وبعد هذا الأَخِيرِ اضطربت الدَّولة، واستولى الطامعون عَلى بعضِ الأَقاليم، وبَقوا عَلى ذلك زَمنًا حتَّى تغلَّب عليهم محمَّدُ (١) بن المظفَّر الَّذي لَمْ يُوفّق في تَرْسيةِ قواعد متينةٍ لدولتهِ الفَتيَّة، وذلك عندما ارْتكب خَطأً فادحًا بتقسيمِ البلادِ بين ابْنيه المتنافِسين؛ حيثُ ولَّى أحدَهما مُلْكَ أَصْبهان، والآخَر مُلْكَ شيراز وكرمان؛ تَاركًا البابَ مفتوحًا لنشوبِ الخلافات المُستمرَّة بينهما؛ مِمَّا أدَّى إلى إِعلانِ الحربِ بينهما أَكْثر من مرَّة، وضعف أَمْرهما، وأَخيرًا اسْتيلاء تيمور لنك عَلى أَمْلاكِهما سنة (٧٨٨ هـ) (٢).
ولَمْ يكن الحالُ في مصر والشَّام آنذاك بأَفضل منه في بلادِ فارس والعراق؛ حيثُ وجدَ الْمَمَاليكُ الَّذين جاءَ بهم الملكُ الصَّالِحُ نجمُ الدِّين (٣)
стр. 37
أيّوب للدِّفاع عن سَلْطَنته- فرصةً سانحةً للانْقضاضِ عَلى دَولةِ بني أيُّوب إِثر الخلافِ الشَّديدِ الَّذي دبَّ بين ملوكِها في آخر سنيِها. وسرعان ما غدا لأولئك المَمَاليك كلمة مَسْموعة -في مصر- بعدَ قَتْل تُوران شاه (١) سنة (٦٤٨ هـ) وتسلُّم شَجرةِ الدُّرِّ (٢) مقاليدَ الحُكم من بَعْده؛ تلك المرأة الَّتي اعتبرها المقريزيُّ (٣): "أوَّل من مَلَكَ مصر من مُلوك التُّرك المَمَاليك".
ولَمْ يَلْبَث نُفُوذُهم في ازْديادٍ وشوكَتُهم في قُوَّةٍ حتَّى تَمَّ لهم الاسْتيلاءُ عَلى الشَّام ومزاحمةُ التَّتار في أَطراف العِراق؛ مُعْتمدين في ذلك عَلَى سِياسَةِ حكيمةٍ، تقومُ عَلى مُوادعةِ النَّاسِ والتَّودُّدِ إليهم ابْتداءً، ثمَّ أَخْذهم بالحزْمَ والصَّرامةِ بعدَ ذلك.
стр. 38
وهكذا ظل المماليكُ البحريَّة (١) "يحكمون مصر والشَّام نحو قرنٍ وثلث (٦٤٨ - ٧٨٤ هـ) اسْتطاعُوا فيها مواجهةَ المشاكل العَديدة الَّتي واجهت المسلمين في الشَّرق الأَدنى عندئذٍ، سواءٌ كانت هذه المَشَاكل خارجِيَّة من جانب الصَّليبيِّين والتَّتار، أَوْ داخليّة في صُورةِ ثوراتٍ أَوْ مؤامراتٍ أَوْ أَزماتٍ اقْتصادِيَّة" (٢) حتَّى أَذِنَ الله لها بالزَّوالِ لتحلَّ محلَّها دَولةٌ أُخْرى من المماليك -أَيضًا-، هم المماليك الجَراكِسة أَوْ البُرجيَّة (٣).
وجديرٌ بالذِّكر أَن هذه الدَّولة مع ما حَصل لها من التَّوسُّع والامْتداد والنُّفوذِ لَمْ تَعرفْ الاسْتقرارَ الدَّاخليَّ إلّا لِمَامًا من الزَّمن في عهد قادةٍ قلّة، عُرفوا بالدِّين والصَّلاح.
ويَبْدو لي أَن أهمَّ ما يُميّز سلاطينها: تشوّقُهم إلى السُّلطةِ، وتدافعُهم إلى كُرسيِّ الحكم حتَّى غدا شِعارهم -كَما نصَّ عليه بعضُ المحدثين (٤) -: "مَنْ قتلَ ملكًا أصبحَ هُو الملك".
стр. 39
أخلصُ من هذا كلِّه إلى القَوْل:
إنَّ الاضْطرابَ السِّياسيَّ كان سِمة مُمَيّزةً لهذا العصر؛ فلم تكن للك الدُّويلاتُ المتنَاثرةُ هنا وهناك داخلَ الرّقعة الإسْلاميّة عَلى وفاقٍ فيما بينها؛ بل إِنَّنا لا نكادُ نَظْفر بالاسْتقرار الدَّاخليِّ داخل أَسْوار الدَّولة الوحيدة المُسْتَقِلَّة، أَوْ حتَّى بين أَفْراد الأُسْرةِ الحاكمةِ الواحدة.
هذا، وإِنَّما تَركز حديثي حَوْل العراق وفارس ومصر والشَّام دون غيرِها من أَقْطار العالمِ الإسْلامي الممتدّ شرقًا وغربا آنذاك -لأَنَّ تلك البُلدان هي الَّتي نالت حظَّها من شمس الدِّين الكرمانيِّ، إِمَّا مولِدًا، أَوْ منْشأً، أُوْ هجرةً في طلبِ العلم، أَوْ اسْتيطانًا، أَوْ وفاةً.
стр. 40
٢ - الحالةُ الإجْتماعيّة:
اتضح لنا -فيما مضى- أنَّنا أمامَ عصرٍ قلقٍ، يموجُ بالفتن، ويتَّسمُ بالقَلاقل، ذاقت فيه الأُمَّة الإسلاميّةُ عَلى امتدادِ رقعتها الجُغرافيَّة ويلاتِ الحروب، وصنوفَ العذابِ، وعلى الأَخصِّ بلدان فارس، والعراق، ومصر، والشَّام؛ تلك البلدان الَّتي حفلت -ولو لمدَّة يسيرةٍ- باحتضان شمسِ الدِّين الكرمانيِّ.
وطبيعيٌّ -والحالُ ما ذكرت- أَنْ نجدَ صورةَ ذلك العصرِ ماثلةً في أبنائه، منعكسةً -بصدقٍ- عَلى مناحي حيَاتهم وأمورِ عَيْشهم.
فالنِّظامُ الطَّبقي يبرز واضحًا للعيان، مُتَّخذًا صورًا شتَّى:
١ - منها ما يكونُ بين أجْناسِ الشُّعوبِ المتناحرةِ فيما بينها تبعًا للغلبة، فكلُّ عُنْصر يرى أنّه الأَجْدر بالسِّيادة، والأَولى بعمارةِ الأَرض، وغيرَه لا يستحقُّ إلَّا الرِّقَّ والإذْلال. ويتمثّلُ ذلك بجلاء في هجوم التَّتار الخاطف عَلى حواضِر المسلمين وسلبِ خيراتهم؛ فقد كانوا يَرون أنَّهم أوصياءُ الله عَلى خَلْقِه؛ أرسلهم لتأديب من حلَّ عليهم غضبُه؛ وبذا أفصح هولاكو للقائدِ المظفّر قُطُز عندما أرسلَ إليه رسالةً يهدّده فيها ويأمرُه بالاسْتسلام، يقول (١): "يَعلمُ الملكُ المظفرُ وسائرُ أمراءِ دولتِه وأهل مملكته بالدِّيارِ المصريَّة وما حولها من الأَعْمال أنَّنا جندُ الله في أرضه، خلقنا من سخطِه، وسلَّطنا عَلى من أحل عليه غضبَه؛ فسلموا إلينا أمورَكُم تَسْلموا".
стр. 41
وقِس عَلى هذا السُّلوك التَّتري سلوكَ الصَّليبيِّين - أَيْضًا -.
كما يتمثلُ هذا التَّمييزُ العُنصريُّ في الانقلاباتِ العرقِيَّة المفاجِئة الَّتي عمَّت البلادَ شرقًا وغربًا، وأسفرَ بعضُها عن قيامِ دولٍ أخر، كقيامِ دولةِ المماليك البَحريَّة عَلى أَنْقاضِ الدَّولة الأَيُّوبيّة، ثمّ قيامِ الدَّولة الجركسيَّة عَلى أنقاضِ اليحريَّة في مصر والشَّام. وكقيامِ دولةِ بني المُظفَّر عَلى الدَّولة المغوليَّةِ، ثمَّ تغلُّب الأخيرة عَلى الأُولى في فارس.
٢ - ومِنها: ما يظهرُ بين أبناءِ الجنسِ الواحدِ أَوْ الدَّولةِ الواحدةِ؛ حيثُ يتكوَّنُ المجتمعُ الواحدُ من عِدَّةِ طبقاتٍ، ولعلَّني لا أبتعدُ كثيرًا إذا قَسَّمتُها إلى ثلاثٍ؛ ليقتربَ صدقُها عَلى جميع الدُّول والإمارات الَّتي وجدت آنذاك (١):
أ - طبقةٍ عُليا: وتمثلُ السَّلاطين، والأُمراء، والقَادة، والوُزراء، وكبارَ المُسْتشارين، ومَن لفَّ لفّهم من أبْنائهم وزَوجاتِهم.
وهؤلاءِ كانوا يَحْظون بالامتيازاتِ الكُبرى في الدَّولة، ويسْتأثِرون
стр. 42
بالرَّفاهية ورغدِ العَيش، وتَتَفاوتُ الإقطاعات فيما بينهم بحسب مَنَازلهم قربًا وبعدًا من السُّلطان.
ب - طبقةٍ وسْطى: وتمثلُ أعيانَ البلدِ، وكبارَ العلماء، والجنودِ، والتُّجَّارِ، وموظّفي الدَّولة. وهؤلاء ينالون من الحظوة بقدر ما تُفيدُ منهم الطبقةُ المتقدِّمة؛ فمن رُضِي عنه أُجزلَ له العطاءُ وقُرِّب، ومَنْ سُخط عليه ضُيِّق عليه وأُبْعد. غيرَ أنَّهم -في الغالب الأَعَمِّ- يدورون في فلكِ الطائفةِ الأُولى طمعًا أَوْ خوفًا؛ سواءٌ كانوا من جِنْسهم، أَوْ من أهلِ البلادِ الأصْلِيِّين.
جـ - طبقةٍ دُنيا، وتُمثِّلُ السَّوادَ الأعظمَ من الرَّعيَّة. وغالبًا ما يكونون صُنَّاعًا، أَوْ زُرَّاعًا، أَوْ تُجَّارًا، أَوْ رُعاةً. وهؤلاءِ تتفاوتُ حياتُهم باختلافِ الحُكَّام وأَسَاليبهم في إِدارة البلادِ؛ فتارةً يَنْعمون بالأَمن، ويَأمنون عَلى أَنْفسِهم وأموالِهم، وتارةً أُخرى يَرْتكسُون في الخَوف، ويَتَعرَّضُون للقتلِ والسَّلبِ. عَلى أَن الحالةَ الثَّانية هي الغالبةُ عليهم، وهم إِنْ سَلِموا من القَتل والتَّهجير فَلن يَسْلَموا من المكُوس والمغَارم الَّتي تُفْرض عليهم.
ومع هذا التَّوزيع الطَّبقيِّ يبدو لنا ذَلك المجتمع ممتزجَ الأجناس، مُخْتلطَ الدِّماء، مختلفَ العَادات والأَعراف، متنوِّعَ المذاهب والأَديان، يموجُ بسائر الأَفْكار والمُعْتقدات.
وليسَ بغريبٍ في مِثل هذا المُجْتمع المفككِ أَنْ نجدَ من أطلقَ لنَزواتهِ وشهواتِه العنان، وتفنَّن في اقتناءِ الجواري الملاح والغِلمان الصِّباح، والمغنِّيات، والقَينات من كلِّ لون وجنس؛ لا يَرْدعه عمَّا صرف همّه إليه رَادع، ولا يَثْنيه
стр. 43
عن المُضِيِّ في غَيِّه دينٌ أَوْ مبدأٌ؛ يقول السّبكيُّ (١): "ولقد سمعت أَنَّ واحدًا منهم (أي: أُمراء المماليك) خَرج مرَّةً إلى الصّيد فافتضَّ هُو ومماليكُه من بناتِ أهل البرِّ ما يزيدُ عَلى سَبْعين بنتًا حَرامًا".
كما أَنَّه ليسَ بمسْتغربٍ أَنْ نجدَ فيه مَن تجرَّع الذّل والهوان، وذاقَ طعمَ الجوع والمرضِ، وعاشَ إِمَّا عالةً عَلى غَيْره مِمَّن يكدحُ من أربابِ المهنِ والصِّناعاتِ، وإِمَّا مُتلصِّصًا يقطعُ الطّريقَ ويسرقُ النَّاس. وظَهر من هذه الشَّريحةِ "من اتّخذَ السُّؤال صنعةً؛ فيَسْألون من غيرِ حاجةٍ، ويقعدون عَلى أَبْواب المَساجد يَشْحذُون من المُصلّين ولا يَدْخلون للصَّلاةَ مَعَهم" (٢).
وفي هذا المجتمع أَقْبل النَّاسُ عَلى الخمرِ، يَشْربونها، ويتفنّون في صُنعها، وكَثُر معاقروها في الطَّبقتين، العليا والدُّنيا؛ ناشدين بذلك الهروبَ من واقعهم المُعاشِ، فهو مُمِلٌّ، مقيتٌ للسَّادة المُتْرفين، ومُؤلِمٌ قاسٍ للضُّعفاءِ والمَعْدمين.
وإذا ما عرضنا لواقعِ المرأةِ فإنَّه في جانبٍ منه يعدُّ أَشدَّ أسىً وحُزنًا؛ إذ احترفت فئاتٌ من النِّساء البِغاء وارتضين العيش منه، كما الْتَمسَ كثيرٌ منهنَّ العملَ بالمغانِي وضروبِ الملاهي كالرَّقص، وأسرفن في التَّشبُّه بالرِّجال حتَّى لبسن العمامَة (٣).
وفي الجانبِ الآخر نجدُ بعضَهنُّ يقررن في بيوتِهن، ويَصْرفن أَنْفسهنَّ
стр. 44
لخدمةِ أَزواجهنَّ، وربَّما اشْتغلن بأعمالٍ تليق بهنَّ كالغزلِ والتَّطريز، ومنهنَّ من سَمت مكانتُها باشْتغالها بالعلمِ والتَّصدِّي للتَّدريس، من مِثْل: زينب (١) بنت الكَمال، الَّتي ذكر ابنُ حجرٍ أنَّها روت كثيرًا، وتزاحمَ ببابها الطّلبةُ يأخذُون عنها العِلم، ويَقْرأون عَليها الكُتبَ الكِبارَ (٢).
٣ - الحالةُ العلميَّة:
يرى كثير من الباحثين أَنَّه على الرُّغم من تلك الأحداث الَّتي دَهمت هذا العَصْر وما لَحِقَه من التَّخْريب فيه أَوْ قبلَه عَلى أَيدي المَغُول والصَّليبيين، وما اكْتنفَه من فتنٍ وثوراتٍ؛ على الرُّغم من ذلك كلِّه فإِنَّهم يرون أَنَّ العُلوم والمعارفَ ظلَّت مُزدهرةً؛ بل كانت غنيَّةً بالنِّتاج الأَدبي، ونجدهم يُعلِّلون ذلك بأسبابٍ عدَّةٍ؛ منها: تشجيعُ بعضِ الملوكِ للعلمِ والعلماء، وحثُّهم عَلى البَحث في شتَّى فروع المعرفة.
وأَجدُني -إِذ أُؤيد ما أَشاروا إِليه من كَثْرةِ النِّتاج وتشجيع بعضِ الملوك العلمَ وأَهله- مُتشكِّكًا في عدمِ تَأثير تلك الأحداثِ العظامِ عَلى حياةِ العلم وتطوُّرِه، ولعلَّ الواقعَ الملموسَ يُصدِّقني في ذلك؛ فالحياةُ العلميَّة -كما هُو مُشَاهد- إِنَّما تَنْمو وتَزْدهرُ في ظلِّ الاسْتقرارِ والأَمن؛ عندما يَنْصرفُ النَّاسُ عن همِّ الجوع والخوفِ إلى همِّ التَّحصيل والدَّرس.
стр. 45
وأقطعُ بأَنَّ النِّتاجَ الفِكريّ لا يُقاسُ ازدهارُه بكثرةِ المؤلّفاتِ الَّتي تَتواردُ عَلى فكرةِ معيَّنةٍ تردّدها وتشرحُها وتُوسِّعُ الحديث حولها -وهو ما تَتَّسمُ به مؤلَّفاتُ ذلك العصرِ بوجهٍ عامٍّ-، وإِنَّما الشَّأنُ في قياسِه مردّهُ الابْتكارُ والعمقُ والدِّقةُ، وهو ما تَحقَّق في مؤلَّفاتٍ كثيرةِ سابقةٍ، أُلِّفت في عصورٍ مُطْمئنَّة آمنة؛ نجزمُ مُطْمئِنّين أنَّها تَفُوق بمراحَلَ نِتاج عصرِنا المُضْطرب.
ومعَ ذلك فلستُ أنكرُ فضلَ مؤلَّفاتِ عصرِ الكرمانيِّ وأثرها الفَاعل في الحِفاظِ عَلى مُقدَّراتِ الأُمَّة العِلميَّة، وما اتَّسمَت به من وفرةٍ مردُّها إيضاحُ الفكرةِ، وتقريرُ المعنى، وتأكيدُ المعلومةِ، كما أَنِّي لا أتجاهل همَّةَ عُلمائِه وصدقَ عزيمتِهم في الانْقطاع للتَّدريسِ ونشرِ العلم؛ وإن كُنت أَتساءلُ عن واقع حالِهم وطلّابِهم، وقد أَحاط ببلدِهم جيشٌ عَرَمْرَم أَوْ نَزَل بِسَاحتهم ثائرٌ أهوج!.
وإذا تقرَّر هذا فإِنَّ عواملَ عديدة شاركت في استمرارِ الحركةِ العلميَّة، وظهورِ كثيرٍ من المصنَّفات المخْتلفة في ذلك العَصْر؛ أَذْكُر منها عَلى وجهِ الإِيجازِ ما يلي:
١ - تَقْديرُ بعضِ السَّلاطين للعلم، وإِجلالهم لأَهله، والمبالغة في إِكْرامهم، وتَهْيئة الجوِّ العلميِّ لهم -أَحْيانًا-، ويُذْكرُ في محاسن هولاكو أنَّه كان يشجّع "العلماءَ والحكماءَ عَلى مواصلةِ البحثِ والدَّرسِ؛ إذ كان يُخصِّص لهم الرَّواتب، ويُغْدق عليهم الِهبات، ويُزيِّن مجلسَه بحضورِهم كَمَا أَنَّه كانَ شَغُوفًا بعلوم الحِكْمة والنُّجوم والكيمياء فلا غَرْو أَن كان يصرفُ بسخاءٍ في سبيلِ تقدُّم هذه العُلوم، وليس أَدلّ عَلى هذا
стр. 46
الشَّغف من أنَّه عهد إلى العَالِم الرِّياضيِّ الفَلكيِّ نصير الدِّين (١) الطوسيِّ ببناءِ مرصد كبيرٍ ... " (٢).
كما يُذْكرُ عن الظاهرِ بيبرس (٣) -أحدِ ملوك المماليك- وَلَعُه الشَّديد بعلمِ التَّاريخ وميله إلى أَهله ميلًا شديدًا، وكان يَقُول (٤): "سماعُ التَّاريخ أَعظمُ التَّجارب".
وممّا يحسبُ لأولئك السَّلاطين -في هذا المضمار- مِمَّا يدل عَلى اهتمامهم بالنَّشاط العلميِّ -العناية بإنشاءِ المؤسَّساتِ التَّعليميَّةِ من مدارسَ وغيرِها حيثُ حَرص سلاطينُ المماليك وأمراؤُهم على إنشاءِ عددٍ كبيرٍ من المدارسَ، مثل المدرسة
стр. 47
الظاهريّة (١)، والمدرسة المنصوريَّة (٢)، والمدرسة الشَّيخونيَّة (٣)، والمدرسة الصَّرغتمشيَّة (٤)، ولَم يكتفوا بإنشائها بل "وقفت عَلى هذه المدارس الأَوقاف الغَنيَّة لتضمن للطُّلَّاب والمدرّسين قَدرًا من الحياةِ الهادئةِ تجعلهم يَنْصرفون إلى الاشْتغال بالعلمِ آمنين مُطْمئنّين" (٥).
٢ - انتشارُ المراكزِ التَّعليميَّةِ من جوامعَ ومدارسَ ومكاتبَ؛ ففي الجوامع تُلقى الدُّروس العامَّة، وتُعقدُ حلقاتُ العلم، ولكلِّ شخصٍ يدخلُ المسجدَ الحقُّ في سماع الدُّروس والإفادةِ منها. ويبدو أَن من أهمِّ تلك الجوامع إلى أدَّت دورَها كاملًا في المجال التَّعليميِّ آنذاك: الجامعَ الأَزْهر
стр. 48
بالقاهرةِ -وسيأتي معنا إن شاء الله أَن شمسِ الدِّين الكرمانيِّ دَرَس في هذا الجامع في أثناءِ طلبه العلمَ في مصر- (١)، وجامعَ عمرو بن العاص حيثُ نَالا رعايةَ المماليك في تلك المدَّة، ويَذْكُر لنا العلَّامةُ شمس الدِّين، محمَّدُ بن الصَّائغ الحنفيِّ أنَّه أدركَ بجامع عمرو قَبْل الوباء الذي حدث سنة (٧٤٩ هـ) بضعًا وأَربعين حلقة لإقراء العلمِ لا تكادُ تبرح منه (٢).
وأَمّا المدارسُ فكانت تُعنى بالدُّروس الخاصَّةِ المنظمةِ، ويقومُ عليها نخبةٌ ممتازةٌ من المدرِّسين، ولَم يكن إنشاؤُها مقصورًا عَلى السَّلاطين والأمراءِ -كما تقدّم-، بل شاركَ فيه -أيضًا- الوزراءُ، والعلماءُ، والقُضاة، وعليةُ القومِ (٣).
وهي أنواعٌ، فمنها: العاهدُ الخاصَّهُّ بتدريسِ الحديثِ، ومنها المعاهدُ الخاصَّةُ بتدريسِ الفِقْه، وغالبًا ما تَقتصر على مذهبٍ واحدٍ، ومنها المُتَخَصِّصُ في علومِ اللُّغة، ومنها المُتَخَصِّصُ في الطِّب، و"معنى التّخصّص في هذه المدارس: أَن المادَّة الأساسيَّة فيها هي إلى أُنشئت المدرسةُ من أجلها، وليس ذلك بمانعٍ من أَنْ تُدرَّس إلى جَانبها موادّ أُخرى" (٤).
أَمَّا المكاتبُ فكانت تُعنَى بالتَّعليمِ الأَوَّلي، وأغلب طلابِها من الأَيْتام،
стр. 49
الأمر الذي دعا الخيِّرين إلى الإِكثار منها وحبس الأَموال عليها (١).
هذا فيما يتعلَّقُ بأهمِّ الأَسْباب التي أَدَّت إلى النُّهوض بالحركةِ العِلميَّة، وهُناك أسبابٌ أُخرى أَدَّت دورَها الفعَّال، ولكن عَلى نطاقٍ محدودٍ، وفي إِطار شريحةٍ خاصَّةٍ، منها: خزائنُ الكتبِ الخاصَّةِ، ومجالسُ السَّلاطين والأمراء، وبيوتُ العلماءِ، وحوانيتُ الورَّاقين.
أَمَّا ما يتعلقُ بطبيعةِ نِتاج ذلك العصرِ فإِنَّه شمل جميعَ العُلوم والمعارف، ولَم يغلب عليه طابعُ الابْتكار والتَّأصِيل -كمَا هُو الحال في العُصور العبَّاسيَّة الأولى-، وإِنَّما غلب عليه طابعُ الجمع والتَّقرير والشَّرح والاخْتصار.
ولذا وجدنا أغلب مُؤلّفاته إِمَّا موسوعاتٍ عامَّة، تشملُ كثيرًا من المعلوماتِ المتنوّعةِ المتباينة؛ من مثل؛ كتاب "نهاية الأَرب في فنون الأدب" لشهابِ الدِّين النُّويريِّ المتوفّى سنة (٧٣٢ هـ)، ويقعُ في نَيِّفٍ وثلاثين مجلّدًا، وكتاب "مَسَالك الأبصار في مالك الأمصار" لشهابِ الدِّين بن فضلِ الله العمريِّ المتوفّى سنة (٧٤٨ هـ)، ويقعُ في أكثر من عِشرين مجلَّدًا.
أَوْ موسوعاتٍ خاصَّةٍ تشملُ كثيرًا من المعلوماتِ الّتي تَنْدرج تحتَ فن واحدٍ من مثل "لسان العرب" للعلأمة جمالِ الدّين محمَّدِ بن مكرم بن منظورٍ الإفريقيِّ المصريّ المتوفّى سنة (٧١١ هـ).
أَوْ شروحاتٍ إِمَّا لكتبٍ ألفها المؤلِّف نفسُه؛ من مثل "شرح شذورِ الذهب في معرفةِ كلام العرب" لجمالِ الدِّين أبي محمّد عبدِ الله بن يوسفَ بن
стр. 50
أحمدَ (ابن هشام) المتوفّى سنة (٧٦١ هـ) حيثُ شرحَ فيه كتابَه المسمَّى "شذور الذّهب في معرفة كلام العرب"، وإِمَّا لكتبٍ أَلفها غيرُه؛ كالكتابِ الذي نحن بصددِ دِراسته وتحقيقه، فإِنَّه شرحٌ لمختصرِ الإِيجي "الفوائد الغياثيَّة في المعَاني والبَيان".
أوْ مختصراتِ إِمَّا لكتبٍ ألفها المؤلِّفُ نفسُه، من مثل: "الطبقات الصُّغرى" لتاج الدّين عبدِ الوهَّاب بن تقيِّ الدِّين السّبكيّ المتوفّى سنة (٧٧١ هـ)، حيثُ اخْتصر فيه "الطبقات الكبرى" و"الطبقات الوسطى" الكتابين اللذين ألفهما في تَراجم فقهاءِ الشَّافعيَّة. وإِمَّا لكتبٍ ألّفها غيرُه؛ كمختصرِ الإِيجيِّ المتقدِّم فإنَّه اختصارٌ لقسم البلاغة في مفتاح السَّكاكيِّ.
وأَخيرًا أودُّ أن ألفت النَّظرَ إلى أنَّ علمَ التَّاريخ كان أبْرز عُلوم ذلك العصرِ، إذْ ظَهر فيه عددٌ كبيرٌ من المؤرِّخين الذين تَركوا تُراثًا ضَخْمًا يَحكي واقعَ العَصر وأحداثَه ويترجمُ لأَبرز شخصيَّاته.
ونجدُ أَن تآليفَ هذَا الفنِّ تخرجُ في صورٍ مختلفةٍ من "تاريخِ عام للدُّول الإسلاميَّة إلى جَمْعٍ لتاريخ البَشَرِ مُنذ بدءِ الخليقة، مُنْضمًّا إليه تاريخُ بعضِ الأمم المجاورة، ومن رُوَّاد هذا الاتِّجاه: أبو الفِداء (١)، وابنُ كثيرٍ (٢) .. ومنهم
стр. 51
من اتَّجه إلى التَّاريخ لدولةٍ (١)، أَوْ لبلدِ أَوْ إقليم .. (٢).
وأَمَّا السِّيرُ والتَّراجمُ؛ فمنها السِّيَرُ العامَّة (٣)، ... ومنها السِّيرُ الخاصَّةُ لجماعةٍ من الرِّجال تربطهم رابطة ما (٤) " (٥).
стр. 52
المبحث الأوّل: حياة الكرمانيّ .
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأوّل:
اسمه ونسبه ولقبه وكنيته.
المطلب الثّاني:
مولده ونشأته ورحلاته.
المطلب الثّالث:
عقيدته وأخلاقه وصفاته.
стр. 53
المطلب الأوّل: اسمه، ونسبه، ولقبه، وكنيته
هُو محمَّد بن يُوسف بن علي بن سعيدٍ الكرمانيّ، ثمّ البَغْداديّ.
هكذا ورد اسمُه ونسبُه في أغلب المصادر المُترجِمة (١) له من غيِر خلافٍ يُذْكر؛ سِوى ما ورد فِي بعضِها من ذِكْر (بن محمَّدٍ) بعدَ (بن علي)، وقبل: (بن سعيدٍ) (٢). وما وردَ في بعضِها الآخر من إِيراد (بن عبد الكريمِ) بدل (بنِ سعيد) (٣).
стр. 54
والكرماني -بكسر الكاف- كما ضَبَطها الكِرمانيّ نفسه (١). وقيل: بفتحِها، كما ضبَطَها غيرُ واحدٍ (٢) - وسكونِ الرَّاء نسبة إلى كرمان؛ وهو إقليمٌ واسعٌ يلي بلاد فارس من جِهةِ الشَّرق، يحتوي عَلى بلدان شَتَّى (٣) "كثيرة النَّخل والزَّرع والمواشي والضَّرع .... وأهلُها أخيارٌ؛ أهلُ سنَّةٍ وجماعةٍ وخيرٍ وصلاح"، افْتُتحت كلُّها في زمنِ الخليفةِ
стр. 55
الرَّاشدِ عمرَ بن الخطاب ﵁. وإليها يُنْسب خَلْقٌ عظيمٌ من العلماء (١).
وكذا البغدادي، نسبة إلى بغداد، إِحدى الحواضر الإِسْلامية في زَمنه.
وهو إذ يُنْسب لكرمان لعرقٍ له فِيها؛ فإِنَّه يُنْسب إلى بغداد لإِلْقاءِ عصا التِّسيار بها.
وليس له مِنْ نِسبة ثالثةٍ إلَّا ما ذكَره السَّخاويُّ في ترجمةِ يحيى ابْنه (٢)؛
حيثُ انْتهى به إلى "السَّعيديِّ" نسبةً لسعيد بن زيدٍ ﵁ أحد العَشَرةِ المبشَّرين بالجنّة (٣).
أَمَّا لقبه المشْهورُ بهِ فهو: (شمس الدّين) (٤)، وكنيتُه: (أبو عبدِ الله) (٥). ولا أَعلم فيهما خِلافًا.
وهناك لقب آخر يصفه به بعضُ مَن ترجم له، فيقولُون: "شارح
стр. 56
البُخاريِّ"، أَوْ "صاحب شَرح البُخاريّ" (١)، ولكنَّه لقبٌ لا يصدُق عليه مُنْفردًا، ولا يقوى مُميِّزًا له عن غيرهِ من شُرَّاح البُخاريِّ.
стр. 57
المطلب الثّاني: مولده ، ونشأته، ورحلاته
لَمْ تضِنّ علينا المصادرُ المترجمة لشَمس الدِّين الكرْمانيّ بشيءٍ من حياتِه، كما وقعَ لغيرِه من العُلماء ممَّن طوت الأيامُ حياتَهم، ولفَّ النِّسيانُ سِيَرهم وأَخْبارَهم، فلم يُبْق لهم مَا يُذكرُون بِه إلا ما بقي من آثارِهم. ولعل الفضلَ كل الفضلِ في ذلك يعودُ إلى ابن المؤلِّف البارِّ (يحيى)؛ حيثُ ترجمَ لوالده ترجمةً وافيةً ضافية؛ تعرَّض فيها -بشيءٍ من التَّفصيل- لمسيرة حياتِه، ابتداءً من ولادتِه وحتَّى مماتِه (١)، وهو ما نفسِّر به اتِّفاقَ المترجمين له عَلى نُقاطٍ كثيرةٍ في حياتِه، وعدمِ اختلافهم حوله إلا في التَّفصيلاتِ الدَّقيقة، وفي النَّادر اليسير.
مولده:
وُلِدَ شمس الدِّين الكِرمانيّ يومَ الخميس، السَّادسَ عشرَ من جُمادى الآخرة، سنة سبع عشرة وسبعمائة من الهِجْرة النَّبويَّة (٢).
стр. 58
وعن مكانِ ولادته يقولُ ابنُه (١): "كان مولِدُه ببلدة (كونان) مِنْ أَعمال (كوبيان) (٢)، بينها وبين بَلده كرمان مسيرةُ ثلاثة أيام، رأيتُها في مدَّة والدي -رحمه الله تعالى-، وهي بلدةٌ طيِّبةٌ، وهواؤها طيِّبٌ صحيحٌ، وأهلُها عُلَماء فُضَلاء صُلَحاء ... ".
نشْأته ورحلاته:
ساق ابنُ الكِرمانيّ -رحِمهما الله- في معرضِ حديثِه عن نَشْأة والدِه ورحلاته حَديثًا مُخْتصرًا شَافيًا؛ لا أجدُ مَحيصًا من إيرادِه بتَمامه. وفيه يتَّضحُ بجلاءٍ أَنَّ الكرماني شبَّ في بيتِ والدِه (بهاءِ الدِّين، يوسف)، ونشأَ عَلى مرأَى ومَسْمعٍ منه، يُلقِّنه المعارفَ والعُلوم، ويغرسُ في نفسِه الصِّفاتِ النَّبيلةَ والأَخلاقَ الفاضلةَ، كما يتَّضحُ منه جلَدُه
стр. 59
وصبْرُه في طلبِ العلمِ؛ حتَّى غَدا عالمًا عَاملًا، ويكفي شَاهدًا عَلى ذلك: أَنَّه رحلَ -في سبيل تحصيل العلم- إلى بلدانٍ مختلفةٍ متباعدةٍ أَدَعُ التَّصريحَ بها لابْنِه في سياقِ حديثه التَّالي عن أَبيه.
يقول (١): "نشأ والدي ﵀ بها -أي: ببلدة كونان-، واشْتغل عَلى والده يوسف (٢)، وكان من العُلماءِ العاملين. حكى لي والدي عنه أَنَّه ما كان يأَكلُ إِلَّا من ثمنِ مصحفٍ شريفٍ كان يكتُبه في كلِّ شهرٍ بخمسة دَراهم، يبيعه ويقتاتُ بالدَّراهم طولَ شهْره؛ فإذا انقضى الشَّهرُ بعد كتَب آخر؛ فينسخه ولا يأكل إلا منه مع كثرةِ أملاكهِ وسعةٍ من الدُّنيا ...
ثمّ لَمَّا بلغَ والدي مبلغَ الرّجال ارتحل إلى كرمان، وقرأَ بها عَلى علمائِها، ثمّ بلغَه شرحُ أصولِ ابن الحاجبِ للشَّيخ عضدِ الدِّين عبد الرَّحمن، فكتبه ونسخه، وأَرادَ قراءتَه عَلى بعضِ علماءِ كرمان.،. فرحلَ بإذن والده إِلى (شباكار) (٣) وهي بلد من أعمالِ (شِيراز) (٤)، وفيها الشَّيخ عضدُ الدِّين، فلازمَه واشتغلَ عليه وقرأَ عليه شرحَ مختصرِ ابن الحاجِب، وكتابَ المواقف في أصولِ الكلام. وغير ذلك من مؤلفات شيخِه عضد الدِّين، ثمّ وقعت خراب في بلاد (شيراز)، وقُتل سلطانها، وكان مُحسنًا إلى
стр. 60
والدي، وكان دائمًا يَتَرَحَّمُ عليه. وقصدَ بغداد، ثمّ قصدَ الشَّام، ثمّ أتَى مصر. ولكنَّه في سنة خمسٍ وخمسين وسبعمَائة ورد مصر وسُلْطانها الملك الصَّالح، والأمير الكبير بها شَيْخون. فأرادَ السُّلطان شيخون أَنْ يُقِيم بالقاهرةِ ويريدُ أنْ يحجَّ. فحجَّ من طريقِ الحاجِّ المصري، بعدَ أَنْ قرأَ البخاريّ بالقاهرةِ بالجامع الأزهر عَلى الشَّيخ ناصر (١) الدِّين الفَارقيِّ، وغيره من علمائِها. ثمّ لَمَّا حجَّ رجع إلى بغداد، وكانت بغدادُ إذ ذاك عامرةً بأَهلِها من أحسن بلادِ الدُّنيا؛ فأقامَ بها، واشْتَغل بالتَّأليف، وشُغل النَّاسُ في فنون العلم. وحجَّ مرَّات وجاورَ وأَنا في خدمَته سنة خمسٍ وسبعين وسبعمائة. ثمّ رجعَ إلى بغداد، وأقامَ بها إلى سنة خمس وثمانين، فقصدَ الحجّ وأَنا في خِدمتِه؛ فحجَّ سنة خمس وثمانين ... ".
стр. 61
المطلب الثّالث: عقيدته ، وأخلاقه، وصفاته
عقيدته:
ليسَ ثمّةَ أدَنى شك يُساورني في أَن شمسَ الدِّين محمَّد بن يُوسف الكِرمانيِّ أشعريُّ المعتقد؛ فقد بدا ذلك واضحًا جَليًّا من خلال كُتبهِ التي ألّفها، ويبدو بروز ذلك بِشَكلٍ ظاهرٍ في مولَّفَين من مؤلّفاته هما:
١ - "الرُّدود والنُّقود". مؤلف في أُصول الفقه (١).
٢ - "تحقيقُ الفوائدِ الغياثيَّة". الكتابُ الذي بين يديّ.
ولعل السَّببَ في بروزِ معتقدهِ في هذين الكِتابين دونَ غَيْرهما من مؤلَّفاته يعودُ إلى طبيعةِ مادَّتِهما من جهةٍ، وما يَسْتلزمانه من كيفيَّة المعالجةِ من جهةٍ أُخرى. الأَمر الذي يؤوبُ بالباحثِ فِيهما إلى العودَةِ إلى كثيرٍ من المُرتكزاتِ العَقديَّة الّتي يَنْطلقُ منها.
والنَّاظرُ في هذين الكتَابين يقفُ عَلى مواضعَ عِدّةٍ، تؤكِّدُ انْتسابه إلى المذهبِ الأَشْعريّ، منها:
١ - جاءَ في "الرُّدود والنُّقود" عند حديثِه عن مَسْألة التَّكليف بما لا يُطاق قولُه (٢): "فإنَّا معشرَ الأَشَاعرةِ نُجوّزه -أَيْ: التّكليف بالمحال
стр. 62
- وإِنْ لَمْ يقع، والمعتزلةُ تَمنعه".
والعبارة صريحة لا تحتمل صَرفًا ولا تَأويلًا.
٢ - جاء في "تحقيقِ الفوائد" عند حديثهِ عن الاستعارة التَّخْييليَّة -بعد إيراد قولَ الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (١) - قوله (٢): "فإنَّه يلزم من ازدواج اللفظِ في ﴿يُبَايِعُونَكَ﴾ و ﴿يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ أَن يكون هُو -سبحانه- مبايِعًا، وإذ لا بدَّ للمبايع من يدِ فتُخيّل له شيءٌ يُشْبه اليد وهو القُدرة، فيطلق عليها لفظَ أَوْ يقول إنَّه استعارةٌ بالكناية بإدخال الله في جِنْس المبايعين ادِّعاء وإثبات ما هُو مِنْ خَواصّهم".
وظاهر أَن هذا القَولَ ينطلقُ من مُعتقدِ الأَشاعرة في الصِّفاتِ؛ حيثُ يثبتونَ للهِ سبعَ صفات هي: الإرادة، والحياة، والعِلم، والقدرة، والسَّمع، والبصر، والكلام، ويُؤوِّلون ما عَدا ذلك كاليَد، فإنّها -بزعمهم- تَعني القدرة (٣).
стр. 63
٣ - جَاء في "الرّدود والنّقود" عند حَديثه عن القرآنِ وهو بصدد الرَّدِّ عَلى القُطيِّ في قوله إِن المعنَى القَائِم بذاتِ الله ليس بكتابٍ - قَوْلُه (١): "المشهورُ عند الأشَاعرة ... أن كلامَ الله عبارةٌ عن ذلك المعنى، وهذه الألفاظ دَالَّةٌ عَلَيه".
ولا يكشف السِّياقُ الذي وردَت فيه تلك العبارة عن مسوِّغ مقنع لإيرادِ مَذْهب الأَشاعرةِ في كَلامِ الله هنا (في معرض الرَّدِّ) سوى انتسابِ الكِرمانيِّ إلى هذا المَذْهب (٢). بل ظهر في غيرِ مَوْطن في "تحقيقِ الفوائدِ الغياثيّة" ثمرة اعتقادِه فِي كلامِ الله. بما يتَّفق مع المذهبِ الأَشْعريِّ، منها:
стр. 64
إيرادُه لتعريفِ شيخهِ الإيجيِّ للأمر، وأَنَّه (١) "اقتضاء الفعلِ بالقولِ استعلاءً"، وشَرحه إِيَّاه وعدم تسجيلِ أيِّ اعتراضٍ عليه إلا في موافقتهِ المعتزلةِ في القَيْد الأَخير (الاستعلاء)، واعتذاره عن تلك الموافقةِ بقوله (٢): "وذكره هذا من حيثُ متابعتُه السَّكاكيَّ وإلّا فعندَه -كمَا هُو مذهبُ أهلِ السُّنَّة- لا دخل للاسْتعِلاءِ في مَفْهومِ الأَمر".
وباعتذارِه عن القيدِ الأخير وتَسْليمه ببقيَّة القيودِ فإنَّه يقف جنبًا إلى جنب مع الأشَاعرة؛ الذين يسمون الأَمر بأَنه "اقتضاءُ الفعلِ بالقَول" انْطلاقًا من مُعتقدهم في كلامِ الله أنَّه معنى قائمٌ بنفسهِ. ولا يغرنّك قوله "كما هُو مذهب أهل السنة"؛ فإن الأشاعرة كثيرًا ما يُطْلقون عَلى أَنْفسهم "أهل السنة"، وبخاصَّةٍ عندما يكونون في مُواجهةِ المُعتزلة (٣).
أَضف إلى ذَلك أَنه عُنيَ عناية خَاصَّةً بمؤلّفاتِ شيخه الإيجيّ -أحدِ أقطابِ الأشاعرة في زمانِه-، وأَشْبعها دَرسًا وشرحًا، ولَم يُنقَل
стр. 65
عنه أَنَّه استدرك أَوْ نبَّه عَلى فسادِ معتقده. مِمَّا يدل -أيضًا- عَلى انتسابِه إلى المذهب الأشعريِّ.
أخلاقه وصفاته:
يظهرُ لي أن شمسَ الدِّين الكرمانيّ كانَ شديدَ التَّعلق بالله ، محبًّا له ولِرَسوله ﷺ ، عالي الهِمَة، صادقَ العزيمةِ، شريفَ النَّفْس، عَلى جانبٍ عظيمٍ من التَّواضع وحسنِ الخلُق، قويّ الشَّخصيَّة، زاهدًا في الدُّنيا، معرضًا عن أهلها، محبًا للففراء وطلبة العلم.
قال عنه ابنُ حجر (١): "وكان تامَّ الخَلق، فيه بشاشةٌ وتواضعٌ للفقراء وأهلِ العلم، غيرَ مكترثٍ بأهلِ الدنيا، ولا مُلْتفتٍ إليهم؛ يأتي إِليه السَّلاطينُ ويسألونه الدُّعاءَ والنصيحةَ".
وقال غيرُه (٢): "كانَ مُقبلًا عَلى شَأنه، مُعرضًا عن أَبْناء الدُّنيا".
ومن يطالعُ بعضَ مقدِّمات مؤلَّفاته يلمس قوّة إِخْلاصه لله، وانْصرافه عمَّن سواه.
стр. 66
يقول في مقدِّمة الكواكب الدَّراري (١): "وما توسّلت به إلى غرضٍ دنيوي من مالٍ أَوْ جاه، أَوْ تقرُّبٍ إلى سُلْطان أَوْ خليفةٍ -كما هُو عادة أَبْناء زَمَانِنا من أَصحاب إلهِممِ القَاصرةِ والعقولِ الضّعيفة-، بَل جَعَلْته لله ولوجههِ خالصً".
كما يقُول في مقدمته للنُّقود والرُّدود (٢): "وما تَقَرَّبت به إلى أحدِ الخلائق رجاءَ أَنْ يكون سبب قُربتي إِلى الخالق؛ فإِنَّه عَلى ذلك قدير، وبتحقيق رجاء الرَّاجين جَدِير. وما توفيقي إلَّا بالله، عليه توكّلتُ وإليه أُنيب".
ويبدو أنه كان عَابدًا طَائعًا مُكْثرًا من النَّوافل والقُرب؛ فعلى الرَّغم من أنَّه كان لا يمشِي إلا عَلى عَصا مُذْ كان ابن أربعٍ وثلاثين سنة (٣) إلا أَنَّه حجَّ من بغداد مرَّات. كما ذكر ابنه (٤).
المطلب الأوّل: شيوخه
ننتظرُ ونحن أَمَام عالم ذائع الصّيت، بارعٍ في علومٍ متعددة، رحَّالة يطلب العلم كشمس الدِّين الكِرمانيّ -أن نظفرَ له. بمشائخ كُثر- وهم بلا شك كذلك-، غيرَ أن ما حفظته لنَا كتبُ التَّراجم منهم قليل لا يَتَجاوزون أولئك المَشْهورين في عصره، وربما وجدَ المترجمون في شُهْرتهم واسْتِفاضة عِلْمهم، أَوْ قربهم من الكرمانيّ وتأَثره بهم ما يُعني عن ذِكْر غَيْرهم ممن لَمْ يكُونُوا كَذلك.
وممن صرَّحت كتبُ التَّراجم بأَسْمائهم من مَشَايخه ما يَلي:
١ - والده: بهاء الدِّين؛ يُوسف بن عليِّ الكِرمانيّ.
ولم أُفْلح في الوقوف عَلى ترجمة له سوى ما ذَكرهُ حفيدُه التَّقيُّ الكِرمانيّ عنه (١).
وعَلَى يديه تَلَقّى الكِرمانيّ دروسَه الأولى. ويَبْدو لي -في ثَنَايا الأَخْبارِ اليَسيرة الوَارِدة عنه- أنَّه عالم ورع، من بيت صالحِ، كسائر بيوتِ قريتِه الّتي اشْتَهر أهلُها بالصَّلاح وتوارثِ الفَضِيلة (٢)، ولستُ واجدًا دليلًا يؤكِّدُ ذلك أَقْوى من اهْتمامِ الوالدِ بابنهِ في هذه الأسرة (٣).
стр. 69
٢ - القَاضي: عَضُد الدِّين؛ عبد الرّحمن بن أَحمد بن عبد الغَفار الإِيجيّ وسبق الحديث عنه في المبحث التَّمهيدي (١). وهو شيخه الذي لازمَه ثنتي عَشْرة سنة محبًّا لشخصه عاكفًا عَلى درسه، نَاهلًا من مَعِينه، شَارحًا لكُتبه.
وقد بَدا -لي- شِدَّة تَأثره بهذا الشَّيخ وعظيمُ توقيره له؛ فهو لا يَسِمه إلا بالأسْتاذ (٢)، ولا يذكره إلا بالثّناءِ العاطرِ (٣).
٣ - المحدِّث، ناصر الدِّين، محمّد بن أَبي القاسم الفَارقيِّ (٤). ولَم تُسْعِفنا كتب التّراجم بشيءٍ عنه سِوى مَا تقدَّم من اسمه ونَسَبه.
وعنه تَلقّف شمس الدِّين الكرماني الحديثَ، وبينَ يديه في الجَامع الأَزْهر قرأَ صحيحَ البخاريِّ (٥).
стр. 70
المطلب الثّاني: تلاميذه
لَمْ يَفْتَأ شيخُنا الكرمانيُّ ﵀ يتضلعُ صنوفَ العلومِ والمعارف ويعبُّ من مَعينها الصَّافي حتَّى ارتوى وفَاضَ خيرُه عَلى غيره؛ فكان له تلاميذ أَبْرار يجتمعون إليه ويُفِيدون منه.
ويَذْكُرُ المترجمون له -في هذا الصَّددِ- أنَّه استوطنَ في نهايةِ تَطوافه بغدادَ، "وتصدَّى فيها لنَشْر العلم مدَّةَ ثلاثين سنة" (١).
ومع أَنها مدَّة تكفي لتَخريج أجيالٍ يُعجز المرءَ حصرُهُم -وهم بلا شك كذلك-، إلا أنّ ما حفظته المصادرُ لنا منهم عدد يسير ممن شُهِر فيما بعدُ، جَرْيًا عَلى عادة تلك المصادرِ الّتي لا تُنوّه من قربٍ أَوْ بعدٍ إلّا بأولئك الأَفْذاذ الذين فَرَضوا أَنْفسهم عليها.
ومنهم:
١ - ابنه يحيى: تقيُّ الدِّين، المعروف بابن الكِرمانيّ (٢).
ويعدُّ أبرزَ تلاميذِه، وأكثرهم إِفادةً منه، لملازمته له جل وقتهِ، يَقُولُ السَّخاويُّ (٣): "ولكن جلّ انتفاعه إِنَّما كان بوالدِه؛ فإِنَّه لازَمه سفرًا
стр. 71
وحضرًا، وجَابَ معه نحو خمسين مدينة".
ولِدَ في رجب سنة (٧٦٢ هـ) ببغدادَ، وحفظَ القرآنَ صَغِيرًا، ثم الشَّاطبيَّة، والكَافِيَة، والشَّافِيَة، والحَاوي، والملْحة، وغيرَ ذلك، وما زَال يَنْهل من معين والدِه ويَرتشف رحيقَ غيره من علماءِ عصره؛ أَمثال أَسعد بن محمّد بن محمود الحنفيّ، وسعيد بن محمَّد المالكيّ، والقَاضِي العلاء الهرَويّ، والجمال ابن الدَّبَّاغ الحنبليّ- حتَّى تبحَّر وبَرَع؛ فأَتْقن الحديثَ، والطِّبَّ، والتَّاريخ (١).
وتذْكر بعض المَصَادر أنه أَخَذ عن والدِه: "الكتبَ السِّتَة سَمَاعًا غيرَ مرّة، وأَعربَ عليه غالبَ القرآن، وسَمِع عليه الكشَّافَ، وتفسيرَ البَيْضاويَ غيرَ مرّة، وجميعَ كافيةِ ابن الحاجبِ في النَّحو، وشَافيته في الصَّرفِ، والمِنْهاج الأصلي، وشرحه للبرهان العبديّ، والطوالع للبيضاويّ، وشرحه للشَّمس الأَصبهانيّ، والمطالع في المنطق، وشرحه للقطب التّحتاني، مع أسئلة واعتراضاتِ عليه، والفوائد الغِياثيّة لشَيخه العَضُد، و ... ، و ... " (٢) وتَعدادها يَطولُ.
وله من التَّصانيف:
* مَجْمَعُ البحرين وجَوْهر الحبرين في شرح صحيح البخاريّ. كتبه بخطّه، وأَخْرجه في ثمانية أَجْزاء كبار.
стр. 72
* شرحُ صحيح مُسلم.
* المَقْصودُ من تحفة المودود. لابن القيّم.
* هذا بالإضافة إلى خدمته كتبًا كَثِيرة، إِمَّا باختصارها، أَوْ بإعادة صِيَاغتها نظمًا أَوْ نثرًا، ويُذْكر من ضمن مُؤلّفاته -أيضًا-: كتابٌ في الطِّبِّ (١).
توفّي ﵀ مطعونًا بالقاهرة سنة (٨٣٣ هـ) بعد أن كفّ بصره.
٢ - ابنه: حميد الدِّين الكرمانيّ (٢).
واسمُه: عبدُ الحميد، ويبدو أنه كان أَقل ملازمةً لأَبيه من أَخِيه تقيِّ الدِّين، ومع ذَلك فقد أَخذَ عن والدِه كثيرًا، ونال حظه منه، وتُطْلِعنا المصادر أنَّه هُو الذي نسخَ لوالده شَرحَ البُخاريِّ بخطِّه، وأَن له عدَّةَ رحلاتٍ في طلبِ العلم بينَ بغداد والقَاهرة والشَّام التي استوطنها إِلى أَن توفي بها سنة عشر وثمانمائة (٨١٠ هـ) وقد زاحمَ الأربعين.
٣ - زميلُه في الطَّلب: العلامة السَّرائي (٣).
وهو يوسفُ بن الحَسنِ بن محمود السَّرَّائيّ، المولود بتبرز سنة (٧٣٠ هـ).
стр. 73
زامل الكرماني في الطلب، وتَتَلمذ عَلى شيخه الإِيجيِّ، وعندما عَلِم بعودةِ زميلِه محدِّثًا إلى بغداد رحلَ إِليه، ولَم يَستنكف من الأَخذِ عنه لعلْمِه بفَضْلِه وموفورِ عِلْمه.
له عدّة مؤلّفات، منها:
* شرح منهاج البَيضاويِّ.
* حاشِية عَلى الكشَّافِ.
* حاشِية عَلى شَرح الشَّافيةِ.
اختلف في وَفَاتهِ فقيل: سنة (٨٠٢ هـ)، وقيل (٨٠٤ هـ). ﵀ وأسكنَه فسيحَ جنّاته!.
٤ - المجد الشِّيرازيّ (١):
وهو محمَّد بن يعقوب بن محمّد الشّيرازيّ الفيروزآباديّ، وفد عَلى شمس الدِّين الكِرمانيِّ سنة أربع وخمسين وسبعمائة (٧٥٤ هـ) (، وقرأ عليه، ثم رحل معه إلى الشَّام، ثم إلى مصر، وهناك سمعا الصَّحيحَ عَلى الفارقيِّ، وهُناك افترقا بعود الكِرمانيِّ إلى الحجّ -كما سبق ذكره-.
له عدّة مصنّفات، منها:
* بصائرُ ذوي التَّمييز في لطائف الكتابِ العزيزِ.
* القَاموس المُحيط. وكان مطوَّلًا في مجلّدات عديدةٍ، وبأَمرِ شيخِه الكرمانيّ اخْتصره في مجلّد ضخمٍ.
стр. 74
* القَاموس الوَسيطِ لِمَا ذَهب من لغةِ العربِ شَمَاطِيط (١).
تُوفي في شَوال سنة سبع عَشْرة وثمانمائة، عن عمرٍ يُناهز الثامنة والسَّبعين عامًا.
٥ - أَبو الفتح التستريّ (٢):
وهو نصرُ الدِّين؛ أحمد بن محمّد التَّستريّ البغداديّ. ولد سنة (٧٣٣ هـ)، واشْتَغَل بالعِلم حتَّى برع في علمِ الحَديث، مُفِيدًا من شيخه شَمس الدِّين الكرمانيِّ، وعليه قرأَ الكِتابَ الْذي نحن بصددِ تحقيقه، وأَجازَه روايتَه، يقول السَّخاويُّ (٣): "قال التَّقيُّ فيما قرأته بخطِّه: قرأ على والدِي شرحَ المختصر، وأَجَازه والدِي واستفدتُ أنا منه فوائدَ جمَّةً". والتَّقيُّ بذلك يشيرُ إلى نصِّ الإجازةِ الواردةِ في إحدى نُسَخ الشَّرح المَخْطوطة والتي اعتمدتُها أَصْلًا، كما سيأتي إيضاحُه فيما بعدَ (٤).
ولهذا التَّلميذِ النَّجيبِ مؤلّفاتٌ، منها:
* نظمُ غريبِ القرآن.
* حاشيةٌ عَلى فروع ابن مفلح.
* حاشية عَلى تَنْقيح الزّركشي في الحديث.
* وله منظومة في الفِقْه تزيد عَلى سبعةِ آلاف بيت، وأخرى في
стр. 75
الفرائضِ تَقَعُ في مائة بيت.
توفِّي سنة ثنتي عشرة وثمانمائة من الهجرة، وله من العُمر تسعةٌ وستّون عامًا.
٦ - محبّ الدِّين التّستريّ (١):
وهو أَحمدُ بن نصر الله (أبي الفتح) المتقدِّم، ولِدَ بمسقط رأسِ أبيهِ (بغداد) سنة (٧٦٥ هـ)، وعلى حلقاتِ شيخ أبِيه -أيضًا- تفتّح سمعُه وشقَّ بصرُه؛ فأخذَ يستنشقُ عبيرَها ويَرتشفُ رحيقَها حتَّى فتح الله عليه فجادَ أدبًا وعلمًا، وغدا "قدوةً رجَعُ إليه، وإِمَامًا تحطُّ الرَّواحل لديه، مع استحضاره للفروع والأصول، والمعقول والمنقول، وصدق اللَّهجة، والوقوف على الحجَّة" (٢).
وقد كان موضعَ تَقديرِ الكِرمانيّ وموطنَ ثقتِه؛ إذْ أَجازه روايةَ ما صحَّ عنه من التَّفاسير والأحاديثِ والأصولِ والفُروع والأَدَبيّاتِ وغيرِ ذلك، خصوصًا: الصِّحاح الخَمْسة الّتي هي أصول الإسلام ودفاترَ الشَّريعة، وشرحه صحيحَ البخاريّ المسمَّى بالكواكب الدَّراري (٣).
له عدَّةُ حواشٍ عَلى بعض المصنَّفات، منها:
* حَاشِيتُه عَلى تنقيح الزّركشيّ.