← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1747

أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء

ماهر الفحل

Полный текст (524 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَقَالَ أبو قيس الأودي، وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان هَذَا مع مخالفتهما الأجلّة الَّذِيْنَ رووا هَذَا الخبر عن المغيرة وقالوا: مسح عَلَى الخفين)) (١). وَقَالَ النسائي: ((ما نعلم أن أحداً تابع أبا قيس عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة، وَالصَّحِيْح عن المغيرة: أن النَّبِيّ ﷺ مسح عَلَى الخفين، والله أعلم)) (٢). وَقَالَ أبو داود: ((كَانَ عَبْد الرحمان بن مهدي لا يحدّث بهذا الْحَدِيْث؛ لأن المعروف عن المغيرة أن النَّبِيّ ﷺ مسح عَلَى الخفين)) (٣). وَقَالَ ابن المبارك: ((عرضت هَذَا الْحَدِيْث - يعني حَدِيْث المغيرة من رِوَايَة أبي قيس - عَلَى الثوري فَقَالَ: لَمْ يجئ بِهِ غَيْره، فعسى أن يَكُوْن وهماً)) (٤). وذكر البيهقي حَدِيْث المغيرة هَذَا وَقَالَ: ((إنه حَدِيْث منكر ضعّفه سفيان الثوري، وعبد الرحمان بن مهدي، وأحمد بن حَنْبَل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومسلم بن الحجاج، والمعروف عن المغيرة حَدِيْث المسح عَلَى الخفين)) (٥). قَالَ الإمام النووي: ((وهؤلاء هم أعلام أئمة الْحَدِيْث وإن كَانَ الترمذي قَالَ: حَدِيْث حسن [صَحِيْح] فهؤلاء مقدمون عَلَيْهِ، بَلْ كُلّ واحد من هؤلاء لَوْ انفرد قدم عَلَى الترمذي باتفاق أهل الْمَعْرِفَة)) (٦). وَقَالَ المباركفوري: ((أكثر الأئمة من أهل الْحَدِيْث حكموا عَلَى هَذَا الْحَدِيْث بأنه ضعيف)) (٧). فحكم نقاد الْحَدِيْث وجهابذة هَذَا الفن عَلَى هَذَا الْحَدِيْث بالرد لتفرد أبي قيس بِهِ لَمْ يَكُنْ أمراً اعتباطياً، وإنما هُوَ نتيجة عن النظر الثاقب والبحث الدقيق والموازنة التامة بَيْنَ الطرق والروايات؛ إِذْ إن هَذَا الْحَدِيْث قَدْ رَوَاهُ الجم الغفير عن المغيرة بن شعبة، وذكروا المسح عَلَى الخفين، وهم: ١ - أبو إدريس (٨) الخولاني (٩).

стр. 107

٢ - الأسود (١) بن هلال (٢). ٣ - أبو أمامة (٣) الباهلي (٤). ٤ - بشر (٥) بن قحيف (٦). ٥ - بكر (٧) بن عَبْد الله المزني (٨). ٦ - جبير (٩) بن حية الثقفي (١٠). ٧ - الحسن البصري (١١). ٨ - حمزة (١٢) بن المغيرة بن شعبة (١٣).

стр. 108

٩ - زرارة (١) بن أوفى (٢). ١٠ - الزهري (٣). ١١ - زياد (٤) بن علاقة (٥). ١٢ - أبو السائب (٦)، مولى هشام بن زهرة (٧). ١٣ - سالم (٨) بن أبي الجعد (٩). ١٤ - سعد (١٠) بن عبيدة (١١). ١٥ - أبو سفيان (١٢): طلحة بن نافع (١٣).

стр. 109

١٦ - أبو سلمة (١). ١٧ - أبو الضحى (٢) مُسْلِم بن صبيح (٣). ١٨ - عامر بن شراحيل الشعبي (٤). ١٩ - عباد (٥) بن زياد (٦). ٢٠ - عَبْد الرحمان (٧) بن أبي نُعْم (٨). ٢١ - عروة (٩) بن المغيرة بن شعبة (١٠).

стр. 110

٢٢ - عروة بن الزبير (١). ٢٣ - علي (٢) بن ربيعة الوالِبي (٣). ٢٤ - عمرو (٤) بن وهب الثقفي (٥). ٢٥ - فضالة (٦) بن عمير، أو عبيد الزهراني (٧). ٢٦ - قَبِيصة (٨) بن بُرْمة (٩).

стр. 111

٢٧ - قتادة بن دعامة (١). ٢٨ - مُحَمَّد بن سيرين (٢). ٢٩ - مسروق (٣) بن الأجدع (٤). ٣٠ - هزيل بن شرحبيل (٥). ٣١ - أَبُو (٦) وائل (٧). ٣٢ - وَرّاد (٨): كاتب المغيرة (٩). ٣٣ - وغيرهم (١٠).

стр. 112

أقول: إن اجتماع هَذِهِ الكثرة الكاثرة عَلَى خلاف حَدِيْث أبي قيس ريبةٌ قويةٌ تجعل الناقد يجزم بخطأ أبي قيس؛ فعلى هَذَا فإن رِوَايَة أبي قيس معلولة بتفرده الشديد. قَالَ المباركفوري: ((الناس كلهم رووا عن المغيرة بلفظ: ((مسح عَلَى الخفين)) وأبو قيس يخالفهم جميعاً)) (١). وَقَدْ تكلف الشيخ أحمد شاكر فذكر إنهما واقعتان (٢)، وَهُوَ بعيد إِذْ إنهما لَوْ كانا واقعتين لرواه جمع عن المغيرة كَمَا روي عَنْهُ المسح عَلَى الخفين. ومما يقوي الجزم بإعلال حَدِيْث أبي قيس بالتفرد أنه لَمْ يرد مرفوعاً بأحاديث توازي أحاديث المسح عَلَى الخفين، فسيأتي إنه لَمْ يرد إلا من حَدِيْث أبي موسى وثوبان وبلال، وفي كُلّ واحد مِنْهَا مقال. أما أحاديث المسح عَلَى الخفين فهو متواتر عن النَّبِيّ ﷺ وَقَدْ رَوَاهُ عن النَّبِيّ ﷺ أكثر من ستة وستين نفساً ذكرهم الكتاني (٣). وَقَدْ أسند ابن المنذر (٤) إلى الحسن البصري قَالَ: ((حَدَّثَنِي سبعون من أصحاب النَّبِيّ ﷺ أنه ﵇: مسح عَلَى الخفين)) (٥).

стр. 113

أثر حَدِيْث أبي قيس في اختلاف الفقهاء (حكم المسح عَلَى الجوربين) اختلف الفقهاء في جواز المسح عَلَى الجوربين عَلَى مذاهب: المذهب الأول: ذهب فريق من الفقهاء إلى جواز المسح عَلَى الجوربين، روي هَذَا عن: علي (١) بن أبي طالب (٢)، وعمار (٣) بن ياسر (٤)، وأبي (٥) مسعود (٦)، وأنس بن مالك (٧)،

стр. 114

وعبد الله بن عمر (١)، والبراء (٢) بن عازب (٣)، وبلال (٤) بن رباح (٥)، وأبي أمامة (٦)، وسهل (٧) بن سعد (٨). وَهُوَ مروي عن: نافع (٩) وعطاء (١٠)، وإبراهيم النخعي (١١)، وسعيد (١٢) بن جبير (١٣)، وسفيان الثوري (١٤)، وعبد الله بن المبارك (١٥).

стр. 115

وإليه ذهب: داود (١) (٢)، وابن حزم (٣). وذهب بعض الفقهاء إلى جواز المسح عَلَى الجوربين إلا أنهم اشترطوا أن يَكُوْن الجوربان صفيقين. وَهُوَ مروي عن سعيد بن المسيب (٤)، وإليه ذهب أبو حَنِيْفَة (٥)، والشافعي (٦)، وأحمد (٧). وَقَالَ الإمام مالك بالجواز إذا كَانَ أسفلهما مخرزاً بجلد (٨). المذهب الثاني: وَهُوَ عدم الجواز، وَهُوَ مروي عن: مجاهد، وعمرو بن دينار (٩)، والحسن بن مُسْلِم (١٠)، وعطاء في آخر قوليه (١١)، والأوزاعي (١٢). وَهُوَ المشهور عن مالك (١٣). واحتج من قَالَ بالجواز مطلقاً بحديث أبي قيس السابق، وَقَدْ تقدم ما فِيهِ،

стр. 116

واحتجوا كذلك: ١ - بما روي عن أبي موسى الأشعري؛ أن رَسُوْل الله ﷺ توضأ ومسح عَلَى الجوربين والنعلين. رَوَاهُ: ابن ماجه (١)، والطحاوي (٢)، والبيهقي (٣). ويجاب عَنْهُ: بأنه ضعيف؛ لأن في سنده عيسى بن سنان الحنفي، وفيه مقال (٤)، ثُمَّ إن أبا داود قَدْ حكم عَلَى هَذَا الْحَدِيْث بالانقطاع (٥)، وبيّن البيهقي هَذَا الانقطاع وَهُوَ أن الضحاك بن عَبْد الرحمان (٦) لم يثبت سماعه من أبي موسى (٧). ٢ - واحتجوا بما ورد عن راشد بن سعد (٨)، عن ثوبان قَالَ: بعث رَسُوْل الله ﷺ سرية فأصابهم البرد فلما قدموا عَلَى النَّبِيّ ﷺ شكوا إِلَيْهِ ما أصابهم من البرد فأمرهم أن يمسحوا عَلَى العصائب والتساخين. أخرجه: الإمام أحمد (٩)، وأبو داود (١٠)، والطبراني (١١)، وأبو (١٢) عبيد (١٣)، والحاكم (١٤)، والبيهقي (١٥)، والبغوي (١٦).

стр. 117

قَالَ الْحَاكِم: ((هَذَا حَدِيْث صَحِيْح عَلَى شرط مُسْلِم)) (١). وتعقبه الذهبي في السير بقوله: ((خطأ: فإن الشيخين ما احتجا براشد، ولا ثور (٢) من شرط مُسْلِم)) (٣). إلا أن الذهبي أورد الْحَدِيْث من طريق أبي داود وَقَالَ: ((إسناده قويٌّ)) (٤). لَكِنْ أعلَّ بعض أهل العلم هَذَا الْحَدِيْث بالانقطاع فَقَدْ قَالَ ابن أبي حاتم: ((أنبأنا عَبْد الله بن أحمد بن حَنْبَل (٥) فِيْمَا كتب إليَّ قَالَ: قَالَ أحمد - يعني ابن حَنْبَل -: راشد ابن سعد لَمْ يَسْمَع من ثوبان)) (٦). وَقَالَ الحافظ ابن حجر: ((قَالَ أبو حاتم: والحربي لَمْ يَسْمَع من ثوبان وَقَالَ

стр. 118

الخلال (١) عن أحمد: لا ينبغي أن يَكُوْن سَمِعَ مِنْهُ)) (٢). لَكِنْ يجاب عن هَذَا الحكم بالانقطاع أن الإمام البخاري قَدْ أثبت سَمَاع راشد من ثوبان فَقَالَ: ((سَمِعَ ثوبان)) (٣). واعترض عَلَى معنى الْحَدِيْث فإن من احتج بِهِ ذكر أن التساخين عِنْدَ بعض أهل اللغة هِيَ كُلّ ما يسخن بِهِ القدم من خف وجورب (٤). ويجاب عن هَذَا بأن المعجمات اللغوية وكتب غريب الْحَدِيْث أوردت للتساخين ثلاثة تفاسير: الأول: إنها الخفاف وَقَدْ اقتصرت كثير من المعجمات عَلَى ذَلِكَ. الثاني: كُلّ ما يُسَخَّن القدم من خفٍّ وجورب ونحوه. الثالث: إنها هِيَ تعريب ((تَشْكَن)) وَهُوَ اسم غطاء من أغطية الرأس نقله ابن الأثير عن حمزة الأصفهاني في كتابه "الموازنة"، ويرى أن تفسيره بالخف وهم من اللغويين العرب حَيْثُ لَمْ يعرفوا فارسيته. فاللغويون غَيْر متفقين عَلَى تفسير التساخين بالخفاف بَلْ حمزة الأصفهاني يراه وهماً والتفسير الثاني للتساخين عام يدخل فِيْهِ التفسير الأول (٥). فعلى هَذَا يَكُوْن تفسير التساخين بالجواريب بعيد جداً، ولا يوجد ذَلِكَ في معاجم اللغة، والذين ذكروا ذَلِكَ أدخلوه في عموم التفسير الثاني للتساخين. ٣ - واحتجوا أَيْضاً بما روي عن أنس بن مالك، قَالَ: ((رأيت رَسُوْل الله ﷺ يمسح عَلَى الجوربين عليهما النعلان)). أخرجه الْخَطِيْب (٦).

стр. 119

وأجيب: بأن سند هَذَا الْحَدِيْث تالف لأن فِيْهِ موسى بن عَبْد الله الطويل (١)، قَالَ ابن حبان: ((رَوَى عن أنس أشياء موضوعة)). وَقَالَ ابن عدي: ((رَوَى عن أنس مناكير، وَهُوَ مجهول)) (٢). لَكِنْ روي مثل هَذَا الْحَدِيْث من فعل أنس، فَقَدْ رَوَى: عَبْد الرزاق (٣)، وابن أبي شيبة (٤)، والدولابي (٥)، والبيهقي (٦)، عن الأزرق بن قيس (٧)، قَالَ: رأيت أنس بن مالك أَحَدَثَ فغسل وجهه ويديه، ومسح عَلَى جوربين من صوف، فقلت: أتمسح عليهما؟ فَقَالَ: إنهما خفان، ولكنهما من صوف)) (٨). قَالَ العلامة أحمد شاكر: ((هَذَا إسناد صَحِيْح)) (٩)، ثُمَّ قَالَ: ((هَذَا الْحَدِيْث موقوف عَلَى أنس، من فعله وقوله. ولكن وجه الحجة فِيْهِ أنه لَمْ يكتفِ بالفعل، بَلْ صرح بأن الجوربين: ((خفان، ولكنهما من صوف)).وأنس بن مالك صحابيٌّ من أهل اللغة، قَبْلَ دخول العجمة واختلاط الألسنة، فهو يبين أن معنى (الخف) أعم من أن يَكُوْن من الجلد وحده، وأنه يشمل كُلّ ما يستر القدم ويمنع وصول الماء إِلَيْهَا؛ إِذْ إن الخفاف كانت في الأغلب من الجلد، فأبان أنس أن هَذَا الغالب ليس حصراً للخف في أن يَكُوْن من الجلد. وأزال الوهم الَّذِيْ قَدْ يدخل عَلَى الناس من واقع الأمر في الخفاف إِذْ ذاك. وَلَمْ يأت دليل من الشارع يدل عَلَى حصر الخفاف في الَّتِيْ تكون من الجلد فَقَطْ)) (١٠). وهذا الفهم المستنبط من فعل أنس ﵁ فيه رد عَلَى من اشترط الصفاقة أو التجليد أَوْ التنعيل للجوربين، وَقَدْ شدد ابن حزم النكير عَلَى من اشترط ذَلِكَ فَقَالَ: ((إنه

стр. 120

خطأ لا معنى لَهُ؛ لأنه لَمْ يأتِ بِهِ قرآن ولا سنة ولا قياس ولا قَوْل صاحب)) (١). وَقَدْ بوّب ابن أبي شيبة في كتابه "المصنف" (٢) باباً سماه: ((من قَالَ الجوربان بمنْزلة الخفين))، ونقل في ذَلِكَ آثاراً عن ابن عمر وعطاء ونافع والحسن. ونستخلص مما تقدم: بأن الأصل هُوَ غسل الرجلين كَمَا هُوَ ظاهر القرآن، والعدول عَنْهُ لا يجوز إلا بأحاديث صحيحة كأحاديث المسح عَلَى الخفين، لذا جاز عِنْدَ جماهير أهل العلم العدول عن غسل الرجلين إلى المسح عَلَى الخفين، أما أحاديث المسح عَلَى الجوربين ففي صحتها كلام كَمَا سبق، فكيف يعدل عن غسل القدمين إلى المسح عَلَى الجوربين مطلقاً، وإلى هَذَا الفهم ذهب الإمام مُسْلِم بقوله: ((لا يترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهزيل)) (٣). فلأجل هَذَا فإن عدداً من أهل العلم اشترطوا لجواز المسح عَلَى الجوربين قيوداً ليكونا في معنى الخفين، ويدخل الجوربان في معنى الخفين، فرأى بعضهم أن الجوربين إذا كانا مجلدين كانا في معنى الخفين، ورأى بعضهم أنهما إذا كانا منعلين كانا في معناهما، وعند بعضهم أنهما إذا كانا صفيقين ثخينين كَانَا في معناهما (٤). والذي أميل إِلَيْهِ أن الجوربين إذا كانا ثخينين فهما في معنى الخفين يجوز المسح عليهما، أما إذا كانا رقيقين فهما ليسا في معنى الخفين، وفي جواز المسح عليهما تأمل، والله أعلم.

стр. 121

الفصل الثاني الاختلاف في الْمَتْن وفيه تسعة مباحث: المبحث الأول: رِوَايَة الْحَدِيْث بالمعنى، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء. المبحث الثاني: مخالفة الْحَدِيْث للقرآن، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء. المبحث الثالث: مخالفة الْحَدِيْث لحديث أقوى مِنْهُ، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء. المبحث الرابع: مخالفة الْحَدِيْث لفتيا روايه، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء. المبحث الخامس: مخالفة الْحَدِيْث للقياس، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء. المبحث السادس: مخالفة الْحَدِيْث لعمل أهل المدينة، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء. المبحث السابع: مخالفة الْحَدِيْث للقواعد العامة، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء. المبحث الثامن: اختلاف الْحَدِيْث بسبب الاختصار، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء. المبحث التاسع: ورود خبر الآحاد فِيْمَا تعم بِهِ البلوى، وأثره في اختلاف الفقهاء.

стр. 122

المبحث الأول رِوَايَة الْحَدِيْث بالمعنى خلق الله الجنس البشري متفاوتاً في قدراته، وما وهبه لَهُ بمنّه وفضله، وَقَدْ أثّر هَذَا التفاوت عَلَى قدرات الناس في الحفظ، فإنّك تجد الحَافِظ الَّذِي لا يكاد يخطئ إلا قليلاً، وتجد الرَّاوِي الكثير الخطأ، ومن ثَمَّ تجد بَيْنَ الرُّوَاة مَنْ يؤدي لفظ الْحَدِيْث كَمَا سمعه، ومنهم مَنْ يحفظ المضمون ولا يتقيد باللفظ، وَهُوَ ما نسميه "الرِّوَايَة بالمعنى" وفي جواز أداء الْحَدِيْث بِهَا خلافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاء عَلَى اثني عشر قولاً (١): الأول: التفرقة بَيْنَ الألفاظ الَّتِي لا مجال فِيْهَا للتأويل وبَيْنَ الألفاظ الَّتِي تحتمل التأويل، فجوزت الرِّوَايَة بالمعنى في الأول دُوْنَ الثاني. حكاه أبو الْحُسَيْن بن القطان (٢) عن بَعْض الشافعية، وَعَلَيْهِ جرى الكِيَا الطبري (٣) مِنْهُمْ (٤). الثاني: جواز الرِّوَايَة بالمعنى في الأحاديث الَّتِي تشتمل عَلَى الأوامر والنواهي، وأما إذا كَانَ اللفظ خفي المعنى محتملاً لعدة معانٍ فَلاَ تجوز. ويستوي في هَذَا الحكم الصَّحَابِيّ وغيره (٥). الثَّالث: المنع مطلقاً من الرِّوَايَة بالمعنى، وتعين أداء لفظ الْحَدِيْث. وبه قَالَ عَبْد الله بن عمر (٦)، وابن سيرين (٧)، وأبو بكر الرازي (٨) الجصّاص (٩)، وأبو إسحاق (١٠)

стр. 123

الإسفراييني (١)، وبه قَالَ الظاهرية (٢)، وثعلب (٣) من النحويين (٤)، وَهُوَ الأشهر من مذهب مالك (٥). الرابع: من يحفظ اللفظ والمعنى لا تجوز لَهُ الرِّوَايَة بالمعنى، ومن كَانَ يستحضر المعنى دُوْنَ اللفظ جازت روايته بالمعنى. وبه جزم الماورديُّ (٦)، فَقَالَ: ((والذي أراه: أنَّهُ إن كَانَ يحفظ اللفظ لَمْ يَجُزْ أن يرويه بغير ألفاظه؛ لأن في كلام رَسُوْل الله ﷺ من الفصاحة ما لا يوجد في كلام غيره، وإن لَمْ يحفظ اللفظ جاز أن يورد معناه بغير لفظه؛ لأن الرَّاوِي قَدْ تحمّل أمرين: اللفظ والمعنى، فإن قدر عَلَيْهِمَا لزمه أداؤهما، وإن عجز عن اللفظ وقدر عَلَى المعنى لزمه أداؤه لئلاّ يَكُوْن مقصراً في نقل ما تحمل)) (٧). الخامس: عكس المذهب الَّذِي قبله، فإن كَانَ يستحضر اللفظ جاز لَهُ الرِّوَايَة بالمعنى، وإن لَمْ يَكُنْ حافظاً للفظ لَمْ يَجُزْ لَهُ الاقتصار عَلَى المعنى، إذ لربما زاد فِيْهِ ما لَيْسَ مِنْهُ. السادس: جواز الرِّوَايَة بالمعنى بشرط إبدال المترادفات ببعضها مَعَ الإبقاء عَلَى تركيب الكلام؛ خوفاً من دخول الخلل عِنْدَ تغيير التركيب (٨).

стр. 124

السابع: إذا أورد الرَّاوِي الْحَدِيْث قاصداً الاحتجاج أو الفتوى جاز لَهُ الرِّوَايَة بالمعنى، وإن أورده بقصد الرِّوَايَة لَمْ يَجُزْ لَهُ إلا أداؤه بلفظه، وبه قَالَ ابن حزم (١). الثامن: جواز الرِّوَايَة بالمعنى للصحابة حصراً، ولا تجوز لغيرهم (٢)، وإليه مال القرطبي (٣). التاسع: تجوز الرِّوَايَة بالمعنى للصحابة والتابعين دُوْنَ غيرهم (٤). وبه قَالَ أبو بكر الحفيد في كتابه "أدب الرِّوَايَة" (٥). العاشر: تجوز الرِّوَايَة بالمعنى فِيْمَا يوجب العِلْم، ولا تجوز فِيْمَا يوجب العمل، وَهُوَ وجه للشافعية (٦). الحادي عشر: تجوز الرِّوَايَة بالمعنى في الأحاديث الطوال، ولا تجوز في القصار، حكاه بعضهم عن الْقَاضِي عَبْد الوهاب (٧) المالكي (٨). الثاني عشر: قَالَ جمهور الْعُلَمَاء من الفقهاء والمحدّثين وأهل الأصول بجواز الرِّوَايَة بالمعنى بشروط وضعوها لِذَلِكَ (٩)، وهذا هُوَ القول الراجح - إن شاء الله -. وبناءً عَلَى ذَلِكَ فإن بَعْض الرُّوَاة قَدْ يسوّغ لنفسه رِوَايَة الْحَدِيْث بالمعنى عَلَى وجه يظن أنَّهُ أدى المطلوب مِنْهُ، وَلَكِنْ بمقارنة روايات غَيْره يظهر قصوره في تأدية المعنى. النموذج الأول: حكم الصَّلاَة عَلَى الجنازة في المسجد اختلف الفقهاء في حكم الصَّلاَة عَلَى الجنازة في المسجد عَلَى أربعة مذاهب: الأول: الصَّلاَة عَلَى الميت داخل المسجد الَّذِي تقام فِيْهِ الجماعة مكروهة كراهة

стр. 125

تحريم سواء كَانَ الميت والمصلين في المسجد، أو كَانَ الميت خارج المسجد والقوم داخله، أو كَانَ الميت داخل المسجد والقوم خارجه، وبه قَالَ الحنفية (١). وَقَالَ بَعْض فقهائهم: الكراهة للتنزيه (٢). واستثنى أبو يوسف ﵀ المسجد الَّذِي بني أصلاً للصلاة عَلَى الجنائز، فَلاَ تكره الصَّلاَة فِيْهِ (٣). ولهم رِوَايَة: أن الميت إذا كَانَ خارج المسجد لَمْ تكره، وهذا راجع لاختلافهم في تعيين علة الكراهية، هل هِيَ خوف تلويث المسجد أم أن المساجد وجدت لصلاة المكتوبات (٤)؟ فمن قَالَ بالثانية -وهم جمهور فقهاء الحنفية- أبقى الكراهة في كُلّ الأحوال، ومن جعل العلة خوف تلوث المسجد نفى الكراهة، إذا كَانَ الميت خارج المسجد، وعلى هَذَا تُخَرَّج هَذِهِ الرِّوَايَة، وإليه مال في المبسوط (٥) والمحيط، قَالَ ابن عابدين (٦): ((وَعَلَيْهِ العمل وَهُوَ المختار)) (٧). وبه قَالَ أيضاً: مالك (٨) وابن أبي ذئب (٩) والهادوية من الزيدية (١٠). الثاني: أن الكراهة للتنزيه، ولا بأس في أن يصلي عَلَى الجنازة من في المسجد إذا كَانَ الميت خارجه بصلاة الإمام، وكذا إذا ضاق خارج المسجد بأهله، وبه قَالَ مالك في المَشْهُوْر عَنْهُ (١١).

стр. 126

الثالث: تسن الصَّلاَة عَلَى الميت داخل المسجد وَهُوَ الأفضل، إذا أمن تلويثه، فإن خيف حرمت. وبه قَالَ الشافعية (١)، والظاهرية (٢). الرابع: إباحة الصَّلاَة عَلَى الميت في المسجد عِنْدَ أمن المحذور وَهُوَ تلوث المسجد، وبه قَالَ الحنابلة (٣)، والإمامية (٤)، وَهُوَ رِوَايَة المدنيين عن مالك، وبه قَالَ ابن حبيب (٥) المالكي (٦). واستدل أصحاب المذهبين الأولين بِمَا روي من طريق ابن أبي ذئب، عن صالح بن نبهان (٧) مولى التوأمة، عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعاً: ((من صلى عَلَى جنازة في المسجد فَلاَ شيء لَهُ)). واختلف عَلَى ابن أبي ذئب في لفظه، فرواه: أبو داود الطيالسي (٨) ومعمر (٩) وسفيان الثوري (١٠) وحفص بن غياث (١١) وعلي ابن الجعد (١٢)، ومعن (١٣) بن

стр. 127

عيسى (١) عَنْهُ بهذا اللفظ. ورواه وكيع (٢) عَنْهُ، بلفظ: ((فليس لَهُ شيء)). ورواه يَحْيَى بن سعيد (٣) عَنْهُ، بلفظ: ((فَلاَ شيء عَلَيْهِ)). ورواه ابن الجعد، عن الثوري (٤)، عن ابن أبي ذئب، بلفظ: ((فليس لَهُ أجر)). وهذا كله من تصرف الرُّوَاة بألفاظ الْحَدِيْث وروايتهم بالمعنى (٥). وأعل الْحَدِيْث كَذَلِكَ باختلاط صالح مولى التوأمة (٦)، وأجيب: بأن رِوَايَة ابن أبي ذئب عَنْهُ قَبْلَ الاختلاط (٧). النموذج الثاني: حَدِيْث أبي هُرَيْرَةَ ﷺ أنَّ رَسُوْل الله ﷺ قَالَ: ((إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتِمّوا)) (٨). وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيْث عن أبي هُرَيْرَةَ ستة من التابعين، وحصل خلاف في لفظه عَلَى النحو الآتي:

стр. 128

- عَبْد الرَّحْمَان بن يعقوب الحرقي. ولَمْ يختلف عَلَى ابنه فِيْهِ. رَوَاهُ عَنْهُ بلفظ ((فأتموا))، أخرجه مالك (١)، ومن طريقه الشافعي (٢) وأحمد (٣) والبخاري في القراءة خلف الإمام (٤) والطحاوي (٥). وأخرجه من غَيْر طريق مالك: البخاري في القراءة (٦) ومسلم (٧). - مُحَمَّد بن سيرين. وَلَمْ يختلف عَلَيْهِ فِيْهِ، رَوَاهُ بلفظ: ((فاقضوا)). وأخرج روايته أحمد (٨) والبخاري في القراءة (٩) ومسلم في الصَّحِيْح (١٠). - أبو رافع (١١). وَلَمْ يختلف عَلَيْهِ فِيْهِ، رَوَاهُ بلفظ: ((فاقضوا)). وروايته عِنْدَ أحمد (١٢). - همام بن منبه (١٣). رَوَاهُ عَنْهُ عَبْد الرزاق (١٤) ومن طريقه مُسْلِم (١٥) وأبو عوانة (١٦) والبيهقي (١٧) بلفظ: ((فأتموا)). ورواه أحمد (١٨) عن عَبْد الرزاق بلفظ: ((فاقضوا)). - أبو سلمة بن عَبْد الرَّحْمَان بن عوف. واختلف عَلَيْهِ في لفظه: مِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ بلفظ: ((فأتموا))، وممن رَوَاهُ عَلَى هَذَا الوجه:

стр. 129

١ - الزهري: ورواه عَنْهُ: مُحَمَّد بن أبي حفصة (١)، عِنْدَ أحمد (٢). عُقيل بن خالد الأيلي، عِنْدَ أحمد (٣) والبخاري في القراءة (٤). شعيب بن أبي حمزة، وروايته أخرجها البُخَارِيّ (٥). يَحْيَى بن سعيد الأنصاري (٦)، عِنْدَ البُخَارِيّ في القراءة (٧). يزيد بن الهاد، كَمَا أخرجها البُخَارِيّ في القراءة (٨). يونس بن يزيد الأيلي، وروايته عِنْدَ مُسْلِم (٩) وأبي داود (١٠). معمر بن راشد الأزدي، عِنْدَ التِّرْمِذِيّ (١١). ٢ - عمر بن أبي سلمة (١٢)، رَوَاهُ عَنْهُ: سعد بن إبراهيم (١٣)، عِنْدَ ابن أبي شيبة (١٤) وأحمد (١٥).

стр. 130

أبو عوانة الوضاح بن عَبْد الله (١)، عِنْدَ أحمد (٢). ومِنْهُمْ من رَوَاهُ عَنْهُ بلفظ: ((فاقضوا))، وممن رَوَاهُ عَلَى هَذَا اللفظ: ١ - الزهري، ورواه عَنْهُ: يونس بن يزيد الأيلي، عِنْدَ البُخَارِيّ في القراءة (٣). سليمان (٤) بن كَثِيْر العبدي، عِنْدَ البخاري في القراءة (٥). ٢ - عمر بن أبي سلمة، رَوَاهُ عَنْهُ: سعد بن إبراهيم، عِنْدَ عَبْد الرزاق (٦) ومن طريقه أحمد (٧). ٣ - سعد بن إبراهيم، عِنْدَ الطيالسي (٨) وأحمد (٩) وأبي داود (١٠). - سعيد بن المسيب. واختلف عَلَيْهِ في لفظه، مِنْهُمْ مَن رَوَاهُ عَنْهُ بلفظ: ((فأتموا))، وممن رَوَاهُ عَنْهُ عَلَى هَذَا الوجه: ١ - الزهري، رَوَاهُ عَنْهُ: معمر بن راشد، عِنْدَ عَبْد الرزاق (١١) ومن طريقه أحمد (١٢) والترمذي (١٣). سُفْيَان بن عيينة، في رِوَايَة الدارمي (١٤) من طريق أبي نُعَيْم عَنْهُ. وروي أيضاً عَنْهُ بلفظ: ((فاقضوا))، رَوَاهُ عَنْهُ: ١ - الزهري، ورواه عن الزهري سُفْيَان بن عيينة في رِوَايَة جمع من الحفاظ عَنْهُ،

стр. 131

وهم: عَلِيّ بن المديني، عِنْدَ البُخَارِيّ في القراءة (١). أبو نُعَيْم الفضل بن دكين (٢)، في رِوَايَة البُخَارِيّ في القراءة (٣). الحميدي عَبْد الله بن الزبير، كَمَا في مسنده (٤). ابن أبي شيبة، في مصنفه (٥)، ومن طريقه مُسْلِم (٦). أحمد بن حنبل، في مسنده (٧). ابن أبي عمر العدني (٨)، عِنْدَ الترمذي (٩). عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عَبْد الرحمان (١٠) عِنْدَ النسائي (١١). زهير بن حرب، عِنْدَ مُسْلِم (١٢).

стр. 132

عَمْرو الناقد (١)، عِنْدَ مُسْلِم (٢). - أبو سلمة وسعيد بن المسيب مقرونين، واختلف عَلَيْهِمَا فِيْهِ، فرواه ابن أبي ذئب عن الزهري، واختلف فِيْهِ: فرواه حماد عن ابن أبي ذئب بلفظ: ((فاقضوا))، هكذا رَوَاهُ أحمد (٣)، وتابع حماداً آدمُ بن أبي إياس (٤) عِنْدَ البُخَارِيّ في القراءة (٥). ورواه ابن أبي فديك (٦) عن ابن أبي ذئب بلفظ: ((فأتموا))، أخرجه الشَّافِعِيّ (٧)، وتابع ابن أبي فديك أبو النضر (٨) عِنْدَ أحمد (٩). وتابع ابن أبي ذئب في روايته الثانية، إبراهيم بن سعد، عِنْدَ مُسْلِم (١٠) وابن ماجه (١١). وهكذا نجد أنّ الرِّوَايَة بالمعنى أثرت في صياغة الرُّوَاة لمتن الْحَدِيْث، أو المحافظة عَلَى نصه، لِذَا نجد الحَافِظ ابن حجر يلجأ إِلَى الترجيح بالكثرة خروجاً من

стр. 133

الخلاف الَّذِي ولَّدَتْهُ الرِّوَايَة بالمعنى، فَقَالَ: ((الحاصل أنّ أكثر الروايات وردت بلفظ: ((فأتموا))، وأقلها بلفظ: ((فاقضوا)) ...)) (١). ويمعن أكثر في الترجيح، فَيَقُوْلُ: ((قوله: وما فاتكم فأتموا، أي: فاكملوا: هَذَا هُوَ الصَّحِيْح في رِوَايَة الزهري، ورواه عَنْهُ ابن عيينة بلفظ ((فاقضوا))، وحكم مُسْلِم في التمييز (٢) عَلَيْهِ بالوهم في هَذِهِ اللفظة، مَعَ أنَّهُ أخرج إسناده في صَحِيْحه (٣)؛ لَكِنْ لَمْ يسق لفظه، وكذا رَوَى أحمد (٤) عن عَبْد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: ((فاقضوا))، وأخرجه مُسْلِم عن مُحَمَّد بن رافع (٥) عن عَبْد الرزاق بلفظ: ((فأتموا)) (٦). أثر الْحَدِيْث في اختلاف الفقهاء (حكم المسبوق في الصَّلاَة): لا بدَّ لنا قَبْلَ الخوض في تفصيل أحكام المسبوق أن نتعرف عَلَى أحوال المأموم في صلاة ما، وَهُوَ لا يخلو عن ثلاث أحوال: المدرك: وَهُوَ من صلَّى جَمِيْع الصَّلاَة مَعَ الإمام. اللاَّحق: مَن فاتته الركعات كلها أو بعضها مَعَ الإمام عَلَى الرغم من ابتدائه الصَّلاَة مَعَهُ، كأن عرض لَهُ عذر كالنوم أو الزحمة أو غيرها. المسبوق: مَن سبقه الإمام بكل الصَّلاَة أو ببعضها (٧). والذي نودّ التعرف عَلَى حكم إدراكه للصلاة: المسبوق، وَقَد اختلف الفقهاء في أنّ ما أدركه هَلْ هُوَ أول صلاته أم آخر صلاته، وأنّ ما يأتي بِهِ بَعْدَ سلام الإمام هَلْ هُوَ أول صلاته أم أنَّهُ يبني عَلَى ما صلّى فتكون آخر صلاته؟ عَلَى ثلاثة أقوال: القول الأول: أنّ ما أدركه المسبوق مَعَ الإمام هُوَ أول صلاته حكماً وفعلاً، وما يقضيه بَعْدَ سلام الإمام آخر صلاته حكماً وفعلاً.

стр. 134

وروي هَذَا عن: عمر، وعلي، وأبي الدرداء (١)، وعطاء، ومكحول، وعمر بن عَبْد العزيز (٢)، والزهري، وسعيد بن عَبْد العزيز (٣)، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وابن المنذر. وَهُوَ رِوَايَة عن الحسن البصري، وابن سيرين، وأبي قلابة (٤). وإليه ذهب الشافعية (٥) وَهُوَ رِوَايَة عن مالك (٦) وأحمد (٧)، وبه قَالَ الهادوية والقاسمية والمؤيد بالله والزيدية (٨). واحتجوا بِمَا ورد في لفظ حَدِيْث أبي هُرَيْرَةَ: ((فأتموا)). القول الثاني: أنّ ما أدركه المسبوق مَعَ الإمام هُوَ أول صلاته بالنسبة للأفعال، وآخرها بالنسبة للأقوال، بمعنى أنَّهُ يَكُوْن قاضياً في القول بانياً في الفعل. روي هَذَا عن: ابن مسعود، وابن عمر، والنخعي، ومجاهد، والشعبي، وعبيد ابن عمير (٩)، والثوري، والحسن بن صالح (١٠).

стр. 135

وَهُوَ الرِّوَايَة الأخرى عن: الحسن البصري، وابن سيرين، وأبي (١) قلابة (٢). وبه قَالَ الحنفية (٣)، والمشهور من مذهب مالك (٤)، والأشهر في مذهب أحمد (٥)، وظاهر مذهب ابن حزم (٦). واستدلوا بالرواية الأخرى في حَدِيْث أبي هُرَيْرَةَ: ((فاقضوا)). القول الثالث: أنّ ما أدركه المسبوق مَعَ أمامه هُوَ آخر صلاته قولاً وفعلاً، وما بقي أولها. روي هَذَا عن جندب بن عَبْد الله (٧)، وَهُوَ رِوَايَة عن مالك (٨) وأحمد (٩). النموذج الثالث الاختلاف في رِوَايَة حَدِيْث أبي هُرَيْرَةَ في كفارة الإفطار في رَمَضَان اختُلِفَ عَلَى الزهري في رِوَايَة هَذَا الْحَدِيْث، إذ رَوَاهُ بعضهم عن الزهري، عن حميد بن عَبْد الرَّحْمَان (١٠)، عن أبي هُرَيْرَةَ، أنّ رجلاً أفطر في رَمَضَان، فأمره رَسُوْل الله ﷺ أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً، فَقَالَ: لا

стр. 136

أجد فأُتِي رَسُوْل الله ﷺ بعرق تمر، فَقَالَ: ((خذ هَذَا فتصدق بِهِ))، فَقَالَ: ((يا رَسُوْل الله! ما أجد أحداً أحوج إِلَيْهِ مني)) فضحك رَسُوْل الله ﷺ حَتَّى بدت أنيابه، ثُمَّ قَالَ: ((كُلْهُ)). والذي رَوَاهُ بهذه الرِّوَايَة مالك (١)، ويحيى ابن سعيد (٢)، وابن جريج (٣)، وأبو (٤) أويس (٥)، وعبد الله (٦) بن أبي بكر (٧)، وفليح (٨) بن سليمان (٩)، وعمر بن عثمان (١٠) المخزومي (١١)،

стр. 137

ويزيد (١) بن عِيَاض (٢)، و (٣) شبل (٤)، وعبيد الله (٥) بن أبي زياد (٦)، والليث بن سعد في رِوَايَة أشهب بن عَبْد العزيز (٧) عَنْهُ (٨)، وسفيان بن عيينة في رِوَايَة نعيم بن حماد (٩) عَنْهُ (١٠)، وإبراهيم بن سعد في رِوَايَة عمار بن مطر (١١) عَنْهُ (١٢)، كلهم عن الزهري، بِهِ. وروي مِثْل ذَلِكَ من طريق مجاهد (١٣)

стр. 138

ومُحَمَّد (١) بن كعب (٢)، عن أبي هُرَيْرَةَ. وفي هَذِهِ الروايات الكفارة عَلَى التخيير: عتق أو صيام أو إطعام، وخالفهم من هم أكثر مِنْهُمْ عدداً فرووه، عن الزهري، عن حميد بن عَبْد الرَّحْمَان، عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((جاء رجل إِلَى النَّبِيّ ﷺ ، فَقَالَ: هلكت يا رَسُوْل الله، قَالَ: وما أهلكك؟ قَالَ: وقعت عَلَى امرأتي في رَمَضَان ...))، وجعلوا الكفارة فِيْهِ مقيدة بالترتيب، والذي رَوَاهُ بهذا اللفظ سُفْيَان بن عُيَيْنَةَ (٣)، والليث بن سعد (٤)، ومعمر (٥)،

стр. 139

ومنصور بن المعتمر (١)، والأوزاعي (٢)، وشعيب (٣)، وإبراهيم بنسعد (٤)، وعراك (٥) بن مالك (٦)، وعبد الجبار (٧) بن عمر (٨)،

стр. 140

وعبد الرَّحْمَان (١) ابن المسافر (٢)، والنعمان (٣) بن راشد (٤)، وعقيل (٥)، ومُحَمَّد بن أبي حفصة (٦)، ويونس (٧)، وحجاج (٨) بن أرطاة (٩)، وصالح (١٠) بن أبي الأخضر (١١)، ومُحَمَّد بن إسحاق (١٢)، وعبيد الله بن عمر (١٣)، وإسماعيل (١٤) بن أمية (١٥)، ومُحَمَّد (١٦)

стр. 141

بن أبي عتيق (١)، وموسى (٢) بن عقبة (٣)، وعبد الله (٤) بن عيسى (٥)، وهَبَّار (٦) بن عقيل (٧)، وإسحاق بن يَحْيَى (٨) العوضي (٩)، وثابت (١٠) بن ثوبان (١١)، وقرة بن عَبْد الرَّحْمَان (١٢)، وزمعة (١٣) بن صالح (١٤)، وبحر (١٥) السقاء (١٦)، والوليد (١٧) بن مُحَمَّد (١٨)، وشعيب بن

стр. 142

خالد (١)، ونوح (٢) بن أبي مريم (٣)، جميعهم عن الزهري، بِهِ قَالَ البُخَارِيّ: ((وحديث هَؤُلاَءِ أبين)) (٤)،وَكَذَلِكَ هَذِهِ اللفظة في رِوَايَة الوليد بن مُسْلِم، عن مالك والليث (٥)، وفي رِوَايَة حماد بن مسعدة (٦) عن مالك (٧)، وتابع هَذِهِ الروايات هشام بن سعد؛ إلاّ أنَّهُ رَوَاهُ عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيْرَةَ (٨)، وروى هَذَا الْحَدِيْث بهذا اللفظ عن أبي هُرَيْرَةَ سعيد بن المسيب (٩) أيضاً.

стр. 143

وَقَالَ البيهقي: ((ورواية الجماعة، عن الزهري مقيدة بالوطء ناقلة للفظ صاحب الشرع أولى بالقبول لزيادة حفظهم، وأدائهم الْحَدِيْث عَلَى وجهه)) (١). أثر حَدِيْث أبي هُرَيْرَةَ في اختلاف الفقهاء اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة عَلَى مَن أفطر عامداً بغير الجماع جمهور الفقهاء (٢) يرون وجوب الكفارة عَلَى مَن جامع عامداً في نهار رَمَضَان؛ وَلَكِنْ حكى العبدري (٣) وغيره: أن سعيد بن جبير (٤)، والشعبي (٥)، ومُحَمَّد بن سيرين (٦)، وقتادة (٧)، والنخعي (٨)، قالوا: لا كفارة عَلَيْهِ في الوطء أو غيره، وذهب الزيدية إِلَى أنّ الكفارة مندوبة (٩). وَلَكِنَّ الفقهاء اختلفوا في الإفطارِ عامداً في رَمَضَان بغير الجماع، هَلْ يوجِب الكفارة أم لا؟ فذهب أبو حَنِيْفَةَ (١٠) إِلَى أنّ الكفارة تجب عَلَى مَن جامع في نهار رَمَضَان وَهُوَ صائم وعلى مَن أفسد صومه بأكل أو شرب ما يتغذى أو يتداوى بِهِ، بمعنى أنّه: متى ما حصل الفطر بِمَا لا يتغذى أو يتداوى بِهِ عادة فعليه القضاء دُوْنَ الكفارة؛ وذلك لأنّ وجوب الكفارة يوجب اكتمال الجناية، والجناية تكتمل بتناول ما يتغذى أو يتداوى بِهِ (١١).

стр. 144

في حِيْن ذهب الحسن (١)، وعطاء (٢)، والزهري (٣)، والأوزاعي (٤)، والثوري (٥)، ومالك (٦)، وعبد الله بن المبارك (٧)، وإسحاق (٨)، وأبو ثور (٩)، أن مَن أفطر عامداً في رَمَضَان بأكل أو شرب أو جماع، فإنّ عَلَيْهِ القضاء والكفارة؛ وذلك لأنهم استدلوا بظاهر لفظ الْحَدِيْث (أنّ رجلاً أفطر في رَمَضَان) فليس فِيْهِ تخصيص فطر بشيء دُوْنَ الآخر كَمَا يمكن قياس الأكل أو الشرب عَلَى الجماع؛ بجامع ما بَيْنَهُمَا من انتهاك لحرمة الصوم (١٠). وذهب سعيد بن المسيب (١١)، والشافعي (١٢)، والصحيح من مذهب أحمد (١٣)، والظاهرية (١٤)، إِلَى عدم وجوب الكفارة عَلَى مَن أفطر عامداً في رَمَضَان إلا عَلَى المجامع، وحملوا الإفطار في الرِّوَايَة الأولى للحديث عَلَى تقييد الرِّوَايَة الثانية بالجماع فَقَطْ. أما القياس، فَقَدْ قَالَ البغوي: ((يختص ذَلِكَ بالجماع؛ لورود الشرع بِهِ، فَلاَ يقاس عَلَيْهِ سائر أنواع الفطر كَمَا لا يقاس عَلَيْهِ سائر أنواع الفطر؛ كَمَا لا يقاس عَلَيْهِ القيء

стр. 145

وابتلاع الحصاة مَعَ استوائهما في بطلان الصوم، ووجوب القضاء)) (١). وفي رِوَايَة عن أحمد: أنَّهُ تجب الكفارة عَلَى المجامع في نهار رَمَضَان عامداً أم ناسياً (٢). ويتفرع عَلَى هَذَا أيضاً اختلاف الفقهاء في الكفارة هَلْ هِيَ عَلَى الترتيب أَمْ عَلَى التخيير؟ اختلف الفقهاء في تحديد الكفارة عَلَى مَن أفطر عامداً في رَمَضَان هَلْ هِيَ مقيدة بالترتيب أم أنها عَلَى التخيير؟ فذهب أبو حَنِيْفَةَ (٣)، والأوزاعي (٤)، والثوري (٥)، والشافعي (٦)، وأحمد في أصح الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ (٧)، إِلَى أنّ الكفارة مقيدة عَلَى الترتيب الوارد في الْحَدِيْث، فهي عتق رقبة، فإن لَمْ يجد فصيام شهرين متتابعين (٨)، فإن لَمْ يستطع، فإطعام ستين مسكيناً، وَهُوَ مذهب الظاهرية (٩)، والزيدية (١٠). في حِيْن ذهب مالك وأصحابه (١١)، وأحمد في رِوَايَة عَنْهُ (١٢) إِلَى أنّ الكفارة عَلَى التخيير، أي: أنَّهُ مخيّر بَيْنَ العتق أو الصيام أو الإطعام بأيِّها كفّر فَقَدْ أوفى، واستدلوا برواية مالك وابن جريج ومَن تابعهم لحديث أبي هُرَيْرَةَ (أمره رَسُوْل الله ﷺ أن يكفر
следующие страницы →