يريدُ عورةَ النظرِ، وذكَرَه في سياقِ عورةِ الصلاةِ؛ ولذا حمَلَ البيهقيُّ تفسيرَه ذلك على إبرازِ الوجهِ والكفَّيْنِ لنظَرِ المحارمِ لا لنظَرِ الأجانِبِ؛ كما في «السُّنَنِ الكُبْرى» (١)، وفسَّرَهُ بهذا المعنى الخطيبُ الشِّرْبِينيُّ والسُّبْكِيُّ وابنُ الرِّفْعةِ وغيرُهم.
وقال إمامُ الحرمَيْنِ الجُوَيْنيُّ: «اتَّفق المسلمونَ على منعِ النِّساءِ مِن الخروجِ سافراتِ الوجوهِ؛ لأنَّ النَّظَرَ مَظِنَّةُ الفِتنةِ» (٢)، وقال أبو حامِدٍ الغزاليُّ لَمَّا ذكَرَ فتنةَ النظرِ بين المرأةِ والرجلِ في «الإحياء»: «لم يَزَلِ الرجالُ على مَمَرِّ الزمانِ مَكْشُوفي الوجوهِ، والنساءُ يَخْرُجْنَ مُنتَقِبَاتٍ» (٣)، وعدَّ أبو حامدٍ الغزاليُّ في» الإحياء» الكشفَ معصيةً (٤).
وقد أيَّدَ النوويُّ في كتابِه «الروضةِ» الاتفاقَ الذي حكاهُ الجوينيُّ (٥)، قال الشِّهَابُ الرَّمْليُّ:» نقَلَ في «الروضةِ» وأصلِها هذا الاتفاقَ وأقرَّاه» (٦).
стр. 142
وقد نَصَّ أبو العبَّاسِ بنُ الرِّفْعةِ على وجوبِ تغطيةِ المرأةِ لوجهِها في الصلاةِ؛ إنْ مَرَّ أمامَها الرجالُ، وقد قال ابنُ تيميَّةَ عنِ ابنِ الرِّفْعةِ: «رأيتُ شيخاً تتقاطَرُ فروعُ الشافعيةِ مِن لِحْيَتِه» (١).
وقال السبكيُّ: «الأقرَبُ إلى صنيعِ الأصحابِ: أنَّ وجهَها وكفَّيْها عورةٌ في النظَرِ» (٢). انتهى.
وفقهاءُ الشافعيةِ يفرِّقُون بين عورةِ الصلاةِ، وعورةِ السَّتْرِ، وعورةِ النظرِ، وأكثَرُ الخطأِ عليهم في نقلِ قولٍ لهم في موضِعٍ، وحملِه على موضِعٍ آخَرَ.
قال ابنُ حجَرٍ الهَيْتَمِيُّ: «ومَن تَحقَّقَتْ نظَرَ أجنبيٍّ لها، يلزَمُها سَتْرُ وجهِها عنه؛ وإلَّا كانَتْ مُعِينةً له على حرامٍ فتأثَمُ» (٣). انتهى.
وقال الرَّمْليُّ الشافعيُّ: «استَثْنَى الوجهَ والكفَّيْنِ المصنِّفُ- النوويُّ- في» مجموعِه»، لكنَّه فرَضَه في الحُرَّةِ، ووجوبُ سترِهما في الحياةِ ليس لكونِهما عورةً؛
стр. 143
بل لكونِ النظرِ إليهما يوقِعُ في الفتنةِ» (١). انتهى.
وأئمَّةُ الفَتْوَى والتحقيقِ مِن الشافعيَّةِ يَنُصُّونَ على وجوب سَتْرِ المرأةِ لوجهِها، وإنِ اختلَفَ تعليلُهم للسترِ؛ فأقوامٌ يوجِبُون السترَ لذاتِه؛ كالشِّهابِ الرَّمْليِّ، والشَّمْسِ الرَّمْليِّ، والخطيبِ الشِّرْبِينيِّ، ومنهم مَن يُوجِبُه لمصلحةِ الناسِ ودفعِ الفتنةِ والفسادِ؛ كأبي زكَرِيَّا الأنصاريِّ، والشهابِ ابنِ حَجَرٍ.
والمعتَمَدُ عند الشافعيَّةِ: ما اتَّفَقَ عليه الرافعيُّ والنوويُّ؛ أنَّ تغطيةَ المرأةِ لوَجْهِها واجبٌ لذاتِه؛ كما نقلَه الخطيبُ عنهما، ثم ما عليه الهَيْتَمِيُّ والرَّمْليُّ، وهو ما حكَيَاه في هذه المسألةِ بلا اختلافٍ أنَّ المرأةَ يجبُ أن تُغَطِّيَ وجهَها عندَ رؤيةِ الرجالِ لها.
وقد منَعَ النوويُّ مِن كشفِ المسلمةِ لوجهِها وكفَّيْها عندَ المرأةِ الكافرةِ إلا أنْ تكونَ مملوكةً لها، وقال: «هذا هو الصحيحُ في مذهبِ الشافعيِّ»؛ كما نقَلَ ذلك عن النوويِّ تلميذُه ابنُ العَطَّارِ في «الفتاوى» (٢).
стр. 144
وقال النوويُّ في «المنهاج»: «ويحرُمُ نظَرُ فَحْلٍ بالغٍ إلى عورةِ حُرَّةٍ كبيرةٍ أجنبيَّةٍ، وكذا وجهِها وكَفَّيْها؛ عندَ خوفِ فِتْنَةٍ، وكذا عندَ الأَمْنِ؛ على الصحيحِ» (١). انتهى.
وبعضُهم ينقُلُ كلاماً للنوويِّ في «المِنْهاج» نقلَه عن القاضي عِيَاضٍ: أنَّ تغطيةَ المرأةِ لوجهِها سُنَّةٌ مُستَحَبَّةٌ (٢)، وينسُبُون للنوويِّ إقرارَه، وهذا غَلَطٌ عليه؛ فالنوويُّ يتشدَّدُ في كشفِ المسلمةِ للكافرةِ، وُيوجِبُ احتجابَها عنها؛ لكونِها ليست مِن نسائِها؛ كما في آيةِ الزينةِ وما بعدَها؛ فكيفَ بالرجالِ الأجانِبِ؟!
وقولُ القاضي عياضٍ ضعَّفَه جماعةٌ مِن أئمةِ الشافعيةِ؛ كالخطيبِ الشِّرْبينيِّ (٣)، والشمسِ الرَّمْليِّ (٤)، وابنِ حَجَرٍ الهَيْتَميِّ (٥)، وغيرِهم.
ويُدْرِكُ فقهاءُ الشافعيةِ مقاصدَ الشافعيِّ وتفريقَه بين
стр. 145
عورةِ النظرِ وعورةِ السترِ؛ فلا ينسُبُون للشافعيِّ جوازَ كشفِ المرأةِ لوجهِها إلا في سياقاتِ عورةِ الصلاةِ والسترِ، وإنما ينسُبُون إليه وجوبَ تغطيَتِها لوجهِها في سياقِ عورةِ النظرِ -يعني: وجودَ الناظِرِينَ- قال الشِّهَابُ: «ومذهَبُ الشافعيِّ ﵀ -كما في «الروضةِ»، وغيرِه-: أنَّ جميعَ بدنِ المرأةِ عورةٌ حتى الوجهُ والكَفُّ مطلقاً، وقيلَ: يَحِلُّ النظرُ إلى الوجهِ والكفِّ إن لم يُخَفْ، وعلى الأَوَّلِ: هما عورةٌ إلا في الصلاةِ، فلا تبطُلُ صلاتُها بكشفِهما» (١). انتهى.
وما يُنْسَبُ للشافعيِّ ومالِكٍ وأبي حنيفةَ: أنهم يجيزونَ كشفَ وجهِ المرأةِ عندَ الرجالِ الذين لا يجوزُ لهم النظرُ إليها، ولا يَغُضُّون أبصارَهم عنها، خطأٌ شاعَ عند المتأَخِّرِين، ولا يَسْتَطِيعونَ إثباتَه عنهم صريحاً؛ وسببُهُ عدمُ تتبُّعِ أقوالِهم في عورةِ السترِ؛ وعورةِ النظرِ، والتفريقِ بينهما.
وأمَّا أحمدُ بنُ حنبلٍ: فالنصوصُ عنه كثيرةٌ، وهو يأمُرُ بتغطيةِ المرأةِ لوجهِها؛ لكونِه عورةً تستُرُه الحرةُ لذاتِه ولو لم تكنْ فيه فتنةٌ؛ قال أحمدُ: «كُلُّ شيءٍ مِن المرأةِ
стр. 146
عورةٌ حتى الظُّفْرُ، وقال: وظُفْرُ المرأةِ عورةٌ، وإذا خرجَتْ فلا يَبِينُ منها لا يَدُها ولا ظُفْرُها ولا خُفُّها؛ فإنَّ الخُفَّ يَصِفُ القَدَمَ» (١)؛ كما نقلَه عنه الخَلَّالُ.
قال الشيخُ ابنُ تيميَّةَ في الوجهِ في الصلاةِ: «والتحقيقُ: أنَّه ليس بعورةٍ في الصلاةِ، وهو عورةٌ في بابِ النظرِ؛ إذا لم يَجُزِ النظرُ إليه» (٢)، وقال مبيِّناً الفرقَ بين عورةِ النظرِ وعورةِ السترِ: «ليستِ العورةُ في الصلاةِ مرتبطةً بعورةِ النظرِ، لا طرداً ولا عكساً» (٣). انتهى.
تغطيةُ المرأةِ لوجهِها بينَ التشديدِ والتيسيرِ:
مَن نظَرَ في الأحاديثِ والآثارِ بعدَ فرضِ الحجابِ، وجَدَ أنَّ نساءَ المؤمِنِين والصحابياتِ والتابعياتِ ونساءَ الصَّدْرِ الأوَّلِ على تستُّرٍ دامٍّ؛ يُغَطِّينَ وجوهَهُنَّ، فضلاً عن غيرِ ذلك مِن أبدانِهِنَّ، وينظُرْنَ إلى ذلك على أنَّه عبادةٌ ودينٌ، حتى كان مِنهُنَّ مَن يَتتَبَّعْنَ فضائلَ السترِ بعدَما فعَلْنَ واجباتِه، ويَحْتَسِبْنَ الأجرَ بالسترِ وهنَّ في بيوتِهِنَّ، ورُوِيَ
стр. 147
عنِ ابنِ عباسٍ ﵄، قال: «كانتْ أُمُّ سَلَمَةَ لا تضَعُ جلبابَها وهي في البيتِ؛ طلباً للفَضْلِ» (١).
وقد تقادَمَ الزمَنُ، واتَّسَعَتْ رقعةُ الإسلامِ، ودخَلَ فيه مِن العربِ والعجمِ مع رسوخِ عاداتِهم السابقةِ فيهم، فكانَ أئمةُ الإسلامِ والفاتحونَ يَنْشَغِلُون بتقريرِ التوحيدِ وأصولِ الدِّينِ فيهم، يتدَرَّجُون في البلاغِ، ولا يَبْنُون فرغاً إلا وقد بنَوْا أصلَه.
ومع قوَّةِ الإعلامِ وتسلُّطِ أيادٍ غيرِ أمينةٍ عليه؛ تُبْعِدُ الفضيلةَ وتُقَرِّبُ الرذيلةَ، شاعَ السفورُ في أكثرِ بلدانِ العالَمِ المسلِمِ، وفتَحَتْ أجيالٌ عيونَها على حالٍ، وتوطَّنُوا عليها، ثم نظَرُوا في الأحاديثِ والآثارِ وهَدْيِ نساءِ المؤمِنِين في الصَّدْرِ الأوَّلِ، فاستَثْقَلُوها؛ وذلك للبُعْدِ بينَ الحالَيْنِ.
وخرجَتْ مدارسُ فقهيَّةٌ مهزومةٌ تُرِيدُ أنْ تطوِّعَ الآياتِ والأحاديثَ والآثارَ لهذا الواقعِ البعيدِ ، وتقرِّبَ الفجوةَ بين المسلِمِين ودينِهم، وانشغَلَتْ نفوسُهم بمحاولةِ تفصيلِ الإسلامِ على الواقعِ، لا تفصيلِ الواقعِ على الإسلامِ، ورُبَّما يكونُ بعضٌ منهم صادِقِين، واختلفَتْ هذه المَدْرسةُ
стр. 148
في تبديلِها، ولكنَّها اتفقَتْ على شِدَّةِ التحرِّي والتتبُّعِ لنصوصٍ تؤيِّدُ الواقعَ، ناسخةً أو منسوخةً، عامَّةً أو خاصَّةً، مُطْلَقةً أو مُقَيَّدةً، صحيحةً أو ضعيفةً، مرفوعةً أو موقوفةً، يتتَبَّعُون حتى كُتُبَ التاريخِ والسِّيَرِ، وأذهانُهم مهتمَّةٌ بإيجادِ ما يوافقُ الواقعَ، فيَفْرَحُون بالنَّصِّ المُجمَلِ، ويَتعامَوْنَ عنِ المُحكَمِ!
وكأنَّهم أرادُوا بدلاً مِن أنْ تُسْتَرَ عوراتُ النساءِ بالثيابِ أن يَسْتُرُوها بالنصوص؛ لتَهْدَأَ النفوس، حتى رأيتُ مَن يحتَجُّ بقولِه تعالى عن مَلِكةِ سَبَأٍ: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ [النمل: ٤٤] على جوازِ كشفِ ساقِ المرأةِ! وكلَّما ازدادَ الواقعُ بعداً، ازدادُوا للنصوصِ بَتْراً.
ويجبُ التفريقُ بين هذه المدرسةِ المهزومةِ وبين منهجِ الأنبياءِ في تقريبِ الحقِّ والتدرُّجِ فيه ، فإنْ كان الناسُ في بلدٍ بعيدِينَ عن الحَقِّ، فيجبُ دعوتُهم إلى أُصولِ الحقِّ، وتحذيرُهم مِن أُصولِ الباطلِ قبلَ فروعِه، فكلُّ ذنبٍ عظيمٍ، فله مِن جِنْسِه صغائِرُ حتى الكُفْرُ، فإنَّ الخَمْرَ حُرِّمَتْ؛ لأنَّها مُسْكِرةٌ ومُفتِّرةٌ، فإنْ كانت مُنتشِرة في بلدٍ، فإنَّه يُبدَأُ بها ويُتغافَلُ عما كانَ مِن جنسِها مِن الصغائرِ كالدُّخَانِ ونحوِه؛ حتى يستقِرَّ الأصلُ فيُنتقَلَ إلى الفرعِ.
стр. 149
وكذلك إنْ كانَ الزِّنَى ينتشِرُ في بلدٍ، فيُنْهَوْنَ عن الزنى ويُتغافَلُ عن وسائِلِه، حتى تَتوطَّنَ النفوسُ على تحريمِه، ثم يُتدرَّجُ في ترتيبِ الوسائلِ بحسبِ قُرْبِها مِن المقاصِدِ، فأقرَبُ وسائلِ الزنى: الخَلْوةُ، فيُشدَّدُ فيها، ثم يَلِيها الاختلاطُ في التعليمِ والعمَلِ، والتغافُلُ عن الوسائلِ لا يعني إباحتَها.
وأن كان البلدُ في عُرْيٍ تُؤْمَرُ المُسلِماتُ بتغطيةِ عورةِ السترِ قبلَ عورةِ النظَرِ، حتى تَتوطَّنَ نفوسُهُنَّ، فيؤمَرْنَ بما دُونَه، وهكذا لا يؤمَرُ بفرعٍ لم يثبُتْ أصلُه، فالنبيُّ ﷺ كان يُثبِّتُ الأصولَ قبلَ فروعِها.
وقد تَتبايَنُ البلدانُ في قربِها وبعدِها عنِ الإسلامِ، فيجبُ أن تَتبايَنَ البِدَايَاتُ فيها؛ فإنَّه يُبدَأُ في كلِّ بلدٍ بما انتَهَتْ إليه مِن القُرْبِ إلى الخَيْرِ، فتُدْعَى إلى ما بعدَه.
وقد تَمْدَحُ في بلدٍ ما تَذُمُّه في آخَرَ، وإن كانَا في زمنٍ واحدٍ؛ فقد يكونُ أحدُ البلدانِ في عُرْيٍ، وبلدٌ أُخرى في احتشامٍ، فتَمْدَحُ المتعرِّيةَ إنْ غطَّتْ رأسَها ولو أبقَتْ وجهَها، وتَذُمُّ المحتشِمَةَ إنْ كشفَتْ وجهَها وإنْ غطَّتْ رأسَها؛ لأنَّ الأُولَى اقتربَتْ إلى الحقِّ فتُمدَحُ ولو لم تَصِلْ إلى الخيرِ التامِّ، والثانيةُ ابتعَدَتْ عند الخيرِ فتُذَمُّ ولو لم
стр. 150
تصِلْ إلى الشَّرِّ التامِّ؛ ففَرْقٌ بين تأليفِ المُقْبِلِ وتحذيرِ المُدْبِرِ، فشاربُ الخمرِ والدُّخَانِ، إنْ ترَكَ الخمرَ وحدَه مُدِحَ، وتاركُ الخمرِ والدخانِ، إنْ شَرِبَ الدخانَ وحدَه ذُمَّ، ولو كانَا جميعاً عند المدحِ والذمِّ سواءً، ولكنَّ هذا مُقْبِلٌ فاستحَقَّ المَدْحَ، وهذا مُدْبِرٌ فاستحَقَّ الذَّمَّ.
وإن كانتِ الفروعُ تَصُدُّ عن الأصولِ، سُكِتَ عنها، ولا يجوزُ صَدُّ الناسِ عن أصولِ دينِهم بها، فإنْ تمكَّنَ الناسُ مِن الأصولِ، قَبِلُوا الفروعَ وأذعَنُوا لها، وأن لم يتمكَّنُوا زادَتْهم الفروعُ صدّاً، وقد روَى ابنُ سعدٍ في «الطبقات»؛ أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كَتَبَ وهو خليفةٌ إلى عامِلِه على خُرَاسانَ الجَرَّاحِ بنِ عبدِ الله الحَكَمِيَّ يأمُرُه أن يدعُوَ أهلَ الجزيةِ إلى الإسلامِ، فإنْ أسلَمُوا قَبِلَ إسلامَهم، ووضَعَ الجزيةَ عنهم، وكانَ لهم ما للمسلِمِين، وعليهم ما على المسلِمِين، فقال له رجلٌ مِن أشرافِ أهلِ خُرَاسانَ: إنَّه واللهِ ما يَدْعُوهم إلى الإسلامِ إلا أنْ توضَعَ عنهم الجزيةُ، فامتَحِنْهم بالخِتَانِ، فقال: أنا أرُدُّهم عن الإسلامِ بالختانِ؟ هم لو قد أسلَمُوا، فحَسُنَ إسلامُهم، كانُوا إلى الطُّهْرَةِ أسرَعَ، فأسلَمَ على يَدِه نحوٌ مِن أربعةِ آلافٍ (١).
стр. 151
أحاديثُ مُشْكِلةٌ في الحِجَابِ:
لا يَخلُو بابٌ مِن أبوابِ أصولِ الدِّينِ ولا فروعِه مِن آياتٍ أو أحاديثَ مُشتبِهَةٍ، تُخالِفُ في ظاهرِها المحكَماتِ البيِّناتِ، فإنْ جازَ ذلك في الأصولِ، فإنَّه في أبوابِ الفروعِ مِن بابِ أَوْلَى، وفي أبوابِ حجابِ المرأةِ ولباسِها يُورِدُ بعضُ الكُتَّابِ أحاديثَ تُخالِفُ المُحكَمَ البَيِّنَ، منها الصحيحُ، ومنها الضعيفُ، ومنها ما لو وُضِعَ في موضِعِه ولم يُلْغَ به العامُّ، لاستقامَ للناظِرِ الحكمُ، ولكنِ استُعْمِلَ كثيرٌ مِن الأحاديثِ الظنيَّةِ في نقضِ القطعيَّةِ، والأحاديثِ المشتَبِهةِ في نقضِ المحكَمةِ، ومِن هذه الأحاديثِ المتعلِّقةِ بأبوابِ الحجابِ:
الأوَّلُ: قِصَّةُ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ:
وهو ما رواهُ أبو داودَ، عن عائشةَ ﵂؛ أنَّ أسماءَ بنتَ أبي بكرٍ دخلَتْ على رسولِ الله ﷺ وعليها ثيابٌ رِقَاقٌ، فأعرَضَ عنها رسولُ الله ﷺ ، وقال: (يا أَسْمَاءُ! إِنَّ المَرْأةَ إِذَا بَلَغَتِ المَحِيضَ، لَمْ تَصْلُحْ أنْ يُرَى مِنْهَا إِلَّا هَذَا وَهَذَا)، وأشارَ إلى وجهِهِ وكَفَّيْه (١).
стр. 152
يرويه سعيدُ بنُ بَشِيرٍ، عن قتادةَ، عن خالِدِ بنِ دُرَيْكٍ، عن عائشةَ.
وخالدُ بنُ دُرَيْكٍ لم يَسْمَعْ مِن عائشةَ؛ قاله أبو داودَ، وأبو حاتمٍ (١).
وسعيدُ بنُ بَشِيرٍ الأَزْدِيُّ، وإن كان صدوقاً في لسانِه؛ إلا أنَّه ضعيفٌ في حفظِه، وقد ضعَّفَه أحمدُ، وابنُ المدينيِّ، وأبو داودَ، والنَّسَائيُّ (٢)، وقال ابنُ مَعِينٍ: «ليس بشيءٍ» (٣)، ثم إنَّ له مُنكَراتٍ يحدِّثُ بها عن قتادةَ؛ قالَه ابنُ نُمَيْرٍ والساجِي (٤).
وقد تفرَّدَ سعيدُ بنُ بَشِيرٍ بروايةِ هذا الحديثِ عن قتادةَ، واضطَرَبَ فيه؛ فمَرَّةً يجعَلُه عن خالِدِ بنِ دُرَيْكٍ عن عائشةَ، ومَرَّةً أُخرى يجعَلُه عن خالِدِ بنِ دُرَيْكٍ عن
стр. 153
أُمِّ سَلَمةَ (١).
وخولِفَ فيه سعيدٌ؛ خالَفَه هِشَامٌ الدَّسْتَوائيُّ، وهو مِن أوثَقِ أصحابِ قتادةَ؛ فرواهُ عن قتادةَ مرسلاً: (إنَّ الجاريةَ إذا حاضَتْ لم يَصْلُحْ أن يُرَى منها إلا وجهُها ويَدَاها إلى المَفْصِل)؛ أخرجَه أبو داودَ في «المراسيلِ» (٢).
وتابَعَه مَعْمَرٌ عن قتادةَ: بلَغَنِي عن النبيِّ ﷺ ، فذكَرَ معناهُ؛ أخرجَه عبدُ الرَّزَّاقِ، وعنه الطَّبَرِيُّ (٣).
وله طريقٌ آخَرُ: أخرَجَه الطبرانيُّ والبيهقيُّ، مِن حديثِ ابنِ لَهِيعةَ، عن عِيَاضِ بنِ عبدِ الله؛ أنَّه سَمِعَ إبراهيمَ بنَ عُبَيْدِ بنِ رفاعةَ الأنصارِيَّ يُخبِرُ عن أبيهِ أظُنُّه عن أسماءَ بنتِ عُمَيْسٍ؛ أنَّها قالتْ: دخَلَ رسولُ اللهِ ﷺ على عائشةَ بنتِ أبي بكرٍ ... فذكَرَ نحوَه (٤).
стр. 154
وابنُ لَهِيعةَ ضعيفُ الحديثِ (١)، وشيخُه عِيَاضٌ ضعيفٌ أيضاً؛ ضعَّفَه ابنُ مَعِينٍ (٢)، وقال البخاريُّ: «مُنْكَرُ الحديثِ» (٣)، وعُبَيْدُ بنُ رفاعةَ قليلُ الحديثِ ليس فيه توثيقٌ يستحِقُّ الذِّكْرَ.
ولا يُقْبَلُ مثلُ هذا الإسنادِ شاهداً لغيرِه، فضلاً عن قيامِه بنَفْسِه!
ومِن وجوهِ نكارةِ الحديثِ: أنَّ أسماءَ بنتَ أبي بكرٍ أكبَرُ مِن عائشةَ، وكذلك فإنَّها معروفةٌ بِسَتْرِها لوجهِها وكَفَّيْها عندَ الرجالِ، بسندٍ صحيحٍ، عن فاطمةَ بنتِ المنذِرِ، قالَتْ: «كُنَّا نُخَمِّرُ وجوهَنا ونحنُ مُحْرِمَاتٌ مع أسماءَ بنتِ أبي بَكْرٍ» (٤).
إلا أنْ يكونَ حديثُها الأوَّلُ عن عَوْرَرتِها عندَ مَن يدخُلُ عليها مِن أهلِها ومحارِمِها، وليس الأجانِبَ، فقد صحَّ تستُّرُها عندَ الأجانبِ؛ فلا يُصَارُ إلى غيرِه.
الثاني: حديثُ المرأةِ الخَثْعَميَّةِ:
وهو ما رواهُ الشيخانِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ ﵄،
стр. 155
قال: كانَ الفَضْلُ رَدِيفَ النبيِّ ﷺ ، فجاءَتِ امرأةٌ مِنْ خَثْعَمٍ، (وفي روايةٍ: وَضِيئَةٌ)، فجعَلَ الفضلُ ينظُرُ إليها وتنظُرُ إليهِ، (وفي روايةٍ: أعجَبَه حُسْنُها)، فجعَلَ النبيُّ ﷺ يَصْرِفُ وجهَ الفضلِ إلى الشِّقِّ الآخَرِ، فقالتْ: إنَّ فريضةَ اللهِ أدركَتْ أبي شَيْخاً كبيراً لا يثبُتُ على الراحلةِ، أفأحُجُّ عنه؟ قال: (نَعَمْ)؛ وذلك في حَجَّةِ الوداعِ (١).
وبيان ما أشكَلَ فيه مِن وجوهٍ:
أولاً: صحَّ أنَّ الخَثْعَميَّةَ جاريةٌ عُرِضَتْ على النبيِّ ﷺ في حَجِّهِ ليَرَاها فيتزَوَّجَها، كما جاءَ عنِ الفضلِ بنِ عبَّاسٍ، قال: كُنْتُ رِدْفَ رسولِ اللهِ ﷺ وأعرابِيٌّ معه ابنةٌ له حَسْناءُ، فجعَلَ يَعْرِضُها لرسولِ اللهِ ﷺ رجاءَ أنْ يتزَوَّجَها، قال: فجعَلْتُ ألتَفِتُ إليها، وجعَلَ رسولُ اللهِ ﷺ يأخُذُ برَاسِي فيَلْوِيه، وكان رسولُ اللهِ ﷺ يُلَبِّي حتى رمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ؛ أخرَجَه أبو يَعْلَى بسندٍ صحيحٍ (٢).
والنبيُّ ﷺ نَهَى عنِ الخِطْبَةِ في الحجِّ (٣)؛ لا العَرْضِ
стр. 156
والنَّظَرِ لمَن نَوَى، وإنْ كانتْ جاريةً وقُصِدَ بها الأَمَةُ غالياً؛ فالنبيُّ ﷺ يُعْتِقُ الأَمَةَ فيتزَوَّجُها؛ كما فعَلَ بِصَفِيَّةَ ومارِيةَ القِبْطِيَّةِ ﵄.
ثانياً: جاء أنَّ الخَثْعَميَّةَ جاريةٌ شابَّةٌ؛ أخرَجَه الترمذيُّ بسندٍ صحيحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵁، مرفوعاً (١)، والطحاويُّ بسندٍ صحيحٍ عنِ ابنِ عباسٍ ﵄ (٢)، وهذا الوصفُ: جاريةٌ شابَّةٌ، يُطلَقُ عادةً على الإماءِ، لا على الحرائِرِ، والأَمَةُ ليستْ مخاطَبةً بالجلبابِ وتغطيةِ الوجهِ كالحُرَّةِ، والى هذا أشار البخارِيُّ في «صحيحه»؛ حيثُ أورَدَه في سياقِ عورةِ النظَرِ، وعلى هذا بوَّبَ، وساقَ قبلَ هذا الحديثِ قولَه: «وكَرِهَ عطاءٌ النظَرَ إلى الجوارِي التي يُبَعْنَ بمَكَّةَ؛ إلا أنْ يُرِيدَ أن يَشْتَرِيَ»، ثم ذكَرَ حديثَ الخثعَميَّةِ بعدَه (٣).
وتسمَّى الأَمَةُ جاريةً؛ لأنَّها تَسِيرُ غاديةً ورائحةً في خِدْمةِ أهلِها، كما تسمَّى السفينةُ: جاريةً؛ قال الله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١]، ومنه قولُه:
стр. 157
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الشُّورَى: ٣٢]، وقولُه: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الرحمن: ٢٤]؛ لأنَّها تَجْرِي بخدمةِ الناسِ وحَمْلِهم ومَتَاعِهم.
وقد تُطلِقُ العربُ الجاريةَ على الحُرَّةِ يُريدونَ الشابَّةَ، ولكنَّه في حديثِ الخثعمِيَّةِ قال: جاريةٌ شابَّةٌ، وَيندُرُ جدّاً الجمعُ بين اللفظَيْنِ للحُرَّةِ، ورُبَّما لا يوجَدُ في كلامِ النبيِّ ﷺ ، ويَندُرُ جَرَيانُه على ألسنةِ الصحابةِ والتابِعِين، والأصلُ عند إطلاقِ لفظِ: «جارية» وحدَه أنَّها أَمَةٌ، وهذا الغالبُ في الأحاديثِ والآثارِ، وهو كثيرٌ شائعٌ، ولا يُنتقَلُ عنه إلا ببيِّنةٍ أو قرينةٍ، ومِن ذلك إطلاقُه على الحُرَّةِ معروفةِ الحُرِّيَّةِ للتدليلِ على صِغَرِها، كما أُطْلِقَ على عائشةَ في الإِفْكِ (١)، فإطلاقُ لفظِ «الجارية» على الأَمَةِ لا يَحْتاجُ إلى قرينةٍ وسياقٍ؛ لأنَّه الأصلُ، وإنما يُحْتَاجُ إلى القرينةِ والسياقِ في إخراجِه عنها وإنزالِه على الحُرَّة.
ثالثاً: المرأةُ تكونُ أَمَةً ولو كانتْ مِن نسبةٍ قَبَلِيَّةٍ لكونِها سَبِيَّةً؛ فقد بعَثَ النبيُّ ﷺ إلى خَثْعَمٍ سرايَا مِن أصحابِه، منها عامَ تسعةٍ، وجاؤوا منهم بسَبْيٍ رجالاً ونساءً، وقد ذكَرَ
стр. 158
ابنُ سعدٍ في «الطبقات» سَرِيَّةَ قُطْبةَ بنِ عامِرٍ إلى خَثْعَمٍ بناحيةِ بِيشَةَ قريباً مِن تُرَبَةَ في صَفَرَ سنةَ تسعٍ، ثم قال: «وقتَلَ قُطْبَةُ بنُ عامِرٍ مَن قتَلَ -يعني: مِنْ خَثْعَمٍ- وساقُوا النَّعَمَ والشاءَ، والنساءَ إلى المدينةِ» (١). انتهى.
وقد تكونُ الأَمَةُ والعَبْدُ أعراباً؛ فإنَّ الأعرابيَّ: اسمٌ للأحرارِ والعبيدِ؛ لمَن كان في الباديةِ ولو كان أعجمِيّاً.
رابعاً: أنَّ هذا الحديثَ لا أعلَمُ مَنِ استدَلَّ به مِن أهلِ القرونِ الثلاثةِ على مسألةِ كشفِ المرأةِ الحُرَّةِ لوجهِها؛ وإنما يُورِدُونَه في الحكمِ المتعلِّقِ بنظرِ الرجلِ لا كشفِ المرأةِ؛ لأنَّ حكمَ تغطيةِ الوجهِ خاصٌ بالحُرَّةِ، والنظَرُ المحَرَّمُ عامٌّ للجميعِ؛ للحرةِ والأَمَةِ.
وأما فتوَى الخثعَمِيَّةِ عن حَجِّ جَدِّها، فلا يَتعارَضُ مع كونِها أَمَةً، وجَدُّها أو أبوها حُرٌّ، فالرِّقُّ معنىً يقومُ بالنَّفْسِ، بل قد يكونُ الابنُ حُرّاً والوالدُ عبداً؛ فيَمُنُّ الابنُ على أَبِيه، فيُعْتِقُه، قال ﷺ : (لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكاً فيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقِهُ)؛ أخرجه مسلم (٢).
وحَجُّ العبدِ عنِ الحُرِّ، والصبيِّ عنِ البالِغِ، صحيحٌ
стр. 159
بالاتِّفاقِ؛ وإنَّما الخلافُ في إجزائِه عن الفريضةِ، والعاجِزُ المُقعَدُ لا فريضةَ عليه؛ لسقوطِها بعجزِه، وإنْ حُجَّ عنه، فالأَجْرُ صحيحٌ له، وقد ذهَبَ بعضُ الفقهاءِ: إلى صِحَّةِ نيابةِ العبدِ عند الحُرِّ، وإجزاءِ ذلك عنه؛ فلم يَشْتَرِطُوا الحريةَ في النائبِ.
الثالثُ: حديثُ سُبَيْعةَ الأَسْلَميَّةِ:
وهو أنَّ سُبَيْعةَ بنتَ الحارثِ كانَتْ تحتَ سعدِ بنِ خَوْلةَ، فتوفِّي عنها في حَجَّةِ الوداعِ وهي حاملٌ، فلم تَنشَبْ أنْ وضَعَتْ حَمْلَها بعدَ وفاتِه، فلمَّا تَعَلَّتْ مِن نفاسِها، تَجمَّلَتْ للخُطَّابِ، فدخَلَ عليها أبو السَّنابِلِ، فقال لها: ما لي أراكِ تَجَمَّلْتِ للخُطَّابِ تَرْجِينَ النكاحَ؟! فإنَّكِ واللهِ ما أنتِ بناكِحٍ حتى تَمُرَّ عليَكِ أربعةُ أشهُرٍ وعَشْرٌ، قالت سُبَيْعةُ: فلَمَّاً قال لي ذلك، جَمَعْتُ عليَّ ثيابي حينَ أَمْسَيْتُ، فأتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فسأَلْتُه عن ذلك، فأفتاني بأنِّي قد حَلَلْتُ حينَ وضَعْتُ حَمْلِي، وأمَرَنِي بالتزوُّجِ إنْ بَدَا لي؛ أخرَجَ الحديثَ البخاريُّ ومسلمٌ (١).
وبيانُ ما أشكَلَ فيه مِن وجوهٍ:
أولاً: ليس في شيءٍ مِن الأحاديثِ أنَّها كانَتْ كاشفةً
стр. 160
لوجهِها؛ وإنَّما رأى أبو السنابِلِ زينَتَها، واستنكَرَ ذلك؛ يَظُنُّها في عِدَّتِها، والمعتدَّةُ بوفاةِ زوجِها مُنِعَتْ مِن الخِضَابِ، وهو في الكفِّ، ومِنَ الكُحْلِ وهو في العَيْنِ لا يستُرُه النِّقَابُ، ومُنِعَتْ مِنَ الثيابِ المُزَعْفَرةِ والمُعَصْفَرةِ، ومنَعَ بعضُ الأئمةِ كمالِكٍ وغيرِه لُبْسَ المعتدَّةِ للذَّهَبِ ولو خاتَماً، وكلُّ هذه زينةٌ تُرَى، ولا يلزمُ رؤيةُ الوَجهِ، والمتشابِهاتُ لا يجوزُ أن تكونَ أصولاً، يُبْنَى عليها أحكامٌ، ولا قاضيةً على ما هو أصرحُ منها وأحكَمُ واللهُ حَرَّمَ الزينةَ على العجوزِ أمامَ الرجالِ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]، فكيفَ تُجَازُ الزينةُ للشابَّةِ الحُرَّةِ بنَصٍّ مشتَبِهٍ، ولم يَقُلْ بجوازِ بروزِ الشابَّةِ بزينةِ وجهِها للأجانِبِ أحدٌ مِن الصحابةِ ولا التابِعِين.
ثانياً: أنَّ زوجَ سُبَيْعةَ الأسلَميَّةِ مولىً وليس حُرّاً، وهكذا يَنُصُّ عليه أئمةُ السِّيَرِ؛ كابنِ إسحاقَ، وابنِ هِشَامٍ، والواقديِّ، وابنِ حِبَّانَ، وابنِ عبدِ البَرِّ، والبلاذُرِيِّ، وأبي الفَرَجِ بنِ الجَوْزِيِّ، ومحمَّدِ بنِ حَبِيبَ، وابنِ الأَثِيرِ (١)؛
стр. 161
ولكنَّهم يختَلِفُون في أصلِه: هل هو مِن كَلْبٍ، أو مِن مَذْحِجٍ، أو مولىً مِن موالي فارِس، وإنْ نسَبَه بعضُهم لبَنِي عامِرٍ؛ فإنَّ المولَى يُنْسَبُ لقومِه وَلَاءً؛ كما قال ﷺ : (مَوْلَى القَوْمِ مِنْهُمْ) (١)، وسعدُ بنُ خَوْلةَ مَوْلىً قديمٌ، فأمُّهُ مولاةٌ كذلك لسعدِ بنِ أبي السَّرْحِ، كما ذكَرَه البلاذُرِيُّ في «أنساب الأشراف» (٢)؛ ولذا جاءَ في «الصحيح» عن سُبَيْعةَ: «أنَّها كانتْ تحتَ سعدِ بنِ خَوْلةَ وهو في بَنِي عامِرٍ» (٣)، وهذا غالباً يُطْلَقُ على الموالي والحُلَفَاءِ، لا على الحُرِّ، وأصيلِ النسَبِ، فالحُرُّ يقالُ فيه غالباً: «مِن بني فلانٍ»، والمولَى والحَلِيَفُ يُقال فيه غالباً: «في بَنِي فلانٍ».
والأصلُ أنَّ سُبَيْعةَ الأسلميةَ مولاةٌ كزَوْجِها، ونِسْبَتُها لأسلَمَ كنِسْبَةِ زوجِها سعدٍ لبَنِي عامِرٍ؛ فإنَّ العرَبَ لا تزوِّجُ الحرائرَ العبيدَ، وليس مِن عاداتِها ذلك، والخروجُ عن هذا الأصلِ نادِرٌ يَفْتقِرُ إلى بيِّنةٍ تنقُلُه، وكانتِ الحرةُ تَسْتثقِلُ
стр. 162
زواجَها مِن المَوْلَى ولو كان مُعْتَقاً؛ وهو في الشرعِ جائزٌ؛ ولذا؛ رُوِيَ أنَّ زيدَ بنَ حارثةَ مولى الرسولِ ﷺ وعتيقَه لَمَّا أرادَ خِطْبةَ زينَبَ بنتِ جَحْشٍ، واستَشْفَعَ بالنبيِّ ﷺ ، قال: (لا أُرَاهَا يَفْعَلُ؛ إِنَّهَا أَكْرَمُ مِنْ ذَلِكَ نَسَباً). وفي روايةٍ قالتْ: «فَإِنِّي خَيْرٌ مِنه حَسَباً» (١).
ثالثاً: يدلُّ على كونِها أَمَةً أمورٌ:
منها: أنَّ النبيَّ ﷺ طَلَبَ أن تُؤْذِنَهُ إنْ خرَجَتْ مِن عِدَّتِها، ولم يُحِلْها إلى وَليِّها وأهلِها لترى شأنَها مِنهم.
ومنها: أنَّ النبيَّ ﷺ هو الذي أنكَحَها؛ ففي البخاريِّ: «فأنكَحَها رسولُ اللهِ ﷺ » (٢)، وهذا لا يكونُ في الحرائِرِ؛ فإنَّ الحُرَّةَ يزوِّجُها عادةً أهلُها، وقد يُزَوِّجُ الأَمَةَ غيرُ مَوَالِيها؛ كأنْ تكونَ مَوْلاتُها امرأةً، أو كانَتْ شِرْكاً لرجالٍ كثيرٍ بإرثٍ أو غيرِه، فيزَوِّجُها الحاكِمُ.
ومنها: أنَّ أبا السنابِلِ دخَلَ عليها، ولا يُدْخَلُ على الحُرَّةِ، بخلافِ الأَمَةِ؛ لما في «الصحيحين»، مِن حديثِ عُقْبةَ بنِ عامرٍ؛ قال ﷺ : (إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ) (٣).
стр. 163
رابعاً: أنَّ دخولَ أبي السنابِلِ عليها ورُؤْيَتَهُ لها رؤيةُ راغِبٍ بالخِطْبَةِ لها؛ وهذا جائِزٌ؛ ففي «البخاري»: «وكان أبو السنابِلِ فِيمَنْ خَطَبَها» (١)، ونظَرُ الرجلِ للمرأةِ التي يَرْغَبُ في نكاحِها في عدَّةِ بينونَتِها الكبرى -وفاةً كانَتْ أو طلاقاً- جائِزٌ، ولكنْ لا تُخْطَبُ ولا تُوَاعَدُ حتى تخرُجَ مِن العِدَّة.
خامساً: أنَّ دخولَ أبي السنابِلِ على سُبَيْعةَ كان في حُجْرَتِها كما جاء في «الصحيح»، ولم تكنْ بارِزةً بزينَتِها في الطُّرُقاتِ.
وأمَّا عِدَّةُ وفاةِ الزوجِ فلا اعتبارَ فيها بالحَيْضِ، بالنَّصِّ والإجماعِ؛ وإنَّما بالأَشْهُرِ للحُرَّةِ والأَمَةِ (٢)، ولم يثبُتْ أنَّ النبيَّ ﷺ بَيَّنَ لسُبَيْعةَ بنَفْسِهِ عِدَّةَ الأشهُرِ للنساءِ حرائِرَ أو إماءً، وإنَّما بَيَّنَ لها انتهاءَ عِدَّتِها بالوَضْعِ، وإنما في الأحاديثِ قولُ غيرِه لها.
ويُجْمِعُ العلماءُ على أنَّ الأَمَةَ الحاملَ كالحُرَّةِ إنْ تُوُفِّي عنها زوجُها: أنَّها تعتَدُّ حتى تضَعَ حَمْلَها (٣). وإنْ كانَتْ غيرَ حاملٍ، فجمهورُ العلماءِ: على أنَّ عدةَ الأَمَةِ
стр. 164
على النِّصْفِ مِن عدَّةِ الحُرَّةِ، وذهَبَ بعضُ السلفِ -كابنِ سيرينَ، ومكحولٍ؛ كما عزاهُ أحمدُ إليهما، وهو قولُ جماعةٍ مِن أهلِ الظاهِرِ- إلى أنَّ عدةَ الحرةِ كالأَمَةِ (١).
وجعَلَ مالِكٌ وربيعةُ وأحمدُ -في روايةٍ- ومجاهِدٌ والحَسَنُ وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، الأَمَةَ المعتَدَّةَ بالأشهُرِ كالحُرَّةِ؛ تعتَدُّ ثلاثةَ أشهُرٍ (٢).
ولا خلافَ عندَ العلماءِ أنَّ الحُرَّةَ والأَمَةَ إن كانَتْ حاملاً: أنَّها تَبِينُ بوَضْعِ حَمْلِها.
وأُمُّ الوَلَدِ لو مات سيِّدُها وزوجُها معاً ولم تَعْلَمِ الأوَّلَ منهما، فإنَّها تعتَدُّ أربعةَ أشهُرٍ وعشراً كالحُرَّةِ؛ قاله غيرُ واحدٍ مِن الفقهاءِ مِن المالِكِيَّةِ وغيرِهم (٣).
الرابع: حديثُ سَفْعاءِ الخَدَّيْنِ:
وهو حديثُ جابِرِ بنِ عبدِ الله ﵁، قال: شَهِدتُّ مع رسولِ اللهِ ﷺ الصلاةَ يومَ العيدِ، فبدَأَ بالصلاةِ قبلَ الخُطْبَةِ بغيرِ أَذَانٍ ولا إقامةٍ، ثم قامَ متَوَكِّئاً على بلالٍ، فأمَرَ بتقوَى اللهِ، وحَثَّ على طاعَتِه، ووعَظَ الناسَ وذَكَّرَهم، ثم مَضَى حتَّى أتى النساءَ، فوعَظَهُنَّ وذكَّرَهُنَّ، فقال: (تَصَدَّقْنَ؛
стр. 165
فإِنَّ أكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ)، فقامَتِ امرأةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ سَفْعَاءُ الخَدَّيْنِ، فقالَتْ: لِمَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: (لِأنَّكُنَّ ثُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ)، قال: فجعَلْنَ يتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ، يُلْقِينَ في ثوبِ بِلَالٍ مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ وخَوَاتِمِهِنَّ (١).
وبيانُ ما أشكَلَ فيه مِن أوخُهٍ:
أولاً: أنَّ المرأةَ المذكورةَ لا يُجزَمُ بكونِها حُرَّةً شابَّةً، وظاهِرُ الحديثِ: أنَّها مِن القواعدِ أو الإماءِ؛ فـ «السَّفْعَةُ» شُحُوبٌ وسوادٌ أو تغيُّرٌ، وغالباً ما يُصِيبُ كِبارَ السِّنِّ أو الجوارِيَ؛ لكثرةِ بُرُوزِهِنَّ، وحديثُ «سَفْعَاءِ الخَدَّيْنِ» نظيرُ ما في «صحيح البخاري»، قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: رَأَى النبيُّ ﷺ في بيتِها جارِيَةً في وجهِها سَفْعَةٌ، فقال: (اسْتَرْقُوا لَهَا) (٢)، وكونُها كاشفةً لا يجعَلُ منها حُرَّةً؛ فقد كانتْ جاريةً.
ثانياً: يَعْضُدُ أنَّ سَفَعَ الخَدَّيْنِ يكونُ في قواعدِ النساءِ، لا في المرأةِ الشابَّةِ الحسناءِ، ما في روايةِ أحمدَ والنَّسَائِيِّ في هذا الحديثِ، قال: «مِنْ سَفِلَةِ النِّسَاءِ، سَفْعَاءُ الخَدَّيْنِ» (٣)؛
стр. 166
يعني: مِن أَقَلِّ النساءِ شأناً، وكذلك ما رواه أحمدُ وأبو داودَ، مِن حديثِ عوفِ بنِ مالِكٍ الأشجَعِيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ القِيَامَةِ -وأَوْمَأَ بالوُسْطَى والسَّبَّابَةِ- امْرَأَةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا، ذَاتُ مَنْصِبٍ وجَمَالٍ، حَبَسَتْ نَفْسَها عَلَى يَتَامَاهَا؛ حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا) (١).
وإنما ذكَرَ جابرٌ ﵁ قولَهُ: «سَفِلَة النِّساءِ»؛ ليبيِّنَ أنها ليستْ مما تَفتِنُ الناظرَ إليها.
ثالثاً: أنَّ الحديثَ لم يَرِدْ في جميعِ طُرُقِه وصفُ وجهِ المرأةِ، وإنَّما تفرَّد به عبدُ المَلِكِ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ؛ أخرَجَه مسلِمٌ (٢)، وقد رواهُ ابنُ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، عن جابِرٍ، ولم يَذْكُرْ وَصْفَها (٣)، وقد جاءتِ القِصَّةُ مِن حديثِ جماعةٍ مِن الصحابةِ؛ رواها ابنُ مسعودٍ (٤)، وابنُ عُمَرَ (٥)،
стр. 167
وابنُ عباسٍ (١)، وأبو هريرةَ (٢)، وأبو سعيدٍ (٣) ﵃، ولم يَذْكُرُوا سُفُورَها؛ ولذا قِيلَ بشُذوذِ هذه اللفظةِ في الحديثِ، وإن كانتْ محفوظةً فلا يُعْلَمُ كونُها قاعداً أم أمَةً أم حُرَّةً، وفي المحكَمِ حُجَّةٌ وغُنْيَةٌ وكفايةٌ، والمُتشابِهاتُ لا يَتَّبِعُها إلَّا مَنْ في قلوبِهِمْ زَيْغٌ؛ كما قال اللهُ تعالى. والله أعلم.
وبهذا ينتَهِي المقصودُ مِن هذه الرسالةِ، ولم تكن الغايةُ منها سَوْقَ الأدلةِ ولا سردَ أقوالِ الفقهاءِ وحَشْدَها، فإنَّ هذا البابَ لا حدَّ له ولا حَصْر، والمرادُ هو إعادةُ ما زُحْزِحَ مِن الأدلة والأقوالِ إلى مواضعِها، وبيانُ مُحْكَمِها مِن متشابِهِها؛ فإنَّ مِن الأدلةِ ما كان على موضعٍ عند العلماء يعرِفُون سياقَهُ ومنزلةَ دلالتِه بالنسبةِ لغيرِه، حتى جاء الزمنُ المتأخر فاستثير وحُمّل ما لا يحتمل، وجُعل منه أصلاً في الباب، واستُنبط منه ما جُعل تجديداً للدين، وما هو إلا قول دخيل لا يُعرف في قولٍ ولا عملٍ سالف، والله أعلم وأحكَم، وهو الموفق للهدى والسداد، وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.