← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1747

أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء

ماهر الفحل

Полный текст (524 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بن أبي عتيق (١)، وموسى (٢) بن عقبة (٣)، وعبد الله (٤) بن عيسى (٥)، وهَبَّار (٦) بن عقيل (٧)، وإسحاق بن يَحْيَى (٨) العوضي (٩)، وثابت (١٠) بن ثوبان (١١)، وقرة بن عَبْد الرَّحْمَان (١٢)، وزمعة (١٣) بن صالح (١٤)، وبحر (١٥) السقاء (١٦)، والوليد (١٧) بن مُحَمَّد (١٨)، وشعيب بن

стр. 142

خالد (١)، ونوح (٢) بن أبي مريم (٣)، جميعهم عن الزهري، بِهِ قَالَ البُخَارِيّ: ((وحديث هَؤُلاَءِ أبين)) (٤)،وَكَذَلِكَ هَذِهِ اللفظة في رِوَايَة الوليد بن مُسْلِم، عن مالك والليث (٥)، وفي رِوَايَة حماد بن مسعدة (٦) عن مالك (٧)، وتابع هَذِهِ الروايات هشام بن سعد؛ إلاّ أنَّهُ رَوَاهُ عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيْرَةَ (٨)، وروى هَذَا الْحَدِيْث بهذا اللفظ عن أبي هُرَيْرَةَ سعيد بن المسيب (٩) أيضاً.

стр. 143

وَقَالَ البيهقي: ((ورواية الجماعة، عن الزهري مقيدة بالوطء ناقلة للفظ صاحب الشرع أولى بالقبول لزيادة حفظهم، وأدائهم الْحَدِيْث عَلَى وجهه)) (١). أثر حَدِيْث أبي هُرَيْرَةَ في اختلاف الفقهاء اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة عَلَى مَن أفطر عامداً بغير الجماع جمهور الفقهاء (٢) يرون وجوب الكفارة عَلَى مَن جامع عامداً في نهار رَمَضَان؛ وَلَكِنْ حكى العبدري (٣) وغيره: أن سعيد بن جبير (٤)، والشعبي (٥)، ومُحَمَّد بن سيرين (٦)، وقتادة (٧)، والنخعي (٨)، قالوا: لا كفارة عَلَيْهِ في الوطء أو غيره، وذهب الزيدية إِلَى أنّ الكفارة مندوبة (٩). وَلَكِنَّ الفقهاء اختلفوا في الإفطارِ عامداً في رَمَضَان بغير الجماع، هَلْ يوجِب الكفارة أم لا؟ فذهب أبو حَنِيْفَةَ (١٠) إِلَى أنّ الكفارة تجب عَلَى مَن جامع في نهار رَمَضَان وَهُوَ صائم وعلى مَن أفسد صومه بأكل أو شرب ما يتغذى أو يتداوى بِهِ، بمعنى أنّه: متى ما حصل الفطر بِمَا لا يتغذى أو يتداوى بِهِ عادة فعليه القضاء دُوْنَ الكفارة؛ وذلك لأنّ وجوب الكفارة يوجب اكتمال الجناية، والجناية تكتمل بتناول ما يتغذى أو يتداوى بِهِ (١١).

стр. 144

في حِيْن ذهب الحسن (١)، وعطاء (٢)، والزهري (٣)، والأوزاعي (٤)، والثوري (٥)، ومالك (٦)، وعبد الله بن المبارك (٧)، وإسحاق (٨)، وأبو ثور (٩)، أن مَن أفطر عامداً في رَمَضَان بأكل أو شرب أو جماع، فإنّ عَلَيْهِ القضاء والكفارة؛ وذلك لأنهم استدلوا بظاهر لفظ الْحَدِيْث (أنّ رجلاً أفطر في رَمَضَان) فليس فِيْهِ تخصيص فطر بشيء دُوْنَ الآخر كَمَا يمكن قياس الأكل أو الشرب عَلَى الجماع؛ بجامع ما بَيْنَهُمَا من انتهاك لحرمة الصوم (١٠). وذهب سعيد بن المسيب (١١)، والشافعي (١٢)، والصحيح من مذهب أحمد (١٣)، والظاهرية (١٤)، إِلَى عدم وجوب الكفارة عَلَى مَن أفطر عامداً في رَمَضَان إلا عَلَى المجامع، وحملوا الإفطار في الرِّوَايَة الأولى للحديث عَلَى تقييد الرِّوَايَة الثانية بالجماع فَقَطْ. أما القياس، فَقَدْ قَالَ البغوي: ((يختص ذَلِكَ بالجماع؛ لورود الشرع بِهِ، فَلاَ يقاس عَلَيْهِ سائر أنواع الفطر كَمَا لا يقاس عَلَيْهِ سائر أنواع الفطر؛ كَمَا لا يقاس عَلَيْهِ القيء

стр. 145

وابتلاع الحصاة مَعَ استوائهما في بطلان الصوم، ووجوب القضاء)) (١). وفي رِوَايَة عن أحمد: أنَّهُ تجب الكفارة عَلَى المجامع في نهار رَمَضَان عامداً أم ناسياً (٢). ويتفرع عَلَى هَذَا أيضاً اختلاف الفقهاء في الكفارة هَلْ هِيَ عَلَى الترتيب أَمْ عَلَى التخيير؟ اختلف الفقهاء في تحديد الكفارة عَلَى مَن أفطر عامداً في رَمَضَان هَلْ هِيَ مقيدة بالترتيب أم أنها عَلَى التخيير؟ فذهب أبو حَنِيْفَةَ (٣)، والأوزاعي (٤)، والثوري (٥)، والشافعي (٦)، وأحمد في أصح الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ (٧)، إِلَى أنّ الكفارة مقيدة عَلَى الترتيب الوارد في الْحَدِيْث، فهي عتق رقبة، فإن لَمْ يجد فصيام شهرين متتابعين (٨)، فإن لَمْ يستطع، فإطعام ستين مسكيناً، وَهُوَ مذهب الظاهرية (٩)، والزيدية (١٠). في حِيْن ذهب مالك وأصحابه (١١)، وأحمد في رِوَايَة عَنْهُ (١٢) إِلَى أنّ الكفارة عَلَى التخيير، أي: أنَّهُ مخيّر بَيْنَ العتق أو الصيام أو الإطعام بأيِّها كفّر فَقَدْ أوفى، واستدلوا برواية مالك وابن جريج ومَن تابعهم لحديث أبي هُرَيْرَةَ (أمره رَسُوْل الله ﷺ أن يكفر

стр. 146

بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً)، و (أو) هنا تقتضي التخيير، واختار مالك الإطعام؛ لأنَّهُ يشبه البدل من الصيام، فَقَالَ مالك: ((الإطعام أحب إليَّ في ذَلِكَ من العتق وغيره)) (١)، وَعَنْهُ في رِوَايَة أخرى - جواباً لسائله -: ((الطعام، لا نعرف غَيْر الطعام لا يأخذ مالك بالعتق ولا بالصيام)) (٢). وذهب الحسن البصري (٣) إِلَى التخيير بَيْنَ العتق، ونحر بدنة، واستدل بحديث أرسله هُوَ ((أنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ في الَّذِي وطئ امرأته في رَمَضَان: رقبة ثُمَّ بدنة)) (٤). وروي عن الشعبي (٥)، والزهري (٦) أنّ مَن أفطر في رَمَضَان عامداً فإنّ عَلَيْهِ عتق رقبة، أو إطعام ستين مسكيناً، أو صيام شهرين متتابعين مَعَ قضاء اليوم. قَالَ ابن عَبْد البر: ((وفي قَوْل الشعبي والزهري ما يقضي لرواية مالك بالتخيير في هَذَا الْحَدِيْث)) (٧). المبحث الثاني مخالفة الْحَدِيْث للقرآن الكريم من المتفق عَلَيْهِ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ أنّ القرآن الكريم من حَيْثُ الثبوت قطعي لا مراء فِيْهِ، في حين أنّ خبر الآحاد لا يعدو كونه ظني الثبوت، إذ إنّ احتمال وجود الخطأ في رِوَايَة الحفاظ الثقات أمر وارد، وَقَدْ قَالَ الإمام أحمد: ((ومن ذا الَّذِي يعرى من التصحيف والخطأ)) (٨). ومع توافر هَذِهِ الشبهة في خبر الآحاد، فإنه لا مجال للقول بقطعية ثبوته؛ لأنّ

стр. 147

((ما فِيْهِ شبهة لا يعارض ما لَيْسَ فِيْهِ شبهة)) (١). ومن ثَمَّ فإنه لا وجه للقول باستوائهما من ناحية الاستدلال، فضلاً عن تعارضهما؛ لذا نجد فقهاء الحنفية (٢) وبعض فقهاء المالكية (٣) عند معارضة خبر الآحاد للقرآن الكريم يوجبون ردّه، أو تأويله عَلَى وجه يجمع بَيْنَهُمَا. ويُعلّلون هَذَا الاشتراط: بأنّ ((خبر الواحد يحتمل الصدق والكذب، والسهو والغلط، والكتاب دليل قاطع، فَلاَ يقبل المحتمل بمعارضة القاطع، بَلْ يخرج عَلَى موافقته بنوع تأويل)) (٤). وبالمقابل فإننا نجد الجُمْهُوْر يلغون هَذَا الاشتراط، ويجوزون تخصيص عموم نصوص الكِتَاب بخبر الواحد عِنْدَ التعارض، كَمَا يجوز تقييد ما أطلق من نصوصه بِهَا (٥)؛ وذلك أنّ الحنفية ومن وافقهم يرون الزيادة عَلَى النص نسخاً (٦)، وكيف يصح رفع المقطوع بالمظنون؟ والجمهور يقولون: إنّ الزيادة عَلَى النص ليست من باب النسخ دائماً (٧)، وإنما قَدْ تَكُوْن بياناً، أو تخصيصاً، أو تقييداً. وفي مسألة البيان لا يشترط تكافؤ الأدلة من حَيْثُ عدد ناقليها. ونستطيع أن نتلمس أثر هَذَا الخلاف في اختلاف الفقهاء من خلال الأمثلة الآتية: النموذج الأول: حَدِيْث فاطمة بنت قيس قالت: ((طلقني زوجي ثلاثاً لَمْ يجعل لي سكنى ولا نفقة، فأتيت رَسُوْل الله ﷺ فذكرت لَهُ ذَلِكَ، فقلت لَهُ: إنَّهُ لَمْ يجعل لي سكنى ولا نفقة، قَالَ: صدق)) (٨).

стр. 148

رَوَاهُ مالك (١)، والشافعي (٢)، وعبد الرزاق (٣)، والحميدي (٤)، وسعيد (٥) بن مَنْصُوْر (٦)، وابن سعد (٧)، وابن الجعد (٨)، وابن أبي شيبة (٩)، وأحمد (١٠)، والدارمي (١١)، ومسلم (١٢)، وأبو داود (١٣)، وابن ماجه (١٤)، والترمذي (١٥)، والنسائي (١٦)، وابن (١٧) الجارود (١٨)، و (١٩) الطبري (٢٠)، والطحاوي (٢١)، وابن حبان (٢٢)، وغيرهم (٢٣).

стр. 149

وَقَد اختلف الفقهاء في المطلقة ثلاثاً (المطلقة غَيْر الرجعية) إذا لَمْ تَكُنْ حاملاً، هَلْ تجب لها النفقة والسكن أم لا؟ عَلَى ثلاثة أقوال: القول الأول: أنّ المطلقة البائن بينونة كبرى غَيْر الحامل تجب لها النفقة والسكنى عَلَى الزوج المُطَلِّق. روي ذَلِكَ عن: عمر، وابن عمر، وابن مسعود، وعائشة (١)، والنخعي، وابن شبرمة (٢)، والثوري، والحسن بن صالح، وعثمان البتي (٣)، وعبيد الله بن الحسن (٤) العنبري (٥). وَهُوَ رِوَايَة عن سعيد بن المسيب (٦). وبه قَالَ الحنفية (٧). واستدلوا: بأنّ الله ﵎ افتتح سورة الطلاق بقوله - جل ذكره -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٨)، فإنّ الخطاب فِيْهَا شامل للمطلقة الرجعية والمبتوتة، فلما قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بآيات: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٩) كان أمراً شاملاً للجميع، فدخلت تحته البائنة والرجعية واستويتا في الحكم من حَيْثُ وجوب السكن (١٠).

стр. 150

وأجابوا عن حَدِيْث فاطمة بأنه مخالف لنص القرآن الصريح، واستناداً إِلَى هَذِهِ المخالفة رد حديثها سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ فروى الطحاوي عَنْهُ أنَّهُ قَالَ: ((لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا ﷺ لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت)) (١). القول الثاني: لَيْسَ للمطلقة المبتوتة الحائل نفقة أيّاً كَانَت ولا سكن. روي ذَلِكَ عن: عَلِيٍّ، وابن عَبَّاسٍ، وجابر (٢)، وطاوس، وعمرو بن ميمون (٣)، والزهري، وعكرمة، وإسحاق، وأبي ثور، وداود (٤). وَهُوَ رِوَايَة عن: الحسن البصري، وعطاء، والشعبي (٥). وإليه ذهب أحمد في المَشْهُوْر من مذهبه (٦)، وبه قَالَت الظاهرية (٧)، والإمامية (٨). واستدلوا بحديث فاطمة، وقالوا: لا تعارض بينه وبين نصوص الكِتَاب، وَهُوَ ((حَدِيْث صَحِيْح صريح في دلالته وأنه يعتبر مخصصاً لعموم آيات الإنفاق والسكن للمعتدات، وَلَيْسَ بمستغرب أن تَكُوْن السنة النبوية مخصصة لعام القرآن أو مقيدة لمطلقه كَمَا هُوَ معروف في أصول الفقه)) (٩). القول الثالث: لها السكن دُوْنَ النفقة. روي هَذَا عن الفقهاء السبعة (١٠)، والأوزاعي، وابن أبي ليلى (١١). وَهُوَ رِوَايَة عن: سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، والشعبي (١٢).

стр. 151

وإليه ذهب المالكية (١) والشافعية (٢)، والزيدية (٣)، وأحمد في رِوَايَة (٤). النموذج الثاني: حكم القضاء باليمين مَعَ الشاهد إذا أقام المدعي نصاب الشهادة كاملاً، وقبل الْقَاضِي مِنْهُمْ شهاداتهم، حكم بِمَا ادّعاه المدعي بلا خلاف بَيْنَ الْعُلَمَاء (٥). وإذا لَمْ يكتمل النصاب وطلب المدَّعِي يمين المدَّعَى عَلَيْهِ، فحلف المدَّعَى عَلَيْهِ سقطت دعوى المدَّعِي؛ لأن اليمين للمدَّعَى عَلَيْهِ بقوله ﵊: ((البَيِّنَة عَلَى المدَّعِي واليمين عَلَى مَن أنكر)) (٦). فإن حلف المدَّعِي فهل تقوم يمينه مقام النقص الحاصل في نصاب الشهادة؟ اتَّفق الفقهاء عَلَى أنَّهُ لا يقضى باليمين، والحالة هَذِهِ في الحدود، واختلفوا فِيْمَا سوى ذَلِكَ عَلَى أربعة مذاهب: الأول: يقضى بالشاهد مَعَ اليمين فِيْمَا سوى الحدود، من غَيْر فرق بَيْنَ القصاص وسائر الحقوق، وبه قَالَ ابن حزم (٧).

стр. 152

الثاني: يقضى بِهِ فِيْمَا سوى الحدود والقصاص، وَهُوَ قَوْل الهادوية (١). الثالث: يقضى بِهِ في الأموال فَقَطْ، روي هَذَا عن الخلفاء الأربعة، وأُبَيّ ابن كعب (٢)، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن مُحَمَّد (٣)، وأبي بكر بن عَبْد الرَّحْمَان (٤)، وخارجة بن زيد (٥)، وعبيد الله بن عَبْد الله بن عتبة (٦)، وسليمان بن يسار (٧)، والحسن، وشريح (٨)، وإياس بن معاوية (٩)، وعلي ابن الْحُسَيْن (١٠)، ومُحَمَّد

стр. 153

الباقر (١)، وربيعة الرأي (٢)، وأبي الزناد، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عُبيد، وداود بن علي. وَهُوَ رِوَايَة عن عروة بن الزبير، وعمر بن عَبْد العزيز، وروي عن ابن سيرين، ويحيى بن يعمر (٣)، والزهري (٤). وإليه ذهب المالكية (٥) والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). وكانت إحدى الحجج المشتركة بَيْنَ هَذِهِ المذاهب ثلاثتها، حَدِيْث: ((أن النَّبِيَّ ﷺ قضى باليمين مَعَ الشاهد)). وسيأتي الكلام عَنْهُ. الرابع: أنَّهُ لا يقضى باليمين مَعَ الشاهد في شيء مطلقاً. روي ذَلِكَ عن الشعبي، والنخعي، وعطاء، والثوري، والأوزاعي، وابن شبرمة، وإبراهيم، والحكم بن عتيبة (٨). وَهُوَ رِوَايَة عن: عروة بن الزبير، والزهري، وعمر بن عَبْد العزيز (٩). وبه قَالَ أبو حَنِيْفَةَ وأصحابه (١٠).

стр. 154

وذكر ابن عَبْد البر أن هَذَا القول لَمْ يرو عن أحد من الصَّحَابَة (١). وأجابوا عن الْحَدِيْث بأنه معارض لنص القرآن الكريم، وَهُوَ قوله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢)، والمانع من العمل بهذا الخبر أنَّهُ آحاد معارض للكتاب العزيز (٣). وأجاب الجُمْهُوْر عن هَذَا الاعتراض بأن هَذَا الْحَدِيْث في أقل تقديراته يَكُوْن مشهوراً، فَقَدْ روي عن عدة من الصَّحَابَة هم: ١ - عَبْد الله بن عَبَّاسٍ: أخرجه الشَّافِعِي (٤) وأحمد (٥) ومسلم (٦) وأبو داود (٧) والنسائي (٨) وابن ماجه (٩) وأبو يعلى (١٠) وابن الجارود (١١) والطحاوي (١٢) والطبراني (١٣) والبيهقي (١٤). ٢ - أبو هُرَيْرَةَ: عِنْدَ الشَّافِعِي (١٥) والترمذي (١٦) وأبي داود (١٧) وابن ماجه (١٨) والطحاوي (١٩). ٣ - جابر بن عَبْد الله: عِنْدَ أحمد (٢٠) وابن ماجه (٢١) وابن الجارود (٢٢) والبيهقي (٢٣). ٤ - سُرَّق (٢٤): عِنْدَ ابن ماجه (٢٥) والبيهقي (٢٦). وَقَدْ روي أيضاً من حَدِيْث: عمر، وعلي، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري (٢٧)،

стр. 155

وزيد ابن ثابت (١)، وابن عَمْرو (٢)، وسعد بن عبادة (٣)، والمغيرة بن شعبة، وبلال بن الحارث (٤)، وعمارة بن حزم (٥)، ومسلمة بن قيس (٦)، وعامر بن ربيعة (٧)، وسهل بن سعد، وتميم الداري (٨)، وأنس، وأم المؤمنين أم سلمة (٩)، وزينب بنت ثعلبة (١٠). وإذا قُلْنَا: إنَّهُ مشهور فإنه يعتبر بياناً للكتاب، ويصح كونه مخصصاً لعام القرآن

стр. 156

كَمَا هُوَ مقرر في أصولهم (١). المبحث الثالث مخالفة الْحَدِيْث لحديث أقوى مِنْهُ مِمَّا لا شك فِيْهِ أن الأحكام الشرعية مصدرها واحد، هُوَ الله ﵎ وإذا كَانَ الأمر كَذَلِكَ، فَقَدْ ذهب كَثِيْر من الْعُلَمَاء إِلَى أنَّهُ يمتنع أن يرد في التشريع دليلان متكافئان في الأمر نفسه، بِحَيْثُ لا يَكُوْن لأحدهما مرجح مَعَ تعارضهما من كُلّ وجه (٢). لَكِنْ مَعَ ذَلِكَ فقد وجدنا عدداً من أدلة الأحكام الشرعية بدت للناظر - من أول وهلة - أنها متعارضة من حَيْثُ الظاهر، والحقيقة أنَّهُ لا تعارض بَيْنَها؛ لذا كَانَ الإمام ابن خزيمة يَقُوْل: ((لا أعرف أنَّهُ روي عن النَّبِيّ ﷺ حديثان بإسنادين صحيحين متضادين، فمن كَانَ عنده فليأتني بِهِ لأؤلِّف بَيْنَهُمَا)) (٣). وَقَد تقاسم المحدّثون والأصوليون الاهتمام بهذا الجانب، وكرَّسوا لَهُ جزءاً لا يستهان بِهِ من طاقاتهم الفكرية؛ وذلك من خلال إشباعه بحثاً في مصنفاتهم. فالأصوليون أفردوا لَهُ باباً أسموه "التعارض والترجيح"، وأما المحدّثون فَقَدْ خصوه بنوع من أنواع علم الْحَدِيْث أسموه "مختلف الْحَدِيْث" تحدّثت عَنْهُ كتب المصطلح، وأفرده قسم مِنْهُمْ بالتأليف المستقل. وَقَدْ سلك الفريقان إزاء هَذَا الاختلاف الظاهري ثلاثة مسالك، هِيَ: ١ - الجمع. ٢ - النسخ. ٣ - الترجيح. وهذه المسالك ليست تخيرية للمجتهد، بَلْ هِيَ واجبة حسب ترتيبها، فالمجتهد يطلب الجمع بوجه من الوجوه الممكنة من غَيْر تعسف؛ لأن في الجمع إعمالاً للدليلين معاً، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما أو إهمال جميعها (٤).

стр. 157

فإن لَمْ يهتدِ إِلَى وجه الجمع، فإن علم تاريخ المتقدم من المتأخر قِيْلَ بالنسخ، فإن عدم أيضاً صير إِلَى الترجيح بوجه من وجوهه المعتبرة (١). ثُمَّ إن هَذَا التعارض إنما يَكُوْن متجهاً فِيْمَا إذا تساوى الدليلان من حَيْثُ القوة، أما إذا كَانَ أحدهما صحيحاً والآخر ضعيفاً، فَلاَ اعتبار بمخالفة الضعيف، إذ الضعيف غَيْر معتبر في نفسه، فكيف تستقيم معارضته لما هُوَ أقوى مِنْهُ؟ وَقَد اختلفت مناهج الفقهاء والمدارس الفقهية في سلوك مسالك دفع التعارض بَيْنَ الأدلة الشرعية المتكافئة المتعارضة من حَيْثُ الظاهر، فمنهم من يتبين لَهُ وجه جمع بينها، ومنهم من قَد يرى في الجمع تكلفاً فيلجأ إِلَى القول بالنسخ ... وهكذا، مِمَّا أدّى إِلَى ظهور خلاف بَيْنَ الفقهاء في استنباط الأحكام الَّتِي دلّت عَلَيْهَا تِلْكَ الأدلة، ويتضح ذَلِكَ من الأمثلة الآتية: النموذج الأول: مَن يثبت لَهُ حقّ الشفعة: اختلف الفقهاء فيمن يثبت لَهُ حق الشفعة عَلَى مذهبين: المذهب الأول: تثبت الشفعة بالخلطة، أي: أن الَّذِي يستحق الشفعة هُوَ الشريك الَّذِي لا تزال شركته قائمة، وَهُوَ المسمى: الشريك في عين المبيع فَقَطْ. وبهذا قَالَ جمهور الْفقهاء، روي هَذَا عن عمر وعثمان (٢) وعلي وابن عَبَّاسٍ وجابر وعمر بن عَبْد العزيز وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة بن أبي عَبْد الرَّحْمَان وأبي الزناد والمغيرة بن عَبْد الرَّحْمَان (٣) والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر (٤).

стр. 158

وإليه ذهب المالكية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣) والإمامية (٤). وهناك من أثبت حق الشفعة - إضافة للشريك في عين المبيع - للشريك في حق المبيع. وَهُوَ رِوَايَة عن الإمام أحمد (٥)، واختارها ابن تيمية (٦) وابن القيم (٧) من الحنابلة (٨)، وبنحوه قَالَ ابن حزم (٩)؛ إلا أنَّهُ لَمْ يجعلها للشريك في حق المبيع مطلقاً، وإنما خصّها بكونه شريكاً في الطريق فَقَطْ. المذهب الثاني: أثبتوا حقّ الشفعة للجار والشريك عَلَى تفاصيل لَهُمْ في تعيين من هُوَ أولى بِهَا. وبهذا قَالَ: ابن شبرمة والثوري وابن المبارك وابن أبي ليلى (١٠). وإليه ذهب أبو حَنِيْفَةَ وأصحابه (١١). وبنحوه قَالَ الزيدية (١٢). واستدل أصحاب المذهب الثاني بِمَا رَوَاهُ عَبْد الملك بن أبي سليمان

стр. 159

العرزمي (١)، عن عطاء، عن جابر، مرفوعاً: ((الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بِهَا، وإن كَانَ غائباً، إذا كَانَ طريقهما واحداً)). رَوَاهُ الطيالسي (٢) وعبد الرزاق (٣) وابن أبي شيبة (٤) وأحمد (٥) والدارمي (٦) وأبو داود (٧) وابن ماجه (٨) والترمذي (٩) وفي العلل الكبير (١٠) والنسائي (١١) والطحاوي (١٢) والطبراني (١٣) البيهقي (١٤) وابن عَبْد البر (١٥). واستدل أصحاب المذهب الأول بِمَا رواه أبو سلمة بن عَبْد الرَّحْمَان، عن جابر مرفوعاً: ((الشفعة فِيْمَا لَمْ يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فَلاَ شفعة)). رَوَاهُ الشافعي (١٦) والطيالسي (١٧) وعبد الرزاق (١٨) وأحمد (١٩) وعبد بن حميد (٢٠) والبخاري (٢١) وأبو داود (٢٢) وابن ماجه (٢٣) والترمذي (٢٤) وابن الجارود (٢٥) والدولابي (٢٦)

стр. 160

والطحاوي (١) وابن حبان (٢) وابن عدي (٣) والدارقطني (٤) والبيهقي (٥) والبغوي (٦). وجه الدلالة من هَذَا الْحَدِيْث: أن الأملاك إذا استقلت وتحدد كُلّ مِنْهَا، فَلاَ يبقى هناك مجال للشفعة، وهذا حال الجار، إذ مُلْكُهُ بيِّنٌ واضِحٌ (٧). وأجابوا عن الْحَدِيْث الَّذِي استدل بِهِ أصحاب المذهب الثاني بعدة أمور، مِنْهَا: معارضته لما هُوَ أصح مِنْهُ، وَهُوَ حَدِيْث جابر الَّذِي استدلوا بِهِ، قَالَ ابن القيم: ((والذين ردوا حَدِيْث عَبْد الملك بن أبي سليمان ظنوا أنَّهُ معارض لحديث جابر الَّذِي رَوَاهُ أبو سلمة عَنْهُ: ((الشفعة فِيْمَا لَمْ يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق، فَلاَ شفعة)). وفي الحقيقة لا تعارض بَيْنَهُمَا، فإن منطوق حَدِيْث أبي سلمة انتفاء الشفعة عِنْدَ تمييز الحدود وتصريف الطرق، واختصاص كُلّ ذي ملك بطريق، ومنطوق حَدِيْث عَبْد الملك: إثبات الشفعة بالجوار عِنْدَ الاشتراك في الطريق، ومفهومه: انتفاء الشفعة عِنْدَ تصريف الطرق، فمفهومه موافق لمنطوق حَدِيْث أبي سلمة وأبي الزبير، ومنطوقه غَيْر معارض لَهُ، ...)) (٨). المبحث الرابع مخالفة الْحَدِيْث لفتوى راويه أو عمله وضع الحنفية شروطاً للعمل بخبر الآحاد، يمكن أن تَكُوْن عاضداً للظن الَّذِي يوجبه خبر الواحد (٩).

стр. 161

ومن بَيْن تِلْكَ الشروط: أن لا يعمل الرَّاوِي بخلاف روايته (١)، ووافقهم عَلَى هَذَا بَعْض المالكية (٢)؛ لأنَّهُ ما عمل بخلافه إلا وَقَدْ تيقن من طريق صحيحة نسخه، أو صرفه عن ظاهره بتأويله أو تخصيصه، سواء كَانَ هَذَا من معاينة حال رَسُوْل الله ﷺ ، أو سَمَاع نصٍ جلي صريح مِنْهُ، أو علم إجماع الصَّحَابَة عَلَى خلاف مضمونه، فأوجب هَذَا عَلَيْهِ القول بمقتضى المتأخر من حَيْثُ علمه (٣). وفصّل أبو بكر الرازي الجصاص من الحنفية، فرأى أن الخبر المروي عَلَى هَذِهِ الصورة لا يخلو عن حالتين: الأولى: أن يَكُوْن الخبر محتملاً للتأويل، فعند ذَلِكَ لا يؤخذ بتأويل الصَّحَابِيّ فمن دونه، ويبقى الخبر عَلَى ظاهره معمولاً بمنطوقه، إلاّ عِنْدَ قيام دلالة عَلَى وجوب صرفه إِلَى ما يؤوله الرَّاوِي. الثانية: أن لا يحتمل الخبر تأويلاً، ولا يمكن أن يَكُوْن لفظ الْحَدِيْث تعبيراً من الصَّحَابِيّ، فهذا الَّذِي يتوقف في قبوله والعمل بِهِ (٤). وجمهور الفقهاء والأصوليين عَلَى خلافه، إذ لا يلزم من مخالفة الصَّحَابِيّ للحديث الَّذِي يرويه، أن يَكُوْن قَد اطَّلع عَلَى ناسخ لَهُ، أو بدا لَهُ وجه تأويله (٥)، ثُمَّ إن المقتضي للحكم هُوَ ظاهر اللفظ في الخبر، وَهُوَ قائم، وما عارضه من فعل الرَّاوِي لا يصلح أن يَكُوْن معارضاً؛ وذلك لأن احتمال تمسكه بِمَا ظنه دليلاً - مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ - قائم، وتَدَيّن الصَّحَابِيّ وإحسان الظن بِهِ، يمنعه من تعمد الخطأ، أما السهو والغلط فممكن عَلَيْهِ، كَمَا هُوَ ممكن عَلَى غيره (٦). وقول الصَّحَابِيّ - مهما كَانَتْ مكانته - لا تقاوم الوقوف بوجه النص، لا سيما إذا كَانَ النص لا يحتمل التأويل، وإنما يعدُّ هَذَا من اجتهادات ذَلِكَ الصَّحَابِيّ، والأمة ملزمة بالعمل بالنص، وغير ملزمة بالعمل باجتهادات الصَّحَابَة، قَالَ الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ

стр. 162

اللهُ -: ((كيف أترك الْحَدِيْث بعمل من لَوْ عاصرته لحاججته)) (١). والحديث - إذا صَحَّ سنده واتضحت دلالته - حجة عَلَى الأمة، بِمَا فِيْهَا الصَّحَابِيّ (٢)؛ لذا قَالَ ابن القيم: ((والذي ندين الله بِهِ ولا يسعنا غيره - وَهُوَ القصد في هَذَا الباب - أن الْحَدِيْث إذا صَحَّ عن رَسُوْل الله ﷺ ، وَلَمْ يصح عَنْهُ حَدِيْث آخر ينسخه: أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كُلّ ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائناً من كَانَ لا راويه ولا غيره، إذ من الممكن أن ينسى الرَّاوِي الْحَدِيْث، أو لا يحضره وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته عَلَى تِلْكَ المسألة، أو يتأول فِيْهِ تأويلاً مرجوحاً، أو يقوم في ظنه ما يعارضه، ولا يَكُوْن معارضاً في نفس الأمر، أو يقلّد غيره في فتواه بخلافه؛ لاعتقاده أنَّهُ أعلم مِنْهُ، وإنه إنما خالفه لما هُوَ أقوى مِنْهُ، وَلَوْ قُدّر انتفاء ذَلِكَ كله، ولا سبيل إِلَى العِلْم بانتفائه ولا ظنه، لَمْ يَكُنْ الرَّاوِي معصوماً، وَلَمْ توجب مخالفته لما رَوَاهُ سقوط عدالته، حَتَّى تغلب سيئاته حسناته، وبخلاف هَذَا الْحَدِيْث الواحد لا يحصل لَهُ ذَلِكَ)) (٣). ومهما يَكُنْ الأمر فإن هَذَا التأصيل قَد انعكس عَلَى المجال الفقهي، فوجدت خلافات بَيْنَ الفقهاء، كَانَ مرجعها إِلَى هَذَا الأصل، ونلمس هَذَا جلياً من خلال الأمثلة الآتية: النموذج الأول: اشتراط الولي في النكاح اختلف الفقهاء في اشتراط إذن الولي لصحة عقد النكاح عَلَى قولين: الأول: لا يصح عقد النكاح من غَيْر ولي، وَهُوَ شرط في صحة العقد. وبهذا قَالَ الجُمْهُوْر، وَهُوَ مروي عن: عمر وعلي وابن مسعود وابن عَبَّاسٍ وأبي هُرَيْرَةَ وعائشة. وبه قَالَ: سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عَبْد العزيز وجابر بن زيد (٤) والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وابن المبارك وعبيد الله العنبري وإسحاق بن

стр. 163

راهويه وأبو عبيد. وَقَد روي عن ابن سيرين والقاسم بن مُحَمَّد والحسن بن صالح (١). وإليه ذهب الشافعية (٢) والمالكية (٣) والحنابلة (٤) والظاهرية (٥) والزيدية (٦). وَقَالَ الصاحبان: لا يصح النكاح إلا بولي، فإذا رضي الولي جاز، وإن أبى - والزوج كفوء - أجازه الْقَاضِي (٧). الثاني: يجوز للمرأة أن تزوج نفسها مِمَّنْ تشاء، وَلَيْسَ للولي أن يعترض عَلَيْهَا، إذا وضعت نفسها حَيْثُ ينبغي أن تضعها. وَهُوَ مروي عن الزهري والشعبي (٨). وإليه ذهب أبو حَنِيْفَةَ وزفر (٩). وأما الإمامية ففصلوا بَيْنَ الثيّب والبكر، فإن كَانَتْ بكراً رشيدة فَقَد اختلف فقهاؤهم فِيْهَا عَلَى أقوال: ١ - ثبوت الولاية لنفسها في العقد الدائم والمؤقت. ٢ - ثبوت الولاية لنفسها في العقد الدائم دُوْنَ المنقطع. ٣ - عكس الَّذِي قبله، أي: ثبوت الولاية لنفسها في العقد المؤقت دُوْنَ الدائم. ٤ - لَيْسَ لها ولاية عَلَى نفسها سواء كَانَ العقد دائماً أو منقطعاً، إذا كَانَ الولي الأب أو الجد للأب. ٥ - الكل شركاء في حق الولاية، فَلاَ يمضي العقد إلا برضا الْجَمِيْع. فإن عضلها الولي، وَكَانَ المتقدّم كفوءاً، وكانت راغبة في الزواج مِنْهُ، فلها أن تُزَوِّج نفسها إجماعاً في المذهب (١٠). أما الصغيرة فتثبت ولاية الأب والجد للأب عَلَيْهَا بكراً كَانَتْ أو ثيّباً، وإذا زوجها

стр. 164

أحدهما وَهِيَ صغيرة لزمها عقده، ولا خيار لها إذا بلغت عَلَى الأشهر عندهم (١). وإذا كَانَتْ ثيّباً بالغةً فليس لأحد ولاية عَلَيْهَا (٢). واستدل القائلون بالاشتراط بحديث عَائِشَة ﵂ عن رَسُوْل الله ﷺ : ((أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل، ثلاث مرات، فإن دخل بِهَا فلها المهر بِمَا أصاب مِنْهَا، فإن تشاجروا فالسلطان ولي مَن لا ولي لَهُ)). رَوَاهُ الشَّافِعِيّ (٣)، والطيالسي (٤)، وعبد الرزاق (٥)، والحميدي (٦)، وسعيد ابن مَنْصُوْر (٧)، وأحمد (٨)، والدارمي (٩)، وأبو داود (١٠)، وابن ماجه (١١)، والترمذي (١٢)، والنسائي (١٣)، وأبو يعلى (١٤)، وابن الجارود (١٥)، والطحاوي (١٦)، وابن حبان (١٧)، وابن عدي (١٨)، والدارقطني (١٩)، والحاكم (٢٠)، والسهمي (٢١)، وأبو نعيم (٢٢)، والبيهقي (٢٣)، والخطيب (٢٤)، وابن عَبْد البر (٢٥)، والبغوي (٢٦).

стр. 165

وَقَدْ أجاب أصحاب المذهب الثاني عن هَذَا الْحَدِيْث، بأنه قَدْ عارضه فعلها، وأنها فعلت خلاف ما روت، فَقَالَ الطحاوي: ((ثُمَّ لَوْ ثبت ما رووا من ذَلِكَ عن الزهري، لكان قَدْ روي عن عَائِشَة ﵂ ما يخالف ذَلِكَ)) (١). ثُمَّ رَوَى من طريق مالك، أن عَبْد الرَّحْمَان بن القاسم أخبره، عن أبيه، عن عَائِشَة زوج النَّبِيّ ﷺ أنها زوجت حفصة بنت عَبْد الرَّحْمَان (٢)، المنذر بن الزبير (٣)، وعبد الرَّحْمَان غائب بالشام. فلما قدم عَبْد الرَّحْمَان قَالَ: أمثلي يصنع بِهِ هَذَا، ويفتات (٤) عَلَيْهِ؟ فَكُلِّمَتْ عَائِشَة عن المنذر، فَقَالَ المنذر: إن ذَلِكَ بيد عَبْد الرَّحْمَان، فَقَالَ عَبْد الرَّحْمَان: ما كنت أرد أمراً قضيته، فقرت حفصة عنده، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طلاقاً)) (٥). فلولا أنها كَانَتْ ترى عدم اشتراط الولي لصحة عقد النكاح، لما فعلته مع ابنة أخيها، وهذا يدل عَلَى وجود ناسخ أو تأويل لما روته من اشتراطه. ورد الجُمْهُوْر هَذَا الاستدلال: بأنه لَيْسَ في خبر عَائِشَة هَذَا التصريح بأنها باشرت العقد بنفسها، فَقَدْ تَكُوْن مهدت لأسبابه، فإذا جاء العقد أحالته إِلَى الولي بدليل ما روي عن عَبْد الرَّحْمَان بن القاسم، قَالَ: ((كنت عِنْدَ عَائِشَة يخطب إليها المرأة من أهلها فتشهد، فإذا بقيت عقدة النكاح، قالت لبعض أهلها: زَوّج فإن المرأة لا تلي عقد النكاح)) (٦). فإذا علمنا أن مذهبها هَذَا الَّذِي رَوَاهُ عَبْد الرَّحْمَان بن القاسم عَنْهَا، اتَّضح أن مراد الرَّاوِي بقوله: ((زوجت حفصة))، أي: هيأت الأسباب، فانتفت المخالفة المظنونة، لما روت عن رَسُوْل الله ﷺ .

стр. 166

النموذج الثاني: طهارة الإناء من ولوغ الكلب اختلف الفقهاء في عدد الغسلات الَّتِي يحصل بِهَا التطهير من ولوغ الكلب عَلَى قولين: الأول: ذهب جمهور الفقهاء إِلَى أنَّ الإناء يغسل سبع مرات من ولوغ الكلب، واختلفوا في نجاسة سؤره واشتراط التتريب، وهل الأمر بالغسل للنجاسة أم هُوَ للتعبد؟ عَلَى النحو الآتي: ١ - ذهب الشافعية إِلَى أن سؤر الكلب نجس، ويغسل الإناء سبعاً أولاهن بالتراب، والأمر بالغسل سبعاً للتعبد (١). ٢ - ذهب مالك إِلَى أن الأمر بإراقة سؤر الكلب وغسل الإناء مِنْهُ، عبادة غَيْر مدركة العلة، والماء الَّذِي ولغ فِيْهِ لَيْسَ بنجس، وَلَمْ يرَ إراقة ما سوى الماء في أشهر الروايات عَنْهُ (٢). قَالَ المازري (٣): ((اختلف في غسل الإناء من ولوغ الكلب، هَلْ هُوَ تعبد أو لنجاسته؟ فعندنا أنَّهُ تعبد، واحتج أصحابنا بتحديد غسله سبع مرات: أنَّهُ لَوْ كَانَتْ العلة النجاسة لكان المطلوب الإنقاء، وَقَدْ يحصل في مرة واحدة)) (٤). ٣ - ذهب الحنابلة إِلَى أن سؤر الكلب نجس، ويجب غسل الإناء مِنْهُ سبعاً، إحداهن بالتراب، من غَيْر تحديد لمكانها من السبع (٥). ٤ - قَالَ الظاهرية: سؤر الكلب طاهر، وغسل الإناء مِنْهُ سبعاً إذا ولغ فِيْهِ فرض، وما في الإناء من طعام وشراب وماء فَهُوَ طاهر (٦). ٥ - قَالَ الزيدية: التسبيع في غسل الإناء وتتريبه واجب، من غَيْر تعيين لغسل

стр. 167

التراب، وهذا الحكم يخالف غسل سائر النجاسات؛ لحكمة مختصة غَيْر معقولة (١). الثاني: ذهب الحنفية إِلَى نجاسة الكلب، وأن الإناء الَّذِي يلغ فِيْهِ يجب غسله مرتين أو ثلاثاً كسائر النجاسات من غَيْر حدٍّ، وأن الأمر بالغسل للتنجيس لا للتعبد؛ لأن الجمادات لا يلحقها حكم العبادات، والزيادة في العدد والتعفير بالتراب دليل عَلَى غلظ النجاسة (٢). وبنحو هَذَا القول: قَالَ الليث بن سعد وسفيان الثوري؛ إلاَّ أنهما قيدا الغسل بطمأنينة القلب إِلَى زوال النجاسة، سواء كَانَتْ الغسلات سبعاً أو أقل أو أكثر (٣). وإليه ذهب الإمامية، فقالوا: يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً، تَكُوْن الثانية مِنْهَا بالتراب، وإن الكلب نجس، لا يجوز التطهر بِمَا أفضل، ويجب إراقته (٤). واستدل القائلون بالمذهب الأول بِمَا صح عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قَالَ رَسُوْل الله ﷺ : ((إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات)). وفي رِوَايَة: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثُمَّ يغسله سبع مرات)). وفي رِوَايَة: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فِيْهِ الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب)). والحديث رَوَاهُ عَبْد الرزاق (٥) والحميدي (٦) وأحمد (٧) والبخاري (٨)

стр. 168

ومسلم (١) وأبو داود (٢) وابن ماجه (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥) وابن خزيمة (٦). واعترض القائلون بالمذهب الثاني عَلَى استدلال الجُمْهُوْر، بأن أبا هُرَيْرَةَ - راوي الْحَدِيْث - أفتى بخلاف ما رَوَى، وَهُوَ الغسل ثلاثاً، فكان دليلاً عَلَى وجود النسخ (٧). فروى الطحاوي (٨) والدارقطني (٩) من طريق عَبْد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن عطاء، عن أبي هُرَيْرَةَ - في الإناء يلغ فِيْهِ الكلب أو الهر - قَالَ: ((يغسل ثلاث مرات)). وأجاب الجُمْهُوْر عن اعتراضهم: بأن هَذِهِ الرِّوَايَة تفرد بِهَا العرزمي، ونص الحفاظ عَلَى خطئه فِيْهَا، ومخالفته للثقات. إذا رَوَى الدارقطني (١٠) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن مُحَمَّد بن سيرين، عن أبي هُرَيْرَةَ - في الكلب يلغ في الإناء - قَالَ: ((يراق ويغسل سبع مرات)). قَالَ الدارقطني: ((صَحِيْح موقوف)). ومما يشد عضد هَذِهِ الرِّوَايَة أنها موافقة للمرفوع، فظهر بِهَا أن عَبْد الملك بن أبي سليمان العرزمي أخطأ فِيْهَا، وَقَدْ قَالَ عَنْهُ الإمام أحمد: ((ثقة يخطئ)) (١١). وَقَالَ الحَافِظ ابن حجر: ((صدوق لَهُ أوهام)) (١٢). وَقَدْ رجّح الرِّوَايَة الموافقة للحديث المرفوع البيهقي، فَقَالَ: ((تفرد بِهِ عَبْد الملك من أصحاب عطاء، ثُمَّ من أصحاب أبي هُرَيْرَةَ، والحفاظ الثقات من أصحاب عطاء وأصحاب أبي هُرَيْرَةَ يروون سبع مرات، وفي ذَلِكَ دلالة عَلَى خطأ رِوَايَة عَبْد الملك بن أَبِي سليمان، عن عطاء عن أبي هُرَيْرَةَ في الثلاث، وعبد الملك لا يقبل مِنْهُ ما يخالف الثقات، لمخالفته أهل الحفظ والثقة في بَعْض روايته، تركه شعبة بن الحجاج، وَلَمْ يحتج بِهِ البُخَارِيّ في صحيحه)) (١٣). وَقَالَ ابن حجر: ((ورواية من رَوَى عَنْهُ موافقة فتياه لروايته أرجح من رِوَايَة

стр. 169

من رَوَى عَنْهُ مخالفتها من حَيْثُ الإسناد ومن حَيْثُ النظر، أما النظر فظاهر، وأما الإسناد فالموافقة وردت من رِوَايَة حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عَنْهُ، وهذا من أصح الأسانيد، وأما المخالفة فمن رِوَايَة عَبْد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، وَهُوَ دُوْنَ الأول في القوة بكثير)) (١). المبحث الخامس مخالفة الْحَدِيْث للقياس ذهب جمهور عُلَمَاء الأمة إِلَى القول بحجية القياس، وأنه أحد أدلة الأحكام الشرعية ومصادرها في الفقه الإسلامي (٢). والقياس هُوَ: حمل معلوم عَلَى معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما، بأمرٍ جامع بَيْنَهُمَا من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما عنهما (٣). لذا كَانَ مبتنى القياس النظر والإستنباط من تصرفات الشارع وربط الأحكام بعللها، فإذا عارض خبر الواحد القياس، فأي مِنْهُمَا يقدم موجبه عَلَى الآخر؟ اشتهر عن الحنفية اشتراط عدم مخالفة خبر الواحد للقياس حَتَّى يصح العمل بِهِ كدليل مستقل، والحق أن هَذَا الموطن لَيْسَ محل اتفاق بَيْنَهُمْ، بَلْ هناك تفصيل في مذهبهم عَلَى النحو الآتي: إذا تعارض خبر الآحاد مَعَ القياس فأكثر المتقدمين من الحنفية عَلَى تقديم الخبر وافق القياس أو خالفه؛ لأن القياس اجتهاد ولا اجتهاد في مورد النص. وأما الَّذِيْنَ قالوا بتقديم القياس عَلَى خبر الواحد فهم بَعْض المتقدمين مِنْهُمْ، وتابعهم عَلَيْهِ كَثِيْر من المتأخرين، ولكنهم لَمْ يقولوا بالرد بإطلاق، بل قسموا الرُّوَاة على قسمين: الأول: الرُّوَاة المعروفون بالضبط والفقه والاجتهاد، كالخلفاء الأربعة والعبادلة ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت ﵃ فهؤلاء تقبل أخبارهم باتفاق. الثاني: الرُّوَاة الَّذِيْنَ اشتهروا بالرواية، وَلَمْ يعرفوا بالفقه والاجتهاد والفتيا، فإذا جاءوا بخبر الآحاد، فإن وافق القياس قبل، وإن خالف القياس ووافق قياساً آخر قبل

стр. 170

أيضاً، وإن خالف جَمِيْع الأقيسة، فَقَالَ عيسى بن أبان (١) والقاضي أبو زيد الدبوسي (٢) وتابعهما أكثر المتأخرين من الحنفية أنَّهُ لا يقبل (٣). وَهُوَ قولٌ للمالكية (٤). وفصّل أبو الْحُسَيْن البصري (٥) من المعتزلة تفصيلاً آخر، فرأى أن القياس يقدّم عَلَى خبر الواحد في حالة ثبوت علة القياس بدليل قاطع، وعلل ذَلِكَ بأن النص عَلَى العلة كالنص عَلَى حكمها، فحينئذ القياس قطعي، وخبر الآحاد ظني، والقطعي مقدم عَلَى الظني (٦). واستدلوا بأن عرض خبر الواحد عَلَى القياس كَانَ من ضمن المناهج الَّتِي اتبعها الصَّحَابَة في نقد المرويات وتمحيص الأخبار، فهذا ابن عَبَّاسٍ يرد عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ عندما حدّث بحديث: ((توضؤوا مِمَّا مست النار))، قائلاً: أنتوضأ من الدُّهن، أنتوضأ من الحميم؟ فَقَالَ أبو هُرَيْرَةَ: ((يا ابن أخي إذا سَمِعْت حديثاً عن رَسُوْل الله ﷺ فَلاَ تضرب لَهُ الأمثال)). (٧) فابن عَبَّاسٍ قَدْ توقف في قبول خبر أبي هُرَيْرَةَ وعارضه بالقياس. وأجاب الجُمْهُوْر: بأن دعوى أن مِثْل هَؤُلاَءِ من الصَّحَابَة - كأبي هُرَيْرَةَ وأنس - ليسوا من أهل الفقه، أمر فِيْهِ نظر طويل، ولوا أمعنا النظر في مروياته وآرائه لعلمنا رجاحة عقليته الفقهية، وإجابته لابن عَبَّاسٍ تدل عَلَى هَذَا دلالة لايشوبها لبس أو

стр. 171

غموض. وأمَّا حديث الوضوء مِمَّا مست النار، فَلَمْ يَكُنْ رد ابن عَبَّاسٍ لَهُ مستنداً إِلَى مخالفة القياس، وإنما كَانَ الْحَدِيْث عِنْدَ ابن عَبَّاسٍ منسوخاً بحديث: ((أن النَّبِيّ ﷺ أكل كتف شاة وصلى وَلَمْ يتوضأ)) (١). عَلَى أن أبا هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُنْ منفرداً برواية حَدِيْث الوضوء مِمَّا مست النار، إذ شاركه في روايته: أبو أيوب (٢)، وأبو طلحة (٣)، وزيد بن ثابت (٤)، وأم حبيبة (٥)، وعائشة (٦)، وأبو موسى الأشعري (٧)، وسهل (٨) بن الحنظلية (٩)، وأم سلمة (١٠)، وأنس بن مالك (١١)، وعبد الله بن عمر (١٢) ومعاذ بن جبل (١٣)، وعبد الله بن زيد (١٤)، وغيرهم؛ حَتَّى

стр. 172

عدّوه من المتواتر (١). فالراجح من ناحية النظر والدليل: ماذهب إِلَيْهِ جمهور الْعُلَمَاء، لذا قَالَ ابن جَمَاعَة: ((والصحيح الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة الْحَدِيْث أو جمهورهم، أن خبر الواحدالعدل المتصل في جَمِيْع ذَلِكَ مقبول وراجح عَلَى القياس المعارض لَهُ، وبه قَالَ الشَّافِعِيّ وأحمد ابن حنبل وغيرهما من أَئِمَّة الْحَدِيْث والفقه والأصول ﵃)) (٢). غَيْر أن هَذَا الاختلاف في المواقف بشأن مخالفة خبر الواحد للقياس تَرَكَ أثراً في الإستنباطات الفقهية نلمسها جلية في الأمثلة الآتية: النموذج الأول: الانتفاع بالعين المرهونة اختلف الْعُلَمَاء في العين المرهونة، هَلْ يجوز الانتفاع بِهَا؟ عَلَى قولين: الأول: يجوز للمرتهن الانتفاع بالعين المرهونة إذا كَانَت مركوباً أو محلوباً، أذِن الراهن أم لَمْ يأذن. وبه قَالَ إسحاق (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). الثاني: لا يجوز الانتفاع بالعين المرهونة وبه قَالَ جمهور الفقهاء، عَلَى تفصيل مختلف بَيْنَهُمْ عَلَى النحو الآتي: ١ - قَالَ الحنفية: لَيْسَ للراهن ولا المرتهن الانتفاع بالمرهون مطلقاً، لا بالسكنى ولا بالركوب ولا بغيرهما، إلا بإذن كُلّ مِنْهُمَا للآخر. وفي قَوْل لَهُمْ: لا يجوز الانتفاع للمرتهن ولو أذن الراهن؛ لأنَّهُ ربا. وَلَهمْ قَوْل آخر: إنْ شَرَطَهُ في العقد كَانَ رباً، وإلا جاز للمرتهن الانتفاع بإذن الراهن (٦). ٢ - قَالَ المالكية: ما ينتج عن المرهون ملك للراهن، والمرتهن نائب عَنْهُ في

стр. 173

تحصيلها، ويحق للمرتهن الانتفاع بِهَا بشروط هِيَ: أ. أن يشترط ذَلِكَ في صلب العقد. ب. أن تَكُوْن المدة معينة. ج. ألا يَكُوْن المرهون بِهِ دين قرض. فإذا فاتهم الاشتراط في العقد، ثُمَّ أذن الراهن للمرتهن بالانتفاع لَمْ يَجُزْ (١). ٣ - قَالَ الشافعية: لَيْسَ للمرتهن من المرهون إلا حقه في التوثق من دينه، ويمنع من كُلّ تصرف أو انتفاع بالعين المرهونة، وللراهن مِنْهَا كُلّ نفع لاينقص القيمة كالركوب والحلب والسكنى ونحوها، وأما ما ينقص القيمة كالبناء في الأرض والغرس فِيْهَا فَلاَ يجوز إلا بإذن المرتهن (٢). ٤ - قَالَ الزيدية: لَيْسَ للمرتهن إلا حق الحبس، وإن استعمله فعليه الأجرة للراهن (٣). ٥ - قَالَ الإمامية: لا يجوز تصرف كُلّ من الراهن والمرتهن بالعين المرهونة إلا بإذن من أحدهما للآخر (٤). ٦ - وَقَالَ أحمد في رِوَايَة: أن المرهون وإن كَانَ محلوباً أو مركوباً فَهُوَ متبرع بنفقته عَلَيْهِ، ولا يحل لَهُ الانتفاع مِنْهُ بشيء (٥). واستدل القائلون بالجواز بِمَا رَوَى أبو هُرَيْرَةَ ﵁ أن رسول الله ﷺ قَالَ: ((الظهر يركب بنفقته إذا كَانَ مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كَانَ مرهوناً، وعلى الَّذِي يركب ويشرب النفقة)). أخرجه ابن أبي شيبة (٦)، وإسحاق بن راهويه (٧)، وأحمد (٨)، والبخاري (٩)، وأبو

стр. 174

داود (١)، وابن ماجه (٢)، والترمذي (٣)، وأبو يعلى (٤)، وابن الجارود (٥)، والطحاوي (٦)، وابن حبان (٧)، والدارقطني (٨)، والبيهقي (٩)، والبغوي (١٠). وأجاب الجُمْهُوْر عن هَذَا الْحَدِيْث: بأن الْحَدِيْث لَمْ ينص عَلَى تعيين المنتفع هَلْ هُوَ الراهن أَمْ المرتهن، فإن الْحَدِيْث محتمل لكون المنفق هُوَ الراهن، ويستخدم المرهون بحق ملكه لَهُ. ويحتمل أن يَكُوْن المرتهن ويكون انتفاعه عوضاً عن نفقته (١١). واستدلوا أيضاً بِمَا رَوَاهُ سعيد بن المسيب عن أبي هُرَيْرَةَ، أن رَسُوْل الله ﷺ قَالَ: ((لايغلق الرهن - (ثلاثاً) - لصاحبه غنمه وَعَلَيْهِ غرمه)) (١٢)، ووجه الدلالة من

стр. 175

الْحَدِيْث: أن المغنم والمغرم عَلَى الراهن، فدل هَذَا عَلَى أن النفقة عَلَى الرهن وكذا النتاج يَكُوْن لَهُ، ووجب عَلَيْنا ان نؤول الْحَدِيْث الماضي. وقالوا أيضاً إن هَذَا الْحَدِيْث مخالف للقياس من وَجْهَيْنِ: الأول: أن فِيْهِ جواز الركب والشرب لغير مالك رقبة العين المرهونة من غَيْر إذن المالك. الثاني: تضمين المرتهن المنتفع بالعين المرهونة عوض انتفاعه نفقة لا قيمة (١). وَقَالَ ابن عَبْد البر: ((هَذَا الْحَدِيْث عِنْدَ جمهور الفقهاء ترده أصول يجتمع عَلَيْهَا وآثار ثابتة لايختلف في صحتها، وَقَدْ أجمعوا أن لَيْسَ الرهن وظهره للراهن، ولا يخلو من أن يَكُوْن احتلاب المرتهن لَهُ بإذن الراهن، أو بغير إذنه، فإن كَانَ بغير إذنه ففي حَدِيْث ابن عمر عن النَّبِيّ ﷺ : ((لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه)) (٢) ما يرده ويقضي

стр. 176

بنسخه ... الخ كلامه)) (١). وادَّعى الطحاوي أن هَذِهِ الإباحة كَانَتْ قَبْلَ تحريم الربا، ونسخت بتحريم الربا، فَقَالَ: ((فلما حرم الربا، حرمت أشكاله كلها، وردت الأشياء المأخوذة إِلَى أبدالها المساوية لها، وحرم بيع اللبن في الضروع، فدخل في ذَلِكَ النهي عن النفقة الَّتِي يملك بِهَا المنفق لبناً في الضروع، وتلك النفقة فغير موقوف مقدارها، واللبن كَذَلِكَ أيضاً. فارتفع بنسخ الربا أن تجب النفقة عَلَى المرتهن بالمنافع الَّتِي يجب لَهُ عوضاً مِنْهَا، وباللبن الَّذِي يحتلبه فيشربه)) (٢). وأجاب القائلون بالمذهب الأول عن دعوى النسخ هَذِهِ، بأن شرط النسخ مَعْرِفَة التاريخ، حَتَّى يعلم المتقدم من المتأخر والناسخ من المنسوخ، وهذا متعذرٌ هنا، فكان القول بالنسخ قَوْلاً بالاحتمال، والاحتمال لا تؤسس عَلَيْهِ الأحكام (٣). ثُمَّ إن الجمع بَيْنَ هَذِهِ الأحاديث ممكن، وذلك بالقول أن نفقة الرهن تجب عَلَى الراهن مقابل الملك، فإذا امتنع عن النفقة كَانَ من حق المرتهن أن ينفق عَلَى الرهن حفظاً لَهُ من التلف، الَّذِي هُوَ إضاعة للمال، وَقَدْ نهى الشرع عَنْهُ، وبما أن نفقة المرتهن مال لَهُ، فيستحق العوض عَنْهُ، ومادام الراهن يمتنع عن النفقة، فإن للمرتهن أخذ العوض من مال الراهن وَلَوْ بغير إذنه، والركوب وشرب اللبن والمنافع الَّتِي لا تلحق نقصاً أو ضرراً بالعين المرهونة عوض، يستحقه المرتهن بدلاً عن نفقته (٤). النموذج الثاني: رد الشاة المصراة اختلف الفقهاء في جواز رد الشاة المصراة إذا اطلع الْمُشْتَرِي عَلَى هَذَا العيب بَعْدَ الشراء عَلَى قولين: الأول: لا يجوز رد الشاة المصراة، وإليه ذهب أبو حَنِيْفَةَ ومحمد، وأبو يوسف في رِوَايَة عَنْهُ (٥). الثاني: يجوز ردها بعيب التصرية، وبه قَالَ جمهور الفقهاء، ومنهم: الشافعية (٦)،

стр. 177

والمالكية (١)، والحنابلة (٢)، وجمهور أهل الْحَدِيْث (٣). واختلفوا في تعيين وجوب رد الصاع، أو ما ينوب عَنْهُ (٤). واستدل القائلون بالجواز بحديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁، أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: ((لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بَعْد فإنه بخير النظرين بَعْدَ أن يحتلبها: إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعاً من تمر)) (٥). وأجاب من قَالَ بعدم الجواز: بأن هَذَا الْحَدِيْث مخالف للقياس من وجوه: ١ - إن رد المبيع بلا عيب ولا خلاف في صفة لا تقره أصول الشريعة؛ وذلك لأن التصرية ليست من العيوب فإن البيع يقتضي سلامة المبيع، وقلة اللبن لاتعدُّ من العيوب الَّتِي تعدم السلامة؛ لأن اللبن ثمرة وبعدمه لا تنعدم صفة السلامة، فبقلته من باب أولى. ٢ - القاعدة أن الخراج بالضمان، فاللبن الحادث عِنْدَ الْمُشْتَرِي غَيْر مضمون، وَقَدْ نُصَّ عَلَى ضمانه. ٣ - إن الشيء المضمون (اللبن) مثلي، والقاعدة أن المثليات تضمن بمثلها، وَقَدْ ضمنه بغير المثل. ٤ - في الضمان إذا انتقل من المثل فإنه ينتقل إِلَى القيمة، والتمر المذكور في الْحَدِيْث لَيْسَ قيمة ولا مثْلاً. ٥ - أن المال المضمون يقدر بقدره قلة وكثرة، والقدر منصوص عَلَيْهِ هنا وَهُوَ الصاع (٦). وأجيب عن الأول بأنه لَيْسَ في أصول الشريعة ما يدل عَلَى انحصار أسباب الرد بهذين الأمرين، بَلْ إن الخيار يثبت للمشتري بالتدليس، وذلك لأن الْمُشْتَرِي رأى الضرع مملوءاً باللبن، فظن أن ذَلِكَ عادتها، فكأن البائع قَدْ شرط لَهُ ذَلِكَ، فإذا تبين لَهُ خلاف ذَلِكَ ثبت لَهُ الرد، لفقد الشرط المعنوي الَّذِي نوهنا بهُ.

стр. 178

وعن الثاني: فإن الخراج اسم للغلة، مِثْل: كسب العبد وأجرة الدابة ونحو ذَلِكَ. أما الولد واللبن فَلاَ يسمى خراجاً، والعامل المشترك بَيْنَهُمَا كونهما من الفوائد، وإلا فإن الكسب الحادث والغلة لَمْ يكونا موجودين حال البيع، بَلْ حدثا بَعْدَ القبض. وأما اللبن هنا فإنه كَانَ موجوداً حال العقد، فكان جزءاً من المعقود عَلَيْهِ، والصاع لَمْ يقدره الشارع عوضاً عن اللبن الحادث، وإنما هُوَ عوض عن اللبن الَّذِي كَانَ موجوداً وقت العقد في الضرع، فكان ضمانه من تمام العدل. وعن الثالث: فإنه لا يمكن تضمينه بالمثل البتة، فإن اللبن في الضرع محفوظ وغير عرضة للفساد، فإذا حلب صار معرضاً للحموضة والفساد. وعن الرابع: بأنا لَوْ وكلنا تقديره إليهما أو إِلَى أحدهما لكثر النزاع، فحسم الشارع النزاع وحده بقدر لا يتعد أنَّهُ قطعٌ للخصومة. وعن الخامس فإن اللبن الحادث بَعْدَ العقد قَدْ اختلط بالموجود وقته، ولا يعرف مقداره حَتَّى نوجب نظيره، وَقَدْ يَكُوْن أكثر أو أقل، فيفضي إِلَى الربا (١). المبحث السادس مخالفة الْحَدِيْث لعمل أهل المدينة من المعلوم أن المدينة النبوية كَانَتْ مهبط الوحي ومركز السلطة التشريعية والدنيوية في الحقبة الثانية من الدعوة النبوية، وَلَمْ يؤثر عن أحد من الصحابة سواء من المهاجرين أو الأنصار مِمَّنْ سكنها أنَّهُ نزح عَنْهَا في حياة رَسُوْل الله ﷺ . وكانوا في حياتهم العامة عَلَى تماس مَعَ التشريعات والأحكام، يعيشون ظروفها، ويفقهون عللها، ويقومون بمهمة نشرها وتعليمها، وهكذا ظلت أجيال الناس فِيْهَا تتلقى الأحكام جيلاً عن جيل، وَهُوَ مؤدٍ في نهاية المطاف إلى اعتبار إجماع أهلها نقلاً بالتواتر للحكم المعمول بِهِ (٢). لذا اشترط جمهور المالكية للعمل بخبر الآحاد أن لا يَكُوْن مخالفاً لعمل أهل المدينة (٣) وتعللوا بِمَا قدمنا ذكره. والحق أن الْحَدِيْث إذا صَحَّ لَمْ يَكُنْ لقول أحدٍ كائناً من كَانَ أن يعارض بِهِ، والحجة في نقل المعصوم فَقَطْ، ثمَّ إن أهل المدينة جزء من الأمة لا كلها، فَلاَ ينبني

стр. 179

عَلَى موافقتهم جواز مخالفة الأحاديث المقبولة (١). وَقَدْ فند أدلتهم ابن حزم من وجوه حاصلها: ١ - إن الخبر المسند الصَّحِيْح قَبْلَ العمل بِهِ، أحق هُوَ أم باطل؟ فإن قالوا: حق، فسواء عمل بِهِ أهل المدينة أم لَمْ يعملوا، لَمْ يزد الحقَ درجةً عملُهُم بِهِ وَلَمْ ينقصه إن لَمْ يعملوا بِهِ، وإن قالوا باطل، فإن الباطل لا ينقلب حقاً بعملهم بِهِ، فثبت أن لا معنى لعمل أهل المدينة أو غيرهم. ٢ - العمل بالخبر الصَّحِيْح متى أثبت الله العمل بِهِ، أقبل أن يعمل بِهِ أم بَعْدَ العمل بِهِ؟ فإن قالوا: قَبْلَ أن يعمل بِهِ، فَهُوَ كقولنا. وإن قالوا: بَعْدَ أن يعمل بِهِ، لزمهم عَلَى هَذَا أن العاملين بِهِ هم الَّذِيْنَ شرعوا الشريعة، وهذا باطل. ٣ - نقول: عمل من تريدون؟ عمل أمة مُحَمَّد ? كافة، أم عمل عصر دُوْنَ عصر، أم عمل رسول الله ?، أم أبي بكر، أم عمر، أم عمل صاحب من سكان المدينة مخصوصاً؟ فإن قالوا: عمل الأمة كلها، فَلاَ يصح؛ لأن الخلاف بَيْنَ الأمة مشتهر، وهم دائمو الرد عَلَى من خالفهم، فلو كَانَتْ الأمة مجمعة عَلَى هَذَا القول فعلى من يردون؟! وإن قالوا: عصر دُوْنَ عصر، فباطل أيضاً؛ لأنَّهُ ما من عصر إلا وقَدْ وجد فيه خلاف، ولا سبيل إِلَى وجود مسألة متفق عَلَيْهَا بَيْنَ أهل عصر (٢). ٤ - ونقول لَهُمْ: أهل المدينة الَّذِيْنَ جعلتم عملهم حجة رددتم بِهَا خبر المعصوم، اختلفوا فِيْمَا بَيْنَهُمْ أم لا؟ فإن قالوا: لا، فإن الموطأ يشهد بخلاف هَذَا، وإن قالوا: نعم، قُلْنَا: فما الَّذِي جعل اتباع بعضهم أولى من بَعْض (٣). النموذج الأول: خيار المجلس يمكن تعريف خيار المجلس بأنه: حق العاقدين في إمضاء العقد أو رده، منذ التعاقد إِلَى التفرق أو التخاير (٤).

стр. 180

والأكثرون عَلَى تسميته ((خيار المجلس)) ومنهم من يسميه ((خيار الْمُتَبَايِعَيْنِ)) (١). فإذا أتم العاقدان عقد البيع من غَيْر أن يتفرقا وَلَمْ يختر أحدٌ مِنْهُمَا اللزوم، فهل يعتبر العقد لازماً بمجرد هَذَا التمام، أَمْ أن لكلا العاقدين الحق في فسخ العقد ما داما في مجلس البيع؟ اختلف الفقهاء في ثبوت هَذَا الحق عَلَى قولين: الأول: لا يثبت خيار المجلس، والعقد لازم بالإيجاب والقبول، إلا إذا تشارطا أو أحدهما إثبات الخيار. وبهذا قَالَ: إبراهيم النخعي وأهل الكوفة، وربيعة الرأي وطائفة من أهل المدينة، وَهُوَ قَوْل الثوري في رِوَايَة عَبْد الرزاق عَنْهُ (٢). وإليه ذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، وأكثر الزيدية (٥). الثاني: خيار المجلس ثابت للمتعاقدين، ولكل مِنْهُمَا الحق في فسخه مادام المجلس قائماً، ومالم يختر أحدهما اللزوم. روي هَذَا عن: عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عَبَّاسٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وأبي برزة الأسلمي (٦)، وبه قَالَ: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وشريح، والشعبي، وعطاء، وطاووس، والزهري، والأوزاعي، وابن أبي ذئب في طائفة من أهل المدينة، والثوري في "جامعه"، والليث بن سعد، وعبيد الله بن الحسن، وداود الظاهري، وسوّار (٧) قاضي البصرة، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، وابن جريج، ومعمر، ومسلم بن خالد
следующие страницы →