← Адаб

Адаб · id 17458

تحقيق الفوائد الغياثية

الكرماني، شمس الدين

Полный текст (841 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وحضرًا، وجَابَ معه نحو خمسين مدينة". ولِدَ في رجب سنة (٧٦٢ هـ) ببغدادَ، وحفظَ القرآنَ صَغِيرًا، ثم الشَّاطبيَّة، والكَافِيَة، والشَّافِيَة، والحَاوي، والملْحة، وغيرَ ذلك، وما زَال يَنْهل من معين والدِه ويَرتشف رحيقَ غيره من علماءِ عصره؛ أَمثال أَسعد بن محمّد بن محمود الحنفيّ، وسعيد بن محمَّد المالكيّ، والقَاضِي العلاء الهرَويّ، والجمال ابن الدَّبَّاغ الحنبليّ- حتَّى تبحَّر وبَرَع؛ فأَتْقن الحديثَ، والطِّبَّ، والتَّاريخ (١). وتذْكر بعض المَصَادر أنه أَخَذ عن والدِه: "الكتبَ السِّتَة سَمَاعًا غيرَ مرّة، وأَعربَ عليه غالبَ القرآن، وسَمِع عليه الكشَّافَ، وتفسيرَ البَيْضاويَ غيرَ مرّة، وجميعَ كافيةِ ابن الحاجبِ في النَّحو، وشَافيته في الصَّرفِ، والمِنْهاج الأصلي، وشرحه للبرهان العبديّ، والطوالع للبيضاويّ، وشرحه للشَّمس الأَصبهانيّ، والمطالع في المنطق، وشرحه للقطب التّحتاني، مع أسئلة واعتراضاتِ عليه، والفوائد الغِياثيّة لشَيخه العَضُد، و ... ، و ... " (٢) وتَعدادها يَطولُ. وله من التَّصانيف: * مَجْمَعُ البحرين وجَوْهر الحبرين في شرح صحيح البخاريّ. كتبه بخطّه، وأَخْرجه في ثمانية أَجْزاء كبار.

стр. 72

* شرحُ صحيح مُسلم. * المَقْصودُ من تحفة المودود. لابن القيّم. * هذا بالإضافة إلى خدمته كتبًا كَثِيرة، إِمَّا باختصارها، أَوْ بإعادة صِيَاغتها نظمًا أَوْ نثرًا، ويُذْكر من ضمن مُؤلّفاته -أيضًا-: كتابٌ في الطِّبِّ (١). توفّي ﵀ مطعونًا بالقاهرة سنة (٨٣٣ هـ) بعد أن كفّ بصره. ٢ - ابنه: حميد الدِّين الكرمانيّ (٢). واسمُه: عبدُ الحميد، ويبدو أنه كان أَقل ملازمةً لأَبيه من أَخِيه تقيِّ الدِّين، ومع ذَلك فقد أَخذَ عن والدِه كثيرًا، ونال حظه منه، وتُطْلِعنا المصادر أنَّه هُو الذي نسخَ لوالده شَرحَ البُخاريِّ بخطِّه، وأَن له عدَّةَ رحلاتٍ في طلبِ العلم بينَ بغداد والقَاهرة والشَّام التي استوطنها إِلى أَن توفي بها سنة عشر وثمانمائة (٨١٠ هـ) وقد زاحمَ الأربعين. ٣ - زميلُه في الطَّلب: العلامة السَّرائي (٣). وهو يوسفُ بن الحَسنِ بن محمود السَّرَّائيّ، المولود بتبرز سنة (٧٣٠ هـ).

стр. 73

زامل الكرماني في الطلب، وتَتَلمذ عَلى شيخه الإِيجيِّ، وعندما عَلِم بعودةِ زميلِه محدِّثًا إلى بغداد رحلَ إِليه، ولَم يَستنكف من الأَخذِ عنه لعلْمِه بفَضْلِه وموفورِ عِلْمه. له عدّة مؤلّفات، منها: * شرح منهاج البَيضاويِّ. * حاشِية عَلى الكشَّافِ. * حاشِية عَلى شَرح الشَّافيةِ. اختلف في وَفَاتهِ فقيل: سنة (٨٠٢ هـ)، وقيل (٨٠٤ هـ). ﵀ وأسكنَه فسيحَ جنّاته!. ٤ - المجد الشِّيرازيّ (١): وهو محمَّد بن يعقوب بن محمّد الشّيرازيّ الفيروزآباديّ، وفد عَلى شمس الدِّين الكِرمانيِّ سنة أربع وخمسين وسبعمائة (٧٥٤ هـ) (، وقرأ عليه، ثم رحل معه إلى الشَّام، ثم إلى مصر، وهناك سمعا الصَّحيحَ عَلى الفارقيِّ، وهُناك افترقا بعود الكِرمانيِّ إلى الحجّ -كما سبق ذكره-. له عدّة مصنّفات، منها: * بصائرُ ذوي التَّمييز في لطائف الكتابِ العزيزِ. * القَاموس المُحيط. وكان مطوَّلًا في مجلّدات عديدةٍ، وبأَمرِ شيخِه الكرمانيّ اخْتصره في مجلّد ضخمٍ.

стр. 74

* القَاموس الوَسيطِ لِمَا ذَهب من لغةِ العربِ شَمَاطِيط (١). تُوفي في شَوال سنة سبع عَشْرة وثمانمائة، عن عمرٍ يُناهز الثامنة والسَّبعين عامًا. ٥ - أَبو الفتح التستريّ (٢): وهو نصرُ الدِّين؛ أحمد بن محمّد التَّستريّ البغداديّ. ولد سنة (٧٣٣ هـ)، واشْتَغَل بالعِلم حتَّى برع في علمِ الحَديث، مُفِيدًا من شيخه شَمس الدِّين الكرمانيِّ، وعليه قرأَ الكِتابَ الْذي نحن بصددِ تحقيقه، وأَجازَه روايتَه، يقول السَّخاويُّ (٣): "قال التَّقيُّ فيما قرأته بخطِّه: قرأ على والدِي شرحَ المختصر، وأَجَازه والدِي واستفدتُ أنا منه فوائدَ جمَّةً". والتَّقيُّ بذلك يشيرُ إلى نصِّ الإجازةِ الواردةِ في إحدى نُسَخ الشَّرح المَخْطوطة والتي اعتمدتُها أَصْلًا، كما سيأتي إيضاحُه فيما بعدَ (٤). ولهذا التَّلميذِ النَّجيبِ مؤلّفاتٌ، منها: * نظمُ غريبِ القرآن. * حاشيةٌ عَلى فروع ابن مفلح. * حاشية عَلى تَنْقيح الزّركشي في الحديث. * وله منظومة في الفِقْه تزيد عَلى سبعةِ آلاف بيت، وأخرى في

стр. 75

الفرائضِ تَقَعُ في مائة بيت. توفِّي سنة ثنتي عشرة وثمانمائة من الهجرة، وله من العُمر تسعةٌ وستّون عامًا. ٦ - محبّ الدِّين التّستريّ (١): وهو أَحمدُ بن نصر الله (أبي الفتح) المتقدِّم، ولِدَ بمسقط رأسِ أبيهِ (بغداد) سنة (٧٦٥ هـ)، وعلى حلقاتِ شيخ أبِيه -أيضًا- تفتّح سمعُه وشقَّ بصرُه؛ فأخذَ يستنشقُ عبيرَها ويَرتشفُ رحيقَها حتَّى فتح الله عليه فجادَ أدبًا وعلمًا، وغدا "قدوةً رجَعُ إليه، وإِمَامًا تحطُّ الرَّواحل لديه، مع استحضاره للفروع والأصول، والمعقول والمنقول، وصدق اللَّهجة، والوقوف على الحجَّة" (٢). وقد كان موضعَ تَقديرِ الكِرمانيّ وموطنَ ثقتِه؛ إذْ أَجازه روايةَ ما صحَّ عنه من التَّفاسير والأحاديثِ والأصولِ والفُروع والأَدَبيّاتِ وغيرِ ذلك، خصوصًا: الصِّحاح الخَمْسة الّتي هي أصول الإسلام ودفاترَ الشَّريعة، وشرحه صحيحَ البخاريّ المسمَّى بالكواكب الدَّراري (٣). له عدَّةُ حواشٍ عَلى بعض المصنَّفات، منها: * حَاشِيتُه عَلى تنقيح الزّركشيّ.

стр. 76

* وأُخرى عَلى فروع ابن مفلح. * وثالثة عَلى الوَجِيز. توفِّي ﵀ سنة أربعٍ وأربعين وثمانمائة، ولَهُ من العُمر ثلاثٌ وسبعون سنة.

стр. 77

المطلب الثالثُ: في مَكانته العلميَّة تَسنَّم أَبو عبدِ الله الكِرمانيّ منْزلة علميّةً رفيعة، بزَّ بها أقرانَه، وفاقَ بها كثيرًا من علماء عصره، وقد هيَّأ لذلك ما تميَّز به من عُلوِّ الهمّةِ وسموِّ النّفسِ ويَكْفي شَاهِدًا عَلى رسوخِه في العلم وتمكنه منه ما نقله المترجمون أنَّه: "تصدَّى لنشرِ العلم بِبغدادَ ثلاثين سنة ... " (١)، وبغدادُ آنذاك تمثِّل إِحدى أكبر حواضر المسلمين العِلْميّة، إليها يفدُ طلّابُ العلمِ من كلِّ فج، وفي رحابها تعقدُ الحلقاتُ وتُدارُ المحاوراتُ والمُنَاظرات. ولَم يكن شَيْخُنا فيها كغيرِه من شيوخ عَصرِه ممَّن كانت تَقُوم بهم الحَلقات، بل كان مشارًا إليه فِيها، معقودًا له بناصية العِلْم بين عُلَمائها. يقول عنه الدَّاوديّ (٢): "وكان مُشَارًا إليه بالعراق وتلك البلادِ في العِلْم"، ويقول أُخرى (٣): "ومهر وفاقَ أقرانَه وفضل غالبَ زَمانه". وقد تقدَّم -في مطلب تلاميذه- مِمَّا يوضِّحُ مكانتَه العِلْميّة أن العلَّامةَ السَّرائِيّ؛ وهو مَن هُو في العلم؛ وقد زاملَه في الأخذ عن الإيجيّ يَنْكسرُ للعلمِ فَيأخذ عن الشَّمسِ ويتتلمذُ عَلى يَديه (٤).

стр. 78

أضف إلى ذلك أن تلاميذَه أصبَحوا -فيما بعدَ- من العلماءِ المَشَاهِير. ويَبْدو أن الفَضْلَ في تبوّئه تلك المَكَانةَ المرموقةَ يعود -بعدَ توفيق الله- إلى تَنْشِئته الصَّالحة التي تعاهدها أبوه، ثم إِلى حرصهِ وإِخْلاصه في طَلبِ العلمِ، وأخيرًا إلى اهْتمامه بسنّةِ الرَّسول ﷺ وَتبحُّره في علمِ الحديث (١).

стр. 79

المبحث الثَّالثُ: مصنّفاتُه ووفاتُه . وفيه مطلبان: المطلب الأوّل: مصنفاتُه. المطلبُ الثّاني: وفاتُه.

стр. 80

المطلب الأوّل: مصنّفاته تركَ لنا محمّدُ بن يوسفَ الكِرْماني -بعدَ رحلةٍ مباركةٍ حافلةٍ بالجدِّ والنَّشاطِ- آثارًا علميَّةً جليلةً، تشهدُ، بموفورِ عِلمه، وسَعةِ اطّلاعِه، وتكشفُ عن عالمٍ فذٍّ طرقَ أبوابَ العلومِ وحصَّل ثمارَها، فلا تكادُ تجدُ فنًّا من الفنونِ المعروفةِ في زمنه إلا وله فيه مؤلفٌ أَوْ شَرحٌ أَوْ مختصرٌ. وفي ظنِّي أَن هذا الرَّجلَ لو خُلِّيَ مَا بينه وبين التَّأليف في سِني انْقطاعِه للتَّدريس لفَاقتْ مؤلفاتُه غيرَه ممّن بلغ شأوًا في التَّصنيفِ. ومَنْ يدري لربَّما كانت موُلّفاتُه كذلك، لكن عَفَا عليها الزَّمنُ، وجَارت عليها المصائبُ والنّكباتُ، وبخاصَّة تلك الّتي اتّسم بها عَصرُه. ومن المُؤسف حقًّا: أَن تلك المصنّفات -عَلى عظيم نَفْعها وجَلِيل قَدرها- لَمْ تعرف طريقها إِلى كثيرٍ من طلبةِ العِلْم في عصرنا الرَّاهن؛ فما زَال بَعضُها غائبًا لا نَعرف عنه شيئًا إلّا ما صرَّح به المترحمونَ، وما فتيء الآخرُ قابعًا داخل سُجونِ المخطوطات. هذا إذا اسْتثنينا مِنْها شرحه لصحيع البخاريِّ، فَقَد نَال حظَّه من الطبع ولَم ينل حظه من التَّحقيق.

стр. 81

أَمَّا مؤلّفاتُه الّتي ذكرها المترجمون له فهي: ١ - "تحقيقُ الفوائدِ الغِياثيّة في المعاني والبيان" (موضوع الدّرس والتّحقيق) وسيأتي الحديثُ عنه مفصَّلًا -فِيما بعدَ- إِنْ شاءَ الله تعالى. ٢ - "الكَواشف البُرهانيَّةُ في شرح الواقف الْسُّلطانيَّة" (١) وهو كما يَظْهر من عنوانِه شرحٌ لكتابِ شيخه العَضُد الإِيجيّ الموسوم بِـ "المواقفِ في علم الكلام". ٣ - "الزَّواهر" (٢) -وهو أَيضًا- شرحٌ لكتابِ شيخهِ العَضُد "الجواهر في أصول الكلام". وهذا الأَخيرُ مختصرٌ لكتابِ "المواقف" المتقدّم. ويفهمُ من حديثِ تقيِّ الدِّين الكِرماني عن مؤلّفاتِ أبيه أن هذه الشّروحاتِ الثّلاثةِ دوِّنت فيما بينها عَلى التَّوالي؛ وبحسب التَّرتيب المتقدِّم، وهذا ما جَعَلني أُقدّمها عَلى غيرِها؛ فقد نصَّ عَلى أن أوّلَ مؤلّفاتِ والدِه: شرحُ الفوائد الغياثيّة، ثم قال عقب ذلك مباشرة (٣): "ثم شرحَ المواقف في أصولِ الكَلام، ثم الجَواهرَ في أصول الكلام، وهذه الأصول من مؤلّفات شيخه عَضُد الدِّين" عَلى أنه ينبغي أَنْ لا يغفل أن التَّرتيبَ

стр. 82

المشار إليه مقطوعٌ به فيما بين الشُّروحاتِ الثّلاثةِ دون النَّظرِ إلى غيرِها من المؤلَّفات الأخرى؛ فالعطف بـ (ثم) -كما هُو معلوم- يفيد التَّرتيبَ مع التَّراخي، وليس ثمة مانعٌ يَمْنع أَنْ يكون بين هذه الشُّروح مؤلف أَوْ مؤلَّفات؛ يؤكّدُ هذا حديثُ التَّقيِّ نفسهِ عن مؤلَّفاته والدِه، إذ قال عقبَ قولِه السَّابقِ مُبَاشرة (١): "ثم شرحَ تفسيرَ البيضاويِّ، ووصل فيها إلى سورة يوسفَ فاخترمته المنيَّةُ، وهي آخرُ مصنَّفاتِه"، ومن المقطوع بِه أن هناك مؤلفات أُخرى لشمس الدِّين الكِرمانيّ لَمْ يَذْكرها ابنُه في سياقِ حديثِه. ٤ - النُّقود والرُّدود (٢)، وسمّاه: "السَّبعة السيارة"؛ لأَنَّه جمعَ فيه سبعة شروحٍ فالتزمَ استيعابَها، وذُكر أنه أردفها بسبعةٍ أُخرى لكن بغيرِ اسْتيعاب (٣). وهو مؤلفٌ حافلٌ غنيٌّ في بابه، استوعبَ فيه المصنّفُ جلّ مسائلِ أصولِ الفِقْه، ولا يَعيبه إلَّا التَّكرار (٤). وقد أحسنت الجامعةُ الإسْلاميّةُ بالمدينةِ النَّبويّة صُنعًا عِنْدما وجَّهت طلابَ الدِّراسات العُليا في قِسْمِ أُصولِ الفقه إليه، وشَجَّعتهم عَلى تحقيقه. ٥ - "الكَواكبُ الدَّراريّ في شرحِ صحيحِ البُخاريِّ" (٥).

стр. 83

وهو الكتابُ الوحيدُ المطبوعُ للمصنّفِ -كما أَسلفتُ-، وفي يَقيني أن شُهْرَته من جهةٍ وارتباطَه بعلمِ الحديثِ من جهةٍ أُخرى هُمَا اللذان وجَّها الأَنْظار إِليه ولفتا -بعدَ ذلكَ- إِلى طَبْعه. وقد نصَّ التَّقيُّ الكِرْمانيّ أنَّه "كَمَّله بمكَّةَ سنة خَمس وسَبْعين (أَي: بعدَ السَّبعمائة) حين مجاورتِه بها قُبَالةَ الرُّكنين اليَمَانِيَّين" (١). ٦ - أُنموذجُ الكشَّافِ. وهو تعليقاتٌ عَلى كشافِ الزمخشريِّ، ونصَّ عَليه ابنُه (٢). ٧ - عقائدُ عضُدِ الدِّين. ونصَّ عليه ابنُه (٣). ٨ - رسالةٌ في كافيةِ ابن الحاجبِ. ونصَّ عليها ابنُه (٤). ٩ - رسالةٌ في التَّصوير والتَّصديق في المنطقِ. ونصَّ عليها ابنُه (٥). ١٠ - رسالةٌ في مَسْأَلة الكُحل. ونصَّ عليها ابنُه (٦). ١١ - أسئلةٌ واعتراضَاتٌ عَلى شرح القُطب التَّحتانيّ للمَطَالع في المَنْطقِ (٧).

стр. 84

١٢ - ذَيْلُ مَسَالك الأبصار في التاريخ (١). ١٣ - شرحُ أَخْلاقِ عَضُد الدِّين (٢). ١٤ - ضَمَائرُ القرآن (٣). ١٥ - حاشِية عَلى تَفسير البَيْضَاويِّ، وتقدَّم -عَلى لسانِ ابنه- أنَّه آخرُ مصنَّفاتِه، وأَن المنيَّةَ اخْترمته قَبْل أن يُتمَّه؛ حيثُ وصلَ فيه إلى سورةِ يوسف (٤).

стр. 85

المطلب الثانِي: وفاته اتّفقت كلمةُ المُتَرجمين لشَمس الدِّين محمَّد بن يوسفَ الكِرمانيِّ عَلى أنه توفي بكرة خميسِ السّادسَ عَشرَ من الشّهر المحرّم سنة سِتّ وثمانين وسبعمائة من الهجرة في طريق عَوْدته من الحجِّ (١). ولوصيّةٍ كان قد أَوْصى نَقَله ابنُه التَّقيُّ إلى بغدادَ ودَفنه بموضع كانَ قد اخْتارَه في حياتِه بقربِ أبي إسحاق (٢) الشِّيرازيِّ وغيرِه من العُلماء (٣). ﵀، وأسكنه فسيحَ جنّاته!.

стр. 86

الفَصلُ الثّاني: التَّعريف بكتاب "تحقيق الفوائد " وفيه أربعةُ مباحث: المبحث الأوَّل: اسمُ الكتابِ، وتوثيقُ نسبته للمؤلّف، ومنهجُ المؤلّف فيه المبحث الثَّاني: مصادر الكتابِ وشواهدُه. المبحث الثالث: تقويم الكتاب. المبحث الرَّابع: وصفُ مخطوطاتِ الكتابِ ومنهجُ التَّحقيق

стр. 87

المبحث الأوَّل: اسمُ الكتابِ، وتوثيقُ نسبتهِ للمؤلّفِ، ومنهجُ المؤلّف فيه وفيه ثلاثةُ مطالب: المطلب الأول: اسمُ الكتابِ. المطلب الثاني: توثيقُ نسبتِه للمؤلِّف. المطلب الثالث: منهجُ المؤلِّف فيه.

стр. 88

المطلب الأوّل: اسم الكتاب لم يكُن أَمامي بدٌّ -وأَنا أنشدُ تحقيقَ عنوانِ الكتاب- من سلوكِ منهج الاسْتقراءِ والتَّقصِّي لكلِّ ما من شَأنِه أَنْ يصلَ بي إلى حقيقةٍ قاطعةٍ أطمئنُّ إِليها في وسمِ الكتاب بعنوانِه الذي سَمَّاه به صاحبُه. وفي سبيلِ ذلك تتبّعتُ جميعَ كتبِ التَّراجمِ التي تَرْجمت للمؤلِّف وأَشارت من قُربٍ أو من بعدٍ إلى مؤلَّفاتِه. كما تتبّعت جلّ الفَهارسِ البلاغيَّة، بلْ وغيرِ البلاغيَّة تحسّبًا لما قَدْ يقعُ فيه بعضُ المفهرسين من إِيرادِ الكتابِ في غير فنِّه. كما حرصتُ على الاطّلاع على الكُتب البلاغيّة التي جاءت عَقِبَ كتابِ المؤلِّف وبخاصَّةٍ تلك الّتي عُنيت بشرحِ الفَوائد الغِياثيّة، فربَّما وجدت في إِحداها عبارةً صَريحة أَوْ إشارةً عابرةً تكشفُ عن اسمِ الكتابِ مما هو واقعٌ متحقِّقٌ في حالاتٍ كَثيرةٍ، عند غالبِ المصنِّفين الذين يُصرِّحون في كُتبهم بأَسْماء كتبٍ أُخرى نَقَلوا عنها. كما أنني -قَبلَ هذا وذَاك- استعرضتُ ما وقعَ بين يديَّ من كتب المصنِّف وآثارِه، ناهيكَ عن كِتابِه الذي بين يديّ ونُسَخِه المتعدّدة وكلُّ ذلك بغيةَ الاهتداءِ إلى أيِّ خيطٍ يقود إلى الاسم الحقيقيِّ للكتاب!!. والحقَّ أقولُ: إِنّني -بعد خَوْضي تلك التَّجْربة الشَّاقة- ظفرتُ بثلاثةِ عنوانات لا رابعَ لها، وهي على النَّحو التَّالي:

стр. 89

١ - شرحُ الفوائدِ الغياثيَّةِ. وعَلَى هذه التَّسْمية أَغلبُ من ترجم له مِمَّن ذكرَ مصنّفاتِه (١). وإليها يُشيرُ بعضُ شرَّاح الفَوائد الآخرين عندما يُحيلونَ إلى الكتابِ، وهو العنوانُ الذي أُثْبت على الورقةِ الأُولى من النُّسخة "الأصل"، وكذا بقيةِ النُّسخ الأُخرى. ٢ - التَّحقيقُ في شَرحِ الفَوائد الغيَاثيّةِ. وانْفردَ به صاحبُ هديَّة العَارفين (٢). ٣ - تحقيقُ الفَوائدِ. نصَّ عليه صاحبُ كَشْف الظّنون (٣). وقَبْله صاحبُ تاريخ آل مُظَفَّر (٤)، وهو الواردُ برفقةِ العنوانِ الأَوَّل على ظهر الورقةِ الأَولى من النُّسخة التركية؛ الموجود أصلها في مكتبة شهيد. وبعدَ إمعان النَّظر وإِعْمال الفكرِ ترجَّح عِندي العنوانُ الأخير؛ وذلك للأَسباب الآتية:

стр. 90

١ - أنَّ العنوانَ الأَخيرَ "تحقيقَ الفوائدِ" نصٌّ صريحٌ في التَّسمية؛ ورد في مصادر مُتقدِّمةٍ لصيقةٍ بالمؤلِّف؛ كمَا هُو الحال في تاريخ آل مُظفَّر، أَوْ متخصِّصة في أسماءِ المؤلَّفات؛ كما هُو الحال في كَشْف الظُّنون. فالأَخذُ عنها أَوْلى وأَدقُّ، ثمَّ إنّ من حَفِظَ حجّةٌ على من لَمْ يحفظْ. ٢ - أنَّ العنوانَ الأَوَّل "شرح الفوائد" أَقْربُ إلى الوصفِ مِنْه إِلى التَّسميةِ، وكثيرٌ من الكتبِ المَشْهورةِ تُنْعت بوصْفها، فيكونُ طاغيًا على التَّعريفِ بها مع وجودِ أسماء حقيقةٍ لها. منْها -على سَبيل المثال-: "الكَواكبُ الدَّراري في شَرحِ صحيح البُخَاريِّ" للكرمانيِّ نفسِه؛ فعلى الرَّغم من أَنَّ الكرمانيّ نصَّ على اسْمِ الكتابِ صراحةً في مقدِّمته (١) إلَّا أَنَّه اشْتَهرَ بين النَّاس بوَصْفه، حيث يَقُولون "شرحُ صحيحِ البخاريِّ" للكرمانيِّ، أو "شرح الكرمانيِّ على الصَّحيحِ". ٣ - ليس من عادةِ الكرمانيِّ في مؤلَّفاتِه تَرْكَها بلا تَسْميةٍ أو تسميتها بـ "شَرْح ... "، بل إِنَّه يحرصُ عَلى تَسْمِيتها بأَسْماء مميِّزة لها، فَهُو يعرفُ تمامَ المعرفة أَنَّه في عصرٍ يغصُّ بالشّروح. وتركَها هَكَذا في إِطار الوَصف لا يَضْمن تمييزها أَوْ حتَّى نسبتها إِلى غيرِ صاحبِها. ولذَا نجده يُسمِّى شرحَه لصَحيح البخاريِّ بـ "الكواكب الدَّراريِّ". ويسمِّي شَرْحه للمواقِف: "الكواشفُ البرهانيَّةُ في شرحِ المواقفِ السُّلطَانيَّة" (٢)، ويسمِّي شرحَه للجواهرِ في أُصولِ

стр. 91

الكلام بـ "الزَّواهر" (١). ٤ - جاءَ في الورقةِ الأولى من النُّسخةِ التُّركيّة الموجود أصلها في مكتبة شهيد، (إِحدى النُّسخ الَّتي لم أَعْتمدها في تحقيقِ الكِتاب لأَسْبابٍ سوف أُوردها فِيما بعدُ) ما نصُّه: "كتابُ شرح الفوائد الغياثِيَّة، وسمَّاه بـ "تحقيقِ الفوائد" وسُطِّر أسفل منه عبارة "صحَّ أنَّ الشَّارحَ للفوائدِ شارحُ صحيح البخاريِّ، وهو مولانا العلَّامةُ شمسُ الدِّين بن محمّد بن يوسف الكرمانيِّ الشَّافعيِّ -رحمة الله علينا آمين-. وسمَّى هذا الشَّرحَ في إجازةٍ أجازَ بها بتحقيق الفوائد بخطِّه". ونحنُ إِنْ لم نَقِفْ على تلك الإجازةِ التَّي حَظِيت باسم الكتاب إلَّا أنَّنا نَطْمئنُّ إلى العبارةِ السّابقة، ونَرى أنَّها تقومُ مقَامَها وبخاصَّة أَنَّها كُتِبت بنفس الخطِّ الَّذي سُوِّد به الكتاب، وهو خطٌّ قديم أُرجِّحُ أنَّه كُتبَ في عصرِ المؤلِّف أو قريبًا منه؛ كمَا يؤكّدُه نوعُ الورقِ والتَّمليكات الَّتي سُجِّلت على المَخْطوط. ٥ - أَمَّا العنوانُ الثَّاني: "التَّحقيقُ في شرحِ الفوائد" فَيُستَأنسُ به في صِحَّةِ العِنوانِ الثَّالث. ولا يَقْوى مُنَاهضًا له، لتأَخُّر البغداديِّ (ت ١٣٣٩ هـ) وانْفراده به. واليقينُ أنَّه تصرَّفَ فيه اخْتصارًا، جَرْيًا على عادة بعض المترجمين في إِيراد أَسْماء بعضِ الكُتب. وبذا نختمُ المبحثَ، مطمئنّين إلى أَنَّ اسمَ الكتابِ هو "تحقيقُ الفوائدِ".

стр. 92

المطلبُ الثَّاني: توثيقُ نسبته للمؤلِّف بلا أَدْنى شكِّ أستطيعُ القولَ بأنَّ تحقيقَ الفوائدِ مؤلَّفٌ لشمس الدِّين محمّد بن يوسف الكرمانيِّ. لا يُنازعه فيه مُنازعٌ، ولا يَنْفيه عنه حاسدٌ. وقد تَأكَّد ذلك من أَوْجه عدَّة؛ منها -إِضافةً إلى ما تقدَّم في المبحثِ السَّابق ما يَلي-: ١ - نصَّ الكرمانيُّ نفسُه على ذَلك في أَوَّل كتابه في نُسْخَة (أ) المُعْتمدةِ، والنُّسْخَتين التّركيّة والإيرانيّة المُهْملتين؛ حيثُ قال: " ... وبعدُ؛ فيقولُ العبدُ؛ أصغرُ عباد الله -تعالى- محمّدُ بن يوسف الكرمانيُّ أَعْلى الله منزلَه، ومنْزلَته في المَنْزِلَين ... قال الأُسْتاذُ ... ". ٢ - نصَّ ابنُ الكرمانيِّ "يحيى" -أَيْضًا- على ذلك؛ حيثُ قَال في مقدمة كتابه "مجمع البحرين"؛ في أثناء حديثه عن والده (١): "وله تصانيف مُفِيدة؛ منها شرحُ البخاريِّ، وسمَّاهُ بالكواكبِ الدّراري ... وله شرحُ الفوائد الغياثيَّة في المعاني والبَيان، وهو أَوَّل مصنَّفاته، ثمَّ شرح ... ". وقال -أيضًا- في تَقْريظٍ مقتضبٍ كتبَه بخطِّ يده على ظَهْرِ الورقةِ الأُولى من النُّسخة الَّتي اعتمدتُها أَصْلًا لكتاب "تحقيق الفوائد"؛ مُنوِّهًا بشيخِ والدِه الإِيجيِّ ومؤلَّفاته. قال: "وله شرحُ المختصرِ لابن الحاجبِ وهو أحسنُ شروحِه وأَشْكلُها، وقد نَقَّحه والدِي؛ الشَّارحُ للفوائد المذكور أَعْلاه (إشارة إلى عنوان الكتاب) ".

стр. 93

٣ - أَنَّ اسمَ شمسِ الدِّين محمّد بن يوسف الكرمانيِّ ذُكرَ برفقةِ عنوانِ الكتابِ على غلافِ كلِّ نسخةٍ من نُسخ المخطوط الَّتي وقفْتُ عليها. ٤ - وجودُ بعضِ نصوصِ الكتابِ أو آرائه الخاصَّة في كتبِ المتأَخِّرين وعَلى وجهِ الخُصوصِ شراح الفوائدِ؛ منسوبة إلى شمسِ الدِّين الكرمانيِّ صراحةً، أو كنايةً؛ كقوله: "قال بعض الشُّرَّاح من تلاميذ المصنِّف" ممّا يدلُّ دلالةً قويّةً على أَنَّ الكتابَ له. من ذلك قولُ طاش كبرى زَاده في شَرْحِه للفوائد الغِياثيَّة (١): "قال الكِرمانيّ في شَرْحه: (والحملية -بالحاء المهلمة- هو المناسبُ لقوله فبالحمل. وبالجيم هو المناسب لاصطْطلاحاتِ الفَنِّ -كما سيأتي- وكلٌّ منهما قُرئ على الأُسْتاذ؛ هذا كلامه". وهذا الكلامُ بعينِه موجودٌ ضمنَ كتابِ صاحبِنا (٢). ٥ - لم أَجدْ -فيما وقفتُ عليه- من فهارسَ؛ نَقلَت شَيئًا من أوّل الكتابِ وآخره أو مصادر عُنيت بالمؤلِّف أَوْ كُتبِه من ينسبُ هذا الشَّرحَ لغيرِه من العلماءِ مع كثرةِ الشُّرَّاح وتَقَاربِ الشُّروح. وبذا نَخْتم المبحثَ مُطْمئنّين إِلى أنَّ صاحبَ "تحقيق الفوائد" هو شمسُ الدِّين محمَّد بن يوسف الكرمانيِّ.

стр. 94

المطلبُ الثَّالثُ: مَنْهج المؤلِّف فيه لَمْ يشِر شَمْسُ الدِّين الكرمانيُّ -على غيرِ عَادتِه في بعضِ مقدِّماتِ كُتبِه- إلى المَنْهج الَّذي سَلَكه في تَألِيف كتابِه "تحقيق الفوائد" وبخلافِ ما دَرَج عليه المُصنِّفون في الغَالبِ من تَنْميقِ المقدِّماتِ وتَحْبيرها نَراه عَجِلًا إِلى الالتحامِ بكلامِ شَيخِه الإِيجيّ "صاحبِ المُختصر" فإِنَّك لا تَكادُ تَتَجاوز السَّطرين حتَّى تجدَ نَفْسكَ وجهًا لوجهٍ أَمام الإِيجيّ مُسْلِمًا له العنانَ في رحلةٍ طويلةٍ تبدأ من مبتدأ الكتاب وتنتهى بنهايتِه. وقَدْ تَتَساءلُ كيف يكونُ ذلك ونحنُ أمامَ كتابٍ للكرمانَيّ لا للإيجيّ؟! وهُنا أقولُ: لقد أظهرَ الكرمانيُّ قدرةً فائقةً في الدَّمج بين كتابِه "تحقيق الفوائد" وكتابِ شيخِه "الفوائد الغياثية" حتَّى صارا كأنهما كتاب واحد؛ وكلُّ ذلك من غيرِ أن يغمطَ شيخَه حَرفًا واحدًا من كتابه. وأسوقُ للدِّلالة على ذلك النَّصَّ التَّالي (١): "الثَّامنُ: إتباعُ الاستعمال؛ فإنَّه إذا كانَ الاستعمالُ واردًا على الحذف منه أَوْ من أمثالِه ونظائِره -كمَا قال في المفتاح- وقامت القرينَةَ لا بُدَّ من حذفِه؛ كَما في: (نعم الرّجل زيدٌ!)؛ على قولِ من يَرى أَصلَ الكلامِ "نعم الرَّجل هو زيد" وكمَا في: "ضَرْبي زيدًا

стр. 95

قَائمًا" فإنَّ التَّقدير -على الأَصحّ-: "ضربي زيدًا حاصلٌ إذا كانَ قائمًا"، وكمَا في قَوْلهم: (سقيا)، إذ التَّقدير: "سَقَاك الله سقيًا"، وكَذا: (عجبًا) إذ التَّقدير: عَجبتُ عجبًا، وكما في قولها: إلَّا حَظيَّةٌ فَلا أَليَّةٌ". فالكَلامُ المكتوبُ بالخطِّ المثقَّل للإِيجيّ؛ أي: كتاب "الفَوائد الغياثيّة" والكلامُ المكتوب بالخطِّ المخفَّف للكرَمانيِّ؛ أي: كتاب "تحقيق الفوائد". وكَمَا هو ملاحظٌ تحقَّقَ الرّبطُ بينهما بعناية فائقةٍ يَتعذَّرُ معها -لولا مغايرة حجم الخطِّ- التَّمييزُ بَيْنهما (١). كَمَا يظهرُ في الوقتِ نفسِه مثولُ نصِّ الإيجيِّ كما هو بقضِّه وقَضِيضه بحيث يمكنُ قراءة مخْتصرِه كامِلًا بلا أدنى زيادةٍ أو نَقْصٍ؛ ولك أَنْ تتحقَّق مِن ذلك بقصرِ النَّظرِ على قراءة الخطِّ المثقَّل. وإذا كانَ الأمرُ كذلك فإنَّ كلا الكتابين يَنْضويان تحت أَرْوقة المدرسةِ السَّكَّاكيَّة، فالإِيجيّ "لَمْ يخلّ بالأَصلِ الَّذي اخْتصرَه فقد أَوْفىَ على الأَفكارِ الرَّئيسة المَوْجودة في المفتاح وشَفَعها بالأَدلَّة المَنْطقيَّة والفَلْسفيةِ اتّباعًا لأَصْلِه ... ، بَل ربَّما فاقَ السَّكَّاكيَّ في الإلحاحِ على الجدلِ الفَلْسفيّ" (٢). والكرمانيُّ التزمَ بكتاب شيخِه واعتمدَ خطّته، وحتَّى عندما شَرَعَ في فكِّ رمُوزِه وتَفْصيلِ مُجْملِه لَمْ يغبْ عنه أَصْله أيضًا.

стр. 96

وكمَا هو معلومٌ فإنَّ المدرسةَ السَّكَّاكيَّة تعتمدُ على التَّقعيدِ والتَّنظيمِ، حيثُ التَّعريفاتُ، والتَّقسيماتُ، والتَّفريعاتُ، والتَّعليلاتُ، وإِخراجُ المُحْترزاتِ، وتوهمُ الاعتراضاتِ، ودفعُ الاحتمالاتِ. وكلُّ ما يمكن أَن يُسْهمَ في ضبطِ الدَّرسِ البلاغيِّ وحصرِه في إطارٍ محدَّدٍ واضحٍ. هذا ما يتعلَّقُ باتجاه الكِتاب البلاغيِّ ومشربِه العامِّ، أمَّا إذا نَظرنا إلى التَّفصيلات الدَّقيقة فإنَّ منهجَه يتَّضحُ بالمعالمِ الآتية: ١ - سارَ الكرَمانيُّ في كتابِه على الخطِّ نَفْسِه الَّذي رسمَه الإِيجيُّ في كِتابِه؛ حيثُ بناهُ على مقدّمةٍ وفَصْلين وذَيل. جعلَ الفصلَ الأوّل في علمِ المعانِي والكلامِ في الخَبر والطَّلبِ. وقَسَّمهُ إِلى قَانُونَين، جعلَ القَانونَ الأَوَّلَ في الخبرِ. وقَسَّمه إلى فنون: الفنُّ الأَوَّلُ: في الإِسناد. الفنُّ الثَّاني: في المسند والمُسندِ إِليه، والكلامِ في الحذفِ والإِثباتِ، وفي التَّعريفِ بأَنواعه، والتَّنكيَر، وفي التَّوابع. وقَسَّمه إلى أَنْواع: النَّوعُ الأَوَّلُ: في الحذفِ والإِثباتِ. النَّوعُ الثَّانِي: في التَّعريفِ بأَقسامه والتَّنكير. النَّوعُ الثَّالثِ: في التَّوابع. الفنُّ الثَّالثُ: في وضعِ الطَّرفين كلِّ عِند صاحبه، والنَّظرِ في التَّقديم والتَّأخير وفي الرَّبط وفي القصر. وقسَّمه إلى أَنْواع: النَّوعُ الأوّلُ: في التَّقديم والتَّأخير.

стр. 97

النَّوع الثَّاني: في الرَّبط. النَّوع الثَّالث: في القَصْر. الفنُّ الرّابعُ: في وضع الجُملتين والكلام في الوصل والفَصْل وفي الإِيجازِ والإِطْناب وفي جَعْل إِحداهما حالًا. وقسمَّه إلى أَنْواع: النَّوعُ الأوَّل: في الفصلِ والوَصْل. النَّوعُ الثَّاني: في الإِيجازِ والإِطْناب. النَّوعُ الثَّالثُ: في جَعْل إِحدى الجُملتين حالًا. وجعل القانون الثَّاني في: الطَّلب. أَمَّا الفَصْلُ الثَّاني فَعَقَده: في علمِ البيانِ. وأداره على أُصولٍ أَرْبعة: الأَصْل الأَوَّل: في التَّشبيه. وتَناوله بالحديثِ في أَنواعٍ خَمْسة. النَّوعُ الأَوّل: في الطَّرفين. النَّوعُ الثَّاني: في وجْه التَّشبيه. النَّوعُ الثَّالث: في غرضِ التَّشبيه. النَّوعُ الرَّابع: في حال التَّشبيه. النَّوعُ الخَامس: في صِيغة التَّشبيه. الأَصلُ الثَّاني في: المجاز. وقسَّمه إلى نوعين: ما كان التَّصرّف فيه باللّفظ. وله أَقْسام. ما كان التَّصرّف فيه بالمعنى. وله أَقْسام. الأَصْل الثَّالث: في الاسْتعارة. وتَناوله من خِلال: مُقَدّمةٍ. تَقْسيماتٍ.

стр. 98

خَاتمَة الأَصْلُ الرَّابعُ: في الكِناية. وقسَّمها إلى ثلاثةٍ: ما كانَ المقصودُ بها الموصوفَ نفسَه. ما كانَ المقصودُ بها الصِّفةَ نفسَها. ما كانَ المقُصودُ بها اخْتصاصَ الصِّفة بالموصُوف. أمّا الذَّيل فَعَقَده في علمِ البَديعِ. وجَعَله قِسْمين: معنويّ. وذكرَ من أَصْنافه: المطابقةَ. الْمُقَابَلةَ. الْمُشَاكلةَ. مُراعاةَ النَّظير. المُزَاوجة. اللَّف والنَّشر. الجَمع. الفَرق. الجمعَ مع التَّفريق. الجمعَ مع التَّقْسِيم. التَّقسيمَ مع الجَمع .... الجَمْعَ مع التَّفريقِ والتَّقسيم.

стр. 99

الإِيهامَ. التَّوجيه. الاعْتِراض. التَّجاهل. الاسْتتباع. لفظيّ. وذكرَ من أَصْنافه: التَّجْنيس. ردَّ العجزِ على الصَّدر. القَلب. السَّجع. التَّرصيع. وفي تَضَاعيفِ هذه الفصولِ والقَوانينِ والفُنونِ والأَنواع ساقَ كثيرًا من التَّنبيهاتِ والتَّذنيباتِ والخَواتيمِ؛ إِتمامًا للفائدةِ ومَزيدًا للإيضاحِ وإِن شَابها -أحيانًا- بعضُ النَّظرات الفَلْسفيَّة. ٢ - نثر الكرمانيُّ كتابَ شيخه داخلَ كتابِه -كما أسلفتُ- حيث يورد أَحْرفًا، أَوْ كلمات، أَو جُملًا، أَوْ عِبارات من المُخْتصر ويَصلُها بكلامه من غيرِ أَن يخرجَ بها عن مرادِ صاحبِ المُختصر ومقصده العامِّ، ولكيَ يخرج الكتابُ متَّصلًا في سياقٍ واحدٍ لم يجدْ الكِرمانيّ مناصًا من الآتي:

стр. 100

أ- التَّمهيد لعباراتِ المُخْتصر قبلَ إِيرادها بعباراتٍ من عنده حتَّى إذا ما الْتحَمت بها ظهرَ السِّياق مُنْسجمًا وكأَنَّه لشخَصٍ واحدٍ كقوله (١): "فالأوّل؛ كقوله: وقال إنّي في الهوى كاذبٌ ... ". ب- فَصْل الجملةِ الواحدةِ وإعادة رَبْطها بعد إضافة ما يوضِّح مَعْناها بما يتَّسق معها من المُفْردات والجُمَل كقولِه (٢): "وعلمُ البيانِ: معرفةُ مراتب العبارات الدَّالّة على معنى واحدٍ في الجلاء". جـ - التَّعقيب على عباراتِ المُخْتصرَ بعد إِيرادها بعباراتِ مُتَمِّمة لها كَقَوله (٣): "الرَّابع: (مثلُك لا يَبْخل)، و (غَيْرك يَبْخلَ) التُزم فيهما التَّقديم للتَّقوية؛ لأَنَّ بناءَ الفعْل عَلَى المبتدأ أَقْوى للحُكمِ ... ". د- الإكْثار من (أَيْ) التَّفْسيريَّةِ، والجُملِ الاعْتراضِيَّة بين الشَّرحِ والمَشْروح عَلى أَنَّهما لَمْ يحدثا في السِّياق انْقِطاعًا لاتِّسام الكتَابين بِهما عَلَى حدٍّ سَواء. نَحْو (٤): "فـ (ما ضربت إِلَّا زيدًا)؛ أَيْ: أَحدًا، أي: يُقَدر (أحدًا) مَفْعولًا لِقَوله (ضَربت) لأنَّه عامٌّ مناسبٌ للمُسْتثنى في الجنس والوَصْف، و (إلَّا راكبًا)؛ أَيْ: عَلَى حال؛ أي: ما ضَربتُ على حالٍ إلَّا راكبًا والمقدَّر فيه ذلك لمُناسَبته له. و (إِلَّا تَأديبًا) أي: لغرضٍ؛ أي: مَا ضَربْتُ لغرضٍ إِلَّا تَأدَيبًا".

стр. 101

وأخيرًا يَنْبغي أَنْ أُشير إِلى أنّ الكتابَ لَمْ يجرِ على وتيرةٍ واحدةٍ من الاتِّصال، بل التَّمازجُ هو السَّمةُ الغَالبةُ والطَّابع العامُّ. وهناك مواضعُ متفَرِّقةٌ في الكتاب يبدو فيها الانْفصال واضِحًا حيثُ يعمدُ الشَّارحُ إِلى إيرادِ جملةٍ من المُخْتصر ويعقبها بكلامٍ مُسْتأنفٍ يشرحُها. وكَثُر هذا المَسْلَك عند شرحِ المُفْردات الغَريبة والتَّعليق على الجملِ البليغة؛ الأمر الَّذي يحتِّمُ عليه قطعَ اتِّصال المعلومة ليَشْرعَ فِيما هو أهمّ -وهو إِيضَاحُها-. ومن ذلك قولُه في أَوَّل الكتاب (١): "الحمدُ لله الذي خلقَ الإِنْسانَ. الحَمدُ: الثَّناءُ على الجَميل عَلى جهةِ التَّعظيمِ، وهو باللِّسانِ وحده. والشُّكر ... أَلْهمه المَعَاني وعلَّمه البَيانَ؛ فيه من حسنِ المَطْلعِ وبراعة الاسْتهلالِ ما لا يَخْفى. والصَّلاةُ عَلَى نبيِّه محمَّدٍ ... ". ٣ - حرصَ الكرمانيُّ على إيضاحِ عباراتِ المُخْتصرِ الغَامضةِ وشَرْحِ مفرداتِه الغَريبة، وكَثُر تعرّضُه للغريب في مقدِّمةِ الكتابِ، وعُقَيب الشَّواهد الشِّعريَّة. ٤ - اعْتنَى الكِرمانِيُّ بتوثيقِ الأَقْوالِ، ونسْبتها إِلى قَائِليها في الغَالب. وهو إِنْ لَمْ يجمعْ بين الكتاب وصَاحِبِه فإِنَّه يَذكرُ أَحدَهما. فمثالُ ما جمعَ فيه بَيْن الكتاب وصاحبِه قولُه (٢): "قَال الشَّيخُ في دلائلِ الإِعْجاز ... "، وقولُه (٣): "وقال الزَّمخشريُّ في الكشّاف ... ".

стр. 102

ومثال مَا ذكرَ فيه اسم الكتاب وحده، قولُه (١): "قال في الإِيْضاح ... "، وقولُه (٢): "قَال في المِفْتاح ... ". ومثالُ ما ذكرَ فيه صاحب الكتاب وحده قولُه (٣): "كَمَا قال ابنُ الحاجب ... "، وقولُه (٤): "وقال السَّكَّاكيُّ ... ". ويلحظُ -في هذا الصَّدد- أنّه أكثر النّقل عن السّكّاكيّ، وشيخه الإيجيِّ، والزَّمخشريِّ، والجُرجانيِّ، وابنِ الحاجبِ، والقَزوينيِّ. وصرَّح بمؤلَّفاتهم. ٥ - يَنْزعُ الكِرمانيُّ -أحيانًا- إلى الاسْتِطرادِ في إيضاح بعض مَا يَعْرضُ من ألفاظٍ غَريبة أو شواهد سَواءٌ أكانت قُرآنية أَمْ شِعريَّة أَمْ أمثالًا. ومنْ أَمثلةِ ذلك استطراده في تَفْسيرِ قولِه تَعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ قال (٥): "ونَظِيرُه ... قولُه تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾؛ أَثْبتَ الرَّميةَ لرسولِ الله ﷺ ؛ إِذْ هو الرَّامي بحسبِ

стр. 103

الصُّورة، ونَفَاها عنه بحسبِ التَّأثِير إذ لا مُؤثِّر إِلَّا الله، ولا سيَّما في الأَثر العَظيم الَّذي ليسَ في قوّةِ البَشر، روي أَنَّه ﵇ لَمَّا طَلَعت قريشٌ قَال: "هذه قريشٌ قد جَاءت بخُيلائِها وفَخْرها يُكَذِّبون رسولك: اللَّهم أَسأَلك مَا وَعدتَّني! "، فأَتاه جبريلُ فقال: خُذ قبضةً من ترابِ فَارْمهم بِه، فقَال النَّبيُّ ﵇ لعليٍّ ﵁ لَمَّا التقَى الجمعانُ: "أعطني قبضةً من الحصبان"، فَرمى بِها في وجوههِم، وقال: "شَاهتِ الوُجوه"، فلم يبق كافرٌ إِلا شُغل بعينه فانْهزَموا". - حَرِص الكرمانيُّ على ضَبْط كثيرٍ من الأَسماء الغَريبةِ وبعضِ الأَلْفاظ الملْبسة سواءٌ في ذلك الوارِدة في شَرْحه أَمْ في المُخْتصر. فمِن ذلك قولُه (١): "وفي أبياتِ ابن حجر الكنديِّ -وهو امرؤُ القَيس؛ بالحاءِ المُهْملة المَضْمومة ثمَّ الجيم ... ". وقولُه (٢): "الأَثْمُد -بفتحِ الهمزة، وضمِّ الميم-: مَوْضع". وقولُه (٣): "أَو لأَنَّه لَما دهش -بكسر الهاءِ- عَنْ مُقْتضى الظَّاهر". - حرصَ الكرمانيُّ على إِتمامِ ما اخْتصرَه الإيجيُّ من الشَّواهد القُرآنية أَوْ الشِّعريّة. مُقْتصرًا على موضعِ الشَّاهد أحيانًا. ومتجاوزًا ذلك إلى نهايةِ الآيةِ، أَوْ ذكر البيتِ المجاورِ أحيانًا أُخرى.

стр. 104

ومن أمثلة ذلك قوله (١): "والإِطْناب كقولِه - تعالى -: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ". وقولُه (٢): "كما قال الشَّاعرُ، أي: كَمَا فَعلَ تَأَبَّط شرًّا في قوله: بأَنِّي قَدْ لقيتُ الغُولَ تَهْوي ... بسَهبٍ كالصَّحيفةِ صَحْصَحان فأَضْربها بلا دهش فَخَرَّت ... صَريعًا لليَدين وللجِرانِ". - حرص الكرمانيُّ على ذِكرِ أَقْوال العُلماء ومُناقَشتها أَحْيانًا، وكذا التَّرجِيح بَينها أَحْيانًا أخرى. ومن ذلك قولُه في مبحثِ الالْتفاتِ (٣): "ثم إِنَّ الحكايةَ والخطابَ والغيبةَ ثلاثتَها تُسْتعملُ كلٌّ في مقامِ الآخر أَوْ يُنْتقل منه إِليه ويُسَمَّى التفاتًا. قَال في المِفْتاح: (واعلم أَنَّ هذا النَّوع أعني: نقل الكلامِ عن الحكايةِ إلى الغيبة لا يختصُّ بالمسند إليه ولا هَذا القدر؛ بل الحكايةُ والخطابُ والغيبةُ ثلاثتُها يُنْقلُ كلُّ وَاحدٍ منها إلى الآخر، ويُسمّى هذا النَّقل: الْتِفاتًا عند علماءِ علم المعاني). ولَمَّا كان مُرادُ السَّكّاكيِّ أعمَّ ... صرَّح الأستاذُ بالقِسْمين.

стр. 105

قال صاحبُ الإِيضاحِ: (المَشْهورُ عِنْد الْجُمهورِ أَنَّ الالْتِفات هو التَّعبير عن معنًى بطريقٍ من الطُّرق الثَّلاثة بعد التَّعبير عنه بطريقٍ آخر، وهذا أَخصُّ من تَفْسير السَّكاكيِّ ...). وقال الأستاذُ: كونُه مَشْهورًا عِنْد الجَمْهور مَمْنوعٌ بَلْ ما ذَكره السَّكاكيُّ هو المَشْهورُ بَلْ هو أعمُّ .... وذكرَ الزَّمخشريُّ في سُورةِ الأَنْفالِ في الكشَّافِ في قَوْلِه: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ ما هو قريبٌ منه .... والحقُّ: أن هذا النَّوع مِن الكلامِ كثيرٌ ... ولا مشاحَّة في تَسْميته الْتِفاتًا. والأَمثِلَة -بحسب التَّقديريّ والتَّحقيقيّ والمضمر من نوعه أو بالنّسبة إلى المظهر- لا تكاد تحصى". - نَبَّه الكِرمانيُّ إِلى اخْتلافاتِ نسخ الكتابِ في تِسْعةَ عَشر مَوْضِعًا، وكشفَ عن اطِّلاعٍ واسعٍ بها، كما أَشارَ إلى مَعْرِفة شيخِه لبعضِ تلك الاخْتلافاتِ وإجازتهِ لها. وفي مرَّات عديدةٍ صرَّح بمَراءَتِه نُسْختَه على المُؤلِّف. وممَّا ذكر في هذا الصَّدد قولُه (١): "اعْلم أَنَّ في هذه الصَّفحة اختلفت النُّسخ بحسب تَقْديم بَعْض؛ لكنَّ النُّسخةَ الصَّحيحةَ والموافِقة للمفتاح كَمَا شَرْحناه". وقولُه (٢): "هَذا على مَا في النُّسخةِ الَّتي قرأتُها على المصنِّف. وفي

стр. 106

بعضِ النُّسخِ: (...) فلا حَاجةَ إِلى مَا ذَكرْناه". وقوله (١): "وفي بعضِ النُّسخ (...) وكلاهما مَقْروآن عَلَى المُصنِّف". وقولُه (٢): "وفي بَعْض النُّسخ مكان قَوله: (...) قوله: (...) وهو سَهوٌ من النَّاسخِ". - ربطَ الكرمانيُّ بين المُخْتصرِ وأَصْلِه مقارنةً، وإتمامًا، وإِيْضاحًا، وربَّما كشفَ عن رأيٍ لصاحبِ المختصر بخلافِ ما أَوْرده في كتابه مُعْتذرًا عن ذلك بِمُتابعة السَّكَّاكيّ كقولِه (٣): "والمصنِّفُ ينقلُ كلامَ السَّكَّاكيِّ وإلَّا فالحقُّ عنده عَلى طرفِ التَّمام وهو ... " أَوْ (٤): "والمصنِّف قلَّد فيه السَّكَّاكيّ لا أَنَّه الحقّ عِنْده". وقد يسوقُ صاحبُ المُخْتصرِ أَوْ الشَّارح ما لا يَرِدُ في المفْتاح. ومَتى وقعَ نبَّه عليه بقولِه (٥): "وهذه المسأَلةُ زائدةٌ على المِفْتاح"، أَو (٦): "وهذا مِمّا زاد على المِفْتاح".

стр. 107

- ساقَ الكِرمانيُّ بعضَ الأسئلة الافْتراضيَّة وأجابَ عليها. وذَلك عِندما يَشْعر أَنَّ المخاطبَ يخالفه الرَّأَيَ، فيطرحُ ما يتصوَّر أنّه عالقٌ في ذهنه مِنْ شُبهٍ في قالبِ سُؤالٍ ثمَّ يَشْرع في الإجابةِ عَلَيها. ومِنْ ذلك قولُه (١): "فإِنْ قُلتَ: فَمَا الفرقُ حينئذٍ بَيْنه وبينَ الحرفِ؟، قلتُ: لوجهين، الأَوَّل: أَنَّ معناه وإِنْ لم يتحَصَّلْ إِلَّا بذكر المتعلّق؛ لكنَّه إذا تحصَّل فَفِي نَفْسه بخلاف الحرفِ فإنَّه في غَيْره. والثّاني: أَنَّه بعد ذِكر متعلّقه يصيرُ إِسنادًا تامًّا مُفيدًا بخلافِ الحرف. وإِن قُلتَ -أيضًا-: سَلَّمنا أَنَّه لا يتحصَّل إِلَّا بالمسندِ إليه، لكنَّه أعمُّ من أن يكونَ مذكورًا أَوْ مَحْذوفًا عِند القَرينة؟، قلتُ: العللُ النَّحويَّة تعليلاتٌ بعد الوقوع ولا تَوْجيه للنَّقضِ عَليها. فإنْ قُلتَ: فَمَا تَقُول في فاعلِ المصدر فإِنَّه جائزُ الحذفِ؟. قُلت: لأَنَّ المصدر وضِع للنِّسبة المُطلقةِ لا المُقيَّدة، والتَّقريب ظاهرٌ. كيفَ وبحثُنا في فاعلِ الفعلِ لا مُطْلَقًا! ". - ختمَ الكرمانيُّ حديثَه حولَ بعضِ المسائلِ الَّتي تَنَاولها بِخُلاصةٍ موجزةٍ يُقرِّر فيها المسأَلَة ويَفْصلُ القولَ فيها وغالبًا ما يَبْدؤها بقولِه: "والحاصلُ" أَوْ "وحَاصلُه" ومن ذلكَ قولُه (٢): " ... وَضْعُ الفعل الماضي مَوْضِع الفِعْل المُضَارع للتَّحقيق والتَّوكيد؛ نحو: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ فإِنَّه كان مُقْتضى الظَّاهر أَنْ يُقَال: (وينادى)

стр. 108

لأَنَّه في القِيامة. لكنَّه عدلَ إلى الماضِي بيانًا لتَحقّقه وتَوْكيدًا؛ لأَنَّ هذا النِّداءَ ضَروريُّ الوُقوعِ. فالحَاصلُ: أَنَّ ما هو للوقوع أَخْذه كالوَاقع لتَحقُّقِ وقوعِه". - حَرِصَ الكِرمانيّ عَلى التَّأدّبِ مَعَ العُلَماءِ وتَوْقيرِهم والثَّناءِ عليهم والدُّعاءِ لهم، وبخاصَّةٍ شيخه الإيجي، وفي أَكْثر من مَوضع وجدته يَتْلمس العذرَ لمخطئهم منكرًا التَّشنيعَ عليه حتَّى وإِن أَبْعد. ومِنْ ذلك قولُه (١): "وأَمَّا المنقولُ من الرّبعيِّ ... فَهُو مِمَّن خَطَّأ فأَخطأ ومع إمكانِ أَنْ يُحْمل على مَحْمل صَحِيح لا حاجة إلى مِثْل هَذا التَّشْنِيع عَلى مِثل الإمام؛ ذلك الرَّجلِ الفَاضلِ والفَحْل البَازلِ". - صرَّح الكِرمانيُّ بأَنَّ شَيْخَه إِذا أَطْلق لَفْظَ "الشَّيخٍ" فإِنَّه يَعْني السَّكَّاكيَّ. وإذا أَطْلقَ لفظَ "الإِمام" فإِنَّه يَعْني عبدَ القاهر الجُرجانيّ (٢). أَمَّا الكرمانيُّ فوجدتُه إِذَا أَطْلق لَفْظَ "الأُستاذِ" أو "المصنِّف" فإِنَّه يَعْني شَيخَه الإِيجيّ. وإذَا أَطْلق "الشَّيخ" فإِنَّه يَعْني عبدَ القَاهرِ الجُرْجانيّ، أمَّا "شارح المفتاح" فإِنَّه يَعْني به الشِّيرزايَّ.

стр. 109

المبحث الثَّاني: مصادرُ الكتاب وشواهدُه . وفيه مطلبان: المطلب الأَوَّل: مصادرُ الكتاب. المطلب الثَّاني: شواهدُ الكتابِ.

стр. 110

المطلب الأوّل: مصادرُ الكتاب تنوَّعتْ مصادرُ شمسِ الدِّين الكرمانيِّ الَّتي اعتمدَ عليها في هذا الكتاب؛ وتَوزعتْ على أَغلب الفنون العِلْميّة المَشْهورة في عَصْره، وتفاوتَ نقلُه منها كثرةً وقلّةً، طولًا وقصرًا، نصًّا ومعنى. ففي حين نَجد نقوله من بعضِ المصادرِ تكثُر كثرةً مُلْفتة؛ بحيث تَتَجاوز المائة نَقْل؛ نجدها تقلّ قلّةً ظاهرة في مصادرَ أُخرى؛ بحيث لا تَتَعدّى المرةَ الواحدة. ويَبْدو لي أَنَّ الكتب الَّتي أكثرَ من النَّقلِ منها كانت بحوزَته؛ بدليل أَنَّه ينقلُ منها نَقْلًا مباشرًا في حالاتٍ كثيرةٍ، وغالبًا ما تكَون كتبًا مشهورةً تداولها النَّاسُ فِيمَا بَيْنهم، كـ "الكشّاف" للزَّمخشريِّ، أوْ ذات صلةٍ وطيدةٍ بكتاب المؤلّفِ نَفْسه كـ "مفتاح العلوم" للسَّكاكيِّ، أو ذات صلةٍ وطيدةٍ بالمؤلّف نفسهِ لكونِه تتلمذَ عليها كَكُتبِ شَيْخِه الإِيجيّ، أو اطَّلعَ عليها وكانت أثيرةً عنده كـ "كتاب الصِّحاح" للجَوهريِّ؛ الَّذي لا أَسْتبعد حِفْظه له-. وفي حين نَظْفر بنقلٍ طَويل من تلك الكتب يمتدُّ فيَشْمل صفحةً كَاملةً أَوْ قريبًا منها في بعض المواطن؛ لا نكاد نَعْثر إلّا على الكلمةِ أو الكَلِمتين في مواطنَ أخرى.
следующие страницы →