المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
عمادة البحث العلمي
رقم الإصدار (٧٩)
تحقيق الفوائد الغياثية
تأليف
شمس الدين محمد بن يوسف الكرماني
(المتوفى سنة ٧٨٦ هـ)
تحقيق ودراسة
د. علي بن دخيل الله بن عجيان العوفي
عضو هيئة التدريس في الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
[الجزء الأول]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
(ح) الجامعة الإسلامية، ١٤٢٥ هـ
فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر
تَحْقِيق الْفَوَائِد الغياثية لشمس الدِّين الكرمانِي
تَحْقِيق ودراسة: د. عليّ بن دخيل الله بن عجيّان الْعَوْفِيّ - الْمَدِينَة المنوّرة.
٥٧٠ ص، ١٧ × ٢٤ سم
ردمك: ٨ - ٢٢١ - ٠٢ - ٩٩٦٠
١ - ٢ - أ - العنوان
ديوي ٤١٥.٥ ... ٢٦٤٠/ ٢٢
رقم الْإِيدَاع: ٢٦٤٠/ ٢٢
ردمك: ٨ - ٢٢١ - ٠٢ - ٩٩٦٠
جَمِيع حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة
للجامعة الإسلامية بِالْمَدِينَةِ المنوّرة
مكتبة الْعُلُوم وَالْحكم
الْمَدِينَة المنورة - شَارِع السِّتين - ص. ب ٦٨٨
ت: ٨٢٥١٩٤٢ - ٨٢٦٣٣٥٦ - فاكس ٨٢٢٠٦٦٥
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
-[مقدِّمة معالي مدير الجامعة الإسلاميِّة]-
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على رسوله الأمين، وعلى آله وأصحابه، والتّابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين.
أما بعد: فإنّ أشرف ما تتّجه إليه الهمم العَالية هو طلب العلم، والبحث والنّظر فيه، وتنقيح مسائله، وسلوك طريقه، لأنّ ذلك هو الذي يوصل إلى السّعادة، كما قال الرّسول ﷺ : "من سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنّة".
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر من الآية: ٢٨].
وأوّل ما بدئ به رسول الله ﷺ هو وحي الله إليه بالعلم ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥].
وقال تعالى يخاطبه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ﴾ [محمد من الآية: ١٩].
وقال تعالى ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه من الآية: ١١٤].
وما قامت به الحياة السّعيدة في الحياة الدّنيا والآخرة إلّا بالعلم النّافع.
ولذا كان التّعليم هو الهدف الأعظم لمؤسّس الملكة العربيّة
стр. 5
السّعوديّة الملك عبد العزيز ﵀، ولأبنائه كذلك من بعده، ففي عهد خادم الحرمين الشّريفين، أوّل وزير للمعارف بلغت مسيرة التّعليم مستوى عاليًا، وازدهر التّعليم العالي وارتقت الجامعات، ومن هذه الجامعات العملاقة، الجامعة الإسلاميّة بالمدينة النّبويّة، فهي صرح شامخ، يشرف بأن يكون إحدى المؤسّسات العلميّة والثّقافيّة، التي تعمل على هدي الشّريعة الإسلاميّة، وتقوم بتنفيذ السّياسة التّعليميّة بتوفير التّعليم الجامعيّ والدّراسات العليا، والنّهوض بالبحث العلميّ والقيام بالتّأليف والتّرجمة والنّشر، وخدمة المجتمع في نطاق اختصاصها.
ومن هنا، فعمادة البحث العلميّ بالجامعة تضطلع بنشر البحوث العلميّة، ضمن واجباتها، التي تمثل جانبًا هامًّا من جوانب رسالة الجامعة ألا وهو النّهوض بالبحث العلميّ والقيام بالتّأليف والتّرجمة والنّشر.
ومن ذلك كتاب: [تحقيق الفوائد الغياثيّة]، تأليف:
شمس الدين محمد بن يوسف الكرمانيّ (ت ٧٨٦ هـ) تحقيق ودراسة د. عليّ بن دخيل الله عجيّان العوفي.
نفع الله بذلك ونسأله سبحانه أن يرزقنا العلم النّافع والعمل الصّالح، وصلى الله وسلّم وبارك على عبده ورسوله محمّد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
معالي مدير الجامعة الإسلاميّة
د / صالح بن عبد الله العبود
стр. 6
المقدِّمة
стр. 7
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ (١) آمين.
والصَّلاةُ والسَّلامُ على أَشْرفِ الأَنبياءِ والمُرْسلِين، وآلهِ الطَّيِّبين الطَّاهرين، وصَحابتهِ الغُرّ الميَامين، والتَّابعين لهَم بإِحْسَانٍ إلى يومِ الدِّين وبعد؛
فإِنَّ أعظمَ ما اسْتُنفرت له الطاقات، وأُنفِقَت في سَبيله الأَوْقَات، ما امتدَّ نفعُه للمَرءِ من الحياةِ إلى المَمَات، وقَدْ قَال رسولُ الله ﷺ : "إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطعَ عَنْه عَمَلُهُ إلا مِنْ ثَلاثةٍ: إلا مِنْ صَدَقةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ به، أَوْ وَلَدٍ صَالح يَدْعو له" (٢).
стр. 8
وكانَ من نِعَم الله عليَّ أَنْ أَلقى في رُوْعِي -منذُ نعومةِ أَظفاري، وأَنا أَتَلقى تَعْلِيمي الأَوَّليّ في جَنَباتِ هذه الجامعةِ المباركةِ- فَهْمًا صَحِيحًا لحديثِ رسولِ الله ﷺ الآنفِ الذِّكر، ولغيرِه من الأَحَاديثِ الوَاردةِ في فَضْلِ العِلْم. فَأَحْببتُ طريقَه وسلكتُ سُلَّمه، سَائِلًا الله فَضْلَه وبركَتَه، ومَا زِلْتُ كذلك؛ أَتقلَّبُ بين مَعَاهدِ الجَامعةِ الإِسْلاميَّةِ وَكُلِّيَّاتِها نَاهِلًا من مَعِينها العَذْبِ الصَّافي حتَّى امتنَّ الله عليَّ بالقبول في مَرْحلةِ العَالمِيَّةِ العَالِيَة "الدُّكْتُوراه".
وكان مِن تَوفيقِ اللهِ وفَضْلِه عليَّ وعلى زُملائي طلبة الدِّراساتِ العُليا في كُلِّيَّةِ اللُّغةِ العربيَّةِ -في تلك السَّنة- أَنْ رَأى القَائِمون على الجَامِعةِ الإسْلاميّة، وعلى رَأْسِهم مَعَالي مُديرِها الحاليِّ، فضيلة الدُّكتور / صالح بن عبدِ الله العُبود -ضرورةَ العودة إلى الإفادة من نظام التّعاقد بتزويدِ قسمِ الدِّراساتِ العُليا بالكُليَّة بعددٍ من الأساتذةِ الفُضلاءِ، والعلماءِ الأَجلّاء؛ ليكونوا عونًا لطلبةِ الدِّراسات العُليا مِنْ جِهة، وليسْهِموا مع زملائِهم السُّعوديين في تَنْمية المعرفةِ الإنْسانِيَّة مِنْ جِهةٍ أُخرى.
وبالفِعْلِ قَيَّضَ الله لي مُلازمةَ أحدِهم، وهو مَنْ هو في العِلْمِ والفَضْل!! فضيلةِ الأستاذِ الدُّكتورِ / عَبْد السَّتَّار حُسَين زَمُّوط؛ حيثُ عُيِّن مُشرْفًا لي.
وما زلتُ أستخيرُ الله، وأستشيرُ مشرفي في موضوع البَحْث، وهو يحبِّبُ إليَّ التَّحقيقَ ويقرّبُنِي منه؛ حتَّى اسْتشعرتُ أهميَّته، وأدركتُ خُطُورتَه، وأنَّه لا يَضْطلعُ به إلا أصحابُ الهممِ العاليةِ والقُدراتِ الفائقة؛ مِمَّن عرفَ لعلماءِ الأُمَّةِ الأسلافِ حقَّهم، وقدَّرهم حقَّ قَدْرِهم. وأَدْركَ تَمَامًا أَنَّ العبثَ بتراثِهم، والتَّسرّعَ في إخْراجِه؛ أشدُّ وبالًا وأَعظمُ
стр. 9
خِزْيًا من بقائِه قَابعًا في مَكانِه؛ عَلى صُورتِه الَّتي تَركها المؤلِّفُ عَليه.
وهكذا ظللتُ أُطالعُ مرشدي -بين الوَقْتِ والآخر- بما تَيسّر لي الوقوفُ عليه؛ من مَخْطُوطاتٍ جَديرةٍ بالتَّحقيقِ -في نظري-، وأعرضُ عليه، وهو لا يَأْلُو جُهدًا في الفَحْصِ والنَّظر، والتَّقصِّى والتَّتبُّع؛ بَل وقراءةِ المَخْطوطِ؛ مع مَا فِيه مِنْ الجُهدِ والمَشَقَّةِ؛ ثم يصدر حُكْمَه المصيبَ لكبد الحقِيقَةِ.
وعندما يَسَّر الله لي الاهْتداءَ إلى كتابِ "تَحْقيقِ الفَوائدِ الغياثيَّة" لشَمس الدِّين الكِرْمَانيِّ وجَدْتُني مع زَميلٍ بَاحثٍ فاضلٍ في قِسْم اللُّغويَّات؛ هو فضيلةُ الدّكتور / ناجي محمدو حين، وكان قَدْ سجَّلَ مَوْضُوعًا يَتعلَّقُ بتحقيقِ كتابٍ لشَمْس الدِّين الكِرْمَانيِّ؛ مكَّنه من الوُقوفِ على عَنَاوين كُتبهِ، فذكرَ ليَ أنَّ لشارح صحيح البخاريّ؛ شمسِ الدِّين الكِرْمَانيِّ مؤلَّفًا في البلاغةِ ودلَّني على بعضِ المَصَادر الَّتي أورَدت خبرَه.
وبعونِ الله وتيسيرِه؛ لَمْ تمضِ أسابيعُ قَلائِل إلا وتصوّرٌ شاملٌ عن الكتابِ ومؤلِّفه تحت سَمْع المشرف وبصره، وإِحدى نُسَخِهِ المجلوبة من خارج المملكةِ بين يَدَيْه، فوافقَ اسْتِحسانُه اسْتِحْسَاني، وفرضتْ قيمةُ الكتابِ العِلميَّة نَفْسها عليَّ وعليه؛ فَلَمْ أجدْ مَناصًا من التَّقدُّم به إلى القسْمِ وتَسْجيله.
وثَمَّت أسبابٌ عدَّة دَفَعتْنِي إلى اخْتيارِ هذا الموضُوع، ويمكنني أَنْ اقسِّمَها إلى قِسْمين:
أولًا: دوافع تَتَعلَّقُ بالباحثِ، منها:
١ - رغْبَتي الملِحَّة -الَّتي أَذْكاها في مشرفي- في المُشَاركةِ في
стр. 10
إحياءِ التُّراثِ العربيِّ والإسلاميِّ؛ بتحقيقِ مخطوطاتِه، وبعثِ نَفائِسه وكنوزه، ولو لَمْ يكن للتّحقيق سوى هذه الميزة لكفت.
٢ - رغبتي الجادَّةِ في الجمع بين التَّأليف والتَّحقيق، واكتساب التَّجربة في كليهما، ولَمَّا كانت أطْروحتِي في (الماجستير) مَوْضُوعًا؛ ناسبَ أن تكونَ في (الدُّكتوراه) تحقيقًا ودراسةً؛ فأجمعُ بذلك بينَ النَّوعين.
٣ - إيمانِي بأن البلاغةَ العربيَّةَ في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى تَجْديد، وأَنَّ أَوَّلَ سبلِ تَجْديدِها الرُّجوعُ إلى تُراثِنا البَلاغيِّ واسْتيعابُه، لنبني على أُسسهِ ما نَطمحُ إليه من التَّجديد.
٤ - رَغْبتي في إِشْباع شوقٍ تملَّكني في أَثْناء قِراءتي المخطوطَ لأوّلِ مرةٍ؛ أجد مَكْمنه في عمقِ الفِكرةِ، ودقّةِ المَلْحظِ، وقوَّةِ الحُجَّةِ، وحسنِ العرض.
٥ - رَغْبتي في التَّمكُّنِ والاسْتِيعاب التَّامِّ لجميع المباحثِ البلاغيَّةِ العربيَّةِ، والنَّهلِ من مَعِينها التُّراثيّ الصَّافيَّ.
٦ - رَغْبتي في الإِسْهامِ في إخْراج كتاب مِنْ كُتبِ التُّراثِ العَربيِّ؛ خدمةً للعلم وأهله، وإِثْراءً للمراجِع الأَصْليّة في المكتبةِ العربيَّة.
ثانيًا: دوافع تتعلَّقُ بالمَخْطُوط:
١ - قيمةُ الكتابِ العلميَّةِ فهو متضمِّن لكتابَينِ عَظِيمَين؛ أَحدهما: مختصرِ الإيْجيّ، والآخر: شرح الكِرْمَانيِّ، وكلاهما ذو أَهميَّةٍ بالغةٍ؛ لأَنَّهما يستمدَّان مادَّتَهما من مفتاح العلومِ للسَّكاكيِّ مباشرةً.
هذا؛ وقَدْ تَضَمَّن الكتابُ الشَّارحُ "تحقيقُ الفَوائد" علومَ البلاغةِ الثَّلاثة:
стр. 11
المَعَاني، البَيَان، البَدِيعَ. وتناولَ بالشَّرح التَّفصيليِّ -أَحْيانًا- جميع المباحث البلاغِيَّةِ؛ حيثُ بدأَ بتعريفِ علمِ المعاني وتحدَّثَ عن غَايتِه ثمَّ تحدّثَ عن الخَبرِ، فعرَّفهُ واسْتَطردَ في بيانِ حَقِيقتِه، وخلافِ العلماءِ حولَ صِدْقِه وكذبِه، ثمَّ بَيَّنَ الغرضَ من إلقائِه، وأضْرُبَه، وخروجَه عن مُقْتَضى الظَّاهرِ، وأدواتِ تأكيدِه، ومَا قَدْ يردُ من أغراضٍ فرعيَّة، ثمَّ تحدَّثَ عن بقيَّةِ أحوالِ الإسنادِ، ثُمَّ بَيَّنَ أحوال المُسْندِ إِليه، والمُسْند؛ من حيثُ الحذفُ والذِّكرُ، والتَّقديمُ والتَّأخيرُ، والتَّعريفُ والتَّنكيرُ ... إلخ؛ ذاكرًا الأَسْرارَ البلاغِيَّة الَّتي تَقْتضي كلًّا منها، ثم تحدَّثَ عن أَحْوالِ متعلِّقاتِ الفِعْل من حيثُ التَّقديمُ والتَّأخيرُ، .. إلخ؛ مع بيانِ الأَسْرارِ البَلاغيَّةِ لهذه الأَحوال، ثُمَّ تحدَّث عن القَصْر؛ فعرَّفه، وقسَّمَه باعتبارِ طَرفيه، وباعتبارِ حالِ المُخاطبِ، وبَيَّنَ طُرقَه وأَدَواتِه، ثُمَّ تحدَّثَ عن الفَصْلِ والوَصْل، فعرَّفهما، وبَيَّنَ مواضعهما، ثُمَّ تحدَّث عن الإِيجازِ والإِطْنابِ والمُسَاواةِ، وخَتَم كلامَه بالحديثِ عن الطَّلبِ فَعَرَّفَه، وبيَّنَ أَقْسَامه، وتقسيماتِ كُلِّ قِسْم.
وكذلكَ الحالُ في عِلْمي البيانِ والبديع؛ فقَد تناولَ جميعَ مباحثِ عِلْمِ البيانِ، وبعضَ المُحَسَّناتِ البَديعيَّة؛ المعنويَّة واللفظيَّةِ.
وممَّا يزيدُ في قيمةِ الكتابِ ويرفعُ شأنَه بين الكتبِ البلاغيَّة الأُخرى؛ أَن المؤلِّفَ لَمْ يقتصرْ في عَرْضهِ للمباحثِ البلاغيَّةِ على التَّعريف والتَّقسيمِ والتَّمثيلِ؛ بَلْ إِنَّه لا يَفْتأ تَوضيحًا وتفصيلًا وعرضًا للأدلَّةِ وتَرْجيحًا، مقرِّبًا المعلومةَ من أَقْربِ الطُّرقِ وأيسرِها فإذا مَا تعرَّضَ لمثالٍ يحتاجُ إلى إيضاحٍ شرحَ غامضَه وفكَّ طَلْسَمَه وربما نَسَبه إلى قائِله؛ إِنْ كان له قائلٌ معيَّن، وإذا ما تطرَّقَ لقضيَّةٍ بلاغيَّةٍ تناولهَا البلاغيُّون تحدَّث عنها وذكرَ
стр. 12
مُجْمَلَ ما وردَ فيهَا من آراءٍ وناقَشَها وربَّما رجَّح بينها، وكلُّ ما تقدَّمَ يعرضُه بعقلٍ منظَّمٍ ناضجٍ مؤصَّلٍ تأصيلًا قويًّا بشتَّى أنواعِ العُلُوم، ناهيكَ عن المنهج الواضع الَّذي سارَ عليه المؤلِّفُ في كتابِهِ، حيثُ ضمَّن كتابَه كتابَ شيخِه الإِيجيِّ دون أَنْ يُنقصَ منه حرفًا واحدًا مُلتزمًا في ذلك كُلِّه بخطّةِ الكتابِ المَشْرُوح؛ الَّذي بناهُ صاحبُهُ على أُسسٍ مُحْكَمَةٍ؛ قوامها الفصولُ، ثُمَّ القوانينُ، ثُمَّ الفُنونُ، ثُمَّ الأَنواعُ.
أمَّا الكتابُ المشروحُ "الفوائدُ الغياثيَّة في المعانِي والبَيَان" فقَد تضمَّن تلخيصًا وافيًا للقسمِ الثالث من كتابِ "مفتاح العُلُومِ" للسَّكاكيِّ؛ الَّذي يُعدُّ من أهمِّ الكتبِ البَلاغيَّةِ عند المتأَخِّرين؛ لأَنَّه رأسُ مَدْرَسَتِهِم؛ مِمَّا جعلهُم يعكفُون عليه تَلْخيصًا وشَرْحًا، وظلَّت هذه الشُّروحُ والدِّراساتُ عمدةَ الدَّارسين للبلاغةِ إلى يَوْمِنَا هذا.
وعليه: فإِنَّ كتابَ "الفوائدَ الغياثيَّة" لعضُد الدِّين الإيجيِّ يُوازي كتابَ تخليصِ الخَطيبِ في المَنْزِلَةِ؛ فكلاهُما مختصرٌ للمِفتاح. كمَا أَنَّ "تَحقيقَ الفَوائِد" للكرمانيِّ يُوازي كتابَ الإيضاح للخطيب؛ فكلاهما شرحٌ لمُخْتَصر.
وإذا رأَينا كثرةً من الشُّروح قامتْ على التَّلخيصِ؛ لاحْتِيَاجهِ إلى الإِيضاح والشَّرح حتَّى شَرَحَه صاحبُه نَفْسُه (الخطيبُ القَزْوينيُّ) في كتابه المَشْهُورِ: "الإيضاح"؛ فإن ذلك يُؤكِّد حاجةَ كتاب الإِيجيِّ إلى شرحٍ وإيضاحٍ؛ فجاءَ هذا الكَتابُ موضوعُ التَّحقيقِ والدِّراسةِ محقّقًا لهذا الهدف.
ومن هُنا نَلْمَسُ أهميَّةَ الكتابَيْن؛ المَشْروح والشَّارح.
٢ - تَمَيُّزُ الكِتابين المُتقَدِّمين -الشَّرح والمشروح- بأنَّهما لعَلَمَين
стр. 13
بارِزَين عُرِفا بالثقافة العَميقَةِ والاطِّلاع الواسع مِمَّا أَعْطى للكِتَابين صِبْغةً جَديدةً تُميِّزهما عَنْ غيرِهما من كُتبِ البلاغةِ الأُخْرى.
فصاحبُ الكتابِ المَشْروح هو / عبدُ الرَّحمن بنُ أحمدَ بنِ عبدِ الغفَّارِ الإِيْجيُّ، المُكنَّى بأبي الفَضْل، والملقب بعضدِ الدِّين، قَاضي القُضَاةِ في زَمَنِه، وشَيخ الشَّافعيَّةِ في بلده.
قال عنهُ الأَسْنويّ في طَبقاتِه (١): "كان إمامًا في عُلُومٍ متعدِّدةٍ، مُحقِّقًا مُدقّقًا ذَا تصانِيف مَشْهورةٍ".
وصاحبُ الكتابِ الشَّارح هو / شمسُ الدِّين؛ محمَّد بنُ يوسفَ الكِرْمَانيّ؛ عالِمٌ ذاعَ صيتُه، وطَارَت بشهرتِه الآفاقُ؛ فقد كان أُصُوليًّا فَقِيهًا مُحَدِّثًا، مُفَسِّرًا مُتكلِّمًا، أَدِيبًا نَحْويًّا، بَيَانيًّا. ومن اتَّصف ببعضِ هذهِ الصِّفات فإِنَّ كتابَه -ولا شكَّ- سَيكونُ ذا شأنٍ عظيمٍ؛ لما سَوف يحويهِ من فَرائدَ ونَفَائِس؛ فكيفَ بمن اتَّصفَ بهذِه الصِّفاتِ كُلِّها؟!.
ثُمَّ إِنٌ الكِرْمَاني تتلمذَ على شيخهِ الإيجيِّ ولازمَه مُدَّةً طويلةً، وقَرَأَ عليه جُلَّ كُتُبه؛ ممَّا جَعَلَه من أخصِّ تلاميذِه، وهذَا بِدَورِه يَجْعَله أَدْرى بمُرَادِه، وأَعْلَمَ بكُتُبِهَ، وقَدْ بَدَا ذلك جَلِيًّا مِنْ خِلالِ كتابهِ "تحقيقِ الفوائدِ الغيَاثيَّة" في أَثْناءِ تَعْلِيقهِ على بَعْضِ القَضَايا؛ حيثُ صرَّح في مَواضِعَ مُتفرِّقةٍ بأَنَّ لشيخِه رأيًا حولَ هذهِ القَضيَّةِ لَمْ يذكُرهُ ويحسنُ بالمقامِ ذِكرهُ فيَذْكره.
٣ - كَونُ "تحقيقِ الفوائدِ" من المَخْطوطاتِ النَّادرةِ الْمُهِمّةِ الَّتي لَمْ تُنشرْ وإِخراجُه يُعدُّ خدمةً جَلِيلةً للتُّراثِ العربيِّ، أمَّا "الفوائدُ الغِياثيَّةُ" فإِنَّه -وإِنْ
стр. 14
أُخرِجَ متأَخِّرًا (١) إلا أنَّه لَمْ يَظْهَرْ بالصُّورةِ المرضيَّةِ؛ حيثُ لَمْ يَلْقَ من المُحَقِّقِ العَنَايةَ المَأْمُولَة؛ ناهِيكَ عَنْ اعتمادِه في التَّحقيقِ عَلَى نُسخٍ متَأَخِّرةٍ.
٤ - تَمَيُّز كِتابِ "تحقيقِ الفَوائدِ" بالشُّمُولِيَّةِ وحُسْنِ العَرْضِ في الغالبِ الأَعَمِّ.
٣ - القِسمُ الثاني: قِسْمُ التَّحقيق.
٤ - الفَهَارسُ الفنِّيَّة.
وبعدُ ... فَهذا خلاصةُ جَهْدي أَضَعُه بينَ يَدَي كلِّ مقوِّمٍ أو مُثَقِّفٍ غيرَ مُسْتنكفٍ من الرُّجوع إلى الصَّوابِ؛ فالنَّقصُ مِنْ طبيعةِ البَشَرِ والكَمَالُ لله وحدَه ولِكتَابِه العَزيزِ؛ الّذي لا يَأْتِيه البَاطلُ مِنْ بينِ يديهِ ولا مِنْ خَلْفِه. وحَسْبِيَ أنَّني اجْتَهدتُ وسَلَكتُ ما اعْتقدْتُ أنَّه صَوابٌ؛ فإِنْ وافَقْتُ الصَّوابَ فذلك فَضْلُ الله وتَوْفِيقُه، وإِنْ كانَت الأُخرى فأَنا محلُّها ولَمْ أبغِ إِليها سَبيلًا.
وأخيرًا: فإِنَّني أحمدُ الله سُبحانَه وأشْكرُه؛ إِذْ وفقنِي لطلبِ العِلْم أَوَّلًا وأَكْرَمني بإنجازِ هَذا البحثِ ثانيًا.
ثُمَّ إِنَّني أتوجَّهُ بالشُّكرِ الجَزيلِ والتَّقدير الوَافِر إِلى مشرفي فضيلةِ الأستاذِ الدُّكتورِ: عبدِ السَّتَّارِ حُسَين زَمُّوط؛ حيثُ تفضَّلَ مَشْكورًا بالإِشْراف على هَذا البحثِ، وتَعَاهده بالرِّعاية الدَّقيقة، والعِنايةِ الفَائقة؛ مُنذُ أَنْ كانَ بذرةً إلى أَنْ خَرج إلى حَيِّزِ الوُجودِ. والحقَّ أقولُ: إِن لتوجِيهاتِه المُفِيدة، وآرائِه السَّديدة، وخبرتِه في مجالِ تَحْقِيق النُّصوصِ اليدَ الطُّولى في إخراجِ هذا البحثِ، ولنْ أنْسَى له -ما حَييتُ- ما غَمَرنِي به مِنْ الرِّعايةِ والاهْتمامِ، وأَوْلانِيه من التَّوجيهِ والنُّصح، وتكرَّم به عليَّ من الجُهدِ والوقت؛ حيثُ فتحَ لي أبوابَ قلبِه قبلَ بيتِه، وعلَّمنِي بإِشْفَاقِه وحِلْمِه خُلُقَ العُلَماءِ قَبْل عِلْمِهم؛ فَجَزاكَ الله عَنِّي -مُشْرفي ومُعَلِّمي- خيرَ الجزاءِ، والله أسألُ أن يُباركَ لكَ في عُمُرك، ويَنْسَأَ لكَ في أَثَرِكَ، ويرزقَكَ العَفْوَ والعافية؛ إِنَّه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.
стр. 18
كما أتوجَّهُ بالشُّكرِ الجزيلِ، والعِرفانِ الوافرِ، لكُلِّ من قدَّم لِي عَوْنًا أَوْ نُصحًا أَوْ توجيهًا مِنْ أساتِذَتي الفُضَلاء وإِخْوتي الزُّملاء، وأَخصُّ منهم بالذِّكر؛ فضيلةَ الدُّكتورِ / عبدِ الخالقِ بن مُسَاعدِ الزَّهرانيِّ، وفضيلةَ الدكتور / تَرَحيبَ بن رُبَيْعَانِ الدَّوسريِّ. فللجَميع مِنِّي خالصُ الشُّكرِ والثَّناءِ. والله أسألُ أَنْ يجزِيهم خيرَ الجَزاء.
ولا يَفُوتني -في الخِتامِ- أَنْ أشكرَ الجامعةَ الإسلاميَّة التي احْتَضَنَتْنِي منذُ الصِّغَر وهَيَّأت لي ولسائرِ طلَّاب العِلْم من جميع أنحاءِ العالمِ سبلَ التَّحصيلِ والمَعْرفةِ.
والحمدُ لله ربِّ العَالمين، وصلاةً وسلامًا على رَسُوله الأَمِين، وعلى آله وصحْبِه والتَّابعين، ومن تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.
علي بن دخيل الله بن عجيّان العوفيّ
المدينة النَّبويَّة
стр. 19
القسم الأوّل قسم الدِّراسة
ويشتمل على تَمهيدٍ وفصلين:
التَّمهيد:
التعريف بالعضد الإيْجيّ وكتابه
"الفوائد الغياثيّة"
الفصل الأول:
التَّعريف بشمس الدِّين الكرمانيّ.
الفصل الثّانِي:
التَّعريف بكتابه "تَحقيق الفوائد"
المبحث الأول التعريف بعضد الدّين الإيْجي (*)
هُو / أَبو الفضل، عبدُ الرّحمن بن أَحْمد بن عبد الغفار (١) بن أَحْمد الصِّدِّيقيِّ (٢) الإيجيِّ (٣) الشِّيرازيِّ (٤)، عضد الدِّين، قاضِي القُضَاة في زمنه، وشيخ الشَّافعيَّة في بلده، المعروف بالقاضي العَضُد.
стр. 22
ولدَ بـ (إيج) -من نواحي شِيراز- بعدَ سنة ثَمانين وستمائة هجريّة؛ كما ورد عند أغلب المترجمين له (١).
ولَمْ يذكرْ المترجِمُون له شيئًا ذا بالٍ عن نَشْأتهِ أَوْ رحلاتهِ أَوْ مَشَايخهِ وغاية ما أَفْصحوا عنه أنَّه أخذَ العلمَ عَلى مشايخ عَصْره، ولازمَ الشَّيخَ زينَ الدِّين الهنكيّ (٢) تِلميذَ القاضي نَاصرِ الدِّين البَيْضاويِّ (٣) وغَيْره. وأَنَّه رحلَ إلى مدينةِ السُّلطانِيَّة (٤)، وأَقامَ بها مُدَّةً طويلةً ثمَّ
стр. 23
عادَ إلى إِيج (١).
كان إمامًا في عُلوم مُتعددةٍ، محقِّقًا، مدقِّقًا، بَارعًا في المعقولاتِ، قائمًا بالأَصلين (أَي: علم الكلام، وأُصول الفقه)، عَارفًا بالبيانِ، والمعانِي، والنَّحو، مُشَاركًا في الفقه.
كما أَنَّه كان كريمَ النَّفس، نافذَ الكلَمة، قويَّ الحُجَّة، كثيرَ المال، كثيرَ الإِنْعام عَلى طَلَبةِ العلم (٢).
ويَبدو أَنَّه بحانبِ تَولِّيه قَضَاء القُضَاة -بِمملكةِ أَبي سعيد (٣) - آخر مُلُوك التَّتار -صَرف هِمَّةً عاليةً إلى التَّدريس والتَّصنيف؛ حيثُ ذكرَ المترجمون له تلامذةً أفذاذًا (٤)، طبقت شُهرتُهم الآفاق، منهم:
١ - شمسُ الدِّين؛ محمَّد بن يُوسف الكِرمانيِّ (٥).
стр. 24
٢ - الضِّياءُ العفيفيّ (١).
٣ - سعدُ الدِّين التَّفتازانيّ (٢)
كما ذكروا له عدّة مصنّفات؛ منها:
١ - "تحقيقُ التَّفسيرِ في تكثيرِ التَّنوير" فِي تَفْسير القرآن (٣).
٢ - "الفوائدُ الغياثيَّة في المعاني والبَيان" وهو مختصر لمفتاح السَّكاكيّ (٤).
٣ - "كتابُ المواقفِ" في عِلم الكلام (٥).
стр. 25
٤ - "كتابُ الجَواهر" وهو مُخْتصر للمواقف (١).
٥ - "شرحُ مختصرِ ابن الحاجب" في أُصول الفقه (٢).
٦ - "المَدْخل في عِلم المعَاني والبَيان" (٣).
٧ - "أَشْراف التَّواريخ" (٤).
٨ - "بُهْجةُ التَّوحيدِ" (٥).
٩ - رسالة في عِلمٍ الوَضْع (٦).
стр. 26
١٠ - "العقائدُ العضديَّة". وهي آخر مؤلَّفاته (١).
وتوفّي ﵀ مسجونًا بقلعةِ درَيميان -بكسرِ الدَّال وفتحِ الرَّاء- بالقرب من مسقط رأسه (إِيج)؛ بعدَ أَن غَضِب عليه صاحبُ كرمان فَحَبسَه.
وكانت وَفَاتُه سنة ستٍّ وخَمْسين وسبعمائة (٢)، وقيل: سَنةَ ثلاثٍ وخَمْسين وسبعمائة (٣).
стр. 27
المبحث الثّانِي: التّعريف بكتابه "الفوائد الغياثيَّة "
عنوانه:
كتابُ الفوائدِ الغياثيَّة مؤلفٌ بلاغيٌ ينتظمُ في سلكِ المدرسةِ السَّكاكيّة؛ الَّتي تعتمد على كثرة التّقسيمات، والتّفريعات، وإخراج المحترزات، والتّعويل على المنطق أكثر من الذّوق، وكنّا ننتظرُ أَنْ نقفَ على هويَّةِ الكتابِ أَوْ موضوعهِ أَوْ على أقلِّ تقدير الفنّ الَّذي يندرجُ تحته من العنوانِ الَّذي على غلافِه كما جَرت به عادةُ الكتبِ، حيثُ يصدق العنوانُ على مضمونِ الكتاب، ويشتمل على جميع جزئيَّاته ومباحثِه اشتمال الرَّحم على الجنين؛ من مثل: كتاب عبد القاهر الجرجانيَّ الَّذي وسمه بـ "دلائل الإعجاز" مُنْطلقًا في هذه التَّسمية من الغايةِ السَّامية الَّتي ألَّفَ من أجْلها كتابَه ولحظَها في جميع مباحثِه؛ وهي خدمة كتابِ الله العظيم؛ ببيان أسرار النَّظم وتفاوتِ أبعادِ الكلام جودةً ورداءةً.
وسلوكُ هذا الطريق -أَعْني صدقَ العنوان على المعنونِ له- منهجٌ قويمٌ، لا يعدم الدَّارسون ثمارَه ولو لم يكن منه إلّا معرفة الفنّ الَّذي ينضَوي تحته الكتاب -كَمَا أَسْلفت- لكفى، وكمْ من كتابٍ صرفَ عنه عنوانُه!!
غيرَ أنّ الإيجيَّ ﵀ ارتضى سلوكَ منهجِ آخر، تسابق إليه بعضُ من سبقه، حيثُ يعزونَ مؤلَّفاتِهم إلى أَشْهرِ أعلامِ عصْرِهم، تزلُّفًا إليهم أَوْ اعترافًا بنِعْمتهم عليهم، أَوْ حتَّى تَشْجيعًا لهم على الأَخذ بيَدِ طلبة العلم والعلماء وتيسير أمورهم؛ كما نلتمسُ العذرَ به للإيْجيّ، الَّذي
стр. 28
نسَبَ كتابه الَّذي بين أيدينا - إلى غياثِ الدِّين الوزير؛ ذلك الرَّجلِ التَّقيِّ الصَّالح؛ الَّذي سلكَ سبيلَ العلمِ، وتأَدَّبَ مع العلماءِ، بِجلوسِه بين أيديهم مع سائر الطّلابِ في حلقاتِهم العِلْمِيَّة. وفي مقدِّمة كتابِه ينصُّ على عنوانِه فيقول (١): " ... فهذا مختصرٌ في علْمَي المعاني والبَيان يَتَضمَّنُ مقاصدَ مفتاح العلومِ سمَّيتُه بـ "الفوائد الغياثيَّة" (٢) تيمّنًا باسم من أَلْقى إليه الدَّهر قياده ... ".
سبب تأليفه:
يعود الفضلُ في إِخْراج هذا الكتاب إلى الوزيرِ غياثِ الدِّين؛ فهو الَّذي أمرَ بتأليفه، وبذا صرَّحَ الإيجيُّ نَفْسُه في مقدِّمة كتابه، إذ قال -بعد إيرادِه النَّصَّ المتقدِّم في تسميةِ الكتاب (٣) -. "وامتثالًا له حين أمر بتلخيصِ مُسْتودعاته، وتجريدِها عن فَضْفَاض عباراتِه المُنَمَّمة ... ".
أَمَّا السَّببُ المباشرُ الَّذي جعلَ الوزيرَ يطلبُ من شيخِه الإيجيِّ تلخيصَ "مفتاح العلوم" فمردّه -كمَا صرَّحَ ابن الكرمانيِّ في عبارةٍ موجزةٍ سطَّرها على غلافِ شرح أبيه- إلى (٤): "أَنَّ الوزيرَ كانَ يقرأُ
стр. 29
"المفتاح" للسَّكاكيِّ على الشَّيخ عَضُدِ الدِّين، وكان يفيدُ عند الدَّرسِ فوائدَ زوائدَ على "المفتاح"؛ فسَأَله الوزيرُ أَنْ يجمعَ تلك الفوائدَ مفردةً، فجَمَعها ... ".
مضمون الكتاب:
تضمَّن كتابُ "الفوائد الغياثيَّة" تلخيصًا وافيًا للقسم الثَّالثِ من مفتاح العلومِ مع إيجازٍ شَديدٍ مَشُوب ببعضِ التَّنبيهاتِ المُهمَّة، والتَّذنيباتِ المُتمّة، والفوائدِ القيِّمة الَّتي زيدت على "المفتاح".
وعليه فإن كتابَ "الفوائد الغياثيَّة" يوازي كتابَ تلخيصِ الخطيب في المَنْزِلةِ؛ فكلاهما مختصرٌ للمفتاح وإن تميَّزَ الثَّاني بالبُعْدِ عن الرُّوح المنطقِيَّة، والتَّوسّع في التَّحليل، والاسْتشهادِ، وبسطِ الآراء، وإبْدَاءِ الاعْتراضاتِ؛ وبخاصَّة على السَّكاكيِّ نَفْسِه؛ متى لم يَقْتَنِعْ برأيه، وهو ما نُفَسِّرُ به ذيوعَ صيته، وكثرة الشّروح حوله مقارنة بمؤلّف صاحبنا.
ويَبْدو لنا -بالمقابل- مختصرُ الإيجيِّ مركّزَ العبارةِ، عميقَ الفكرةِ، ظاهرَ الصَّنعةِ، جيِّد السّبك، لم يغبْ عن مُؤلِّفه -ولو طَرْفة عينٍ- أَنَّه يعدُّ مختصرًا صالحًا للحفظ.
ومَهْما يكن من أمرٍ فقد نال كتابُ الإيجيِّ حظَّه من الفَضْلِ والمكَانةِ، وتلقَّاه العلماءُ بالقَبولِ والرِّضا، وبخاصّة علماءُ المشرقِ، وتواردَ عليه الشُّرَّاحُ من مختلف العُصورِ يفكّون عباراتِه ويَنْشُرون عَبِيرَه.
ومِمَّن صرَّحت كتبُ المؤلّفين بذكْرِهم من أُولئك الشُّرَّاح ممّا يدلُّ على أهميَّةِ الكِتاب ما يلي:
١ - السّيّد عبد الله بن محمد أحمد الحسينِيّ (ت ٧٧٦ هـ).
стр. 30
٢ - شمس الدِّينِ الكرمانيّ (ت ٧٨٦ هـ) (صاحبَ الكتاب الَّذي نحن في صدد تحقيقه).
٣ - شمس الدِّينِ؛ محمَّدِ بن حمزة الفَناريِّ (ت ٨٣٤ هـ).
٤ - محمَّد بن السّيّدِ الشَّريف (علي) الجرجانيّ (ت ٨٣٨ هـ).
٥ - الشّريف مير علي البخاريّ (ت ٩٥٠ هـ).
٦ - السّيّد عيسى بن محمّد الصَّفويِّ (ت ٩٥٣ هـ).
٧ - عصامَ الدِّين؛ أحمد بن مصطفى طاش كبرى زاده (ت ٩٦٨ هـ).
٨ - محمود بنَ محمَّدِ بن شاه الفاروقيّ الجونبوريّ (ت ١٠٦٢ هـ) (١).
وعن قيمة الكتاب العلميّة يقول آخرُ الشّرّاح في مقدِّمة شرحه (٢):
"ولعمري إِنَّه مع تَنَاهيه في الإيجازِ جاوزَ حدَّ السِّحر وإن لم يبلغ الإعجاز، وهو قمين بأن ينمَّق بطباقِ العينِ على طباقِ العين:
فَفِي كُلِّ لَفظٍ مِنْه رَوْضٌ من المُنى ... وفِي كُلِّ سَطْرٍ مِنْه عقْدٌ من الدُّرَرِ".
стр. 31
الفصل الأوّل: التّعريف بشمس الدِّين الكرمانيّ
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
التّمهيد:
نبذة موجزة عن عصر الكرمانِيّ.
المبحث الأوّل:
حياة الكرمانِيّ.
المبحث الثّاني:
شيوخه وتلاميذه ومكانته العلميّة.
المبحث الثّالث:
مصنفاته ووفاته.
стр. 32
التّمهيد: نبذةٌ موجزةٌ عن عصر الكرمانِيّ
مِمَّا لا شكَّ فيه أَنَّ الإِنْسانَ قرينُ بيئتهِ، يتَأثَّر بها، ويُؤثِّر فيها، وبقطعِ النَّظرِ عن حجمِ التَّأثير وقوَّة التَّأثُّر بينهما؛ فإنَّنا لا نستطيعُ أنْ نتصوَّر أَحدَهما بدون الآخر، حتَّى باتَ في الظَّاهر أنَّ الحكمَ عَلى أحدِهما حكمٌ عَلى الآخر -في الغالب الأَعمِّ-.
ومن هنا يتحتّمُ علينا إن نلقىَ الضَّوء عَلى عصرِ مُؤلّفنا؛ وبخاصَّةٍ إذا أَردنا أَنْ نَسْبر غَوْره حقَّ السَّبر، ونَقْتفي حياتَه حقّ الاقْتِفاء.
وقبل البدءِ في تفْصيلات عصرِ المؤلِّف يجدرُ بي أَنْ أُشير إلى أَنَّ ما أعْنيه بعصرِ المؤلِّف هُو تلك الحقْبَة الزَّمنيَّة الَّتي شهدت مولِدَه، ورافقت حَيَاته حتَّى وفاتِه، بكلِّ ما تَحْمله من تأثيرٍ واضحٍ عَلى الفَردِ والمُجْتَمع والأُمَّة الإسلاميَّةِ آنذاك.
وقد جرت سُنَّةُ الدَّارسين لأيِّ عصرٍ من العصور أَنْ يتحدَّثوا عنه -في الغالبِ- من زوايا ثلاثة؛ تكشفُ أَسْتارَه وتُجَلِّي معالِمَه؛ وهي:
١ - الحالةُ السّياسيةُ:
تكشفُ لنا الكتبُ الموُرِّخة لعصرِ مصنِّفنا عن مَزيد من التُّفكُّكِ والانْقسامِ داخلَ البلاد الإسْلاميَّة، مِمَّا نتجَ عنه ظُهورُ إمارات جَديدةٍ لَمْ تَكُنْ قائمة من قبل، أَوْ قيام بعضِها عَلى أَنْقاضِ بعضِها الآخر (١).
стр. 33
وهذا بدوره أَفْضى إلى نشوبِ الخلافاتِ واشتعالِ الحروبِ سَواءٌ فيما بين تلك الإمارات بعضها لبعض، أَوْ فيما بينهما وبين غَيْرها من الأُمم الأُخرى المجاورة.
وقد هَيَّأَ لذلك الانْقسام وما ترتَّب عليه عدَّةُ أسبابٍ سبقت عصر الكرمانيِّ، أُجْملها فيما يلي:
١ - الحملاتُ الصَّليبيَّةُ الحاقِدة الَّتي شَنَّها النَّصارى الأوربِّيُّون عَلى الأَقاليم الإسلاميَّة (١)؛ بقصد النَّيل من المسلمين واستِغْلال ثَرواتِهم (٢).
٢ - انْقِضاءُ دولةِ بني العبَّاس إِثر الهجوم التَّتري الغاشِم، الذي أَسْفر عن سقوطِ بغداد سنة ٦٥٦ هـ (٣)، وقتل الخليفة، واجْتياح أغلب البلاد الإسلاميّة.
стр. 34
٣ - انتشارُ الخلافاتِ المذهبيَّة والطَّائفيَّة.
ومع أنَّ الأمَّةَ الإسلاميّةَ استطاعت بفضل الله ثمّ بفضلِ جُهودِ المخلصين للإسلام آنذاك تجاوز خطر السَّببين الأوَّلين؛ في القضاءِ عَلى الإسلامِ واقْتلاع جذُوره؛ بالتَّصدِّي لحملاتِ الصَّليبِ العَاتية؛ بلْ وتَوجيه ضَرباتٍ موجعةٍ لها عَلى أَيْدي الأَيُّوبيِّين، وبخاصَّةٍ صلاح الدِّين (١) الأيُّوبيّ الَّذي أَوقع بهم هزيمةً ساحقةً في معركةِ حطِّين سنة (٥٨٣ هـ)؛ كسرَ من خلالها شوكتَهُم، واستردَّ بيت المقدِس بعدَ غيابٍ زاد عَلى تسعين عامًا (٢).
وكذا هزيمة التَّتارِ عَلى أَيدي المماليك بقيادةِ الملك المُظفَّر قُطُز (٣) في
стр. 35
عين جالوت سنة (٦٥٨ هـ) (١)، وانْحسار نفوذِهم عن الشَّام إلى أَطْراف العراق.
أَقولُ: مع تجاوزِ خطر هذين السَّببين إلَّا أَن ثَلْمهما لَمْ يؤربْ بسهولة، وبقيت آثارُهما مع اسْتِفحال السَّببِ الثَّالثِ حائلًا دون توحيدِ البُلْدان الإسلاميَّة، أَوْ حتَّى بقائِها عَلى ما كانت عليه.
فهذه بلادُ العراقِ وفارس ما زالت تَرْزح تحت سُلطانِ المَغُول حيثُ استطاعَ هولاكو (٢) أَنْ يُقِيمَ لنَفْسه وذُرِّيَّتِه دولةً عظيمةً اتخذ من إِيران مركزًا لها، وسُمِّيت فيما بعدُ بدولةِ (الإيلخانيّين)، وما زال خلفاؤه يَتَعاقبون رئاسَتها من منتصف القرنِ السَّابع الهِجريّ حتَّى منتصف القرن الثَّامن سنة (٧٤٤ هـ) حيثُ توفِّي آخرُ ملوكِها (٣) (أَبو سعيد) (٤).
стр. 36
وبعد هذا الأَخِيرِ اضطربت الدَّولة، واستولى الطامعون عَلى بعضِ الأَقاليم، وبَقوا عَلى ذلك زَمنًا حتَّى تغلَّب عليهم محمَّدُ (١) بن المظفَّر الَّذي لَمْ يُوفّق في تَرْسيةِ قواعد متينةٍ لدولتهِ الفَتيَّة، وذلك عندما ارْتكب خَطأً فادحًا بتقسيمِ البلادِ بين ابْنيه المتنافِسين؛ حيثُ ولَّى أحدَهما مُلْكَ أَصْبهان، والآخَر مُلْكَ شيراز وكرمان؛ تَاركًا البابَ مفتوحًا لنشوبِ الخلافات المُستمرَّة بينهما؛ مِمَّا أدَّى إلى إِعلانِ الحربِ بينهما أَكْثر من مرَّة، وضعف أَمْرهما، وأَخيرًا اسْتيلاء تيمور لنك عَلى أَمْلاكِهما سنة (٧٨٨ هـ) (٢).
ولَمْ يكن الحالُ في مصر والشَّام آنذاك بأَفضل منه في بلادِ فارس والعراق؛ حيثُ وجدَ الْمَمَاليكُ الَّذين جاءَ بهم الملكُ الصَّالِحُ نجمُ الدِّين (٣)
стр. 37
أيّوب للدِّفاع عن سَلْطَنته- فرصةً سانحةً للانْقضاضِ عَلى دَولةِ بني أيُّوب إِثر الخلافِ الشَّديدِ الَّذي دبَّ بين ملوكِها في آخر سنيِها. وسرعان ما غدا لأولئك المَمَاليك كلمة مَسْموعة -في مصر- بعدَ قَتْل تُوران شاه (١) سنة (٦٤٨ هـ) وتسلُّم شَجرةِ الدُّرِّ (٢) مقاليدَ الحُكم من بَعْده؛ تلك المرأة الَّتي اعتبرها المقريزيُّ (٣): "أوَّل من مَلَكَ مصر من مُلوك التُّرك المَمَاليك".
ولَمْ يَلْبَث نُفُوذُهم في ازْديادٍ وشوكَتُهم في قُوَّةٍ حتَّى تَمَّ لهم الاسْتيلاءُ عَلى الشَّام ومزاحمةُ التَّتار في أَطراف العِراق؛ مُعْتمدين في ذلك عَلَى سِياسَةِ حكيمةٍ، تقومُ عَلى مُوادعةِ النَّاسِ والتَّودُّدِ إليهم ابْتداءً، ثمَّ أَخْذهم بالحزْمَ والصَّرامةِ بعدَ ذلك.
стр. 38
وهكذا ظل المماليكُ البحريَّة (١) "يحكمون مصر والشَّام نحو قرنٍ وثلث (٦٤٨ - ٧٨٤ هـ) اسْتطاعُوا فيها مواجهةَ المشاكل العَديدة الَّتي واجهت المسلمين في الشَّرق الأَدنى عندئذٍ، سواءٌ كانت هذه المَشَاكل خارجِيَّة من جانب الصَّليبيِّين والتَّتار، أَوْ داخليّة في صُورةِ ثوراتٍ أَوْ مؤامراتٍ أَوْ أَزماتٍ اقْتصادِيَّة" (٢) حتَّى أَذِنَ الله لها بالزَّوالِ لتحلَّ محلَّها دَولةٌ أُخْرى من المماليك -أَيضًا-، هم المماليك الجَراكِسة أَوْ البُرجيَّة (٣).
وجديرٌ بالذِّكر أَن هذه الدَّولة مع ما حَصل لها من التَّوسُّع والامْتداد والنُّفوذِ لَمْ تَعرفْ الاسْتقرارَ الدَّاخليَّ إلّا لِمَامًا من الزَّمن في عهد قادةٍ قلّة، عُرفوا بالدِّين والصَّلاح.
ويَبْدو لي أَن أهمَّ ما يُميّز سلاطينها: تشوّقُهم إلى السُّلطةِ، وتدافعُهم إلى كُرسيِّ الحكم حتَّى غدا شِعارهم -كَما نصَّ عليه بعضُ المحدثين (٤) -: "مَنْ قتلَ ملكًا أصبحَ هُو الملك".
стр. 39
أخلصُ من هذا كلِّه إلى القَوْل:
إنَّ الاضْطرابَ السِّياسيَّ كان سِمة مُمَيّزةً لهذا العصر؛ فلم تكن للك الدُّويلاتُ المتنَاثرةُ هنا وهناك داخلَ الرّقعة الإسْلاميّة عَلى وفاقٍ فيما بينها؛ بل إِنَّنا لا نكادُ نَظْفر بالاسْتقرار الدَّاخليِّ داخل أَسْوار الدَّولة الوحيدة المُسْتَقِلَّة، أَوْ حتَّى بين أَفْراد الأُسْرةِ الحاكمةِ الواحدة.
هذا، وإِنَّما تَركز حديثي حَوْل العراق وفارس ومصر والشَّام دون غيرِها من أَقْطار العالمِ الإسْلامي الممتدّ شرقًا وغربا آنذاك -لأَنَّ تلك البُلدان هي الَّتي نالت حظَّها من شمس الدِّين الكرمانيِّ، إِمَّا مولِدًا، أَوْ منْشأً، أُوْ هجرةً في طلبِ العلم، أَوْ اسْتيطانًا، أَوْ وفاةً.
стр. 40
٢ - الحالةُ الإجْتماعيّة:
اتضح لنا -فيما مضى- أنَّنا أمامَ عصرٍ قلقٍ، يموجُ بالفتن، ويتَّسمُ بالقَلاقل، ذاقت فيه الأُمَّة الإسلاميّةُ عَلى امتدادِ رقعتها الجُغرافيَّة ويلاتِ الحروب، وصنوفَ العذابِ، وعلى الأَخصِّ بلدان فارس، والعراق، ومصر، والشَّام؛ تلك البلدان الَّتي حفلت -ولو لمدَّة يسيرةٍ- باحتضان شمسِ الدِّين الكرمانيِّ.
وطبيعيٌّ -والحالُ ما ذكرت- أَنْ نجدَ صورةَ ذلك العصرِ ماثلةً في أبنائه، منعكسةً -بصدقٍ- عَلى مناحي حيَاتهم وأمورِ عَيْشهم.
فالنِّظامُ الطَّبقي يبرز واضحًا للعيان، مُتَّخذًا صورًا شتَّى:
١ - منها ما يكونُ بين أجْناسِ الشُّعوبِ المتناحرةِ فيما بينها تبعًا للغلبة، فكلُّ عُنْصر يرى أنّه الأَجْدر بالسِّيادة، والأَولى بعمارةِ الأَرض، وغيرَه لا يستحقُّ إلَّا الرِّقَّ والإذْلال. ويتمثّلُ ذلك بجلاء في هجوم التَّتار الخاطف عَلى حواضِر المسلمين وسلبِ خيراتهم؛ فقد كانوا يَرون أنَّهم أوصياءُ الله عَلى خَلْقِه؛ أرسلهم لتأديب من حلَّ عليهم غضبُه؛ وبذا أفصح هولاكو للقائدِ المظفّر قُطُز عندما أرسلَ إليه رسالةً يهدّده فيها ويأمرُه بالاسْتسلام، يقول (١): "يَعلمُ الملكُ المظفرُ وسائرُ أمراءِ دولتِه وأهل مملكته بالدِّيارِ المصريَّة وما حولها من الأَعْمال أنَّنا جندُ الله في أرضه، خلقنا من سخطِه، وسلَّطنا عَلى من أحل عليه غضبَه؛ فسلموا إلينا أمورَكُم تَسْلموا".