الحِجَابُ
في الشَّرْعِ والفِطْرةِ
بينَ الدَّلِيل، والقَوْلِ الدَّخِيل
تأليفُ
عبدِ العَزِيزِ بنِ مَرْزُوقٍ الطَّرِيفِيّ
دار المنهاج
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5
مقدِّمة
الحمدُ لله ربِّ العالمين، الذي أقامَ الشريعةَ وقوَّمَ الفِطْرةَ وأحسَنَ الخِلْقة، والصلاةُ والسلامُ على النبيِّ الأمين، سيِّد المرسَلِين، وعلى آلِه وصحبِه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين ..
أما بعد:
فإنَّ مسألةَ الحجابِ ولباسِ المرأة عند الأجانبِ مِن المسائل الجَلِيّة، ولم تَحْتَجْ على مَرِّ قرونِ الإسلامِ إلى فقيهٍ يُصنِّفُ فيها مؤلَّفاً مفرَداً، ولم يكن أئمةُ المذاهبِ الأربعةِ يُفردونها بفُصولٍ، وإنما تَرِدُ في كلامِهم استطراداً وتَبَعاً لغيرِها؛ لوضوحِ حكمِها وجلائِه.
وكانت أدلةُ الحجابِ واللباسِ توضَعُ في موضِعِها الذي أُنزلت فيه، وتَجْرِي على العملِ الذي كان الصحابةُ وأتباعُهم عليه، حتى جاء القرنُ الرابعَ عشَرَ والخامِسَ عشَرَ للهجرة، واحتُلَّ أكثَرُ بُلدانِ الإسلام عقوداً، وتأثَّرت كثيرٌ مِن الأفهام والعقولِ بالمشاهَدةِ والمخالَطةِ؛ فأُخذت أدلةٌ
стр. 6
ووُضِعَت في غيرِ موضعِها، وجُعِلت أقوالُ الفقهاءِ في غيرِ سياقِها، فلم يُفَرَّقْ بين حُرَّةٍ وأَمَةٍ، ولا بين شابَّةٍ وعجوزٍ، ولا بين ما قبلَ فرضِ الحجابِ وبعدَه، ولا بين محكَمٍ ومتشابِه!
حتى ظَهَر الترويجُ لأقوالٍ لا تعرِفُها مذاهبُ الفقهاء، ونُسِب إلى مالكٍ وأبي حنيفةَ والشافعيِّ القولُ بـ (أن تغطيةَ المرأةِ لوجهِها ليس بشريعةٍ)، أو بـ (أنَّ المرأةَ لا يجبُ عليها تغطيةُ وجهِها ولو فَتَنَت، ولا تَأثَمُ حينَها ولو كَشَفَتْ)! ويؤخَذُ كلامُهم في عورةِ السترِ والصلاةِ فيُجْعَلُ في عورةِ النظرِ، حتى يَظُنَّ القارئُ -مِن كثرةِ تعارُضِ النقولِ وتضادِّها- اضطرابَ المذاهبِ وتناقُضَها!
ومسألةُ الحجابِ ولباسِ المرأة لا تحتاجُ إلى توسُّعٍ في التأليف، ولا إلى جمعِ كلامِ الفقهاءِ وحَشْدِه، وإنما تحتاجُ إلى إعادةِ نصوصِ الوحيَيْن إلى مواضعِها، وإرجاعِ أقوال الفقهاءِ إلى سياقاتِها التي قِيلَت فيها، وإلحاقِ متشابِهِ النصوصِ بمُحْكَمِها، مع بيان التبديلِ الذي طَرَأ عليها، ورَدْمِ عقودِ التبديلِ؛ ليتّصلَ الفقهُ الصحيحُ بأهلِه، ولا يُقوَّلَ أئمةُ المذاهب ما لم يقولُوه؛ فإنَّ المتشابِهَ والعامَّ إذا كانا في كلام الله فإنَّهما في كلام الفقهاءِ أظهَرُ وأكثَرُ.
стр. 7
وتلك الحاجةُ مِن التصنيف هي المقصودةُ في هذه الرسالةِ، ومِن الله نستمِدُّ العونَ، ونَستلهِمُه الرُّشد، ونسألُه السَّداد.
عبد العزيز الطريفي
الاثنين ٢٠ - ٤ - ١٤٣٦ للهجرة
стр. 8
الحمدُ لله الذي أنزَلَ القرآنْ، وأحسَنَ فطرةَ الإنسانْ، وأكرَمَه بالإيمانْ، وطبَعَهُ على معرفةِ الحقِّ مِن الباطِلِ، وتمييزِ الخيرِ مِن السرِّ، وأُصَلِّي وأُسَلِّمُ على النبيِّ الأمينِ محمَّدِ بنِ عبدِ الله، وعلى آلِهِ وصحبِه، ومَنِ اتَّبَع ..
أمَّا بعدُ:
فإنَّ الذي أنزَلَ الشرعَ هو الذي خلَقَ الطبعَ، وجعَلَ طبائعَ الإنسانِ الصحيحةَ التي لم تتبدَّلْ تتوافقُ كتوافُقِ كَفَّيِ الرَّجُلِ الواحدِ، وتتطابقُ الفطرةُ الصحيحةُ والشريعةُ المنزَّلةُ كتطابُقِ أسنانِ التُّرْسِ حينما يُقابِلُ مِثْلَه، فيَدُورانِ بانتظامٍ لا ينتَهِي حتى يختلَّ أحدُهما؛ ولهذا جاءَتِ الشرائعُ السماويةُ بأصلَيْنِ عظيمَيْنِ:
أوَّلُهما: امتثالُ الأمرِ وحفظُه؛ ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧]، وقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥].
ثانيهما: التحذيرُ مِن تغييرِ الطبعِ الفِطْرِيِّ الصحيحِ
стр. 9
وتبديلِه؛ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠].
ول توافُقِ الفطرةِ والشريعةِ وامتزاجِهما فقد يُسمي اللهُ دينَه فِطْرةً، ويسمِّي فِطْرتَهُ ديناً، وهكذا في تفسيرِ الصحابةِ للفطرةِ والخِلْقةِ بالدِّينِ في القرآن.
وكلُّ تغييرٍ في واحدٍ منهما، يُورِثُ خللاً في الاستجابةِ والسيرِ على مرادِ الله؛ ولذا يحرِصُ الشيطانُ على إحداثِ خلَلٍ فيهما جميعاً؛ لتقلَّ الاستجابةُ، ويشتدَّ الانحرافُ، وإنْ عجَزَ عنهما، حَرَصَ على تغييرِ واحدٍ منهما؛ حتى لا يُقْبَلَ الآخَرُ، ولا يستجابَ له.
وقد أخبَرَ اللهُ عنِ اجتهادِ إبليسَ في تغييرِ الشريعةِ، وتحريفِها، وتغييرِ الفطرةِ، وتبديلِها؛ قال اللهُ عنه: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، وفي تبديلِ الشريعة وتغييرِها يسمِّي اللهُ تحريفَ الشيطانِ للأدلةِ زخرفةً وتزييناً؟ قال اللهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩]؛ فجعَلَ الزَّخْرفةَ والتزيينَ مقدِّماتٍ يتبَعُها الفعلُ
стр. 10
والإغواءُ؛ ولكنْ يبقى عمَلُه تزييناً وزخرفةً للمَظَاهِر، ولا يستطيعُ أن يُغَيِّرَ الجواهِر.
فأصبَحَ الإنسانُ المفسِدُ الذي لم يَجِدِ استجابةً لفسادِه، يسعَى لإحداثِ تغييرٍ؛ إمَّا في الشريعةِ، أو في فطرةِ الناسِ؛ حتَّى يَجِدَ مدخلاً لفسادِه وانحرافِه في النفوسِ، وهذه أساليبُ تُستعمَلُ في كلِّ زمانٍ، وفي مواجهةِ كلِّ رسالةٍ صحيحةٍ، حتى إنَّ قريشاً عندَما واجَهُوا دعوةَ النبيِّ ﷺ ، طلَبُوا التبديلَ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥]، وقال عنِ المنافِقِين: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥]؛ حتى أصبحَتْ منهجاً وعادةً لمَن يريدُ التغييرَ في الأُمَمِ والمجتمعاتِ، إمَّا أنْ يُغَيِّرُوا الأدلَّةَ والبراهينَ الصحيحةَ، أو يبدِّلُوا الفِطَرَ السليمةَ؛ حتى لا تتطابقَ ولا تتوافقَ، ثم لا تَقْتنِعَ ولا تؤمِنَ ولا تُسلِّمَ.
وبيَّنَ اللهُ أن هذه عادةٌ لهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥].
ولكنَّ الشريعةَ أسرعُ في التغييرِ مِن الفطرةِ وأسهلُ،
стр. 11
فتجِدُ أنَّ الانحرافَ عن الفطرةِ لا يكونُ في جيلٍ واحدٍ؛ بل في أجيالٍ، وربما قُرونٍ، وأمَّا الشريعةُ فيمكِنُ أن تتغيَّرَ في عِقْدٍ أو عِقْدَيْنِ أو ثلاثةٍ، ورُبَّما أقَلّ، بحسبِ قوَّةِ براهينِ التبديلِ، فالتعرِّي لا يمكِنُ أن يتوغَّلَ في بلدٍ نَشَأَ على الفطرةِ والعفافِ والحياءِ والسترِ، إلا بعقودٍ أو قرنٍ أو أكثَرَ؛ لأنَّ الإنسانَ مخلوقٌ عليها، وممزوجٌ فطرةً بها؛ لهذا سمَّى اللهُ فِطْرتَهُ الصحيحةَ صِبْغةً؛ كما في قولِه: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨].
وإذا تغيَّرتِ الفطرةُ وانحرَفَتْ، فرجوعُها إلى أصلِها أسهلُ مِن خروجِها منه، ولكنَّه شاقٌّ، فيصعُبُ أن يقتنِعَ إنسانٌ حَيِيٌّ محتشِمٌ، فيتعَرَّى في يومٍ ولو أُقْنِعَ بأدلةٍ بصحةِ التعرِّي، ولن يقدِرَ على الاستجابةِ مرةً واحدةً، حتى يتدرَّجَ، ولكنْ لو أقنَعْتَ مَن يتعَرَّى بأدلةِ السترِ والحجابِ، يسهُلُ عليه أن يستتِرَ ويستجيبَ مرةً واحدةً، ولو كانت درجةُ الإقناعِ واحدةً عندَهما جميعاً؛ لأنَّ الأولَ يخرُجُ مِن الفطرةِ الصحيحةِ، والثانيَ يعودُ إليها، والأصلُ الفطريُّ غلَّابٌ جذَّاب، ولو دُلِّسَ على العقلِ بالأدلَّةِ.
الشرائعُ والطبائعُ .. وتغييرُها:
الفطرةُ تُفسِّرُ نَفْسَها، ويصعُبُ تفسيرُها مِن جميعِ
стр. 12
الوجوهِ بنصٍّ، وخلَقَها اللهُ صحيحةً سليمةً، فإذا نزلَتْ عليها شرائِعُه، فَهِمَتْ هذه الفطرةُ تلك الشرائعَ بلا تفسيرٍ، وتطابقَتْ معها كتطابُقِ أغطيةِ الأقلامِ على الأقلامِ؛ فمثلاً:
اللهُ يأمُرُ بأنْ يأخُذَ الإنسانُ زينَتَهُ عند كلِّ مسجدٍ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، لكنَّه لا يفسِّرُ له تلك الزينةَ؛ لأنه مطبوعٌ على معرفتِها بنَظَرِه.
ويأمرُهُ بتحسينِ الصوتِ بالقرآنِ؛ قال النبيُّ ﷺ : (زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ) (١)؟ لكنَّه لا يُفسِّرُ له ما الصوتُ الحسَنُ مِن القبيحِ؛ لأنَّه مطبوعٌ على معرفتِه بسمعِه وحِسِّه.
ويأمرُهُ بالتطيُّبِ بالرائحةِ الحسنةِ، ولكنْ لا يُفسِّرُ اللهُ له ما الرائحةُ الطيبةُ مِن الخبيثةِ؛ فلن تُعرَفَ بدليلٍ أكثرَ مما هو مطبوعٌ عليه بشَمِّه.
وإذا تغيَّرتِ الفطرةُ التي طُبعَ عليها الإنسانُ، فلن يفهَمَ الأوامِرَ الشرعيةَ التي أمرَهُ اللهُ بها، حتى تُعدَّلَ الفطرةُ عنِ انتكاستِها؛ لتستوعِبَ؛ كالإناءِ المقلوبِ لا بُدَّ مِنْ تعديلِه حتَّى يستوعِبَ ما يوضعُ فيه؛ لهذا شدَّد اللهُ
стр. 13
في أمرِ الفطرةِ، وحذَّر مِن تغييرِها؛ لأنَّها تؤثِّرُ على استيعابِ أوامرِه ونواهِيه، والإيمانِ بعلَلِها ومقاصدِها، وكُلَّما كانتِ الفطرةُ أشدَّ تغييراً، كانَتْ أشدَّ ردّاً للجزئياتِ؛ لأنَّها لم تَفْهَمِ القواعدَ والكُلِّيَّاتِ، فالأُمَمُ التي تُحِلُّ الزِّنَى وتُبِيحُهُ وتُشَرِّعُه لن تفهَمَ الحجابَ، وتحريمَ الخلوةِ والاختلاطِ؛ لأنَّها مقدِّماتٌ وحواجزُ بعيدةٌ لشيءٍ لا يؤمِنُون بتحريمِه.
والإنسانُ مفطورٌ على فِطَرٍ عديدةٍ، وهذه الفِطَرُ منها ما يُمكِنُ تغييرُه، ومنها ما لا يمكِنُ تغييرُه؛ لتجذُّرِه وامتزاجِهِ بالخِلْقةِ البشريةِ، وتكوُّنِ الإنسانِ منها كتكوُّنِ الماءِ مِن عناصرِه.
وما يمكِنُ تغييرُه، يختلِفُ في مقدارِ الزمانِ والقوةِ التي يَحْتاجُ إليها للتغييرِ، بحسبِ ثباتِه في الفطرةِ ورسوخِه فيها، والشيطانُ يحرِصُ على تغييرِ الفطرةِ أشَدَّ مِن حرصِهِ على تغييرِ الشريعةِ؛ لأنَّها أشدُّ في الانحرافِ والإعراضِ، ثم إنَّ العودةَ إلى الفطرةِ الصحيحةِ تحتاجُ إلى عقودٍ طويلةٍ، ورُبَّما قرون، وأما تغييرُ الشريعةِ فيحتاجُ إلى مجدِّدٍ يعيدُ الأدلَّةَ إلى حقيقتِها، فتتلقَّاها الفطرةُ الصحيحةُ بسهولةٍ، وإن كابَرَتْ فلا يطولُ عنادُها، حتى تستَسْلِمَ وتُذْعِنَ لها.
стр. 14
ثم إنَّ تغييرَ الفطرةِ الواحدةِ يُلْغِي معه شرائعَ كثيرةً متعدِّدةً؛ كقَطْعِ أغصانِ الشجرةِ الكبيرةِ يسقُطُ معها ما لا يُحصى مِن عيدانِها وأوراقِها، لو تتبَّعَها وحدَها، أتعَبَتْه جهداً، وطالَتْ معه زمناً؛ ولهذا فمِن وسائلِ الشيطانِ وأعوانِه: تغييرُ أصولِ الفطرةِ؛ ليسهُلَ سقوطُ توابِعِها من مقرَّراتِ الشريعة.
فطرةُ العفافِ وتغييرُها:
ومِن أعظمِ أصولِ الفطرةِ: فطرةُ العفافِ، وإنْ غُيِّرَتْ فإنها يتغَيَّرُ معها -تبعاً- شرائعُ كثيرةٌ؛ كغَضِّ البَصَرِ، وخَفْضِ صوتِ المرأةِ، وعدمِ خضوعِها به، والحجابِ، وإخفاءِ المفاتِنِ منعاً للإثارةِ، وعدمِ الاستهانةِ بالخلوةِ، والفصلِ بين الجنسَيْنِ، وتركِ الغَزَلِ، وعدمِ اتخاذِ الأصدقاءِ بين الجنسَيْنِ، وغيرِ ذلك، فهذه وغيرُها تسقُطُ، إن سقطَتْ فطرةُ العفافِ، تبعاً.
لهذا نَجِدُ أنَّ جميعَ الأنبياءِ يَدْعُونَ إلى حفظِ أصول الفطرةِ مع التوحيدِ ؛ لأنَّ التوحيدَ أصلُ العباداتِ، والفطرةَ أصلُ المُرُوءاتِ، وقد كان النبيُّ ﷺ يَدْعُو بمَكَّةَ إلى هذا، فقد قال أبو سفيانَ لهِرَقْلَ مَلِكِ الرُّومِ لَمَّا سأله عما يدعو إليه النبيُّ ﷺ : يأمُرُنا بالصلاةِ والصدقِ والعفافِ،
стр. 15
قال هِرَقْلُ: «هذه صفةُ نَبِيٍّ» (١).
ولعِظَمِ هذا الأصلِ الفِطْرِيِّ؛ العفافِ، جعَلَ اللهُ له حُرَّاساً وحُمَاةً؛ فضلاً عن حمايةِ الإنسانِ الواحدِ نَفْسَه، حتَّى يقاوِمُوا دوافِعَ تمرُّدِ الواحدِ على فطرتِه؛ فخلَقَ اللهُ في الإنسانِ الغَيْرَةَ على غيرِه، كما تغارُ الزوجةُ على زوجِها، فتكونُ رقيبةً عليه، ويكونُ هو لغَيْرتِه رقيباً عليها، والوالدُ مع بِنْتِه، والأخُ مع أُخْتِه، والعكسُ كذلك، بل تقَعُ الغَيْرةُ بين الغرباءِ بعضِهم على بعضٍ، جعَلَهم اللهُ حُرَّاساً، يتناوَبُون على عدمِ تمرُّدِ الواحدِ على عفافِ نَفْسِه، وعفافِ غيرِه.
و تغييرُ الفطرةِ أخطرُ مِن تغييرِ سُنَنِ الكَوْنِ ، وأشدُّ أَثَراً على دِينِ الإنسانِ، وقد كان نبيُّ اللهِ موسى ﵇ حَيِيّاً سَتِيراً، وكان يستَحْيِي أن يبدُوَ مِن جِلْدِه ما يتساهلُ بنو إسرائيلَ في إبدائِه، حتى آذَوْهُ وقالُوا: ما يستتِرُ هذا التستُّرَ إلا مِن عيبٍ بجِلْدِه؛ إمَّا بَرَصٍ، وإما أُدْرَةٍ، وأمَّا آفةٍ، فأرادَ اللهُ أن يبرِّئَه، ولا يبدِّلَ فطرتَه، فلما أراد أن يغتسِلَ، وضَعَ ثيابَهُ على حَجَرٍ، فلَمَّا قضَى غُسْلَه، وأراد أن يأخُذَ
стр. 16
ثيابَه، عدا الحَجَرُ، وهرَبَ بثوبِه، وأخذَ موسى عصاهُ، وطلَبَ الحجَرَ، يقولُ: ثَوْبِي حَجَرُ! ثَوْبِي حَجَرُ! حتى خرَجَ لبني إسرائيلَ فرأوْهُ، وعلموا أنَّه مبرَّأٌ مما قالوا؛ فأنزلَ اللهُ على نبيِّه محمَّدٍ ﷺ مذكِّراً بتلك الحال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]، والحديثُ أخرَجَه البخاريُّ ومسلمٌ مِن حديثِ أبي هريرةَ ﵁ (١).
واللهُ تعالى لم يأمُرْ موسى أن يَنْزِعَ ملابِسَه ويخرُجَ للناسِ ليبرِّئَ نفسَه؛ ولكنْ غيَّر سننَ الكونِ وجاذبيَّةَ الأرضِ، وأوجَدَ في الحجَرِ قوَّةً للسيرِ بثيابِه، لِيَتْبَعَها؛ ليكونَ ظهورُ جسَدِه وعوراتِه بلا اختيارٍ منه؛ فلا يكونُ هناكَ أدنى قناعةٍ للنفسِ بإمكانِ اختيارِ مثلِ هذا الفعلِ؛ لأنَّ خَرْقَ الفطرةِ إنْ بدأَ، اتَّسَعَ وتدَرَّجَ اتساعاً حتى لا يَنْتهِي.
لهذا فالعاقلُ العفيفُ حينَما يُصَابُ بمرضٍ في موضِعِ عورتِه، ويُضطرُّ لجراحةِ طبيبٍ يلزَمُ منها كَشْفُها، تجدُه يُحِبُّ أن يبنَّجَ ويخدَّرَ؛ لِيغيبَ وَعْيُه، وتُنْزعَ عنه عورتُه مِن غيرِه، بلا اختيارٍ منه، لا أن يقومَ هو بنفسِه باختيارِه،
стр. 17
مع أنَّ المؤدَّى واحدٌ؛ لكنَّ نَزْعَ الإنسانِ بنَفْسِه يُصاحِبُه نزعُ هيبةِ العفافِ مِن النفسِ والفطرةِ؛ فإنَّ كَسْرَ الحياءِ والعفافِ حينئذٍ يكونُ بالاختيارِ؛ ومَن جَرَّبَه مرةً، تساهَلَ به أخرَى في حالةٍ أقلَّ حاجةً.
وقد فطَرَ اللهُ آدمَ وحواءَ -وهُما أوَّلُ البَشَرِ- على العفافِ والسترِ، فلمَّا أكَلَا مِن الشجرةِ، وسقطَ عنهما لباسُهما، دعاهم داعي الفطرةِ والطبعِ الذي خُلِقُوا عليه، إلى رَدَّةِ فعلٍ؛ طلباً للسترِ؛ فأخذَا يَجْمَعانِ الورَقَ ويؤلِّفانِه بعضَه إلى بعضٍ؛ ليستُرَ عوراتِهما، وفي ذلك قال اللهُ: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢].
والسُّنَّةُ الكونيةُ: أنَّ العفافَ إن نُزِعَ أوَّلُه، تتابَعَ وتساقَطَ، ومنه حجابُ المرأةِ، إنْ سقطَ أوَّلُه، تداعَى إلى آخِرِه، وهذا مشاهَدٌ في كلِّ المجتمعاتِ والشعوبِ، حتى أصبَحَ في كثيرٍ منها عادةً معاكِسةً للفطرةِ الصحيحةِ.
و الإنسانُ يمكِنُ أن يتطبَّعَ ويألَفَ ما يُخالِفُ بعضَ الفطرةِ ، وإنما يحتاجُ إلى كثرةِ مخالَطةٍ ومشاهَدةٍ ومجاوَرةٍ، وتدرُّجٍ بذلك مع صَبْرٍ حتى يتشرَّبَها كتشَرُّبِ الإسفنْجِ للماءِ، فيستطيعَ الإنسانُ أن يُجاوِرَ أنتَنَ الروائحِ وأكرَهَها؛
стр. 18
كجِيفَةِ المَيْتةِ، فإنْ جاوَرَها شَقَّ عليه، حتَّى إذا طالَتْ مجاوَرَتُه لها ليومٍ وأيَّامٍ، اعتاد عليها، ولم يشعُرْ بما يستَنْكِرُه المارَّةُ عليه، كذلك الأفعالُ والأفكارُ، ومنها السفورُ والتعرِّي، حتى لو تكاثَرَ الناسُ على مجاوَرَتِها وتشرُّبِها، آنَسَ بعضُهم بعضاً، ونظَرَ بعضُهم إلى بعضٍ، فلم يستنكِرُوا شيئاً، وظَنُّوا أنَّ صاحبَ الفطرةِ الصحيحةِ شاذٌّ، وهكذا كان قومُ لُوطٍ؛ تدرَّجُوا بالانحرافِ حتى جاوَرُوه، وقارَفُوه، وتكاثَرُوا، وطالَ عهدُهم عليه؛ قالوا في لوطٍ -تهكُّماً-: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] عابُوهم والعيبُ فيهم!
الحجابُ .. عبادةٌ وعادةٌ:
لا يختلِفُ البشَرُ أنَّ سَتْرَ الإنسانِ لبَدَنِه فطرةٌ طُبِعَ عليها؛ ولو لم يكن هناك حَرٌّ ولا بَرْدٌ ولا مَطَر؛ بل حتى لو كانَ الإنسانُ وحدَه لا يراهُ أحَدٌ، أَحَبَّ أن يلبَسَ ويتزيَّنَ ولو لنَفْسِه؛ ولهذا كان آدَمُ وحواءُ يستترانِ لنَفْسَيْهِما، لا وجودَ لبَشَرٍ معهما؛ ولذا قال اللهُ -مبيِّناً أنَّ عقوبةَ كشفِ لباسِهما، كانت لتَرَى أعينُهما سوْءَاتِهما متقابِلَيْنِ بلا داعٍ-: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧].
стр. 19
ولكن يختلِفُ الناسُ في حدودِ هذه الفطرةِ، وفي حجمِ ما يُستَرُ مِن البَدَنِ؛ بحَسَبِ ما يحكُمُهم مِن نقلٍ أو عقلٍ أو عرفٍ، أو ما يَحرِفُهم مِن شَهَواتٍ أو شُبُهاتٍ.
ولما كانت فطرةُ السترِ تتجاذبُها العقولُ، وأهواءُ النفوسِ وشبهاتُها، وتزيينُ الشيطانِ على الإنسانِ، جاءتِ الشريعةُ مِن اللهِ ضابطةً له وحاكمةً عليه بنصوصٍ كثيرةٍ في جميعِ الشرائعِ، ورسالاتِ الأنبياءِ على كلِّ الأُمَم، وتواتَرَ هذا في القرآنِ والسُّنَّةِ، وقد بيَّن اللهُ أنَّ كشفَ العوراتِ وظهورَ المفاتِنِ غايةٌ قديمةٌ لإبليسَ وذُرِّيَّتِه مع آدَمَ وذُرِّيَّتِه؛ كما قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧].
و الشرائعُ أقوى هَيْبةً وحفظاً مِن العاداتِ في نفوسِ الناسِ ، حتى وإنْ قصَّروا في دينِهم في العملِ الظاهِرِ؛ إلا أنَّ عاداتِهم تتغيَّرُ كثيراً عبرَ القرونِ، ويبقى دينُهم محفوظاً بهَيْبَتِه في النفسِ، يذهَبُون ويَرْجِعُون إليه، وأمَّا العاداتُ الخالصةُ فإنْ ذهبَتْ فغالباً لا تعودُ.
ولما كان السترُ عمومًا -وحجابُ المرأةِ خصوصاً- عبادةً ربانيَّةً تمتزِجُ مع الفطرةِ البشريةِ، كان مِن وسائلِ
стр. 20
الشيطانِ وأعوانِه: فَصْلُ عبوديَّةِ الحجابِ، والإبقاءُ على كونِه عادةً، حتى يسهُلَ تحكُّمُ الأهواءِ به؛ لأنَّ الأهواءَ كأَهْوِيةِ الرِّيَاح، لا تحمِلُ معها إلا الخفيفَ، وتخفيفُ الثقيلِ ثم إزالَتُه، أهوَنُ مِن إزالَتِه وهو ثقيلٌ.
وقد ظهرَتْ دعواتٌ تجعَلُ مِن حجابِ المرأةِ والسترِ عموماً عادةً وتقليداً، لا عبادةً ودِيناً؛ لأنَّ العبادةَ لا تقبلُ الهَدْمَ إلا بنزعِ أدلَّتِها، وأدلَّتُها إن كانتْ ثابتةً راسخةً لا تقبَلُ النَّزْعَ إلا بمواجهةِ الشريعةِ كُلِّها؛ لأنَّ مَن جحَدَ شيئاً مِن الدينِ بالضرورةِ، كان كمَن جَحَدَه كُلَّه.
وأدلةُ حجابِ المرأةِ في القرآنِ والسُّنَّةِ أقوى وأرسخُ مِن أن تَنزِعَها الأهواءُ، ولكنَّها تَقْدِرُ على استدبارِها وراءَ ظَهْرِها، ثم تَدَّعِي أنها لا تراها، وكلُّ شيءٍ تستدبِرُه أو تُغْمِضُ عينيكَ عنه، لن تراه، ولو أغمَضَ الإنسانُ عينَيْه عن نَفْسِه، لم يرَ نفسَه، وإن كانت هذه حُجَّةً فليس بعدَ هذا مثقالُ ذرَّةٍ مِن عَقْلٍ!
الحكمةُ مِن مشروعيَّةِ حجابِ المرأةِ:
لا يوجدُ أمرٌ محرَّمٌ ولا كبيرةٌ، إلا وحاطَها اللهُ وحَمَاها مِن جميعِ جهاتِها، حتى لا يَتوصَّلَ الناسُ إليها
وقد ذكَرَ النبيُّ ﷺ السَّبْعَ المُوبِقاتِ، ولم يَنُصَّ على الزِّنَى منها؛ وإنَّما قال: (وقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ) (١)؛ يعني: بالزِّنَى؛ ليدُلَّ على أنَّ مجرَّدَ قذفِ البريءِ به، مُهلِكٌ ومُوبِق؛ فكيفَ بالوقوعِ فيه أو إشهارِه وإذاعتِه؟! وفي هذا تعظيمٌ للزنَى أعظمَ مما لو نصَّ عليه باسمِه، وقد قال ﷺ -كما في «الصحيحين» -: (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ) (٢).
وإذا انتشَرَ الزِّنَى، فلِأَنَّ وسائِلَهُ الموصلةَ إليه يسيرةٌ، فإذا تيسَّرتِ الوسائلُ سهُلَ الوصولُ إلى الغاياتِ؛ ولهذا أخبَرَ النبيُّ ﷺ أنَّ مِن علاماتِ الساعةِ: ظهورَ الزِّنَى، وظهورُه يكونُ بظهورِ وسائلِه، وقوةِ الدعوةِ إلى الاستهانةِ به؛ ففي «الصحيحين» مِن حديثِ أَنَسٍ ﵁، قال ﷺ : (مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَى) (٣).
стр. 23
ومِن وسائلِ الزنَى المحرَّمَةِ لأجلِه: النَّظَرُ، والسُّفُورُ، والخضوعُ بالقولِ، والغَزَلُ، والاختلاطُ، والخَلْوةُ، وهذه خطواتٌ واحدةٌ تلي الأُخْرَى، أوَّلُها النظرُ، ثم يسيرُ حتى يتكلَّمَ بالفُحْشِ، ثم يختلِطَ، فيَخلُوَ، فيَمَسَّ، فيَزنِيَ، وهذا ما بَيَّنَه النبيُّ ﷺ كما في «الصحيح»: (إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَى أدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ؛ فَزِنَى العَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَى اللِّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَتَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَدِّبُهُ) (١).
وقد ذكَرَ النبيُّ ﷺ التفكُّرَ بالزنى وتَمَنِّيَه؛ لأنَّه يثيرُ قوَّة ًكامنةً في النفسِ، ورغبةً للبحثِ عنه؛ ليبدأَ الإنسانُ خُطُواتِ الوقوعِ فيه، ولن يَصِلَ إلى الزنى إلا بهذه الوسائلِ التي نَهَى اللهُ عنها، وكلما كانَتِ الوسيلةُ إلى الفاحشةِ أقرَبَ، وتسهيلُها لها أقوَى، كان التأكيدُ على تحريمِها في القرآنِ والسُّنَّةِ أشدَّ.
ولا يُقدِّرُ تحريمَ الوسائلِ، مَن لم يعرِفْ خطرَ الغاياتِ، وشدةَ تحريمِها؛ ولهذا حينَما يتساهَلُ أحدٌ
стр. 24
بالزنى، ويقعُ فيه ويعتادُه، تظهَرُ عليه علاماتُ الاستهانةِ بالوسائلِ الموصلةِ إليه، وعدمِ المبالاةِ بها، والاستهزاءِ بمَن يُشدِّدُ فيها، ولو لم يتجرَّا على التصريحِ بأنَّه مِن أهلِ الزنى، وقد جعَلَ اللهُ سُنَّةً عقليةً ونقليةً: أنه لا يَهْدِمُ الوسائلَ إلا مَن لم يؤمِنْ بالغاياتِ.
وقد عظَّمَ اللهُ الزنى، وشدَّد في تحريمِ وسائِلِه في الجنسَيْنِ؛ رجالاً ونساءً، فيشرِّعُ للجنسَيْنِ جميعاً حكماً، ويشرعُ للذَّكَرِ حكماً، وللأُنثى حكماً -كلٌّ بما يصلُحُ لفطرتِه- شرائِعَ وتكاليفَ متقابلةً لحفظِ الوسائلِ، لو أُحكمتْ، ما وقَعَ الناسُ في الغاياتِ المحرَّمةِ.
ولما كان افتتانُ الرجلِ بالمرأةِ أقوى، ولأنه أجسرُ في الإقدامِ على الزنى، شُدِّدَ عليه في تحريمِ وسيلةِ النظرِ أكثَرَ مِن المرأةِ، وإنِ اشترَكَا في أصلِ النهيِ؛ ولكنَّ الرجلَ أكثرُ جرأةً لِمَا بعدَ النظرِ، فيأتي بالخطوةِ التي تليها، والمرأةُ غالباً لو نظرَتْ لا تَجسُرُ على ما بعدَ النظرِ كالرجلِ؛ لذا قال اللهُ تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]؛ فجعَلَ الطَّمَعَ في الرجُلِ، مع احتمالِ ورودِه مِن المرأةِ؛ وذلك تعظيماً للنبيِّ ﷺ ، وتطهيراً لنسائِه، ولبيانِ خَصُوصيَّةِ الرجالِ
стр. 25
بالجَسَارةِ؛ ولذا جاء الوحيُ مُتَمِّماً للفطرةِ في كلِّ واحدٍ منهما.
وشدَّدَ اللهُ على الرجُلِ في غَضِّ البصرِ، وشدَّدَ على المرأةِ في الحجابِ؛ حتى يَقِلَّ ما بينهما مِن تجاذُبٍ ومَيْلٍ، ولا يعني هذا أنه يجوزُ للرجلِ إبداءُ مفاتِنِه؛ فيَفْتِنُ، ولا أنه يجوزُ للمرأةِ إطلاقُ بصَرِها؛ فتُفْتَن؛ ولكنَّ الوحيَ يشُدُّ الحبالَ المرتَخِيةَ في النفوسِ، أشدَّ مِن الحبالِ الثابتةِ فيها، وأقرَبُ الناسِ إلى السقوط يُجذَبُ أشدَّ مِن البعيدِ عنها، حتى تكتمِلَ فطرةُ العفافِ وتصِحَّ، فإذا لم يَغُضَّ الرجلُ بصَرَه، فإنَّ المرأةَ تدفَعُ فتنَتَه بحجابِها، وإن لم تتحَجَّبِ المرأةُ فالرجلُ يدفَعُ فتنَتَها بغَضِّ بصرِه؛ ولهذا ربَطَ اللهُ بينَ غَضِّ البصرِ وبين الزِّنَى؛ لأنَّه سببٌ له، فقال للرجالِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النُّور: ٣٠]، وقال للنساء: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النُّور: ٣١]؛ ولكنه زاد في النساء: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النُّور: ٣١].
ميلُ الجنسَيْنِ بعضِهما إلى البعضِ:
كثُرَتِ الدعواتُ الفكريةُ إلى التهوينِ مِن وسائل
стр. 26
الزنى، وربما إلى التهوينِ مِن الزنى بذاتِه، بأساليبَ متنوعةٍ، والأفكارُ الليبراليةُ اليومَ تؤصِّلُ لذلك بطرقٍ كثيرةٍ، كلُّ مجتمعٍ ويلدٍ بِحَسَبِه، ومِن أخطَرِ تلك الوسائلِ: التهوينُ مِن ميلِ الجنسَيْنِ بعضِهما إلى البعضِ، ومكابَرَةُ الفطرةِ والغريزةِ المركَّبةِ في الإنسانِ كما يُركَّبُ الماءُ مِن عناصِرِه، فيثيرون أموراً فطريةً مسلَّمةً لا عَلَاقةَ لها بالمناهي والأحكامِ الشرعيةِ التي أمَرَ اللهُ بها الجنسَيْنِ حتى لا يُكْسَرَ العفافُ وتقَعَ الفواحِشُ؛ فيُحْيُونَ أخوَّةَ الجنسينِ، و (النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ) (١)، ويُكْثِرُونَ مِن ذكرِ تكافُلِهما وتعاوُنِهما، ويحيونَ البراءةَ وسلامةَ القلبِ، ويُظْهِرونَ الغاياتِ الماديَّةَ الصحيحةَ، وأنْ لا حاجةَ لتنافُرِ الجنسينِ، ويجبُ كَسْرُ ما بينَهما، ويَرْمُونَ مَن يحتاطُ للغاياتِ التي حرَّمَ اللهُ الوسائلَ لأجلِها، بالشكِّ والوَسْوسةِ والرِّيبةِ والشهوانيةِ، حتى يُشْعِرُوا غيرَهم بالخجَلِ مِن سوءِ قَصْدِه المزعومِ، ويرفَعُوا رؤوسَهم بنبلِ مقاصدِهم.
وأُسلوبُ التخجيلِ أُسلوبٌ عقليٌّ قديمٌ، هروباً مِن
стр. 27
الدليل، يُستعمَلُ عندَ عدمِ إرادةِ مناقشةِ الأدلَّةِ، تحقيراً لها ولو كانتْ عظيمةً؛ قال قومُ صالحٍ له: ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: ٦٢].
ومِن أعظَمِ صورِ المكابَرَةِ للفطرةِ وللعقلِ في الفكرِ الليبراليِّ: هي مكابرةُ عدمِ التفريقِ بين الذكَرِ والأُنْثَى ، وبهذا يُهَوِّنُون مِن الغاياتِ، كفاحشةِ الزنى لو وقعَتْ، وأن الغاياتِ لا تستحِقُّ لأجلِها وَضْعَ كلِّ هذه الوسائلِ التي يُسَمُّونها عراقيلَ وعقباتٍ، فهم ينظُرُون لزِنَى الجنسينِ كمصافحةِ الكَفَّيْنِ لبعضِهما؛ بل مِن المسلمينَ مَن يُعظِّمُ أمرَ مصافحةِ الجنسينِ الأجنبيَّينِ بعضِهما البَعْض أعظَمَ مِن تعظيمِ زِنَاهما في الفكرِ الليبراليِّ! انتكسَتِ الفطرةُ، وزالَتِ الغاياتُ، وزالَتِ الوسائلُ معها.
ومِن هذا المبدأ -ولو لم ينطِقُوا به- أنَّهم يكابِرُون في ميلِ الجنسَيْنِ بعضِهما للبعض، حتى يصوِّروا للجُهالِ أنَّ حاجزَ الهيبةِ بين الجنسينِ في الإسلامِ لو كُسِرَ بكسرِ الحجابِ والمخالَطَةِ، لكانَتِ الأُخُوَّةُ بينهما كأُخُوَّةِ الرجالِ للرجالِ، والنساءِ للنساءِ؛ ومن المعلومِ: أنه لا أعظَمَ مِن كسرِ تلك الحواجِزِ بين الزوجينِ وما زالتِ الغريزةُ بينهما قائمةً عشراتِ السنين، يميلُ الزوجُ لزوجتِه، والزوجةُ
стр. 28
لزوجِها، ميلاً فطريّاً لا ينتهي، ولكن مَن هانَتْ عندَه محارِمُ الله، تعلَّقَ بأوْهَى الحُجَجِ ولو كانت كبيتِ العنكَبُوتِ.
ومِن أساليبِهم في التهوينِ مِن وسائلِ الزنى: احتجاجُهم أنَّ وقوعَها لا يلزَمُ منه الوقوعُ في الغايةِ، فالنظَرُ، وتبرُّجُ المرأةِ، والاختلاطُ، وخَلْوَتُها بالأجنبيِّ عنها، لا يلزمُ منه الوقوعُ في الزنى؛ فقد ينظُرُ الرجلُ مرَّاتٍ، وتتبرجُ المرأةُ سنواتٍ، ولا يقعُ أحدُهما في الزنى، واللهُ حينما حرَّم الوسائلَ، يعلمُ أنَّ بعضَها لو وقَعَ لا يلزَمُ منه وقوعُ الغايةِ، وإلا فلا فرقَ بين الغاياتِ والوسائلِ، ولا بينَ النظرِ والتبرُّج والاختلاطِ، وبين الزنى؛ ولكنْ مِن مسلَّماتِ العقلِ والنَّقْلِ: أنَّ الوسائِلَ لو تتابعتْ أوصلَتْ للغايةِ؛ لهذا لا يفرَّقُ بين الخطوةِ الأُولَى والأخيرةِ في أصلِ النهيِ -لا في تعظيمِه- فالرجُلُ ربما ينظُرُ لمِئَةِ امرأةٍ، ويزني بواحدةٍ، والنظرُ لهذا العددِ هو وَقُودُ الوقوعِ على واحدةٍ؛ فإنَّ الخطوةَ الأخيرةَ ليست هي التي أوصلَتِ الماشيَ إلى الهاويةِ؛ وإنما هي آخِرُها، وقد وصلَ بمجموعِ الخطواتِ لا بواحدةٍ منها.
стр. 29
وتبرُّجُ المرأةِ وسفورُها وتركُها للحجابِ، مِن تلك الوسائلِ الموصلةِ إلى الفاحشةِ، سواءٌ للمرأةِ بذاتِها، أو لكونِها وقوداً لغيرها، ولو لم تشعُرْ به في نفسِها.
تاريخُ تشريعِ الحجابِ والسترِ:
مِن إحكامِ الله لشريعتِه: أنه يبدأُ بتحريمِ الغاياتِ قبلَ تحريمِ الوسائلِ الموصلةِ إليها؛ لأنَّ المقصدَ مِن العبوديةِ يظهَرُ في الغاياتِ أكثَرَ منه في الوسائلِ، فجاء تحريمُ الوسائلِ تبغاً، وقد كانت أكثرُ الوسائلِ مباحةً، ثم حُرِّمت بعدَ رسوخِ تحريمِ غاياتِها في النفوسِ؛ ولهذا يُمكِنُ أن تُباحَ الوسائلُ الموصلةُ للزنى في أحوالٍ نادرةٍ وخاصةٍ، لكنْ لا يمكنُ أن يُحَلَّ الزنى أبداً؛ لأنَّه محرَّمٌ لذاتِه؛ قال الله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] فالنظرُ للمرأةِ يجوزُ للعجوزِ، وللمخطوبةِ، وأن يَمَسَّ الرجلُ المرأةَ، والمرأةُ الرجلَ؛ للضرورةِ الشديدةِ للتطبيبِ والعلاجِ، ولكنَّ الزنى لا يُمكِنُ أن تُبيحَه أيُّ ضرورةٍ.
ولما كانتِ الوسائلُ الموصلةُ إلى الزنى كثيرةً،
стр. 30
وكان تحريمُها جملةً شاقّاً على نفوسٍ حديثةِ عهدٍ بجاهليةٍ وضلالٍ؛ كطوافٍ للعُرَاةِ حولَ الكعبةِ، وشِعْرٍ فاحشٍ، وغَزَلٍ ماجِنٍ، وتساهُلٍ بزنى الإماءِ والتكسُّبِ منهنَّ: تدرَّجَتِ الأحكامُ بتحريمِ الغايةِ أولاً، وهي الزنى، قبلَ وسائِلِها الكثيرةِ؛ جذباً للنفوسِ، وتأليفاً لها، فلما حرَّم اللهُ الزنى، وشدَّد في أمرِه، وقوَّم الفِطَرَ المنحرِفةَ بجاهليةٍ سابقةٍ، ناسَبَ فحرَّم وسائلَ الزنى، بحسبِ ما يجتمِعُ فيها مِن قوَّةٍ، وسرعةٍ، وقُرْبٍ مِن فاحشةِ الزنى، ومِن هذه الوسائلِ شريعةُ الحجابِ للمرأةِ وجلبابِها وخمارِها، فشَرَعَه اللهُ في السَّنَةِ الخامسةِ، وقيلَ: قريباً منها.
وقد جاء في ذكرِ أحوالِ النساءِ أحاديثُ كثيرةٌ؛ في حجابِهِنَّ، ولباسِهِنَّ، وخروجِهِنَّ قبلَ فرضِ الحجابِ، ومَن لم يَعْرِفْ تواريخَ الحوادثِ والنوازلِ، اضطربتْ عليه الأدلَّةُ؛ خاصَّةً إنْ كان في النفوسِ هَوىً، تشبَّثَتْ بأدنَى دليلٍ لا تعرِفُ إحكامَه ونَسْخَه، ويستطيعُ كلُّ واحدٍ أنْ يأخُذَ بنصوصِ الوحيَيْنِ المنسوخةِ، فيحتجَّ بها على ما يَهْوَى، حتى في أركانِ الإسلامِ، فإنَّ الصحابةَ كانوا يصلُّون ركعتَيْنِ ركعتَيْنِ، ولم تُفْرَضْ أكثرَ مِن ذلك،
стр. 31
حتى زِيدَتِ الظُّهْرُ والعصرُ والمغرِبُ والعشاءُ (١).
وقد رأيتُ مِن الكُتَّابِ مَن يستدِلُّ بأحاديثَ قبلَ فرضِ الحجابِ على تهوينِ الحجابِ، والعلماءُ كانوا يَعْرِفُون هذه الأحاديثَ، وَيمُرُّون عليها مرورَ العارِفِين لمنازِلِها ومواضِعِها في الدِّينِ، ولم يَخطُرْ بالبالِ أن يَحتَجَّ بها محتجٌّ على رأيٍ خطأٍ، أو هوىً وضلالةٍ، والجهلُ بتواريخِ نزولِ الوحيَيْنِ، بابٌ لكلِّ صاحبِ هوىً، يدخُلُ منه ليأخُذَ ما يريدُ، حتى الخمرُ فالأحاديثُ والأخبارُ في شربِ الناسِ لها قبلَ تحريمِها كثيرةٌ!
ولم يكنْ تشريعُ الحجابِ والسترِ باللباسِ فُرِضَ جملةً واحدةً بجميعِ تفاصيلِه؛ وإنما جاءَ متدرِّجاً.
أنواعُ النساءِ في الحجابِ واللِّبَاسِ، وفسادُ قياسِ حكمِ بَعْضِهِنَّ على بعض:
لا بُدَّ لمَن أراد أن يعرِفَ أحكامَ حجابِ المرأةِ ولباسِها، أن يكونَ عارفاً بأنواعِهِن؛ فالنساءُ أنواعٌ باعتباراتٍ عديدةٍ، وقد جَعَلَتِ الشريعةُ لكلِّ واحدةٍ أحكاماً
стр. 32
تختصُّ بها، ومِن أحكامِها أحكامُ اللباسِ والحجابِ.
والنساءُ باعتبارِ السِّنِّ: طِفْلَةٌ، وشابَّةٌ، وقاعِدٌ عجوزٌ.
وباعتبارِ الرِّقِّ: حُرَّةٌ، وأَمَةٌ.
وباعتبارِ الدِّينِ: مسلمةٌ، وكافرةٌ.
وكُلُّهُنَّ يوصَفْنَ في اللُّغَةِ والشرعِ بالنساءِ، وتوصَفُ الواحدةُ منهنَّ بأنَّها أُنثى وامرأةٌ، ومَن لم يعرِفْ خصائصَ هذه الأنواعِ، جهِلَ واضطرَبَ في معرفةِ أحكامِ الحجابِ، وأدخَلَ نوعاً في نوعٍ، واشتبَهَ عليه الأمرُ؛ لأنَّ بعضَ الأحاديثِ والأخبارِ والرواياتِ تذكُرُ الأوصافَ والأسماءَ المشتَرَكةَ، ويزدادُ الاشتباهُ في هذا الزمانِ لتغيُّرِ الأحوالِ.
وذلك أنَّ الناسَ يَغِيبُ عنهم أحكامُ الإماءِ والجواري اللَّاتي خَصَّهُنَّ اللهُ بأحكامٍ في السترِ والحجابِ، يَخْتَلِفْنَ بها عنِ الحرائِرِ، وقد كان في بعضِ بيوتِ الصحابةِ والتابعينَ: الإماءُ الخَدَمُ أكثرَ مِن الحرائِرِ، ومِن الإماءِ صحابياتٌ وتابعياتٌ، ويبقَيْنَ بأحكامِهِنَّ الخاصَّةِ بهنَّ؛ لأنَّ اللهَ يَفْرِضُ ويُشدِّدُ ويخفِّفُ على مَن شاء، كيفَما شاء؛ لعِلَلٍ وحِكَمٍ، منها الظاهِرُ، ومنها الخَفِيُّ؛ فلنساءِ النبيِّ ﷺ أحكامٌ خاصَّةٌ بهنَّ، وله أحكامٌ خاصةٌ في تعدُّدِه بالنساءِ، وللرجُلِ أن يملِكَ مِن الإماءِ ما شاءَ، وليس له أن يكونَ في عصمَتِهِ مِن
стр. 33
الأزواجِ إلا أربعٌ، وليس للمرأةِ إلا زوجٌ، وللحُرَّةِ لباسٌ وعورةٌ، وللأَمَةِ لباسٌ وعورةٌ، والقياسُ في هذا لا يجوزُ، فحَمْلُ ما لا يجوزُ على ما يجوزُ -عند المشابَهَةِ مِن بعضِ الوجوهِ الضعيفةِ القاصرةِ- تَعَدٍّ على حدودِ اللهِ وأحكامِه.
وقد جعَلَ اللهُ للأَمَةِ حدّاً في لباسِها وحجاباً يَخُصُّها، يختلِفُ عنِ الحُرَّةِ، وقد كانت عليه العربُ حتى في الجاهليةِ.
قال سَبْرةُ الفَقْعَسِيُّ:
وَنِسْوَتُكُمْ فِي الرَّوْعِ بَادٍ وُجُوهُهَا ... يُخَلْنَ إِمَاءً وَالإِمَاءُ حَرَائِرُ (١)
يقولُ لهم: «إنَّكُم مِن كثرةِ نوائِبِكم وهزيمةِ الناسِ لكم، تكشِفُ نساؤكم دوماً وجوهَهُنَّ؛ خوفاً مِن السَّبْيِ»؛ لأنَّ العرَبَ في الجاهليةِ تُحِبُّ سبيَ الحرائرِ؛ لأنهن أَثْمَنُ وأشدُّ وقعاً على العدُوِّ.
стр. 34
وقال الفرزدقُ:
تَرَى لِلْكُلَيْبِيَّاتِ وَسْطَ بُيُوتهِمْ ... وُجُوهَ إِمَاءٍ لَمْ تَصُنْهَا البَرَاقِعُ (١)
مصطلحاتُ السترِ واللباسِ في الشريعةِ وفي لغةِ الفقهاء، ووجوبُ التفريقِ بينهما:
يَرِدُ في القرآنِ والسُّنَّةِ مِن معاني السترِ ألفاظٌ ومُصْطَلَحاتٌ عديدةٌ، تُشكِلُ على كثيرٍ مِن الناسِ، ورُبَّما استعمَلَ بعضُ الفقهاءِ بعضَ تلك المصطلحاتِ على معانٍ غيرِ مطابِقَةٍ لمعناها في الوحيِ، واستعمالُ المصطلحاتِ واسعٌ في العلومِ والفنونِ، ولكنْ يَجِبُ التفريقُ بين الاستعمالِ في لغةِ الشرعِ والاستعمالِ في لغةِ الفقهاءِ -فإنَّ اللغةَ تستوعِبُ ذلك كلَّه غالباً -حتى لا تتداخَلَ المعاني وتختلِطَ الأفهامُ في المرادِ بمصطلحِ الوحيِ، ومصطلحِ بعضِ الفقهاءِ، وتلك الألفاظُ عديدةٌ، منها:
الحِجَابُ: يُستعمَلُ الحجابُ في الكتابِ والسُّنَّةِ بمعنى الحاجِزِ الساتِرِ بين شيئَيْن، ويكونُ مِن جدارٍ أو قُمَاشٍ أو خَشَبٍ، وليس هو في القرآنِ والسُّنَّةِ يُطْلَقُ على
стр. 35
معنىً مِن معاني اللباسِ أو اللُّبْس، وهو المرادُ في الآيةِ لأمهاتِ المؤمِنِين: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ومِن هذا المعنى قولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، وقولُه عن مَرْيمَ: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم: ١٧]، وقولُه عن نبيِّه سليمانَ: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، وقولُه عن قولِ الكفارِ للنبيِّ ﷺ : ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فُصِّلَت: ٥]، وكذلك هو في السُّنَّةِ بمثلِ هذا المعنى، فليس هو لباساً يختَصُّ به أحدٌ، وإنما هو ساتِرٌ بين جهتَيْنِ أو شيئينِ:
فقد يُطْلَقُ في اللُّغَةِ على الفَصْلِ بين رجالٍ ورجالٍ؛ كما في حديثِ أَنَسٍ ﵁ في» الصحيحين» في قصةِ موتِ النبيِّ ﷺ ، قال: «أومَأَ النبيُّ ﷺ بِيَدِهِ إلى أبي بَكْرٍ أن يتقدَّمَ وأَرْخَى الحجابَ، فلم يُقْدَرْ عليه حتى ماتَ» (١).
وقد يُطْلَقُ على الفصلِ بين الرجالِ والنساءِ؛ كما في قولِ عُمَرَ ﵁ في «الصحيح»: «يا رسولَ اللهِ! يدخُلُ
стр. 36
عليكَ البَرُّ والفاجِرُ، فلو أَمَرْتَ أمهاتِ المؤمنينَ بالحجابِ! فأنزَلَ اللهُ آيةَ الحجابِ» (١).
وقد يُطلَقُ على ما يستُرُ موضعاً مِن مواضعِ الجسَدِ، وهو قليلٌ؛ كما في «الصحيح» مِن حديثِ أبي هريرةَ ﵁؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ، غَيْرَ عِيسَى بنِ مَرْيَمَ؛ ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ فِي الحِجَابِ) (٢).
وهذا المعنى في هذا الحديثِ الواردِ في قصةِ عيسَى هو الذي غلَبَ في كلامِ المتأخِّرِينَ مِن الفقهاءِ والكُتَّاب؛ فيُطْلِقُون لفظَ: «الحجابِ» على ما يستُرُ البَدَنَ مِن اللباسِ، وخصَّصوه ببَدَنِ المرأةِ، ومنهم مَن يخصِّصُه جدّاً، فيجعَلُه ما يستُرُ الرأسَ والوجهَ، وهذا التخصيصُ مع عدمِ معارضَتِه لأصلِ لغةِ العربِ، إلا أنَّه غيرُ معروفٍ في لغةِ الكتابِ والسُّنَّةِ، ولا اصطلاحِ الصحابةِ، فلا بُدَّ مِن تمييزِ ذلك حتَّى لا تتداخَلَ المصطلحاتُ والاستعمالاتُ في
стр. 37
الشريعةِ؛ حتى زعَمَ بعضُهم: أنَّ عمومَ سترِ المرأةِ لبَدَنِها مِن خصائصِ أُمَّهاتِ المؤمِنِين لا لعمومِ المسلماتِ؛ لأنَّ اللهَ خَصَّ أمهاتِ المؤمنينَ بقولِه تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]؛ لأنَّه فسَّرَ الحجابَ باللباسِ، وهذا مِن الجهلِ العَرِيضِ.
وإذا ظَهَرَ أنَّ الحجابَ ليس شيئاً مِن أنواعِ اللباسِ في الآيةِ، نعلَمُ ضعفَ قولِ مَن يقولُ: إنَّ أمهاتِ المؤمنينَ اختَصَّهُنَّ اللهُ بشيءٍ مِن أحكامِ اللباسِ في موضِعٍ مِن مواضعِ البَدَنِ، ولفظُ الحجابِ -وإنْ جازَ استعمالُه في اللغةِ وعندَ بعضِ الفقهاءِ بمعنى اللباسِ- إلا أنَّه لا يجوزُ مطابقةُ استعمالِه لاستعمالِ القرآنِ.
كما يجوزُ في اللغةِ وفي استعمالِ بعضِ الفقهاءِ استعمالُ «اللَّمْسِ» بمعنَى مسِّ الرجُلِ لجسدِ المرأةِ، ولكنْ وَضْعُ هذا الاستعمالِ على قولِه تعالى في الظِّهَارِ: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المرادَ به في القرآنِ الجماعُ، واللهُ أعلَمُ.
الخِمَارُ: جاء الخمارُ في القرآنِ في قولِه تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، والخمارُ اسمُ
стр. 38
مصدرٍ؛ مِن خَمَّرَ يُخَمِّرُ تخميراً؛ يعني: غَطَّى، ومنه سُمِّي الخَمْرُ خمراً؛ لأنَّه يُغَطِّي العقلَ، والخمارُ: لباسٌ تلبَسُهُ وتَشُدُّهُ المرأةُ في أعلى الرأسِ وما دونَه، ويُسَمَّى النَّصِيفَ، و يُستعمَلُ الخمارُ لتغطيةِ ثلاثةِ مواضعَ وشدِّها ، وكلُّ واحدٍ منها يُضْرَبُ عليه بالخمارِ:
الأوَّل: الرأسُ ؛ لظاهِرِ الآية، فالرأسُ مرتكَزُ الخمارِ وقاعدَتُه، وفي بعضِ الأحاديثِ تُسَمَّى عمامةُ الرجلِ خماراً؛ جاء ذلك مِن حديثِ المغيرةِ (١)، وثَوْبانَ (٢)، وبِلالٍ (٣)، وسَلْمانَ (٤)، وكانت أمُّ سَلَمةَ تَمْسَحُ على خمارِها (٥)؛ يعني: بَدَلَ شعرِ رأسِها، وصحَّ عن نافِعٍ مولَى ابنِ عُمَرَ ﵄، قال: «رأيتُ صَفِيَّةَ بنتَ أبي عُبَيْدٍ توضَّأَتْ -وأنا غلامٌ- فإذا أرادَتْ أن تمسَحَ رأسَها، سَلَخَتِ الخمارَ» (٦).
стр. 39
ونحوُهُ صحَّ عن ابنِ المسيَّبِ (١)، والنَّخَعِيِّ (٢).
وصحَّ عن عطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ، قال: «إذا أرادَتْ أن تمسَحَ رأسَها، قال: تُدْخِلُ يدَيْها تحتَ الخمارِ، فتمسَحُ مُقَدَّمَ رأسِها؛ يُجزِئُ عنها» (٣).
وصحَّ عنِ ابنِ سِيرِينَ: أنَّه كَرِهَ أن تُصَلِّيَ المرأةُ وأُذُنُها خارجةٌ مِن الخمارِ (٤).
الثاني: الصَّدْر ؛ لظاهِرِ قولِه: ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]؛ لأنَّ الجيوبَ: هي ما على الصدورِ مِن الثيابِ مما يدخُلُ منه الرأسُ عند لُبْسِهِ، والضَّرْبُ يأتي مِن أعلَى ويَنْزِلُ على جيبِ المرأةِ، وهو صَدْرُها، فالجيوبُ هي الصدورُ؛ ولذا جاء في الحديثِ: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ) (٥)، وهو نهيٌ للمرأةِ أن تَشُقَّ جيبَها عندَ المصيبةِ.