لقوله في التفصيل الآتي: أو كثرت غفلته، إلا أن مقتضى تعداده أن يكون بتقدير المضاف أي: أو فحش غفلته عن الإتقان، أي: عن ضبط الحديث وأحكامه، ثم الغفلة على قسمين:
أحدهما: مطلقة لا تتقيد بحالة بأن يكون مغفلا لا يميز الصواب من الخطإ، ويعرف ذلك بالغلط الفاحش، ويصدق عليه الذي قبله، وبأن يكون مقبول التلقين، وهو أن يحدث بما يلقن من غير أن يعلم أنه حديثه، كموسى بن دينار المكي، فإنه لقنه حفص بن غياث امتحانا وقال له: حدثتك عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين بكذا، فيقول: حدثتني عائشة، فلما تبين له أنه يتلقن محا ما كتبه عنه.
وثانيهما: أن تكون في حالة خاصة فيرد حديثه الذي حصل في تلك الحالة، بأن يتساهل في وقت من الأوقات في التحمل، كأن يتحمل تارة في حال غلبة النوم الواقع منه أو من شيخه، أما النعاس الخفيف الذي لا يختل معه فهم الكلام فلا يضر, انتهى.
وأما سوء الحفظ فقال الحافظ في شرح النخبة: وهي عبارة عن أن يكون غلطه أقل من إصابته.
قال العلامة أبو الحسن السندي في بهجة النظر:
هكذا في كثير من النسخ ومنها النسخة الصحيحة التي عليها خط المؤلف وفي بعضها: "ألَّا يكون" بصيغة النفي، وقد صوبه الشارح المحقق على القاري، ثم اعترض على المصنف بوجوه كثيرة منها: أنه لا فرق بين فحش الغلط وسوء الحفظ، وأنه يلزم عدم الفرق بين الشاذ
стр. 37
والمنكر مع أنه قال في فحش الغلط: إنه المنكر، وفي سيء الحفظ: إنه هو الشاذ، وقال: وإن حمل فحش الغلط على كثرته في نفس الأمر سواء كان مساويا لإصابته أو أكثر منها، أو أقل، لم يكن لتقديمه على سوء الحفظ وجه، لأن سوء الحفظ على هذا يكون الغلط فيه أكثر من الإصابة أو مثلها، وأما ما أورده على نسختنا هذه بأنها تقتضي أن من وقع منه الخطأ ولو مرة يقال له: سيء الحفظ، لأنه يصدق عليه أن غلطه أقل من إصابته مع أنه مقبول، وإلا لكان أكثر الثقات من المردودين إذ قل من يسلم من الخطإ، فيمكن الجواب عنه من وجهين:
الأول: أن الإضافة في قوله: (أو فحش غلطه) للعهد أي غلطه الموجب للطعن، وهو أن يكون الغلط كثيرا في ذاته وإن كان أقل من إصابته.
الثاني: أن هذا تعريف بالأعم إذ المقصود الامتياز عن بعض ما عداه وهو فاحش الغلط، وأما الامتياز عن الخطإ مرة أو مرتين ونحوه فتركه اعتمادا على فهم المخاطب لظهور أنه ليس بموجب للطعن، كذا أفاده بعض المشايخ، وسيأتي بعض ما يتعلق به عند قول الماتن: (ثم سوء الحفظ إن كان لازما) انتهى كلام أبي الحسن السندي رحمه اللَّه تعالى.
وقال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة في الموضع المحال عليه:
ثم سوء الحفظ وهو السبب العاشر من أسباب الطعن، والمراد به -أي سوء الحفظ-: (من، وفي نسخة: ما، تنزيلا له منزلة غير العقلاء)، على
стр. 38
أنه قيل بعمومه يرجح جانب إصابته على جانب خطئه كذا في بعض النسخ، وفي أكثر النسخ الموجودة: (من لم يرجح) بزيادة أداة الجحد، وهو ينافي ما اخترناه وأوضحناه أولا عند قول المصنف: أو سوء حفظه في الإجمال.
وقال الشارح وجيه الدين قدس اللَّه سره: واعترض عليه أستاذي مولانا أبو البركات بأنه قال: أولا في الإجمال وهو يعني سوء الحفظ، عبارة عن أن يكون غلطه أقل من إصابته فبين كلاميه تدافع إلا أن تكون لفظة (لم) وقعت تصحيفا من الناسخ أو زلة قلم، قال: ثم أخبرني بعض إخواني أنه سأل الحافظ السخاوي عنه، فقال: وقع لفظ (لم) غلط من الناسخ وأخرج نسخة من عنده وليس فيها لفظة (لم) انتهى.
وقوله: وقعت تصحيفا من الناسخ أو زلة من القلم، معناه: أن لفظة (لم) وقعت زائدة من زلة قلم الناسخ بلا شعور، أو أن الناسخ زادها بقصده لتوهمه الزيادة صوابا، فالمراد بالتصحيف معناه اللغوي وهو الخطأ في الصحيفة كما في القاموس، والشارح المحقق عَلىٌّ القاري بعد اطلاعه على هذا كله صوب النسخة التي فيها زيادة (لم) ومما رجحها به أنه نقل عن المصنف أنه قال في تقرير هذا الكلام: إذا فهم من قوله: (ما لم يرجح) أن يرجح جانب خطئه أو يستويا، ولا شك أن هذا الكلام يقتضي ما اختاره، ولكن يحتمل أن يكون هذا التقرير قبل تغييره النسخة التي هي موافقة لنسخة الحافظ السخاوي
стр. 39
على أن اختلاف التقرير أهون من اختلال هذا التأليف.
وقد قال على القاري: فلا تعجل وتأمل، فإنه محل الزلل، وهو -أي سوء الحفظ- على قسمين، وكل منهما مسمى باسم عندهم، فإنه إن كان لازما للراوي في جميع حالاته من غير خبر ثان، أي: حاصلا من غير عروض سبب لسوء حفظه في بعض الأوقات فهو الشاذ على رأي بعض أهل الحديث.
قال البقاعي في حاشية شرح الألفية: (المنكر): اسم لما خالف فيه الضعيف الذي ينجبر وهنه بمثله، أو تفرد الثقة الأضعف الذي لا ينجبر وهنه بمتابعة مثله.
(والشاذ): اسم لما خالف فيه الثقة الأوثق أو تفرد به الخفيف الضبط، أي: الذي ينجبر وهنه بمتابعة مثله، انتهى كلام العلامة أبو الحسن السندي رحمه اللَّه تعالى.
وقال السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير في شرح قصب السكر منظومة نخبة الفكر:
واعلم أنه قد تقدم أن الشاذ مقابل المحفوظ، وهو ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه، قال الحافظ: وهذ هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح، وهنا جعل الشاذ: رواية من كان سوء الحفظ ملازما له في جميع حالاته وهو غير ما تقدم، فلذا قيل: على رأي، ونقل كلام الإمام النووي في التقريب في تعريف الشاذ إلى أن قال: فجعل -يعني النووي- في الشاذ صحيحا وحسنا ومردودا، وأما
стр. 40
هذا القسم وهو ما رواه من كان سوء الحفظ ملازما له فما عده منه.
وقال السيد محمد بن إبراهيم الوزير: وقد يرد لسوء الحفظ، فإن كان ملازما له فالضعيف.
واشترط الأصوليون أن يكون خطئوه أكثر من صوابه أو مساويا للقطع بتجويز الخطإ على الثقات، فتعين العمل بالراجح.
وقال المحدثون: من كثر خطئوه لا يحتج به وإن كان صوابه أكثر، إما لعدم حصول الظن المطلق وهذا أقوى، أو لأنهم لا يتمسكون من الظنون إلا بما ثبت عندهم من الإجماع عليه، ويلزم هذا من لم يتمسك بالعقل.
وإما لعدم حصول الظن الأقوى، وفيه نظر كما تقدم في المرسل، ومنهم من يعرف حديث الضعيف بالشاذ, وإن كان سوء الحفظ طارئا فالمختلط، انتهى.
وفيه ما تراه من زيادة التفصيل، انتهى كلام السيد محمد الأمير في شرح قصب السكر.
وقد تقدم نقلا عن الملا علي القاري والشيخ قاسم أن له -يعني الشاذ- سبعة تفاسير:
الرابع منها: ما يكون سوء الحفظ لازما لراويه في جميع حالاته، وهذا الذي عبر عنه الحافظ ابن حجر بقوله: على رأي كما تقدم آنفا.
ثم قال الحافظ في شرح النخبة مع شرحها لأبي الحسن السندي:
وإن كان سوء الحفظ طارئا -أي متجددًا- على الراوي إما لكبر سنه أو
стр. 41
لذهاب بصره أو لاحتراق كتبه أو عدمها، تعميم بعد تخصيص، بأن الباء للسببية يعني: إنما صار ذهاب البصر والكتب موجبا لسوء الحفظ، لأنه كان يعتمدها فرجع إلى حفظه فساء لفقدان مراجعة الكتب فهذا هو المختلِط بكسر اللام، والحكم فيه -أي في المختلط- أن ما حدث به قبل طرئان الاختلاط عليه إذا تميز لنا كونه قبل الاختلاط قُبِلَ، وإذا لم يتميز تُوقِفَ فيه على بناء المجهول فيه، وَفُهِمَ منه بالطريق الأولى عدم قبول ما حدث به بعد الاختلاط، تميز لنا لكونه بعد الاختلاط، أو لم يتميز.
قال العراقي في شرح ألفيته: ثم الحكم فيمن اختلط أنه لا يقبل من حديثه ما حدث به في حال الاختلاط، وكذا ما أبهم أمره وأشكل، فلم يدر أحدث قبل الاختلاط أو بعده، وما حدث به قبل الاختلاط قُبِلَ، ثم ذكر تفصيل من اختلط من الرواة فمن أراد ذلك فليراجعه، وكذا من اشتبه الأمر فيه أي حكمه (من جزم الأئمة باختلاطه وتعين زمانه) حكم من اشتبه الأمر في نفس اختلاطه وفي زمان اختلاطه، فما حدث به قبل الزمان الذي قيل باختلاطه فيه إذا تميز قبل، وما لا يكون كذلك توقف فيه، انتهى كلام أبي الحسن السندي رحمه اللَّه تعالى.
وقال الحافظ في شرح النخبة مع شرحها لأبي الحسن السندي: ومتى توبع السيء الحفظ سواء كان سوء حفظه لازما أو طارئا بمعتبر أي: براو معتبر بفتح الموحدة، وإنما قيد به لأن الرواة على ثلاثة
стр. 42
أصناف: صنف محتج بحديثهم وهم الثقات، وصنف لا يحتج بحديثهم ولكن يعتبر به، وصنف يطرح حديثهم ولا يلتفت إليه، وإنما يفيد متابعة الصنفين الأولين، ولهذا قال: كأن يكون -أي المتابع- فوقه أي: من الصنف الأول أو مثله أي: من الصنف الثاني لا دونه أي: من الصنف الثالث.
قال المصنف على ما نقلوا عنه: إذا تابع سيء الحفظ شخص فوقه انتقل بسبب ذلك إلى درجة ذلك الشخص، وينتقل ذلك الشخص إلى أعلى من درجة نفسه التي كان فيها حتى يترجح على مساويه من غير متابعة من دونه، انتهى.
وقوله: انتقل. . . إلخ، معناه: انتقل روايته بسبب المتابعة إلى درجة رواية ذلك الشخص في الاحتجاج، أو في مرتبة من مراتب الاعتبار.
قال العراقي: ألفاظ التجريح على خمس مراتب:
الأولى: أن يقال: كذاب أو يكذب أو وضاع أو يضع.
الثانية: متهم بالكذب أو الوضع أو هو هالك متروك أو ساقط.
الثالثة: مردود الحديث أو ضعيف جدا أو واه بمرة.
وكل من أهل هذه المراتب الثلاث لا يحتج بحديثه ولا يستشهد ولا يعتبر.
الرابعة: ضعيف الحديث أو منكر الحديث أو مضطرب الحديث.
стр. 43
الخامسة: فيه ضعف أو هو سيء الحفظ أو ليس بقوي أو لين أو فيه أدنى مقالة.
وكل من هاتين المرتبتين يخرج حديثه ويكتب وينظر فيه للاعتبار انتهى.
ثم إن المصنف لما جعل المختلِط أحد قسمي سيء الحفظ المقابل للمغفل وفاحش الغلط، وقد جعله بعضهم أعم كالعراقي، فإنه قال في أثناء كلامه في تعداد المختلطين ومنهم عارم بن الفضل اختلط في آخر عمره وزال عقله، ومنهم صالح مولى التوءمة خرف وكبر وجعل يأتي بما يشبه الموضوعات ولذا تركه مالك انتهى.
ولما كان حكم المختلط المغفل حكم سيء الحفظ في أمر المتابعة زاده في الشرح فقال: وكذا المختلط الذي لا يتميز في حديثه، وكذا المستور، والإسناد المرسَل بفتح السين والمراد بالإسناد هنا نفس السند، وهو الرجال أنفسهم، وإنما زاد في الشرح لفظ الإسناد لأجل قوله: صار حديثهم حسنا، فالمناسب الحديث المرسل، والحديث المدلس، وكذا المدلس بفتح اللام أي: الإسناد الذي وقع فيه الإرسال والتدليس إذا لم يعرف المحذوف منه، أما لو عرف عمل به بحسب حاله من عدالة أو جرح صار حديثهم حسنا، لكن لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع من المُتَابِع، والمتَابَع بكسر الموحدة في أحدهما وفتحها في الثاني، لأن في كل واحد منهم احتمال كون روايته صوابا أو غير صواب على حد سواء، فإذا جاءت من المعتبرَين بفتح الموحدة وفيه
стр. 44
الحذف والإيصال إلى المعتبر بهم رواية وموافقة لأحدهم رجح أحد الاحتمالين ودل ذلك المجيء على أن الحديث محفوظ، وأن احتمال كونه غير صواب، بأن يكون الساقط غير ثقة في نفس الأمر أو في رواية المرسل والمدلس احتمال مرجوحية لا يلتفت إليه، فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول ومرتبة الاحتجاج.
قال ابن الهمام في التحرير: حديث الضعيف بالفسق لا يرتقي بتعدد الطرق وبغيره مع العدالة يرتقي.
قال البقاعي: الضعيف الواهي الذي لا يعتبر ربما كثرت طرقه حتى أوصلته إلى درجة رواية المستور والسيء الحفظ بحيث أن ذلك الحديث إذا كان مرويا بإسناد آخر فيه ضعف قريب محتمل، فإنه يرتقي بمجموع ذلك إلى درجة الحسن، لأنا قد جعلنا مجموع تلك الطرق الواهية بمنزلة الطريق الذي فيه ضعف يسير، فصار ذلك بمنزلة طريقين كل منهما ضعفه يسير، ومع ارتقائه إلى درجة المقبول فهو منحط عن رتبة الحسن لذاته، وربما توقف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن عليه وقالوا: إنما يصلح المجموع للاحتجاج فهو المستحق لهذا الاسم، ومن أطلقه فإنما لاحظ مضمونه ومعناه لا سنده ومبناه، انتهى كلام أبي الحسن السندي في بهجة النظر ممزوجا بكلام الحافظ كما ترى.
وقال العلامة العلوي في شرح شرح النخبة: واعلم أنه يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج به وحده بل يكون معدودا
стр. 45
في الضعفاء، إلا أنه لا يصلح كل ضعيف، بل المضعف بما عدا الكذب وفحش الغلط, انتهى.
وقال في المنهج السوي للسيد عبد الرحمن بن سليمان ﵀ المنان:
ومما لا يزول ضعفه بتعدد الطرق المغفَّل أي: كثير الغفلة، وكذا كثير الغلط في روايته.
وقد أطال العلامة محمد أكرم في شرح شرح النخبة الكلام في ذلك إلى أن قال ما نصه:
ثم اعلم أن المصنف -يعني الحافظ ابن حجر- ذكر أنه متى توبع السيء الحفظ ومن عطف عليه صار حديثهم حسنا لا لذاته، ولم يذكر فاحش الغلط وكثير الغفلة، فهل فاحش الغلط كالفاسق أو مثل سيء الحفظ ومن عطف عليه؟ مقتضى ما ذكره المصنف الثاني، ثم ساق الكلام إلى أن قال: إن ابن الصلاح وصف المستور براو لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلا ولا كثير الخطإ فيما يرويه ولا بمتهم بالكذب في الحديث، فعلم منه أن من كان مغفلا كثير الخطإ لا يعتبر بروايته كما لا يعتبر برواية من اتهم بالكذب. . . إلخ كلامه فانظره، انتهى كلام السيد عبد الرحمن في المنهج السوي.
وقال أيضًا في المنهج السوي: قال الحافظ ابن حجر في النخبة: ومتى توبع السيء الحفظ بمعتبر وكذا المختلط والمستور والمدلس صار حديثهم حسنا لا لذاته بل بالمجموع، انتهى.
стр. 46
وإنما قيد الراوي بكونه معتبرا لأن الرواة على ثلاثة أصناف:
صنف يحتج بحديثهم وهم الثقات، وصنف لا يحتج بحديثهم ولكن يعتبر به، وصنف يطرح حديثهم ولا يلتفت إليه، وإنما تعتبر متابعة الصنفين الأولين.
قال العراقي في بحث التجريح ما نصه: ألفاظ التجريح على خمس مراتب:
الأولى: كذاب أو يكذب أو وضاع أو يضع.
الثانية: متهم بالكذب أو الوضع أو هو هالك أو متروك أو ساقط.
الثالثة: مردود الحديث أو ضعيف جدًّا أو واه بمرة.
وكل من هذه المراتب الثلاث لا يحتج بحديثه ولا يستشهد ولا يعتبر.
الرابعة: ضعيف أو منكر الحديث أو مضطرب الحديث.
الخامسة: فيه ضعف أو هو سيء الحفظ أو ليس بالقوي أو لين أو فيه أدنى مقالة.
وكل من أهل هاتين المرتبتين يخرج حديثه ويكتب وينظر فيه للاعتبار انتهى.
وذكر الحافظ في النكت ما نصه:
الحديث الذي يروى بإسناد حسن لا يخلو: إما أن يكون فردا أو له متابع.
الثاني: لا يخلو المتابع إما أن يكون دونه أو مثله أو فوقه، فإن كان
стр. 47
غير متهم بالكذب قوة ما يرجح بها لو عارضه حسن آخر بإسناد غريب وإن كان مثله أو فوقه، فكل منهما يرقيه إلى درجة الصحة،
وذكر المصنف -يعني ابن الصلاح- مثالا لما فوقه ولم يذكر مثالا لما هو مثله، وإذا كانت الحاجة ماسة إليه فلنذكره نيابة عنه وأمثلته كثيرة، منها ما رواه الترمذي من طريق إسرائيل عن عامر بن شقيق عن أبي وائل عن عثمان بن عفان ﵁ قال: "إن النبي ﷺ كان يخلل لحيته"، تفرد به عامر بن شقيق، وقد قواه البخاري والنسائي وابن حبان، ولينه ابن معين وأبو حاتم، وحكم البخاري فيما حكاه الترمذي في العلل بأن حديثه هذا حسن، ولذا قال أحمد فيما حكاه عنه أبو داود: أحسن شيء في هذا الباب حديث عثمان ﵁ وصححه مطلقا الترمذي والدارقطني وابن خزيمة والحاكم وغيرهم، وذلك لما عضده من الشواهد كحديث أبي المليح الرقي عن الوليد بن زوران عن أنس ﵁، أخرجه أبو داود إسناده حسن، لأن الوليد وثقه ابن حبان ولم يضعفه أحد، وتابعه عليه ثابت البناني عن أنس، أخرجه الطبراني في الكبير من رواية عمر بن إبراهيم العبدي، وعمر لا بأس به.
ورواه الذهلي في الزهريات من طريق الزبيدي عن الزهري عن أنس إلا أن له علة لكنها غير قادحة كما قال ابن القطان.
ورواه الترمذي والحاكم من طريق قتادة عن حسان بن بلال عن عمار ابن ياسر وهو معلول، وله شواهد أخرى غير ما ذكرنا في المرتبة، وبمجموع ذلك حكموا على الحديث بالصحة، وكل طريق بمفردها لا
стр. 48
تبلغ درجة الصحيح، انتهى كلام الحافظ، انتهى كلام السيد العلامة عبد الرحمن بن سليمان في المنهج السوي ﵀، واللَّه سبحانه أعلم.
وقد أطلنا الكلام في هذا الجواب تتميما للفائدة، لأن الشيء بالشيء يذكر والحديث شجون.
هذا ما ظهر للحقير، فإن كان صوابا فمن اللَّه والحمد للَّه، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، وأستغفر اللَّه، والحمد للَّه رب العالمين أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى اللَّه على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلم وكان الفراغ من تحرير هذا الجواب ليلة الخميس المبارك ٢ شهر رجب الأصب الأصم سنة ١٣٠٦ من الهجرة النبوية على مشرفها أفضل الصلاة وأزكى التسليم والتحية.
حرره ببنانه ونمقه بلسانه المجيب الحقير الفقير إلي إحسان ربه الكريم الباري حسين بن محسن الأنصاري السعدي الخزرجي اليماني عفا اللَّه عنه
آمين آمين آمين
تمت
стр. 49
ترجمة الحافظ شهاب الدين أبي الفيض أحمد بن محمد ابن الصديق الإدريسي الحسني الغُماري
- اسمه ونسبه ومقر أسلافه
- طلبه للعلم
- رحلته في طلب العلم
- شيوخه
- عقيدته
- منهجه العلمي
- أثر ابن الصديق في نشر السنة وإثراء الحياة العلمية في عصره
- نبذة عن صفاته الخلقية والخُلقية:
أولًا: صفاته الخَلْقية
ثانيًا: صفاته الخُلقية:
١ - شدته في مخالفة الكفار
٢ - كان ينخدع لمن خدعه
٣ - كرمه وسخاؤه
- مرضه ووفاته بالقاهرة
- مؤلفاته
стр. 50
اسمه ونسبه ومقر أسلافه:
هو السيد أحمد بن محمد بن الصديق بن أحمد بن محمد بن قاسم ابن محمد بن محمد (مرتين) بن عبد المؤمن بن محمد بن عبد المؤمن بن علي بن الحسن بن محمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن عبد اللَّه بن عيسى بن سعيد بن مسعود بن الفضيل بن علي بن عمر بن العربي بن علال بن موسى بن أحمد بن داود بن إدريس الأزهر بن إدريس الأكبر (فاتح المغرب) بن عبد اللَّه الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي وفاطمة الزهراء بنت مولانا رسول اللَّه ﷺ .
ونسبه من جهة الأم ينتهي أيضًا إلى مولانا إدريس الأكبر، فهي حفيدة الإمام أحمد بن عجيبة الحسني المتوفى سنة ١٢٢٤ هـ.
نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نورًا ومن فلق الصباح عمودا
ما فيه إلا سيد عن سيد ... حاز المكارم والتقى والجودا
стр. 51
وكان أجداد صاحب الترجمة الأوائل قد قدموا من الأندلس في أواخر القرن الخامس، ونزلوا بأحواز تلمسان -وهم من قبيلة بني بزناس- وفيها نشأوا واشتهروا، ثم تفرقوا بعد ذلك في أنحاء المغرب فسكنوا غمارة وتجكان وأنجرة، ثم فاس وطنجة وتطوان وغيرها.
وكان والد صاحب الترجمة السيد محمد بن الصديق قد اختار طنجة للسكنى، ثم اتفق أن جاء الخبر بميلاد أول أبنائه الشيخ أحمد بن الصديق أثناء زيارة له لقبيلة بني سعيد، وكان ذلك يوم الجمعة سابع وعشرين من رمضان سنة عشرين وثلاثمائة وألف (١٣٢٠ هـ).
ولما بلغ الشيخ خمس سنين أدخله والده المكتب لحفظ القرآن الكريم على يد العلامة العربي بن أحمد بو درَّة.
طلبه للعلم:
ولما بلغ من العمر تسع سنين اصطحبه والده معه في رحلته للشرف لأداء فريضة الحج، وبعد عودته استكمل حفظ القرآن الكريم ثم شرع في حفظ المتون كالآجرومية والمرشد المعين والأربعين النووية -وكان يكتب في كل يوم حديثًا- والسنوسية وألفية أبن مالك والجوهرة والبيقونية وألفية العراقي في الحديث وبعض مختصر خليل (إلى كتاب النكاح منه)، وكذلك قرأ شروح تلك الكتب، وقرأ ختمة من القرآن الكريم على يد الفقيه عبد الكريم البرَّاق الأنجري، وكان يتقن علم الرسم فأتقن عليه ذلك بنظم الخراز وشرحه فتح المنان لعبد الواحد بن عاشر.
كل ذلك وعين أبيه عليه ساهرة، فهو لم يزل يحثه على الطلب والتعب
стр. 52
في التحصيل والإقبال على العلم والعمل مع الزهد في الدنيا وترك ما فيه شهوات النفس وحظوظها، وكان يذاكره في شتى العلوم، وأثناء المذاكرة يذكر له الكتب النفسية وفائدتها حتى صار من أعرف الناس بهذا الفن.
وكانت علوم الحديث والمصطلح تحتل المكانة الكبرى في قراءات الشيخ ومطالعاته، فهو مجبول بفطرته على حب هذه العلوم معرضٌ عما سواها من قوانين مجردة مما هو مسطور في المتون والحواشي، فقرأ كتاب سفراء الأسفار للمحدث محمد الكتاني، وله عليه استدراكات، وقرأ اللآلئ المصنوعة للسيوطي والقول المسدد في الذب عن مسند أحمد لابن حجر والميزان للذهبي والمقاصد الحسنة للسخاوي وتذكرة الموضوعات لابن طاهر المقدسي واللؤلؤ المرصوع، ومنتخب كنز العمال، ومسند الإمام أحمد، ومشكاة المصابيح وذيلها للقنوجي، وتيسير الوصول لابن الربيع، والتيسير على الجامع الصغير للمناوي، وشرح الإحياء لمرتضى الزبيدي وغيرها، مستعينا على ذلك بما حباه اللَّه به من تمام الحفظ وحسن الاستحضار، فما يكاد يشرع في قراءة علم حتى يصبح بعد فترة وجيزة من الأئمة المبرزين فيه، وبقي على هذه الحال من الإعداد والتكوين إلى أن أذَّن مؤذِّن الرحيل.
رحلته في طلب العلم:
ثم بدأت الرحلة في طلب العلم بتوجيه من والده، وكان ذلك سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة وألف وعمره لم يتجاوز التاسعة عشر، فتوجه إلى القاهرة ولازم علماء الأزهر الشريف فقرأ الآجرومية بشرح الكفراوي وابن
стр. 53
عقيل والأشموني على الألفية والسلم بشرح الباجوري وجوهرة التوحيد ومختصر خليل بشرح الدرديري وحاشية الدسوقي وصحيح البخاري وتفسير البيضاوي (على الشيخ محمد بخيت) وموطأ مالك، والتهذيب في المنطق للسعد التفتازاني، وحاشية العطار، وسمع ثلاثيات البخاري، ومسلسل عاشوراء بشرطه، والمسلسل بالأولية وقرأ قطر الندى في النحو، وشرح التحرير في الفقه الشافعي.
ولزم بيته قرابة عامين لا يخرج إلا للصلوات وعكف على خدمة الحديث الشريف، فكان لا ينام بالليل حتى يصلي الصبح والضحى.
وذاع صيته وانتشر واحتاج إليه القاصي والداني فكانت ترد إليه المسائل من كبار العلماء أمثال الشيخ محمد بخيت المطيعي والشيخ أحمد رافع الطهطاوي والشيخ يوسف الدجوي، بل إن والده ﵀ كان في آخر عمره يحيل السائلين عليه، وكان يسأله عن صحة الأحاديث ورتبتها ويطلب منه إيضاح ذلك بالدليل، وما أكثر الأجزاء الحديثية التي ألَّفها الشيخ إلا من هذا القبيل.
стр. 54
شيوخه (١):
وأما شيوخه فهم كثيرون، وقد ضمنهم كتابيه البحر العميق والمعجم الوجيز، وشيوخه قسمين؛ قسم أخذ عنهم العلوم الإسلامية وتلقى عنهم أيام دراسته، بحثًا وتدقيقًا ودراية، وقسم سمع منهم بعض الكتب الحديثية مع إجازتهم إياه، والقسم الثاني هم الأكثر.
(١) الشيخ المحدث المجتهد السيد محمد بن الصديق بن أحمد بن عبد المؤمن الحسني -والد المؤلف-، وهو من أجل شيوخ المؤلف، درس على يده فنونًا كثيرة، وقد أفرد المؤلف له مصنفًا سماه: "سبحة العقيق"، ثم اختصره في "التصور والتصديق"، توفي ﵀ سنة ١٣٥٤ هـ. وقد أخذ عنه المؤلف مختصر خليل وألفية ابن مالك وصحيح البخاري، والتراجم والطب والتاريخ.
(٢) العلامة السيد العربي بن أحمد بودرة الغربي، أخذ عنه القرآن وعلومه، كما سبق.
стр. 55
(٣) الإمام المحدث الفقيه أبو عبد اللَّه محمد بن جعفر بن إدريس الحسني الإدريسي الكتاني، ولد سنة ١٢٧٤ م، له مؤلفات عديدة، رحل إليه المصنف وسمع منه حديث الرحمة المسلسل بالأولية بشرطه، وقرأ عليه الأوائل العجلونية، وكثيرًا من مسند أحمد، ومسلسلات عقيلة، والشمائل.
(٤) الشيخ شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد إمام بن برهان الدين أبي المحالي إبراهيم السقا الشافعي (ولد بالقاهرة سنة ١٢٨٣ هـ - وتوفي سنة ١٣٥٤ هـ)، حضر عليه في أواخر عمره، أخذ عنه الأجرومية، وألفية ابن مالك بشرح ابن عقيل، والتحرير في فقه الشافعي، والسلم في المنطق، وجوهرة التوحيد، وسمع منه مسند الشافعي وثلاثيات البخاري، مسلسل عاشوراء، أجازه إجازة عامة قبل وفاته بسنة.
(٥) الشيخ العلامة محمد بخيت بن حسين المطيعي الحنفي الصعيدى (١) (ولد سنة ١٢٧٠ هـ - وتوفي سنة ١٣٥٤ هـ)، أخذ عنه التفسير وصحيح البخاري، ولازمه سنتين، وحضر دروسه في شرح الإسنوي على منهاج البيضاوي في الأصول، وشرح الهداية في الفقه الحنفي، وسمع منه مسلسل عاشوراء بشرطه.
(٦) العلامة الفقيه محمد بن إبراهيم السمالوطي القاهري المالكي المتوفى
стр. 56
سنة ١٣٥٣ هـ، كان ﵀ بحرًا في الفقه المالكي واللغة العربية، حضر المؤلف عليه تفسير البيضاوي وموطأ مالك، وقرأ عليه التهذيب في المنطق، وأجازه إجازة عامة.
(٧) الشيخ العلامة المحقق أبو العباس أحمد بن محمد بن عمر الزكاري، المعروف بابن الخياط الفاسي، الشريف الحسني، ولد سنة ١٢٥٢ هـ، أدركه المؤلف قبل وفاته بسنة، فأخذ عنه المسلسل بالمصافحة وأملى عليه سنده، فأجازه إجازة عامة، توفي بفاس سنة ١٣٤٥ هـ.
(٨) المحقق البارع العلامة أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن رافع الحسيني القاسمي الحنفي الطهطاوي، المولود بطهطا سنة ١٢٧٥ هـ، له الثبت العجيب المسمى: "إرشاد المستفيد" كتبه في ١٥ عامًا، سمع المؤلف منه مسلسل عاشوراء، والمسلسل بالعيد، وبعض صحيح البخاري، وسنن الدارقطني، وقد أجاز المصنف إجازة عامة، توفي ﵀ سنة ١٣٥٥ هـ.
(٩) العلامة الفقيه شيخ الشافعية ومفتيهم بالديار المصرية، الشيخ محمد ابن سالم الشرقاوي النجدي، المتوفى سنة ١٣٥٠ هـ، أخذ عنه مختصر خليل من أوله إلى آخر كتاب النكاح، وحضر عليه مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي بشرح علي القاري، ومتن أبي شجاع في فقه الشافعى، وأجازه إجازة عامة.
(١٠) شيخ الديار الشامية العلامة بدر الدين بن يوسف المغربي الشافعي، شيخ دار الحديث النووية بدمشق، ولد سنة ١٢٥٥ هـ، يروي عن البرهان السقا، سمع منه حديث الرحمة وبعض مجالس من صحيح
стр. 57
مسلم من إملائه بجامع دمشق.
(١١) العلامة الشيخ محمد سعيد بن أحمد الفرا الحنفي الدمشقي سبط العلامة ابن عابدين الحنفي، توفي سنة خمس وأربعين وثلاثمائة وألف، أخذ عنه المسلسل بالسبعة، وسمع منه حديث الرحمة بشرطه، وأجاز له إجازة عامة.
(١٢) أبو الفضل محمد بن علي الجيزاوي الوراقي المالكي المتوفى سنة ١٣٤٦ هـ. وهو شيخ الأزهر السابق، وقد تولى مشيخة الأزهر بعد الشيخ سليم البشري.
(١٣) العلامة الفقيه محمد بن محمد الحلبي المصري الشافعي شيخ الشافعية بالديار المصرية، المتوفى سنة ١٣٤٥ هـ.
(١٤) أبو عبد اللَّه محمد بن المأمون بن عبد المتعالي ابن الولي الشهير أحمد بن إدريس العرائشي اليمني، المتوفى سنة ١٣٤٦ هـ تقريبًا.
(١٥) الفقيه العلامة كمال الدين محمد بن محمد بن خليل القصيباتي، أبي المحاسن القاوقجي الطرابلسي ثم المصري، المتوفى سنة ١٣٤٥ هـ.
(١٦) شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد بن محمد عليش المالكي نجل العلامة الفقيه المالكي الكبير، توفي سنة ١٣٤٤ هـ تقريبًا.
(١٧) الشيخ الخضر بن الحسين التونسي المالكي شيخ الأزهر، له ثبت سماه "عمدة الأثبات".
(١٨) العلامة الفقيه أبو عبد اللَّه محمد بسيون بن عسل القرنشاوي الشافعي المتوفى سنة ١٣٤٢ هـ.
стр. 58
(١٩) العلامة المحدث الفقيه أبو عبد اللَّه محمد بن إدريس القادري الحسني الفاسي المتوفى سنة ١٣٥٠ هـ.
(٢٠) العلامة أبو الحسين محمد بن محمود خفاجة الدمياطى المتوفى سنة ١٣٦١ هـ تقريبًا.
(٢١) الفقيه العلامة الشيخ محمد علي بن حسين المالكي المكي، مفتي المالكية بمكة، صاحب تهذيب فروق القرافي.
(٢٢) الشيخ الفقيه محمد بن أحمد بن علي بن أبي طالب الجزائري ثم الشامي نزيل بيروت.
(٢٣) العلامة الأصولي الشيخ محمد أبو حسنين العدوي المالكي المصري المتوفى سنة ١٣٥٤ هـ.
(٢٤) العلامة الشيخ محمد بهاء الدين أبو النصر القاوقجي الطرابلسي الشبيني.
(٢٥) الشيخ محمد بن رجب السكندري الفقيه المالكي.
(٢٦) الشيخ فتح اللَّه بن أبي بكر البناني الرباطي، المولود سنة ١٢٨٠ هـ - المتوفى سنة ١٤٥٤ هـ.
(٢٧) الشيخ أبو عبد اللَّه محمد المكي بن محمد البطاوري الرباطي المتوفى سنة ١٣٥٥ هـ.
(٢٨) العلامة المحدث المؤرخ الشيخ عبد الستار بن عبد الوهاب البكري الصديقي الهندي ثم المكي، المتوفى سنة ١٣٣٦ هـ.
(٢٩) العلامة الفقيه أبو العباس أحمد بن عبد السلام العبادي السميحي
стр. 59
الغماري المتوفى سنة ١٣٦١ هـ.
(٣٠) العلامة المحدث المسند أبو محمد عبد اللَّه بن محمد بن غازي الهندي ثم المكي مؤلف كتاب تاريخ مكة والثبت الكبير وغيرهما، المتوفى سنة ١٣٦٧ هـ.
(٣١) العلامة الإمام يحيى بن محمد بن يحيى حميد الدين الحسني الصنعاني، ملك اليمن المقتول سنة ١٣٦٧ هـ.
(٣٢) الإمام العلامة شيخ الإسلام وقاضي القضاة بالديار اليمنية أبو علي الحسين بن علي العمري المعمر رحمه اللَّه تعالى، المتوفى في شوال سنة ١٣٦١ هـ. عن سبع وتسعين سنة.
(٣٣) العلامة أبو محمد عبد المجيد بن إبراهيم الشرنوبي الأزهري المالكي المتوفى سنة ١٣٤٥ هـ.
(٣٤) العلامة الشيخ المعمر أبو محمد عبد اللَّه بن محمد بن صالح البنا السكندري الحنفي الخلوتي.
(٣٥) الفقيه العلامة الشيخ أحمد بن نصر العدوي المالكي المتوفى سنة ١٣٤٧ هـ تقريبًا.
(٣٦) العلامة أبو محمد صالح بن أسعد الحمصي ثم الدمشقي.
(٣٧) العلامة أبو محمد صالح بن مصطفى الآمدي الدمشقي الحنفي.
(٣٨) العلامة أبو محمد عبد الكريم بن محمد سليم بن محمد نسيب الخمراوي الحسيني الدمشقي شيخ الجامع الأموي.
(٣٩) العلامة أبو التقى محمد توفيق بن محمد الأيوبي الأنصاري الدمشقي الحنفي.
стр. 60
(٤٠) الأستاذ أبو الحسن علي بن علي بن محمد بن عيدروس بن عمر الحبشي العلوي الحضرمي التريمي، اجتمع بالمؤلف في مكة المكرمة ثالث أيام التشريق، وأجازه إجازة عامة سنة ١٣٥٦ هـ.
(٤١) العلامة الأثري المعقولي عبيد اللَّه بن الإسلام السندي الهندي الديويندي ثم المكي.
(٤٢) العلامة الشيخ أحمد بن محمد الأدرمي الهندي المدراسي الشافعي الشاذلي، سمع منه حديث الرحمة بشرطه بمكة المشرفة، وأجازه سنة ١٣٥٦ هـ.
(٤٣) العلامة الصالح السيد عيدروس بن سالم بن عيدروس، الحسيني العلوي الحضرمي المكي، اجتمع به المؤلف في حج سنة ١٣٥٦ هـ في مكة المكرمة، وسمع منه المؤلف حديث الرحمة بشرطه وسمعه منه وتدبج معه عندما زاره في منزله، وأجازه في جميع مروياته، كما أجاز له والده السيد سالم البار. والسيد حسين محمد محمد الحبشي، والسيد أحمد بن الحسين العطاس، والسيد عمر بن أحمد البار.
(٤٤) العلامة الغازي المجاهد سيف الرحمن بن عبد المؤمن خان الأفغاني الدراني.
(٤٥) العلامة الصالح الشيخ أحمد بن مصطفى البساطي المدني.
(٤٦) الأستاذ محمد بن عثمان الداغستاني الحنفي المدني.
(٤٧) الأستاذ الفاضل الشيخ طه بن يوسف الشعبيني الشافعي المصري المتوفى سنة ١٣٧٣ هـ.
стр. 61
(٤٨) العلامة السند الراوية الأثري النحوي أبو حفص عمر بن حمدان بن عمر بن حمدان المحرسي التونسي المدني (١)، له معرفة بالحديث متونًا ورجالًا وفقهًا، وإلمامًا بالرواية، توفي بالمدينة المنورة سنة ١٣٦٨ هـ، قدم القاهرة فلازمه المؤلف مدة إقامته بها فسمع منه حديث الرحمة بشرطه وأكثر مسلسلات عقيلة، والمسلسل بالدعاء عند الملتزم، وصحيح البخاري وأوائل مستدرك الحاكم، وأذكار النووي، والأوائل العجلونية، والمعجم الصغير للطبراني، وكتب له إجازة عامة على ظهر المجلد الأول من المستدرك.
(٤٩) الأستاذ الفاضل الأديب عويد بن نصر الخزاعي المكي المصري الضرير الشافعي المتوفى سنة ١٣٥٢ هـ.
(٥٠) الأستاذ الخطيب العلامة الشيخ عبد المعطى بن حسن بن رجب السقا المتوفى سنة ١٣٤٨ هـ.
(٥١) الفقيه أبو محمد عبد اللَّه بن محمد زُنْط الصَعيدي الإسنوي المالكي.
(٥٢) الفقيه عبد الرحيم الأسيوطي الجرجاوي المالكي المتوفى سنة ١٣٤٢ هـ تقريبًا.
(٥٣) العلامة أبو أحمد يس بن أحمد الخياري المدني الشافعي المتوفى سنة ١٣٤٥ هـ.
стр. 62
(٥٤) العلامة المشارك الراوية المسند أبو محمد عبد الواسع بن يحيى الواسعي اليمني الصنعاني الزبيدي، له مؤلفات كثيرة منها تاريخ اليمن وثبته المسمى الدرر الفرائد الجامع لمتفرقات الأسانيد، توفى سنة ١٣٧٩ هـ.
(٥٥) أبو محمد عبد الوهاب بن نصار المصري القاهري الأزهري.
(٥٦) الشيخ المعمر أبو النصر عوض بن محمد العفري الزبيدي القاهري، المتوفى سنة ١٣٤٦ هـ، وعمره ١١٦ عامًا.
(٥٧) العالم الأثري الشيخ أبو القاسم بن مسعود الدباغ الحسيني الإدريسي العباسي المدني، المتوفى سنة ١٣٥٧ هـ.
(٥٨) العلامة أبو حفص عمر بن أبي بكر بن عبد اللَّه باجنيد الحضرمي الأصل المكي الدار، من مشاهير علماء مكة في عصره، توفي أوائل سنة ١٣٥٤ هـ.
(٥٩) الأستاذ الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن حسين الحبشي العلوي الحضرمي المكي.
(٦٠) الأستاذ الواعظ أبو الحسن علي بن حسن بن شعبان الجربي القاوقجي.
(٦١) الفقيه العلامة مفتي الديار المصرية الشيخ عبد الرحمن بن محمد الأسيوطي الحنفي المعروف بقرعة المتوفى سنة ١٣٥٥ هـ.
(٦٢) الأستاذ يوسف بن إبراهيم بن محمد بن رضوان بن يوسف الشافعي المصري.
стр. 63
(٦٣) أبو الثناء محسن بن ناصر باحربة اليمني الحضرمي الفقيه الشافعي.
(٦٤) العلامة أبو فتوح أحمد بن محمد القاهري الحنفي الضرير.
(٦٥) أبو محمد عبد القادر بن محمد حوار المدني.
(٦٦) العلامة المفتي القاضي شيخ الديار التونسية الطيب بن محمد بن أحمد النيفر الحسني التونسي.
(٦٧) العلامة المحقق الشيخ محمد أمين بن محمد سويد الدمشقي الحنفي المتوفى سنة ١٣٤٥ هـ.
(٦٨) الأستاذ خالد بن محمد بن محمد الأنصاري الحمصي الحنفي.
(٦٩) الأستاذ عبد الجليل بن سليم الدّرا الدمشقي.
(٧٠) الأستاذ الواعظ العلامة عبد القادر بن محمد بن سليم الكيلاني الدمشقي المعروف بالإسكندراني.
(٧١) الفقيه العلامة أبو محمد عطاء بن إبراهيم بن يس الكسم الدمشقي الحنفي.
(٧٢) الفقيه أبو محمد عبد القادر بن موهوب بن أحمد بن أحمد بن عيسى بن سليمان المدكالي المنيعي الجزائري.
(٧٣) العلامة نجيب بن مصطفى كيوان الدمشقي.
(٧٤) محيى الدين البني الدمشقي.
(٧٥) عبد القادر بن مصطفى بن عبد الغني القباني البيروتي.
(٧٦) العلامة أبو النون يونس بن موسى بن محمد العطافي المصري
стр. 64
الشافعي المتوفى سنة ١٣٤٦ هـ.
(٧٧) العلامة أبو المحاسن يوسف شلبي الشيرانجوى الشافعي المتوفى سنة ١٣٤٦ هـ. تقريبًا
(٧٨) العلامة نائب الأزهر الشيخ عبد المجيد بن إبراهيم بن محمد السنديوني اللبان الشافعي.
(٧٩) الأستاذ عبد العظيم بن إبراهيم السقا المتوفى سنة ١٣٤٥ هـ.
(٨٠) العلامة المحقق السيد محمد بن محمد زبارة الحسني اليمني الصنعاني الزيدي، صاحب نيل الوطر في تراجم علماء اليمن، المتوفى سنة ١٣٨٠ هـ.
(٨١) الشيخ محمد المهدي بن العربي العزوزي الفريجي.
(٨٢) الشيخ عبد القادر شلبي الشامي الطرابلسي المدني الحنفي.
(٨٣) العلامة المحدث المسند الراوية عبد الباقي بن علي بن محمد معين الأنصاري اللكنوى المدني، المولود سنة ١٢٨٦ هـ، والمتوفى سنة ١٣٦٤ هـ.
(٨٤) العلامة المشارك أبو زيد عبد الرحمن بن محمد القرشي الفلالي الفاسي.
(٨٥) العلامة يوسف بن إسماعيل بن يوسف بن إسماعيل النبهانى الشافعي المولود سنة ١٢٦٦ هـ المتوفى سنة ١٣٥٠ هـ.
(٨٦) العلامة المسند الراوية أبو عبد اللَّه محمد بن عبد الواحد الإدريسي الزواوي.
стр. 65
(٨٧) العلامة أبو الوفاء خليل بن بدر بن مصطفى الخالدي المقدسي الحنفي المتوفى سنة ١٣٦٠ هـ.
(٨٨) الأستاذ العلامة السيد العباسي بن محمد بن أمين بن أحمد رضوان المدني.
(٨٩) العلامة المعمر الشيخ محمد دويدار الكفراوي المصري المتوفى سنة ١٣٦١ هـ.
(٩٠) العلامة المؤرخ المسند الشيخ محمد راغب الطباخ، المتوفى في رمضان سنة ١٣٧٠ هـ.
(٩١) الشيخ الفقيه الخطيب العابد ابن العلامة أحمد بن طالب بن سودة.
(٩٢) الأستاذ أبو محمد عبد العزيز بن أبي القاسم مسعود الدباغ المدني.
(٩٣) الشيخ محمد زاهد الكوثري الحنفي التركي القاهري، المتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧١ هـ. اجتمع به المؤلف مرارًا وتذاكرا، وعندما طبع ثبته، كتب إلى المؤلف إجازة وبعث بها إليه.
(٩٤) الفقيه العلامة الشيخ مختار الشكشوكي الطرابلسي المغربي.
(٩٥) الشيخ محمد الزمزمي ابن الشيخ محمد بن جعفر الكتاني المتوفى بدمشق سنة ١٣٧١ هـ.
(٩٦) والعلامة المحقق شيخ جامع الزيتونة الشيخ الطاهر بن محمد بن عاشور التونسي.
(٩٧) المسند الراوية المؤرخ القاضي أبو محمد عبد الحفيظ بن محمد الطاهر بن عبد الكبير الفهري الفاسي.
стр. 66
(٩٨) الشيخ محي الدين بن إبراهيم بن محمود بن أحمد بن عبيد العطار.
(٩٩) الشيخ محمد بن كفور المراكشي.
(١٠٠) الشيخ محمد بن علي الطرابلسي.
(١٠١) العلامة أبو عبد اللَّه محمد بن عبد الهادي بن حسن السقاف الباعلوي الحضرمي، قدم القاهرة مع جماعة من أصحابه عقب رجوعه من الحج سنة ١٣٤٣ هـ، سمع منه حديث الرحمة المسلسل بالأولية، وأجاز المؤلف إجازة عامة، وأجازه المؤلف أيضًا بعد أن أسمعه حديث الرحمة، وكتب له إجازة مطولة سماها: "تحفة الإشراف بإجازة الحبيب السقاف".
(١٠٢) أمة اللَّه بنت عبد الغني بن أبي سعيد المجددي الدهلوي، تروي عن والدها، عمرت عمرًا طويلًا، توفيت سنة ١٣٥٧ هـ.
(١٠٣) السيدة مريم بنت جعفر بن إدريس الكتانية الفاسية.
(١٠٤) السيدة عائشة بنت أحمد القصبية.
(١٠٥) أم البنين آمنة بنت عبد الجليل بن سليم الذرا الدمشقية.
(١٠٦) السيدة فاطمة بنت أبي بكر بن عبد اللَّه بن محمد بن يحيى -الشهير بصاحب البقرة- الحسينية العلوية الحضرمية.
(١٠٧) السيدة الجليلة سيدة بنت عبد اللَّه بن حسين بن طاهر الحسينية العلوية الحضرمية، وهى خالة السيدة فاطمة المذكورة قبلها تروى عن والدها بأسانيده المذكورة في "عقد اليواقيت"، فهو من شيوخ
стр. 67
عيدروس بن عمر الحسيني، وهذا سند في غاية العلو.
(١٠٨) السيدة خديجة بنت محمد بن أحمد المحضار الحسينية العلوية الحضرمية زوجة الإمام الكبير أحمد بن حسن العطاس، بعثت بإجازة من تريم لصاحب الترجمة.
стр. 68
عقيدته (١):
هي عقيدة أهل السلف الصالح ﵃ وهي التفويض في المتشابه من الصفات، مع التنزيه وعدم التأويل، ويرى ماعدا هذا بدعة وضلالًا، ويجعل كل من خالف ذلك من الفرق الضالة التي أخبر النبي ﷺ أن أمته ستفترق عليها.
منهجه العلمي:
وكان ينبذ التقليد وينعى على المقلدة ما هم عليه من التقليد المذموم، حتى إنه كان يتأول الكثير من الآيات القرآنية التي وردت في ذم الاتباع والتقليد الأعمى على الفقهاء المعاندين المتعصبين للمذهب مع وقوفهم على الدليل، وبحيث كان يعتقد أن ما من مصيبة أو ورطة وقعت فيها الأمة إلا وللتقليد اليد الطولى فيها، إلى غير ذلك من الاستنباطات والإشارات التي ضمَّنها كتابه العجيب المسمى "الإقليد في تنزيل كتاب اللَّه على أهل التقليد"، وقد شرح في هذا المصنف الذي يقع في مجلد ضخم كيف كان تدرجه في معرفة شرع اللَّه على الحقيقة بدءً بقراءة كتب المالكية ثم الانتقال إلى فقه الشافعية، ثم بعد ذلك النظر في كتب الخلاف العالية، وفي هذا يقول الشيخ:
"فلما نظرنا في كتب الخلاف العالية وكشف لنا عن حقائق تلك المذاهب وأفل تحقيقها في نظرنا صرنا لا نقلد أحدا من خلق اللَّه تعالى لا الشافعي ولا غيره، وإنما ننظر في كتبهم على سبيل النظر في أقوالهم
стр. 69
ومعرفة دلائلهم والتفقه منها والتبصر بها والاهتداء بعلمهم والسير على طريقتهم لا على سبيل تقليدهم" (١).
وعليه فقد كان الرجل نسيج وحده وفريد عصره في ذلك المضمار ينئا بفكره عن التعصب والتزمت الممقوت، والذي كان صفة سائدة بين علماء ذلك الوقت وخاصة المالكية منهم، فكان يعتمد في اجتهاداته على استنباط الأحكام من أصولها وإلحاق الفروع بمعادنها الأولى دون إفراط ولا تفريط (٢)، لا يضره في ذلك مخالفته لمن خالف ما لم يخرق إجماعا معتبرا.
وقد أخطأ من زعم أنه كان ظاهرى المذهب أو أنه تبنى آراء ابن حزم في جملتها (٣) إذ ليس الأمر كذلك بل غايته أنه اعتمد قاعدة ابن حزم فى القياس ثم خالفه في الفروع التى تمسك فيها ابن حزم بظاهر النصوص تمسكا مبالغا فيه يبعد عن روح التشريع والغاية منه.
وكان يبغض كتب الفروع العارية عن الدليل بغضا شديدا ولا ينصح
стр. 70
بالاشتغال بها ولا تضييع الأعمار في تحقيقها كمختصر خليل وشروح التحفة والزقاقية والعمل الفاسى والمطلق والنوازل وأمثالها.
وعلى النقيض كان يحض على مطالعة الكتب المعينة على فتح باب الاجتهاد والتمرس، من ذلك ما أتى في بعض مكاتباته قائلا:
"كما أحب أن تقتنى كتاب المحلى لابن حزم والمغني لابن قدامة وشرح المهذب للنووي وفتح المدير لابن الهمام، فهذه الكتب تكفي لمعرفة الحق في الأحكام الشرعية، ولا بأس أن يضاف إليها "نيل الأوطار" "والروضة الندية" للقنوجى بل هما مهمان للغاية ولاسيما "النيْل".
وإذ جعل اللَّه تعالى فيك قريحة وقادة وفهمًا صائبًا وشرح صدرك للعمل بالدليل فإنه يجب عليك أن تطلب هذا العلم الذي أصبح في حقك فرض عين وأن لا تضيع الفرصة بطلب الدنيا فالدنيا توجد عند كل أحد ولا توجد الهداية وعلم السنة إلا عند الفرد بعد الفرد والواحد بعد الواحد في الدنيا، والسلام" (١).
ولا يخفى ما كان يوليه الشيخ من اهتمام بالغ لكتاب نيل الأوطار حيث كان يوصى بإدامة النظر فيه وقراءته المرة بعد الأخرى لعظم نفعه.
وقد سار على نهجه شقيقه العلامة عبد اللَّه بن الصديق حيث أخذ على عاتقه قراءة نيل الأوطار مع الطلبة من أوله إلى آخره قرابة عشر سنين أو يزيد متناولًا إياه بالشرح والتعليق وتصحيح ما تحرف من النسخ المطبوعة.
стр. 71
أثر ابن الصديق في نشر السنة وإثراء الحياة العلمية في عصره
ولاشك أن ابن الصديق كان له اليد البيضاء على العلماء من بعده سواء بما نقل لهم عن كتب لم ترها العيون من قبل، أو بما خلَّف لهم من تراث محرر شامل جامع، يقول الشيخ التليدى (١):
وأما إذا كتب في جزئية فقهية فلا يترك فاذة ولا شاذة ولا إيرادًا ولا اعتراضًا ولا مذهبًا له تعلق بذلك إلا ويذكره بنصه من أصوله وكتب أهله التى قد لا يسمع بها أكابر المطلعين وأساطين المحققين، وكان لا يقتصر على مذاهب الأئمة المتبوعين بل يأتى بمذاهب الصحابة والتابعين وتابعيهم واجتهاداتهم وفتاويهم وغرائبهم حتى يظن القارئ أنه عاصر جميعهم وأخذ عنهم وارتوى من ينابيع علومهم مشافهة اهـ.
وكان له قلم سيال بما يتحف القارئ ويشفي غليل السائل، فلا تراه إلا مشتغلا بحديث رسول اللَّه ﷺ إما بإنشاء المستخرجات على الكتب الحديثية، أو بالنقد والكلام عن علل الرجال -وهو علم من أدق العلوم لا يتصدر له إلا الفرسان في علم الحديث- أو إجابة لمن سأله عن صحة حديث مع بيان طرقه والكلام عليه، أو هو يبيِّضُ ما كان كتبه سالفا، حيث لم يكن يعتمد في ذلك على أحد -كما هو الحال مع كثير من العلماء- بل كان يقوم على جميعها بنفسه.
стр. 72
ومما سهل عليه هذا الأمر كثرة حفظه وسعة اطلاعه مع شدة الاستحضار (١)، حيث لم يكن بحاجة إلى مطالعة المراجع دائما، بل كان كثيرا ما يعتمد على ذاكرته في النقل، مما أعانه كثيرا على الكتابة وهو بمنفاه.
غير أنه ﵀ كان تعتريه حدة في بعض كتاباته خاصة إذا تعرض للنقد أو للرد على مسألة علمية قد حاد فيها أحد العلماء عن الجادة، فهو ينفعل ويغضب لذلك، وربما صدرت منه بعض الألفاظ الحادة التى إن دلت على شيء فإنما تدل على شدة غيرته على شرع اللَّه وسنة نبيه ﷺ .
وكان مع صغر سنه يقوم مقام الطالب والأستاذ في آن واحد، أو هو الشاب الشيخ كما وصفه بذلك علامة الديار المصرية الشيخ بخيت المطيعي، لأنه شاب في سنه، شيخ في علمه وعقله، وليس أدلَّ على ذلك من أن يقصده علماء عصره للقراءة عليه وهو لم يزل في مرحلة الطلب، فقرأ فتح الباري سردا، وقرأ الكتب الستة مرات، ودرَّس نيل الأوطار والشمائل المحمدية.
ثم تصدر للإملاء، فأحيا بذلك سنة الحفاظ الأوائل وكانت قد اندثرت، فجلس لذلك بمسجد الحسين ومسجد الكخيا بالقاهرة والمسجد
стр. 73
الأعظم بطنجة، يقول الشيخ التليدى (١):
وقد كان يدرس صحيح مسلم وجامع الترمذي بالجامع الكبير بطنجة فكان يملي ثمانين حديثا بأسانيدها من حفظه بلا تلعثم ولا توقف، ثم إذا فرغ منها يرجع فيبتدئ بالحديث الأول فيتكلم على تخريجه وذلك بأن يذكر من وافق المصنف على تخريج ذلك الحديث من أصحاب الأمهات والأصول المسندة ثم يذكرها بألفاظها وطرقها ورواتها معزوة إلى مخرجيها، وهو في كل ذلك يصحح ويحسن ويضعف، ثم ينتقل لرجال الحديث فيتكلم على تراجمهم واحدا إثر الآخر فيذكر مواليدهم ونشآتهم ورحلاتهم وشيوخهم وتلامذتهم وأحوالهم وسيرهم ووفياتهم، وكانت تراجم هؤلاء جميعا نصب عينيه كأنه عاصر الجميع اهـ.
وكان ﵀ لا يتوانى عن الدعوة إلى العمل بكثير من السنن المهجورة في مذهب مالك كالتعوذ والبسملة والجهر بالتأمين ورفع اليدين في الانتقال ووضع اليمين على الشمال والسلام من الصلاة مرتين والأذان بين يدي الخطيب في يوم الجمعة، إلى غير ذلك من السنن الشريفة التي كاد يَحْرمُ العمل بها في بلاد المغرب قاطبة.
وكما كان ذلك حاله في الدعوة إلى نشر السنة، كان كذلك يحب موافقة السنة في كل شئ:
- من ذلك أنه كان يخضب وفرته ولحيته إلى أن توفي.
- ومنها أنه مشى مرة حافيا في الطريق ليوافق بذلك فعل رسول اللَّه ﷺ .
стр. 74
- ومنها تكبيره سبعًا على الجنازة بالمسجد الأعظم بطنجة.
-ومنها أنه ما كان يدخر ولا يعرف للحرص معنى أصلًا إذ هو ينافي التوكل.
- ومنها تجيشه لمحاربة الاستعمار الفرنسى في نحو ألفين من مريديه إحياء لفريضة الجهاد.
* * *
стр. 75
نبذة عن صفاته الخَلْقية والخُلقية
أولًا: صفاته الخَلقية
كان الشيخ أحمد بن الصديق متوسط القامة، عظيم الرأس عريض الجبهة، موفور الصحة إلا أنه أصيب في أخرياته بداء القلب، وكان له وفرة ولحية كثة دائما ما يخضبهما وكان يكسوه رونق ويعلوه أبهة العلماء.
ثانيًا: صفاته الخلقية
١ - شدته في مخالفة الكفار:
وكما كان ﵀ شديدًا في تمسكه بالسنة، كان كذلك شديدًا في مخالفته للكفار، يظهر ذلك جليًا من خلال جوابه لمن سأله عن حكم لبس الجبة الضيقة الكمين حيث قال:
وأما شبهة الملاعين في كونه ﷺ لبس جبة ضيقة الكمين فضاحكة لأمور: الأولى أنه ﷺ كان في المدينة المنورة في ضيق من العيش وذلة من الأشياء في الملبس والطعم، فكان لذلك يلبس ما وجد.
الثانى: أنه ﷺ عُرف من خلقه الكريم وهديه الشريف أنه كان يقبل الهدية ويستعملها تطييبا لخاطر مهديها سواء كان حاضرا حتى يُسَّر برؤيتها عليه ﷺ أو بعيدًا حتى يصله خبر ذلك.
الثالث: أن لبس الجبة الضيقة الكمين كانت من لباس العرب لكثرة ترددهم في التجارة إلى بلاد الشام واحتياجهم إلى الملابس، فكانوا يلبسونها حتى