وهذا كذلك الحافظ السيوطيُّ يترجم له في "طبقات الحفّاظ" ويصفه: بـ "الحافظ الناقد العلّامة" (١).
إلى غير ذلك من الشهادات المستفيضة فيه، وكلها تؤكد قوة حفظه ومتانة علمه وتفننه فيه مع الثقة والأمانة، ولم يحز هذه الأوصاف إلا القليل من الحفّاظ الكبار كعلي ابن المديني ويحيى بن معين والبخاري وغيرهم.
سابعًا: إِنتاجه العلمي:
إن إمامًا كابن القطان، الذي تتلمذ لشيوخ كبار عُرفوا بسعة الإطلاع، وقوة الحفظ، وبراعة النقد، لا بد وأن يكون له إنتاجٌ علميٌّ كبير في كلِّ العلوم التي طلبها، واشتهر أمره فيها.
ولقد ذكر المترجمون لابن القطان -وخصوصًا ابن عبد الملك- قائمةً طويلةً من المؤلَّفات لم يعثر على معظمها حتَّى الآن، ولعلَّ بعضها يكون قد ضاع في حوادث المعتصم الموحدي مع عمِّه المأمون -كما يذكر صاحب "الإستقصاء"؛ حيث قال: "ولم يزل مع مغروره المعتصم في حركاته واضطراب أمره مع المأمون عمِّه إلى أن نجا المعتصم أمام عمِّه إلى سجلماسة، فأدركت أبا الحسن منيته مبطونًا، حسيرًا على ما فقد من أهله وبنيه وكتبه وسائر ممتلكاته" (٢).
ونذكر من مؤلفاته ما يلي:
١ - كتاب "بيان الوهم والإِيهام، الواقعين في كتاب الأحكام": وهذا الكتاب يُعتبر من أشهر كتبه وأهمها على الإِطلاق، إذ يشتمل على علم غزير في الحديث وعلله ورجاله برهن فيه على "حفظه وقوة فهمه" (٣) كما قال الحافظ
стр. 37
الذهبي عنه، وفيه حكم على رتبة مئات الأحاديث من عشرات المصنفات، ودرس إسنادها ومتنها، وعرَّف بحال رواتها.
ومثل هذا المجهود العظيم لا يتأتَّى إلا لمتضلِّع في علوم الحديث بجميع فروعه، ولا نطيل في التعريف بهذا الكتاب؛ لأنه ليس من غرضنا، وقد أفاض شيخنا الدكتور إبراهيم بن الصديق في دراسته لهذا الكتاب، في أطروحته "علم العلل في المغرب"، من خلال كتاب "بيان الوهم والإِيهام الواقعين في كتاب الأحكام" لأبي الحسن ابن القطان الفاسي. فليرجع إليه.
٢ - "الإِقناع في مسائل الإِجماع": ويطلق عليه بعضهم: "مراتب الإِجماع"، أما صاحب "طبقات المالكية" فيسميه: "الإِجماع".
وتكثر النقول عنه في كتب الفقه والخلاف، ومنه نسخة في قصر غاليوم الثاني بقرية بوتسدام، التي تبعد سبعة كيلومترات عن برلين الشرقية، تحت رقم (٩٥)، رأيتُ ذلك في قائمة المخطوطات التي أعدَّها الدكتور فوزي رئيس قسم الهندسة الميكانيكية بمصر، وجدتُ هذه القائمة عند الشيخ حمَّاد الأنصاري أستاذ بالجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة .. وذكر لي أن الشيوعيين ضربوا الحصار الشديد على هذه المكتبة، بحيث يمنعون كلَّ باحثٍ إسلاميٍّ من الدخول إليها والإستفادة من نفائسها، وقد كتبتُ إلى المسؤولين عنها مرارًا أسألهم عن كتاب "الإقناع في مسائل الإجماع" فلم ألقَ أي إجابة منهم، فتأكَّد لي ما ذكره فضيلة الشيخ حمَّاد الأنصاري! .. ونسأل الله أن يفكَّ عنها ذلك الحصار، حتى يتمكَّن الباحثون من الإستفادة من نفائسها الإِسلامية.
وبالخزانة العامة بالرباط صورة من كتاب: "الإِقناع في مسائل الإِجماع" على الميكروفيلم تحمل نفس الرقم الذي تحمله النسخة الموجودة بقصر غاليوم المشار إليها قبل، والظاهر أنها مصورة عن هذه النسخة.
стр. 38
وفي هذا الكتاب يقتصر ابن القطان على استعراض ما أجمع عليه العلماء في المسائل الإعتقادية والفقهية من غير تعليق منه أو تدخل، وكثيرًا ما ينقل عن ابن عبد البر من كتاب "التمهيد" و"الاستذكار"، وعن ابن حزم من "مراتب الإِجماع"، و"المحلى"، وعن الشافعي من "الرسالة"، وعن ابن المنذر وغيرهم، وقد طبع كما تقدم بتحقيق ودراسة وشرح الدكتور فاروق حمادة.
٣ - كتاب "إحكام النظر في أحكام النظر": ولهذا الكتاب شهرته الكبيرة عند المحدثين والفقهاء، وهو هذا الكتاب.
٤ - "رسالة في فضل يوم عاشوراء، والترغيب في الإِنفاق فيه على الأهل": ومنها نسخة في خزانة ابن يوسف بمراكش، تضم نحو ثلاثين صفحة، تحدث فيها عن حديث: "مَن وسّع على أهله وعياله يوم عاشوراء، وسّع الله عليه سائر سنته" وحسنه.
وله مؤلفات أخرى كثيرة ذكر أغلبها ابن عبد الملك في كتابه "الذيل والتكملة"، منها:
٥ - "نقع الغلل والفوائد والعلل في الكلام على أحاديت السنن لأبي داود".
٦ - "البستان في أحكام الجنان": يقول ابن عبد الملك: "مجلدان متوسطان".
٧ - يذكر ابن عبد الملك أن له "كتابًا حافلًا جمع فيه الحديث الصحيح محذوف السند، جمعه من المسندات والمصنفات .. كمَّل منه كتاب الطهارة والصلاة والجنائز والزكاة في نحو عشر مجلدات"، ولم يذكر ابن عبد الملك اسم هذا الكتاب.
٨ - "إنهاء البحث منتهاه، عن مغزى من أثبت القول بالقياس ومن نفاه".
стр. 39
٩ - "النزع في القيالس لمناضلة من سلك غير المهيع في إثبات القياس":
يردُّ فيه على عالم اسمه: أبو علي الطوير، ذكر ذلك ابن عبد الملك.
١٠ - "الردّ على أبي محمد بن حزم في كتاب المحلى".
١١ - "شيوخ الدارقطني": مجلد متوسط.
١٢ - "تجريد من ذكره الخطيب في تاريخه من رجال الحديث بحكاية أو شعر".
١٣ - "تقريب الفتح القسي".
١٤ - "كتاب ما حاضر به الأمراء": مجلد متوسط.
١٥ - "أسماء الخيل وأنسابها وأخبارها": مجلد متوسط.
١٦ - "أبو قلمون": مجلدان ضخمان.
١٧ - "مسائل من أصول الفقه": زعم أنه لم يذكرها الأصوليون في كتبهم.
١٨ - "رسالة في الإِمامة الكبرى".
١٩ - "رسالة في القراءة خلف الإِمام".
٢٠ - "رسالة في الوصية للوارث".
٢١ - "رسالة في المنع من إلقاء التفث في عشر ذي الحجة للمضحي".
٢٢ - "رسالة في منع المجتهد من تقليد المحدث في تصحيح الحديث لدى العمل".
٢٣ - "رسالة في الرهن يوضع على يد أمين فيعتدي فيه".
٢٤ - "رسالة في مشاطرة العمّال".
٢٥ - "رسالة في الطلاق الثلاث".
стр. 40
٢٦ - "رسالة في الأيمان اللازمة".
٢٧ - "رسالة في الختان".
٢٨ - "رسالة في التسعير".
٢٩ - "رسالة في معاملة الكافر".
٣٠ - "المقالة المعقولة في حكم فتوى الميت والفتوى المنقولة".
٣١ - "رسالة في الأوزان والمكاييل".
٣٢ - "رسالة في حث الإِمام على القعود لسماع مظالم الرعية".
٣٣ - "مقالة في تبيين التناسب بين قول النبي ﷺ : "ويتوب الله على مَن تاب"، وما قبله من الحديث".
٣٤ - "مقالة في تفسير قول المحدثين في الحديث: إنه حسن".
٣٥ - "رسالة في تحريم التساب".
٣٦ - "مقالة في الوصية للجنين".
٣٧ - "أحاديث في فضل التلاوة والذكر".
٣٨ - "برنامج شيوخه" (١).
هذه مجموعة من مؤلفاته تُظهر لنا قيمته العلمية، ومشاركته الواسعة، وقد اعتمدها المحدثون والفقهاء من بعده.
ثامنًا: المناصب العلمية التي تبوَّأها، وحظوته عند الموحدين:
لقد بوَّأه علمُه الغزيرُ مكانةً مرموقة بين أقرانه وعلماء عصره، وحاز قصب السبق عند العديد من ملوك الموحدين، وذاع صيتُه في الآفاق العلمية، وأعجب
стр. 41
به كلُّ من سمعه أو اطلع على إنتاجه العلمي، وحلّاه بآيات من الثناء العاطر والشكر المتواصل.
وقد أهَّله اطلاعه الواسع على علوم الحديت الشريف؛ لأن يكون رأس طلبة العلم بمراكش، وهو الذي يُعرف إلى عهد قريب بـ"سلطان الطلبة"، وكان هذا المنصب على عهد الموحدين من أرفع المناصب العلمية، لا يتقلدها إلا مَن بلغ مرتبة الإِمامة في الحديث والفقه والأصول، وقد كان ابن القطان كذلك .. . يقول جمال الدين بن مسدي: "كان شيخ شيوخ أهل العلم في الدولة المومنية" (١).
بالإِضافة إلى ما كان يحوزه من التقدير والإحترام من طرف الجميع، يؤكِّد هذا ابن عبد الملك عندما يقول: "كان معظَّمًا عند الخاصة والعامة من آل دولة عبد المؤمن" (٢).
ولما كان ابن القطان هكذا، قرَّبه بعضُ ملوك الموحِّدين إليهم وجعلوه من أخصِّهم، ونال بخدمتهم دنيا عريضة، وخصوصًا منهم: يعقوب المنصور، وابنه الناصر، فالمستنصر بن الناصر، وأبو محمد عبد الواحد أخو المنصور، وأبو زكرياء المعتصم .. .
ويوضِّح هذا ابن عبد الملك فيقول: "وكان معظَّمًا عند الخاصة والعامة، من آل دولة بني عبد المؤمن، حظي كثيرًا عند المنصور منهم، فابنه الناصر فالمستنصر بن الناصر، فأبي محمد عبد الواحد أخي المنصور، ثم أبي زكرياء المعتصم أبي الناصر، حتى كان رئيس الطلبة؛ مصروفة إليه الخطط المهمة، مرجوعًا إليه في الفتوى، وكان عند المنصور منهم كثيرًا .. .".
ثم يذكر الخطط التي انتهت إليه على عهد الناصر، فيقول: "إنه في أيام
стр. 42
الناصر انتهت خطط أبي الحسن بن القطان نحو ثلاث عشرة خطة، كلها أو جلها جليل مفيد، وكل واحد منها إنما كان يعين لها أكثر الموسومين بالعلم قدرًا وأبعدهم صيتًا".
ويذكر ابن عبد الملك أن من جملة الخطط التي انتهت إلى ابن القطان: المحافظة على مكتبة قصر الموحدين.
بالإِضافة إلى الحلقات العلمية التي كان يعقدها في قصر الخلافة ودار الطلبة، ويحضرها الأمراء وكبار الشخصيات، وعدد هائل من الشيوخ والطلبة، برهن فيها على قدرته العلمية وخصوصًا فيما يتعلق بعلم الحديث بسائر فروعه.
ويذكر بعضُ المترجمين له: أن من المهام التي تولَّاها: قضاء الجماعة، ذكر ابن مسدي أنه: "ولي قضاء الجماعة في أثناء تقلب الدولة" (١)، وكذلك وصفه الذهبي في "تذكرة الحفّاظ" لما قاله عنه: "الحافظ العلّامة الناقد، قاضي الجماعة" (٢).
وقد استبعد شيخنا الدكتور إبراهيم بن الصديق في أطروحته "علم العلل في المغرب" أن يكون ابن القطان قد ولي هذه المهمة، وعلل ذلك، وذكر أن ما تولاه في هذا المضمار هو قضاء الجند للمعتصم بسجلماسة في أخريات حياته، وهذا ما يشير إليه ابن عبد الملك بقوله: "لما دخل المأمون مراكش على الوجه الشنيع الذي دخلها عليه، فصل المعتصم من ظاهرها في فل أصحابه وشيعته، وكان منهم أبو الحسن بن القطان متوليًا القضاء بين حزبه".
وهذه المهام التي تقلَّب فيها ابن القطان على عهد الموحِّدين أكسبته أموالًا
стр. 43
طائلة ودنيا عظيمة على حدِّ تعبير ابن الأبار، واتخذ لنفسه ضيعة خارج باب فاس، وكان يتردد عليها باستمرار.
ويروي لنا ابن عبد الملك عن الحسن ولد ابن القطان أبياتًا يصف فيها أبوه نهرًا بضيعته تلك، كما يروي عنه أبياتًا شعرية قالها أبو الحسن لما عثرت به بغلته، عندما كان متوجِّهًا إلى ضيعته، وكان معه: أبو عبد الله بن المناصف الذي قال: ما بالها عثرت وما بها قُلبة؟ ..
فأجابه ابن القطان بقوله:
لم تعثر البغلةُ السفواء إذ عثرتْ ... من ضعفِ أيدٍ ولا من أنَّها خَرِقَهْ
لكنَّها غَشيتْ من نورِ ما حَمَلَتْ ... من العلومِ فخرَّتْ تحتَهُ صَعِقَهْ
والذين ترجموا لابن القطان متفقون على أنه لم يظفر بهذا الغنى والسعة في المال إلا بعد اتصاله بالموحدين، ونال من عطاءاتهم الشيء الكثير.
والمعروف عن ملوك الموحدين أنهم كانوا يُكرمون العلماء، ويُغدقون عليهم العطاء من غير حدود، وخاصَّة منهم المنصور الذي كان يقرِّب إليه كلَّ من اشتهر من علماء الحديث ويبوِّئه المكانة الرفيعة، وطرد فقهاء الفروع وأمر بإحراق جميع كتب الفروع بعد تجريدها من القرآن والسنَّة! .. وكان هذا المبدأ الذي أقامت عليه الدولة الموحدية سياستها الدينية، مغايرًا للمبدأ الذي كانت عليه الدولة المرابطية، حيث كانت تجلُّ علماء الفروع، وتصرف إليهم العطاءات، وتسند إليهم الخطط، فانقلب الأمر على عهد الموحدين، وصار العلم المبجل هو علم الحديث، ولذلك نال من معروفهم كلُّ مَن اشتهر في علم الحديث، وكان ابن القطان من بينهم، فنال بخدمتهم دنيا عريضة، وكان ذلك أحد الأسباب المباشرة في الحقد عليه والكيد له عند "العادل" أحد ملوك الموحدين، حتى همّ العادل بإلقاء القبض عليه، لولا أنه راعى ما قدّمه من الخدمات الجليلة إلى جده وأبيه وأخيه وعمه، كما كان ذلك أيضًا سببًا في الوحشة التي وقعتْ بينه
стр. 44
وبين العادل، ومنعه من الدخول إلى القصر والتردد عليه .. ويشير ابن مسدي إلى هذا فيقول: "نقمت عليه أغراض انتهكت فيها أعراض" (١).
وقد لُمز ابنُ القطان من طرف الحاقدين عليه، وأُلصقت بشخصه تهم كثيرة لا مبرر لها، وقد سجلها ابن عبد الملك في كتابه "الذيل والتكملة"، واعتمد فيها على أسلوب التفخيم والتعظيم والإِبهام، لا على التفسير والحجة، وهذا ما جعل العلماء الحفَّاظ والنقَّاد الكبار، كالحافظ الذهبي والسيوطي والعراقي وابن حجر -وكلهم ترجم لابن القطان- لا يلتفتون إليها رغم اطلاعهم على كتاب "الذيل والتكملة" لابن عبد الملك، واعتمادهم عليه في كثير من النقول.
وإذا رجعنا إلى كتاب "التكملة" لابن الأبار نجده خاليًا من التهم التي حشدها ابن عبد الملك في ترجمته لابن القطان، ولم يسجل فيه عنه إلا ما يثبت عدالته .. والمعروف عن ابن الأبار هو تشدُّده في نقد الرجال، إذ لم يسلم من نقده إلا من كان سالمًا بالفعل مما يجرح به، كما أنه كان شديد التحرِّي في اختيار الشيوخ الذين يروي عنهم، وقد سبق أن ذكرنا أن الحافظ العراقي ذكره في تلامذة ابن القطان .. وما روى عنه إلا أنه كان من الشيوخ الذين ارتضاهم واطمأن إلى عدالتهم وثقتهم وحفظهم.
والظاهر أن جميع التُّهم الموجهة لابن القطان، وقد سجَّلها ابن عبد الملك في كتابه "الذيل والتكملة" من غير تثبُّت منه ولا تمحيص، إنما هي صادرة عن أولئك الذين لم يسعفهم الحظ لأن يفزوا بما فاز به ابن القطان عند ملوك الموحدين، وهي لا تعدو أن تكون من التهم التي وجهها الحسّاد إلى الأئمة العظام كالإِمام مالك وعلي بن المديني والبخاري وغيرهم.
* * *
стр. 45
تصدير
مما لا شكَّ فيه أنَّ معرفة أحكام الإِسلام في كلِّ مجالات الحياة هي من ضروريات الحياة بالنسبة لكلِّ مسلم ومسلمة، وقد عني الشارع ببيانها البيانَ الكافي، وقام علماءُ الإِسلام بالبحث الشامل في كتاب الله وسنّة رسول الله ﷺ ، لتحديد مراد الله ورسوله منها، ورتبوها ترتيبًا فقهيًّا دقيقًا ليسهل الإطلاع على كلِّ حكم منها في بابه من غير عناء ولا مشقة.
وكتاب "إحكام النظر في أحكام النظر بحاسة البصر" لمصنِّفه الحافظ سيد النقاد في عصره أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى ﵀، المعروف بابن القطان الكتامي الفاسي، يُعتبر من البحوث القيِّمة التي قدَّمها صاحبها في باب النظر الذي أناط به الشارع مجموعة من الأحكام قصد صيانته من الوقوع فيما يفضي إلى معصية الله وارتكاب ما يهدم الكيان الخلقي والفضيلة، وجعل مسؤولية الإِنسان عن النظر كمسؤوليته عن السمع والبصر، قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
والناس اليوم يُغفِلون هذه الحقيقةَ، ويطلقون العنانَ للبصر، حتَّى إنَّ الواحد منهم لا يكاد يميز بين ما يباح النظر إليه وما يملك، وأصبح المثل
стр. 46
القائل: "العين ما عليها شرع"! هو القاعدة المتبعة، في حين نجد الإسلام يحاسب عليها، ويضع لها حدودًا يجب أن لا تتعداها، بقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠].
ويقول: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١].
فالآية صريحة في أن غضَّ البصر أصل لحفظ الفرج، لذلك كان تحريم النظر تحريم الوسائل، فيباح للمصلحة، كالنظر للمخطوبة مثلًا، ويحرم إذا حنيف منه الفساد، وكذلك الأمر بالنسبة للمرأة.
والأمر بغضِّ البصر يعني صرفه عمَّا حرَّم الله النظر إليه مخافة الوقوع في المعصية، ومعلوم أن العين بريد القلب، تنقل إليه الصور التي تحرِّك شهوته وإرادته، ولذلك إذا غضَّ العبدُ بصرَه، كفَّ القلبُ شهوتَه وإرادته، وإذا أطلق بصره، أطلق القلبُ شهوته .. ولهذا منع النبيُّ ﷺ الفضل بن عباس ﵄ من النظر إلى الظعن التي مرت به تجرين؛ حتى لا يؤدِّي به ذلك إلى تحريك شهوة القلب.
روى الإِمام البخاري في صحيحه: "أن الفضل بن عباس ﵄ كان رديف رسول الله ﷺ يوم النحر من مزدلفة إلى منى، فمرت ظعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فحوَّل رسول الله ﷺ رأسه إلى الشقِّ الآخر".
وهذا يعني: أنَّ النبيَّ ﷺ منعه من النظر الذي كان منه، ولو كان جائزًا لأقرَّه عليه.
وروى الإِمام مسلم: عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله كتبَ على ابن آدم حظَّه من الزنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العينين النظر، وزنى اللِّسانِ النطق، والنفس تتمنَّى ذلك وتشتهي، والفرجُ يصدِّق ذلك أو يكذّبه".
стр. 47
فهدا الحديثُ صريح في أن العين تعصي بالنظر، وأن ذلك زناها، وقد بدأ الله بزنى العين؛ لأنه زنى اليد والرجل والقلب والفرج، وجعل الفرج مصدِّقًا لذلك إن حقق الفعل، أو مكذِّبًا له إن لم يحققه.
وروى الإِمام أحمد والترمذي وأبو داود: أنَّ النبيَّ ﷺ قال لعلي: "يا عليُّ! لا تتبع النظرة النطرة، فإن لك الأولى وليست لك الثانية".
فالحديث صريح بأن النظرة الأولى جائزة وما بعدها ممنوع.
وقد سُئل النبيُّ ﷺ عن نظر الفجأة -وقد علم أنه يؤثر في القلب- فأمر بمداواته بصرف البصر، لا بتكرار النظرة روى مسلم والترمذي وأبو داود: عن جرير بن عبد الله ﵁: أنه قال: "سألت النبيَّ ﷺ عن نظر الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري".
ونظرة الفجأة هي النظرة الأولى التي تقع بغير قصد من الناظر فلا إثم فيها، أما إذا نظر الثانية تعمُّدًا أثم، وكذلك إذا استدام النظر لأن استدامه كتكريره.
وقد أرشد النبيُّ ﷺ من ابتلي بنظرة الفجأة، أن يعالجه بإتيان امرأته، وقال: "إن معها مثل الذي معها" رواه مسلم وأبو داود.
والنصوص الواردات في الموضوع كثيرة جمعها ابن القطان في كتابه "إحكام النظر في أحكام النظر بحاسة البصر" ودرسها دراسة الناقد البصير بالحديث.
أولًا: التعريف بالكتاب:
سأتناول في هذا المبحث: اسم الكتاب، وموضوعه.
١ - اسم الكتاب:
لقد كتب على الورقة الأولى من محْطوطة "الأسكريال" -وهي الأصل-
стр. 48
اسم الكتاب، وهو: "كتاب النظر في أحكام النظر بحاسة البصر": "مما عني بجمعه الشيخ الإِمام الفقيه المحدّث الحافظ أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن إبراهيم بن عيسى، عرف بابن القطان ﵁ وعن سائر المسلمين آمين".
لقد اختصره أبو العبَّاس أحمد بن قاسم القباب، المتوفى سنة (٧٧٩ هـ) وسمَّاه: "اختصار أحكام النظر"، حذف منه الأدلة والحجج، واكتفى بسرد المسائل الفقهية الواردة فيه، وقد عزاه إلى مؤلِّفه ابن القطان باسمه الوارد في أصل المخطوطة مع حذف: "بحاسة البصر"، وقد ذكر في مقدمته الهدف من اختصاره، فقال:
"قصدتُ إلى اختصار كتاب "النظر في أحكام النظر" للشيخ الفقيه المحدِّث أبي الحسن، علي بن عبد الملك بن القطان، إذ هو كتاب جليل القدر، عظيم النفع، فقيد المثل، والداعي إلى اختصاره: أن بعض أهل الدِّين الباحثين عمَّا يلزمهم من أمور دينهم ممَّن ليس لهم باع في العلم إذا رام طلب مسألة منه، شقَّ عليه استخراجها منه، لما اشتمل عليه الكتاب من سياق الأدلة من الكتاب والسُّنَّة والحجج، ممَّا ليس فيه للمريدين أربٌ، وإنَّما ينتفع بتلك الأدلة والحجج الخواصُّ من أهل العلم، فقصدتُ لتجريد مسائله ليسهلَ على المبتدئين والمريدين النظر فيه".
وأغلب المترجمين لابن القطان يذكرون الكتاب بهذا الإسم، وينسبونه إلى مصنِّفه، منهم: ابن عبد الملك، ووصفه بأنه مجلد متوسط.
والذين ينقلون عن أصل الكتاب يذكرون اسمه مختصرًا، فهذا الحافظ السيوطي ينقل عنه في "اللآلئ" وغيرها، فيذكره باسم "أحكام النظر"، يقول في "اللآلئ المصنوعة: ٢/ ١٠٧ ": ذكر ابن القطان في كتاب "أحكام النظر".
стр. 49
وكذلك يذكره الشوكاني في "نيل الأوطار" و"الفوائد المجموعة" .. قال في "الفوائد المجموعة" نقلاً عن الحافظ ابن حجر (ص: ١٣٨): "وقال ابن حجر: لكن ابن القطان ذكر في كتاب "أحكام النظر" أن بقي بن مخلد رواه عن هشام بن خالد عن بقية .. .".
وكتب الفقه كالحطاب والمواق وحاشية الدردير كلها تذكره باسم "أحكام النظر"، وتنسبه إلى مصنفه ابن القطان إن كان النقل عن الأصل، أو إلى "القباب" مختصره إن كان النقل عن المختصر.
فهذه المصادر كلها تذكر تسميته مختصرة وكاملة، مع اتفاقها على نسبته لابن القطان مصنفه (١).
٢ - موضوعه:
إن كتاب "إحكام النظر في أحكام النظر بحاسة البصر" تنحصر بحوثُه في الأحكام والمسائل المتعلقة بالنظر بحاسة البصر، وقد فصل في ذلك تفصيلًا دقيقًا، وبنى على ذلك تفريعات مهمَّة ومفيدة، قصد المصنف من ورائها الإِحاطة بما سُئل عنه من أحكام النظر، وقد كان ذلك هو الباعث على تصنيفه، وقد أعرب عن ذلك في مقدمة كتابه فقال: "ونبيِّن إن شاء الله بهذا القول جواب ما سُئلت عنه من أحكام النظر بحاسة البصر، مخلصًا في ثمانية أبواب".
فهذا النص واضح في بيان الهدف من تصنيف الكتاب، ذلك أنه جاء تلبية لرغبة السائلين عن أحكام النظر، وكانت إجابته الواسعة المؤيَّدة بالدليل
стр. 50
دواءً لكلِّ عليل بداء إطلاق العنان للنظر فيما لا يجوز شرعًا: وخاصَّة فيما يتعلَّق بما نصَّ الشارع على تحريم النظر إليه.
وقد حدَّد من خلال أبواب الكتاب الثمانية ما يجوز ابداؤه والنظر إليه، وما لا يجوز، معتمدًا في حكمه على ما دلَّت عليه النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، والأقوال المأثورة عن الصحابة والتابعين والعلماء المعتمدين، مناقشًا ومحلِّلًا ومعلِّلًا ... شأنه في ذلك شأن الجهابذة من العلماء المجتهدين.
والمتتبع لكتابه هذا عن كثب، يدرك مدى أهمية موضوعه، وعلاقته بالجانب الأخلاقيِّ، ذلك الجانب الذي يعتبر أساسيّا في إقامة المجتمعات السليمة ..
وغضُّ البصر في الإِسلام هو صيانة النفس من الوقوع في المعصية، وكبح جماحها عمَّا تهواه، وإطلاقُ العنان للبصر يفضي إلى ارتكاب ما يشان شرعًا وعرفًا.
ولمَّا كان النظر غير المباح، يشكِّل خطرًا على الناظر والمنظور إليه قد تنتهك به الأعراض والكرامات، ويتمُّ به الإطلاع على ما لا يحبُّ المنظور إليه الإطلاع عليه من طرف غيره، أمر الشارع بغضِّه في مواطن كثيرة، تتبَّعها المصنفُ في كتابه، وبيَّن أحكامها على ضوء الكتاب والسنّة وأقوال الأئمة المعتمدين.
وليس كلُّ ما نهى الشرعُ عن النظر إليه، هو من قبيل ما يجلب للنفس هوىً، كالنظر إلى المرأة الأجنبية، وإنَّما هناك أمور نهي الشرع عن النظر إليها، وإن كانت لا تحدث في القلب هوًى، وفي النفس ولوعًا بها، وقد مثل لذلك: بالنظر في بيت الغير من ثقب، ورفع البصر إلى السَّماء في الصَّلاه، والنظر إلى ما يشغل في الصلاة، والنظر إلى ما يجلب حبَّ الدنيا والغنى، ويُنسي شكرَ الله على النعم المسداة ... وساق كلَّ ما يتعلَّق بهذه الأمور من الأدلة الثابتة عن الرسول ﷺ .. وقد نبّه المصنِّف إلى الغرض منْ غضِّ البصر، وهو تحقيق طاعة الله سواء كان الغضُّ واجبًا أو مندوبًا.
стр. 51
ولتوضيح ما يجوز النظر إليه وما لا يجوز، قَسَم النظر إلى ما هو طاعة، وإلى ما هو معصية، وإلى ما هو معفوٌّ عنه، ومثَّل لهذا الأخير بنظر الفجأة، وانتهى في بحثه إلى أن جناية البصر من الصغائر تكفَّر بالطاعات، واحتجَّ بنصوص قرآنية وحديثية ...
وهكذا تعرَّض لجميع الأحكام المتعلِّقة بالنظر؛ سواء كان المنظور إليه ممَّا يجلب إلى النفس هوًى وولوعًا به، أو كان غير ذلك، وبذلك جاء كتابه جامعًا لكلِّ ما يتصوَّر وقوع النظر إليه في الواقع مع بيان حكم الإِسلام فيه.
إن كتاب: "إحكام النظر في أحكام النظر بحاسة البصر" يعتبر في الواقع من أجلِّ المصنَّفات في باب النظر، حيث أحاط بالجزئيات الصَّغيرة التي لا يلتفت إليها إلا مَن رزق سعة الإطلاع على اللصوص وبُعد النظر في فحواها.
٣ - بنية الكتابِ وتقسيمُه:
وإننا لنجد المصنف ﵀ يملك القدرةَ العجيبةَ على حُسن التبويب والتفريعات, وأن ما يُعَنْوِنُ به الباب أو الفصل يكون في منتهى الدِّقَّة من حيث ترجمته لما يتضمنه الباب أو الفصل ترجمةً تدلُّ على قوة الفهم والوعي والإِحاطة بالموضوع؛ فمثلًا نجده يقول: "الباب الثاني في بيان ما يجوز إبداؤه للناظر وما لا يجوز"؛ فهذا العنوان ترجم به ما يجوز إظهاره من الجسد للناس، وما لا يجوز على وجه الحرمة أو الكراهة، سواء كان الذي يجوز إظهاره أو لا يجوز، وبالتالي جواز النظر إليه، أو عدم جواز النظر إليه، من الذكور أو الإِناث أو الخنثى .. وقد عقد لكلِّ صنف من هؤلاء فصلًا خاصًّا به، وتحت كل فصل مسائل ... وهذه الدقة في العناوين والتبويب والتفصيل أكسبتْهُ الموضوعيةَ في الدِّراسة، والدِّقة في الترتيب، ولا تجده يكرِّر المسألة التي سبق الحديث عنها إلا إذا دعَتْه المناسبة إلى ذكرها على وجه المقارنة، أو التفريق بينها وبين المسألة المماثلة لها والتي هو بصدد دراستها.
стр. 52
ورغم صعوبةِ الموضوع وتشعُّب مسائله وتداخلها أحيانًا، لا تجد للمصنف اضطرابًا أو خلطًا أو غموضًا يشين بالموضوع، بل تجده يعرض الأمورَ بطريقةٍ موضوعيةٍ واضحةٍ، وبأسلوبٍ سهلٍ، وبلغةٍ رفيعةٍ مفهومةٍ، يستطيع القارئ للكتاب أدما يظفر بجملةٍ وافرةٍ من المعلومات من غير عناء.
ثانيًا: منهجُهُ في تأليفِ كتابِهِ:
قبل الحديث عن المنهج الذي سلكه ابن القطان في تصنيف كتابه: "النطر في أحكام النظر"؛ أذكرُ ملاحظتين تتعلقانِ بالكتاب من حيث الشكل:
١ - الملاحطة الأولى:
إنَّ المؤلِّف لم يتكلَّف وضعَ مقدمة لكتابه هذا، كما هي عادة العديد من المصنِّفين، الذين تجدهم يُصَدِّرون مصنَّفاتهم بخطب بليغة؛ يجمعون فيها من المحسَّنات البديعية، وصناعة الأسجاع، وبراعة الإستهلال، وغير ذلك ما يعكس تكلُّفهم في اختيار العبارات، وانتقاء الأساليب في خطبهم .. وابن القطان يتجاوز هذا الصنيع في التقديم رغم فشوِّه في محصره، ويؤلِّف كتابه على طريقة المصنفين الأقدمين، إذ نجده يكتفي بالحمد لله والصلاة على النبيِّ، لا يتعدَّى في ذلك السطر الواحد، ثم يدخل في المقصود بالذات، ويبيّن الداعي لتصنيف كتابه، وهو الإجابة عمَّا سُئل عنه.
٢ - الملاحطة الثانية:
إنَّ الأسلوب الذي استعمله ابن القطالما في مصنَّفه، يمتاز بالسلاسة والوضوح التامِّ، بعيدًا عن التكلُّف والحشو والإستطرادات، رغم اشتمال مصنفه على مجموعةٍ من المصطلحات الفقهية والأصولية والحديثية، فإنَّك لا تجد فيه ما يعجز القارئ عن فهمه، لأنَّه يتولَّى شرحها وبيانها حتَّى تصبح في متناول الجميع.
وبذلك يختلف أسلوبُه كثيرًا عن أسلوب الفقهاء المتشبثين بالمصطلحات في العرض، واعتماد الإِشارات والضمائر طلبًا للإختصار.
стр. 53
وإنَّ أسلوبَه لشبيهٌ بأسلوب علماء الأندلس، كابن العربي وابن عبد البر والقرطبي، ولا غرابة في ذلك، إذ علمنا أنَّه تتلمذ للعديد من علماء الأندلس الذين وفدوا على المغرب على عهد الموحدين، وخصوصًا منهم المحدِّثين.
وبعد هاتين الملاحظتين العابرتين ننتقل للحديث عن المنهج الذي سلكه ابن القطان في كتابه هذا.
ولا أكون قد جاوزتُ الحدَّ في الثناء إذا قلتُ: إن كتاب: "النطر في أحكام النطر" من المصنَّفات العظيمة، وتتجلَّى عظمته في نواحٍ متعددة، منها:
١ - أنَّه أولُ كتابٍ صُنِّف في موضوع "النظر"؛ فله فضل السبق الزمني، وكلُّ من جاء بعده يعتمد عليه في بابه.
٢ - أنَّه يمتازُ بحسنِ العرض، وجودة الترتيب، والدقة في العناوين والتقسيمات والتفريعات، مع تتبع أقوال العلماء ومستنداتهم، ودراستها دراسة نقدية وموضوعية.
٣ - ولأهميته اعتبره العلماءُ الدين جاؤوا من بعده، من المصادرِ المهمَّةِ في بابه، ونال القبول والرضا في المشرق والمغرب، يجد فيه الفقيهُ ضالَّته، وكذلك المحدِّث.
ولبيان المنهج الذي اتبعه ابن القطان في تصنيفه كتاب: "النظر في أحكام النطر" أرى من الأفيد ذكر ما ورد في مقدّمته، حيث رسم فيه ما يوضح منهجه في العرض، وتتبع الأخبار والأحكام:
قال في بداية كتابه:
"وجعلتُ ما أذكره في كلِّ باب ممَّا بعد الباب الأول في مسائل، وهي منقسمة ثلاثة أقسام: قسم الفتوى فيه مقطوع بها، وقسم الفتوى فيه مظنونة، وقسم الفتوى فيه متردد فيها؛ كتبناه وبيَّنَّاه على الإحتمال فيه ليرى الناظر
стр. 54
فيه رأيه ... ونلتزم فيه من الخبر الحديثي ذكر الأحاديث الصحاح بغير إسناد، (وما) روي فيه عند المحدثين نظر، أذكره بإسناد، وأنبِّه على ما ينبغي عليه من أمره .. وانما أفعل ذلك إذا (كان داخلًا) في الباب، أما إذا لم يكن من الباب، فقد أكتفي بالإِشارة إليه، وما كان من الحديث في الباب ضعيفًا، أقتصر على ذكر (المتن) وموضع العلة من الإِسناد".
ومن خلال هذا النصِّ الواضح تتبين لنا منهجيته في تصنيف كتابه، وقد التزم بها وما حاد عنها في كلِّ أبواب الكتاب، ويمكن عرض منهجيته في النقط التالية:
ذكره المسائل التي فيها الفتوى مقطوع بها، لورود النصِّ فيها، من ذلك مثلًا: مسألة كشف العورة. وهي السوءتان؛ هده المسألة يقطع بها في الفتوى بتحريم كشفهما، ويستشهد بالإِجماع المنعقد على تحريك كشف العورة، لقوله تعالى: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] على الإحتمال بأنه يريد يحفظونها من الإنكشاف والبُدُوِّ.
ولقوله ﷺ في حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: قلت: يارسول الله ﷺ عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك ... " الحديث رواه أبو داود والنسائي وابن أبي شيبة.
ويفعل هذا في كلِّ ما كانت الفتوى فيه مقطوعًا بها.
أما ما كانت الفتوى فيه مظنونةً. فإنه يحكي الخلاف الوارد فيه عن العلماء، ومتمسكات كلِّ فريق، ويناقشها مناقشة موضوعية، فيردُّ ما ضعف منها، ويستبعد ما لم يدلَّ على المقصود منها، وإذا لم يبقَ لديه من الخبر ما يفيد القطع في حكم الأمر الذي هو بصدد البحث عنه، لجأ إلى اللُّغة ومقاصد الشريعة؛ وهذا ما قام به بالنسبة لأمر الفخذ، فلمَّا لم تصحَّ متمسكات المانعين
стр. 55
كَشفَها، رَدَّها وكَشَف عن عللها، ولمَّا كانت أحاديث الصحيحين كَشْفَها، لم تدلَّ على المقصود دلالة بينة، وان كانت صحيحة، لم يعتمدها دليلًا مبيحًا لكشف الفخذ، فلجأ إلى اللغة لتحديد معنى العورة فيها، فوجد أنَّ العورة في اللغة هي: كلُّ ما يُستحيى منه، وأمر الفخذ كذلك، إذ ليس من المروءة كشفه، وبذلك أوجب ستره وحرم النظر إليه، لكن أمره أخفُّ من أمر السوءتين ...
وهذا الذي انتهى إليه ابن القطان في أمر الفخذ هو شبيه بما ذهب إليه ابن رشد في "المقدمات"؛ إذ قال بعد ذكره الآثار الواردة في الفخذ:
"والذي أقول به: إن ما روي عن النبي ﷺ في الفخذ ليس باختلاف تعارض، ومعناه: أنه ليس بعورة يجب سترها فرضًا كالقبل والدبر، وأنه عورة يجب سترها في مكارم الأخلاق ومحاسنها، فلا ينبغي التهاون بذلك في المحافل والجماعات، ولا عند ذي الأقدار والهيئات، فعلى هذا تستعمل الآثار كلها، واستعمالها كلها أولى من اطراح بعضها" (١).
وهذا ما يفهم أيضًا من كلام البخاري: "وحديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط" بأنه يحتمل أنه يريد بالإحتياط: الوجوب، الورع، وهو أظهر، لقوله: "حتى يخرج من اختلافهم".
وقد جمع ابن القيم أيضًا بين الآثار الواردة في الفخذ فقال: "وطريق الجمع بين هذه الأحاديث: أن العورة عورتان: مخففة ومغلظة، فالمغلظة: السَّوءتان، والمخففة: الفخذان.
ولا تنافي بين الأمر بغضِّ البصر عن الفخذ لكونها عورة، وبين كشفها لكونها عورة مخففة" (٢).
стр. 56
وكذلك فعل بالنسبة لأمر الوجه والكفين؛ فقد حكى في إظهارهما من المرأة للأجانب خلافًا، سببه: اختلاف المفسرين في قوله تعالى: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١].
وبعد حكايته الأقوال الواردة عن المفسِّرين في الزينة الظاهرة، تعرَّض لما ورد من الأخبار في الوجه والكفين، وقد أفاض في مناقشة جميعها بنَفَس المحدِّث الناقد البصير، والفقيه الواسع النظر البعيد الغور، وانتهى إلى ضرورة الأخذ بما تظاهرت به الظواهر، وتعاضدتْ عليه، من جواز إبداء المرأة وجهها وكفيها؛ شريطة أن لا تقصد بذلك التبرج واظهار المحاسن ... وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، وهو ما روي عن ابن عباس وابن عمر وأنس وعائشة وأبي هريرة في الزينة الظاهرة.
وقال ابن عبد البر في (التمهيد: ٦/ ٣٦٩): "وعلى قول ابن عباس وابن عمر الفقهاء في هذا الباب".
كما رجَّح ابن العربي في كتابه "أحكام القرآن"، (١) هذا القول في الزينة الظاهرة، واحتجَّ بأن المرأة تظهرهما في الصلاة والإِحرام، كما تظهرهما في العادة، وحكاه المصنِّف مذهبًا لإِسماعيل القاضي ...
وعلى هذا فيجوز بُدُوُّهما (أي: الوجه والكفين) والنظر إليهما من غير ريبة أو مكروه، وقد ذكر ذلك ابن عبد البر في "التمهيد" فقال:
"وجائز أن ينظر لذلك منها، كل ما نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه، وأما النظر للشهوة، فحرام تأملها من فوق ثيابها، فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة" (٢).
стр. 57
وانظر ما حكاه ابن عبد البر في "التمهيد" من وقوع الإِجماع على أن للمرأة أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين (١)، وما حكاه المصنِّف أيضًا عن إسماعيل القاضي وابن المنذر، ولهذا يكون ما ذهب إليه ابن القطان في إبداء الوجه والكفين هو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في "سننه": من حديث خالد بن دريك، عن عائشة ﵄: أنَّ أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها، وقال: "يا أسماء إنَّ المرأةَ إذا بلغتِ المحيضَ لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا" وأشار إلى وجهه وكفيه.
لكن قال أبو داود وأبو حاتم الرازي: هو مرسل، خالد بن دريك لم يسمع من عائشة ﵄ انظر تعليقًا على الحديث رقم (١٧٦) في (الفصل الثاني من الباب الثاني) - فالمصنف إذن يأخذ برأي الجمهور فيما تكون فيه الفتوى مظنونة.
أما فيما يتعلَّق بطريقة إيراده للأدلة، فإن منهجه في ذلك: أن يذكر الأحاديث الصحيحة بغير إسنادها، وما فيه عند المحدثين نظر يذكره بإسناده مع التنبيه على ما فيه من الإحتمال، وما كان من الحديث ضعيفًا يذكر متنه وموضع العلة من الإِسناد.
ومثال ما يرويه بإسناده، وفيه نظر عند المحدثين: حديث جويرية. قال: قال أبو داود: إنَّ عبد العزيز بن يحيى الحواني أبو الأصبغ، قال: حدثنا محمد -يعني ابن مسلمة- عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت:
وقعت جويريةُ بنتُ الحارث بن المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن الشماس أو ابن عمٍّ له، فكاتبت على نفسها، وكانت امرأة صالحة، تأخذها
стр. 58
العين، فجاءت تسأل رسول الله ﷺ في كتابتها، فلما قامتا على الباب فرأيتها فكوهت مكانها، وعرفت أن رسول الله ﷺ سيرى منها مثل الذي رأيت، فقالت: يا رسول الله! أنا جويرية بنت الحارث، وأنا كان من أمري ما لا يخفى عليك، وإني قد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن الشماس، وإني كاتبتُ على نفسي، فجئتُك أسألك في كتابتي.
فقال رسول الله ﷺ : "فهل لك إلى ما هو خير منه؟ ".
قالت: وما هو يا رسول الله؟.
قال: "أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك".
قالت: قد فعلت.
قالت: فتسامع -يعني الناس- أن رسول الله ﷺ قد تزوَّجها، فأرسلوا ما في أيديهم من السبي، فأعتقوهم وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ ، فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، أعتق في سببها مئة أهل بيت من بني المصطلق.
قال ابن القطان بعده: "وهو حديث حسن، وابن إسحاق لم يصرح بما قيل فيه، والخوض فيه طويل عريض".
ثم قال: "تندفع دلالته: باحتمال ألا تكون أبدت وجهها بحضرته، كما أبدته حين رأتها عائشة، وليس في الخبر دليل على أنه رآها بادية الوجه فأقرها، وفيه دليل على أرْ زمان رؤية عائشة لوجهها، غير زمان تكلُّمها مع رسول الله ﷺ ؛ فإنها قالت: فلمَّا قامت على الباب فكرهت مكانها وعرفت أن رسول الله ﷺ سيرى منها مثل الذي رأيت؛ دلَّ على أنه لم يرها بعد، ولعله كان في صلاة أو غيرها".
وهكذا نلاحظ أن ابن القطان لم يقبل هذا الحديث دليلًا على جواز بُدُوِّ الوجه لما فيه من الإحتمال الذي ذكره، والقاعدة: "ما اكتنفه الإحتمال سقط به الإستدلال".
ومثال هذا في كتابه: "إحكام النظر في أحكام النظر بحاسة البصر" كثير.
стр. 59
ومثال ما يرويه من الضعيف ويبين علته: ما رواه أبو داود: عن عائشة: أن هند بنت عتبة، قالت: يا نبي الله! بايعني. قال: "لا أبايعك حتى تغيري كفيك، فكأنهما كفا سبع".
قال: "فيه ثلاث نسوة لا يعرفن: غبطة بنت عمرو، عن عمتها أم الحسن، عن جدتها".
وذكر رواية أخرى لأبي داود: عن عائشة أيضًا: أن امرأة ناولته كتابًا من وراء ستر، فقبض يده، وقال: "ما أدري أيد رجل أو امرأة؟ " قالت: بل يد امرأة، قال: "لو كنت امرأة لغيرت أظفارك بالحنا".
قال المصنف: "فيه صفية بنت عصمة، وكل هؤلاء عدم".
وهكذا يفعل في كل حديث ضعيف ذكره في كتابه، بالإِضافة إلى ما يقوم به من استقراء طرق الحديث الضعيف، مع بيان ما في كل طريق من العلة الموجبة لسقوط الإحتجاج به.
ومن هنا كان كتاب "إحكام النظر في أحكام التظر بحاسة البصر، لابن القطان من أهمِّ المؤلفات في فقه الحديث، إذ جمع فيه بين الرواية والدراية، على عادة المحدثين الفقهاء.
ومن خصائص هذا الكتاب: إنه يمتاز بإتقان الصنعة، واستيعاب المادة، وتتبع جميع الجزئيات المتعلقة بالنظر، وذكر ما ورد فيها من الخبر مع بيان ما ينبغي بيانه، من غير تعصب مذهبي أو جمود فقهي.
وهذه الدراسة بمثل هذا النَّفَس لا تتأتَّى إلا للعالم الخبير المختص في علوم الحديث رواية ودراية، وكان ابن القطان من الجهابذة في علوم الحديث والفقه وأصوله، وبذلك كانت إنتاجاته العلمية تحظى بالقبول والرضا من طرف عامة علماء المشرق والمغرب.
стр. 60
ثالثًا: اشتمالُه على الجانبِ الحديثيِّ والفقهيِّ:
وممَّا يمتاز به كتاب "إحكام النظر في أحكام النظر بحاسة البصر" لابن القطان: أنه يجمع فيه بين الجانب الحديثيِّ والجانب الفقهيِّ، ولا يتأتَّى هذا العمل إلا للمحدِّث الفقيه .. وسأحاول إبراز هذين الجانبين للكتاب فيما يلي:
١ - الجانبُ الحديثيُّ:
ويتجلَّى هذا الجانب في الكتاب من خلال النقط التالية:
أ - يذكر المصنفُ الحديثَ ويعزوه لمخرجه، ثم يستقرئ طرقه وألفاظه المختلفة، وخصوصًا منها ما له علاقة بموضوعه.
ب - يهتمُّ المصنِّف ببيان مرتبة الحديث، وقد حكم على عدد هائل من الأحاديث التي أوردها في كتابه بأنها صحيحة أو حسنة أو ضعيفة؛ متصلة أو مرسلة أو متقطعة أو معضلة أو منكرة أو معللة، وقد بلغت نحوًا من مئتين وسبعين حديثًا.
ج - يهتم كذلك بدراسة الأسانيد وبيان أحوال الرواة ...
وهذا العمل لا يتأتَّى إلا للمتخصِّص في علوم الحديث، وابن القطان يقوم بهذا العمل الجليل من غير أن يقلِّد أحدًا فيه، بل يعتمد على ملكاته العلمية والقواعد المتبعة في هذا الباب.
ولإبراز صنيعه هذا أذكر بعضَ الأمثلة المقتطفة من كتابه، وهي كما يلي:
• ورد في كتابه: أنه قال: "قال البزار: نا يوسف بن موسى، نا علي بن عبيد، نا سفيان وهو الثوري، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "احذروا بيتًا يقال له: الحمام" قالوا: يا رسول الله! ينقي الوسخ، قال: "فاستتروا".
стр. 61
قال: هذا صحيح، ولا يضره إرسال من أرسله، فإن انتشار الخبر، وتفرد الحاملين له هو الموجب لأن يروى تارة مرسلًا وتارة مسندًا، ورواته: ثقات، فلا نبالي بإرسال من أرسله".
* وورد أيضًا: أنه قال في حديث جرهد برواية زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد عن أبيه، قال: "كان جرهد من أصحاب الصُّفَّة، وأنه قال: جلس عندنا رسول الله ﷺ وفخذي منكشفة، فقال: "أما علمت أن الفخذ عورة؟ ".
قال: ولهذا الحديث علتان:
أحدهما: الجهل بحال زرعة وأبيه، فإنهما غير معروفي الحال ولا مشهوري الرواية.
الثانية: الإضطراب المؤدي لسقوط الثقة به، وذلك أنهم مختلفون فيه؛ فمنهم من يقول: زرعة بن عبد الرحمن، ومنهم من يقول: زرعة بن عبد الله، ومنهم مَن يقول: زرعة بن مسلم، ثم منهم مَن يقول: عن أبيه، عن النبي ﷺ ، ومنهم من يقول: عن أبيه، عن جرهد، عن النبي ﷺ ، وكل هذا وهن فيه، فلا يصح أصلًا، وإن كُنَّا لا نرى الإضطراب في الإِسناد علَّة، فإنما ذلك إذا كان الذي يدور عليه الحديث ثقة، فنجعل حينئذ اختلافَ أصحابه عليه إلى رافع وواقف، ومرسل وواصل، غير ضار، بل ربَّما كان سبب ذلك انتشار طرق الحديث، وكثرة روايته، وان كان المحدِّثون يرون ذلك علة تُسقط الثقة بالحديث المروي بالإِسناد المضطرب فيه".
* وقال في حديث علي ﵁: "ومن ذلك حديث علي ﵁ قسمان: قال رسول الله ﷺ : "لا تكشف فخذك, ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت" وهو حديث ذكره أبو داود من رواية ابن جريج، قال: أخبرت عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁، وهؤلاء كلهما ثقات، والإنقطاع فيه بين ابن جريج وحبيب في قوله: أخبرت، وزعم ابن معين: أنه منقطع في موضع
стр. 62
آخر؛ وهو ما بين حبيب وعاصم بن ضمرة، وأن حبيبًا لم يسمعه من عاصم، وأن بينهما رجلًا ليس بثقة، وقال البزار ذلك أيضًا، وفسَّر الرجل الذي بينهما بأنه: عمرو بن خالد، وهو متروك؛ فعلى هذا يكون إسناده مرويًّا ولا أدري مَنْ سوَّاه، وابن جريج لا يُعرف بالتسوية، وانما يعرف بالتدليس" ...
• وقال أيضًا: "ولم يصحَّ حديث علي ﵁: أنَّه كان عند رسول الله ﷺ ، فقال: "أي شيء خير للمرأة؟ " فسكتوا، فلما رجعت قلتُ لفاطمة: أيُّ شيء خير للنساء؟ قالت: أن لا يراهن الرجال، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "إنما فاطمة بضعة مني"، لأنه من رواية قيس بن الربيع، عن عبد الله بن عمر, عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيّب، عن علي ﵁، وعلي بن زيد هو: ابن جدعان، صدوق ولكن ضعيف، وقيس بن الربيع قد تقدم التنبيه على ما اعتراه
من سوء الحفظ؛ كشريك وابن أبي ليلى".
وهكذا يتتبَّع الأحاديث الواردة في الموضوع، ويبين حال رجالها وصفاتهم المعتبرة، كما يتعرَّض للتدليس والمدلسين، وطرق الإعتبار والمتابعات، واختلاف الرواة قي الأسانيد والمتون, والوصل وإلإِرسال، والوقف والرفع، وغير ذلك, حتى إنَّ هذا الجانب ليحتل جزءًا كبيرًا من كتابه، ولا تكاد تجد بابًا أو فصلًا أو مسألة فارغة من هذا الصنيع.
وإطالته في هذا الجانب في بعض الأحيان، تكاد تطغى على الجانب الفقهيِّ الذي هو الموضوع الأساسي للكتاب، وهذا ممَّا يعسر معه تتبع المسائل الققهية فيه من غير المتخصصين، إذ أحيانًا يطرح المسألة الفقهية ويطرح رأي الفقهاء فيها، ثم يستعرض مستنداتهم، ويناقشها مناقشة طويلة تنسي القارئ نصَّ المسألة التي طرحها في أول الموضوع، فيصعب عليه أن يربط بين ما ذكره أولًا، وبين ما انتهى إليه أخيرًا، فهذا هو الذي جعل بعض من انتهى إليهم كتابه هذا أن يفكِّروا في اختصاره.
стр. 63
ومن الذين علمت أنهم اختصروا كتاب "إحكام النظر في أحكام النظر بحاسة البصر" لابن القطان: أبو العباس أحمد بن قاسم القباب، المتوفى سنة (٧٧٩ هـ)، ويوجد هذا المختصر في نسختين بالخزانة الملكية، تحت رقم (٧٢٣٣، ٥٧٠٥)، وقد حَذَفَ منه مختصرُهُ الأخبارَ والحججَ والمناقشات الحديثية الطويلة التي لا يستفيد منها إلا الخواصُّ من أهل العلم، وجرَّد مسائله الفقهية ليسهل على القارئين الإستفادة منه .. أمَّا الأصل فهو ذخيرة حديثية وفقهية مهمة يرجع إليها المتخصِّصون.
٢ - الجانبُ الفقهيُّ:
إن الغرض الأساسي من تصنيف الكتاب هو بيان الأحكام المتعلِّقة بالنظر من أدلتها الشرعية: الكتاب، والسنّة، والإِجماع، والقياس ... ومن هذا الجانب كان الكتاب عظيم القدر لا مثيل له في بابه.
ويمكن إبراز أهمية الكتاب من الناحية الفقهية من خلال النقط التالية:
أ - حُسْنُ التبويب، والدقة في العناوين، وكثرة التفريعات والتفصيلات تحت الباب الواحد:
فإذا أخذنا مثلًا الباب الثاني -وهو أغزر أبواب الكتاب علمًا وتوسُّعًا- وهو "في بيان ما يجوز إبداؤه للناظر وما لا يجوز"؛ نجده أولًا يمتاز بالدقة من حيث عنوانه؛ فإثه معبِّر عن كلِّ الفصول والمسائل والجزئيات المذكورة تحته، ثم يمتاز ثانيًا: بكثرة الفصول والمسائل المنطوية تحته، إذ تبلغ عدد فصوله ثلاثة: فصل في الذكور، وفصل في الإِناث، وفصل في الخنثى؛ وهذه هي أقسام الناس، وتحت هذه الفصول مسائل بلغ عددها في الفصل الأول مثلًا ثلاث عشرة مسألة، أوجز مضمنها فيما يلي:
المسألة الأولى: فيما يجوز للمكلَّف من الرجال إبداؤه، وهو ما فوق السرة ودون الركبة.
стр. 64
والثانية: فيما لا يجوز إبداؤه قطعًا إلا لزوجة أو أمة، وهو السوءتان.
والثالثة: فيما يجب ستره إلّا على زوجة أو أمة، هل يجب ستره أيضًا في حال الخلوة؟.
والرابعة: في أقسام الأمور المطلوبة من العباد بالتكليف.
والخامسة: في بيان أن ما يجوز إبداؤه للناس يختلف باختلاف حالهم ومكانتهم في المجتمع.
والسادسة: في الخلاف الوارد فيما بين السرة والركبة من غير السوءتين؛ وهو الفخذ، هل هو عورة أم لا؟.
والسابعة: في الخلاف الوارد في الركبة والسرة، هل من العورة أم لا؟.
والثامنة: في الخادم الخصي، هل يجوز له أن ينظر إلى فخذ سيدته؟.
والتاسعة: في خادم الزوجة، هل يجوز لها أن تنظر إلى فخذ زوجها أم لا؟.
والعاشرة: فيما يجوز إبداؤه من الزوجين لبعضهما.
والحادية عشرة: فيما يجوز لغير الملَّكفين من الذكور إبداؤه.
والثانية عشرة: فيما يمكن كشفه من الرجل المكلَّف.
والثالثة عشرة: فيما يجب أن ينهى عنه الغلمان.
وقد أفاد وأجاد في هذه المسائل، وكان يعتمد في إجابته على ما يُستفاد من القرآن والسنّة وآراء الفقهاء المعتبرين في المذاهب.
ب - كثيرًا ما ينقل الآراء الفقهية عن علماء الأمصار، ويروي مذاهب الصحابة والتابعين فيها وما يشهد لها من الحجج والأدلة، ثم يقول رأيه فيها بما ترجح لديه من الأدلة:
ولنأخذ مثلًا: مسألة: "هل يجوز للمؤمنة أن تبدي زينتها للكافرة؟ "، وهذه
стр. 65
المسألة في الباب الثاني؛ وهؤ في بيان ما يجوز إبداؤه للناظر، وما لا يجوز؛ قال بعدها: "هذا موضع نظر واختلاف بين العلماء مبنيٌّ على الإختلاف في معنى قوله : ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] ".
قال: "فروي عن عمر بن الخطاب ﵁ المنع من ذلك، وكتب إلى أبي عبيدة بن الجراح: بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمام مع نساء المؤمنين، فامنع من ذلك، وحُلْ دونه، فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عُرية المسلمة ... قال: فعند ذلك قام أبو عبيدة، فابتهل وقال: أيما امرأة تدخل الحمام من غير عذر، لا تريد إلا أن تبيض وجهها؛ سوَّد الله وجهها يوم تبيضُّ الوجوه".
ثم قال: "وارتضى أبو حامد الغزالي: التسوية بين المؤمنة والذمية والكافرة في جواز ظهور المرأة لهما".
وبعد هذه الآراء قال: "والأظهر عندي: المنع، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، وهذا نهي مطلق عن الإبداء، لم يخصَّ أحدًا من أحد، استثني من ذلك [أمران]:
أحدهما: الظاهرة من الزينة.
والآخر: البعولة، وآباؤهن، والآباء، وأبناء البعولة، والإِخوة، وأبناؤهم، وبنو الأخوات، ونساء المؤمنات المخاطبات بهذا النهي، وما ملكت أيمانهم، والتابعين غير أولي الإِربة، والأطفال؛ فالنساء المستثنيات إن تبين فيهن أنهن عموم المؤمنات والكافرات، فالجواز، وان لم يتبين فيهن ذلك، يعني النهي عن الإِبداء لكل أحد مطلقًا كما كان، فنظرنا في قوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، فوجدناه يحتمل أن يكون المراد به: المسلمات، أي: نسائهن اللاتي على دينهن، ويحتمل أن يريد أعم من هذا، وهو النساء كلهن، وهو أبعدها، واللفظ ناب عنه.
فإن كان المراد الأول، فالقول بالمنع ظاهر، وان كانت مجملة لا يتبين
стр. 66
المراد منها فكذلك على واحد من هذه الإحتمالات؛ هو الذي تشمل الآية به الكفارة بغير دليل لا يجوز، والله أعلم.
وهذا ما يفعل في جميع المسائل التي فيها خلاف ونظر بين العلماء.
ج - يقتصر على ذكر موضع الشاهد من الخبر:
وهذا صنيع فقهي سلكه البخاري في "الجامع الصحيح"، فجاءت الأحاديث فيه مقطعة على الأبواب الفقهية، ومثال ما اقتصر فيه ابن القطان على ذكر موضع الشاهد: حديث جابر في العيدين؛ قال فيه: "فقامت امرأة من سِطَة الناس سَفْعَاء الْخَدَّيْن، فقالت: لمَ يا رسلول الله؟ ... " الحديث.
والحديث طويل يشتمل على أمور، رواه مسلما بطوله، واقتطف منه المصنف محلَّ الشاهد فقط.
د - استيعابه لجميع جوانب المسألة التي هو بصدد البحث عن حكمها، ومقارنتها بغيرها حتَّى يتسنَّى له الحكم الصحيح عليها، من غير أن يقلد أحدًا في ذلك:
فمثلًا: مسألة البدوِّ للمخنث، روى فيها عن مالك الكراهة إذا كان حرًّا، ولم تدعُ ضرورة إليه.
قال ابن القطان بعده: "وهذا الإشتراط عندي لا معنى له، فإن العبدَ والحرَّ إذ! كانا أجنبيين حكمهما واحد، لتساويهما فيما يريدان وُيراد منهما، وانما وقعت الرخصة في عبدها لمكان ضرورة طرقه وتصرفه وقوله، (وإن لم) تدُع إليه ضرورة (فيبقى) على المنع، وإلا فمن يجيز لا يحتاج إلى شرط ضرورة، فإن الضرورة إنما يعتبر تحققها لتبيح (المحظور) ".
ثم قال: "وانظر كيف خرجت الفتوى من مالك ﵀ في الخصي الحر، والمخنث الحر، مخرجًا واحدًا بالمنع، وفي الخصي العبد والمخنث العبد له
стр. 67
قولان: هما منصوصان في العبد الخصي، ومخرجان في العبد المخنث، ومتى قال بالإِباحة، فإنه يشترط عدم النظر".
وهكذا نلاحظ أنه يخالف مالكًا فيما ذهب إليه من اشتراط الحرية فيما يكره إليه البدو من المخنثين، اعتمادًا على مذهبه بأن العبد الأجنبي عن المرأة كالحر، حكمهما واحد في النظر إلى الأجنبية، لأن مطلبهما من المرأة واحد.
هذه جملة من المقتطفات، سُقْتُها من أصل الكتاب لإِظهار الناحية الفقهية فيه.
رابعًا: المخطوطُ ومنهجيةُ التَّحقيق:
١ - وصفُ المخطوطةِ:
تتكوَّن المخطوطة التي جعلتُها الأصلَ في ضبط النص من ثمانٍ وسبعين ورقة من الحجم المتوسط، أي ما يعادل مئة وستًّا وخمسين صفحة، وكل صفحة فيها سبعة وعشرون سطرًا، يضمُّ كلُّ سطر منها ما يقرب من ثلاث عشرة كلمة، مكتوبة بخطٍّ مشرقي معتاد، يبدو الطمس في بعض المواضع، وقد لاقيت فى قراءلّها مشقَّة كبيرة، يميل الناسخ فيها إلى مزج كثير من الكلمات، وأغلب كلماتها غير معجمة، فمثلًا يكتب: "فيلتفت قضاؤه" هكذا: "فيلتف قصاه"، ويكتب: "كان أو ذا محرم" هكذا "كان وذا محرم"، ويكتب: "الان" هكذا: "للان"، وكذلك لا يهمز، بالإِضافة إلى ما وقع فيه الناسخ من أخطاء إملائية كثيرة نبَّهتُ عليها، مع سقوط كثير من الكلمات أثبتُّ بعضها من المختصر والأصول التي نقل عنها ابن القطان.
وأصل المخطوطة يوجد بمكتبة الأسكوريال بإسبانيا، وقد حصلت على مصورتها، وقد كتب الناسخ على ظهر ورقتها الأولى كلمة تعريف بالكتاب والمؤلف، فقال:
كتاب "النظر في أحكام النظر بحاسة البصر" مما عني بجمعه: الشيخ الإِمام الفقيه المحدِّث الحافظ أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن
стр. 68
يحيى بن إبراهيم بن عيسى بن إبراهيم، عرف بابن القطان الفاسي ﵁ وعلى سائر المسلمين آمين.
وفي ذيل الورقة:
"في نوبة أفقر الناس أبي بكر بن أبي يوسف بن قرقماش الشهير بالحمزل".
وقد حاولت التعرُّف على الناسخ فلم أعثر على اسمه المضبوط لعدم وضوحه على مصورة المخطوطة، والمخطوطة لا تحمل تاريخًا في بدايتها ولا في نهايتها.
وفي الصفحة المقابلة للأولى: كتب عليها بلغة لاتينية، ختم المكتوب برقم (١٢٤)، وقد بذلتُ الجهد للحصول على نسخة أخرى للأصل، فما وجدتُ لها أثرًا.
أما النسخة الثانية التي اعتمدتُ عليها في المقابلة وتصحيح النص الفقهي هي: "مختصر أحكام النظر" لأبي العباس أحمد بن قاسم الجذامي القباب، وقد اختصره من الأصل: "المظر في أحكام النظر بحاسة البصر، لابق القطان، توجد منه نسختان بالخزانة الملكية: الأولى تحت رقم: (٧٢٣٣)، والثانية تحت رقم: (٥٧٠٥).
كما اعتمدتُ في تصحيح الأخبار والأدلة التي ذكرها ابن القطان في كتابه، وأقوال العلماء على الأصول التي يروي عنها المصنِّف، أو بعض المستخرجات، وبعض الكتب الفقهية، منها: صحيح مسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، والكامل لابن عدي، وعلل الترمذي، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي، والبيان والتحصيل والمقدمات لابن رشد، والأم للشافعي، والمجموع للنووي، حيث يتعرض فيه مؤلفه إلى أصول المذهب الشافعي، وغيرها من كتب الفقه على المذاهب الأربعة، بالإضافة إلى كتب التفسير والسير والمغازي، حيث أَسْعَفَتْني جميعها على إتمام ما كنتُ أجده من النقص في المخطوطة الأصل.
والمخطوطة كما عرفنا هي عبارة عن أحكام تتعلَّق بالثظر بأدلتها من الكتاب والسنّة وأقوال العلماء.
стр. 69
٢ - منهجيتي في التحقيق:
ارتكز عملي في تحقيق الكتاب على قراءته وتتبُّعه، ومقابلة أصله بالمختصر، وبالكتب التي اعتمد عليها المصنِّف.
وألخِّص عملي في تحقيق الكتاب في النقط التالية:
أ - ضبطُ النصِّ الفقهيِّ: بمقابلته مع المختصر؛ لأن المختصر جرَّد النصوص الفقهية من الأصل من غير تغيير، إلا في بعض الحالات النادرة، يلخص النص إذا كان طويلًا.
ب - ضبطُ الأسانيد: وذلك بتحرير أسماء الرجال، وتصحيح ما وقع فيها من أخطاء أو خفاء أو التباس ممَّا يؤدي إلى تغيير الأسماء، وهذا العمل دفعني إلى ترجمة بعضهم، بالإِضافة إلى ترجمة مَن تدور علَّة الحديث عليه، وبيان ما قيل فيه من جرح وتعديل، لأنَّ صحة الحديث تتوقَّف على سلامة رواتها من الجرح.
ج - ضبط المتون: وذلك بمقابلتها مع المصدر الذي نقل منه ابن القطان، وأحيانًا أبيِّن بعض ما تضمنته من المعاني، أو أكتفي بشرح بعض عباراتها الغامضة.
د - ما وقع مطموسًا أو غير مقروء أو محرفًا: أضعه بين قوسين وأُنبّه عليه في التعليق، وما كان ساقطًا منه أثبته مع وضعه بين معقوفتين إن وجدتُه في الأصول المعتمدة، وما وقع من بياض أضعه بين معقوفتين، وأشير إلى ما يَحْتمل أن يكون من الكلمات فيه.
هـ - خرجتُ الأحاديت المذكورة في الكتاب: واعتمدتُ في تخريجها على الكتب الستة، مع الموطأ، ومسند الإِمام أحمد بن حنبل، وسنن البيهقي، والمستدرك للحاكم، وصحيح ابن حبان، ومصنف عبد الرزاق، ومصنفا ابن أبي شيبة، وسنن البيهقي، والكامل لابن عدي، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ولسان الميزان لابن حجر، وغيرها، كما اعتمدتُ على بعض المستخرجات: ككشف الأستار، ومجمع
стр. 70
الزوائد للهيثمي، والترغيب والترهيب للحافظ المنذري، ورياض الصالحين للإِمام النووي، ونيل الأوطار للشوكاني، وغيرها من كتب الحديث والتفسير التي تستلزم ذلك.
و- ذكرتُ أسماء السور وأرقام الآيات التي وردت في الكتاب.
ز - اعتمدت في التعريف ببعض الرواة على كتب الرجال: منها: "الكامل" لابن عدي، و"المجروحين" للإِمام محمد بن حبان، و"الكاشف" و"المغني" للإِمام الذهبي، و"لسان الميزان" لابن حجر، وأكتفي بالإحالة على بعضها.
ح - رقَّمتُ مسائل الكتاب والأحاديت الواردة فيه على طريقة المحدثين: وقد قصدتُ من وراء ذلك، ضبط عدد مسائله، والأحاديث الواردة فيه، وأغفلتُ: المكرر منها، أو ما أورده المصنف بمعناه، أو ما أكتفي بالإِشارة إليه، أو ما ذكر سنده من غير متنه.
ط - أضفتُ بعض الشروح والبيانات اللغوية والفقهية: التي رأيتها أساسية وضرورية.
ي - وضعتُ لكل فصل أرقامه الخاصة بتعليقاته: تنتهي بانتهائه، وما كان من الإِضافات في التعليق، رمزت له بعلامة: " * ".
ك - ضبطتُ المشكل من العبارات، ووضعت الفواصل بين الجمل: مما يعين القارئ على سرعة القراءة والفهم.
ولم أدّخر جهدًا في تقديم هذا النص النادر النفيس، الذي طالما تشوَّفَتْ إليه أنظار العلماء، في حالة تيسر الإنتفاع به وتحقق الغرض المقصود الذي هدف إليه مؤلفه، راجيًا من الله تعالى التوفيق؛ فإن وفِّقتُ في ذلك فمن فضل الله عليَّ، وإن جانبتُ الصواب في بعض المواطن؛ فالإِنسان مجبول على النقص والضعف والنسيان، وسأعمل على تدارك ذلك بإذن الله.
стр. 71
إحكام النَّظر
في أحكَام النَّظر بحَاسَّة البَصَر
стр. 72
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله
قال الفقيه أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى ﵀، عُرف بابن القطان:
نحمد الله على نعمه، ونصلِّي على محمد نبيِّه ﵇، ونبيِّن إن شاء الله بهذا القول، جواب ما سئلت عنه من احكام النظر بحاسة البصر، مخلصًا (١) في ثمانية أبواب:
- الباب الأول: في مشروعية غضِّ البصر.
- الباب الثاني: في بيان ما يجوز إبداؤه للنَّاظر، وما لا يجوز.
- الباب الثالث: في نظر الرجال إلى الرجال.
- الباب الرابع: في نظر النساء إلى النساء.
- الباب الخامس: في نظر الرجال إلى النساء.
الباب السادس: في نظر النساء إلى الرجال.
الباب السابع: في الضرورات المبيحة، إلى ما لا يجوز النظر إليه بغير ضرورة.
- الباب الثامن: في بيان مشروعية أقوال وأفعال، عند رؤية بعض (المرئيات) (٢).
стр. 73
وجعلتُ ما أذكره في كل باب، مما بعد (الباب) (١) الأول، في مسائل، وهي منقسمة على ثلاثة أقسام: قسم الفتوى فيه مقطوع بها، وقسم الفتوى فيه مظنونة، وقسم الفتوى فيه متردد فيها. كتبناه (وبيناه) (٢) على الإحتمال فيه، ليرى الناظر رأيه، ولعل نعثر على مزيد.
وما نذكره في الباب الثامن، وهو في تراجم، بحسب الموجود منه، وتمرُّ فيه مسائل لها عند أهل النظر في الأصل موقعٌ عظيمٌ، نكتفي فيها بأيسر قول، اتِّكالًا على المسطور فيها في مواضعها.
وإنَّما الإعتناء بها هو من أحكام النظر، ونلتزم فيه من الخبر الحديثي، ذكر الأحاديث الصحاح بغير إسناد؛ [ما] (٣) روي فيه عند المحدثين نظر، أذكره بإسناد، وأنبِّه على ما ينبغي التنبيه عليه من أمره، وانما أفعل ذلك (إذا كان داخلًا) (٤) في الباب، أمّا إذا لم يكن من الباب، فقد أكتفي بالإِشارة إليه.
وما كان من الحديث في الباب ضعيفًا، أقتصر على ذكر (المتن) (٥) وموضع العلة من الإِسناد.
وينبغي لك أن تغضي (٦) عن الزلل والتقصير، اللَّذَيْنِ لابدَّ (منهما) (٧)
стр. 74
للبشر، وتنظر (١) إلى ما تيسَّر بفضل الله من اجتماع سرِّه العزيز الوجود، (ولا اجتماع) (٢) إلا بعد طول البحث، وأن ترغب إلى الله سبحانه أن يجعله من أسباب السعادة الأبدية، وأن يجعل أبوابه الثمانية أبوابًا للجنة، ومداخل لدار الحياة الدائمة، والنعيم الباقي بمنّه لا ربَّ غيره، وهو وليّ التوفيق وعليه التوكل.
* * *