← Фикх общий

Фикх общий · id 17503

الحجاب في الشرع والفطرة

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (167 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عليكَ البَرُّ والفاجِرُ، فلو أَمَرْتَ أمهاتِ المؤمنينَ بالحجابِ! فأنزَلَ اللهُ آيةَ الحجابِ» (١). وقد يُطلَقُ على ما يستُرُ موضعاً مِن مواضعِ الجسَدِ، وهو قليلٌ؛ كما في «الصحيح» مِن حديثِ أبي هريرةَ ﵁؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ، غَيْرَ عِيسَى بنِ مَرْيَمَ؛ ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ فِي الحِجَابِ) (٢). وهذا المعنى في هذا الحديثِ الواردِ في قصةِ عيسَى هو الذي غلَبَ في كلامِ المتأخِّرِينَ مِن الفقهاءِ والكُتَّاب؛ فيُطْلِقُون لفظَ: «الحجابِ» على ما يستُرُ البَدَنَ مِن اللباسِ، وخصَّصوه ببَدَنِ المرأةِ، ومنهم مَن يخصِّصُه جدّاً، فيجعَلُه ما يستُرُ الرأسَ والوجهَ، وهذا التخصيصُ مع عدمِ معارضَتِه لأصلِ لغةِ العربِ، إلا أنَّه غيرُ معروفٍ في لغةِ الكتابِ والسُّنَّةِ، ولا اصطلاحِ الصحابةِ، فلا بُدَّ مِن تمييزِ ذلك حتَّى لا تتداخَلَ المصطلحاتُ والاستعمالاتُ في

стр. 37

الشريعةِ؛ حتى زعَمَ بعضُهم: أنَّ عمومَ سترِ المرأةِ لبَدَنِها مِن خصائصِ أُمَّهاتِ المؤمِنِين لا لعمومِ المسلماتِ؛ لأنَّ اللهَ خَصَّ أمهاتِ المؤمنينَ بقولِه تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]؛ لأنَّه فسَّرَ الحجابَ باللباسِ، وهذا مِن الجهلِ العَرِيضِ. وإذا ظَهَرَ أنَّ الحجابَ ليس شيئاً مِن أنواعِ اللباسِ في الآيةِ، نعلَمُ ضعفَ قولِ مَن يقولُ: إنَّ أمهاتِ المؤمنينَ اختَصَّهُنَّ اللهُ بشيءٍ مِن أحكامِ اللباسِ في موضِعٍ مِن مواضعِ البَدَنِ، ولفظُ الحجابِ -وإنْ جازَ استعمالُه في اللغةِ وعندَ بعضِ الفقهاءِ بمعنى اللباسِ- إلا أنَّه لا يجوزُ مطابقةُ استعمالِه لاستعمالِ القرآنِ. كما يجوزُ في اللغةِ وفي استعمالِ بعضِ الفقهاءِ استعمالُ «اللَّمْسِ» بمعنَى مسِّ الرجُلِ لجسدِ المرأةِ، ولكنْ وَضْعُ هذا الاستعمالِ على قولِه تعالى في الظِّهَارِ: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المرادَ به في القرآنِ الجماعُ، واللهُ أعلَمُ. الخِمَارُ: جاء الخمارُ في القرآنِ في قولِه تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، والخمارُ اسمُ

стр. 38

مصدرٍ؛ مِن خَمَّرَ يُخَمِّرُ تخميراً؛ يعني: غَطَّى، ومنه سُمِّي الخَمْرُ خمراً؛ لأنَّه يُغَطِّي العقلَ، والخمارُ: لباسٌ تلبَسُهُ وتَشُدُّهُ المرأةُ في أعلى الرأسِ وما دونَه، ويُسَمَّى النَّصِيفَ، و يُستعمَلُ الخمارُ لتغطيةِ ثلاثةِ مواضعَ وشدِّها ، وكلُّ واحدٍ منها يُضْرَبُ عليه بالخمارِ: الأوَّل: الرأسُ ؛ لظاهِرِ الآية، فالرأسُ مرتكَزُ الخمارِ وقاعدَتُه، وفي بعضِ الأحاديثِ تُسَمَّى عمامةُ الرجلِ خماراً؛ جاء ذلك مِن حديثِ المغيرةِ (١)، وثَوْبانَ (٢)، وبِلالٍ (٣)، وسَلْمانَ (٤)، وكانت أمُّ سَلَمةَ تَمْسَحُ على خمارِها (٥)؛ يعني: بَدَلَ شعرِ رأسِها، وصحَّ عن نافِعٍ مولَى ابنِ عُمَرَ ﵄، قال: «رأيتُ صَفِيَّةَ بنتَ أبي عُبَيْدٍ توضَّأَتْ -وأنا غلامٌ- فإذا أرادَتْ أن تمسَحَ رأسَها، سَلَخَتِ الخمارَ» (٦).

стр. 39

ونحوُهُ صحَّ عن ابنِ المسيَّبِ (١)، والنَّخَعِيِّ (٢). وصحَّ عن عطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ، قال: «إذا أرادَتْ أن تمسَحَ رأسَها، قال: تُدْخِلُ يدَيْها تحتَ الخمارِ، فتمسَحُ مُقَدَّمَ رأسِها؛ يُجزِئُ عنها» (٣). وصحَّ عنِ ابنِ سِيرِينَ: أنَّه كَرِهَ أن تُصَلِّيَ المرأةُ وأُذُنُها خارجةٌ مِن الخمارِ (٤). الثاني: الصَّدْر ؛ لظاهِرِ قولِه: ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]؛ لأنَّ الجيوبَ: هي ما على الصدورِ مِن الثيابِ مما يدخُلُ منه الرأسُ عند لُبْسِهِ، والضَّرْبُ يأتي مِن أعلَى ويَنْزِلُ على جيبِ المرأةِ، وهو صَدْرُها، فالجيوبُ هي الصدورُ؛ ولذا جاء في الحديثِ: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ) (٥)، وهو نهيٌ للمرأةِ أن تَشُقَّ جيبَها عندَ المصيبةِ.

стр. 40

الثالث: الوَجْه ؛ فإنَّ الخمارَ قُمَاشٌ طويلٌ ممتتَدٌّ مشدودٌ تُنزِلُه المرأةُ مِن قاعدتِه -وهي الرأسُ- على ما شاءت، ومنه الوجهُ، وصحَّ عن هثامٍ، عن حفصةَ بنتِ سيرينَ أُمِّ الهُذَيْلِ، قالتْ: «تُخَمَّرُ المرأةُ المَيِّتَةُ، كما تُخَمَّرُ الحَيَّةُ، وتُدَرَّعُ مِنَ الخمارِ قَدْرَ ذراعٍ تَسْدُلُهُ على وَجْهِها» (١). وقال الفرزدَقُ: نِسَاءٌ بِالمَضَايِقِ مَا يُوَارِي ... مَخَازِيَهُنَّ مُنْتَقَبُ الخِمَارِ (٢) وكذلك: فإنَّ الخمارَ يُسَمَّى نَصِيفاً عندَ العربِ، وفي لغةِ الشرعِ؛ ولذا جاء في «الصحيح» مِن حديثِ أَنَسٍ ﵁ مرفوعاً: (لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الأَرْضِ، لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحاً، وَلَنَصِيفُهَا -يعني: الخمارَ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) (٣)،

стр. 41

وقد جاء في «المصنَّف» لابنِ أبي شَيْبةَ مِن مُرْسَلِ الحسَنِ تفسيرُ الخمارِ بالنَّصِيفِ صريحاً مِن قولِ النبيِّ ﷺ (١). وفي «المسند» لأحمدَ جاءَ مِن حديثِ أبي هريرةَ ﵁ تفسيرُ النَّصِيفِ موقوفاً عليه (٢). والنَّصِيفُ -وهو الخِمَارُ- تُطْلِقُه العربُ على ما يُغَطَّى به الوجهُ، وقد قال النابغةُ: سَقَطَ النَّصِيفُ وَلَمْ يُرِدْ إِسْقَاطَهُ ... فَتَنَاوَلَتْهُ وَاتَّقَتْنَا بِاليَدِ (٣) ويُستعمَلُ الخمارُ في هذه المعاني الثلاثةِ أو بعضِها، ولكنَّ أصلَ استعمالِ النساءِ للخمارِ على أنَّ له محيطاً ووسطاً يبدأُ مِن الرأسِ ويُحِيطُ به، وينزِلُ تبعاً على الكتفَيْنِ والوجهِ والصدرِ، كما قال ابنُ خزيمةَ في «الصحيح»: «الخِمَارُ الذي تَسْتُرُ به وجهَها؛ بل تَسْدُلُ الثوبَ مِن فوقِ رأسِها على وجهِها» (٤). وإنْ كشفَتِ المرأةُ خمارَها عن وجهِها لمَحْرَمِها،

стр. 42

بَقِيَ مُحِيطاً بوجهِها، وقد جاء في حديثِ مسلمِ بنِ أبي حُرَّةَ، قال: «لما حُصِرَ ابنُ الزُّبَيْرِ، دخَلَ على أُمِّهِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، فقَبَّلَها وقَبَّلَ ما بينَ الخمارِ إلى الوجهِ فوقَ الجَبْهَةِ»؛ رواه الحاكِمُ (١). والأصلُ: أنَّ الخمارَ لا يبقَى على الرأسِ، بل يكونُ منه على ما دونَه؛ ففي «صحيح البخاري»: أنَّ عائشةَ ﵂ كانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَها -الذي نَذَرَتْه ألَّا تكلِّمَ عبدَ الله بنَ الزُّبَيْرِ- فتَبْكِي حتى تَبُلَّ دموعُها خمارَها (٢). قال أبو نُعَيْمٍ الأصبهانيُّ: «الجِلبابُ: فوقَ الخمارِ، ودونَ الرِّداءِ، تستوثِقُ المرأةُ صدرَها ورأسَها» (٣). والغالبُ: أنَّ المرأةَ عندَ تغطيتِها لوجهِها تأخُذُ الخمارَ مِن أسفَلِه الذي على صَدْرِها وترفَعُه على وجهِها، وبالنسبةِ للجلبابِ تُدْنِيه مِن فوقِ رأسِها وتَسْدُلُه أو تَضْرِبُ به على وجهِها، ويصِحُّ العكسُ، خاصَّةً إن كان الخمارُ واسعاً سدَلَتْ منه شيئاً مِن رأسِها على وجهِها. الجلبابُ: جاء ذِكْرُ الجلبابِ في قولِه تعالى:

стр. 43

﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. وهو ما يكونُ مِن لباسٍ فَضْفَاضٍ فوقَ الخمارِ يستوعِبُ أعلى البَدَنِ ووسطَهُ، وهو دون الرداءِ، ويُسْدَلُ فيُغَطَّى به الوجهُ والصدرُ؛ ففي «الصحيحينِ» مِن حديثِ عائشةَ ﵂، قالتْ: «فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي» (١). والجلبابُ قريبٌ مِن العَبَاءةِ اليومَ؛ لكنَّها غيرُ مفصَّلةٍ، ويسمَّى القِنَاعَ أو المُلاءَةَ. و الفَرْقُ بين الخمارِ والجلبابِ: أنَّ الخمارَ يكونُ تحتَ الجلبابِ، والخمارُ تلبَسُه المرأةُ، وتشُدُّه على رأسِها وما دونَه، ويكونُ ملاصقاً للجسمِ مشدوداً، بخلافِ الجلبابِ فهو غطاءٌ زائدٌ فوقَه فضفاضٌ يُرخَى غالباً، ولا يُشَدُّ لا على الوجهِ ولا على الصدرِ، بحيثُ يُبْرَزُ حجمُ العُضْوِ؛ ولذا ففي «صحيح مسلم» عن أُمِّ سُلَيْمٍ أنَّها خرجَتْ مستعجِلةً تَلُوثُ خِمَارَها (٢)؛ يعني: تُدِيرُه على رأسِها وتَشُدُّه، والخِمَارُ هو الذي تَصُرُّ بطَرَفِه بعضُ النساءِ الأوائلِ دنانيرَها لتماسُكِه وثباتِه عليها.

стр. 44

التاريخُ والواقعُ وأثَرُه على الفِقْه: اتَّسَعَ الإسلامُ وانتشَرَتْ نصوصُه وأدلَّتُه، على أُمَمٍ وشعوبٍ، متبايِنةِ العاداتِ، مختلِفَةِ المشارِبِ والأفهامِ، منها وَثَنِيَّةٌ، ومنها كتابيَّةٌ، ومنها ما لا دِينَ له، واختلفَتِ الألسُنُ حتى مِن العربِ: عربٌ عروبَتُهم قريبةٌ مِنِ استعمالاتِ القرآنِ، وعربٌ بعيدونَ عن استعمالِه، وبين ذلك شعوبٌ وقبائلُ، ويَغلِبُ على النفوسِ ربطُ المصطلحاتِ والألفاظِ بأقرَبِ استعمالٍ لغويٍّ أو عُرْفِيٍّ، فأثَّرَتِ اللغاتُ والعاداتُ والدياناتُ السابقةُ على فقهِ أصحابِها، وغالباً أنَّ النفوسَ -وإن لم تَشْعُرْ -لا تُحِبُّ أنْ تخرجَ عما هي عليه مِن عرفٍ وعادةٍ وواقعٍ، فانتشَرَ القرآنُ والحديثُ على شعوبٍ يختلِفُون في مِقْدارِ العفافِ والسَّتْرِ، حتى بلَغَ في شعوبٍ عادَتُها تلثُّمُ رجالِها، وسفورُ نسائِها، وعكَسَتْ بعضُ المجتمعاتِ التشريعَ؛ فتتخَمَّرُ العجوزُ وتتغَطَّى، وتتبَرَّجُ بنتُها، حتى إذا كَبِرَتِ الشابَّةُ وقَعَدَتْ، تخمَّرَتْ، وبينَ ذلك أحوالٌ وعاداتٌ لا حَصْرَ لها. تتقَلَّبُ الشعوبُ وتتدرَّجُ في تغَيُّرِ عاداتِها، وتدورُ بها دائرةُ التغييرِ كدائرةِ الفَلَكِ، وتختلِفُ أزمانُ التغييرِ فيها بينَ عقودٍ، وبين قرونٍ، بحَسَبِ المؤثِّرَاتِ عليها، ولو قُدِّرَ للناظرِ

стр. 45

أن يكونَ القرنُ الواحدُ للشعوبِ لديه ما ليومِ الواحدِ، فأخذَ ينظُرُ إليهم يَتقلَّبُونَ في لباسِهم وهيئاتِهم، ومآكِلِهم ومشارِبِهم، وألسنَتِهم ومساكِنِهم، لظهَر له أنَّ آخِرَ قَرْنِهم لا يعرِفُ ما كان عليه أوَّلُه، وكلٌّ يَظُنُّ أنَّه مُتَّصِلٌ بمَن سبَقَه، وهو يَتقلَّبُ ببُطْءٍ وهو لا يشعُرُ، ولولا أنَّ القرآنَ يَقُصُّ والتاريخَ يُكْتَبُ، لظَنَّ الناسُ اليومَ أنَّهم على ما كان عليه أبوهم آدَمُ. ولهذا؛ فلا عبرةَ بما عليه الأُمَمُ والشعوبُ والدُّوَلُ، فإنَّ للواقِعِ المُشاهَدِ تأثيراً على فقهِ الفقيهِ، فضلاً عن جهالةِ الجاهلِ، فيظُنُّ الجاهلُ أنَّه حينَما يفتَحُ عينَيْهِ على لباسِ أهلِه أو بلدِه، أنَّ هذا الأمرَ متسلسِلٌ على ما كانَ عليه الناسُ في زمَنِ النبوَّةِ، وربما يتأثَّرُ بعضُ الفقهاءِ والكُتَّابِ بالواقعِ، فيحمِلُه على ترجيحِ قولٍ على قولٍ، أو تغييرِ قِيَمِ الأقوالِ لِيناً وشِدَّةً، حتى رأيتُ أحدَ محقِّقِي أحدِ كتبِ السُّنَّةِ يُغَيِّرُ ما في المخطوطِ في تعليقِ أحدِ الأئمةِ السابقينَ على أحدِ الأحاديثِ النبويَّةِ مِنْ: «كشف وجهها حراماً» إلى: «كشف رأسها حراماً»، فحذَفَ الوجهَ، وأبدَلَه بالرأسِ، كما في كتابِ «شرح مُشْكِلِ الآثار» للطَّحَاوِيِّ (١)؛ ويدُلُّ على حسنِ قصدِ المحقِّقِ: أنَّه نبَّه في الحاشيةِ على

стр. 46

فِعْلِه، مع أنَّ الخمارَ يُلَفُّ به الرأسُ، ويُضْرَبُ به ما دونَه؛ كما تقدَّمَ بيانُه (١)، وقد ذكَرَ نَصَّ الطحاويِّ كما هو: أبو المَحَاسِنِ الحنفيُّ في كتابِه «المُعْتَصَر مِن المُخْتَصَر مِن مشكِلِ الآثار»، فقال: «وكان كشفُها وجهَها حراماً» (٢)، وأبو المحاسِنِ مِن فقهاءِ الحنفيةِ في القرنِ الثامنِ. ومِن هذا: ما في تعليقِ أحدِ أهلِ العلمِ على قولِ ابنِ حَجَرٍ في «الفَتْح»: «فاخْتَمَرْنَ بها؛ أي: غَطَّيْنَ وجوهَهُن» (٣)، قال: «وجوههنَّ: يحتَمِلُ أن يكونَ خطأً مِن الناسخِ، أو سبقَ قَلَمٍ مِن المؤلِّفِ؛ أرادَ أن يقولَ: «صُدُورَهُنَّ «، فسَبَقَه قَلَمُه» (٤)! ومع شدَّةِ وَطْأَةِ الواقعِ والتغريبِ الإعلاميِّ والفكريِّ، وعَيْشِ كثيرٍ مِن المسلِمِين في بُلْدانِ الغربِ، أخذتْ نفوسُ كثيرٍ مِن الكُتَّابِ تَمِيلُ إلى محاكاةِ الواقعِ، وتتبُّعِ ما يوافِقُه مِن نصوصِ الوحيِ، وآثارِ السلَفِ والفقهاءِ، مِن المحكَمِ تارَةً، ومِن المتشابِهِ تاراتٍ؛ حتى بلَغَ الأمرُ ببعضِ الكُتَّابِ

стр. 47

أن يُشكِّكَ بأصلِ مشروعيَّةِ تغطيةِ المرأةِ لوجهِها؛ بل مِنهم مَن يُشكِّكُ بأصلِ مشروعيةِ الحجابِ، وسترِ المرأةِ كلِّه، وجعَلَه عادةً لا عبادةً؛ لأنَّ للواقعِ المشاهَدِ في الإعلامِ أثراً على أفهامِ العقلاء؛ فكيفَ بالسفهاءِ وأهلِ الأهواء؟! وطالِبُ الإنصافِ يجبُ عليه أن يَتجرَّدَ مِن تأثيرِ واقِعِه أيّاً كان، ويَفهَمَ القرآنَ بلسانِ أهلِ البيانِ، وتفسيرِ أقربِ الناسِ إلى نزولِه، الذين خالَطُوه عملاً ولساناً مع سلامةِ قَلْبٍ، فنزلَ القرآنُ على لسانِهم واستعمالِهم، فتطابَقَت ألفاظُ القرآنِ على أفهامِهم، وهي تنزِلُ كتطابُقِ القدورِ وأغطيَتِها. العربُ ولباسُ المرأةِ: لم يثبُتْ أنَّ النبيَّ ﷺ أرشدَ إلى لباسِ قبيلةٍ أو أُمَّةٍ بعينِها، وإنما ثبَتَ ذلك عن الخليفةِ الراشدِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁؛ فقد كتَبَ لِمَن في أَذْرَبِيجانَ مِن عُمَّالِه وأصحابِه: «عَلَيْكُمْ بِاللِّبْسَةِ المَعَدِّيَّةِ، وَإِيَّاكُمْ وَهَدْيَ العَجَمِ؛ فإِنَّ شَرَّ الهَدْيِ هَدْيُ العَجَمِ». أخرجَه ابنُ أبي شيبةَ، وابنُ شَبَّةَ، وغيرُهما، بسندٍ صحيحٍ، وأصلُه في «المسنَد» لأحمد (١).

стр. 48

ومرادُه: ما كان عليه قبائِلُ مَعَدِّ بنِ عَدْنانَ، وهم ذُرِّيَّةُ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ، بلا خلافٍ، وقد ثبتَ مِن وجهٍ آخَرَ عن عمرَ ﵁ قولُه: «عَلَيْكُمْ بِلِبَاسِ أبِيكُمْ إِسْمَاعِيلَ»؛ رواهُ ابنُ الجَعْدِ، بسندٍ صحيحٍ (١). والمرادُ: تشبَّهُوا بلباسِ بني مَعَدِّ بنِ عدنانَ زِيّاً وخشونةً، ومِن المهمِّ معرفةُ ما كانتْ عليه أقربُ الناسِ إلى النبيِّ ﷺ نسباً الذين عاش بينَهم؛ فإنَّ فهمَ الحالِ التي نزلَ عليها القرآنُ، مما يُعِينُ على فهمِ مقصودِه، وقد كانت طوائفُ مِن العجَمِ على ما كانت عليه مَعَدُّ بنُ عدنانَ، كعجَمِ أصبهانَ؛ كما قال الأصمعيُّ: عجَمُ أصبهانَ قريشُ العَجَمِ» (٢)؛ يعني: في هَدْيِها وأخلاقِها، ولباسِها وشِيَمِها. وقبائلُ مَعَدِّ بنِ عدنانَ هي بطونٌ مِن العربِ، وفروعُها الكُبرى: رَبِيعةُ ومُضَرُ، ومِن بطونِها الدُّنيا: قُرَيْشٌ وكِنَانَةُ وأَسَدٌ وهُذَيْلٌ وتَمِيمٌ ومُزَيْنَةُ وضَبَّةُ وخُزَاعَةُ وهَوَازِنُ وسُلَيْمٌ وثَقِيفٌ ومازِنٌ وغَطَفانُ وباهِلَةُ وتَغْلِبُ وبنو حَنِيفةَ،

стр. 49

وقيل: قُضَاعَةُ وجُهَيْنَةُ، ونَهْدٌ وكَلْبٌ وخَوْلانُ وبَلِيٌّ ومُهْرةُ وغيرُهم، وفيهم اليومَ قبائلُ كثيرةٌ؛ كعُتَيْبةَ وعَنَزَةَ وبَنِي مُرَّة وبَنِي سُلَيْمٍ وبني هلالٍ ومُطَيْرٍ والدَّوَاسِرِ وسُبَيْعٍ والسُّهُولِ، وخَلْقٍ. وقد كانَ الأصلُ في نساءِ مَعَدِّ بنِ عدنانَ، وكثيرٍ مِن قبائلِ العربِ، السَّتْرَ الغالبَ للبَدَنِ، سواءٌ منهم الوَثَنِيُّ أو الكتابيُّ، حتى يُقالَ في مَثَلِهم السائرِ: «العَوَانُ لا تُعَلَّمُ الخِمْرَةَ» (١)؛ يعني: هيئةَ الاختمارِ؛ لأنها معتادةٌ عليها مِن صِغَرِها، فلا تحتاجُ إلى تعليمٍ وهي كبيرةٌ، حتى كان كثيرٌ مِن نسائِهم لا تكشِفُ وجهَها إلا في الإحرامِ للنُّسُكِ، وهذا مما بَقِيَ فيهم مِن مناسكِ الحنيفيَّةِ، حتى لم يفرِّقُوا بينَ سفورِ المرأةِ لإحرامِها، وبينَ سفورِها عند الرجالِ ولو كانتْ مُحْرِمةً في الحجِّ، قال خُفَافُ بنُ نُدْبَةَ السُّلَمِيُّ: وأَبْدَى شُهُورُ الحَجِّ مِنْهَا مَحَاسِناً ... ووَجْهاً متَى يَحْلِلْ لهُ الطِّيبُ يُشْرِقِ (٢) و كانوا يُفَرِّقُون بين الحُرَّةِ والأَمَةِ بكشفِ الوجهِ ،

стр. 50

والحرائرُ لا يكشفْنَ إلا عندَ الشدائدِ والحروبِ عندَ خوفِ السَّبْيِ والأسْرِ؛ ليَرَاهُنَّ العدوُّ فيَتْرُكَهُنَّ زُهداً بهن؛ قال سَبْرَةُ بنُ عمرٍو الفَقْعَسِيُّ: وَنِسْوَتُكُمْ فِي الرَّوْع بادٍ وُجُوهُها ... يُخَلْنَ إِمَاءً وَالْإمَاءُ حَرَائِرُ (١) وقد كانَتْ تُسْتَرُ نساءُ نصارى العربِ ؛ فيقولُ شاعرُهم الأخطَلُ التَّغْلَبِيُّ: أَنِفْتُ لِبِيضٍ يَجْتَلِيهِنَّ ثابِتٌ ... بِدَوْغَانَ، يَهْفُو قَزُّهَا وحَرِيرُهَا إذَا أَعْرَضَتْ بَيْضَاءُ قالَ لها: اسْفِرِي ... وكانتْ حَصَاناً لا يُنَالُ سُفُورُهَا (٢) وتسمِّي العربُ ما يغطَّى به الوجهُ بأسماءٍ، منها: (الغُدْفَة) (٣)، و (الوَصَاوِص) (٤)، و (النَّصِيف) (٥)،

стр. 51

و (النِّقَاب) (١)، و (البُرْقُع) (٢)، و (القِنَاع) (٣)، و (المَيْسَنانيّ) (٤)، وغيرُ هذا مما تقدَّمَ دخولُه فيما يُغَطَّى به الوجهُ مما سبق؛ كالخمارِ والجلبابِ، وغيرِهما. و معنَى السفورِ عندَ العربِ: هو كشفُ المرأةِ لوجهِها، وليس المرادُ بذلك كَشْفَها لشعرِها أو نحرِها؛ لأنه لا يعرَفُ عندَ غالبِ العربِ والعجَمِ كشفُ المرأةِ لشعرِها؛ قال تَوْبَةُ بنُ الحُمَيِّرِ: وكُنْتُ إذَا ما جِئْتُ لَيْلَى تَبَرْقَعَتْ ... فقَدْ رَابَنِي مِنْهَا الغَدَاةَ سُفُورُهَا (٥) وقد ذكَرَ بعضُ المفسِّرِين -كمُقاتِلِ بنِ حَيَّانَ-: أنَّ تبرُّجَ الجاهليةِ الأولَى -قبلَ وُجودِ العربِ- الذي نَهَى اللهُ عنه في قولِه: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]؛

стр. 52

أنَّهُنَّ كُنَّ يُلْقِينَ الخمارَ على رؤوسِهِنَّ ولا يَشْدُدْنَه (١)، ومع ذلك نهى اللهُ عنه، وشدَّد عليه، وذكَرَه مثالاً، لفعلِ سُوء. وقد جاء عن بعضِ السلفِ -كابنِ عَبَّاسٍ ﵄ وغيرِه-: أنَّ تبرُّجَ الجاهليةِ الأُولَى كان بين نُوحٍ وإدرسَ (٢)، ولو كان هناك تبرُّجٌ عامٌّ في التاريخِ بعدَه أسوَأُ منه، لذَكَرَهُ اللهُ مثالاً. والأُمَمُ تتقلَّبُ بين الرجوعِ إلى الفطرةِ وبينَ الانسياقِ لإبليسَ، وكُلَّمَا ابتَعَدَتْ أعادَها اللهُ بالوحيِ، وسَتْرُ النساءِ شِرْعةٌ وفطرةٌ للأنبياءِ والصالحينَ في كلِّ زمَنٍ، وقد صحَّ عن عُمَرَ بنِ الخطابِ ﵁ أنَّه فسَّرَ قولَ اللهِ تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: ٢٥]؛ بتغطيةِ وجهِها بثوبِها؛ أخرَجَه ابنُ أبي شَيْبة (٣).

стр. 53

معنى كلمةِ (العَوْرةِ): تَسْتعمِلُ العربُ الكلمةَ على وضعٍ، ثم تَتوسَّعُ في إطلاقِها على ما يُشارِكُها مِن المعاني ولو مِن بعضِ الوجوهِ لا كُلِّها؛ كلفظةِ (المَسِّ)، وهي مباشَرَةُ الشيئَيْنِ بعضِهما لبعضٍ والتِصاقُهما؛ كقولِه تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، ثم تُوسِّعَ في إطلاقِه حتى للمعنويَّاتِ؛ كقولِه: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ [يونس: ١٢]، وعلى تلبُّسِ الجِنِّيِّ بالإنسيِّ: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وتُطلَقُ أيضاً على الجِماعِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، وإن كان القَدْرُ المشترَكُ بينَها واحداً ولوِ اختلَفَ المعنَى بينها وتباعَدَ جِدّاً. ومِن ذلك: مصطلَحُ (العورةِ)؛ فأصلُ إطلاقِهِ على النقصِ والخَلَل، ولما كان صاحبُ النقصِ يَكْرَهُ أن يُرى وينكشِفَ نَقْصُه، دخَلَ في معنى (العَوْرةِ) كُلُّ ما يَشْترِكُ في كراهةِ رؤيَتِهِ عقلاً أو شرعاً أو عُرْفاً: ففي العُرْفِ: لا يُحِبُّ الناسُ أن تُرى بيوتُهم مِن الداخلِ إلا بإذنِهم؛ فقال اللهُ على لسانِ المنافِقِين: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣]؛ أي: تُدخَلُ ونحنُ نَكرَهُ،

стр. 54

ولا أحَدَ يَمنَعُ، فتسمَّى البيوتُ المفتوحةُ عورةً وإنْ كانتِ البيوتُ لا عيبَ فيها ولا نقصَ، ويُطلَقُ على الجهةِ التي يَكْرَهُ الإنسانُ أن يُدخَلَ عليه منها: عورةٌ؛ كبابِ البيتِ، ونافِذَتِه، وثُقْبِ البابِ، وجهةِ الحيِّ والمدينةِ التي لا حارِسَ عليها مِن عدوٍّ أو سارِقٍ؛ قال لَبِيدٌ: حَتَّى إِذَا أَلْقَتْ يَداً فِي كَافِرٍ ... وَأَجَنَّ عَوْرَاتِ الثُّغُورِ ظَلَامُهَا (١) وفي الشرعِ: أُطْلِقَ على معانٍ تعبديَّةٍ؛ كعَوْرةِ الصلاةِ؛ فيقولون: «المرأةُ كُلُّها عَوْرةٌ إلا وجهَها وكَفَّيْها»؛ لأنَّ الشارعَ يَكْرَهُ كشفَها في الصلاةِ، ولو كانت المرأةُ وحدَها ببيتِها، ولما كان اللهُ يَكْرَهُ أن يَكْشِفَ الرجالُ والنساءُ مواضعَ معيَّنةً مِن أبدانِهم، سُمِّيتْ عورةً، ولما كانَتِ المرأةُ العفيفةُ تكرَهُ أن ينظُرَ إلى شيءٍ مِن جسمِها رجلٌ غيرُ زوجِها غريزةً وشَهْوةً، سُمِّيَ المنظورُ إليه عورةً. فقد يكونُ العضوُ الواحدُ في حالٍ عورةً، وفي حالٍ ليس بعورةٍ؛ كوجهِ الأَمَةِ، ووجهِ الحُرَّةِ، ووجهِ الشابَّةِ، ووجهِ العجوزِ، بل يختلِفُ بحسبِ الناظِرِ؛ إن كان ذكَراً

стр. 55

طفلاً لم يُصبِحْ ما ينظُرُ له عورةً، وإنْ كان بالغاً أصبَحَ عورةً؛ لهذا قال اللهُ: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]. وقد اتَّخَذَ بعضُ مَن لا يَفهَمُ لغةَ العربِ ولا مصطلحاتِ الشرعِ مصطلحَ العورةِ مدخلاً للتقليلِ مِن حجابِ المرأةِ وسَتْرِها لوجهِها والسخريةِ به؛ ل اشتراكِ لفظِ العورةِ بين السَّوْءَتَيْنِ والوجهِ ؛ وهذا كحالِ مَن لا يُفرِّقُ بين إطلاقاتِ مصطلَحِ: (المَسِّ)؛ فلا يُفرِّقُ بين مَسِّ المُصحَفِ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، وبين جماعِ الزوجَيْنِ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣ و ٤]. عورة الصلاةِ، وعورةُ السترِ والنظَرِ، وخلطُ كثيرٍ من الكُتَّاب بينهما: جعَلَ اللهُ لبعضِ العباداتِ أحكاماً في اللباسِ تختصُّ بها، وذلك للرجالِ والنساءِ في الصلاةِ والحجِّ؛ فشرَعَ اللهُ للمرأةِ لباساً على وصفٍ، وللرجالِ لباساً على وصفٍ: أمَّا الصلاةُ: ففي الرجالِ جاءت أحاديثُ، منها ما في «الصحيحَيْنِ»، قال ﷺ : (لَا يُصَلِّي أحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ

стр. 56

الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ) (١)، واختُلِفَ في الحدِّ الذي تبطُلُ صلاةُ الرجلِ بكشفِه له، والجمهورُ: أنَّ عَوْرَتَهُ ما بينَ السُّرَّةِ إلى الرُّكْبةِ، وفي النساءِ جاءتْ أحاديثُ أيضاً، ومنها ما في «السُّنَن»، قال ﷺ : (لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلا بِخِمَارٍ) (٢). وللصلاةِ أحكامٌ خاصَّةٌ بها في لباسِ الجنسَيْنِ، وللحجِّ أحكامٌ خاصَّةٌ به في لباسِ الجنسَيْنِ أيضاً، سواءٌ كان أحدُ الجنسينِ وحدَهُ أو كان مع غيرِه، يجبُ عليه أن يستُرَ ما أُمِرَ بسترِه، وكلُّ حكمٍ في اللباسِ ورَدَ به نصٌّ خارجَ الصلاةِ والحجِّ، فهو مستقِلٌّ لا يرتبِطُ بهما. وكثيرٌ مِن الكُتَّابِ ينقُلُ أقوالَ الفقهاءِ عندَ كلامِهم على لباسِ المرأةِ في الصلاةِ: «المَرْأَةُ عَوْرةٌ إلا وَجْهَها وكَفَّيْها»، ويجعلُها في أحكامِ النظرِ، ولا يفرِّقُ بين عورةِ الصلاةِ والسَّتْرِ، وعورةِ النظرِ، والمرأةُ يجبُ عليها أن تستُرَ كلَّ شيءٍ في صلاتِها إلَّا وجهَها وكَفَّيْها، ولو كانت

стр. 57

في بيتِها وحدَها، وإنْ شهِدَها أحدٌ مِن مَحارِمِها أو زَوْجُها، وأظهَرَتْ شعرَها وصَلَّتْ، بطَلَتْ صلاتُها، وليس لها أن تقولَ: «إنَّه لا يراني إلا زَوْجِي» مثلاً؛ فإنَّ سَتْرَها لبدنِها إلا وجهَها وكَفَّيْها حينئذٍ للصلاةِ، لا لمَن يراها ولو كان زوجَها؛ فهذه عَوْرةُ صلاةٍ، لا عَوْرةُ نَظَرٍ، وهكذا فإنَّه نَصَّ بعضُ الفقهاءِ أنَّ المميِّزةَ الصغيرةَ تُسْتَرُ للصلاةِ كالبالغةِ، مع أنَّ الصغيرةَ تخرُجُ للرجالِ الأجانبِ، ولا عورةَ نظرٍ عليها. بل نَصَّ الفقهاءُ مِن المذاهبِ الأربعةِ على أنَّ المرأةَ إن كانت في الصلاةِ وعندَها أجانبُ، أنَّها تستُرُ وجهَها؛ نصَّ عليه الخطيبُ الشِّرْبِينِيُّ مِن الشافعيةِ؛ فقال: «إلا أنْ تكونَ بحضرةِ أجنبيٍّ ... فلا يجوزُ لها رفعُ النِّقَاب» (١)، ومِن المالكيةِ اللَّخْمِيُّ، ومِن الحنابلةِ ابنُ تيميَّةَ وغيرُه، وأشار إليه الطحطاويُّ وغيرُه مِن الحنفيةِ. وعدمُ التفريقِ بين سياقاتِ الأئمَّةِ في عورةِ الصلاةِ وعورةِ النظرِ مِن أكثرِ ما يخطِئُ به النَّقَلةُ؛ فيأخُذُون كلامَ الفقهاءِ في عورةِ الصلاةِ، ويَضَعُونه في عورةِ النظرِ،

стр. 58

ولا ينظُرُون للسياقِ، وربما نَظَرَ بعضُهم لِمَا صحَّ أن نساءَ الصحابةِ يُصَلِّينَ خلفَ الرجالِ مع رسولِ اللهِ ﷺ في المساجدِ، ويَتصوَّرُ لازماً ذهنيّاً أنَّ الرجالَ يرونَ النساءَ بعدَ الصلاةِ؛ وهذا خطأٌ مِن وجهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الصحابةَ تكونُ وجوهُهم إلى القِبْلةِ، وأنْ سلَّموا، انتهتِ الصلاةُ، وكان النبيُّ ﷺ ينهَى الصحابةَ أن يتحرَّكُوا حتى تخرُجَ النساءُ؛ ففي البخاريِّ، عن أُمِّ سَلَمةَ ﵂، قالت: «إنَّ النساءَ في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ كُنَّ إذا سَلَّمْنَ مِنَ المكتوبةِ، قُمْنَ، وثبتَ رسولُ الله ﷺ ومَن صَلَّى مِن الرجالِ ما شاء اللهُ، فإذا قام رسولُ اللهِ ﷺ ، قام الرجالُ» (١). الثاني: يجوزُ للمرأةِ إنْ صلَّت عندَ الرجالِ تغطيةُ وجهِها؛ لأنَّ كشفَ وجهِ المرأةِ وكَفَّيْها في الصلاةِ ليس مِن واجباتِ الصلاةِ بالإجماعِ، ولكنَّ تغطيةَ غيرِ الوجهِ والكفينِ واجبٌ؛ فيجبُ التفريقُ بين ما يجبُ سترُه وما يجوزُ كَشْفُه؛ فللمرأةِ أن تُغطِّيَ وجهَها في الصلاةِ بسببِ مرورِ رجلٍ أو غُبَارٍ أو رِيحٍ كريهةٍ ولا تبطُلُ صلاتُها.

стр. 59

نِقَابُ المرأةِ في الحَجِّ: يَربِطُ كثيرٌ مِن الكُتَّابِ بين مسألتينِ مُنفكَّتَيْنِ: الأُولَى: تحريمُ النقابِ على المُحْرِمةِ. الثانية: تغطيةُ وجهِها عند الرجالِ الأجانبِ في الحجِّ. ويجبُ أن يُعلَمَ أنَّ اللهَ حرَّم حالَ الإحرامِ على الرجلِ لباساً، وعلى المرأةِ لباساً، أمَّا الرجُلُ: فحرَّم عليه اللباسَ المفصَّلَ على جسمِه أو عضوٍ مِن أعضائِه؛ كالثيابِ، والسراويلِ، والخُفَّيْنِ، والجَوْرَبَيْنِ، وشِبْهِها، وأمَّا المرأةُ: فحرَّم عليها مِن اللباسِ نوعَيْنِ: النِّقابَ، والقُفَّازَ، وتحريمُ لباسٍ معيَّنٍ لا يعني كشفَ العضوِ؛ فالحكمُ يتعلَّقُ باللباسِ لا بما تحتَه؛ فالرجلُ يغطِّي كلَّ الأعضاءِ التي نُهِيَ عن استعمالِ لباسٍ مخصَّصٍ لها، فيغطِّي قَدَمَه؛ ولكنْ لا يَلبَسُ الخُفَّ، ويغطِّي جسدَه كلَّه أعلاه وأسفَلَه إلا رأسَه؛ لكنْ لا يلبَسُ القميصَ والسِّرْوالَ والفانيلةَ، ولا يُقال له: اكشِفْ كلَّ عضوٍ مِن جسدِكَ حرَّم اللهُ عليكَ أن تلبَسَ عليه شيئاً مفصَّلاً. فتلك مسألتانِ منفصلتانِ، فلو غطَّتِ المرأةُ كفَّيْها بثوبٍ، لم تَأثَمْ، ولو لَبِسَتْ قُفَّازاً، أثِمَت، فالحكمُ لِلِّباسِ

стр. 60

لا للعُضْو، ويبقى حكمُ سترِ أعضاءِ الرجلِ والمرأةِ بغيرِ أنواعِ اللباسِ المنهِيِّ عنها بحسبِ حكمِها قبلَ الإحرامِ؛ فما وجَبَ سَتْرُه، يجبُ سترُه عند قيامِ موجِبِه، وما يُستحَبُّ سترُه، فيبقى على حكمِه لا يُغَيِّرُ منه الإحرامُ شيئاً، ولم يثبُتْ عن النبيِّ ﷺ أنَّه نهى عن تغطيةِ المرأةِ لوجهِها؛ وإنما النهيُ كان عن النقابِ بعينِه. والقولُ بأنَّ: تحريمَ النقابِ على المرأةِ المُحْرِمةِ في الحجِّ؛ يعني: وجوبَ كشفِها لوجهِها، يلزَمُ مِنه أنَّ الرجلَ يجبُ عليه أن يكشِفَ ما تحتَ اللباسِ الذي نهاه اللهُ عن لبسِه، فحديثُهما واحدٌ، وفي سياقٍ واحدٍ؛ ففي «الصحيحَيْنِ»، عن عبد الله بنِ عُمَرَ ﵄، قال: قامَ رجلٌ، فقال: يا رسولَ الله، ماذا تأمُرُنا أن نلبَسَ مِن الثيابِ في الإحرامِ؛ فقال النبيُّ ﷺ : (لَا تَلْبَسُوا القَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا البَرَانِسَ؛ إِلَّا أنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئاً مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا الوَرْسُ، وَلَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ) (١).

стр. 61

ولذا؛ فإنَّ فقهاءَ الصحابةِ يفرِّقون بين تخصيصِ النقابِ بالنهيِ؛ كونَه مفصَّلاً على الوجهِ، وبين تغطيةِ العضوِ وهو الوَجهُ؛ فقد صَحَّ عن عطاءٍ، عن أبي الشَّعْثاءِ، عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄؛ أنَّه قال: «تُدْلِى الجلبابَ إلى وجهِها، ولا تضرِبُ به، قلتُ: وما «لا تَضْرِبُ به»؟ فأشارَ لي، كما تَجلْبَبُ المرأةُ، ثمَّ أشارَ لي: ما على خَدِّها مِن الجلبابِ، قال: تَعْطِفُه، وتَضْرِبُ به على وجهِها؛ كما هو مسدولٌ على وجهِها» (١). ويؤكِّدُه ما روى طاوسٌ، قال: «لِتُدْلِ المرأةُ المُحْرِمةُ ثوبَها على وجهِها، ولا تَنتَقِبْ» (٢). وقد حكى الإجماعَ على أنَّ المرأةَ تغطِّي وجهَها عن نظرِ الرجالِ وهي مُحْرِمةٌ: ابنُ عبدِ البَرِّ، وابنُ قُدَامةَ، وغيرُهما: قال ابنُ عبدِ البَرِّ: «أجمَعُوا على أنَّ المرأةَ تَلْبَسُ

стр. 62

المَخِيطَ كُلَّه، والخِفَافَ، وأنَّ لها أنْ تُغطِّيَ رأسَها، وتستُرَ شَعْرَها؛ إلا وجهَها، فتَسْدُلُ عليه الثوبَ سَدْلاً خفيفاً تُسْتَرُ به عن نظرِ الرجالِ» (١)، وقال ابنُ قُدَامةَ: «لا نَعْلَمُ فيه خلافاً» (٢). ولا تشترَطُ المجافاةُ عند سدلِ المُحْرِمةِ ثوبَها على وجهِها، بحيثُ لا يلتصِقُ بوجهِها كالتصاقِ النِّقابِ؛ فلم يَشتَرِطْهُ مالكٌ وأحمدُ في قولٍ (٣)؛ خلافاً لمَذهبِ الشافعيِّ (٤). وعلى هذا عملُ نساءِ الصحابةِ في الحجِّ؛ يَتْرُكْنَ النقابَ، ويَتخَمَّرْنَ أو يَتجلبَبْنَ بغيرِه، فقد صحَّ عن فاطمةَ بنتِ المنذِرِ، قالت: «كُنَّا نُخمِّرُ وجوهَنا ونحنُ مُحْرِماتٌ مع أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ (٥). وقد كانتِ العربُ في بعضِ أنساكِها في الحجِّ على

стр. 63

ما كان عليه إبراهيمُ، ومَن بعدَه مِن الأنبياءِ ﵈، وقد كانُوا في الجاهليةِ تَكْشِفُ النساءُ وجوهَهُنَّ في الحجِّ؛ ظَنّاً منهم أنَّ الحكمَ عامٌّ للنقابِ وغيرِه، عند الرجالِ الأجانبِ وغيرِهم؛ قال خُفَافُ بنُ نُدْبةَ السُّلَمِيُّ، وهو شاعرٌ جاهليٌّ يَصِفُ حالَ امرأةٍ مُحْرِمةٍ: وأبْدَى شُهُورُ الحَجِّ مِنْهَا مَحَاسِناً ... ووَجْهاً مَتَى يَحْلِلْ لهُ الطِّيبُ يُشْرِقِ (١) وبَقِيَ الظنُّ عند بعضِ نساءِ العربِ كذلك بعدَ الإسلام، حتى إنَّ منهنَّ مَن كانت تجدُ حَرَجاً على نُسُكِها مِن تغطيةِ وجهِها في حَجِّها خوفاً على أجرِها؛ وذلك مِن بقايا فهمِ الجاهليةِ، وكانت عائشةُ ﵂ تُسأَلُ عن ذلك وتُبَيِّنُ الأَمرَ؛ فقد روى إسماعيلُ بنُ أبي خالِدٍ، عن أُمِّهِ وأُخْتِه أنَّهما دخلَتَا على عائشةَ يومَ التَّرْوِيَةِ، فسألَتْها امرأةٌ: أَيَحِلُّ لي أنْ أغطِّيَ وجهِي وأنا مُحْرِمةٌ؟ فرفعَتْ خمارَها عن صدرِها، حتى جعلَتْه فوقَ رأسِها؛ أخرَجَه ابنُ سعدٍ في «الطبقات» (٢).

стр. 64

وقد كانت عائشةُ ﵂ تُبيِّنُ التفريقَ بينَ النقابِ والتغطيةِ بغيرِه، وأنَّ التغطيةَ جائزةٌ ولو كانتِ المرأَةُ وحدَها؛ كما في البخاريِّ معلَّقاً، وأسنَدَه ابنُ حزمٍ والبيهقيُّ، قالت: «لا تَنْتقِبْ ولا تَلَثَّمْ، وتَسْدُلُ الثوبَ على وجهِها»، وعندَ البيهقيِّ: «إن شاءَتْ» (١). وعلى هذا يَنُصُّ الفقهاءُ في كتبِهم عندَ ذكرِ المرأةِ ولباسِها حالَ إحرامِها، فيقولون عباراتٍ تُزِيلُ اللبسَ فيقولون: «ولها أن تغطِّيَ وجهَها»، وربَّما قال بعضُهم: «ويجوزُ لها أنْ تُغَطِّيَ وجهَها عند الرجالِ». ويبيِّنُ بعضُ الفقهاءِ المرادَ كالعِمْرَانِيِّ الشافعيِّ كما في «البَيَان»؛ قال بعدَ تقريرِ ذلك: «ولَسْنَا نريدُ بذلك أنَّها

стр. 65

تبرُزُ للناس» (١). ويزعُمُ بعضُ الكُتَّابِ أنَّ الأئمةَ يقولونَ بجوازِ كشفِ المرأةِ لوجهِها عند الرجالِ، ولا يُوجِبونَهُ، وهذا فَهْمٌ خاطِئٌ لا وجهَ له؛ لأنَّ التعبيرَ عند إرادةِ رفعِ الحرجِ أو الحظرِ يكونُ هكذا في لغةِ القرآنِ ولسانِ العرب؛ كما في قولِه تعالى عنِ السعيِ بين الصَّفَا والمروةِ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]؛ لأنَّ الناسَ كانت تَجِدُ حرجاً مِن السعيِ بينَ الصفا والمروةِ؛ لأنَّهم كانُوا يَضَعُونَ أصناماً على الجَبَلَيْنِ فيسعَوْنَ بينهما، فأصبحت عالقةً في أذهانِهم فيتحَرَّجُون مِن السعيِ؛ فقال اللهُ: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، والطوافُ بهما واجبٌ أو ركنٌ في الحجِّ والعمرةِ، والآيةُ وكذا كلامُ الفقهاءِ لرفعِ الحرَجِ المتوهَّمِ؛ لا لإثباتِ أصلِ الحكمِ. وأخذُ الأحكامِ مِن غيرِ فهمِ سياقاتِها خطأٌ كبيرٌ، وكثيراً ما يأخُذُ بعضُ الكُتَّابِ أحكامَ غطاءِ المرأةِ لوجهِها مِن المناسكِ أو مِن حجابِ الصلاةِ، فينشَأُ الخطأُ،

стр. 66

وينشرونَهُ بصيغَتِهِ على غيرِ مرادِه، ولو أُجْرِيَ هذا الأسلوبُ على جميعِ الأحكامِ وبُتِرَتْ مِن سياقاتِها، لهُدِمَتْ كثيرٌ مِن الثوابتِ والأحكامِ. ما لا يُختلَفُ فيه مِن لباسِ المرأةِ: لا يَخْتلِفُ العلماء في جميعِ المذاهبِ: أنَّ المرأةَ يجبُ عليها ألَّا تَلْبَسَ لباساً ملتصِقاً يَصِفُ جسمَها، ولا أنْ تلبَسَ شَفَّافاً يُبْدِي لونَ أو هيئةَ ما يجبُ عليها سَتْرُه مِن بَدَنِها، وهُنَّ المقصوداتُ بقولِه ﷺ في أحدِ الصنفَيْنِ مِن أهلِ النارِ: (نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ) (١)؛ يعني: لا هي كاسيةٌ ولا هي عارِيَةٌ؛ لشُفُوفِ لباسِها ووَصْفِه، وفي» المسنَد» عن أسامةَ بنِ زَيْدٍ ﵄، قال: كَسَانِي رسولُ اللهِ ﷺ قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً مما أهدَاها له دِحْيَةُ الكَلْبِيُّ، فكَسَوْتُها امرأتي، فقال: ما لَكَ لم تَلْبَسِ القُبْطِيَّةَ؛ قلتُ: كسوتُها امرأتي، فقال: (مُرْها فلْتَجْعَلْ تحتَها غِلَالَةً؛ فإنِّي أخافُ أن تَصِفَ حجمَ عِظامِها) (٢). وقد أجمَعَ الصحابةُ والتابعونَ على النهيِ عنه؛ فقد

стр. 67

جاءَ عن عمرَ ﵁ مِن وجوهٍ؛ أنَّه كان ينهى النساءَ عن لُبْسِ ما يَصِفُ وَيشِفُّ؛ رواه جماعةٌ كعبدِ اللهِ بنِ خُبَيْبٍ الجُهَنِيِّ، وعبدِ الله بنِ أبي سَلَمَةَ، وأبي يزيدَ المُزَنِيِّ، وأبي صالِحٍ، ومسلمٍ البَطِينِ، وسُليمانَ بنِ مُسهِرٍ؛ كلُّهم يرويه عن عُمَرَ (١)، ورواه نافعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ (٢)، وعكرمةُ عنِ ابنِ عباسٍ ﵄ (٣). وقد روى مالكٌ في «الموطَّأ»، عن علقمةَ بنِ أبي علقمةَ، عن أُمِّه؛ أنَّها قالَتْ: «دخلتْ حفصةُ بنتُ عبدِ الرحمنِ على عائشةَ أُمِّ المؤمِنِين، وعلى حفصةَ خمارٌ رقيقٌ، فشقَّقَتْهُ عائشةُ وكَسَتْها خماراً كثيفاً» (٤)؛ واللِّبَاسُ مالٌ مُحترَمٌ لا يُتلَفُ إلا للنهيِ عنه وتحريمِه. وروى ابنُ أبي شيبةَ، عن ميمونِ بنِ مِهْرانَ، قال: «لا بأسَ بالحَرِيرِ والدِّيبَاجِ للنساءِ؛ إنما يُكْرَهُ لهنَّ ما يَصِفُ

стр. 68

أو يَشِفُّ» (١). و يجبُ ألَّا يكونَ لباسُ المرأةِ عندَ الرجالِ مطيَّباً ؛ ففي «الصحيح» عن زينبَ، قالتْ: قال لنا رسولُ الله ﷺ : (إذا شَهِدَتْ إحداكُنَّ المسجِدَ، فلا تَمَسَّ طِيباً) (٢)؛ وهذا في قُرْبِها مِن الرجالِ في المساجِدِ؛ مواضِعِ العبادةِ، وخُلُوِّ القلبِ؛ فكيفَ بغيرِها؟! و يحرُمُ أن يكونَ لباسُ المرأةِ مشابِهاً لِلِباسِ الرجالِ ؛ ففي «الصحيح»، قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «لَعَنَ رسولُ اللهِ ﷺ المُتَشَبِّهِينَ مِن الرجالِ بالنساءِ، والمتشَبِّهَاتِ مِن النساءِ بالرجالِ» (٣). و يجبُ ألَّا يكونَ لباسُ المرأةِ مختصّاً بلباسِ غيرِ المسلماتِ ، فتُشابِهَهُنَّ؛ فإنَّ التشبُّهَ بالكفارِ في اللباسِ نُهِيَ عنه الرجالُ والنساءُ؛ ففي «الصحيح»، عنِ ابنِ عمرٍو، قال: رأى رسولُ اللهِ ﷺ عليَّ ثوبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فقال: (إنَّ هذه مِن ثيابِ الكفارِ؛ فلا تَلْبَسْها)، قلتُ: أَغْسِلُها؟ قال:

стр. 69

(لا؛ أَحْرِقْها) (١). تحريرُ محلِّ النزاعِ فيما يجبُ أن يُستَرَ مِن بدنِ المرأةِ: يَشرَعُ اللهُ في الدِّينِ عباداتٍ وأحكاماً، ويَحُدُّ حدوداً، تَخْتلِفُ مَنازلُها ومَوازينُها حتى في العبادةِ الواحدةِ؛ كالصلاةِ والصدقةِ والنُّسُكِ؛ فيها الفَرْضُ، وفيها النَّفْلُ، ومنها المُتَّفَقُ عليه، ومنها المختَلَفُ فيه. ويجبُ قبلَ الكلامِ على تفصيلِ مسائلِ الحجابِ، وسَتْرِ المرأةِ بلباسِها، أنْ نذكُرَ ما أجمَعَ عليه العلماءُ مِن أحكامِ الحجابِ واللباسِ، حتى لا يتسلَّلَ أحدٌ إلى مواضعِ الخلافِ وهو لا يحترِمُ الإجماعَ، فالتسليمُ بالقطعيَّاتِ قبلَ بحثِ الظَّنِّيَّاتِ، ومِن هذا تأكَّدَتْ معرفةُ محلِّ النزاعِ في مسألةِ لباسِ المرأةِ وحجابِها عند الأجانبِ؛ فنقولُ: أجمَعَ العلماءُ أنَّ حجابَ المرأةِ بمفهومِه العامِّ: شريعةٌ ودِينٌ ، وأنَّه ثابتٌ قطعيٌّ متواترٌ في الكتابِ والسُّنَّةِ، ومَن أنكَرَ شريعةَ لباسِ المرأةِ وحجابِها، وقال: إنَّ لباسَها عادةٌ تُبْدِي ما تشاءُ وتستُرُ ما تشاءُ، فهو منكِرٌ لقطعِيٍّ معلومٍ

стр. 70

مِن الدينِ بالضرورةِ؛ كمنكِرِ الصلاةِ، والزكاةِ، والحَجِّ. وأجمَعَ العلماءُ مِن جميعِ المذاهبِ الأربعةِ وغيرِها: أنَّ تغطيةَ وجهِ المرأةِ الحُرَّةِ الشابَّةِ عندَ خوفِ الفتنةِ بها، واجبٌ؛ خاصَّةً عندَ مَن يُطْلِقُونَ أبصارَهم إليها، ولا تَحْترِزُ منهم إلا بتغطيةِ وجهِها؛ حكى الإجماعَ على هذا جماعةٌ؛ كابنِ رَسْلانَ، وا لجُوَيْنِيِّ (١)، وغيرِهما، قال ابنُ رَسْلانَ الشافعيُّ: «ويدلُّ على تقييدِه بالحاجةِ -يعني: النظرَ- اتفاقُ المسلمينَ على منعِ النساءِ أنْ يَخْرُجْنَ سافراتِ الوجوهِ؛ لا سِيَّما عندَ كثرةِ الفُسَّاقِ» (٢). وأجمَعَ العلماءُ مِن جميعِ المذاهبِ الأربعةِ وغيرِها: أنَّ تغطيةَ المرأةِ الحرةِ الشابَّةِ لوجهِها شريعةٌ ربانيَّةٌ لذاتِه؛ وإنما خلافُهم في التاركةِ له- في غيرِ فتنةٍ -هل هي تاركةٌ لفرضٍ تأثَمُ به، أو لمستَحَبٍّ وفضيلةٍ؟ و أجمَعُوا: أنَّ المرأةَ العجوزَ لها أن تكشِفَ وجهَها؛ بشرطِ ألَّا تتبَرَّجَ بزينةٍ على وجهِها ، وأنَّ تغطيةَ المرأةِ العجوزِ لوجهِها خيرٌ لها مِن كشفِه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠].

стр. 71

و أجمَعَ العلماءُ: أنَّ عورةَ الأَمَةِ ليست كعورةِ الحُرَّةِ ، وأنَّ ما يجبُ على الحرةِ مِن السَّتْرِ، لا يجبُ كُلُّه على الأمَةِ، حكى الإجماعَ جماعةٌ؛ كابنِ عبدِ البَرِّ، وغيرِه (١). و أجمَعَ العلماءُ: على التفريقِ بين عورةِ السَّتْرِ وعورةِ النظرِ ، وإنِ اختلَفُوا في حدودِ كلٍّ منهما، فعورةُ السترِ: عورةٌ في ذاتِها؛ ولذا تُسْتَرُ لذاتِها، وعورةُ النظرِ: تُسْتَرُ لأجلِ الناظرِ لها ولو لم تكن عورةً في ذاتِها. ومَن لم يُفَرِّقْ بين عورةِ الأَمَةِ وعورةِ الحُرَّةِ، وبين عورةِ السترِ وعورةِ النظرِ، اختَلَّ أصلُه؛ فاختلَّتْ تفريعاتُه تبغاً، ولم يَحْمِلْ كلامَ الفقهاءِ على ما أرادُوه. توظيفُ الخلافِ واستغلالُهُ لِهَدْمِ الأصولِ وخرقِ الإجماعِ: بعضُ الذين يكتُبُون حولَ الخلافيَّاتِ لا يُؤْمِنُونَ بالقطعِيَّاتِ والإجماعاتِ، ومَن لا يؤمِنُ بالإجماعِ ويُعظِّمُه، فدخولُه إلى الخلافِ هدىً، ولا يجوزُ للفقيهِ إدخالُه مِن

стр. 72

باب (سَعَةِ الخلافِ)؛ فهؤلاءِ كاللُّصُوصِ يَطرُقون الأبوابَ لتُفَتَحَ، ويَطْرُقون البابَ بأَدَبٍ؛ وذلك لأنَّ فتحَ البابِ عندَهم أهوَنُ مِن كَسْرِه، ولأنَّ كسرَهُ شاقٌّ، ومَن نظرَ إلى طريقةِ مَن لا يؤمِنُ بالإجماعِ، ويتظاهَرُ بطلبِ الإنصافِ عند الخلاف، يجدُ أنَّه يدخُلُ مِن أبوابِ الخلافِ ليصِلَ إلى ما وراءَه؛ فمِن الجَدَلِ مُناظَرةُ مَن يُحِلُّ الخمرَ في مسألةِ حِلِّ النَّبِيذِ، ومناظرةُ مَن يُحِلُّ المخدِّرَاتِ في مسألةِ حِلِّ الدُّخَانِ. وقد كثُرَ الكُتَّابُ اليومَ، وحَمَل القلمَ كلُّ أحَدٍ، واختَلَطَتْ على العامَّةِ وأكثرِ الخاصَّةِ مقاصدُ الكُتَّابِ في بحثِ المسائلِ الخلافيةِ وأهدافُهم وغاياتُهم. ومِمَّا يجبُ التأكيدُ عليه: أنَّ مِن وسائلِ معرفةِ المُتَتَرِّسِينَ بالخلافِ والمستَغِلِّينَ له؛ لإخلاءِ الطريقِ وإفساحِه لضربِ الأصولِ وخَرْقِ الإجماع: أنْ يُنظَرَ في سيرةِ الكاتبِ وموقِفِه مِن الإجماعِ والقطعياتِ. فمَن يبحَثُ باندفاعٍ وحماسٍ عن حِلِّ شربِ الدُّخَانِ والنبيذِ، وهو يُحِلُّ المخدِّراتِ أو الخمرَ أو يسكُتُ عنها وهي منتشرةٌ؛ فذلك دليلٌ على أنَّ له غايةً وراءَ الخلافِ! ومِن ذلك: مَن يبحَثُ باندفاعٍ عن جوازِ كشفِ

стр. 73

المرأةِ لوَجْهِها، وهو يُجالِسُ العارياتِ بلا نَكِيرٍ، أو يرى السُّفُورَ يَنْتشِرُ والحِشْمةَ تَنْحسِر، ويندفعُ بحماسٍ للتهوينِ مِن الفضيلةِ ويسكُتُ عن الرذيلةِ بحُجَّةِ الخلافِ؛ فهؤلاءِ يسلُكُون طرائقَ المنافقينَ السابقِينَ الذين يستغِلُّونَ مسائلَ الفروعِ وسيلةً لهدمِ الأصولِ وضربِها. فقد كان المُنافِقُونَ يَتكاسَلُونَ عنِ الصلاةِ جماعةً مع النبيِّ ﷺ ، ولا يذكُرُون اللهَ إلا قليلاً: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، ومع كَسَلِهم عن الفضائلِ، اندَفَعُوا لبناءِ مسجدٍ في المدينةِ، ورفَعُوا فيه الأذانَ بمواقيتِه، وأقامُوا الصلاةَ، وهذا العملُ فضيلةٌ في ذاتِهِ لو فعَلَهُ غيرُهم مِن أهلِ الحرصِ على الأصولِ وتعظيمِها، ولكنَّ النبيَّ ﷺ لم يَفصِلْ فضيلةَ بناءِ المسجدِ عن سياقاتِهِ وحالِ مَن بناهُ وسيرتِهم ومَواقِفِهم المُشابِهةِ، ولم ينظُرْ إليه نظرةً فرعيَّةً كمسجدَيْنِ متجاوِرَيْنِ في بلدٍ تحكُمُ قربَهما المصلحةُ؛ وإنما رآه مسجِدَ ضِرَارٍ، مع أنَّ في المدينةِ مساجدَ أُخرى أَذِنَ النبيُّ ﷺ ببنائِها وصلَّى هو فيها، ولكنَّ المنافقينَ اتَّخَذوا فعلَهم للفضيلةِ باباً لغايةٍ أُخرى مِن الرذيلةِ، وهي شقُّ صفِّ النبيِّ ﷺ ومَن حولَه، فنَظَرَ النبيُّ ﷺ إلى

стр. 74

الغاياتِ لا إلى الجزئياتِ، فحَوَّلَ الأمرَ مِن فضيلةٍ ظاهرةٍ تخدَعُ العامَّةَ، إلى شرٍّ، وأنزلَ اللهُ عليه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: ١٠٧]؛ وهذا في مسجدٍ وبيتٍ لله! وكذلك في مسائلِ خلافِ الفروعِ؛ يُدخَلُ فيها كثيراً مِن هذا البابِ، فسِيرَةُ القائمينَ والكُتَّابِ تحكُمُ أفعالَهم، وتغيِّرُ تعامُلَ العالِمِ معها؛ فإنَّ العلماءَ ما زالُوا يبحثونَ مسائلَ الفقهِ، ويتداوَلُون الأدلَّةَ في الكتبِ؛ في العباداتِ، والنِّكاحِ، والمعامَلاتِ، والحجابِ، والحدودِ، ويتناظَرُون، ويَرُدُّ بعضُهم على بعضٍ بإجلالٍ وتوقيرٍ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم يبحَثُ الفروعَ، ويعرِفُ موقفَ الآخَرِ مِن الأصولِ، وحَمِيّتَهُ لها. وفي مسائلِ الحجاب ولباسِ المرأةِ، ظهَرَتْ كتاباتٌ لباحِثِين -عندما يُرَوِّجُ الإعلامُ والمنافقون أنَّ الحجابَ عادةٌ لا عبادة، وأنَّ تغطيةَ الوجهِ تقليدٌ لا دينٌ- كتَبُوا أن تغطيةَ الوجهِ ليست بواجبةٍ، ويتغافلُ -عن جهلٍ أو هوىً- عن أنَّ العلماءَ يجعلُون تغطيةَ الوجهِ مِنَ الدِّين، وهؤلاءِ يَفصِلُونها مِن الدينِ كلِّه؛ كمَن يُورِدُ أقوالَ بعضِ العلماءِ:

стр. 75

أنَّ صلاةَ العيدَيْنِ ليستْ بواجبةٍ، في سياقِ مَن ينفِيها مِن الدينِ كلِّه، أو مَن يسوقُ أقوالَ بعضِ العلماءِ: أنَّ زكاةَ الفِطْرِ ليستْ بواجبةٍ، في مَسَاقِ مَن يقولُ: إنها عادةٌ وتقليدٌ؛ فهؤلاءِ الباحثون لم يضرِبُوا الحقَّ؛ وإنَّما أعطَوُا الضارِبَ مِطْرَقةً! وربما ينقُلُ أحدُهم كلامَ الشافعيِّ في عَوْرةِ المرأةِ للصلاةِ، وأنَّه ليس منها الوجهُ والكَفَّانِ؛ ليَرمِيَها بيَدِ مَن يرى السفورَ مطلقاً، ثم يَرْمِيَها الآخَرُ حُجَّةً لمَن تبرُزُ في وسائلِ الإعلامِ سافرةً، مع أنَّ الشافعيَّ يمنَعُ المرأةَ أن تصعَدَ على الصَّفَا والمروةِ؛ حتى لا يَرَى شخصَها الناسُ وهي في حَرَمِ الله! الخلافُ وحقُّ الاختيارِ: يتوهَّمُ كثيرٌ مِن الناسِ أنَّ مجرَّدَ اختلافِ العلماءِ في مسألةٍ مِن المسائلِ، يبيحُ للمسلمِ أنْ يختارَ منها ما يَشْتَهِيه، وهذا -بإجماعِ أهلِ العلم المختلِفِين أنفُسِهم- خطأٌ؛ ونصَّ على هذا المعنى أئمَّةٌ؛ كَأحمدَ (١)، والبخاريِّ (٢)، والمُزَنِيِّ
следующие страницы →