الوجهُ الثاني: أنَّ فِقْهَ السلفِ في غيرِ التفسيرِ في بقيةِ أبوابِ السترِ والنظَرِ، دالٌ على هذا المعنى؛ فقد صحَّ عنِ ابنِ شهابٍ الزُّهْرِيِّ قولُه: «لا بأسَ أن ينظُرَ الرجلُ إلى قُصَّةِ المرأةِ مِن تحتِ الخمارِ، إذا كان ذا مَحْرَمٍ، فأمَّا أنْ تسلَخَ خمارَها عندَه، فلا» (١).
وقال الزهريُّ أيضاً في المرأةِ تسلَخُ خمارَها عند ذي مَحْرَمٍ: «أمَّا أنْ يَرَى الشيءَ مِن دونِ الخمارِ، فلا بأسَ، وأمَّا أن تسلَخَ الخمارَ، فلا»؛ أخرجَه عبدُ الرَّزَّاقِ عن مَعْمَرٍ، عنه، وهو صحيحٌ (٢).
ومَن جَمَعَ أقوالَ السلَفِ في جميعِ الأبوابِ، ونظَرَ فيها في سياقٍ واحدٍ، أدرَكَ حجمَ وَرَعِهم وتحفُّظِ نسائِهم، وأدركَ أنهم يَدُورون في دائرةٍ أُخرى مِن العِفَّةِ والاحتياطِ على غيرِ ما يحمِلُه كثيرٌ مِن الكُتَّابِ عنهم؛ فإنَّهم لا يريدونَ مِن معنى الزينةِ التي تتعلَّقُ بالوجهِ وما حولَه للأجانبِ الأبعَدِين، وهم لا يختَلِفُون في جوازِ كشفِ المرأةِ لوجهِها للأقرَبِين، ولا يخوضونَ في ذلك؛ وإنَّما يذكُرُون الوجهَ اختصاراً لإجازةِ زينَتِه تبغاً مِن الكُحْلِ والقُرْطِ، ويذكُرُون
стр. 107
اليَدَ اختصاراً ليدخُلَ فيها زينَتُها مِن الخاتَمِ والخضابِ والسِّوَارِ، ولا يَعْنُون الوجهَ بذاتِه، ولا اليدَ بذاتِها؛ ومَن نظَرَ في مجموعِ تفسيرِهم، أدرَكَ ذلك يقيناً.
ومِن المهمِّ بيانُه: أنَّ تفسيرَ الصحابةِ للزِّينةِ الظاهرةِ مِن بابِ شِدَّةِ العفافِ وغايةِ الاحتشامِ، والسترِ الذي هم عليه؛ ولا يظهر أنَّهم يُحَرِّمون على المرأةِ أن تُبْدِيَ شعرَها ويديها عندَ محارمِها، فهذا الذي خففت به الشريعةُ، وهو الذي نعتقِدُ، ولكنَّ المرادَ مِن بيانِ أقوالِهم ووضعِها في مواضعِها وسياقاتِها التي أوْرَدُوها فيها: أنَّ المعاصِرِين لمَّا بعَّدَ الزمانُ والواقعُ بينهم وبين ذلك الجيلِ، وضَعُوا أقوالَهم في غيرِ موضعِها، ولم تتصَوَّرْها نفوسُهم إلا كذلك؛ فكانت أقوالُ السلفِ في بيانِ الحكم احتياطاً، ثم وُضِعَت في غير موضعِها تفريطاً.
الوجهُ الثالثُ: أنَّ اللهَ رخَّصَ في الآيةِ الخامسةِ مِن آياتِ الحجابِ للقواعِدِ أنْ يضَعْنَ ثيابَهُنَّ فقال: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠].
واتَّفق المفسِّرُون مِن الصحابةِ والتابعينَ أنَّ الثيابَ التي رخَّصَ اللهُ بوضعِها للعجوزِ هي الجلابيبُ؛ جاء بسنَدٍ
стр. 108
صحيحٍ ذلك عن ابنِ عباسٍ وابنِ مسعودٍ وابنِ عُمَرَ ﵃ والشَّعْبيِّ وابنِ جُبَيْرٍ والحسَنِ ومجاهِدٍ وعطاءٍ وعِكْرِمةَ وقتادةَ وغيرِهم (١)، وهؤلاءِ كُلُّهم لهم تفسيرٌ للزينةِ الظاهرةِ كما تقدَّمَ، واتَّفَقُوا هنا على أنَّ ما تختَصُّ به العجوزُ عن الشابَّةِ رفعُ الجلبابِ فقطْ، والجلابيبُ: هي ما تختَصُّ بسترِ الوجهِ مِن بَشَرَةِ الجِسْمِ، وتكونُ فوقَ بقيَّةِ الثيابِ ثوباً على ثوبٍ، فالجلبابُ فوقَ الخمارِ؛ ويدلُّ على أنَّ الجلابيبَ: ما كانتْ تستُرُ الوجوهَ للشابَّةِ: جملةٌ مِن تفسيرِ أفصَحِ الناسِ وأقرَبِهم إلى الوحيِ، وهمُ الصحابةُ والتابِعُون:
منها: قولُ عائشةَ ﵂: «تَسْدُلُ المرأةُ جلبابَها مِن فوقِ رأسِها على وجهِها»؛ أخرَجَه سعيدُ بنُ منصورٍ بسنَدٍ صحيحٍ (٢)، وقولُها في «الصحيحَيْن»: «فخَمَّرْتُ وَجْهِي بجِلْبَابِي» (٣).
ومنها: قولُ ابنِ عباسٍ ﵄: «تُدْلِي الجلبابَ إلى وجهِها»؛ أخرَجَه أبو داودَ في «المسائِلِ» بسندٍ صحيحٍ، وتقدَّمَ
стр. 109
بطُولِه (١)، وقولُه: «أمَرَ اللهُ نساءَ المؤمِنِين إذا خرَجْنَ مِن بيوتِهِن في حاجةٍ أنْ يُغَطِّينَ وجوهَهُنَّ مِن فوقِ رُؤُوسِهِنَّ بالجلابيبِ، ويُبْدِين عَيْناً واحدةً»؛ رواه ابنُ جريرٍ بسندٍ صحيحٍ (٢).
ومنها: ما رواه عاصِمٌ الأحوَلُ، قال: كُنَّا ندخُلُ على حفصةَ بنتِ سيرينَ، وقد جعَلَتِ الجلبابَ هكذا، وتَنقَّبت به، فنقولُ لها: رحمَكِ اللهُ! قال اللهُ تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]، وهو الجِلبابُ، قال: فتقولُ لنا: أيُّ شيءٍ بعدَ ذلك؟ فنقولُ: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠]؛ فتقولُ: هو إثباتُ الجلبابِ (٣).
وإذا اتَّفق الصحابةُ على أنَّ رخصةَ النساءِ العجائزِ وضعُ الجلابيبِ، وكشفُ الوجهِ مِن غيرِ زِينةٍ، فماذا يُحِلُّون للمرأةِ الشابَّةِ أمامَ الأجانِبِ؟!
وقد حكَى الإجماعَ غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ على أنَّه لا يجوزُ للعجوزِ أنْ تكشِفَ شَعْرَها للأجانِبِ مهما بلَغَ
стр. 110
سِنُّها، حكى الإجماعَ الجَصَّاصُ وابنُ حزمٍ وغيرُهما (١)، فشعرُ العجوزِ عورةٌ للأجانِبِ، كشعرِ الشابَّةِ؛ بلا خلافٍ.
وإذا كان تفسيرُ ابنِ عُمَرَ وابنِ عباسٍ وابنِ جُبَيْرٍ وعكرمةَ والحسَنِ والشَّعْبيِّ والضَّحَّاكِ ومجاهِدٍ وقتادةَ لآيَةِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: أنَّها الوجهُ والكَفَّانِ، ويرادُ بها: الأجانبُ، فما الفائدةُ مِن نزولِ آيةِ القواعدِ، والترخيصِ لها بوضعِ الجلبابِ؟!
الوجهُ الرابعُ: أنَّ اللهَ نَهَى عن إظهارِ الزينةِ بقولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، ثم استَثْنَى؛ فقال: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، ثم أرادَ أن يبيِّنَ المعنِيِّينَ بإظهارِ الزينةِ لهم، مُفصِّلاً لمراتِبِهم بحسبِ قُرْبِهم؛ فقال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [لنور: ٣١]، وقد يَسْتشكِلُ البعضُ ذِكْرَ الزوجِ مع أنَّه لا يُستثنى دونَه شيءٌ، وإنما ذُكِرَ مع غيرِه مِنَ المحارِمِ مِن بابِ حصرِ المعنِيِّينَ حتى لا يُظَنَّ أنَّ الخطابَ للأَبْعَدِينَ، وليس المرادُ أنَّ الزينةَ له كالزِّينةِ لغيرِه؛ ولذا بدأَ به للخَصُوصِيَّةِ،
стр. 111
فالمفسِّرُونَ يَعْلَمُونَ اختلافَ مراتِبِ المذكُورِين؛ روى ابنُ وَهْبٍ عن ابنِ زيدٍ: قال: «والزَّوْجُ له فَضْلٌ، والآباءُ مِن وراءِ الرجلِ لهم فَضْلٌ، قال: والآخَرُونَ يتفاضَلُون، قال: وهذا كلُّه يجمَعُه ما ظهَرَ مِن الزينةِ»؛ أخرجَه ابنُ جريرٍ (١).
فقولُ عبدِ الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ أسلَمَ: «وهذا يجمَعُه ما ظهَرَ مِن الزِّينَةِ»؛ يعني: أنَّ المذكُورِين همُ المَحَارِمُ وهم المَعْنِيُّون بقولِه قبلَ ذلك: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، وليس الأجانبَ، فذُكِرُوا للبيانِ والإيضاحِ، والزوجُ له فضلٌ على الجميعِ وخَصُوصيةٌ؛ كما قالَه ابنُ زيدٍ.
التَّدَرُّجُ في فرضِ الحجابِ:
يَذْهَبُ بعضُ المفسِّرينَ إلى أنَّ الحجابَ لم يُفْرَضْ جملةً واحدةً؛ وإنما جاء متدرِّجاً، فأوَّلُ ما نزلَ وذُكِرَ فيه عمومُ المؤمناتِ: آياتُ النُّورِ، ثم آياتُ سورةِ الأحزابِ، ومِن هؤلاءِ ابنُ جريرٍ الطبريُّ، وأبو بكرٍ الجَصَّاصُ، وابنُ تيميَّةَ، وغيرُهم، وهؤلاءِ يتفِقون مع غيرِهم في الغايةِ والنهايةِ التي استقَرَّ عليها الحُكْمُ، وإنِ اختلَفُوا مع غيرِهم في المراحِلِ، وكثيرٌ ممن ينظُرُ في كتبِ المفسِّرِين، ينظُرُ في
стр. 112
سورةِ النورِ فيراهم ينقُلُون كلامَ السلفِ في الزينةِ الظاهرةِ بإجمالٍ، ثم يُعَلِّقُ أولئك الأئمةُ في سورةِ النور، ويَنُصُّون على جوازِ كشفِ المرأةِ لوجهِها وكَفَّيْها، ولو نظَرُوا في كلامِهم في سورةِ الأحزابِ، لوجَدُوا أنَّهم يمنَعُون، وليس هذا اضطراباً، ولا قولَيْن؛ فالمؤلِّفُ واحدٌ، والكتابُ واحدٌ، وإنَّما لأنَّهم يَرَوْنَ تقدُّمَ آيةِ الحجابِ مِن سورةِ النورِ على آيةِ الحجابِ مِن سورةِ الأحزابِ، فيُفَسِّرُون كلَّ موضِع بحسبِ ما فَهِمُوه في موضِعِه، ويجعَلُون فرضَ الحجابِ متدرِّجاً.
ومَن جَهِلَ المتقدِّمَ والمتأخِّرَ مِن السُّوَرِ عندَ الأئمةِ، لم يفهَمْ مقاصدَ القرآنِ وأحكامَ المفسِّرِينَ مِن السلَفِ، قال ابنُ جريرٍ الطبريُّ في سورةِ الأحزابِ: «لا يتشَبَّهْنَ بالإماءِ في لباسِهِنَّ إذا هُنَّ خرَجْنَ مِن بيوتِهنَّ لحاجَتِهِنَّ، فكشَفْنَ شعورَهن ووجوهَهُن، ولكنْ لِيُدْنِينَ عليهن مِن جلابيبهن» (١)، وذكَرَ تفسيرَ السلفِ لتغطيةِ الوجهِ بالجلابيبِ، وهكذا فسَّر آيةَ القواعدِ في سورةِ الأحزابِ (٢)، وقولُه في سورةِ النُّورِ بأنَّ المرأةَ تُبْدِي وجهَها (٣)، يحكِي
стр. 113
المرحلةَ الأُولَى مِن فرضِ الحجابِ، وآيةُ الأحزابِ بعدَها.
وابنُ جريرٍ إمامٌ بصيرٌ ينقُلُ أقوالَ السلفِ في الموضِعِ ويبيِّنُه، ولو كانتِ الآيةُ في حكمٍ سابقٍ، ثم تَبِعَتْه آياتٌ تزيدُ عليه في الحكمِ، فإنه يذكُرُ عندَ كلِّ آياتٍ حكمَها، وهذا له نظائِرُ كثيرةٌ في تفسيرِه.
وهكذا الإمامُ الجَصَّاصُ ذكَرَ معنَى ما ذكَرَه ابنُ جريرٍ في آيةِ النُّورِ؛ لأنَّها سابِقَةٌ (١)، ثم في آيَةِ الأحزابِ المتأخِّرَةِ، قال: «في هذه الآيَةِ دلالةٌ على أنَّ المرأةَ الشابَّةَ مأمورةٌ بِسَتْرِ وجهِها عنِ الأجنَبِيِّين، وإظهارِ السترِ والعفافِ عند الخُرُوجِ «(٢).
وهكذا كثيرٌ مِن المفسِّرِين، يفسِّرون آيةَ النُّورِ على حالٍ سابقةٍ كما جاء عند ابنِ جَرِيرٍ، ثم يَنُصُّون صراحةً على مَنْعِ المرأةِ مِن كشفِ وجهِها عندَ آيةِ الأحزابِ، ومِن هؤلاءِ المفسِّرين: أبو اللَّيْثِ نَصْرٌ السَّمَرْقَنْدِيُّ الحنفيُّ في «تفسيره» (٣)، وأبو عبدِ الله بنُ أبي زَمَنِين (٤)، والثعلبيُّ (٥)،
стр. 114
والكِيَا الهَرَّاسِيُّ (١)، والزمخشريُّ (٢)، والعِزُّ بنُ عبدِ السلام (٣)، والبَيْضَاوِيُّ (٤)، والنَّسَفيُّ (٥)، وابنُ جُزَيٍّ (٦)، والسُّيُوطيُّ (٧)، والبِقَاعيُّ (٨)، وأبو السُّعُودِ (٩)، وغيرُهم.
وكثيرٌ ممَّن ينقُلُ أقوالَهم السابقةَ في إبداءِ الزينةِ الظاهرةِ، يُهْمِلُ أقوالَهم المحكَمةَ في سورةِ الأحزابِ، وقد نزلَتْ بعدَ ذلك!
وسواءٌ قِيلَ: إنَّ الحجابَ نزلَ متدرِّجاً، أم نزَلَ مرةً واحدةً وتنوَّعَتْ نصوصُ القرآنِ في الخطابِ؛ فالغايةُ واحدةٌ، وهو ما ظهَرَ في جميعِ الآياتِ وتجلَّى صريحاً في سورةِ الأحزابِ.
стр. 115
حجابُ الصحابيَّاتِ والتابعيَّاتِ:
مَن تتبَّعَ حالَ الصحابيَّاتِ والتابعيَّاتِ، وجَدَ أنَّ حجابَهُنَّ وسَتْرَهُنَّ لا يختلِفُ في السترِ التامِّ للمرأةِ، وأنَّ عملَهُنَّ كلِّهن على تغطيةِ الوجوهِ، ولا أعلَمُ صحابيةً ولا تابعيةً حُرَّةً شابَّةً معروفةَ الحالِ تكشِفُ وجهَها، وإنْ نُقِلَ فيُنْقَلُ عن مجهولةِ الحالِ، فلا يبيِّنُ النصُّ المنقولُ حالَها؛ عجوزاً أم شابَّةً، حُرَّةً أم أمَةً، وقد كان عملُهُنَّ على تغطيةِ الوجهِ، وقد جاء ذلك في أحاديثَ كثيرةٍ:
منها: ما ثبتَ في «الصحيحين»، مِن حديثِ حفصةَ بنتِ سيرينَ، عن أمِّ عَطِيَّةَ وغيرِها: أنَّ النبيَّ ﷺ لَمَّا أمَرَ بحضورِ النساءِ للعيدَيْنِ، سُئِلَ: أعَلَى إحدانا بأسٌ إذا لم يكن لها جِلْبابٌ ألَّا تخرُجَ؟ قال: (لِتُلْبِسْها صاحبَتُها مِن جلبابِها، ولْتَشْهَدِ الخَيْرَ ودَعْوَةَ المُسْلِمِينَ) (١).
والجلابيبُ: ما تُغَطَّى بها الوجوهُ؛ على ما سبق بيانُه مِن تفسيرِ الصحابةِ.
ومنها: ما رواه البخاريُّ ومسلمٌ؛ أنَّ عائشةَ ﵂ لَمَّا جاءَها صَفْوانُ بنُ المُعَطَّلِ، قالت: «فخَمَّرْتُ وجهِي
стр. 116
بجِلْبَابِي» (١)، وما رواه سعيدُ بنُ منصورٍ في «سننه» بسنَدٍ صحيحٍ عن الأسوَدِ، عن عائشةَ ﵂، قالتْ في المُحْرِمةِ: «تَسْدُلُ المرأةُ جلبابَها مِن فوقِ رأسِها على وجهِها» (٢).
ومنها: ما رواه أبو داودَ في «مسائِلِه لأحمدَ» بسندٍ صحيحٍ، عن أبي الشعثاءِ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قال: «تُدْلِي الجلبابَ إلى وَجْهِها، ولا تَضْرِبُ به»، قلتُ: وما «لا تَضْرِبُ به»؟ فأشارَ لي، كما تَجَلْبَبُ المرأةُ، ثم أشار لي: ما على خَدِّها مِن الجلبابِ، قال: تَعْطِفُه، وتضرِبُ به على وجهِها؛ كما هو مسدولٌ على وجهِها (٣).
ومنها: ما رواه مالكٌ في «الموطَّأ»، مِن حديثِ فاطمةَ بنتِ المنذِرِ؛ أنَّها قالَتْ: «كُنَّا نُخَمِّرُ وجوهَنا ونحنُ مُحْرِماتٌ، ونحنُ مع أسماءَ بنتِ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ» (٤)؛ وفاطمةُ تَحْكِي عملَ النساءِ صحابياتٍ وتابعياتٍ وهُنَّ مُحْرِماتٌ.
ومنها: ما رواه سعيدٌ وابنُ المنذِرِ والبيهقيُّ بسندٍ صحيحٍ، عن عاصِمٍ الأحوَلِ، قال: كُنَّا نَدْخُلُ على حفصةَ
стр. 117
بنتِ سِيرِينَ، وقد جعلَتِ الجلبابَ هكذا، وتنقَّبَتْ به، فنقولُ لها: رحمَكِ اللهُ! قال اللهُ تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]، وهو الجِلْبَابُ، قال: فتقولُ لنا: أيُّ شيءٍ بعدَ ذلك؟ فنقولُ: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠]؛ فتقولُ: هو إثباتُ الجِلْبَابِ (١).
زِينةُ الوجهِ للعجوزِ، وزينةُ الوجهِ للشابَّة:
رخَّصَ اللهُ للقاعِدِ مِن النساءِ وَضْعَ جلبابِها وكَشْفَ وجهِها؛ ولكنَّه منَعَها مِن الزينةِ، ثمَّ فضَّلَ لهنَّ عدمَ وضعِ الجلبابِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠]، فجعَلَ شرطَ وضعِ الجلبابِ عدمَ الزينةِ، والمرادُ بالزينةِ: المكتسَبةُ، وهي إمَّا ذهَبٌ، وإمَّا أصباغٌ على الوجهِ، وقد صحَّ عنِ ابنِ عباسٍ ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾، قال: «هي المرأةُ لا جُناحَ عليها أنْ تَجْلِسَ في بيتِها بدِرْعٍ وخِمَارٍ، وتضَعَ عنها
стр. 118
الجلبابَ ما لم تتبَرَّجْ لِمَا يكرَهُه اللهُ، وهو قولُه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾؛ أخرَجَه البيهقِيُّ (١).
وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: «لا تتبَرَّجْنَ بوضعِ الجلبابِ؛ أن يُرَى ما عليها مِن الزِّينةِ» (٢).
فإذا حرَّم اللهُ التزيُّنَ عندَ كشفِ العجوزِ لوجهِها، وجعلَ شرطَ الرخصةِ بالكشفِ للعجوزِ عدمَ تبرُّجِها بزينةٍ، فمِن بابِ أولَى تحريمُ الكشفِ على الشابَّةِ ولو بدونِ زينةٍ، وغريبٌ أنْ يقولَ قائلٌ بجوازِ تزيُّنِ الشابَّةِ عندَ كشفِها، واللهُ يُحَرِّمُه على العجائزِ وجعلَه شرطاً لكشفِها خاصَّةً لكِبَرِها، فلم يقلْ بذلك أحدٌ مِن المفسِّرِين مِن السلفِ ولا الفقهاءِ.
عورةُ السَّتْرِ وعورةُ النظرِ:
يفرِّقُ العلماءُ بينَ عورةِ السَّتْرِ وعورةِ النظرِ، ومَن لم يَفْهَمْ هذينِ المصطلحَيْنِ، أشكَلَ عليه كلامُ العلماءِ مِن المفسِّرِين والفقهاءِ، وهذا سببُ خطأِ أكثَرِ الباحثِين
стр. 119
والكُتَّابِ اليومَ في فَهْمِ كلامِ العلماءِ؛ فالعلماءُ يُطْلِقُون عورةَ المرأةِ أمامَ الأجانبِ بإطلاقَيْنِ:
الأوَّلُ: عورةُ السترِ؛ فيقولُ الجمهورُ: «المرأةُ عورةٌ إلا وجهَها وكَفَّيْها»، ويقولُ جماعةٌ مِن الفقهاءِ: «المرأةُ كلُّها عورةٌ»، ونحوَ هذه العبارةِ.
الثاني: عورةُ النظرِ؛ فيقولون: «لا يجوزُ أن ينظُرَ الرجلُ إلا لوجهِها وكَفَّيْها»، أو: «لا ينظُرُ إلى شيءٍ منها حتى وجهِها وكَفَّيْها».
والعورةُ الأُولَى عورةُ السترِ، هي التي يجبُ أن تُسْتَرَ لذاتِها؛ لا لأَجْلِ الناظرِ إليها فحَسْبُ، فمثلاً المرأةُ العجوزُ أو الشابَّةُ مهما كان صَدْرُها ونَحْرُها أو شعرُها أو ساقُها مشوَّهاً يسوءُ الناظرِينَ، ولا يجلِبُ أقوى غرائزِ الرجالِ؛ فإنَّه لا يجوزُ لها أن تكشِفَه؛ لأنَّه عورةٌ لذاتِه لا تعلُّقَ للفتنةِ به.
وأمَّا العورةُ الثانيةُ عورةُ النظرِ، فالتي يَحْرُمُ كشفُها لسببٍ خارجٍ عنها، فمتى انتَفَى الأمرُ الخارجيُّ، لم يحرُمْ كشفُها، وهو نظرُ الرجالِ وفتنَتُهم به، ويتفقُ العلماءُ -ومنهم الأئمةُ الأربعةُ- على أنَّ الوجهَ والكفينِ مِن عورةِ النظرِ عندَ الفتنةِ، فيجبُ سترُه؛ لأنه عورةٌ بسببِ الرجلِ
стр. 120
الناظرِ وفتنَتِه؛ لا عورةٌ في ذاتِهِ للمرأةِ المنظورِ إليها، فيُسْتَرُ لغيرِه لا لذاتِه، أمَّا اختلافُهُمْ فعند عدمِ الفتنةِ ووجودِ الرُّخْصةِ للرجلِ أن ينظُرَ.
و مِن الفروعِ المُوجِبةِ للنظرِ مسائلُ كثيرةٌ ، منها:
نظَرُ الرجلِ إلى المخطوبةِ، ونظرُ القاضي للتعرُّفِ على أحدِ الخصمَيْنِ إن كان امرأةً، أو إدلاءُ المرأةِ للشهادةِ على حقٍّ في بيعٍ أو شراءٍ أو خصومةٍ، حتى تُحْفَظَ الحقوقُ فلا تشتَبِهَ امرأةٌ بأُخرى؛ ولهذا يُطْلِقُ كثيرٌ مِن الفقهاءِ عباراتٍ في سياقِ حكمِ عورةِ النظرِ لا عورةِ السترِ، فيقولونَ في أحكامِ العقودِ والشهاداتِ والخصوماتِ: «يجوزُ أن ينظُرَ لوجهِها وكفَّيْها»، ورُبَّما قال بعضُهم: «ينظُرُ إلى وجهِها وكفَّيْها؛ لأنَّهما ليسا بعورةٍ»، أو يقولون: «لا يجبُ عليها سترُهما»، وكلامُهم في عورةِ النظرِ، وتعليلُهم في عورةِ السَّتْرِ؛ ولذا تجدُ الأئمةَ أنفُسَهُمْ عندَ كلامِهم على مسألةِ: كشفِ الوجهِ عندَ الأجانبِ، ومسألةِ: النظرِ بلا مُوجِبٍ، يُوجِبونَ تغطيةَ المرأةِ لوجهِها:
ومِن أمثلةِ ذلك: ما يُقَرِّرُه الحنفِيَّةُ؛ كما قال أبو جعفَرٍ الطَّحَاوِيُّ عندَ الكلامِ على عورةِ السترِ في «شرح معاني الآثار»: «فأُبِيحَ للناسِ أن ينظُرُوا إلى ما ليس بمحرَّمٍ عليهم
стр. 121
مِن النساءِ؛ إلى وجوهِهِنَّ وأَكُفِّهِنَّ» (١)، وعندما يكونُ الكلامُ في سياقِ عورةِ النظرِ عندَ الحنفِيَّةِ فإنَّهم يُقَرِّرُون للمرأةِ حكماً يتعلَّقُ بها وبمَنْ يَلِيها، قال مُفْتِي الحنفِيَّةِ بدِمَشْقَ علاءُ الدِّينِ الحصكَفِيُّ في «الدر المختار»: «وتُمْنَعُ المرأةُ الشابَّةُ مِن كشفِ وجهِها بينَ الرجالِ» (٢)، وقال الطَّحْطَاوِيُّ الحنفيُّ في «حاشيتِه»: «ومنعُ الشابَّةِ مِن كشفِ وجهِها لخوفِ الفتنةِ، لا لأنَّه عورةٌ» (٣). انتهى.
ومِن ذلك: ما صنَعَه النوويُّ في «المجموع» عندَ كلامِه على عورةِ السترِ، فقَدِ استَثْنَى الوجهَ والكَفَّيْنِ (٤)، قال الإمامُ الرمليُّ في «نهاية المُحْتَاج»: «وممَّنِ استَثْنَى الوجهَ والكفَّيْنِ: المصنِّفُ -النوويُّ- في «مجموعِه»؛ لكنَّه فَرَضَه في الحُرَّةِ، ووجوبُ سترِهما في الحياةِ ليس لكونِهما عورةً؛ بل لكونِ النظرِ إليهما يوقِعُ في الفتنةِ غالباً» (٥). انتهى.
стр. 122
وقال البيهقيُّ في «معرفة السُّنَنِ والآثار»، لَمَّا ذكَرَ قولَ الشافعيِّ في جوازِ النظرِ لوجهِ المخطوبةِ وكَفِّها؛ لأنهما ليسَا بعورةٍ، قال: «وأمَّا النَّظَرُ -بغيرِ سببٍ مُبِيحٍ- لغيرِ مَحْرَمٍ، فالمنعُ منه ثابتٌ بآيةِ الحجابِ، ولا يجوزُ لهنَّ أن يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا للمذكُورِينَ في الآيةِ مِن ذَوِي المحارمِ» (١).
وهكذا قال السُّبْكِيُّ: «الأقرَبُ إلى صنيعِ الأصحابِ: أنَّ وجهَها وكفَّيْها عورةٌ في النظرِ، لا في الصلاةِ» (٢). انتهى.
ولهذا كان مذهبُ مالكٍ تحريمَ كشفِ المرأةِ لوجهِها عند وجودِ مَن ينظُرُ إليها في طريقِها، وجوازَه عندَ عدمِ وجودِ الناظِرِ؛ لأنَّه يفرِّقُ بين عورةِ السترِ وعورةِ النظرِ؛ قال ابنُ القَطَّانِ: «ويحتَمِلُ عندي أن يقالَ: إنَّ مذهبَ مالكٍ هو أنَّ نظَرَ الرجلِ إلى وجهِ المرأةِ الأجنبيَّةِ لا يجوزُ إلا مِن ضرورةٍ ... والجوازُ للبُدُوِّ وتحريمُه مُرَتَّبٌ عندَه -أي: مالكٍ- على جوازِ النظرِ، أو تحريمِه؛ فكلُّ موضعٍ له فيه جوازُ النظر، فيه إجازةُ البُدُوِّ» (٣). انتهى.
стр. 123
فمَنْعُهُما للكشفِ لا يلزَمُ منه أنْ يكونَ الوجهُ والكفَّانِ عندَهما عورةً، وعدمُ كونِ الوجهِ والكفَّيْنِ عندَهما عورةً، لا يلزَمُ منه كشفُهما.
وكثيراً ما تُبتَرُ أقوالُ الأئمَّةِ الفقهاءِ مِن المذاهبِ الأربعةِ، فيُؤخَذُ كلامُهم في عورةِ السترِ، وُيوضَعُ في عورةِ النظرِ؛ للتدليلِ على جوازِ السفورِ والتبرُّجِ! وسببُ ذلك إمَّا جهلٌ أو هوىً.
إشكالان:
الإشكالُ الأوَّلُ: يَسْتشكِلُ بعضُ الكُتَّابِ الجمعَ بينَ إطلاقِ بعضِ الفقهاءِ بقولِهم: «ويجوزُ له أَن ينظُرَ إلى وجهِها وكَفَّيْها»، وبينَ إطلاقِهم: «يجبُ أنْ تَسْتُرَ وجهَها وكفَّيْها»؛ فيَرَوْنَ أنَّ جوازَ النظرِ لازمٌ للكشفِ، كما يَحْسَبُون أنَّ السترَ لازِمٌ لعدمِ النظرِ.
الإشكالُ الثاني: يَسْتشكِلُ بعضُهم أمرَ اللهِ بغَضِّ البصَرِ، فهذا لازِمٌ لكشفِ الوجهِ؛ فكيفَ يؤمَرُ بغَضِّ البصرِ إلا لما هو موجودٌ؟!
وهذا الإشكالُ شبيهٌ بما سبقَ، وإنَّما يَرِدُ غالباً عندَ مَن لا يفرِّقُ بين عورةِ السترِ وعورةِ النظرِ؛ ولبيانِ
стр. 124
ذلك يقالُ: إنَّه يوجَدُ في الشريعةِ هنا حُكْمانِ:
الأوَّلُ: يَتوجَّهُ إلى المرأةِ المنظورِ إليها: فالمرأةُ قد تكشِفُ وجهَها رُخْصةً لها؛ مثلُ الأَمَةِ، والقاعدِ العجوزِ، وعند القاضي للشهادةِ والخصومةِ إذا استشكَلَ أمرَها، وعندَ الخِطْبةِ، وكذلك في كشفِ الكافراتِ، وقد تَكْشِفُ الحُرَّةُ مخالِفةً للأمرِ الشرعيِّ، فما كلُّ أحدٍ يَمْتثِلُ الأمرَ، فحكمُ المرأةِ لها، وحكمُ الرجلِ له، فمَن فرَّطَ في شيءٍ، لا يلزَمُ سقوطُ الحكمِ فيه عن الآخَر، كمَنْ ترَكَ مالَه كالذَّهَبِ والفِضَّةِ في الطريقِ، فإنَّ هذا لا يُجِيزُ سرقَتَه؛ فيَجِبُ عليه أن يحفَظَ مالَه، ويجبُ على غيرِه عدمُ السرقةِ ولو كان المالُ سائباً.
الثاني: يتوَجَّهُ إلى الرجلِ الناظِرِ: فهو مأمورٌ بغضِّ البصَرِ عما يتعلَّقُ به كرجُلٍ ناظِرٍ، وهو ما يَفْتِنُ مِن الإماءِ، ومَن فُتِنَ بعجوزٍ، حَرُمَ عليه النظرُ إليها ولو جازَ في حقِّها الكشفُ، والنَّظَرُ للخِطْبَةِ، وعند الشهادةِ والحقوقِ، يكونُ للوجهِ والكفينِ فقطْ؛ فلا يجوزُ تعدِّيهما للشعرِ والنحرِ بأيِّ حالٍ.
وقد كانتِ الإماءُ في الطُّرُقاتِ أكثرَ مِن الحرائِرِ ؛ ولهذا يكثُرُ الإطلاقُ: مسألةُ النظرِ للمرأةِ؛ فجوازُ كشفِ
стр. 125
الأَمَةِ دَوْماً، والحُرَّةِ أحياناً، لا يعني جوازَ النظرِ إليها بكلِّ حالٍ، ولما تغيَّرَتِ الحالُ وكثُرَ خروجُ الحرائرِ كخروجِ الإماءِ في الطرقاتِ، اضطَرَبَتِ الأحكامُ، واستَثْقَلَها الناسُ في واقِعِهم.
ولذا؛ فالفقهاءُ يأمُرُون بتغطيةِ المرأةِ لوجهِها ولو لم يَقُلْ جمهورُهم بعورَتِه؛ لأنَّها لا تميِّزُ مَن ينظُرُ إليها ومدى فتنَتِه بها؛ لأنَّ الناظِرِين كثيرٌ، وهي واحدةٌ، وليس كلُّ الناسِ يغُضُّ بصَرَه، لكنْ لو قُدِّرَ أنَّ المرأةَ لا يراها إلا رجلٌ أجنبيٌّ واحدٌ لا يفتَتِنُ مثلُه بها كالكبيرِ العَجُوزِ، أو ذاهبِ الشهوةِ كالعِنِّينِ، جازَ لها كشفُ الوجهِ، وحرُمَ كشفُ شعرِها؛ لأنَّ الوجهَ عورةُ نظَرٍ، فزالَتِ العِلَّةُ، والشعرَ عورةُ سترٍ لا تتعلَّقُ بالفتنةِ؛ بل بمجَرَّدِ وجودِ البصرِ.
كلامُ الأئمَّةِ الأربعةِ في كشفِ المرأةِ لوجهِها:
لم يتكلَّمْ مالكٌ وأبو حنيفةَ والشافعيُّ في مسألةِ كشفِ المرأةِ لوجهِها لذاتِه، ولا يُعرَفُ هذا في كتبِهم ولا في مسائلِ أصحابِهم المُقَرَّبِينَ منهم، وإنما يتكَلَّمُون في مسألةِ وجهِ المرأةِ وكفَّيْها عندَ تعلُّقِها بمسألةٍ أُخرى مِن العباداتِ أو المعاملاتِ؛ كالصلاةِ والحجِّ، والعُقُودِ
стр. 126
والخِطْبَةِ؛ وذلك لأنَّ المسألةَ عندَهم ظاهرةٌ في أنَّ الأصلَ في النساءِ الحرائرِ السَّتْرُ والعفافُ وتغطيةُ الوجهِ، وكان كلامُهم كلُّه في الأبوابِ المستَثْناةِ من هذا الأصلِ المستقِرِّ؛ قال الإمامُ محمَّدُ بنُ عليٍّ المَوْزَعِيُّ الشافعيُّ في «تفسيرِه»: «والسلفُ كمالِكٍ والشافعيِّ وأبي حنيفةَ وغيرِهم لم يتكلَّمُوا إلا في عورةِ الصلاةِ»، ثم قال: «وما أظُنُّ أحداً منهم يبيحُ للشابَّةِ أن تكشِفَ وجهَها لغيرِ حاجَةٍ، ولا يبيحُ للشابِّ أن ينظُرَ إليها لغيرِ حاجةٍ» (١). انتهى.
ولو كان الأصلُ في النساءِ السفورَ، لكان بحثُ المسألةِ عندَهم استقلالاً آكَدَ وأوجَبَ مِن بحثِها تبعاً، فهُمْ لم يَبْحَثُوها إلا عندَ الحاجةِ لضِدِّ الأصلِ وخلافِه، وهو الكشفُ في الصلاةِ، والنِّقابُ في الحجِّ، والمعاملاتِ والخصوماتِ والعقودِ وشِبْهِها؛ لأنَّها في هذه الأبوابِ تنتقِلُ المرأةُ عنِ الأصلِ؛ فاحتاجَ للتأكيدِ، وقد نُسِبَ إلى هؤلاءِ الأئمةِ أقوالٌ لا تُعْرَفُ عنهم، ولم ينطِقُوا بها، وأُلْزِمُوا بلوازِمَ لا تَلْزَمُهم، حتَّى نُسِبَ إليهم القولُ بإباحةِ كشفِ المرأةِ لوجهِها عندَ الأجانبِ؛ وُجِدَتِ الفتنةُ أو لم توجَدْ!
стр. 127
وهذا مِن الأقوالِ الباطلةِ التي لم يقولوا بها هُم ولا مَن سبَقَهم، ولا أحدٌ مِن تلامذَتِهم، ولا أحدٌ معتَبَر.
ومَن لم يعرِفْ مقاصدَ الأئمةِ وسياقاتِ كلامِهم ومواضِعَه، يَحْمِلْ أقوالَهم على غيرِ مرادِهم، وكلامُهم أو كلامُ بعضِهم يَرِدُ في مواضعَ مِن الفقهِ في غيرِ كشفِ الوجهِ لذاتِه، منها: عورةُ الصلاةِ، ونِقابُ المُحْرِمةِ، وحاجةُ النظرِ في العقودِ والشهاداتِ والخِطْبةِ وشبهِها:
أمَّا مسألةُ عورةِ الصلاةِ: فهي أكثرُ الأبوابِ التي يتكلَّمُون فيها، فيُطلِقُون أنَّ المرأةَ عورةٌ إلا وجهَها وكفَّيْها، وعورةُ الصلاةِ شيءٌ، وعورةُ النظرِ شيءٌ؛ فإنَّ المرأةَ لو كانتْ في بيتِها لا يراها أحدٌ وحَسَرَتْ شَعْرَها، بَطَلَتْ صلاتُها باتفاقِهم، ولو قالتْ: لا يراني أحدٌ، أو: ليس عندي إلا طِفْلٌ أو زَوْجِي، لم يُعتبَرْ بذلك؛ لأنَّ العورةَ للصلاةِ لا لهم؛ فإدخالُ عورةِ الصلاةِ في عورةِ النظرِ مِن أعظَمِ أخطاءِ الكُتَّابِ على الأئمةِ في هذا البابِ.
وقد نَصَّ غيرُ واحدٍ مِن الفقهاءِ مِن المذاهبِ الأربعةِ: على أنَّ المرأةَ إن كانتْ في الصلاةِ وعندَها أجانبُ، أنَّها تغطِّي وجهَها؛ نصَّ عليه الخطيبُ الشِّرْبِينيُّ مِن الشافعيةِ، وقال: «إلَّا أن تكونَ في مكانٍ وهناكَ
стр. 128
أجانبُ لا يحتَرِزُون عن النظَرِ إليها، فلا يجوزُ لها رفعُ النِّقابِ» (١)، ومِن المالكيةِ اللَّخْمِيُّ، ومِن الحنابِلَةِ ابنُ تيمِيَّةَ وغيرُه، وأشار إليه الطَّحْطاوِيُّ وغيرُه مِن الحنفيةِ.
وقد نسَبَ بعضُ الكُتَّابِ لأحمدَ روايةً: أنَّ كشفَ الوجهِ جائِزٌ؛ لروايةٍ عنه أنَّ وجهَ المرأةِ ليس بعورةٍ، نقلَها ابنُ قُدَامةَ، وكذا المَرْدَاويُّ في «الإنصاف» في عورةِ الصلاةِ، وهذا لا يقولُه مَن عرَفَ فِقْهَ أحمدَ وغيرِه مِن الأئمَّةِ في اصطلاحاتِهم وتفريقِهم بين الأبوابِ وأنواعِ العوراتِ.
ومِن ذلك: ما يشتهرُ نسبَتُهُ لمالِكٍ والشافعيِّ: في أنَّ المرأةَ عورةٌ إلا وجهَها وكَفَّيْها، فكلامُ مالكٍ في «المُدَوَّنَةِ»، والشافعيِّ في «الأُمِّ» في أبوابِ الصلاةِ، وفيه: «وظهورُ قدمَيْها عَوْرةٌ» (٢)، فيأخُذُون ما يُكْشَفُ مِن عورةِ الصلاةِ، وهو الوجهُ والكفَّانِ، ليُكْشَفَ في غيرِ الصلاةِ، وَيتْرُكون قولَهم: «ظهورُ القدمَيْنِ عورةٌ»؛ فلا يُنْزِلُونه خارِجَ الصلاةِ؛ لأنَّه سترٌ! فكشفُ ظهرِ القدمَيْنِ شائعٌ عندَ مَن
стр. 129
تُظْهِرُ الوجهَ والكفَّيْنِ اليومَ، ومع كونِ نقلِ عورةِ السترِ في الصلاةِ لعورةِ النظرِ أو السترِ خارجَ الصلاةِ ليس في محلِّه، إلَّا أنَّ هذا الانتقاءَ يدُلُّ على جهلٍ أو هوىً.
وأمَّا مسألةُ نِقابِ المُحْرِمةِ: فمحلُّ اتفاقٍ عندَهم، وهو كنَهْيِ الرجلِ عن لُبْسِ المَخِيطِ؛ سراويلَ وقُمُصٍ، وأخفافٍ وجوارِبَ، كما تقدَّمَ، وقد كان النهيُ عن لُبْسِ المحرِمةِ للنقابِ قبلَ الإسلامِ، وينقُلُ الأئمةُ الأربعةُ -مالِكٌ وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ وأحمدُ- سترَ المرأةِ لوجهِها في الحجِّ بغيرِ النِّقَابِ بعبارةِ التجويزِ؛ لأنَّ الأصلَ الحَظْرُ والحَرَجُ، وهو أُسلوبُ القرآنِ في السعيِ بين الصَّفَا والمروةِ؛ قال اللهُ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]؛ لأنَّ الناسَ في الجاهليةِ قد وضعَتْ صنمَيْنِ على الصَّفَا والمَرْوَةِ يَطُوفُون لأَجْلِهما، ولا يَعْرِفُون طوافاً بين الصفا والمروةِ إلا لأجلِ ذلك، فوجَدُوا حَرَجاً عندَ تشريعِ السعيِ؛ فأنزَلَ اللهُ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، مع أنَّ السعيَ واجِبٌ، وكثيراً ما تُنقَلُ أقوالُ الأئمَّةِ في لباسِ المرأةِ في الحجِّ في بابِ: كشفِ المرأةِ لوجهِها، ولم يتطَرَّقُوا لأصلِ المسألةِ، وعباراتُ التجويزِ موجودةٌ حتى في كلامِ أحمدَ بنِ حَنْبلٍ الذي يصرِّحُ أنَّ
стр. 130
المرأةَ عورةٌ كلُّها حتى ظُفْرُها (١)؛ يقولُ في سياقِ بيانِ حكمِ تغطيةِ المُحرِمَةِ لوجهِها بغيرِ نقابٍ: «لها أن تَسْدُلَ على وجهِها مِن فَوْقُ» (٢)، وعبارةُ أحمدَ كعبارةِ الأئمةِ؛ فهُم يتكلَّمُون على حكمٍ خاصٍّ لا على الحكمِ العامِّ في تغطيةِ الوجهِ عندَ الأجانبِ، وهذا له نظائرُ في الفقهِ كقولهم: «وللمسافِرِ أن يتيَمَّمَ إنْ فقَدَ الماءَ»، مع أنَّه يجِبُ عليه التيمُّمُ عندَ الصلاةِ إنْ عُدِمَ الماءُ.
والعرَبُ كانتْ تحرِّمُ تغطيةَ الوجهِ كلِّه على المرأةِ المُحْرِمةِ بنِقَابٍ وغيرِه؛ قال خُفَافُ بنُ نُدْبةَ السُّلَمِيُّ:
وأَبْدَى شُهُورُ الحَجِّ مِنْهَا مَحَاسِناً ... ووَجْهاً مَتَى يَحْلِلْ لَهُ الطِّيبُ يُشْرِقِ (٣)
ثم جاء الإسلامُ بإلغاءِ ذلك ودَفْعِ ما تجِدُه نفوسُهم مِن حَرَجٍ، حتى كانتْ عائشةُ تنبِّهُ النساءَ على هذا، حيثُ كُنَّ يَسْأَلْنَها عن دخولِ الغطاءِ في حكمِ النِّقَابِ؛
стр. 131
فروَى ابنُ سعدٍ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالِدٍ، عن أُمِّهِ وأُخْتِه؛ أنَّهما دخلَتَا على عائشةَ ﵂ يومَ الترويةِ، فسألَتْها امرأةٌ: أيَحِلُّ لي أنْ أُغَطِّيَ وجهِي وأنا مُحْرِمَةٌ؟ فرفعَتْ خمارَها عن صدرِها حتى جعلَتْه فوقَ رأسِها (١).
ومِن أئمَّةِ الفقهِ مَن يدفَعُ اللَّبْسَ الذي قد يطرَأُ على هذه المسألةِ، مِن أنَّهم يجوِّزُون كشفَ المرأةِ لوجهِها في الحجِّ وبروزَها للناسِ حينما يَمْنَعُونَها مِن النِّقَابِ؛ قال العِمْرانيُّ الشافعيُّ في «البيان»: «ولسنا نُرِيدُ بذلك أنًّها تبرُزُ للناسِ» (٢).
وأمَّا مسألةُ العقودِ والشهاداتِ والخِطبةِ، والحاجةِ إلى النظرِ فيها:
فالأئمةُ الثلاثةُ- مالكٌ وأبو حنيفة والشافعيُّ- يعدُّون الوجهَ والكفينِ عورةَ نظَرٍ، فيرَوْنَ تغطيتَها لهذه العِلَّةِ، وأحمدُ وجماعةٌ يرَوْنَ الوجهَ والكفينِ عورةَ سَتْرٍ؛ كالشعرِ والنحرِ للشابَّةِ والعجوزِ، ويظُنُّ مَن يقرَأُ مثلَ هذا الكلامِ: أنَّ الجمهورَ على جوازِ كشفِ الوجهِ، وتفرَّدَ أحمدُ بالمَنْعِ،
стр. 132
وهذا خطأٌ؛ بل هم مُتَّفِقُونَ على وجوبِ التغطيةِ؛ لكنَّهم يختَلِفُون في تعليلِ حكمةِ التغطيَةِ: هل لأنَّه عورةٌ فيُسْتَرَ لذاتِه، أو لأجلِ فتنةِ الناظِرِ فيُغَطَّى لأجلِ غيرِه؟ ويتفِقُون في الغايةِ وهي التغطيةُ، ويُرخِّصُ الجميعُ للقاضي أن ينظُرَ للشاهدةِ في الخصومةِ إنْ أنكَرَها خصمُها، أو عندَ عدمِ حفظِ الحقوقِ إلا بمعرفةِ حالِها، أو عندَ إرادةِ الرجلِ خِطْبةَ المرأةِ لنكاحِه بها، أو تعامُلِ الرجلِ مع الأَمَةِ في البيعِ عندَ خشيةِ فَوْتِ الحقِّ؛ فيَذكُرُ الأئمةُ جوازَ نظرِ الرجلِ إليها في هذه الأحوالِ وشبهِها، ويعلِّلُ الجمهورُ جوازَ ذلك بقولِهم:» لأنَّ وجهَها وكفَّيْها ليسا بعورةٍ»؛ فيحمِلُون قولَهم على عورةِ النظرِ، والأئمةُ يريدونَ: إنَّما جازَ ذلك لأنَّ الوجهَ ليس بعورةٍ يُسْتَرُ لذاتِه، وإنَّما لغيرِه، فقامتِ الحاجةُ في غيرِه للنظرِ إليه، فجازَ؛ لأنَّ الحاجةَ لا تجيزُ النظرَ إلى الشعرِ والنحرِ بأيِّ حالٍ؛ لأنَّهما عورةُ سَتْرٍ يُستَرانِ لذاتِهما، لا لأجلِ فتنةِ الناظرِ بهما، فلا يَحِلُّ كشفُ ذلك لا لعجوزٍ ولا لامرأةٍ ولو كانتْ قبيحةً مريضةً شوهاءَ.
وعلى هذا حمَلَ البيهقيُّ قولَ الشافعيِّ في تفسيرِ قولِه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]؛ الوجهَ والكفَّيْنِ، فنقَلَ البيهقيُّ كلامَ الشافعيِّ في النظرِ إلى المخطوبةِ؛
стр. 133
قال الشافعيُّ: «ينظُرُ إلى وجهِها وكفَّيْها، ولا ينظُرُ إلى ما وراءَ ذلك»، ثم قال البيهقيُّ معلِّقاً وموضِّحاً لقولِ الشافعيِّ: «وهذا لأنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه يقولُ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، قيل عنِ ابنِ عباسٍ وغيره: هي الوجهُ والكفَّانِ ... وأما النظرُ -بغيرِ سببٍ مبيحٍ- لغيرِ مَحْرَمٍ، فالمنعُ منه ثابتٌ بآيةِ الحجابِ، ولا يجوزُ لهنَّ أن يُبْدِينَ زينَتَهُنَّ إلا للمذكُورِينَ في الآيةِ مِن ذَوِي المحارمِ» (١)، وفرَّقَ البيهقيُّ بين تجويزِ الشافعيِّ نظرَ الرجلِ للمخطوبةِ، واستدلالِه له بالآيةِ وقولِ ابنِ عباسٍ، وبينَ كشفِها لوجهِها وكفَّيْها، فمَنَعَهُ إلا للمحارمِ، ففرقٌ عندَ الشافعيِّ بين عورةِ النظرِ التي تجوزُ لحاجةٍ، وبينَ عورةِ السترِ التي لا تجوزُ مطلقاً، وسترُ المرأةِ لوجهِها عن النظرِ عند الجمهورِ لا لكونِه عَوْرةً.
ومِن الواجبِ التنبيهُ على أنَّ الفقهاءَ يفرِّقُونَ بين عورةِ الحُرَّةِ وعورةِ الأَمَةِ، وأنَّ الأَمَةَ يُبتَلَى بخروجِها وتعامُلِها في الأسواقِ، وكلامُ الفقهاءِ في الأخذِ والعطاءِ وحاجةِ الرجلِ إلى النظَرِ العابِرِ جُلُّه للإماءِ لا للحرائرِ،
стр. 134
ولا يَتصوَّرُ الناسُ ذلك اليومَ؛ لانعدامِ الإماءِ، وكثرةِ خروجِ الحرائرِ كما تخرُجُ الإماءُ سابقاً، فيَحْمِلُون كلامَ الفقهاءِ في فقهِ الإماءِ ورُخَصِهِنَّ، على فقهِ الحرائِرِ.
والأئمةُ الثلاثةُ -مالكٌ وأبو حنيفةَ والشافعيُّ- يقولون بسَتْرِ المرأةِ الحُرَّةِ لوجهِها لأجلِ نظرِ الرجالِ، وإن لم يقولُوا بأنَّه عورةٌ كأحمَدَ، ومَن نَظَرَ في كلامِهِم وكلامِ أصحابِهم وسياقاتِه ومناسباتِه، وجدَ ذلك بيِّناً:
أما مالكُ بنُ أنَسٍ: فهو يرى أنَّ الوجهَ والكفَّيْنِ يُستَرَانِ لأجلِ النظرِ لا لكونِهما عورةً، وهذا ما يُقَرِّرُه عنه أصحابُه، فهو يقولُ بالغايةِ ويختلِفُ في التعليلِ، فهو يأمُرُ بتغطيةِ الوجهِ عندَ وجودِ الناظِرِ، وُيجيزُهُ عند عدَمِه؛ قال ابنُ القَطَّانِ: «ويحتَمِلُ عندي أنْ يقالَ: إنَّ مذهَبَ مالِكٍ هو أنَّ نظرَ الرجلِ إلى وجهِ المرأةِ الأجنبيَّةِ لا يجوزُ إلا مِن ضرورةٍ ... والجوازُ للبُدُوِّ، وتحريمُه مُرَتَّبٌ عندَه -أي: مالِكٍ- على جوازِ النظرِ، أو تحريمِه، فكلُّ موضعٍ له فيه جوازُ النظر، فيه إجازةُ البُدُوِّ» (١). انتهى.
وهكذا يقولُ أبو العباسِ الوَنْشَرِيسِيُّ المالكيُّ في
стр. 135
«المِعْيَارِ المُعْرِب»: «عورةُ الصلاةِ، والعورةُ التي يجوزُ النظرُ إليها، نوعانِ مختلفانِ»، ثم قال: «فدلَّ جميعُ هذا على أنَّ للعورةِ بالنسبةِ إلى النظرِ حُكْماً، وبالنسبةِ إلى الصلاةِ حكماً آخَرَ؛ يدلُّ على طلَبِ سَتْرِ الوجهِ للحُرَّةِ: أنها لو صلَّتْ مُنتقِبةً، لم تُعِدْ» (١). انتهى.
وأمَّا ما يَسْتَشْكِلُه البعضُ مِن تجويزِ مالكٍ لأكلِ المرأةِ مع غيرِ مَحْرَمِها (٢)؛ فإنَّما يقصِدُ أحوالاً لا يلزَمُ منها المحظورُ، ونساءُ العربِ تأكُلُ مع عبيدِها، وتأكُلُ مِن تحتِ جلبابِها، وهذا مشهورٌ، بل فسَّرَ الأزهريُّ قولَ مالكٍ، فقال: «معنى قولِ مالِكٍ في المُؤاكَلةِ: ذلك في الحِجَال» (٣)، جمع حَجَلَةٍ، وهو بيتٌ كالقُبَّةِ يُسْتَرُ بالثيابِ (٤)، فجعَلَ المرأةَ عندَ أكلِها مع غيرِ مَحْرَمٍ، ساترةً لبدَنِها كلِّه؛ لا لوجْهِها فحَسْبُ.
وقد يجوزُ في قولِ مالكٍ في المرأةِ المُتَجالَّةِ العجوزِ أو الحُرَّةِ مع عبدِها وخادمِها، وهو صريحُ قولِ مالكٍ؛ كما
стр. 136
نقلَه ابنُ العربيِّ، قال: «قال مالِكٌ: يجوزُ للوَغْدِ أن يأكُلَ مع سيِّدَتِه، ولا يجوزُ ذلك لذي المَنْظَرةِ» (١).
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: «وقد وردَتِ الرُّخْصةُ في أكلِ المرأةِ مع عبدِها الوَغْدِ، ومع خادمِها المأمونِ» (٢)، ومالكٌ في «الموطَّأ» يَمْنَعُ مِن تسليمِ الرجلِ على المرأةِ الشابَّةِ (٣)، فكيف يمنَعُ مِن تسليمِ الرجلِ الأجنبيِّ على المرأةِ الشابَّةِ، ثم يُجِيزُ أكلَه معها؟! إلا أنَّه يقصِدُ المُتَجالَّةَ العجوزَ كما بيَّنَه ابنُ الجَهْمِ، وقد صرَّح مالكٌ بقولِه: «ولا تُترَكُ المرأةُ الشابَّةُ تجلِسُ إلى الصُّنَّاعِ، فأمَّا المرأةُ المتجالَّةُ، والخادمُ الدُّونُ التي لا تُتَّهَمُ على القعودِ، ولا يُتَّهَمُ مَن تَقعُدُ عندَه، فإِنِّي لا أرَى بأساً بذلك» (٤).
وكذلك يَسْتشكِلُ البعضُ ما يُنْقَلُ عن مالكٍ في مسألةِ الظِّهَارِ، وأنَّ الزوجةَ تكشِفُ وجهَها لزوجِها الذي ظاهَرَ منها، وقال مالكٌ: «وقد ينظُرُ غيرُه أيضاً إلى
стр. 137
وجهِها» (١)؛ يعني: أنَّها تكشِفُ له لأنَّه زوجُها ولو ظاهَرَ منها، والوجهُ يراه غيرُه ممن هو أبعَدُ منه، فلا يَخْتَصُّ الزوجُ بالوجهِ، وليس عورةَ سترٍ؛ وإنما عورةُ نظَرٍ، فقد يراها غيرُه؛ كعَبْدِها ومحارِمِها، وهم كثيرٌ، بلْ مِن السلَفِ مَن يرخِّصُ للعبدِ المملوكِ أن يرى شَعْرَ سَيِّدَتِه؛ روى ابنُ أبي شيبةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄، قال: «لا بأسَ أن ينظُرَ المملوكُ إلى شَعْرِ مولاتِه» (٢).
والزوجُ أَوْلَى مِن أولئكَ لزوجَتِه ولو ظاهَرَ منها، وهذا مرادُ مالكٍ، والإمامُ مالكٌ يشدِّدُ في الرؤيةِ للمخطوبةِ ألَّا تتجاوَزَ الوجهَ والكفَّيْنِ، ويُسْأَلُ عنِ الأمَةِ المشتراةِ: أَتَرَى ينظُرُ إلى كَفَّيْها؟ قال مالكٌ: «أرجو ألَّا يكونَ به بأسٌ» (٣).
ومَن عرَفَ مذهبَ مالكٍ في العَوْراتِ والنظرِ، في الحُرَّةِ والأَمَةِ، والحاجاتِ والضروراتِ، عرَفَ أنَّه لا يقصِدُ ما يَنْسُبُه إليه بعضُ الجَهَلَةِ مِن سفورِ المرأةِ أمامَ الرجالِ بكلِّ حالٍ.
стр. 138
ويورِدُ بعضُهم كلاماً لمالِكٍ في الرجالِ يُيَمِّمُون المرأةَ الميتةَ بالتُّرَابِ (١)، وجعَلُوا ذلك لازماً لكشفِ أعضاءِ التيمُّمِ، والمرأةُ قد تُيمَّمُ مِن غيرِ كشفٍ ولا مَسٍّ؛ وذلك أنَّ مالكاً يرى أنَّ المرأةَ لو ماتت وليس معها غيرُ ابنِها: أنَّه يُغَسِّلُها مِن وراءِ الثيابِ (٢)، وهذا وهو ابنُها وهي مَيِّتةٌ، واستيعابُ الأعضاءِ بالماءِ أشقُّ مِنِ استيعابِ عضوَيْنِ بالترابِ لم يَقْصِدِ الشارعُ استيعابَهما أصلاً.
وحملُ كلامِ مالكٍ في مسألةِ النظرِ على كشفِ المرأةِ لوجهِها، خطأٌ يقعُ فيه من لم يحقِّقْ مذهَبَهُ في التفريقِ بين العورتَيْنِ.
والمالكيَّةُ يفرِّقُون بين عورةِ النظرِ وعورةِ السَّتْرِ، ومِنهم مَن يُطْلِقُ عورةَ النظَرِ والفتنةِ فيَجْعَلُ المرأةَ كُلَّها عورةً مِن هذا الوجهِ؛ قال القرطبيُّ: «وبما تضمَّنَتْهُ أصولُ الشريعةِ مِن أنَّ المرأةَ كلَّها عورةٌ؛ بدنَها وصوتَها، كما تقدَّمَ، فلا يجوزُ كشفُ ذلك إلا لحاجةٍ؛ كالشهادةِ عليها، أو داءٍ يكونُ ببدنِها، أو سؤالِها عما يَعْرِضُ وتَعيَّنَ
стр. 139
عندَها» (١). انتهى.
وأمَّا أبو حَنِيفةَ: فهو كمالِكٍ في هذا البابِ، يُفرِّقُ بين عورةِ السترِ وعورةِ النظرِ، فلا يُوجِبُ سترَ الوجهِ والكفَّيْنِ لأنهما عورةٌ؛ وإنَّما يوجِبُ سَتْرَهما عندَ نظرِ الرجالِ الذين يُستَرُ عن مِثْلِهم، وقد رأيتُ مَن يحتجُّ بقولٍ لأبي حنيفةَ في سياقِ أحكامِ النظرِ، نقلَه محمدُ بنُ الحسنِ كما في «المبسوط»؛ حيثُ قال: «ولا بأسَ أن ينظُرَ إلى وجهِها والى كَفَّيْها، ولا ينظُرُ إلى شيءٍ غيرِ ذلك منها؛ وهذا قولُ أبي حنيفةَ» (٢).
ولمَّا اختَلَّ لدى الناقِلِ لمثلِ هذا الكلامِ الأصلُ، وهو عدمُ التفريقِ بين العورتَيْنِ والسياقَيْنِ، نسَبُوا إلى مذهبِ أبي حنيفةَ ما لا يُريده، وأعلامُ الحنفيةِ يَعْلَمُون مرادَه ويُدْرِكُونَ التفريقَ، ويبيِّنون أنَّ الأصلَ التغطيةُ، وأنَّ إباحةَ النظرِ في أحوالٍ للرجلِ لا تُناقِضُ أصلَ السترِ مِن المرأةِ؛ فخطابُ المرأةِ غيرُ خطابِ الرجلِ؛ قال السَّرَخْسيُّ: «المرأةُ عورةٌ مِن قَرْنِها إلى قَدَمِها، ثم أُبِيحَ
стр. 140
النظرُ إلى بعضِ المواضعِ منها؛ للحاجةِ والضرورةِ» (١)، وهو هنا يريدُ عورةَ النظرِ.
ولذا؛ لا تَجِدُ مَن يُبِيحُ مِن الحنفيَّةِ المحقِّقِين للمرأةِ كشفَ وجهِها إلا في سياقِ الحاجةِ إلى النظرِ إليها في العقودِ والحقوقِ، ويُفَرِّقُون بينَ أصلِ النظرِ، وبين الحاجةِ إليه، ويفَرِّقُون بين عورةِ السترِ وعورةِ النظرِ؛ قال الطحطاويُّ في «حاشيته»: «قولُه: «وجميعُ بدنِ الحُرَّةِ»؛ أي: جسَدِها، قولُه: «إلا وَجْهَها»، ومنعُ الشابَّةِ مِن كشفِهِ لخوفِ الفتنةِ، لا لأنَّه عورةٌ» (٢). انتهى.
وهذا ما يقَرِّرُه علماءُ الحنفيةِ ومحقِّقُوها؛ كالجَصَّاصِ (٣)، وابنِ عابِدِين (٤)، وغيرِهما.
وأمَّا الشافعيُّ: فلا يختلِفُ القولُ عنه بوجوبِ سترِ المرأةِ لوجهِها لأجلِ النظرِ كقولِ مالِكٍ وأبي حنيفةَ، وما نقلَه المُزَنِيُّ عنه في تفسيرِ الزينةِ الظاهرةِ: بالوجهِ والكَفَّيْن (٥)، فهو
стр. 141
يريدُ عورةَ النظرِ، وذكَرَه في سياقِ عورةِ الصلاةِ؛ ولذا حمَلَ البيهقيُّ تفسيرَه ذلك على إبرازِ الوجهِ والكفَّيْنِ لنظَرِ المحارمِ لا لنظَرِ الأجانِبِ؛ كما في «السُّنَنِ الكُبْرى» (١)، وفسَّرَهُ بهذا المعنى الخطيبُ الشِّرْبِينيُّ والسُّبْكِيُّ وابنُ الرِّفْعةِ وغيرُهم.
وقال إمامُ الحرمَيْنِ الجُوَيْنيُّ: «اتَّفق المسلمونَ على منعِ النِّساءِ مِن الخروجِ سافراتِ الوجوهِ؛ لأنَّ النَّظَرَ مَظِنَّةُ الفِتنةِ» (٢)، وقال أبو حامِدٍ الغزاليُّ لَمَّا ذكَرَ فتنةَ النظرِ بين المرأةِ والرجلِ في «الإحياء»: «لم يَزَلِ الرجالُ على مَمَرِّ الزمانِ مَكْشُوفي الوجوهِ، والنساءُ يَخْرُجْنَ مُنتَقِبَاتٍ» (٣)، وعدَّ أبو حامدٍ الغزاليُّ في» الإحياء» الكشفَ معصيةً (٤).
وقد أيَّدَ النوويُّ في كتابِه «الروضةِ» الاتفاقَ الذي حكاهُ الجوينيُّ (٥)، قال الشِّهَابُ الرَّمْليُّ:» نقَلَ في «الروضةِ» وأصلِها هذا الاتفاقَ وأقرَّاه» (٦).
стр. 142
وقد نَصَّ أبو العبَّاسِ بنُ الرِّفْعةِ على وجوبِ تغطيةِ المرأةِ لوجهِها في الصلاةِ؛ إنْ مَرَّ أمامَها الرجالُ، وقد قال ابنُ تيميَّةَ عنِ ابنِ الرِّفْعةِ: «رأيتُ شيخاً تتقاطَرُ فروعُ الشافعيةِ مِن لِحْيَتِه» (١).
وقال السبكيُّ: «الأقرَبُ إلى صنيعِ الأصحابِ: أنَّ وجهَها وكفَّيْها عورةٌ في النظَرِ» (٢). انتهى.
وفقهاءُ الشافعيةِ يفرِّقُون بين عورةِ الصلاةِ، وعورةِ السَّتْرِ، وعورةِ النظرِ، وأكثَرُ الخطأِ عليهم في نقلِ قولٍ لهم في موضِعٍ، وحملِه على موضِعٍ آخَرَ.
قال ابنُ حجَرٍ الهَيْتَمِيُّ: «ومَن تَحقَّقَتْ نظَرَ أجنبيٍّ لها، يلزَمُها سَتْرُ وجهِها عنه؛ وإلَّا كانَتْ مُعِينةً له على حرامٍ فتأثَمُ» (٣). انتهى.
وقال الرَّمْليُّ الشافعيُّ: «استَثْنَى الوجهَ والكفَّيْنِ المصنِّفُ- النوويُّ- في» مجموعِه»، لكنَّه فرَضَه في الحُرَّةِ، ووجوبُ سترِهما في الحياةِ ليس لكونِهما عورةً؛
стр. 143
بل لكونِ النظرِ إليهما يوقِعُ في الفتنةِ» (١). انتهى.
وأئمَّةُ الفَتْوَى والتحقيقِ مِن الشافعيَّةِ يَنُصُّونَ على وجوب سَتْرِ المرأةِ لوجهِها، وإنِ اختلَفَ تعليلُهم للسترِ؛ فأقوامٌ يوجِبُون السترَ لذاتِه؛ كالشِّهابِ الرَّمْليِّ، والشَّمْسِ الرَّمْليِّ، والخطيبِ الشِّرْبِينيِّ، ومنهم مَن يُوجِبُه لمصلحةِ الناسِ ودفعِ الفتنةِ والفسادِ؛ كأبي زكَرِيَّا الأنصاريِّ، والشهابِ ابنِ حَجَرٍ.
والمعتَمَدُ عند الشافعيَّةِ: ما اتَّفَقَ عليه الرافعيُّ والنوويُّ؛ أنَّ تغطيةَ المرأةِ لوَجْهِها واجبٌ لذاتِه؛ كما نقلَه الخطيبُ عنهما، ثم ما عليه الهَيْتَمِيُّ والرَّمْليُّ، وهو ما حكَيَاه في هذه المسألةِ بلا اختلافٍ أنَّ المرأةَ يجبُ أن تُغَطِّيَ وجهَها عندَ رؤيةِ الرجالِ لها.
وقد منَعَ النوويُّ مِن كشفِ المسلمةِ لوجهِها وكفَّيْها عندَ المرأةِ الكافرةِ إلا أنْ تكونَ مملوكةً لها، وقال: «هذا هو الصحيحُ في مذهبِ الشافعيِّ»؛ كما نقَلَ ذلك عن النوويِّ تلميذُه ابنُ العَطَّارِ في «الفتاوى» (٢).
стр. 144
وقال النوويُّ في «المنهاج»: «ويحرُمُ نظَرُ فَحْلٍ بالغٍ إلى عورةِ حُرَّةٍ كبيرةٍ أجنبيَّةٍ، وكذا وجهِها وكَفَّيْها؛ عندَ خوفِ فِتْنَةٍ، وكذا عندَ الأَمْنِ؛ على الصحيحِ» (١). انتهى.
وبعضُهم ينقُلُ كلاماً للنوويِّ في «المِنْهاج» نقلَه عن القاضي عِيَاضٍ: أنَّ تغطيةَ المرأةِ لوجهِها سُنَّةٌ مُستَحَبَّةٌ (٢)، وينسُبُون للنوويِّ إقرارَه، وهذا غَلَطٌ عليه؛ فالنوويُّ يتشدَّدُ في كشفِ المسلمةِ للكافرةِ، وُيوجِبُ احتجابَها عنها؛ لكونِها ليست مِن نسائِها؛ كما في آيةِ الزينةِ وما بعدَها؛ فكيفَ بالرجالِ الأجانِبِ؟!
وقولُ القاضي عياضٍ ضعَّفَه جماعةٌ مِن أئمةِ الشافعيةِ؛ كالخطيبِ الشِّرْبينيِّ (٣)، والشمسِ الرَّمْليِّ (٤)، وابنِ حَجَرٍ الهَيْتَميِّ (٥)، وغيرِهم.
ويُدْرِكُ فقهاءُ الشافعيةِ مقاصدَ الشافعيِّ وتفريقَه بين
стр. 145
عورةِ النظرِ وعورةِ السترِ؛ فلا ينسُبُون للشافعيِّ جوازَ كشفِ المرأةِ لوجهِها إلا في سياقاتِ عورةِ الصلاةِ والسترِ، وإنما ينسُبُون إليه وجوبَ تغطيَتِها لوجهِها في سياقِ عورةِ النظرِ -يعني: وجودَ الناظِرِينَ- قال الشِّهَابُ: «ومذهَبُ الشافعيِّ ﵀ -كما في «الروضةِ»، وغيرِه-: أنَّ جميعَ بدنِ المرأةِ عورةٌ حتى الوجهُ والكَفُّ مطلقاً، وقيلَ: يَحِلُّ النظرُ إلى الوجهِ والكفِّ إن لم يُخَفْ، وعلى الأَوَّلِ: هما عورةٌ إلا في الصلاةِ، فلا تبطُلُ صلاتُها بكشفِهما» (١). انتهى.
وما يُنْسَبُ للشافعيِّ ومالِكٍ وأبي حنيفةَ: أنهم يجيزونَ كشفَ وجهِ المرأةِ عندَ الرجالِ الذين لا يجوزُ لهم النظرُ إليها، ولا يَغُضُّون أبصارَهم عنها، خطأٌ شاعَ عند المتأَخِّرِين، ولا يَسْتَطِيعونَ إثباتَه عنهم صريحاً؛ وسببُهُ عدمُ تتبُّعِ أقوالِهم في عورةِ السترِ؛ وعورةِ النظرِ، والتفريقِ بينهما.
وأمَّا أحمدُ بنُ حنبلٍ: فالنصوصُ عنه كثيرةٌ، وهو يأمُرُ بتغطيةِ المرأةِ لوجهِها؛ لكونِه عورةً تستُرُه الحرةُ لذاتِه ولو لم تكنْ فيه فتنةٌ؛ قال أحمدُ: «كُلُّ شيءٍ مِن المرأةِ