← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17442

إحكام النظر في أحكام النظر بحاسة البصر

ابن القطان

Полный текст (513 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إحكام النَّظر في أحكَام النَّظر بحَاسَّة البَصَر

стр. 72

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله قال الفقيه أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى ﵀، عُرف بابن القطان: نحمد الله على نعمه، ونصلِّي على محمد نبيِّه ﵇، ونبيِّن إن شاء الله بهذا القول، جواب ما سئلت عنه من احكام النظر بحاسة البصر، مخلصًا (١) في ثمانية أبواب: - الباب الأول: في مشروعية غضِّ البصر. - الباب الثاني: في بيان ما يجوز إبداؤه للنَّاظر، وما لا يجوز. - الباب الثالث: في نظر الرجال إلى الرجال. - الباب الرابع: في نظر النساء إلى النساء. - الباب الخامس: في نظر الرجال إلى النساء. الباب السادس: في نظر النساء إلى الرجال. الباب السابع: في الضرورات المبيحة، إلى ما لا يجوز النظر إليه بغير ضرورة. - الباب الثامن: في بيان مشروعية أقوال وأفعال، عند رؤية بعض (المرئيات) (٢).

стр. 73

وجعلتُ ما أذكره في كل باب، مما بعد (الباب) (١) الأول، في مسائل، وهي منقسمة على ثلاثة أقسام: قسم الفتوى فيه مقطوع بها، وقسم الفتوى فيه مظنونة، وقسم الفتوى فيه متردد فيها. كتبناه (وبيناه) (٢) على الإحتمال فيه، ليرى الناظر رأيه، ولعل نعثر على مزيد. وما نذكره في الباب الثامن، وهو في تراجم، بحسب الموجود منه، وتمرُّ فيه مسائل لها عند أهل النظر في الأصل موقعٌ عظيمٌ، نكتفي فيها بأيسر قول، اتِّكالًا على المسطور فيها في مواضعها. وإنَّما الإعتناء بها هو من أحكام النظر، ونلتزم فيه من الخبر الحديثي، ذكر الأحاديث الصحاح بغير إسناد؛ [ما] (٣) روي فيه عند المحدثين نظر، أذكره بإسناد، وأنبِّه على ما ينبغي التنبيه عليه من أمره، وانما أفعل ذلك (إذا كان داخلًا) (٤) في الباب، أمّا إذا لم يكن من الباب، فقد أكتفي بالإِشارة إليه. وما كان من الحديث في الباب ضعيفًا، أقتصر على ذكر (المتن) (٥) وموضع العلة من الإِسناد. وينبغي لك أن تغضي (٦) عن الزلل والتقصير، اللَّذَيْنِ لابدَّ (منهما) (٧)

стр. 74

للبشر، وتنظر (١) إلى ما تيسَّر بفضل الله من اجتماع سرِّه العزيز الوجود، (ولا اجتماع) (٢) إلا بعد طول البحث، وأن ترغب إلى الله سبحانه أن يجعله من أسباب السعادة الأبدية، وأن يجعل أبوابه الثمانية أبوابًا للجنة، ومداخل لدار الحياة الدائمة، والنعيم الباقي بمنّه لا ربَّ غيره، وهو وليّ التوفيق وعليه التوكل. * * *

стр. 75

الباب الأول في مشروعيَّةِ غضِّ البصرِ

стр. 76

حاسَّة البصر إحدى أبواب القلب، وأعمر الطرق إليه، وعملها أكثر أعمال الجوارح وقوعًا وتكرارًا ما عدا التنفُّس. وقد تقرَّر الشروع بطلب النظر بها في مواطن كثيرة، إمّا على جهة الوجوب، وأما على جهة الندب، وليس ذلك من غرضنا الآن (*). وتقرر الشرع أيضًا بالنَّهي عن النظر بها، وإيجاب غضِّها أو الندب إليه في مواطن كثيرة، واباحته والعفو عنه في مواطن كثيرة؛ نبين منها -إن شاء الله تعالى- بعد الفراغ من هذا الباب والذي بعده الممكن، إذ مقصود هذا الباب إنما هو بيان حكم غضِّ البصر على الجملة لا بالقياس إلى منظور إليه مخصوص. والباب الذي بعده أيضًا، مقصوده بيان ما يجوز للمكلف (رجلًا) (١) كان، أو امرأة، إبداؤه للناظرين، (والتلفت) (٢) به إليها.

стр. 77

والأصل في هذا الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣٠، ٣١]. معنى هذه الآية: يا محمد! قل لمن آمن بما جئتَا به في غضِّ البصر، بأن (تقول) (*) لهم يغضوا، فيجزم يغفكوا على أنه جواب، أو انْهَهُمْ عن النظر، إن تَنْهَهُمْ، يغضوا. وعلى الوجهين، الجواب هو يغضوا (وهو) (**) خبرٌ من الله سبحانه، ولكنه بمعنى الأمر، أي: يكونوا مأمورين بالغضِّ، وكذلك نجد مَن لا يغض، وقد قيل له، أو نهي. والخبر المحض لا يدخل الحلف فيه إن كان من صادق. فإن قيل: وأين الأمر بالغضِّ على هذا؟ وإنما أُمر بأن يأمر -على ما قلت- أو بأن ينهى عن النظر. قيل: قد قلنا: إن إخباره عنهم بأنهم يغضون هو بمثابة قوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وأشباهه، أي: خبر بمعنى الأمر. ولا ريب في أن (الغرض) (١) من هذه الآية مشروع زَاكٍ، بل هو أزكى لهم. وقويت الأخبار منه تعالى عن نفسه عقبَ هذا، بأنه خبير بما يُصنع، مطَّلع على ما يُفعل، نازلة منزلة الوعيد، كأنه قال: غضوا أَبصاركم فإنه لا تخفى (عليَّ) (٢) أسراركم. وقوله: [يَغُضُّواْ﴾ معناه: ينقصوا من نظرهم؛ يقال: غضّ بصره وغض طَرْفه نَقَص منه.

стр. 78

فغض الطَّرف إنك من نمير (١) ... معناه: انقص من نظرك سواء كان الطرف العين، أو الصوت. ويقال أيضًا: غَضّ صوته، ومعناه: نقص من جهارته، قال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩]. ١ - وما روي أنه ﵇، كان إذا فرح، غَضَّ طرفه (٢). معناه، لو صحَّ: أنه كان يفعل ذلك ليكون أبعد من (الأشر) (٣) والمرح عند الفرح. ومنه الأثر (٤): لمَّا مات عبد الرحمن بن عوف ﵁ وقال عمرو بن العاص ﵁: هنيئًا لك؛ خرجت من الدنيا ببطنتك لها يتغضغض منها شيء؛ أي: لم ينتقص. قال الأحوص (٥): سأطلبُ بالشام الوليدَ فإنَّه ... هو البحرُ ذو التيَّار لا يتغَضْغَضُ أي: لا ينتقص.

стр. 79

ضرب البطنة مثلًا لوفور أجره الذي استوجبه بهجرته وجهاده مع النبيِّ ﷺ ، وأنه لم يتلبس بما ينتقص به أجره (١)، وكان موته قبل قتل عثمان ﵁. ٢ - وفي الأثر: "لو غضَّ الناس من الثلث إلى الربع" (٢). معناه: لو نقصوا. (وفلان) يغض من فلان، معناه: ينقص منه. و"من" في قوله: ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ قيل: إنها (لابتداء) (٣) الغاية، لأنَّ البصر باب (للقلب) (*) ابتداء يذكره. وقيل: لتبيين الجنس، كأنَّه لما قال: غض، أي: أنقص، احتمل أن يريد من بصرك، أو من كلامك بلسانك، أو من صوتك فأتى بـ "من" تبيينًا للجنس. وقيل: هي زائدة. ذهب إلى ذلك الأخفش، وأباه سيبويه. وقيل: إنها للتبعيض، وهو الذي ذهب إليه الأكثر من المفسرين. ووجهه: أن من النظر ما لا يدخل تحت التكليف، كالواقع فجأة من غير قصد، ومنه ما عُفي عنه وأبيح، كالنظر إلى ذوات المحارم والرجال، على ما سيأتي مشروحًا، يصلح بذلك دخول "من" للتبعيض بخلاف حفظ الفرج، فإنه لا يتعرض إلا على أعم ما يمكن، سواء كان معناه الإِعفاف، أو الحفظ

стр. 80

من الإنكشاف أو مجموعهما، لذلك لم تدخل "من" في قوله: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. وأصل هذا الباب من السنّة: ٣ - حديث أبي هريرة: أن النبيَّ ﷺ قال: "إن الله كتبَ على ابن آدم حظَّه من الزنى؛ أدرك ذلك لا محالة؛ فزنى العينين النظر، وزنى اللسان النُّطق, والنفس تتمنَّى وتشتهي، والفرج يصدِّق ذلك أو يكذبه" (١). ذكره مسلم. ٤ - وروى ابن مسعود، عن النبيِّ ﷺ قال: "العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرِّجلان تزنيان، والفرج يزني" (٢). ذكره البزار من رواية مسروق عنه، وهو صحيح. ٥ - وذكر البزار أيضًا: من حديث أبي موسى، عن النبيِّ ﷺ قال: "كلُّ عين زانية" (٣). ورواة إسناده مشهورون. ومعناه كمعنى حديث أبي هريرة في قوله: "أدرك ذلك لا محالة".

стр. 81

٦ - وحديث ابن مسعود أيضًا، عن النبيِّ ﷺ قال: "يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة (١) فليتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر, وأحصن للفرج". ذكره مسلم (٢) ﵀. ٧ - وحديث أبي سعيد الخدري: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إياكم والجلوسَ بالطرقات" قالوا: يا رسول الله! وما لنا بد من مجالسنا، نتحدَّث فيها، قال: "إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقَّه" قالوا: وما حقُّه؟ قال: "غَضُّ البصر وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، والأمرُ بالمعروف، والنهيُ عن المنكر" (٣). ذكره مسلم أيضًا. ٨ - وحديث عمر: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إياكم والجلوسَ في الصُّعُدات (٤) , فإن كنتم لا بدَّ (فاعلين) (٥) فأعطوا الطريق حقَّه" قيل: وما

стр. 82

حقُّه؟ قال: "غضُّ البصر، وردُّ السلام" أحسبه قال: "وإرشاد الضَّال" (١). ذكره البزار. ٩ - فأما حديث مالك بن التيهان في هذا، فغير صحيح، قال فيه: "اجتمعت منا جماعة عند النبي ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله! إنا أهل سافلة [وأهل] (*) عالية، نجلس هذه المجالس، فما تأمرنا؟ قال: "أعطوا المجالس حقَّها" قلنا: وما حقُّها؟ قال: "غُضوا أبصارَكم، وردُّوا السَّلامَ, وأرشدوا الأعمى، وأْمروا بالمعروف وانْهوا عن المنكر". ذكره ابن أبي شيبة (٢). وفي إسناده موسى (٣) بن عبيدة وهو ضعيف عندهم. وكذلك: ١٠ - حديث ابن عباس، عن النبيّ ﷺ قال: "لا تجلسوا في المجالس، فإن

стр. 83

كنتم لا بدَّ فاعلين, فردُّوا السلام، وغضُّوا الأبصار، واهدوا السَّبيل، وأعينوا على الحمولة" (١). هو أيضًا ضعيف، في إسناده: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٢)؛ وهو أحد (مَن ساء) (٣) حفظه بعد أن وُلّي القضاء، وفيه داود (٤) بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو ضعيف في الحديث. (ذكر) (٥) حديثه هذا البزار.

стр. 84

فإن قيل: نرى هذا الحديث فيه الأمر بغضِّ البصر لا مبعضًا بـ "من"، أَمَا يكون هذا دليلًا على خلاف ما ارتضيتُ، من كون "من" للتبعيض في قوله: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾؟ إذ لا يكون في هذا الحديث أراد غضوا من أبصاركم وأتى به دون "من"، اعتمادًا على بيان الآية، فإن هذا إن توهَّمه متوهِّم باطل، لأنه عكس المرتبة، فإن كلام النبيِّ ﷺ هو الذي يجيء مبيِّنًا لكلام الله تعالى، أما كلام الله تعالى، فلا يحتمل أن يجيء مبيِّنًا لكلام النبيِّ ﷺ ، بحيث يُجمل النبيُّ ﷺ معتمدًا على بيان القرآن لمجمل كلامه. وإذا وجب أن يكون كلام النبيِّ ﷺ في هذا الحديث غير معتمد على بيان الآية؛ وجب أن يكون (مقتضاها) (١)، فتكون "من" المذكورة في الآية زائدة، بدليل إسقاط النبيِّ ﷺ إياها قي مخاطبة أُمَّته. فالجوأب عن هذا أن نقول: بل هي غير زائدة، بل مبغِّضة كما قلناه. فأما الحديث (فإنه) (٢) مخاطبهّ لمواجهين قد علم من أحوالهم -والله أعلم- ما لم ينقل إلينا, ممَّا لم يصحَّ معه إيجاد "من"، وذلك مثل أن يكون الجلّاس في غالب الأحوال لا تصدر منهم نظرة الفجأة، فإن المفاجأة أكثر ما تكون من المارّ الآخد في شأنه لا من الممرور به (الممعن) (٣) المثبت بصره في المارَّة بطريق. وكذلك أيضًا قد لا يعرف الممرور به، أن المرأة المارَّة به، ذات رحم، أو ذات محرم، إلا بعد تثبت لسترها؛ فهو إذا قيل: التبين والتحقيق مأمور [به] (٤) بغضِّ البصو مطلقًا، (فالجواب) (٥): أن يقال للجلّاس على الطريق:

стр. 85

غضَّوا أبصاركم، ولا يقال لهم: غضُّوا من أبصاركم، لأنَّ (النظر) (١) إلى ذات المحارم، أو الرحم، في غالب الأحوال، نظر المفاجأة، والى ذات الرحم أو المترم غير متأتٍّ في غالب الأحوال، أو غير كثير الوقوع. وكيف ما كان معنى الآية ومعنى الخبر؛ فلم نعدم منهما ما قُصِد بيانُه في هذا الباب من مشروعية (غضِّ) (٢) البصر؛ وجوبًا، أو ندبًا. ومن ذلك أيضًا: ١١ - حديث جرير بن عبد الله: أنه سأل رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة (٣)، قال: فأمرني أن أصرف بصري (٤). ذكره مسلم. ١٢ - فأمَّا حديثا علي في هذا فلا يصح، رواء بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتبع النَّطرة النَّطرة، فإن لك الأولى وليست لك (الآخرة) " (٥). ذكره أبو داود.

стр. 86

وفي إسناده أبو ربيعة (الإيادي) (١). قال البزار: لا نعلم روى عنه إلا شريك (٢) والحسن (٣) بن صالح. وروى الدَّارِميُّ عن ابن معين قال: أبو ربيعة الذي يروي عنه شريك كوفي ثقة، فلعله هذا (الإِيادي) (٤)، وفيه شريك بن عبد الله القاضي، وهو ضعيف، وهو أحد جماعة اعتراهم -لما وَلُوا القضاء- سوء الحفظ لتشاغلهم بالقضاء كمحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٥) الفقيه المذكور الآن، وقيس بن الربيع (٦) وغيرهم. ١٣ - وروي عن طريق علي نفسه، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا علي! لا تُتبع النطرة النطرة، فإنما لك النظرة الأولى".

стр. 87

يرويه عبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة الواسطي (١)، وهو منكر الحديث، عن النعمان بن سعيد بن علي. وله طريق آخر يرويه: ١٤ - محمد بن إسحاق (٢)، عن محمد بن إبراهيم (٣)، عن سلمة بن أبي الطفيل (٤)، عن علي: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يا علي! إن لك في الجنة كنزًا،

стр. 88

وإنك ذو قرنيها (١)، فلا تتبع النطرة النظرة، فإن لك الأولى". ذكره والذي قبله البزار (٢). وسلمة بن أبي الطفيل لا نعلم له عن علي إلا هذا الحديث، ولا يعرف حاله، وروى عنه فطر بن خليفة (٣)، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث، (وسيأتي) (*) هدا المعنى بكثير مما (نحن) (٤) ذاكروه بعد، مثبوتًا في مواضعه إن شاء الله تعالى، وهو أمر لا نزاع فيه. * * * فصل ليس عمَّا يُحدِثُ في القلب هوى، وللنفس (وَلوعًا) (**) بالمنظور إليه فقط، يجب غضُّ البصر، بل وعن أشياء كثيرة حرم الشرع النظر إليها، كما: ١٥ - روى جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لينتهينَّ أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لا ترجع إليهم".

стр. 89

١٦ - وروى أبو هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء، (لَتُخْطَفَنَّ) (١) أبصارُهم". ذكرهما مسلم. وقد تضَمَّن هذان الحديثان -ولابدَّ- كون غضِّ البصر عن الجهة كورة مشروعًا في الصلاة وعند الدعاء، وإن شُكَّ في التحريم، من أجل أن الوعيد المتوعد به فيهما على ارتكاب ذلك الفعل دنيوي. ومثل: ١٧ - ما روي عن سهل بن سعد: أن رجلًا اطلع في جُحْر [في] (٢) باب

стр. 90

النبيِّ ﷺ ، ومعه مِدرى (١) يحك به رأسه، [فلما رآه رسول الله ﷺ ]، (٢) قال: "لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينيك، إنما جعل الإذن من أجل البصر". ١٨ - وروى أبو هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لو أن رجلًا اطَّلع عليك بغير إذنٍ، فخذفته (٣) بحصاة ففقأت (٤) عينه، ما كان عليك من جناح". ذكرهما مسلم (٥) ﵀.

стр. 91

وكذلك أيضًا هذان الحديثان هُمَا دَالَّانِ على مشروعية غضِّ البصر وإن لم يكن فيهما أمر به، ولا نهي عن النظر، ولكن من حيث جعله فيهما النظر سببًا يُستباح به منه ما لم يكن مباحًا؛ من الطعن في عينه، من غير إثم يلحق في ذلك معاقبته على فعل. ومثل: ١٩ - ما روى محمد (١) بن عبد الله بن حسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا النظر إلى المحارم، كما تتقون الأسد" (٢). قال البزار: حدثنا محمد بن مسكين (٣)، حدثنا يحيى بن حسان (٤) , حدثنا

стр. 92

عبد العزيز (١) بن محمد، عن محمد بن عبد الله بن حسن، فذكره، وهؤلاء كلهم ثقات .. وأشباه هذا من هذا النوع كثيرة، إن تُتُبِّعَت، مما لا يجلب هوى من النظر، ولا يدعو إلى ولوع، وهو محذور منه، مأمورٌ بغض البصر عنه. وليس يصحُّ حديثه ابن عباس في النهي عن إدامة النظر إلى المجذومين (٢) للجهل بإسناده. ولا: ٢٠ - حديثه أيضًا: عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ نظر في كتاب غيره بغير إذنه, فكأنما ينطر في النار". لأن إسناده مجهول كذلك، رواه أبو داود (٣).

стр. 93

ولا حديث ابن مسعود في النَّهي عن إتباع البصر الكوكب (المنقضّ) (١)؛ للجهل بإسناده أيضًا. وكذلك ينهى عن النظر الذي يجلب حبَّ الدُّنيا والغنى، ويغيب عن النعم المسداة المعجوز عن شكر أيسرِها، كما: ٢١ - قال رسول الله ﷺ في حديث أبي هريرة: "انظروا إلى مَن [هو] (٢) أسفل منكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم" ذكره مسلم (٣) ﵀. وإنَّما قُصِد بذكر هذا النَّزرِ من صحيح هذا الباب وضعيفه، التمثيل به، والتنبيه على نوعه، ممَّا هو منهي عنه من النظر، الذي ليس يجلب هوًى، ولا يحرك نفسًا. * * *

стр. 94

فصل وغضُّ البصر ليس من التروك المقصودة في نفسها، التي تتضمَّن معاني مقصودة كالصَّوم الذي يفيد كسر النَّفس، وكفَّها عن دواعي شهواتها، بل إنَّما يكون غضُّ البصر طاعةً، من حيث هو ترك معصية. وإذا عَزَّ (١) منظور إليه، حرم الشرع النظر إليه أو كرهه، كالكوز (٢) الذي به، تارك لشرب الخمر (أو للزنى) (٣) مثلًا، ليس باعتباره أنه كان أو يكون طاعة، بل باعتبار كونه تركاً للمعصية. فإذاً تحتاج هذه التروك -وغضُّ البصر منها- في كونها طاعة، إلى قصد ترك المحرم منها (٤) والتقرب إلى الله سبحانه [وقصد ترك] (٥) التلبس بها، بأحرى وأولى من احتياج التروك المقصودة في نفسها إلى ذلك؛ واذ لا يعدُّ كل من لم يصدر منه شرب الخمر مطيعاً بتركه شربها، (إنما) (٦) يكون مطيعاً بترك شربها من عرضت له أو عرضت عليه، فأشعر نفسه الطاعة لله سبحانه، والتقرب إليه، بترك شربها، فتركها خوفاً وتقربًا؛ هذا هو الذي يكون مطيعاً بترك شرب الخمر، من حيث هو تارك لها. وكذلك غض البصر (عمَّا نُهي) (٧) عن نظره، فأعرض عنه وغضَّ، ناوياً تركه كما أمر، متقرباً بذلك لمن (أمر) (*) به جلَّ وعلا؛ (فهذا) (٨) هو الذي يكون بغضِّه طرفَهُ مطيعاً، إما بواجب، وإما بمندوب.

стр. 95

أما من (هو الآن) (١) غير مبصر لعورة غائبة عنه، فلا يقال فيه: إنه (غاضّ) (٢) لبصره عن تلك العورة، ولا يقال فيه أيضًا: إنه مطيع بترك النظر إليها، بل قد يكون متلبِّساً بمعصية، هو بها تارك للنظر، فلا يكون تركه للنظر طاعة، لكونها من جهة أخرى معصية، بل قد يقصد ترك النظر، وغض البصر، ولكن يقترن به ما يسلبه وصف الطاعة، مثل: أن يكون بحضرته من [يراقبه] (٣)، وهو يستحيي منه، ويكره أن يطَّلع منه على إرسال طرفه، فيقصد إلى غضِّ بصره استحياءً منه أو رياء، فهذا أيضًا لا يكون غضُّه طاعةً، وإنما يكون طاعة حين يكون استحياءً من الله ، وأنه يراه وإن لم يكن هو يراه. والأمر في هذا ال فصل هيِّن، وهذا القدر من التنبيه إليه كافٍ. * * * فصل ويقع مِن غضِّ البصر ما هو طاعة، وما هو معصية، وقد مضى ذلك، ويقع منه المباح وهو كثير، ويقع نقيضُه أيضًا، أعني النظر كذلك منقسماً لهذه الأقسام. وقسم آخر لا يوصف بأنه طاعهّ ولا معصية، ولا مباح، وإنما هو معفوٌّ عنه، غير مخاطب به، لأنه ليس (داخلًا) (٤) تحت الاكتساب، فهو كرعشة المرتعش، وذلك كنظرة الفجأة التي لم تقصد، وقد تقدم بيان حكم الشرع فيها، في حديث جرير المتقدم (٥)، ولم يُرِد بقوله له: "اصرف بصرك" جوابه عن نظرة

стр. 96

الفجأة، وإنما أراد به أن يصرف بصره عما بعدها، أما هي فلا يصح فيها ذلك، لأنها بقدرها غير مقصودة، ولا نُهي عنها بعد وقوعها، والذي أمره به من صرف بصره بعدها لا يتعيَّن الأمر فيه، بل يقع الامتثال به، ولو (أمر) (١) مع ذلك بأمر آخر وهو تجنب ما فاجأه نظره مما لا ينبغي النظر إليه، كفعله ﷺ في (تنحية) (٢) أنبجانية أبي جهم (٣)، وإخباره أنه نظر إلى عَلَمها في الصلاة حتى كاد يفتنه (٤). وكما أمر عائشة أن تُميط فراشها، وعلل ذلك بأن تصاويره لا تزال تعرض له في الصلاة (٥). وقد يكون ذلك بذهابه هو عن موضع هو فيه، أعني ما لا ينبغي النظر إليه فاعلمه. * * *

стр. 97

فصل وجناية البصر إذا لم يقع غَضُّه عما حَرُم النظر إليه، ليست -والله أعلم- من الكبائر، إذا صح انقسام الذنوب إلى صغير وكبير، كما قال : ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٣]. و ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]. و ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]. ونحو هذا مما لسنا له الآن، وإنما قلنا: إنه لا يكون من صنف الكبائر لأمرين: أحدهما: أنَّا لا (نعده) (١) كبيرًا. والأمر الآخر: تحقق أثر من آثار صِغَرِهِ، وذلك أن المتقرِّرَ هو أن الكبائر لا يكفِّرها إلَّا التَّوبة منها، وأمَّا غير ذلك من الذنوب، فاختلف الناس فيه، هل يكفي في تكفيرها الطاعات ما عدا التوبة منها، وأنها إذا أتبعت السيئة الحسنة مَحَتْها؟ أو لا بدَّ مع ذلك من ضمِّ التَّوبة إلى الطاعة؟. والصحيح عندي هو أن صغائر الذنوب مكفَّرة بالطاعة إذا اجتُنبت الكبائر، إما أن يكون كلُّ صنف من أصناف الطاعات يكفر أي صنف فرض وجوده من أصناف الصغائر، وإمَّا أن يخصَّ (صنفاً من الذنوب صنف) (٢) من الطاعات، من غير اشتراط ضميمة التوبة منها في ذلك.

стр. 98

ولبيان هذا مواضعه، وهي بالجملة مسألة تظاهرت الظواهر على إثباتها حتى صارت مقطوعاً (بها) (١). وإذا تقرَّر هذا محالاً به على مواضعه، قلنا بعده: إن جناية النظر بالنظر من صنف ما (تكفره) (*) الطاعات، إذ لم يسمه الشرع كبيرًا، ولذا (٢) قد جعله في حديث أبي هريرة مكفراً بالوضوء، حيث قال: ٢٢ - "إذا توضأ العبدُ المؤمنُ أو المسلمُ فغسل وجهه، خرج من وجهه كلُّ خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء" (٣). وقد (فسَّر) (٤) ابن عباس ﵄ ذلك في الحديث المتقدم الذكر؛ حيث قال: ما رأيت أشبه باللمم ممَّا قال أبو هريرة عن رسول الله ﷺ ... الحديث (٥)، جعل نظر العينين من اللمم المعفوِّ عنه في قوله : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢]، وقد يدل على

стр. 99

خاصِّ ما نحن فيه أيضاً حديث تظاهر الرواية به في قصة (١) الذي أصاب من المرأة ما دون أن يمسَّها، ثم جاء فسأل النبي ﷺ فقال: "صلّ معنا" ثم نزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. (لستُ) (٢) أعني أنه يدلُّ على ما نحن فيه من جهة السبب المذكور فيه، وهو أنه قبلها، وأَصاب منها ما دون الجماع، وكفَّرت له الصلاةُ ذلك، فإن هذا ليس بصحيح (الإستدلال به) (٣)؛ لأن هذا الرجل ندم على ما فرط منه، وجاء يلتمس المخرج، فكفّر ذنبه بالندم الذي هو التوبة، ولعله قد أضاف إليه العزم على أن لا يعود، وجبرت له الصلاة ما فاته من الأجر في مكان المعصية، فيكون هذا موافقًا لما يذهب إليه من (يأبى) (٤) تكفير الطاعات الصغائر، (ولكنني أعني) (٥): أنه يدل عليه بظاهره قوله : ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. أخبر عن جنس الطاعات -التي الصلاة منها- أنها مذهبة للسيئات، ويكون المستفاد من السبب، هو أنَّ الصلاة مما تذهب السيئات، إذ لا بدَّ أن يتنزل

стр. 100

الخطاب - وإن كان عامّاً- على سببه، فلا يُخرج منه، وإن كان لا يقصر عليه، فلو أقحم الخصم هاهنا بشرط التوبة حتى يكون تقدير الكلام: إن الحسنات يذهبن السيئات بشرط التوبة منها [،،، عز] (١) الخطاب عن الغاية، فإن التوبة كافية في إذهاب السيئات، مستقلة بالتكفير، فلا يبقى لقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] معنى. ولا يصح أيضًا تنزيله عن السيئات، وحسن التوبة حتى يكون تقدير الخطاب هكذا: إن الحسنات التي هي التوبة يذهبن السيئات، لأنه قد تبيّن بالسبب: أن الصلاة منها، ولأنه أيضًا قد ذكر الصلاة في قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] فالمعنى: إن الحسنات التي الصلاة منها، يذهبن السيئات. وهذا الذي قلناه هاهنا، لم يقصد من حيث النظر في مسألة النزاع؛ لأن هذا ليس موضعه، وإنما قصد به من حيث النظر، في أن (جناية) (٢) البصر صغيرة بدليل تكليف إياها. وهذا القدر من التنبيه عليه كافٍ. ولم يصح في هذا حديث ابن عباس: ٢٣ - قال البزار: نا عباد (٣) بن يعقوب، نا عبد الرحمن بن محمد

стр. 101

العرزمي (١) قال: نا شبيب (٢) بن شيبة، عن قتادة عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يَتَشَلْشَلُ (*) وجهه دمًا، فقال: "ما هذا؟ أو ماذا؟ " قال: يا رسول الله! إنه مرَّت بي امرأة، فنظرت إليها فلم أزل أُتبعها بصري فاستقبلني جدار فصَدَمني، فصنع بي ما ترى، قال ﷺ : "إن الله إذا أراد بعبدٍ خيراً عجل له عقوبةَ ذنبه في الدُّنيا، وإذا أراد بعبد شرّاً أمسك عليه ذنبه، حتى يوافي به يوم القيامة" (٣) كأنه غير [هـ]. فإن شبيب بن شيبة وعبد الرحمن بن محمد (الفراري) العرْزمي ضعيفان. ٢٤ - وحديث ابن مغفَّل الذي صحَّ فيه آخر هذا الحديث، وهو قوله: "إن

стр. 102

الله إذا أراد بعبد خيراً" إلى آخره، ليس فيه من هذا الباب شيء، فإن المذكور فيه [ملأ عليه المعنى وعبه نائماً] (١) والحديث المذكور ذكره ابن أبي شيبة (٢) فاعلمه، والله الموفق. * * *

стр. 103

الباب الثاني فيما يجوزُ إبداؤه للنَّاظرين من الجسد، وما يمنع فيحرم أو يُكره والناس على ثلاثة أقسام: ذكور، وإناث، ومشترك، وهم الخناثى، إذا فرض أحدهم مشكلاً. فلنقسم هذا الباب على ثلاثة فصول، ونضمن كلَّ فصل مسائل بجنسه.

стр. 104

فصل الذكور على قسمين: مكلَّفين، وغير مكلَّفين (١) مسألة: المكلف من الرجال، منه ما يجوز له إبداؤه بالجملة، وذلك ما فوق السرة ودون الركبة، وهذا ما لا خلاف فيه: ويدل عليه من السنّة: ٢٥ - حديث أبي أمامة بن سهل بن (حنيف) (١)، عن (المسور) (٢) بن مخرمة قال: أقبلتُ بحجرٍ أحمله ثقيل، وعليَّ إزار خفيف، فانحلَّ إزاري، ومعي الحجر (٣) لم أستطع أن أضعه، حتى بلغتُ به إلى موضعه، فقال رسول الله ﷺ : "ارجع إلى ثوبك فخذه، ولا تمشوا عراة" ذكره مسلم (٤). وفيه جواز إبداء ما عدا العورة، وتحريم مشيهم عراة، أي: بادي العورات. وهذا أمر لم يزل متقرراً في الوجود، معلومًا بين الأمة، متداولاً، أعني: تجرُّد العمال في أعمالهم مبدين ما عدا العورات منهم. ويدل عليه أيضًا حديث ابن عباس:

стр. 105

٢٦ - قال البزار: نا يوسف بن موسى، نا يعلى بن عبيد، نا سفيان، هو الثوري، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "احذروا بيتاً "يقال له: الحمام" قالوا: يا رسول الله! يُنْقِي (١) الوسخ، قال: "فاستتروا" (٢). هذا صحيح ولا يضره (إرسال) (*) من أرسله، فإن انتشار الخبر، وتفرد الحاملين له، هو الموجب لأن يروى تارة مرسلاً، وتارة مسنداً، ورواته (٣) ثقات فلا نبالي بإرسال من أرسله.

стр. 106

وجهة دلالته على ما نحن فيه: هو من حيث تنزيله، على ما لم يزل معلومًا من دخول الناس الحمامات عراة لغسل الأبدان والشعور، بل ربما بالغوا في التعرِّي بإبداء العورات، فقال الشرع: "احذروا بيتاً يقال له: الحمام"، أي: لأن العادة فيه جارية بانكشاف العورات، فلما قالوا له: ينقي الوسخ، قال: "استتروا"، يعني: استروا عوراتكم، وبعيد لهذا أن يعني: استروا أبدانكم، فإن ذلك غير معهود، ثم لم يصر معهوداً. وليس استدلالنا هذا -متى استدللنا به فيما يأتي، مما يحتاج إليه فيه- استدلالاً بعمل، إنما هو استدلال بمتواتر لا يمكن المنازعة إلا في صحة وجوده (بحسب العلم) (١)، أو الظن الغالب المحتسب في مسائل الفقه. ولم يكن كلامنا الآن في نظر الناظرين، فإنه لو كان في ذلك أمكن أن يعترض بأن يقال: هب كأنه يبدي بدنه، فمن أين يجوز النظر إليه ممَّن يحضره؟. وإنَّما كلامنا في هذا الباب في بيان ما تُعبدنا بستره، وما لم نتعبد (بستره) (٢). وفي الحديث النهي عن كشف العورة، من حيث أمره بسترها، والأمر في جواز إبداء الرجل ما عدا العورة قطعي، ولا خلاف فيه.

стр. 107

ويستقرأ أيضًا: من إبدائه ﷺ خاتم النبوة (١) في ظهره لجماعة .. ومن تمكينه أسيد بن حضير من كشحه (٢)، أو خاصرته يقتصُّ منه، فلما بدت له التزمها .. ومن بدوّ صفحة عنقه، حين جذبه (٣) الأعرابي بردائه .. ومن كشفه ساقيه حتى رآهما مَن بحضرته (٤)، من أبي بكر وعمر وعثمان وأبي موسى الأشعري ﵃.

стр. 108

ومن رؤية عمر جنبه ﷺ ، وقد أثَّر فيه رمال حصير (١). وكذلك: ٢٧ - أبو موسى الأشعري في حديثه في قتل أخيه (٢) أبي عامر: فلمَّا رجعتُ إلى النبي ﷺ دخلتُ عليه، وهو في البيت على سرير مُرمَلٍ (٣)، وما (٤) عليه فراش، وقد أثَّر رمال السرير في ظهر رسول الله ﷺ وجنبيه. ذكرهما مسلم.

стр. 109

وكذلك قال ابن مسعود أيضًا: ٢٨ - إنَّه رآه وقد أثَّر رمال الحصير في جنبه، في حديث: [ما أنا في الدنيا] (١). ذكره الترمذي. ومن رؤية قيس بن سعد بن عبادة، أثر الورس على عُكنه، حين اشتمل في بيتهم بالملحفة المورَّسة (٢). ذكر حديثه بهذه الزيادة البزار. ٢٩ - وروى زهير بن محمد، عن زيد بن أسلم، قال: رأيت ابن عمر (محلول الأزرار) (٣)، وقال: رأيت رسول الله ﷺ محلول الأزرار. ذكره البزار (٤). وفي حديث أنس: ٣٠ - فلقد كنت أرى أثر [ذلك] المخيط في صدره ﷺ . ذكره مسلم (٥).

стр. 110

إلى غير ذلك مما يكثر أن تتبع. ومعلوم أنَّ شعر المرأة كصدرها وبطنها، فشعر الرجل أحرى وأولى أن يكون كصدره، وشعور الرجال بادية، وهذا ما لا نزاع فيه؛ فلا نطيل به. فإن قيل: فكيف بما ذكر أبو القاسم (البغوي) (١) قال: ٣١ - أنا وهب بن كعب، أنا خلف، عن بيان، عن قيس، عن جرير، قال: رآْني عمر متجرِّداً، فناداني: حذار ذلك، حذار ذلك .. فأخذتُ ردائي، ثم أقبلتُ إلى القوم فقلت: ما له ناداني: حذار ذلك؟ قالوا: لَمَّا رآك متجرِّداً. قال: ما (رأيت) (٢) أحدًا من الناس صور صورة هذا إلا ما ذُكر عن يوسف. قلنا: ليس في هذا منع من إبداء، وإنما خاف أن يُلقَحَ (٣). والله أعلم. (٢) - مسألة: ومنه ما لا يجوز له إبداؤه قطعًا، لغير زوج أو أمة، وذلك سوءتاه، وهذا أيضًا ما لا خلاف فيه: والأصل قوله تعالى: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. فإنه يحتمل أن يكون معناه: يحفظونها من الزنى، وما لا يحلُّ، أي: يعفونها من الزنى، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥]. وكما قال رسول الله ﷺ :
следующие страницы →