِمام الأوحد" (٢). كما قال الحافظ الذهبي. وقال عنه ابن الأبار: "كان صدرًا في الحفَّاظ مقدمًا معروفًا بِسَرد المتون والأسانيد، مع معرفة بالرجال وحفظ للغريب، سمع منه جِلَّة، وحدّث عنه أئمة" (٣). وهذا من الشيوخ الذين لازمهم ابن القطان ملازمة طويلة. توفي بمراكش سنة خمسمئة وتسعين (٤). • يعيش بن علي بن مسعود بن يعيش بن القديم الأنصاري الشلبي: يكنى أبا البقاء، نزل بمراكش وبقي فيها مدة، ثم انتقل إلى فاس وبها توفي سنة (٦٢٦ هـ)، عده ابن القاضي في "جذوة الإقتباس" من شيوخ ابن القطان، حيث قال: "حدّث عنه أبو الحسن بن القطان وأبو العباس بن البناء وأبو بكر بن عمر بن عتاب" (٥).

стр. 26

• أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن علي بن محمد بن سليمان المرسي: "الحافظ الإِمام محدث تلمسان" (١)، كما قال الحافظ الذهبي. أخذ عن علماء الأندلس ثم رحل إلى الشرق وبقي به مدة طويلة، روى خلالها عن علماء أجلاّء، منهم: السّلفي، ويقال: إنه دعا له بطول العمر، وقال له: "تكون محدث المغرب إن شاء الله" (٢). وذكر ابن الأبار رحلته إلى الشرق هذه، فقال: "وقفل من رحلته الحافلة هذه، فأخذ عنه بسبتة سنة (٥٧٤ هـ)، ثم نزل تلمسان، واتخذها وطنًا، وحدّث بها وألَّف، ورحل الناس إليه وسمعوا منه كثيرًا" (٣). وذكره ابن عبد الملك في "الذيل والتكملة" وكذلك ابن الزبير في "صلة الصلة" في شيوخ ابن القطان .. وذكر ابن القاضي: أنه "قدم فاس عام أربعة وتسعين وخمسمئة، وروى عنه بها خلق كثير" (٤). توفي بمراكش سنة (٦١٠ هـ). • أبو الخطَّاب بن واجب أحمد بن محمد بن عمر القيسي البلنسي: وصفه ابن الأبار بقوله: "حامل راية الرواية بشرق الأندلس، وآخر المحدثين المسندين" .. وقال فيه أيضًا: "فصار لا يعدل به أحد من أهل وقته عدالة وجلالة وسعة أسمعة وعلو إسناد وصحة قول وضبط، مع عناية كاملة بصناعة الحديث وبصر

стр. 27

به، وتحقق بحمله وذكر لرجاله، وتهافت على جمع كتبه وما يتعلق بفنه، ومحافظة على اسمه ونشره، وترغيب لأهله فيه، وكانت الرحلة إليه في زمانه" (١). توفي بمراكش سنة (٦١٤ هـ). ونقل ابن عبد الملك عن برنامج ابن القطان أنه من شيوخه. • أحمد بن هارون بن أحمد بن جعفر بن عتاب النفزي: "الحافظ الإِمام الثقة" هكذا وصفه الحافظ الدهبي، يكنى: أبا عمر، وصفه ابن الأبار بقوله: "كان أحد الحفَّاظ، يسرد المتون، ويحفظ الأسانيد عن ظهر قلب لا يخل منها بشيء، موصوفًا بالدراية والرواية، يغلب عليه الورع والزهد على منهاج السلف، وله تآليف دالة على سعة حفظه" (٢). وقال فيه ابن عبد الملك: "وكان من أكابر المحدثين الجلّة الحفّاظ المسندين للحديث، وكان أهل شاطبة يفاخرون بأبوي: عمر بن عبد البر، وابن عتّاب" (٣). استشهد في وقعة "العقاب" سنة تسع وستمئة (٤). ذكره ابن عبد الملك في "الذيل والتكملة" في شيوخ ابن القطان. • أحمد بن يزيد بن عبد الرحمن بن بقي: يكنى: أبا القاسم، من ذرية بقي بن مخلد، وصفه ابن الأبار بأنه: "قاضي قضاة المغرب، من أهل قرطبة، ولي قضاء الجماعة بمراكش، بالإضافة إلى خطَّتي: المظالم والكتابة العليا، توفي سنة (٦١٥ هـ) " (٥). سمع منه ابن القطان مسند جده وتفسيره، ولازمه مدة طويلة. قاله ابن عبد الملك.

стр. 28

• أحمد بن يحيى بن عميرة الضبي المرسي: يكنى: أبا جعفر. قال ابن الأبار: "روى عنه جماعة من شيوخنا وكبار أصحابنا" (١). ودخل مراكش (٢)، وعده ابن الأبار وابن عبد الملك في شيوخ ابن القطان. توفي سنة (٥٩٩ هـ). • أبو العباس الصيقل أحمد بن سلمة بن أحمد اللورقي الأندلسي: سكن تلمسان، قال ابن الأبار: "كان من أهل العناية الكاملة للحديث، والمعرفة بصناعته، والتقدم في الضبط والإِتقان" (٣). وذكره ابن الأبار، وكذلك ابن عبد الملك في شيوخ ابن القطان. توفي سنة (٥٩٨ هـ). هؤلاء هم الشيوخ الذين روى عنهم ابن القطان ولازمهم كثيرًا، بالإِضافة إلى عدد كبير من الشيوخ الذين تحمل عنهم ابن القطان عن طريق المكاتبة .. ورغم ما قام به من الرحلات إلى إفريقية والأندلس، فقد فاته اللقاء بعدد من الشيوخ ورغب في تحمُّل رواياتهم عن طريق المكاتبة. وصورة المكاتبة: "أن يكتب الشيخ بعض حديثه لمن حضر عنده، أو لمن غاب عنه ويرسله إليه، وسواء كتبه بنفسه، أو أمر غيره أن يكتبه، ويكفي أن يعرف المكتوب له خط الشيخ، أو خط الكاتب عن الشيخ، ويشترط فيها: أن يعلم أن الكاتب ثقة" (٤). وقد كاتبا ابنَ القطان عددٌ كبيرٌ من الشيوخ، نذكر من بينهم:

стр. 29

• الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبيد الله الحجري الأندلسي: نزيل سبتة، وبها توفي سنة (٥٩١ هـ)، ذكره ابن عبد الملك وكذلك ابن الزبير في المجيزين لابن القطان. • أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن كوثر الغرناطي: سمع من علماء الأندلس والمشرق ورجع إلى بلده "بعلم كثير ورواية واسعة" (١)، أخذ عنه خلق كثير .. ذكره ابن عبد الملك وابن الزبير في شيوخ ابن القطان. • أبو عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون الإِشبيلي: أخذ عن القاضي عياض ولازمه كثيرًا، قال ابن الأبار: "وكان الناس يرحلون إليه للسماع منه لعلو روايته، توفي سنة (٥٨٦ هـ) " (٢). جعله ابن عبد الملك في مَن روى عنهم ابن القطان مكاتبة، وكذلك ابن الزبير. • أبو محمد بن عبد المنعم بن محمد الخزرجي الغرناطي المعروف بابن الفرس: ذكره ابن عبد الملك في الشيوخ الذين روى عنهم ابن القطان سماعًا، أما ابن القاضي فقد عده في "جذوة الإقتباس" في الشيوخ الذين روى عنهم ابن القطان مكاتبة، توفي سنة (٥٩٧ هـ). فهذه جملة من الشيوخ الذين روى عنهم ابن القطان سماعًا أو مكاتبة .. كلهم كما رأينا قد بلغوا مرتبة في الحفظ والإِتقان وسعة النظر، ساعدته ملكته القوية على الإستفادة منهم كثيرًا. خامسًا: تلامدته والرواة عنه: كان دور ابن القطان في تلقين طلبَة العلم في حلقاته المباركة الكبيرة التي كان يعقدها في قصر الخلافة وغيره بمراكش وغيرها، كدور كلِّ عالم

стр. 30

متبحِّر في الرواية والدراية، فقد ضمَّت حلقاتُه العلميةُ عددًا كبيرًا من الذين كانت لهم الرغبة في الأخذ والتحديث عنه. وقد قال ابن الأبار عنه: "درَّس وحدث". وقال ابن عبد الملك بعد أن ذكر عددًا من تلامذته: "في خَلْق لا يحصون كثرة أخذوا عنه بمراكش وغيرها من بلاد العدوة إلى إفريقية، وبالأندلس". وابن عبد الملك هذا يُعد من تلامذة تلامذته، يقول ابن عبد الملك وهو يعد شيوخه الذين رووا عن ابن القطان: "ومن شيوخنا الرواة عنه سوى ابنه أبي محمد: أبو الحسن الكفيف، وأبو زيد بن القاسم الطراز، وأبو عبد الله بن الطراوة، وأبو عبد الله المدعو بالشريف، وأبو علي المقاري، وأبو القاسم العرفي، والمطماطي، وأبو محمد عبد الواحد بن مخلوف بن موسى المشّاط". ومن أشهر تلامذة ابن القطان: • ابناه: أبو محمد حسن وأبو عبد الله الحسين: وكان أبوهما شديد العناية بهما، يستجيز لهما المحدثين "ويرغب في أن يؤلفوا لهما كتب الدراسة والتلقين" (١). ومن الذين استجابوا لرغبة ابن القطان في التأليف لولديه أبو عبد الله التجيبي الذي ألّف لهما كتاب "التلقين"، وقد أكَّد شيخنا الدكتور إبراهيم بن الصديق في رسالته "علم العلل في المغرب" أن كتاب "التلقين" هذا، هو من تأليف أبي عبد الله التجيبي، وليس من تأليف عبد الحق الإِشبيلي، كما ذكر ابن عبد الملك في ترجمة ابن القطان، واعتبر ذلك وهمًا من ابن عبد الملك (٢). وقد حظي أبو محمد حسن ابن القطان بالتكريم والتقدير من طرف أبي

стр. 31

حفص عمر المرتضى، أحد خلفاء الموحدين، وولي القضاء على عهده وله مؤلفات. (١) • ومن تلامذة ابن القطان: الحافظ أبو عبد الله بن المواق محمد بن يحيى بن أبي بكر: المراكشي النشأة، القرطبي الفاسي الأصل، قال فيه ابن عبد الملك: وكان فقيهًا حافظًا محدِّثًا مقيدًا ضابطًا متقنًا، نبيل الخط بارعه، ناقدًا محققًا، ذاكرًا أسماء الرجال وتواريخهم وأحوالهم، وله تعقب على كتاب شيخه أبي الحسن ابن القطان الموسوم بـ "بيان الوهم والإِيهام الواقعين في كتاب الأحكام". ولأبي عبد الله أيضًا مصنفات غير ما ذكر، منها: "شيوخ الدارقطني" و"شرح مقدمة صحيح مسلم" ومقالات كثيرة في أغراض شتى حديثية وفقهية، وتنبيهات مفيدة، ووقفت على جملة من "شرح الموطأ" في غاية النبل وحسن الوضع ... استقضي ببلنسية وفاس، توفي سنة اثنتين وأربعين وستمئة (٢). وقد ذكر صاحب "الرسالة المستطرفة" اسم الكتاب الذي تعقب فيه ابن المواق على كتاب شيخه: "بيان الوهم والإِيهام" فقال: "وقد تعقَّب كتابه هذا في توهيمه لعبد الحق تلميذه الحافظ الناقد المحقق أبو عبد الله محمد ابن الإِمام يحيى (ابن المواق) في كتاب سمّاه: "المآخذ الحفال السامية عن مآخذ الإِهمال في شرح ما تضمنه كتاب بيان الوهم والإيهام من الإخلال والإِغفال، وما انضاف إليه من تتميم وإِكمال"، تعقُّبًا ظهر فيه كما قال الشيخ القصَّار: إدراكه ونبله، وبراعة نقده .. إلا أنه تولَّى إخراجه من المبيضة ثم اخترمته المنية، ولم يبلغ من تكميله الأمنية، فتولى تكميل تخريجه مع زيادة تتمات، وكتب ما تركه المؤلف بياضًا: "أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن رشيد" (٣)

стр. 32

وذكر صاحب "كشف الظنون" أن كتاب "بغية النقّاد في أصول الحديث" للإِمام الحافظ عبد الله بن المواق، وقد علمت أن اسمه محمد وكنيته أبو عبد الله (١). وقد وصفه الحافظ العراقي بـ"الحافظ" (٢). • ومن تلامذته أيضًا: أبو عبد الله محمد بن عياض بن محمد بن عياض بن موسكى اليحصبي: حفيد القاضي عياض. قال فيه ابن الزبير: "كان من عدول القضاة وجلّة سراتهم وأهل النزاهة فيهها .. . محبًّا في أهل العلم مقرِّبًا لأصاغر الطلبة، ومكرمًا لهم، ومعتنيًا بهم، يحبِّب إليهم العلم والتمسُّك به، قرأ بسبتة وأسند بها، ورحل إلى الجزيرة الخضراء .. . وُلد سنة (٥٨٤ هـ)، وتوفي بغرناطة سنة (٦٥٥ هـ) " (٣). وهو من شيوخ شيوخ ابن عبد الملك (٤). • ومن تلامذته كذلك: أبو عبد الله محمد بن السباني المعروف بابن الطراوة: قال فيه صاحب "الذيل والتكملة": "كان حافظًا للتواريخ على تبيان أنواعها، ذاكرًا لها محاضرًا بها .. . توفي بسجلماسة سنة (٦٥٩ هـ) " (٥). ومن الذين استجازهم ابن القطان ورووا عنه من غير أن يلقاهم: • أبو الحسن علي بن محمد بن علي الشاري السبتي: قال عنه ابن الزبير: "إن جلّة المحدثين الأندلسيين أخذوا عنه" (٦).

стр. 33

وقال ابن عبد الملك: "كتب إليه مجيزًا ولم يلقه: أبو جعفر بن مضاء، وأبو الحسن بن القطان" (١). وقائمة أسماء مَن روى عن ابن القطان طويلة لا يحصون، كما قال ابن عبد الملك: "في خلق لا يحصون كثرة .. ." نكتفي بهذا القدر منهم. وقد عدّ الحافظ العراقي في "طرح التثريب" ابن الأبار من تلامذة ابن القطان، حيث قال: "أخذ عنه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الأبار" (٢). والغريب أن ابن الأبار نفسه لم يُشِرْ إلى هده التلمذة في "التكملة"، وكذلك ابن عبد الملك، ولعل الحافظ العراقي عثر على هذه التلمذة في مؤلف انتهى إلى علماء المشرق، ولم يتم العثور عليه من طرق علماء المغرب (٣). • ومن الذين أجازهم ابن القطان الحافظ أبو بكر بن مسدي. قال في "برنامجه" عن ابن القطان: "عاقت الفتن المدلهمة عن لقائه، وقد أجاز لي مروياته" (٤). سادسًا: مكانته العلمية: بقيت شخصية ابن القطان مغمورة منذ عهود بعيدة رغم ما عرف به من سعة العلم وقوة الحفظ وكثرة الإِنتاج في الأوساط العلمية، فهو لا يقل عن الأعلام الذين ظفروا بالدراسة الواسعة .. وقد أدى الإِغفال عن مثل هذه الشخصية المغربية العظيمة، إلى طمس الجانب العلميِّ الذي انتهى إليه المغاربة، وخصوصًا في علم الحديث، الذي يعتبر ابن القطان أحد أعلامه البارزين فيه

стр. 34

رواية ودراية .. وأصبح من المشهور لدى المشارقة أن المغاربة لم يظهر لهم نجم في علم الحديث، وإنما انصبَّتْ دراساتهم على علم الفروع فقط. ولذلك وجب على الباحث المغربي أن يتَّجه إلى تراث أسلافه الكرام، ليقيم في ضوئه دراسات وبحوثًا، ويظهر من خلالها المكانة العلمية التي انتهى إليها المغاربة في جميع العلوم، ومنها علم الحديث .. والإهتمام بمثل شخصية ابن القطان يكشف النقاب عن حقيقة المغاربة في الميدانِ العلميِّ، وما خلّفه علماؤه الأمجاد من التراث الخالد. وشخصية ابن القطان ظلَّت مجهولة عند العديد من المهتمِّين بالتراجم والدراسات حتَّى إنَّ بعضهم يحسبه من حفّاظ المشرق. والذين وقفوا على إنتاجه العلميِّ من علماء المشرق كالحافظ الذهبيِّ، والحافظ العراقيِّ، والحافظ ابن حجر، يربطون بين شخصيته وبين ذلك الإِنتاج، ويعدُّونه من الحفّاظ المغاربة الذين اشتهروا في القرن السادس والسابع بالمشاركة والتطلُّع في جميع العلوم كالحديث والفقه والأصول والتاريخ والتفسير والعربية. وقد اهتم ابن عبد الملك في "الذيل والتكملة" بإنتاجه العلميِّ، فقال بعد أن ذكر عددًا من مؤلفاته: "إلى غير ذلك من المعلقات والفوائد في التفسير والحديث، والفقه وأصوله، والكلام والآداب، والتواريخ والأخبار". وقد وصفه ابن الأبار بقوله: "وكان من أبصر الناس بصناعة الحديث، وأحفظهم لأسماء رجاله، وأشدهم عناية بالرواية" (١). وأضاف ابن القاضي في "جذوة الإقتباس" إلى ما نقله عن ابن الأبار في ابن القطان: "مع التفنن في المعرفة والدراية" (٢).

стр. 35

وقال ابن الزبير (ت ٧٠٨ هـ): "وكان ذاكرًا للرجال والتاريخ، عارفًا بعلل الحديث، نقّادًا ماهرًا" (١). وقال ابن عبد الملك: "وكان ذاكرًا للحديث، متبحِّرًا في علومه، بصيرًا بطرقه، عارفًا برجاله، عاكفًا على خدمته، مميزًا صحيحه من سقيمه، مثابرًا على التلبس بالعلم وتقييده عمره، كتب بخطه على ضعفه الكثير، وعني بخدمة كتب بلغ فيها الغاية، منها نسخته بخطه من صحيح مسلم، والسنن لأبي داود وغيرها" (٢). أما إذا رجعنا إلى ما قاله فيه علماء المشرق الذين اطَّلعوا على إنتاجه العلميِّ، فنجدهم يُضفون عليه كلَّ الصفات التي لها يظفر بها إلا القليل من العلماء الأفاضل، فهذا الحافظ جمال الدين بن مسدي يقول فيه ما نصُّه: "كان معروفًا بالحفظ وإلإِتقان، ومن أئمة هذا الشأن" (٣). وهذا الحافظ الذهبيُّ يصفه في "تذكرة الحفّاظ" بـ: "الحافظ العلّامة الناقد قاضي الجماعة"، ويقول: "طالعت كتابه المسمى بـ"الوهم والإِيهام" الذي وضعه على "الأحكام الكبرى" يدل على حفظه وقوة فهمه، لكنه تعنت في أحوال رجال فما أنصف، يحيث إنه أخذ يلين هشام بن عروة ونحوه". (٤) وهذا أيضًا الحافظ العراقي يقول فيه في كتابه، "طرح التثريب": "أحد الحفّاظ الأعلام، صاحبا كتاب: بيان الوهم والإِيهام" (٥).

стр. 36

وهذا كذلك الحافظ السيوطيُّ يترجم له في "طبقات الحفّاظ" ويصفه: بـ "الحافظ الناقد العلّامة" (١). إلى غير ذلك من الشهادات المستفيضة فيه، وكلها تؤكد قوة حفظه ومتانة علمه وتفننه فيه مع الثقة والأمانة، ولم يحز هذه الأوصاف إلا القليل من الحفّاظ الكبار كعلي ابن المديني ويحيى بن معين والبخاري وغيرهم. سابعًا: إِنتاجه العلمي: إن إمامًا كابن القطان، الذي تتلمذ لشيوخ كبار عُرفوا بسعة الإطلاع، وقوة الحفظ، وبراعة النقد، لا بد وأن يكون له إنتاجٌ علميٌّ كبير في كلِّ العلوم التي طلبها، واشتهر أمره فيها. ولقد ذكر المترجمون لابن القطان -وخصوصًا ابن عبد الملك- قائمةً طويلةً من المؤلَّفات لم يعثر على معظمها حتَّى الآن، ولعلَّ بعضها يكون قد ضاع في حوادث المعتصم الموحدي مع عمِّه المأمون -كما يذكر صاحب "الإستقصاء"؛ حيث قال: "ولم يزل مع مغروره المعتصم في حركاته واضطراب أمره مع المأمون عمِّه إلى أن نجا المعتصم أمام عمِّه إلى سجلماسة، فأدركت أبا الحسن منيته مبطونًا، حسيرًا على ما فقد من أهله وبنيه وكتبه وسائر ممتلكاته" (٢). ونذكر من مؤلفاته ما يلي: ١ - كتاب "بيان الوهم والإِيهام، الواقعين في كتاب الأحكام": وهذا الكتاب يُعتبر من أشهر كتبه وأهمها على الإِطلاق، إذ يشتمل على علم غزير في الحديث وعلله ورجاله برهن فيه على "حفظه وقوة فهمه" (٣) كما قال الحافظ

стр. 37

الذهبي عنه، وفيه حكم على رتبة مئات الأحاديث من عشرات المصنفات، ودرس إسنادها ومتنها، وعرَّف بحال رواتها. ومثل هذا المجهود العظيم لا يتأتَّى إلا لمتضلِّع في علوم الحديث بجميع فروعه، ولا نطيل في التعريف بهذا الكتاب؛ لأنه ليس من غرضنا، وقد أفاض شيخنا الدكتور إبراهيم بن الصديق في دراسته لهذا الكتاب، في أطروحته "علم العلل في المغرب"، من خلال كتاب "بيان الوهم والإِيهام الواقعين في كتاب الأحكام" لأبي الحسن ابن القطان الفاسي. فليرجع إليه. ٢ - "الإِقناع في مسائل الإِجماع": ويطلق عليه بعضهم: "مراتب الإِجماع"، أما صاحب "طبقات المالكية" فيسميه: "الإِجماع". وتكثر النقول عنه في كتب الفقه والخلاف، ومنه نسخة في قصر غاليوم الثاني بقرية بوتسدام، التي تبعد سبعة كيلومترات عن برلين الشرقية، تحت رقم (٩٥)، رأيتُ ذلك في قائمة المخطوطات التي أعدَّها الدكتور فوزي رئيس قسم الهندسة الميكانيكية بمصر، وجدتُ هذه القائمة عند الشيخ حمَّاد الأنصاري أستاذ بالجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة .. وذكر لي أن الشيوعيين ضربوا الحصار الشديد على هذه المكتبة، بحيث يمنعون كلَّ باحثٍ إسلاميٍّ من الدخول إليها والإستفادة من نفائسها، وقد كتبتُ إلى المسؤولين عنها مرارًا أسألهم عن كتاب "الإقناع في مسائل الإجماع" فلم ألقَ أي إجابة منهم، فتأكَّد لي ما ذكره فضيلة الشيخ حمَّاد الأنصاري! .. ونسأل الله أن يفكَّ عنها ذلك الحصار، حتى يتمكَّن الباحثون من الإستفادة من نفائسها الإِسلامية. وبالخزانة العامة بالرباط صورة من كتاب: "الإِقناع في مسائل الإِجماع" على الميكروفيلم تحمل نفس الرقم الذي تحمله النسخة الموجودة بقصر غاليوم المشار إليها قبل، والظاهر أنها مصورة عن هذه النسخة.

стр. 38

وفي هذا الكتاب يقتصر ابن القطان على استعراض ما أجمع عليه العلماء في المسائل الإعتقادية والفقهية من غير تعليق منه أو تدخل، وكثيرًا ما ينقل عن ابن عبد البر من كتاب "التمهيد" و"الاستذكار"، وعن ابن حزم من "مراتب الإِجماع"، و"المحلى"، وعن الشافعي من "الرسالة"، وعن ابن المنذر وغيرهم، وقد طبع كما تقدم بتحقيق ودراسة وشرح الدكتور فاروق حمادة. ٣ - كتاب "إحكام النظر في أحكام النظر": ولهذا الكتاب شهرته الكبيرة عند المحدثين والفقهاء، وهو هذا الكتاب. ٤ - "رسالة في فضل يوم عاشوراء، والترغيب في الإِنفاق فيه على الأهل": ومنها نسخة في خزانة ابن يوسف بمراكش، تضم نحو ثلاثين صفحة، تحدث فيها عن حديث: "مَن وسّع على أهله وعياله يوم عاشوراء، وسّع الله عليه سائر سنته" وحسنه. وله مؤلفات أخرى كثيرة ذكر أغلبها ابن عبد الملك في كتابه "الذيل والتكملة"، منها: ٥ - "نقع الغلل والفوائد والعلل في الكلام على أحاديت السنن لأبي داود". ٦ - "البستان في أحكام الجنان": يقول ابن عبد الملك: "مجلدان متوسطان". ٧ - يذكر ابن عبد الملك أن له "كتابًا حافلًا جمع فيه الحديث الصحيح محذوف السند، جمعه من المسندات والمصنفات .. كمَّل منه كتاب الطهارة والصلاة والجنائز والزكاة في نحو عشر مجلدات"، ولم يذكر ابن عبد الملك اسم هذا الكتاب. ٨ - "إنهاء البحث منتهاه، عن مغزى من أثبت القول بالقياس ومن نفاه".

стр. 39

٩ - "النزع في القيالس لمناضلة من سلك غير المهيع في إثبات القياس": يردُّ فيه على عالم اسمه: أبو علي الطوير، ذكر ذلك ابن عبد الملك. ١٠ - "الردّ على أبي محمد بن حزم في كتاب المحلى". ١١ - "شيوخ الدارقطني": مجلد متوسط. ١٢ - "تجريد من ذكره الخطيب في تاريخه من رجال الحديث بحكاية أو شعر". ١٣ - "تقريب الفتح القسي". ١٤ - "كتاب ما حاضر به الأمراء": مجلد متوسط. ١٥ - "أسماء الخيل وأنسابها وأخبارها": مجلد متوسط. ١٦ - "أبو قلمون": مجلدان ضخمان. ١٧ - "مسائل من أصول الفقه": زعم أنه لم يذكرها الأصوليون في كتبهم. ١٨ - "رسالة في الإِمامة الكبرى". ١٩ - "رسالة في القراءة خلف الإِمام". ٢٠ - "رسالة في الوصية للوارث". ٢١ - "رسالة في المنع من إلقاء التفث في عشر ذي الحجة للمضحي". ٢٢ - "رسالة في منع المجتهد من تقليد المحدث في تصحيح الحديث لدى العمل". ٢٣ - "رسالة في الرهن يوضع على يد أمين فيعتدي فيه". ٢٤ - "رسالة في مشاطرة العمّال". ٢٥ - "رسالة في الطلاق الثلاث".

стр. 40

٢٦ - "رسالة في الأيمان اللازمة". ٢٧ - "رسالة في الختان". ٢٨ - "رسالة في التسعير". ٢٩ - "رسالة في معاملة الكافر". ٣٠ - "المقالة المعقولة في حكم فتوى الميت والفتوى المنقولة". ٣١ - "رسالة في الأوزان والمكاييل". ٣٢ - "رسالة في حث الإِمام على القعود لسماع مظالم الرعية". ٣٣ - "مقالة في تبيين التناسب بين قول النبي ﷺ : "ويتوب الله على مَن تاب"، وما قبله من الحديث". ٣٤ - "مقالة في تفسير قول المحدثين في الحديث: إنه حسن". ٣٥ - "رسالة في تحريم التساب". ٣٦ - "مقالة في الوصية للجنين". ٣٧ - "أحاديث في فضل التلاوة والذكر". ٣٨ - "برنامج شيوخه" (١). هذه مجموعة من مؤلفاته تُظهر لنا قيمته العلمية، ومشاركته الواسعة، وقد اعتمدها المحدثون والفقهاء من بعده. ثامنًا: المناصب العلمية التي تبوَّأها، وحظوته عند الموحدين: لقد بوَّأه علمُه الغزيرُ مكانةً مرموقة بين أقرانه وعلماء عصره، وحاز قصب السبق عند العديد من ملوك الموحدين، وذاع صيتُه في الآفاق العلمية، وأعجب
следующие страницы →