الفصل الرّابع
في ذكر شهر ذي القعدة
خَرَّجَ الترمذيُّ، والنسائيُّ عن أبي ذَرٍّ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ صَامَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، كَانَ كَمَنْ صَامَ الدَّهْرَ" (١).
فأنزل الله مصدّقه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وفي "الصحيحين": عن عبد الله بن عمرٍو، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذلك مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ" (٢).
وفي "المسند": أن النبي ﷺ قَالَ: "صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، هُوَ صَوْمٌ حَسَنٌ" (٣).
وذو القعدة من الأشهر الحُرُم بلا خلاف، ومن خصائص ذي
стр. 37
القعدة: أن عُمَرَ النبيِّ ﷺ كانت كلُّها في ذي القعدة.
ولذي القعدة فضيلةٌ أخرى؛ وهي: أنه قد قيل: إنه الثلاثون يوماً (١) التي وعد الله فيها موسى ﵇.
يا مَنْ لا يُقلِعُ عن ارتكابِ الحرامْ، لا في شهرٍ حلالٍ، ولا في شهرٍ حرامْ. يا مَنْ هو في الطاعاتِ إِلَى وراء، وفي المعاصي إِلَى قُدَّامْ. يا مَنْ هو في كلِّ يومٍ من عمره، شراً ما كان في قبله من الآثامْ. متى تستفيقُ من هذا المنام؟ متى تتوبُ من هذا الحرام؟ يا من أنذرَهُ الشيبُ بالموت! وهو مقيمٌ على الآثامْ. أما كفاكَ واعظُ الشيبِ، معَ واعظِ القرآنِ والإسلامْ؟ والموتُ خيرٌ لك من الحياة على هذا الحال والسلام.
يا غَادِياً في غَفْلَةٍ وَرَائِحَا ... إِلَى مَتَى تَسْتَحْسِنُ القَبَائِحَا
وَكَمْ إِلَى كَمْ لا تَخَافُ مَوْقِفَاً ... يَسْتنطِقُ الله بِهِ الجَوارِحَا
يا عَجَباً مِنْكَ وَأَنْتَ مُبْصِرٌ ... كَيْفَ تَجَنَّبْتَ الطَّرِيقَ الوَاضِحَا
وَكَيْفَ تَرْضَى أَنْ يَكُونَ خَاسِراً ... يَوْمَ يَفُوزُ مَنْ يَكُونُ رَابِحَا
• • •
стр. 38
الفصل الخامس
في ذكر شهر ذي الحجة
وفيه خمسةُ فصول:
الفصل الأول: في ذكر العشر، وفضلِه.
الفصل الثاني: في ذكر يوم عرفة، وفضلِه.
الفصل الثالث: في ذكر يوم النحر، وفضلِه.
الفصل الرابع: في ذكرِ أيام التشريق.
الفصل الخامس: في حكم شهر ذي الحجة، وعشرِه، ويومِ عرفةَ، ويومِ النحر، وأيامِ التشريق.
стр. 39
الفصل الأوّل
في ذكر العشر
عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ : "ما مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى الله مِنْ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْم بِسَنَةٍ، وَكُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ القَدْرِ" (١).
وروى بعضُ أزواجِ النبيِّ ﷺ : أن النبي ﷺ كان لا يدعُ صيامَ تسعِ ذي الحجة (٢).
وفي "ابن حبان" عن جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: "ما مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ الله مِنْ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ" (٣).
وخَرَّجَ البزارُ، وغيرُه من حديث جابر، عن النبي ﷺ ، قَالَ: "أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ العَشْرِ"، قَالَوا: يا رسول الله! ولا مثلُهن في سبيل الله؟! قَالَ: "وَلا لِمِثْلِهِنَّ في سَبِيلِ الله إِلا مَنْ عُفِّرَ وَجْهُهُ في التُّرَابِ" (٤).
стр. 40
وهذا كلُّه يدلُّ على أن شهر ذي الحجة أفضلُ الأشهر الحرام.
العَشْرُ أَوْقَاتُ الإِجَابَهْ ... فَبَادِرُوا رَغْبَةً تَلْحَقُوا ثَوَابَه
أَوْقَاتُ العَشْرِ حَقّاً فَشَمِّر ... وَاطْلُبَنْ فِيهَا الإِنَابَهْ
إخواني! احذروا المعاصي؛ فإنها تحرِمُ المغفرةَ في مواسم الرحمة، إخوانُكم في هذه الأيام قد عقدوا (١) الإحرام، وقصدوا البيتَ الحرام، وملؤوا الفضاء بالتلبية والتكبير والتهليل والتحميد والإعظام، لقد ساروا وقعدنا، وقربوا وبعدنا، فإن كان لنا معهم نصيبٌ سعدنا.
يا سَائِرِينَ إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ لَقَدْ ... سِرْتُمْ جُسُوماً وَسِرْنَا نَحْنُ أَرْوَاحَا
إِنَّا أَقَمْنَا عَلَى عُذْرٍ وَقَدْ رَحَلُوا ... وَمَنْ أَقَامَ عَلَى عُذْرٍ كَمَنْ رَاحَا
الغنيمة بانتهاز الفرصة في هذه الأيام العظيمة، فما منها عوض، إلا ولها قيمة، والمبادرة بالعمل.
عن ابن عباسٍ، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "ما مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ أَحَبُّ فِيهَا إِلَى الله مِنْ هذهِ الأَيَّامِ" -يعني: أيام العشر-، قَالَوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟!
стр. 41
قَالَ: "وَلا الجِهَادُ في سَبِيلِ الله، إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِمَالِهِ، وَنَفْسِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذلك بِشَيْءٍ" انفرد بإخراجه البخاري (١).
يا من قد سارت (٢) بالمعاصي أخبارُه! يا من قد قبح إعلانُه وإسرارُه! يا فقيراً من الهدى أهلكه إعسارُه! أتؤثر الخسرانَ، قلْ لي وتختارُه؟ يا كثيرَ الذنوبِ وقد دنا إحضارُه! يا أسيراً (٣) في حبس الزلل لا ينفعه إحضارُه! كم رد على مثلك درهمه وديناره! يا محترقاً (٤) بنار الهوى متى تخبو ناره؟
أَيَّتُهَا النَّفْسُ اسْمَعِي لِقِيلِي ... أَنْتِ مِنَ الحَيَاةِ في أَصِيلِ
وَفي غُرُورِ أَمَلٍ طَوِيلِ ... فَلا يَغُرَّنْكِ ضُحَى التَّأْمِيلِ
فَقَدْ دَنَتْ شَمْسُكِ (٥) لِلأُفُولِ
عبادَ الله! هذه الأيام مطايا، فأين العدَّةُ قبل المنايا؟ أين الأَنَفَة من دار الأذايا؟ أين العزائم؟ أرضيتُم بالدنايا؟ إن بلية الهوى لا تشبه البلايا، وإن خطيئة الإصرار لا كالخطايا، يا مستورين! ستظهر الخبايا، سريَّةُ الموت لا تشبه السرايا، قضيةُ الزمان ليست كالقضايا،
стр. 42
راعي السلامة يقتل الرعايا، رامي المنون يُصْمِي الرمايا، مَلَكُ الموت لا يقبل الهدايا، وكأني به قد أخذكم جيلاً جيلاً، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.
أيها الشاب! ستُسأل عن شبابك، أيها الكهل! تأهب لعتابك، أيها الشيخ! تدبر أمرك قبل استداد بابك، [لا تُقبلن] إليَّ وعملك قليلاً، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧].
كنت في بداية الشباب أصلح، فيا عجباً كيف أفسدَ مَنْ أصلح؟!
يا مريضَ القلبِ قفْ ببابِ الطبيب، يا منحوسَ الحظ! اشكُ فواتَ النصيب، فأنت بالتوبة مطيلا، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧].
لُذ بالجناب ذليلاً، وقفْ على الباب طويلاً، واتخذ في هذا العشر سبيلاً، واجعل جَناب التوبة مَقيلاً، واجتهد في الخير، تجد ثواباً جزيلاً، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧].
قل لي في الأسحار: أنا تائب، نادِ في الدجا: قد قدم الغائب.
أَنَا المُسِيءُ المُذْنِبُ الخَاطِي ... المُفْرِطُ البَيِّنُ إفراطِي
فَإِنْ تُعَاقِبْني (١) فَأَهْلٌ لَهُ ... وَأَنْتَ أَهْلُ العَفْوِ عَنْ خَاطِي
• • •
стр. 43
الفصل الثّاني
في يوم عرفة وفضله
عباد الله! إن يومكم هذا قد عظَّم الله أمرَه، ورفع على الأيام قَدْرَه.
ومن فضله: أن الله نزَّل فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] نزلت على رسول الله ﷺ عشية عرفة، يوم الجمعة.
ومن فضله: أن الله يباهي بالحاج ملائكته، ويمنِّي بالغفران.
قَالَ رسول الله ﷺ : "لَيْلَةَ عَرَفَةَ [يَـ]ـنْزِلُ الله إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ لِلمَلائِكَةِ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي هؤلاءِ شُعْثاً غُبْراَّ، جَاؤُوني مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقِ، ضَاجينَ يَسْألُونَ رَحْمَتِي ولَمْ يَرَوْني، وَيَتَعَوَّذُونَ بي مِنْ عَذَابي، وَلَمْ يَرَوْني، فَلَمْ يُرَ يَوْمٌ أَكْثَرُ عَتِيقاً وَلا عَتِيَقةً مِنْهُ" (١).
عن ابن عمرَ، قَالَ: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يَبْقَى أَحَدٌ
стр. 44
يَوْمَ عَرَفَةَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلا غُفِرَ لَهُ" (١).
عن أبي قَتادةَ: أن رجلاً قَالَ: يا رسول الله! أرأيت صيامَ يومِ عرفةَ؟ قَالَ: "أَحْتَسِبُ عَلَى الله أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ البَاقِيَةَ، وَالمَاِضَيَة"، انفرد بإخراجه مسلم (٢).
يَوْمُ عَرَفَاتٍ نَرْجُو ثَوَابَهْ ... فَكَمْ مُضْطَرٍّ فِيهِ قَدْ أَجَابَهْ (٣)
• • •
стр. 45
الفصل الثّالث
في يوم النحر
اعلموا أن يومَ النحرِ يوم عظيمٌ، قَالَ رسول الله ﷺ : "أَفْضَلُ الأَيَّامِ يَوْمُ النَّحْرِ" (١).
وروي عنه ﷺ في الأضحية: أنه قَالَ: "بِكُلِّ شَعْرَةٍ
حَسَنَةٌ" (٢).
للهِ درُّ أقوامٍ أعيادُهم قبولُ الأعمال، ومرادُهم [أ] شرفُ الأعمال، وأحوالُهم تجري على كمال، وجَمالهم التقى، ويا لَه من جمال!
يا من كلما جُذِبَ عن لهوه رَسَب، هذا بريدُ الموتِ لك في الطلب، بادرْ قبلَ الفوات، فالزمانُ يُـ[نْتَـ]ـهَب.
أين مخاصمُ الأقدار؟ قل لي: من غلب؟!، أتاه الفاجعُ فاقترب وما ارتقب، وأبرزه عن قصره ويا طالما احتجب.
يا معرضاً عنا! عناك التعب، يا هاجراً لنا! إِلَى كم هذا
стр. 46
الغضب؟! يامضغةً، يا علقةً! خدمتنا نَسب، يا مؤثِراً غيرَنا! بعتَ الدُّرَّ بالخشب.
أما يشوقك إِلَى الخير ما يشوق؟! أما يعوقك عن الضير ما يعوق، متى ترجع حُرّاً يا مرقوق؟! متى تصير سابقاً يا مسبوق؟! إياكَ والهوى، فكم قتل عاشقاً معشوق، أولُ الهوى سهلٌ، ثم تتخرق الخروق، كلما حصد نباته بمنجل الصبر، أخرجت العروق، إن لذّ شربُه في الفم، فشربه شَجًا في الحلوق، وإنما لَذَّةُ الدنيا مثلُ خطفِ البروق، خلِّ، خلِّ التواني إن شئت تفوق، تالله! ما نصحك إلا محبٌّ أو صدوق.
ستعلم -أيها العاصي- ما أتيت، وستدري يومَ الحساب من عصيت، وستبكي دماً لقبيح ما جنيت، كأنك بالموت قد جاء فانتبهت وارعويت، وذكرتَ تلك الخطايا فتعست وبكيت، وأُخلي منك البيت، شئتَ أو أبيت، وصِحْت بلسان الأسف: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] وليت، انهض يا حياً قادراً قبل أن تسمى باسم مَيْت، ويحك! تأمَّلْ أمرَك، وافتح عينك، ويحك! كم تعبي من الذنوب عليك، إن سهام الموت قد فُوِّقَت إليك، اقبلْ نصحي، وقمْ نادماً على قدميك، واحسبها أرضَ عرفةَ، وقل: لبيك لبيك.
قَالَ بعض العارفين: ما فرح أحدٌ بغير الله إلا بغفلته عن الله، فالغافلُ يفرح بلهوه وهواه، والعاقل يفرح بمولاه.
وأنشد سمنون في هذا المعنى:
الفصل الرّابع
في ذكر أيام التشريق
لما كان يوم النحر فضيلاً، كان لهم عيدٌ قبله وبعدَه، فقبله يومُ عرفة، وبعده أيامُ التشريق، وكل هذه الأيام أعيادٌ، كما في حديث عقبةَ بن عامرٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: "يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَعْيَادٌ لِأَهْلِ الإِسْلامِ، وَأَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ" خرجه أهل السنن، وصححه الترمذي (١).
• • •
стр. 49
الفصل الخامس
في حكم شهرِ ذي الحجة، وعشره ويومِ عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق
قوله تعالَى: ﴿رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧]؛ أي: مُشاةً، وقد حجَّ إبراهيم، وإسماعيل ماشيين، وحج الحسن بن عليٍّ خمساً وعشرين حجة ماشياً، وحجَّ أحمدُ بن حنبل مرتين.
أمر ألله نبيَّه الخليلَ بعدَ بناء بيته الجليل، أن ينادي [عبيده] إِلَى الفضل الجزيل؛ ليحط عنهم مولاهم كلَّ وِزر ثقيل، فقَالَ : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧].
يا إبراهيم! لله درُّ أقوام فارقوا ديارَهم، وعانقوا افتقارَهم، وآثرُوا غبارَهم، وطهروا أسرارَهم، يدعون عند البيت قريباً سميعاً، ويقفون بين يديه بالذلِّ جميعاً، ويسعَوْن في رضائه سعياً سريعاً، وقد وَدَّعوا مطلوب شهواتهم توديعاً، هجروها لِكُدورها وهاجروا إِلَى الصفا، وقصدوا المروة بعد أن أتمُّوا الصفا، وحَذِروا الردَّ، وخافوا الجفا، وتعلقت آمالهم (١) بمن هو حسبهم وكفى.
стр. 50
نادِ زُوَّاري أَنا أَدْعُوهُمُ ... نَحْوَ بَيتْي لينالُوا شَرَفَا
فَهْمُو وَفْدٌ (١) إِذَا ما نَزَلُوا ... بِحَرِيمِي أَوْ دَنَوْا مُزْدَلِفَا (٢)
وَلَهُمْ عِنْدِ [ي] مَزِيدٌ لَهُمُ ... مِنْ نَوَالِي ما أَحَبُّوا طُرَفَا
فَارَقُوا أَوْطَانَهُمْ إِذْ قَصَدُوا ... نَحْوَ بَابي يَطْلُبُونَ الزُّلَفَى
فَلَهُمْ مِنِّيَ مَهْما أَمَّلُوا ... سَلَفاً يَنْمِي وَيُنْشِي خَلَفَا
قد أحرمَ القومُ عن الحلال، فأحْرِموا أنتم عن الحرام، منعوا أنفسهم من الطِّيب، فاحذروا أنتم جيفةَ (٣) الهوى، يا حسنَهم، وقد نزعوا المَخيط، ونزعوا عن التضييع والتفريط، وملؤوا بالتضرع البسيط، فارقوا لأجلِ مولاهم أولادَهم، وعَرَّوْا عن رقيق (٤) الثياب أجسادَهم، وتركوا في مرضاة محبوبهم مرادَهم، فأصبحوا قد أعطاهم مولاهم، وأمسَوا قد إفادهم (٥).
همُ المُخْبِتُونَ بِنيَّاتِهِمْ ... أَرَادُوا رِضا [هـ] فَأَعْطَاهُمُ
وَأَسْكَنَهُمْ في فَسِيحِ الجِنَانِ ... وَأَعْلَى المَنَازِلِ بَوَّاهُمُ
فَنَالُوا المُرَادَ وَفَازُوا بِهِ ... فَطُوبَى لَهُمْ ثُمَّ طُوباهُمُ
وذُكر عن مالكِ بن أنسٍ، قَالَ: صحبتُ جعفراً الصادق، فلما أراد أن يلبي، تغيّر وجهُه، وارتعدت فَرائصُه، فقلت: ما لكَ يا بنَ رسولِ الله؟! فقَالَ: أردتُ أن ألبي، قلت: وما توقُّفُكَ؟ قَالَ: أخاف أن أسمع غير الجواب.
وقَالَ سَرِيٌّ: لقيت في طريق الحج جاريةً حبشية، فقلت: إِلَى أين؟ قَالَت: الحج، قلت: الطريقُ بعيد، فقَالَت: بعيدٌ على الكسلان، وأما المشتاقُ، فهو عليه قريب، ثم قَالَت: يا سَرِيُّ! ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧]، فلما وصلت إِلَى البيت، رأيتها تطوف كالفتى الشاطر، فنظرَتْ إليه، فقَالَت: أنا تلكَ العبدةُ، لما جئتهُ بضعفي، حملَني بقوَّته (١).
إخواني! مُدُّوا إليه أيدي الاعتذار، وقوموا على بابه بالذلِّ والإنكسار؛ كما قيل:
стр. 53
لَئِنْ لَمْ أَحُجَّ البَيْتَ إِذْ شَطَّ رَبْعُهُ ... حَجَجْتُ إِلَى مَنْ لا يَغِيبُ عَنِ الفِكْرِ
فَأَقْلَعْتُ مِنْ وَقْتِي بِخَلْع شَمَائِلِي ... أَطوفُ وَأَسْعَى فِي اللَّطَائِفِ وَالبِرِّ
صَفَا [ي] صَفَائِي عَنْ صَفَاتِي وَمَرْوَتِي ... مُرُوءَةُ قَلْبٍ عَنْ سِوَى حُبِّه قَفْرِ
وَفي عَرَفَاتِ الأُنْس بِالله مَوْقِفِي ... وَمُزْدَلَفَي الزُّلْفَى لَدَيْهِ إِلَى الحَشْرِ
وَبَثُّ المُنَى مِنِّي مَبِيتِيَ في مِنَى ... وَأَرْمِي جِمَارِي جَمْرَ شَوْقِيَ في صَدْرِي
سبحانَ مَنْ إِلَى بيته حملَهم، وبفِنائِه أنزلَهم، وإِلَى حرمِه أوصلَهم، وبإخلاصِ قصده جَمَّلَهم، فلقد جمعَ الخير الجَمَّ لهم، ليشهدوا منافع لهم.
إخواني! إن لم نصل إِلَى ديارهم، فلنصلِ انكسارَنا بانكسارهم، إن لم نقدر على عرفات، فلنستدركْ ما قد فات، إن لم نصل إِلَى الحجر، فَلْيَلِنْ كلُّ قلب حجر، إن لم نقدر على ليلة جَمْع ومنى، فلنقم بمأتم الأسف ههنا.
من لم يتب في هذا اليوم، فمتى ينيب؟ ومن لم يُجِبْ في هذا الوقت، فمتى يجيب؟ ومن لم يعرف بالتوبة، فهو غريب، ومن لم يقرَّ بالعفو، فما له من نصيب.
أسفاً لعبدٍ لم يغفر له اليوم ما جنى، كلَّما همّ بخيرٍ، نقض الطرد
стр. 54
ما بنى، حضر موسمُ الأرباح، فما حصَّل خيراً، وما اقتنى، وضلّ الفلاح، فما مَدَّ كفّاً ولا جنى، ليت شعر [ي] مَنْ مِنَّا خاب، ومن منا نالى المنى.
فيا إخواني! إن فاتنا نزولُ منى، فلننزِلْ دموعَ الحسرات ههنا، وكيف لا نبكي، ولا ندري ما يُراد بنا، وكيف بالسكون، ولا نعلم ما عنده لنا (١).
اللَّهُمَّ! إنا نقف على الأقدام؛ كقيام القاصدين البيت الحرام، يا غافر الذنوب! اغفر ذنوبنا، ويا ساتر العيوب! استر عيوبنا، يا كاشف الكروب! اكشف كروبنا، يا منتهى الآمال! بلِّغنا مطلوبنا.
* * *
فصل
صيام شهر ذي الحجة، وعشرِه مستحبٌّ، وفيه أحاديثُ كثيرة، قد مضت، وكذا قيامُه.
* * *
فصل
يوم عرفةَ صومُه مستحبٌّ لغير الحاجِّ، فأما الحاجُّ، فلا يستحب له؛ ليتقوى على الدعاء.
عن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "خَيْرُ الدُّعَاءِ [دُعَاءُ] يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ
стр. 55
ما قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ قَبْلِي: لا إِلَهَ إِلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (١).
* * *
فصل
يومُ النحر يومُ عيد، يحرُمُ صومُه، وإن قَصَدَ صيامَه كان عاصياً، ولا يأكل في يوم النحر إلا بعدَ الصلاة، والغسلُ فيه مستحبٌّ، وقيل: واجب، والتبكير إليها بعد الصبح ماشياً على أحسن هيئة.
وتُسَنُّ الصلاةُ في الصحراء، وتُكره [في] الجامع إلا من عذر، ويكبر في الأولى سِتاً، وفي الثانية خمساً، ويرفع يديه مع كل تكبيرة، ويقول: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله، وسلم تسليماً.
ويقر [أ] في الأولى بـ (سبح)، وفي الثانية بـ (الغاشية)، ويجهر بالقراءة، ولا يتطوع في موضعها، ومن فاتته الصلاة قضى على صفتها؛ وعنه: أربع، وعنه: مخيّر بين ركعتين وأربع.
ويكبر من الفجر يومَ عرفة إِلَى العصر من آخر أيام التشريق، إلا المحرِم؛ فإنه يكبر من عصر يوم النحر، والتكبير شَفْعاً.
* * *
فصل
الأضحية سنة مؤكدة، ولا تجب إلا بالنذر، وذبحُها أفضل من
стр. 56
الصدقة بثمنها، والأفضل إبلٌ، ثم بقرٌ، ثم غنمٌ، وذكرٌ وأنثى سواء.
ويؤخذ من ضأن ما له ستةُ أشهر، وثنيُ ما سواه، وثنيُ الإبل ما له خمس سنين، والبقر سنتان، والمعز سنة.
ويأكل ثلثَها، ويُهدي ثلثها، ويتصدق بثلثها، وإن أكل أكثرَ، جاز، وإن أكلها كلَّها، ضمن.
ومن كان يضحي، ودخل العشر، فلا يأخذ من شعره، ولا بشرته شيئاً.
وهل هو حرامٌ؟ على روايتين.
ولا يعطي الجازرَ بأجرته شيئاً منها.
* * *
فصل
العقيقة سُنَّةٌ مؤكَّدة؛ شاتين عن غلام، وشاة عن جارية في سابِعِه، فإن فات، ففي رابع عشر، فإن فات، ففي أحد وعشرين، ويحلق رأسه، ويتصدق بوزنه وَرِقاً، وينزعها أعضاء، ولا يكسر عظمها، وحكمُها كحكم الأضحيّة.
* * *
فصلٌ
أيامُ التشريق لا يجوز صومُها تطوعاً، وفي فرض: روايتان.
ويُسن التكبير في أيام التشريق، وتذبح الأضحية في أيام التشريق.
стр. 57
الفصل السّادس
في ذكر يوم عاشوراء
في "الصحيحين" عن ابن عباسٍ: أنه سُئل عن صيامِ عاشوراءَ، فقَالَ: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ صامَ يوماً يتحرَّى (١) صومَه على الأيام، إلا هذا اليوم -يعني: يوم عاشوراء (٢) -.
يوم عاشوراء له فضيلة عظيمة، وحرمتُه قديمة، وصومُه لفضله غَنيمة.
عن أبي هريرةَ، عن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "يَوْمُ عَاشُورَاءَ كَانَتْ تَصُومُهُ الأَنْبِيَاءُ، فَصُومُوهُ أَنْتُمْ" (٣).
وقد كانت أهلُ الكتاب تصومه، وكذلك قريشٌ في الجاهلية.
وفي "الصحيحين" عن ابن عباس، قَالَ: قدمَ رسولُ الله ﷺ [المدينة] فوجد اليهودَ صياماً يومَ عاشوراء، فقَالَ لهم رسولُ الله ﷺ :
стр. 58
"مَا هذا الَّذِي تَصُومُونَهُ؟ "، قَالَوا: هذا يومٌ عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومَه، وأغرقَ فرعونَ وقومَه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومُه، فقَالَ رسول الله ﷺ : "نحن أحقُّ وأ [و] لى بموسى منكم" (١).
وفي "الصحيحين" عن سلمةَ بن الأَكْوَع: أن رسولَ الله ﷺ أمر رجلاً أن يؤذِّنَ في الناس: "مَنْ أَكَلَ، فَلْيَصُمْ بَقِيَّهَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ، فَلْيَصُمْ؛ فَإِنَّ اليَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ" (٢).
وفي "صحيح مسلم" عن ابن عباسٍ: أنه قَالَ: حين صام رسولُ الله ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه، قَالَ: يا رسول الله! إن اليوم تعظِّمه اليهودُ والنصارى، فقَالَ رسول الله ﷺ : "فَإِذَا كَانَ العَامُ المُقْبِلُ - إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى - صُمْنَا التَّاسِعَ، وَالعَاشِرَ"، فلم يأتِ العامُ المقبلُ حَتَّى تُوفي رسولُ الله ﷺ (٣).
وروي بإسناده عن طاوسٍ: أنه كان يصومُ عاشوراءَ في الحضر (٤).
• • •
стр. 59
فصل
ومن أعجب ما ورد في عاشوراء: أنه كان يصومه الوحش، والهوامُّ.
وروي عن فتح بن شخرف، قَالَ: كنتُ أفتُّ للنملِ الخبزَ كلَّ يوم، فلما كان يوم عاشوراء، لم يأكلوه.
وروي عن القادر بالله -الخليفة العباسي-: أنه جرى له مثلُ ذلك، فعجب منه، فسأل أبا الحسنِ القزوينيَّ، فذكر له أن يوم عاشوراء يصومُه النمل.
وروى أبو موسى المدينيُّ بإسناده عن قيسِ بن عبادٍ، قَالَ: بلغني أن الوحش كانت تصومه.
وبإسناده، عن رجلٍ أتى إِلَى البادية يومَ عاشوراء، فرأى قوماً يذبحون ذبائح، فسألهم عن ذلك، فأخبروه أن الوحشَ صائمةٌ، وقَالَوا: اذهبْ بنا نُرِكَ، فذهبوا به إِلَى روضة، فأوقفوه، قَالَ: فلما كان بعدَ العصر، جاءت الوحوشُ من كل وجهٍ، فأحاطتْ بالروضة، رافعةً رؤوسها إِلَى السماء، ليس شيء منها يأكل، حَتَّى إذا غربت الشمس، أسرعت جميعاً، فأكلت.
стр. 60
وعن عبد الله بن عمرٍو، قَالَ: بين الهند والصين أرضٌ بها بطةٌ من نحاس على عمودٍ من نحاس، فإذا كان يومُ عاشوراء، مدَّت منقارها، فيفيض منه ماءٌ يكفيهم لزرعهم ومواشيهم إِلَى العام المقبل.
رئي بعض المتقدمين في المنام، فسئل عن حاله، فقَالَ: غفر لي بصيام يوم عاشوراء ستين سنة (١).
* * *
فصل
وأما الصدقة، فرُوي: مَنْ تَصَدَّق فيه، كان كصدقةِ السنةِ (٢)
* * *
فصلٌ
وأما التوسع فيه على العيال، فقد رُوي: "مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَسَّع الله عَلَيْهِ سَائِرَ السَّنَةِ" (٣).
* * *
стр. 61
فصل
روي عن النبي ﷺ ، قَالَ: "هذا يَوْمٌ تَابَ الله فِيهِ عَلَى قَوْمٍ، فَاجْعَلُوهُ صَلاةً، وَصوْماً -يعني: عاشوراء-" (١).
وروى (٢) بإسناده، عن عليٍّ، قَالَ: يومُ عاشوراءَ هو اليوم الذي تِيبَ فيه على قومِ يونسَ.
وعن ابن عباس، قَالَ: هو اليومُ الذي تِيب على آدَمَ.
وعن وَهْبٍ: أن الله أوحى إِلَى موسى ﵇: أَنْ مُرْ قومك يتقربون إليّ في أول العشر من محرم، فإذا كان يوم العاشر، فليخرجوا إليَّ حَتَّى أغفرَ لهم.
كتب عمرُ بن عبد العزيزِ إِلَى الأمصار كتاباً، وقَالَ فيه: قولوا كما قَالَ أبوكم آدَمُ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
وقولوا كما قَالَ نوحٌ: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧].
وقولوا كما قَالَ موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] (٣).
• • •
стр. 62
فصلٌ
لما ظهر فضلُ آدمَ على الخلائق بسجود الملائكة له، وبتعليمه [أسماء] كلِّ شيء، وسكَنَ هو وزوجتُه الجنة، ظهر الحسدُ من إبليس، وسعى في الأذى، فما زال يحتال على آدمَ، حَتَّى تسبب في إخراجه من الجنة، وما فهم أنّ آدمَ إذا خرج منها، كملَتْ فضائله، ثم عاد إليها أكملَ من حاله الأول.
إنما أهلك إبليسَ العُجبُ بنفسه، ولذلك قَالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾، وإنما كملت فضائلُ آدمَ باعترافه على نفسه ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣].
قَالَ بعض السلف: آدمُ خرجَ من الجنة بذنبٍ واحد، وأنتم تعملون الذنوب، وتُكثرون منها، وتريدون أن تدخلوا الجنة؟!
تَصِلُ الذُّنُوبَ إِلَى الذُّنُوبِ وَتَرْتَجِي ... دَرَجَ الجِنَانِ بِهَا وَفَوْزَ العَابِدِ
وَنَسِيتَ أَنَّ الله أَخْرَجَ آدَماً ... مِنْهَا إِلَى الدُّنْيا بِذَنْبٍ وَاحِدِ
стр. 63
إخواني! احذروا هذا العدوَّ الذي أخرج أباكم آدمَ من الجنة، فإنه ساعٍ في منعكم من العود إليها بكل سبيل، والعداوةُ بينكم وبينه قديمة.
العجبُ ممن عرف ربَّه، ثم عصاه، وعرف الشيطان، ثم أطاعه ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].
فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّهَا ... مَنَازِلُكُ الأُولَى وَفِيهَا المُخَيَّمُ
وَلكنَّنَا سَبْيُ العَدُوِّ فَهَلْ تُرَى ... نَعُودُ إِلَى أَوْطَانِنَا وَنُسَلَّمُ
قَالَ بعض السلف: بلغنا أن دُورَ الجنة تُبنى بالذِّكر، فإذا أمسك عن الذكر، أمسك عن البناء، فيقا [ل] لهم؛ فيقولون: حَتَّى تأتينا نفقة.
رأى بعض الصالحين في منامه قائلاً يقول له: قد أمرنا بالفراغ من بناء دارك، واسمها: دار السرور، وقد أمرنا بتنجيدها وتزيينها، والفراغ منها إِلَى سبعة أيام. فلما كان بعد سبعة أيام، مات، فرئي في المنام، فقَالَ: دخلتُ دارَ السرور، وأنا في سرور، فلا تسأل ما فيها. لم يُر مثلُ الكريمِ إذا حلّ به مطيعٌ.
ورأى بعضهم كأنه قد دخل الجنة، وعُرض على منازله وأزواجه، فلما أراد أن يخرج، تعلّق به أزواجه، وقَالَوا: بالله! حَسِّنْ عملَك، فكلما حسَّنْت عملَكَ، ازدَدْنا نحن حُسناً (١).
• • •
стр. 64
فصلٌ
كم لله من لطفٍ وحكمةً في إهباطِ آدمَ إِلَى الأرض، لولا نزولُه لما جاهد المجاهدون، ولا نزلت قطرةٌ من دموع المذنبين.
يا آدم! إن كنت أُهبطت من دار القرب، ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، إن كان حصل لك بالإخراج من الجنة كسرٌ، فأنا عند المنكسِرَةِ قلوبُهم من أجلي، إن كان فاتك في السماء سماعُ المسبِّحين، فقد تعوّضت في الأرض بسماع أنين [المذنبين]، [أنين المذنبين] أحبُّ إلينا من زَجَلِ المسبِّحين، زجلُ المسبحين ربّما يشوبه الافتخار، وأنينُ المذنبين يزينه الإنكسار، "لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا، لَذَهَبَ الله بِكُمْ، وَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ" (١).
عَوْد إِلَى الوَصْلِ عَوْدُ ... فَالهَجْرُ (٢) صعْبٌ شَدِيدُ (٣)
стр. 65
قلْتُ وَقَلْبِي أَسِيرُ وَجْدٍ ... مُتيَّمٌ في الجَفَا عَمِيدُ
أَنْتُمْ لَنَا فِي الهَوَى مَوَالٍ ... وَنَحْنُ في أَسْرِكُمُ عَبِيدُ
عن أبي هريرةَ، قَالَ، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "أَفْضَلُ الصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ، شَهْرُ الله الَّذِي تَدْعُونَهُ: المُحَرَّمَ" (١).
قَالَ رسولُ الله ﷺ : "صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ العَامَ الَّذِي قَبْلَهُ" أفرده مسلم (٢).
كأنك بما يزعج ويروع، وقد قلع الأصول وقطع الفروع.
يا نائما إِلَى كَمْ هذا الهجوع، إِلَى متى بالهوى هذا [الـ]ـولوع.
أينفعُك وقتَ الموتِ الدموع، هيهاتَ لا ينفع الذلُّ إذاً والخضوع
تقول: فَرِّقوا المال، فالعجبُ لجودِ المَنُوع، هذا ومَلَكُ الموتِ يسلُّها من بين الضلوع، وأخلت منك المساكنُ وأخلت الربوع، ونابَ غرابُ البينِ عن الورقاءِ السَّجوع، وتمنيتَ لو زدتَ من السجود والركوع، فاحذر مكرَ العدوِّ، ولا تقبل قولَ الخَدوع.
ضيَّعْتَ وَقْتَكَ فَانْقَضَى في غَفْلَةٍ ... وَطَوَيْتَ في طَلَبِ الخَوَادِعِ أَدْهُرَا
стр. 66
أَفَهِمْتَ عَنْ هذا الزَّمَانِ جَوَابَهُ ... فَلَقَدْ أبانَ لَكَ العِظَاتِ وَكَرَّرَا
عَايَنْتَ مَنْ مَلأَ الصُّدُورَ مَخَافَةً ... وَكَفَاكَ ما عَايَنْتَهُ مَنْ أَخْبَرَا
يا عجباً كَيف أنسَ بالدنيا مفارقُها، وأمِنَ النارَ واردُها، كيف يغفل من لا يُغفَلُ عنه؟ كيف يفرح بالدنيا مَنْ يومُه يهدمُ شهرَه، وشهرُه يهدم سنتَه، وسنتُه تهدم عمرَه؟
إخواني! الدنيا في إدبار، وأهلها منها في استكثار.
أين الذين ملكوا، ونالوا؟ زالوا سبقوك يا هذا والله إِلَى ما إليه آلوا.
أين المغرورون بالآل؟ آلوا إِلَى الشتات. أين المسرورون بالمال؟ مالوا إِلَى الكفات.
ظِلٌّ مِنَ الدُّنْيا تَقَلَّصَ زَائِلاً ... وَمَتَى يُذَاقُ عَلَى جَنَاهَا العَلْقَمُ
ما هذهِ الآمَالُ إِلا رَقْدةٌ ... فِيهَا بِأَضْغَاثِ الأمَانِي تَحْلُمُ (١)
• • •
стр. 67
فصلٌ
قَالَ رسول الله ﷺ : "الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ" (١).
وروى عبد الله بن نُجَيٍّ، عن أبيه: أنه سارَ مع عليٍّ ﵇، وكان صاحبَ مطهرتِه، فلما حاذى نينوى، وهو منطلقٌ إِلَى صفِّين، نادى عليٌّ: اصبرْ أبا عبد الله بشطِّ الفرات، قلت: وما ذاكَ؟ قَالَ: دخلتُ على النبيِّ ﷺ ذاتَ يوم، وعيناه تَفيضان، قلت: يا نبيَّ الله! أغضبكَ أحدٌ؟ قَالَ: "لا"، قلت: ما شأنُ عينيكَ تفيضان؟ قَالَ: "أَقَامَ عِنْدِي جِبْرِيلُ، فَأَخْبَرَيي أَنَّ الحُسَيْنَ يُقْتَلُ بِشَطِّ الفُرَاتِ، وَقَالَ لِي: هَلْ لَكَ أَنْ أُشِمَّكَ مِنْ تُرْبَتِهِ؟! قُلْتُ: نَعَمْ، فَمَدَّ يَدَهُ، فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ، فَأَعْطَانِيَها، فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنَيَّ أَنْ فَاضتَا" (٢).
أَبْكِي قَميلاً بِكَرْ بَلاءِ ... مُضَرَّجَ الجِسْمِ بِالدِّمَاءِ
стр. 68
أَبْكِي قَتِيلَ الطغَاةِ ظُلْماً ... بِغَيْرِ جُرْمٍ سِوَى الوَفَاءِ
أَبْكِي قَتِيلاً بَكَى عَلَيْهِ ... حُزْناً بَنُو الأرْضِ وَالسَّمَاءِ
روينا: أن صخرةً وجدت قبل مبعث رسول الله ﷺ بثلاث مئة سنة، وعليها مكتوب باليونانية:
أَيَرْجُو مَعْشَر قَتَلُوا حُسَيْناً ... شَفَاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ الحِسابِ
ويحَ قاتل الحسين! كيف حالُه مع أبويه، وجده؟!
إخواني! بالله عليكم! من قبح على يوسفَ، بأيَّ وجهٍ يلقى يعقوب؟
لا بُدَّ أَنْ تَرِدَ القِيَامَةَ فَاطِمٌ ... وَقَمِيصُها بِدَمِ الحُسَيْنِ مُلَطَّخُ
وَيْلٌ لِمَنْ شُفَعَاؤُهُ خُصَمَاؤُهُ ... وَالصُّورُ في يَوْمِ القِيَامَةِ ينفَخُ (١)
• • •
стр. 69
فصلٌ
يومُ عاشوراء صومُه مستحب، وفيه أحاديثُ كثيرة، وهو مستحبٌّ أيضاً في السفر، وهذا يدل على فضله؛ لأن الواجب يستحبُّ تركُه في السفر، ويستحبُّ مخالفة اليهود والنصارى فيه.
وجاء في الحديث: "صُومُوا قَبْلَهُ يَوْماً، أَوْ بَعْدَهُ" (١)، فهل هذا شكٌّ من الراوي، أو هي للتخيير؟ على قولين (٢).
• • •
стр. 70
الفصل السّابع
في ذكر قدوم الحاج
في "الصحيحين": عن النبي ﷺ قَالَ: "مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" (١).
وفي "مسند أبي يعلى الموصلي": عن النبي ﷺ ، قَالَ: "مَنْ قَضَى نُسْكَهُ، وَسَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ
وَما تَأَخَّرَ" (٢).
تابَ بعض من تقدَّم، ونقض، فهتف به هاتفٌ يقول:
سَأَتْرُكُ ما بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَاقِفاً ... فَإِنْ عُدْتَ عُدْنَا وَالوِدَادُ مُقِيمُ
تُوَاصِلُ قَوْماً لا وَفَاء لِعَهْدِهِمْ ... وَتَتْرُكُ مِثْلِي وَالحِفَاظُ قَدِيمُ
الحاجُّ إذا كان حجُّه مبروراً، غُفر له، ولمن استغفرَ له، وشُفِّع فيمن شفع فيه.
стр. 71
وروي: أن الله يقول لهم يومَ عرفةَ: "أَفِيضوا مَغْفُوراً لَكُمْ، وَلِمَنْ شَفَعْتُمْ فِيهِ".
وكذلك السلامُ على الحاجِّ، ومصافحتهُ، وطلبُ الدعاء منه.
ما للمنقطعِ حيلةٌ سوى التعلُّقِ بأذيال الواصلين.
هَلِ الدَّهْرُ يَوْماً بِوَصْلٍ (١) يَجُودُ ... وَأَيَّامُنَا بِاللِّوَى هَلْ تَعُودْ
زَمَانٌ تَقَضَّى وَعَيْشٌ مَضَى ... بِنَفْسِيَ وَالله تِلْكَ العُهُودْ
أَلا قُلْ لِزُوَّارِ ذَاكَ الحَبِيبِ ... هَنِيئاً لَكُمْ في جِنَانِ الخُلُودْ
أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ المَاءِ فَيْضاً ... فَنَحْنُ عِطَاشٌ وَأَنْتُمْ وُرُودْ
قيل لابن عمر: ما أكثر الحاجَّ! فقَالَ: ما أقلَّهم (٢)! وقَالَ: الركبُ كثير، والحاجُّ قليل (٣).
• • •
стр. 72
الفصل الثّامن
في ذكر شهر صفر
فأما قولُ النبيِّ ﷺ : "لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ، وَالشُّومُ في ثلاثٍ؛ المَرْأَةِ، وَالدَّارِ، وَالدَّابَّةِ" (١).
وفي حديحغ عن عثمانَ، عن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ، وَيُمْسِي: بِاسمِ الله الَّذِي لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ في الأرْضِ وَلا في السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، لَمْ يَضُرَّهُ بَلاءٌ" (٢).
قَالَ بعض السلف: شيطانُ الجنِّ تستعيذُ بالله منه ينصرفُ، وشيطانُ الإنس لا يبرحُ حَتَّى يوقعَكَ في المعصية؛ فالعاصي مشؤوم على نفسِه، وعلى غيره.
طاعةُ الله خيرُ ما اكتسبَ العبدُ، فكن طائعاً لله تعالَى، ولا تعصِه.
الفصل التّاسع
في ذكر شهر ربيع الأول
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في ذكر مولد النبي ﷺ .
الفصل الثاني: في ذكر رضاعه.
стр. 75
الفصل الأوّل
في ذكر المولد
خرّج الإمامُ أحمدُ من حديث العِرْباضِ بن سارِيَة السّلَمِيِّ، عن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنِّي عبد الله في أُمِّ الكِتَابِ، خَاتَمُ النَّبِييِّنَ، وَإِنَ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ في طِينَتِهِ، وَسَوْفَ أُنبهعكمْ بِتَأْوِيلِ ذلك: دَعْوَةُ أبي إِبْرَاِهيَمَ، وَبِشَارع عِيسَى قَوْمَهُ، وَرُؤْيا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ أَنّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ، أَضَاءَتْ لَهُ قُصُوُر الشَّامِ، وَكَذلك أُمَّهَاتُ النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ" (١) صحيح الإسناد.
وقد روي: أن آدمَ ﷺ رأى اسمَ محمدٍ ﷺ مكتوباً على العرش، وإن الله قَالَ لآدمَ: "لَوْلا مُحَمَّدٌ ما خَلَقْتُكُ" (٢).
وخرّج الإمامُ أحمدُ، عن النبيِّ ﷺ : "أَنَّ أُمَّهُ قَالَتْ: إِنِّي رَأَيْتُ خَرَجَ مِنّي نُورٌ، أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ" (٣).