← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17529

معارف الإنعام وفضل الشهور والأيام

ابن المبرد

Полный текст (228 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مجموعة مؤلفات الإمام يوسف بن عبد الهادي الحنبلي ﵀[١] «معارف الإنعام وفضل الشهور والأيام» تأليف الإمام يوسف بن حسن بن عبد الهادي المقدسي الدمشقي الحنبلي المولود سنة ٨٤١ هـ - والمتوفى سنة ٩٠٩ هـ رحمه الله تعالى بعناية لجنة مختصة من المحققين بإشراف نور الدين طالب دار النوادر

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

«مَعَارِفُ الإنْعَامِ وفَضلُ الشُّهُورِ وَالأَيَّام»

стр. 4

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م ردمك: ٨ - ١٧ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ lSBN دَار النَّوَادِر سورية - لبنان - الكويت مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الُّلبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوادِرِ الكُوَيْتِيَةٍ ذ. م. م - الكُوَيْت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - الصالحية - برج السحاب - ص. ب: ٤٣١٦ حولي - الرمز البريدي: ٣٢٠٤٦ هاتف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥) www.daralnawader.com - info@daralnawader.com أسَّسَهَا سَنَة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م نُورُ الدِّيْن طَالِب المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفيذي

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه، ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنا، وسيئاتِ أعمالنا، مَنْ يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه. أمّا بعد: فقد روى ابنُ أبي الدُّنيا عن بكر بن عبد الله المُزني ﵀: أنه قال: ما مِنْ يومٍ أخرجه اللهُ إلى أهل الدُّنيا إلا يُنادي: ابنَ آدمَ! اغتنمني، لعلَّه لا يومَ لك بعدي، ولا ليلةٍ إلا تُنادي: ابنَ آدم! اغتنمني، لعلَّه لا ليلةَ لك بعدي. وروى عن الحسن: أنه كان يقول: يا بنَ آدمَ! اليومُ ضيفُك، والضيفُ مُرْتَحِلٌ، يَحْمَدُك أو يَذُمُّك، وكذلك الليل. ومن هنا حَرَصَ السَّلَفُ الصالح أشدَّ الحرصِ على الأوقات خصوصاً فيها الأعمال التي حَبَاها اللهُ تعالى بمزيد فضلٍ ونَوَالٍ على غيرها من القُربات؛ مِنْ صلاةٍ وصيام وذكرٍ وقيامٍ ونحوِها مِنَ المَبرَّات، وقد خصَّ اللهُ كلَّ وقت منها بوظيفة من الوظائف التي تُؤدَّى

стр. 6

في الشهور والأيام والسَّاعات، فالسعيدُ مَنِ اغتنمها، والشَّقيُّ مَنْ فَرَّط بها وحُرِمَها. وقد صنَّفَ الحافظُ الإمامُ ابنُ رجبٍ الحنبليُّ كتاباً بديعاً لا مثيلَ له في المحافظة على تلك الأوقات، واغتنام فعلِ الوظائف الموظَّفة لكلِّ واحدة منها، سماه: "لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف"، انتهج فيه نَهْجَ ابنِ القيم ﵀ في كثيرٍ من كلامه وجمله، وتأثَّر بوعظ الإمام ابن الجوزي ﵀. ثم جاء الإمامُ يُوسفُ بنُ عبد الهادي فَنَهلَ من مَعينِ هذه المدرسة العظيمة، واقتبس من جواهر كلامهم عُيوناً من الحِكَم والَآداب والمواعظ، وأودعه كتابَه الذي سمَّاه: "معارفَ الإنعامِ وفضل الشُّهور والأيام"؛ فجاءت جملُ كتابهِ رقيقةً عَذْبة، سَهْلة واضحة، مُوقِظة للمقصَّرين والغافلين، مَشْحَذَة للعابدين والصالحين، داعيةً إلى السِّباق واللَّحاق بِرَكْبِ الأنبياء والصِّدِّيقين، ولسانُ حالِ تلك العبارات قائل: مضى أمسُكَ الماضي شهيداً معدلاً ... وأعقبه يومٌ عليكَ جديدُ فيومُكَ إِنْ أغنيتَهُ عادَ نفعُهُ ... عليكَ وماضي الأمسِ ليسَ يعودُ فإن كنتَ بالأمسِ اقترفتَ إساءةً ... فَثَنِّ بإحسانٍ وأنتَ حَميدُ

стр. 7

فلا تُرْجِ فِعْلَ الخير يوماً إلى غَدٍ ... لعلَّ غداً يأتي وأنتَ فَقيدُ وللهِ درُّ القائلِ: قطعتَ شهورَ العامِ لَهْواً وغَفْلَةً ... ولم تحترِمْ فيما أتيتَ المُحرَّما فلا رَجَباً وافيتَ فيه بحقِّهِ ... ولا صُمْتَ شهرَ الصَّومٍ صَوماً متمَّما ولا في ليالي عشرِ ذي الحِجَّةِ الذي ... مَضَى كنتَ قوَّاماً ولا كنتَ مُحْرِمَا فهلْ لكَ أنْ تمحو الذنوبَ بعَبْرةٍ ... وتبكي عليها حَسْرَةً وتندُّما وتستقبلَ العامَ الجديدَ بتوبةٍ ... لعلَّكَ أنْ تمحوْ بها ما تَقَدَّما * * * هذا وقد تمَّ -بفضل الله تعالى- الوقوفُ على النسخة الخطيَّة الفريدة لهذا الكتاب، وهي النسخةُ المحفوظة بدار الكتب الظاهرية بدمشق، تحت رقم (١٤٦٣)، وتقع في (٧٥) لوحة. وهي بخطِّ المؤلف المعروف بغرابة الشَّكْل، وصعوبةِ القراءة،

стр. 8

وتُعَدُّ هذه النسخة مِنْ أصعبِ كتب الإمام ابن عبد الهادي التي كتبها بخطِّه؛ ذلك أنَّه ألَّفَ كتابَه هذا في مُقْتَبل عُمره -ولعلَّه من أوائل ما صنَّف-؛ إذ كان عُمره تسعةَ عشر عاماً تقريباً، إلى جانب رَداءة النسخة الخطيَّة وتعرُّضِها للرُّطوبة، وكثرة التصحيفات والتحريفات فيها. وقد حصل فيها خَرْمٌ قليل في أولها تضمَّن الكلامَ عن صدر الفصل الأول من الكتاب وهو شهر رمضان المبارك. وقد أُثبت في آخرها سماعاتُ الكتاب لعددٍ من أولاد المؤلف وتلامذته بخط يده. * * * * هذا وقد تمَّ تحقيقُ هذا الكتاب وفق الخطة الآتية: ١ - نسخُ الأصل المخطوط اعتماداً على النسخة الخطيَّة المُشَار إليها آنفاً، وذلك بحسب رسم وقواعد الإملاء الحديثة. ٢ - معارضةُ المنسوخِ بالمخطوط؛ للتأكُّد من صحة النصِّ وسلامته. ٣ - مقابلة المنسوخ بالمصادر المطبوعة التي نَقَل عنها المؤلف؛ وأكثرها من كتابي ابنِ الجوزي المسمَّى بـ: "التَّبصرة"، وابنِ رجب الحنبلي المسمَّى بـ: "لطائف المعارف"، وذلك للتأكد من سلامة النص ومعناه.

стр. 9

٤ - عزوُ الآيات القرآنية الكريمة في صُلْب النص، وإدراجها برسم المصحف الشريف. ٥ - تخريجُ الأحاديث النبوية الشريفة تخريجاً لائقاً بالنصِّ المحقق. ٦ - ضبطُ الأحاديثِ والأشعارِ والأقوال بالشكلِ المناسب. ٧ - كتابة مقدمةٍ للكتاب مشتملةٍ على ترجمة مختصرة للمؤلف، وتَقْدِمة موجزة للكتاب. هذا وصلى الله على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم. حَرَّرَهُ نُورُ الدِّيْن طَالِبْ ١٧ / صفر/ ١٤٣٢ هـ ٢٢/ ١ / ٢٠١١ مـ

стр. 10

ترجمة المؤلف (١) * هو الإمام يوسف بن حسن بن أحمد بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي المقدشي الأصل، الدمشقي المولد، الحنبلي المذهب، المعروف بـ: "ابن عبد الهادي"، والملقب بـ: "ابن المِبْرَد". *ولد سنة (٨٤١ هـ) في أول يوم منها، وقد نشأ في بيئة علمية معروفة، فتفقه على أبيه وجده، وسمع عليهما الحديث. وكان ملازماً للعلماء والصالحين؛ فحفظ "المقنع" لابن قدامة

стр. 11

على عدد من العلماء، وقرأ على مشايخ كثر "صحيح البخاري"، و"مسند الحميدي"، و"الدارمي"، وغيرها. * فمن مشايخه الذين قرأ وحفظ عليهم: الشيخ علاء الدين المرداوي صاحب "الإنصاف"، وتقي الدين ابن قندس صاحب الحاشية المشهورة على "الفروع"، وزين الدين أبو الفرج ابن الحبال، وغيرهم. * وقد تخرج على يديه جماعات من التلامذة؛ الذي صاروا فيما بعد أعلاماً كباراً؛ كـ: ابن طولون، وعبد القادر النعيمي، وغيرهما. * أثنى عليه جماعة من أهل العلم، ووصفوه بالإمامة والحفظ والإتقان: قال فيه تلميذه ابن طولون: "هو الشيخ الإمام، علم الأعلام، المحدث الرحالة، العلامة الفهامة، العالم العامل، المتقن الفاضل". وقال فيه ابن العماد: "كان إماماً علامة، يغلب عليه علم الحديث والفقه، ويشارك في النحو والتصريف والتفسير، وله مؤلفات كثيرة". وقال الشطي: "أجمعت الأمة على تقدمه وإمامته، وأطبقت الأئمة على فضله وجلالته". * ترك الإمام ابن عبد الهادي كتباً كثيرة بلغت أسماؤها مجلداً، كما قال ابن طولون، ومن أهم تلك الكتب: ١ - "جمع الجوامع في الفقه على مذهب الإمام أحمد" في ثلاثة وسبعين مجلداً، غالبه مفقود.

стр. 12

٢ - "الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي". ٣ - "مغني ذوي الأفهام" في الفقه. ٤ - "هداية الإنسان إلى الإستغناء بالقرآن". ٥ - "إرشاد السالك إلى مناقب مالك". ٦ - "الدر النفيس في أصحاب محمد بن إدريس". ٧ - "محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب". ٨ - "زبد العلوم وصاحب المنطوق والمفهوم". ٩ - "زينة العرائس من الطرف والنفائس". * توفي ﵀ بصالحية دمشق، سادس عشر المحرم، من سنة تسع وتسع مئة، وصلي عليه بجامع الحنابلة، ودفن بسفح جبل قاسيون ﵀، ورضي عنه.

стр. 13

صُوَر المَخْطُوْطَاتْ

стр. 14

صورة غلاف النسخة الخطية للمكتبة الظاهرية

стр. 15

صورة اللوحة الأولى من النسخة الخطية للمكتبة الظاهرية

стр. 16

صورة اللوحة قبل الأخيرة من النسخة الخطية للمكتبة الظاهرية

стр. 17

صورة اللوحة الأخيرة من النسخة الخطية للمكتبة الظاهرية ويظهر فيها سماعات الكتاب على المؤلف بخطه

стр. 18

«معارف الإنعام وفضل الشهور والأيام» تأليف الإمام يوسف بن حسن بن عبد الهادي المقدسي الدمشقي الحنبلي المولود سنة ٨٤١ هـ - والمتوفى سنة ٩٠٩ هـ رحمه الله تعالى بعناية لجنة مختصة من المحققين بإشراف نور الدين طالب

стр. 19

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رَبِّ يَسِّر يَا كَرِيم الحمدُ لله العليِّ الكريم، العفوِّ الرحيم، القديرِ العليم، ذي الفضلِ العميم، والجودِ القديم، والخيرِ الجسيم، الأولِ والآخرِ، والظاهرِ والعليمِ، والرؤوفِ الرحيمِ، والقاهرِ والحليمِ، الذي خلق الإنسانَ في أحسنِ تقويم. وأشهدُ أَنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، إلهاً واحداً قديماً، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه، المبعوثُ بالإرشادِ والتعليم، صلَّى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً. أمّا بعد: فهذه نبذة يسيرةٌ، ومنافعُها كثيرة، والله الموفق، ولنا ولجميع المسلمين من النار يُعتق، ورضيَ الله عن أبي بكرٍ صاحبِ الغار، وعمرَ صاحبِ الأنوار، وعلى عليٍّ الذي كان على الكفارِ كالنار، وعلى جميع

стр. 20

الصحابة الأطهار، وعلى جمع المهاجرين والأنصار، برحمتك يا كريم يا جبار، وارضَ عن الإمام أحمدَ وأصحابه، والشافعيِّ وأحبابه، وأبي حنيفة، ومالك، ونيابه، وحسبُنا الله ونِعْمَ الوكيل. وجعلتُ فيه أصلاً ثمانيةَ عشرَ فصلاً، وسميته: مَعَارِفُ الإنْعَامِ وفَضلُ الشُّهُورِ وَالأَيَّام الفصل الأول: فيما روي في رمضان، والجودِ فيه، وقراءة القرآن، وليلة القدر. الفصل الثاني: في شهر شوّال. الفصل الثالث: في ذكر الحجِّ وفضله. الفصل الرابع: في ذكر شهر ذي القعدة. الفصل الخامس: في ذكر ذي الحجة، وعشره المبارك. الفصل السادس: في ذكر عاشوراء وفضله. الفصل السابع: في قدوم الحاج. الفصل الثامن: في ذكر شهر صفر. الفصل التاسع: في ذكر شهر ربيع الأول. الفصل العاشر: في ذكر وفاة النبيِّ ﷺ (١).

стр. 21

[الفصل الحادي عشر: في ذكر شهر رجب. الفصل الثاني عشر: في ذكر شهر شعبان. الفصل الثالث عشر: فيما جاء في ليلة النصف من شعبان. الفصل الرابع عشر: في ذكر يوم الجمعة. الفصل الخامس عشر: في ذكر الخميس والإثنين. الفصل السادس عشر: في ذكر أيام البيض. الفصل السابع عشر: في ذكر المعراج. الفصل الثامن عشر: وفيه عشرون فصلاً]. • • •

стр. 22

الفصل الأوّل فيما روي في رمضان والجودِ فيه، وقراءة القرآن، وليلة القدر سَلامٌ مِنَ الرحمن كُلَّ أَوَانِ ... عَلَى خَيْرِ شَهْرٍ [قَد] مَضَى وَزَمَانِ سَلامٌ عَلَى شَهْرِ الصِّيَامِ فَإِنَّهُ ... أَمَانٌ مِنَ الرحمن أَيَّ أَمَانِ لَئِنْ فَنِيَتْ أَيَّامُه الغُرُّ بَغْتَةً ... فَما الحُزْنُ مِنْ قَلْبِي عَلَيْكَ بِفَانِ إخواني! شهرُ رمضان، أولُه رحمة، وأوسطُه مغفرة، وآخره عتقٌ من النار، كيف لا تجري للمؤمن على فراقه دموع، وهو لا يدري هل يبقى له من عمره رجوع؟! لقد ذهبت أيامُه وما أَطَعْتُم، وكُتبت عليكم آثامه وما أضعتم، فكأنكم بالمشمِّرين فيه قد وصلوا وانقطعتم، أترى ما هذا التوبيخ لكم لو سمعتم؟ إذا كانَ هذا جزعُ من يربح فيه، فكيف حالُ من خسرَ أيامه

стр. 23

ولياليه؟ ما ينفع المفرِّطَ فيه بكاؤه، وقد عظُمتْ فيه مصيبته، وجلَّ عزاؤه، كم نُصح المسكين فما قبل النصح! كم دُعي إِلَى المصالحة، فما أجاب إِلَى الصلح! كم شهدَ الواصلينَ فيه وهو متباعد! وكم مرت به زُمَرُ السائرين وهو قاعد! حَتَّى إذا ضاق به الوقت، وحاقَ به المقت، ندم على التفريط حين لا ينفعه الندم، وطلب الإستدراك في وقت العدم. أتَتْرُكُ مَنْ تُحِبُّ وَأَنْتَ جَارُ ... وَتَطْلُبُهُمْ إِذَا بَعُدَ المَزَارُ وَتَبْكِي بَعْدَ نَأْيهِمُ اشْتِياقاً ... وَتَسْأَلُ في المَنَازِلِ أَيْنَ سَارُوا تَرَكْتَ سُؤَالَهُمْ وَهُمُ حُضُورٌ ... وَتَرْجُو أَنْ تُخَبِّرَكَ الدِّيَارُ فَنَفْسَكَ لُمْ وَلا تَلُمِ المَطَايَا ... وَمُتْ كَمَداً فَلَيْسَ لَكَ اعْتِذَارُ إخواني! ليلةُ القدر ليلةٌ يُفتح فيها الباب، وتقرب فيها الأحباب، ويسمع الخاطب، ويرد الجواب، ويسني العاملين عظمُ الأجر ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]. يَسْعَدُ بها المواصل، ويتقي فيها الجاهل، ويقبل فيها ربح العامل في التجر ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]. ليلة تتلقى فيها الوفود، ويحصل على المقصود، والقبول وافى

стр. 24

السعود، أترى عائد فيها المطرود هذا الهجر ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]. هذه أوقاتٌ يربح فيها من فهمَ ودرى، ويصل إِلَى مراده مَنْ جَدَّ وسرى، ويُفك فيها العاني، وتُطلق الأُسَرا، تقدّمَ القومُ وأنتَ راجعٌ إِلَى ورا، أليس هذا كلُّه قد جرى؟!، وكأنه لم يجر ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]. * * * فصل صومُ رمضان واجبٌ؛ بالكتاب والسنة والإجماع: القرآن: في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]. والسنة: قوله ﷺ : "بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ ... "، فذكر فيها: "الصَّوْم" (١). • • •

стр. 25

الفصل الثّاني في فضل شوّال خَرَّجَ مسلمٌ من حديثِ أبي أيوبَ الأنصاريِّ، عن النبي ﷺ ، قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ" (١). وقد روي من حديث أبي هريرةَ، مرفوعاً: "مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الفِطْرِ مُتَتَابِعَة، كَأَنَّما صَامَ السَّنَةَ" (٢)، وطريقه ضعيف. وعن الشعبيِّ، قَالَ: لأَنْ أصومَ يوماً بعدَ رمضانَ، أحبُّ إليَّ من أن أصوم الدهرَ كلَّه. وأما صيامُ شوال، ففي حديثِ رجلٍ من قريش، سمعَ النبيَّ ﷺ يقول: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَشَوَّالاً، وَالأَرْبِعَاءَ وَالخَمِيسَ، دَخَل الجَنَّة" خرجه الإمامُ أحمدُ، والنَّسائيُّ (٣).

стр. 26

يا طَالِبَ الدُّنْيا إِلَى كَمْ خَلْفَهَا تَجْرِي، أَما سَمِعْتَ واعِظَ زجري، أتعلمُ أنك تعيشُ إِلَى الفَجْرِ، فكم مِنْ متلذِّذِ عيشٍ طيِّب غدا منه إلى القبرِ، [.....] ولكن لا يدري متى يَسْري. إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ الله نِعْمَةً ... عَلَيَّ لَهُ فى مِثْلِها يَجِبُ الشُّكْرُ فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلا بِفَضْلِهِ ... وَإِنْ طَالَتِ الأَيَّامُ وَاتَّصَلَ العُمْرُ عن ثوبانَ: أن رسولَ الله ﷺ قَالَ: "صِيَامُ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَاُم سِتَّةِ أَيَّامٍ بِشَهْرَيْنِ" (١). يا هذا! مَنْ للقبر وأنت واني، إِلَى متى هذا التواني؟ أَتَحْسَبُ أَنَّكَ لَسْتَ بِفانٍ، وَها أَنْتَ إِلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ دَاني، أتدْرِي إِلَى النَّارِ تَسْكُنُ أَمْ إِلَى الجِنَانِ؟ عِيدِي مُقِيمٌ وَعِيدُ الناسِ مُنْصَرِفُ ... وَالقَلْبُ مِنِّى عَنِ اللَّذَّاتِ مُنْحَرِفُ وَلِي قَرِينَانِ مالِي مِنْهُما خَلَفٌ ... طُولُ الحَنِينِ وَعَيْنٌ دَمْعُهَا يَكِفُ يا مَنْ يفرح في العيد بتزيين لباسِه، ويوقن بالموتِ وما استعدَّ لِبَاسِه، ويعتبر بإخوانه وأقرانه وجُلاَّسه، وكأنه قد أمنَ سرعةَ اختلاسِه، كيف تقرّ بالعيد عينُ مطرودٍ عن الصلاح؟! كيف تضحك سِنُّ مردودٍ عن

стр. 27

الفلاح؟! كيف يُسَرُّ من يُصِرُّ على الفِعَال القِباح؟! كيف لا يبكي من فاته جزيلُ الأرباح؟ فَاكْدَحْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ المَوْتِ في غَفَلٍ ... وَلا تَكُنْ جَاهِلاً بِالحَقِّ مُرْتَابا إِنَّ المَنِيَّةَ مَوْرُودٌ (١) مَنَاهِلُهَا ... لا بُدَّ مِنْهَا وَلَوْ عُمِّرْتَ أَحْقَابا يا مَنْ وفا رمضان على أحسنِ حال! لا تغيرن بعدَه في شوال، يا مَنْ رأى العيد وصل إليه! متى تشكر المنعمَ وتُثني عليه؟ تصدَّر أقوامٌ لمحوِ العواقب، ففعلوا عمل مراقب، وجاوزوا الفرائض إِلَى طلب المناقب. * * * فصلٌ صيامُ ستةِ أيامٍ من شهرِ شوالٍ مستحبةٌ جاء في الحديث: "صِيَامُهَا يَعْدِلُ صِيَامَ الدَّهْرِ" (٢)؛ ولو أنها متفرقة في الشهر كلِّه، فليجتهدِ المسكينُ المذنبُ في تحصيلها، ولو في الشهر كلِّه.

стр. 28

يا مَنْ سبقك القومُ وتخلَّفْتَ، ومضى أكثرُ العمر وسوَّفْت، ثم تعصي المنعمَ بالنعمِ فما أنصفتَ، وتؤثر الضلالَ على الهدى وقد عرفت. تخاف أن تقولَ إذا حضرتَ ووقفت: ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١٢]. يا مَنْ بين يديه الحسابُ والصراط، وهو عظيمُ الجرمِ كثيرُ الانبساط، متكاسلٌ في الطاعة، وفي المعاصي ذو نشاط، يُدعى إِلَى العلو ويأبى إلا الانهباط، مؤمنة هذه (١) النفسُ بالوعيد أم كافرة؟! ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١٢]. • • •

стр. 29

الفصل الثّالث في ذكر الحجِّ وفضله في "الصحيحين" عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: "أَفْضَلُ الأَعْمَالِ [إِيمَانٌ] بِالله وَرَسُولِهِ، ثُمَّ الجِهَادُ في سَبِيلِ الله، ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ" (١). وقد روي عن النبي ﷺ : أن "مَنْ قَدَرَ عَلَى الحَجِّ، وَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيّاً، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيّاً" (٢). وعن ابن عباس ﵁، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "إِنَّ للهِ- في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِشْرِيَن وَمِئَةَ رَحْمَةٍ تنزِلُ عَلَى هذا البَيْتِ؛ فَستُّونَ لِلطَّائِفِينَ، وَأَرْبَعُونَ لِلمُصَلِّينَ، وَعِشْرُونَ لِلنَّاظِرِينَ" (٣).

стр. 30

وعن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ : أنه قَالَ: "مَنْ طَافَ خَمْسِينَ مَرَّةً، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" (١). وعن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ المَلائِكَةَ تُصَافِحُ رُكْبَانَ الحَاجِّ، وَتُعَانِقُ مُشَاتَهُمْ" (٢). وعن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: "الحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ [جَزَاءٌ] إِلا الجَنَّةَ" (٣). يا مَنْ صَارُوا إِلَى الحبيبِ حمول، وكأنك بهم وهُمْ عند الحبيبِ نُزول، إنْ وافيتمُ إِلَى الحبيبِ فقولـ[ـوا]: ذاك الغريب ليس له إليكَ وصول، بالله إن وافيتُمْ إِلَى الحبيب، فاطلبوا لنا منه نصيبْ، وقولوا له: ذاكَ الغريبْ، ليس له إليكَ وصولْ. وَما رُمْتُ مِنْ بَعْدِ الأَحِبَّةِ سَلْوَةً ... وَلكنَّني (٤) للنَّائباتِ حمولُ وَما شَرَقِي بِالمَاءِ إِلا تَذَكُّراً ... لمَاءٍ بِهِ أَهْلُ الحَبِيبِ نُزُولُ فسبحانَ من قسّم الأقسام، فلقومٍ يقظة، ولقومٍ منام.

стр. 31

وذكروا: أن رجلاً شَرَطَ على أصحابه أن يخدمهم في سفر الجهاد، فكلما أراد أحدهم أن يغسل جبته، أو رأسه، فيقول: هذا شَرْطي، فيغسلُها له، فلما مات، إذا في كفِّه مكتوبٌ بين الجلدِ واللحم: من أهل الجنة. إخواني! رحلَ من أصفُه، وبقي من لا نعرفه. في "صحيح البخاري" عن عائشة: قلت: يا رسول الله! نرى الجهادَ أفضلَ الأعمال، أفلا نجاهد؟ قَالَ: "لكن أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ" (١). وعن أُمِّ سلمة، عن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: "الحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ" (٢). وفي " المسند ": عن جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: "الحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الجَنَّة"، قَالَوا: وما بِرُّ الحجِّ يا رسول الله؟ قَالَ: "إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفشاءُ السَّلامِ" (٣). وفي حديثٍ آخرَ: "وَطِيبُ الكَلامِ" (٤).

стр. 32

ومن أعظمِ أنواعِ الحجِّ المبرور: كثرةُ ذكر الله تعالَى. وروي: أن رسولَ الله ﷺ سئل: أيُّ الحج أفضل؟ قَالَ "أَكْثَرُهُمْ للهِ ذِكْراً" أخرجه الإمام أحمد (١). وفي "الترمذي": عن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: "أَفْضَلُ الحَجِّ: العَجُّ، وَالثَّجُّ" (٢). وفي حديث: "عجُّوا التَّكْبِيرَ عَجّاً، وَثجُّوا الإِبِلَ ثَجّاً" (٣). فالعَجُّ: رفعُ الصوتِ بالتكبيرِ والتلبيةِ، والثجُّ: إراقةُ دمِ الهَدْيِ والنُّسُكِ. والهَدْيِ أفضل الأعمال. يا هذا! إن الله قد أعطاك، ونَوَّلَك مُناك، وأنت بالله لا تنسانا من دُعاك. ياليتني معكم هناك، ولكنني مذنبٌ أرجو رضاك. وقد علمتُ أنك لستَ تُخَيِّبُ مَنْ دعاك. والمرء تقوى الله أفضلُ ما استفاد. يُرِيدُ المَرْءُ أَنْ يُؤْتَى مُنَاهُ ... وَيَأْبَى الله إِلا ما أَرَادَا

стр. 33

يَقُولُ المَرْءُ فَائِدَتي وَمَالِي ... وَتَقْوَى اللهِ أَفْضَلُ ما اسْتَفَادَا من أعظم ما يجب على الحاج: اتقاؤه من الحرام؛ أن يطيب نفقته في الحج، ولا يجعلها من كسبٍ حرام. مات رجلٌ في طريق مكة، فحفروا له، فدفنوه، ونَسُوا الفأسَ في لَحْده، فكشفوا عنه الترابَ ليأخذوا الفأسَ، فإذا رأسُه وعنقُه قد جُمعا في حَلْقة الفأس، فردُّوا عليه الترابَ، ورجعوا إِلَى أهله، فسألوهم عنه، فقَالَوا: صاحبَ رجلاً، فأخذ مالَهُ، فكان يحج عنه ويغزو. كما قيل: تَطَهَّرْ مِنَ الذُّنُوبِ يا مُذْنِبْ ... إِذَا شِئْتَ مِنْ بَابِهِ تَقْرُبْ كان عمرُ بن عبد العزيزِ إذا رأى من يسافر إِلَى المدينة النبوية يقول: أقرئ رسولَ الله منَّي السلام. هاهنا الخَيْفُ وَهَاتِيكَ مِنَى ... فَتَرَفَّقَ أَيُّهَا الحَادِي بِنَا وَاحْبِسنَّ الرَّكْبَ عَنَّا سَاعَةً ... نَنْدُبُ الرَّبْعَ وَنَبْكِي الدِّمَنا أَتُرَاكُمْ في النَّقَا والمُنْحَنَى ... أَهْلَ سَلْعٍ تَذْكُرُونَا ذِكْرَنَا

стр. 34

انْقَطَعْنَا وَوَصَلْتُمْ فَاعْلَمُوا ... واشْكُرُوا (١) المُنْعِمَ يا أَهْلَ مِنَى قَدْ خَسِرْنَا وَرَبِحْتُمْ فَصِلُوا ... بِفُضُولِ الرِّبْحِ مَنْ قَدْ غُبِنَا سَارَ قَلْبِي خَلْفَ أَحْمَالِكُمُ ... غَيْرَ أَنَّ العُذْرَ عَاقَ البَدَنَا زَمَناً كَانَ وَكُنَّا جِيرَةً ... فَأَعَادَ اللهُ ذَاكَ الزَّمَنَا من شاهدَ تلكَ الديار، وعاينَ تلكَ الآثار، ثم انقطعَ عنها، لم يمتْ إلا بالأسفِ عليها، والحنينِ إليها. قَالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ حَجَّ، فَزَارَ قَبْرِي، فَكَأَنَّما زَارَنِي في حَيَاتي" (٢). يا هذا! تهيَّأ للممات، وَعُدَّ نفسَك لمصرعٍ سوف يأتي، وابْكِ على العبرات. أين الذين في الليل يتلو [نَ] القرآنْ، أولئك في الجِنان من أولياءِ الرحمن، ولَكَم قاموا وأَبلُّوا الأجفان، أولئك لهم الجنان. * * *

стр. 35

فصل الحجُّ واجبٌ بالكتاب، والسنة، والإجماع الكتاب: قوله: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ آالْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. والسنة: قولُه ﷺ : "بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ" (١). وذلك يجب بشروط: الإسلام، والحرية، والعقل، والبلوغ، والإستطاعة. • • •

стр. 36

الفصل الرّابع في ذكر شهر ذي القعدة خَرَّجَ الترمذيُّ، والنسائيُّ عن أبي ذَرٍّ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ صَامَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، كَانَ كَمَنْ صَامَ الدَّهْرَ" (١). فأنزل الله مصدّقه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وفي "الصحيحين": عن عبد الله بن عمرٍو، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذلك مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ" (٢). وفي "المسند": أن النبي ﷺ قَالَ: "صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، هُوَ صَوْمٌ حَسَنٌ" (٣). وذو القعدة من الأشهر الحُرُم بلا خلاف، ومن خصائص ذي

стр. 37

القعدة: أن عُمَرَ النبيِّ ﷺ كانت كلُّها في ذي القعدة. ولذي القعدة فضيلةٌ أخرى؛ وهي: أنه قد قيل: إنه الثلاثون يوماً (١) التي وعد الله فيها موسى ﵇. يا مَنْ لا يُقلِعُ عن ارتكابِ الحرامْ، لا في شهرٍ حلالٍ، ولا في شهرٍ حرامْ. يا مَنْ هو في الطاعاتِ إِلَى وراء، وفي المعاصي إِلَى قُدَّامْ. يا مَنْ هو في كلِّ يومٍ من عمره، شراً ما كان في قبله من الآثامْ. متى تستفيقُ من هذا المنام؟ متى تتوبُ من هذا الحرام؟ يا من أنذرَهُ الشيبُ بالموت! وهو مقيمٌ على الآثامْ. أما كفاكَ واعظُ الشيبِ، معَ واعظِ القرآنِ والإسلامْ؟ والموتُ خيرٌ لك من الحياة على هذا الحال والسلام. يا غَادِياً في غَفْلَةٍ وَرَائِحَا ... إِلَى مَتَى تَسْتَحْسِنُ القَبَائِحَا وَكَمْ إِلَى كَمْ لا تَخَافُ مَوْقِفَاً ... يَسْتنطِقُ الله بِهِ الجَوارِحَا يا عَجَباً مِنْكَ وَأَنْتَ مُبْصِرٌ ... كَيْفَ تَجَنَّبْتَ الطَّرِيقَ الوَاضِحَا وَكَيْفَ تَرْضَى أَنْ يَكُونَ خَاسِراً ... يَوْمَ يَفُوزُ مَنْ يَكُونُ رَابِحَا • • •

стр. 38

الفصل الخامس في ذكر شهر ذي الحجة وفيه خمسةُ فصول: الفصل الأول: في ذكر العشر، وفضلِه. الفصل الثاني: في ذكر يوم عرفة، وفضلِه. الفصل الثالث: في ذكر يوم النحر، وفضلِه. الفصل الرابع: في ذكرِ أيام التشريق. الفصل الخامس: في حكم شهر ذي الحجة، وعشرِه، ويومِ عرفةَ، ويومِ النحر، وأيامِ التشريق.

стр. 39

الفصل الأوّل في ذكر العشر عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ : "ما مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى الله مِنْ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْم بِسَنَةٍ، وَكُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ القَدْرِ" (١). وروى بعضُ أزواجِ النبيِّ ﷺ : أن النبي ﷺ كان لا يدعُ صيامَ تسعِ ذي الحجة (٢). وفي "ابن حبان" عن جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: "ما مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ الله مِنْ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ" (٣). وخَرَّجَ البزارُ، وغيرُه من حديث جابر، عن النبي ﷺ ، قَالَ: "أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ العَشْرِ"، قَالَوا: يا رسول الله! ولا مثلُهن في سبيل الله؟! قَالَ: "وَلا لِمِثْلِهِنَّ في سَبِيلِ الله إِلا مَنْ عُفِّرَ وَجْهُهُ في التُّرَابِ" (٤).

стр. 40

وهذا كلُّه يدلُّ على أن شهر ذي الحجة أفضلُ الأشهر الحرام. العَشْرُ أَوْقَاتُ الإِجَابَهْ ... فَبَادِرُوا رَغْبَةً تَلْحَقُوا ثَوَابَه أَوْقَاتُ العَشْرِ حَقّاً فَشَمِّر ... وَاطْلُبَنْ فِيهَا الإِنَابَهْ إخواني! احذروا المعاصي؛ فإنها تحرِمُ المغفرةَ في مواسم الرحمة، إخوانُكم في هذه الأيام قد عقدوا (١) الإحرام، وقصدوا البيتَ الحرام، وملؤوا الفضاء بالتلبية والتكبير والتهليل والتحميد والإعظام، لقد ساروا وقعدنا، وقربوا وبعدنا، فإن كان لنا معهم نصيبٌ سعدنا. يا سَائِرِينَ إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ لَقَدْ ... سِرْتُمْ جُسُوماً وَسِرْنَا نَحْنُ أَرْوَاحَا إِنَّا أَقَمْنَا عَلَى عُذْرٍ وَقَدْ رَحَلُوا ... وَمَنْ أَقَامَ عَلَى عُذْرٍ كَمَنْ رَاحَا الغنيمة بانتهاز الفرصة في هذه الأيام العظيمة، فما منها عوض، إلا ولها قيمة، والمبادرة بالعمل. عن ابن عباسٍ، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "ما مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ أَحَبُّ فِيهَا إِلَى الله مِنْ هذهِ الأَيَّامِ" -يعني: أيام العشر-، قَالَوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟!
следующие страницы →