وروي: أن الله يقول لهم يومَ عرفةَ: "أَفِيضوا مَغْفُوراً لَكُمْ، وَلِمَنْ شَفَعْتُمْ فِيهِ".
وكذلك السلامُ على الحاجِّ، ومصافحتهُ، وطلبُ الدعاء منه.
ما للمنقطعِ حيلةٌ سوى التعلُّقِ بأذيال الواصلين.
هَلِ الدَّهْرُ يَوْماً بِوَصْلٍ (١) يَجُودُ ... وَأَيَّامُنَا بِاللِّوَى هَلْ تَعُودْ
زَمَانٌ تَقَضَّى وَعَيْشٌ مَضَى ... بِنَفْسِيَ وَالله تِلْكَ العُهُودْ
أَلا قُلْ لِزُوَّارِ ذَاكَ الحَبِيبِ ... هَنِيئاً لَكُمْ في جِنَانِ الخُلُودْ
أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ المَاءِ فَيْضاً ... فَنَحْنُ عِطَاشٌ وَأَنْتُمْ وُرُودْ
قيل لابن عمر: ما أكثر الحاجَّ! فقَالَ: ما أقلَّهم (٢)! وقَالَ: الركبُ كثير، والحاجُّ قليل (٣).
• • •
стр. 72
الفصل الثّامن
في ذكر شهر صفر
فأما قولُ النبيِّ ﷺ : "لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ، وَالشُّومُ في ثلاثٍ؛ المَرْأَةِ، وَالدَّارِ، وَالدَّابَّةِ" (١).
وفي حديحغ عن عثمانَ، عن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ، وَيُمْسِي: بِاسمِ الله الَّذِي لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ في الأرْضِ وَلا في السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، لَمْ يَضُرَّهُ بَلاءٌ" (٢).
قَالَ بعض السلف: شيطانُ الجنِّ تستعيذُ بالله منه ينصرفُ، وشيطانُ الإنس لا يبرحُ حَتَّى يوقعَكَ في المعصية؛ فالعاصي مشؤوم على نفسِه، وعلى غيره.
طاعةُ الله خيرُ ما اكتسبَ العبدُ، فكن طائعاً لله تعالَى، ولا تعصِه.
الفصل التّاسع
في ذكر شهر ربيع الأول
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في ذكر مولد النبي ﷺ .
الفصل الثاني: في ذكر رضاعه.
стр. 75
الفصل الأوّل
في ذكر المولد
خرّج الإمامُ أحمدُ من حديث العِرْباضِ بن سارِيَة السّلَمِيِّ، عن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنِّي عبد الله في أُمِّ الكِتَابِ، خَاتَمُ النَّبِييِّنَ، وَإِنَ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ في طِينَتِهِ، وَسَوْفَ أُنبهعكمْ بِتَأْوِيلِ ذلك: دَعْوَةُ أبي إِبْرَاِهيَمَ، وَبِشَارع عِيسَى قَوْمَهُ، وَرُؤْيا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ أَنّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ، أَضَاءَتْ لَهُ قُصُوُر الشَّامِ، وَكَذلك أُمَّهَاتُ النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ" (١) صحيح الإسناد.
وقد روي: أن آدمَ ﷺ رأى اسمَ محمدٍ ﷺ مكتوباً على العرش، وإن الله قَالَ لآدمَ: "لَوْلا مُحَمَّدٌ ما خَلَقْتُكُ" (٢).
وخرّج الإمامُ أحمدُ، عن النبيِّ ﷺ : "أَنَّ أُمَّهُ قَالَتْ: إِنِّي رَأَيْتُ خَرَجَ مِنّي نُورٌ، أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ" (٣).
стр. 76
نورُهَا كَالشَّمْسِ لَمَّا أَنْ بَدَتْ ... وَبِأَحْمَدَ الهَادِي البَشِيرِ تَأيًّدَتْ
عَلِمَتْ يَقِيناً أَنّهَا قَدْ أَسْعَدَتْ ... زَادَتْ مَحَاسِنُهَا جَمَالاً فَغَدَتْ
تَزْهُو عَلَى الحُورِ الحِسَانِ بِأَنْجَلِ ... قَالَتْ تَفَرّحَاً وَعَيْشاً رَاضِيَا
وَحَوَتْ بِهِ شَرَفاً وَمَجْداً عَالِيا ... وَسُرُورُ قَلْبِي لَمْ يَزَلْ مُتَوَالِيَا
وَغَدَا الوُجُودُ بِنُورِهِ مُتَلالِيَا ... وَقُدُوم أَحْمدَ في رَبيعِ الأوَّلِ
في الخَلْقِ طُرّاً ما لَهُ مِنْ مُشْبهِ ... سَادَ الأَنَامَ عِنَايَةً مِنْ رَبِّهِ
حَمَلَتْ بِمَنْ تَحْيَا القُلُوبُ بِحُبِّهِ ... حَمْلاً خَفِيفاً لَمْ تَجِدْ أَلَماً بِهِ
وَالنُّورُ في أثنائه لم يَثْقُلِ
* * *
فصلٌ
قَالَ القاضي عياض: شاهدت مولوداً ولد، على أحد جنبيه مكتوبٌ: (لا إله إلا الله)، وعلى الجنب الآخر (محمد رسول الله).
стр. 77
وروي بعض الأخبار: أن ببلاد النهر وَرْدٌ مكتوبٌ عليه بالأبيض: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).
* * *
فصلٌ
قيل: إن الله خلق نورَ محمدٍ قبل العرشِ والكرسيِّ والسماوات والأرضِ، فقام شخص من نور محمد، فجعل يقول: سبحانَ العليِّ، ، ثُمَّ أَذِنَ الله تعالَى لذاك الشخص أن يغتسل في بحر النور، فاغتسل، فقطر منه مئة ألف قطرة، وأربع وعشرون ألف قطرة، يخلق الله من كل قطرة نبياً من الأنبياء، وطاف بهم حول العرش، وهو يقول، وهم يقولون معه: سبحان مَنْ هو حليمٌ لا يعجَل، سبحان مَنْ هو كريمٌ لا يبخل، سبحان مَنْ هو ملكُه لا يزول، سبحان من له الحمد، سبحان ذي العرش المجيد، سبحان الفعَّال لما يريد، أرواح الأنبياء.
يسبح الله تعالَى فيها، وهو يقول: سبحانَ الحيِّ الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلق، لا إله الله يحيي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت، سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الملائكة والروح.
* * *
فصلٌ
قَالَ بعض السلف: ما بعث الله نبياً إلا من الشام، فإن لم يبعثه من
стр. 78
الشام، هاجر إليها، وفي آخر الزمان يستقر العلمُ والإيمان في الشام، فيكون نورُ النبوة فيها (١).
الحمد لله الذي خصنا بهذه الرحمة، وأسبغَ علينا هذه النعمة، وأعطانا ببركة نبينا هذه الفضائل الجمَّة، فقَالَ لنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠].
يا مَنْ تبهرج بعملِه! على مَنْ تُبهرجُ، والناقدُ بصير؟ يا مَنْ يسوِّفُ بطولِ أملِه! إِلَى كَمْ تسوِّفُ، والعمرُ قصير؟.
* * *
فصل: ولادته
قيل: في ربيع الأول، وقيل: رمضان، وقيل: رجب، والأولُ أصح.
واليومُ الذي ولد فيه في ربيع الأول ليس معيناً، وهو يوم الاثنين، وقيل: معيَّنٌ، وقيل: لليلتين خلتا منه، وقيل: لثمان، وقيل: لعشر، وقيل: لاثنتي عشرة، وقيل: لسبع عشرة، وقيل: لثمانٍ بقينَ منه، وقيل: يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول (٢).
• • •
стр. 79
الفصل الثّاني
في ذكر رَضاعه
قَالَت حَليمةُ: كنا أهلَ بيتٍ أشدَّ الناس فقراً، وأكثرَهم جوعاً، وكنا وقعنا في غلاء، وكنا نأكل العظامَ والجلودَ المحرقةَ، وكنت قد وَلَدْت مولوداً، وكان لي سبعة أيام، ما استطعمت فيها بطعام، إني أتقوَّت بالحشيش، وأنا أقنَعُ وأصبر، وأحمدُ الله على كل حال.
قَالَت: فدخل عليَّ نسوانُ العرب، وقلن: يا حليمةُ! قومي بنا إِلَى مكة نرضعْ أولادَ الأغنياء، ليواسونا بشيء من النفع، فقلت: قوموا معي، والله! وأنا أيضاً: أُخبرت بدخولِ مكةَ في منامي.
فسبقني نسوانُ العرب، فكان تحتي حمارٌ حضيض الماء في بطنه، قد بدت عظامُه، فخرج شخص من بين يديَّ من الجبلين، وقَالَ لي: حليمة! جدِّي سيرك، وأنا ملك أمرني ربي بحفظك من كل شيطانٍ مَريد، فقلت: ما أرى حماري يمشي، إن شيطاناً تعلق في ذنبه، فضربه بحربة من نور، فطار الحمار، وذهب الشيطان.
وسرنا، فكنت لا أمرُّ بحجر ولا شجر، ولا شيءٍ إلا ينادي: هنيئاً
стр. 80
لك يا حليمةُ، حَتَّى وصلنا مكة، وإذا عبد المطلب ينادي: يا معشرَ المراضع! هل بقي منكن أحد؟
فقلت: أَبركُ الأيامِ أيها السيد.
فقَالَ: أهلا بك وسهلاً يا حليمةُ.
فقَالَ: إن عنده ولد [اً] اسمه محمد، عرضْتُه على أصحابِكِ، فلم يقبلْنَ، ويقلن: ما في اليتيم من الخير، فهل لكِ أن تأخذيه؟ قَالَت: حَتَّى أشاور بعلي، قَالَ: ادخلي الدار، وتضيفي من أمه [...]، فشاوري بعلَكِ، فدخلتِ الدار، فأضافتها أمُّه، ورحَّبت فيها، فقَالَت: بشرى ولد مكة، فقلت: نعم، فأدخلتني الدارَ، وكشفت عن وجهه، فلمعَ منه نورٌ عظيم، لحقَ عَنانَ السماء، فوضعتُه في حِجْري، فتبسَّم ضاحكاً، فخرج نورُ النبوة من ثَغْره، فامتلأ قلبي محبة، فناولتُه ثديى الأيمنَ، فشربه، فناولته الأيسر، فلم يشربْه، فعلمتُ أنه مبارك، فخرجتُ إِلَى زوجي، فقَالَ: خذيه، فقضيتُ حوائجي، وقصدتُ منزلَ آمنةَ، فأخذتُه، واللهُ قدَّره عليَّ بقضائه، يحكم ما يريد، ولا مانع لحكمه.
стр. 81
الفصل العاشر
في ذكر الوفاة
في "الصحيحين" عن النبي ﷺ ، جلس على المنبر، فقَالَ: "إِنَّ عَبْداً خَيَّرَهُ الله بَيْنَ أَنْ يُؤْثِرَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيا ما شَاءَ، وَبَيْنَ ما عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ ما عِنْدَهُ"، فبكى أبو بكرٍ، وقَالَ: يا رسولَ الله! نفديكَ بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا به (١).
اعلمْ أن الموتَ مكتوبٌ على كل حَيّ من الأنبياء والرسل وغيرهم.
قَالَ الله لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، وقَالَ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤ - ٣٥].
وقَالَ تعالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤].
стр. 82
اسْتَعِدِّي يا نَفْسُ لِلمَوْتِ وَاسْعَي ... لِلنَّجَاةِ فَالحَازِمُ المُسْتَعِدُّ
أَتَيَقَّنْتِ أَنَّه لَيْسَ لِلْحَيِّ ... خُلُودٌ وَلا مِنَ المَوْتِ بُدُّ
إِنَّما أَنْتِ مُسْتَعِيَرَةٌ مَاسَوْ .. فَ تَرُدِّيهِ وَالعَوَارِي تُرَدُّ
قَالَ الربيعُ بنُ خُثيمٍ: أكثروا ذكرَ الموت؛ فإنكم لا ترون قبله مثله.
فَما أَهْلُ الحَيَاةِ لَنَا بِأَهْلٍ ... وَلا دارُ الحياةِ لَنَا بِدَارِ
وَما أَمْوَالنا وَالأهْلُ فِينَا ... وَلا أَوْلادُنَا إِلا عَوَارِ
وَأَنْفُسُنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ... سَيَأخُذُهَا المُعِيرُ مِنَ المُعَارِ
المراد بقوله : ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩]، على ما فسره كثيرٌ من السلف: فتجتمع عليه سَكْرَة الموت، مع حَسْرة الفوت، فلا تسألْ عن سوءِ حاله، وقد سمى الله ذلك: سكرة؛ لأنّ ألم الموت مع ما يضم إليه، يُسكر صاحبه، فيغيب عقلُه، قَالَ تعالَى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ [ق: ١٩].
أَلا لِلْمَوْتِ كَأْس أَيُّ كَاسِ ... وَأَنْتَ لِكَأْسِهِ لا بُدَّ حَاسِي
стр. 83
إِلَى كَمْ وَالمَمَاتُ إلى قريبٍ ... تُذَكَّرُ بِالمَمَاتِ وَأَنْتَ نَاسِي
وقد أمر النبيُّ ﷺ بكثرةِ ذكرِ الموتِ، فقَالَ: "أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ"؛ يعني: الموت (١).
قَالَ الحسنُ: إنّ هذا الموت قد أفسدَ على أهل النعيم نعيمَهم، فالتمسوا عيشاً لا موتَ فيه.
اذْكُرِ المَوْتَ هَاذِمَ اللَّذَّاتِ ... وَتَهَيا لِمَصْرَعٍ سَوْفَ يَاتي
يا غَافِلَ القَلْبِ عَنْ ذِكْرِ المَنِيَّاتِ ... عَما قَلِيلٍ سَتُلْقَى بَيْنَ أَمْوَاتِ
فَاذْكُرْ مَحَلَّكَ [مِنْ] قَبْلَ الحُلُولِ بِهِ ... وَتُبْ إِلَى الله مِنْ لَهْوٍ وَلَذَّاتِ
إِنَّ الحِمَامَ لَهُ وَقْتٌ إِلَى أَجَلٍ ... فَاذْكُرْ مَصَائِبَ أَيَّامٍ وَسَاعَاتِ
لا تَطْمَئِنَّ إِلَى الدُّنْيا وَزِينَتِهَا ... قَدْ آنَ لِلمَوْتِ يا ذَا اللُّبِّ أَنْ يَاتي
قَالَ بعض السلف: شيئان قَطَعا عني لذاذةَ الدنيا: ذكرُ الموت، والوقوفُ بين يدي الله .
стр. 84
كما قيل:
وكيف يلدُّ العيشَ من كان مُوقناً ... بأنّ المنايا بغتةً ستعاجِلُهُ؟
وكيف يلذُّ العيشَ من كان موقناً ... بأنّ إلهَ الخلقِ لا بدَّ سائِلُه
أولُ ما أُعلم النبيُّ ﷺ من انقضاء عمره، باقتراب أجله بنزول سورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، وكانت وفاته ﷺ يوم الإثنين، في شهر ربيع الأول.
لِيَبْكِ رَسُولَ الله مَنْ كَانَ باكياً ... فَلا تنسَيَنَّ قَبْراً بِالمَدِينَةِ ثاويَا
جَزَى الله عَنَّا كُلَّ خَيْرٍ مُحَمَّداً ... فَقَدْ كَانَ مَهْدِياً وَقَدْ كَانَ هَادِيَا
وَكَانَ رَسُولُ الله رَوْحاً وَرَحْمَةً ... وَنُوراً وَبُرْهَاناً مِنَ الله بَادِيَا
وَكَانَ رَسُولُ الله بِالخَيْرِ آمِراً ... وَكَانَ عَنِ الفَحْشَاءِ وَالسُّوءِ نَاهِيَا
وَكَانَ رَسُولُ الله بِالقِسْطِ قَائِماً ... وَكانَ لِما اسْتَرْعَاهُ مَوْلاهُ رَاعِيَا
وَكَانَ رَسُولُ الله يَدْعُو إِلَى الهُدَى ... فلبِّي رسولَ الله لَبِّيهِ دَاعِيَا
الفصل الحادي عشر
في ذكر شهر رَجَبٍ
روي عن أبي قِلابةَ، قَالَ: في الجنة قصر لصوَّام رجبٍ (١).
وقد روي: أنه يُكره أن يُتخذَ رجبٌ عيداً.
عن عطاء، قَالَ: كان رسول الله ﷺ ينهى عن صيام رجبٍ كلِّه، ويكره إفرادَ رجبٍ بالصوم.
كان النبي ﷺ إذا دخل رجبٌ، قَالَ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ، وَشَعْبَانَ، وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ" (٢).
شهرُ رجبٍ مفتاحُ الخيرِ والبركةِ، شهرُ رجبٍ شهرُ الزرع، وشهرُ شعبان شهرُ السقي، وشهرُ رمضان شهر الحصاد.
رجَبٌ، مَنْ صَامَ يَوْماً مِنْ رَجَبٍ، سَقَاهُ الله مِنْ ذلك النَّهْرِ" (١).
وروي من حديثِ أبي سعيدٍ، عن النبي ﷺ ، قَالَ: "رَجِبٌ مِنْ شُهُورِ الحُرُمِ وَأَيَّامِه، مَكْتُوبٌ عَلَى أبوابِ السَّماءِ السَّادِسَةِ، فَإِذَا صَامَ الرَّجُلُ مِنْهُ يَوْماً، وَجَرَّدَ صَوْمَهُ لِتَقْوَى الله تَعَالَى، نَطَقَ اليَوْمُ، وَقَالَ: يا رَبِّ! اغْفِرْ لَهُ، وَإِذَا لَمْ يُتِمَّ صَوْمَهُ بِتَقْوَى الله، لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ، وَقيِل: خُذْ حَظَّ نَفْسِكَ" (٢).
أَلا يا غَافِلاً يُحْصَى عَلَيْهِ ... مِنَ العَمَلِ الصَّغِيرَةُ وَالكَبِيرَهْ
تَأَهَّبْ لِلرَّحِيلِ [فَـ]ـقَدْ تدَانَى ... وَأَنْذَرَكَ [الرَّحِيلُ] أَخاً وَجِيرَهْ
يا من بين يديه الموتُ والحساب، والتوبيخُ الشديد والعقاب، وعليه بأفعاله وأقواله كتاب، وقد أذنب كثيراً، غير أنّه ما تاب، وكلما عوتب، خرج من باب إِلَى باب.
إِلَى متى هذا الجهل؟! وإِلَى متى هذا العتاب؟!
أما أظنك حاضراً عدوك فيمن غاب؟!
ويحك! أنت في القبر محضور، إِلَى أن ينفخ في الصور، ثم راكب
стр. 94
أو مجرور، حزين أو مسرور، مطلق أو مأسور، ما هذا اللَّهوُ والغرور؟! الحازمُ مَنْ تزوَّد لِمآبِهِ، قبل أن يصير لَمَّاً به.
[أَ] أَغْفُلُ وَالدَّهْرُ لا يَغْفُلُ ... وَأَنْسَى الَّذِي شَأْنُهُ يُعْضَلُ
وَيُطْمِعُنِي أَنَّنِي سَالِمٌ ... وَدَاءُ السَّلامَةِ لي أَقْتَلُ
وَيَمْضِي نَهَارِي وَلَيْلِي مَعاً ... بِما غَيْرُهُ الأحْسَنُ الأجْمَلُ
وَأُومِلُ أَنَّي أَفُوتُ الحِمَامَ ... أَمَانِي لَعَمْرُكَ لِي ضُلَّلُ
قل للذين أعرضوا عن الهدى فما تبعوا، وخوفوا يوم الردى فما ارتدعوا، وسمعوا المواعظ وكأنهم ما سمعوا: تَقَلَّبوا كيف شئتم، وما شئتم، فاصنعوا.
غداً تُوَفَّى النفوسُ ما كسبت، ويحصدُ الزارعون ما زرعوا، إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم، وإن أساؤوا فبئس ما صنعوا.
لله درُّ أقوام بادروا الأعمال واستدركوها، وجاهدوا النفوس حَتَّى ملكوها، وتأهبوا لسبل التوبة ثم سلكوها، وعرفوا العيوب العاجلة فتركوها.
اشتغالهم للأدب في جُمادى كرجب، يا هذا! إذا هممت بخير،
стр. 95
فبادر هواك لئلا تغلَب، وإذا هممت بشرٍّ فسوِّف هواك لعلك تغلِب (١)
* * *
فصل
رجب يكره إفرادُه بالصوم، ويستحب صيامُ بعضهِ إذا كان مفرداً، ويكره إفرادُ القيام فيه أيضاً، ويكره أن يُتخذ عيداً.
• • •
стр. 96
الفصل الثّاني عشر
في ذكر شهر شعبان
عبادَ الله! قد أقبل عليكم شهرٌ مباركُ الأيام، وهو سببٌ لمحو الذنوبِ والآثام، وفيه يتوفر جزيل الفضل والإنعام، ويكتب أسماء من يموت في هذا العام.
عن عائشة ﵂، قَالَت: ما كانَ رسولُ الله ﷺ يصوم من شهرٍ من السنة أكثرَ من شعبانَ (١).
وعن عائشة أيضاً، قَالَت: كان رسولُ الله ﷺ يصومُ شعبانَ كلَّه حَتَّى يصلَه برمضان (٢).
وعن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "تُقْطَعُ الآجَالُ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى شَعْبَانَ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ يَنْكِحُ، وَيُولَدُ لَهُ، وَقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ في المَوْتَى" (٣).
стр. 97
فيا أيها الغافل! تنبه لرحيلك ومسراك، واحذر أن تسلب على موافقة هواك.
قَدْ آنَ بَعْدَ ظَلامِ الجَهْلِ إِبْصَارِي ... الشَّيْبُ أَصْبَحْ يُنَاجِيني بِإِسْفَارِ
لَيْسَ السَّعِيدُ الَّذِي دُنْيَاهُ تُسْعِدُهُ ... إِنَّ السَّعِيدَ الَّذِي يَنْجُو مِنَ النَّارِ
لقد بلغت المواعظ، وبلغت أي بلاع، وأي بلوغ وأنت تتلون هكذا وهكذا ثم تروغ! إياكَ وسؤرَ الهوى، فسؤرُ الهوى ما يسوغ.
إخواني! سلوا المقابر بألسنةِ الفِكْرة، تجيبكم بألسنةِ العِبْرة، أما يكفي العاقلَ تجاربُه؟! أما [أ] يقظَ الفطنَ نوائبُه؟! غلبَ الموتُ فمن ذا يغالبه؟! قهر الخلق فمن ذا يحاربُه؟!
كأنكم به قد دبَّتْ عقاربُه، قل للمفرِّطِ، وقد حانتْ مصائبُه: القلبُ غائبٌ فكيف تعاتبه؟!
وَمَكَاسِبُ الدُّنْيا وَإِنْ كَثُرَتْ فَما ... تبقى سِوَى تَبِعَاتِهَا وَالمَأْثَمِ
فَعَلَيْكَ بِالفِعْلِ الجَمِيلِ فَإِنَّهُ ... أُنْسُ المُقِيمِ غَداً وَزَادُ المُعْدِمِ
يا قليلَ النظر في أمرِه، يا غافلاً عن ذكرِ قبره، أما نقل الموتُ واحداً واحداً؟ وها هو قد أضحى نحوَكَ قاصداً، كم سلب ولداً، وأخذَ والداً! إِلَى متى تصبح جاهلاً، وتمسي مارداً؟ وتُحَضُّ علئ النهوض،
стр. 98
وما تبرَحُ قاعداً! لقد رضيتَ لنفسكَ الغبينَة، وبعتَ الدارَ الشريفةَ بالدارِ المَهينَة، وأعجبَك مع عقلِك ما يعجبُ الأطفالَ من الزينة، أتراك ما علمتَ أن الدنيا صحبةُ سفينة؟!
عَجِبْتُ لطالِبِ الأمْرِ البَصِيرِ بِما ... فِيهِ مِنَ الغَيِّ إِذْ يَسْعَى لَهُ طَلَبَا
وَلِلمُدَاوِي ضَنَى جِسْمٍ عَرَاهُ وَقَدْ ... دَعَا إِلَى نَفْسِهِ الأوْجَاعَ وَالوَصَبَا
إِذَا أتيْتَ المَعَاصِي فَاخْشَ غَايَتَهَا ... مَنْ يَزْرعِ الشَّوْكَ لا يَحْصُدْ بِهِ عِنَبا (١)
• • •
стр. 99
الفصل الثّالث عشر
فيما جاء في ليلة النصف من شعبان
عباد الله! ليلتكم هذه ليلة النصف عظيمةُ القدر، عجيبةُ الوصف، يطَّلع الله فيها على العباد، فيغفر لهم، ما خلا أهلَ العناد.
روي: أنّ الله "يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَغْفِرُ لِعِبَادِهِ إِلا المُشْرِكَ، وَالمُشَاحِنَ" (١).
وروي عن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "يَطَّلِعُ الله إِلَى خَلْقِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ، إِلا اثنيْنِ: مُشَاحِنٌ، وَقَاتِلُ النَّفْسِ" (٢).
قَالَ ابن الجوزيِّ: المشاحِنُ: الذي بينه وبين المسلم عداوة.
وقد قَالَ الأوزاعي: هو الذي في قلبه شحناءُ لأصحابِ رسولِ الله ﷺ .
وروي عن النبي ﷺ : أنّه قَالَ: "خَمْسُ لَيَالٍ لا يُرَدُّ فِيهِنَّ
стр. 100
الدُّعَاءُ"، فذكرَ منهن ليلةَ النصفِ من شعبان (١).
سَهْمُ المَنَايا أَبَداً صَائِبٌ ... يَدْعُو إِلَيْهِ النَّاسَ مُسْتَعْرِضَا
بَيْنَ الفَتَى في عَيْشِهِ نَاعِمٌ ... تَغُرُّهُ الأيَّامُ حَتَّى قَضَى
أين الحبيبُ والخليل؟ ودّعا، أين الرفيقُ؟ رحل عنكم [و] ودَّعا، اسمعوا عظةَ الزمان إن كنتم تسمعون، وتأملوا تقلب الأحوال إن كنتم تبصرون.
تَزَوَّدْ مِنَ الدُّنْيا فَإِنَّكَ هَالِكُ ... وَتَتْرُكُ لِلأَعْدَاء ما أَنْتَ مَالِكُ
وَوَسِّعْ طَرِيقاً أَنْتَ سَالِكُهُ غَداً ... فَلا بُدَّ مِنْ يَوْمٍ تَضِيقُ المَسَالِكُ
اجتهدوا الليلةَ في محو ذنوبكم، واستغيثوا إِلَى مولاكم من عيوبكم، هذه ليلة الإنابة، فيها تفتح أبواب الإجابة، أين اللائذُ بالجناب؟
أين المتعرضُ بالباب؟ أين الباكي على ما جنى؟ أين المستغفر لما قد دنا؟
تَعَالَوْا كُلّ مَنْ حَضَرَا ... لِنَطْرُقَ بَابَهُ سَحَرا
стр. 101
وَنَبْكِي كُلُنا أَسَفاً ... عَلَى مَنْ بَاتَ قَدْ هُجِرَا
إن الله يغفر ليلةَ النصف لعباده إلا مشاحن، وقاتل النفس، فينبغي للمؤمن أن يتفرغ في ليلة النصف لذكر الله، ودعائِه لغفران الذنوب، وستر العيوب، وتفريج الكروب.
خَابَ عبد بَارَزَ المَوْ ... لَى بِأسبَابِ المَعَاصِي
وَيْحَهُ مِما جَنَاهُ ... لَمْ يَخَفْ يَوْمَ القِصَاصِ
كُلُّ امْرِىءٍ مُصَبَّحٌ في أَهْلِهِ ... وَالمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
يا ذَا الَّذِي ما كَفَاهُ الذَّنْبُ في رَجَبٍ ... حَتَّى عَصَى رَبَّهُ في شَهْرِ شَعْبَانِ
لَقَدْ أَظَلَّكَ شَهْرُ الصَّوْمِ بَعْدَهُما ... فَلا تُصَيِّرْهُ أَيْضاً شَهْرَ عِصْيَانِ
وَاقْرَا القُرَانَ وَسَبِّحْ فِيهِ مُجْتَهِداً ... فَإِنَّهُ شَهْرُ تَسْبِيحٍ وَقُرْآنِ
هذه ليلةٌ أمرُها عظيم، والخيرُ فيها جزيلٌ عميم، وكفى وصفُها في الكتاب القديم، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾.
стр. 102
فيها تقسم الآجال والأعمار، فيها يكتب الحاجُّ والعُمَّار، كم جامع ديناراً إِلَى دينار [......] عند القصار، وهو يعمر الدار عمارة مقيم، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾.
مدوا أنامل الوَجَل إِلَى بابه، وابتغوا بالبكاء طريقَ أحبائه، وتعرضوا الليلةَ لجزيل ثوابه، واحذروا من سطوته وعقابه، فعقابه أليم، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾.
بين يديكم يومٌ لا كالأيام، يتنبه فيه من غفل ونام، وتزفر جهنم لأهل الآثام، ويجثو الخليل والكريم، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾.
قوموا بنا إِلَى مطلوبنا، قوموا بنا على باب [مولانا] نستغيث من ذنوبنا، لعله يهب على قلوبنا تسليم، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾.
لقد رصتكم المواعظُ وقوَّمتكم، وشرحت ما شكل عليكم، فهّمتكم وعلمتكم، ولا حيلة لي إلا التعليم، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤].
* * *
فصلٌ
يستحب صيام شهر شعبان، وقيامُه، وقيام ليلة النصف منه، وصيامُ يومها.
стр. 103
الفصل الرّابع عشر
في ذكر يوم الجمعة
عن أبي هريرة، [قَالَ]: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وَفيهِ خُلِقَ آدَمُ، وفيهِ دَخَلَ الجَنَّةَ، وفيهِ خَرَجَ مِنْهَا، وَلا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلا يَوْمَ الجُمُعَةِ" خرجه مسلم (١).
وعن أبي هريرة أيضاً: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "إِنَّ في الجُمُعَةِ لَسَاعَةً لا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ الله خَيْراً، إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ" (٢).
قَالَ رسول الله ﷺ : " [نحن] الآخِرُونَ الأوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ، أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتينَاه مِنْ بَعْدِهِمْ، يَوْمُكُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فيهِ هَدَانَا الله لَهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ".
قَالَ: "اليَوْمَ لَنَا، وَغَداً لِليَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى" (٣).
قل للعارفين: أنتم الصالحون، وأنتم في الجنان تُرَفَّهون، أبداً فيها
стр. 104
خالدون، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
وأنتم يا غافلون ارجعوا، وعن أنفسكم هذا فادفعوا، ومن كلام الشفيق اسمعوا، قبل أن تدركوا ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢].
شعر:
يا أَيُّهَا الغَافِلُ جَدَّ (١) الرَّحِيلُ ... وَأَنْتَ في لَهْوٍ وَزَادٍ قليلْ
فَأَخْلِصِ التَّوْبَةَ تَحْظَ بِهَا ... فَما بَقِي في العُمْرِ إِلا القَلِيلْ
وَلا تنَم إِنْ كُنْتَ ذَا غِبْطَةٍ ... فَإِنَّ قُدَّامَكَ يَوْمٌ طَوِيلْ
* * *
فصلٌ
يستحب الغسلُ يوم الجمعة، وقيل: يجب، ويستحب أن يتنظَّف ويتطَيَّب، ويلبس أحسن ثيابه.
* * *
стр. 105
فصلٌ
وهي واجبة على كل مسلمٍ، مكلّفٍ، مستوطنٍ بيتاً، ليس بينه وبينها أكثرُ من فرسخ.
ولا تجب على امرأةٍ، ولا خُنثى، ولا مسافرٍ، ولا عبدٍ.
ومن حضرها من هؤلاء، أجزأته، ولا تنعقد به.
وقيل في العبد: تجب عليه.
ومن لم تجب عليه الجمعة، لا يصلِّي حَتَّى يصلي الإمام.
ولا يسافر يوم الجمعة لجهاد، ولا غيره.
وقيل: يجوز لجهادٍ فقط.
* * *
فصلٌ
ومن أدرك ركعة من الجمعة، أتمها جمعةً، وإن أدرك أقلَّ من ذلك، أتمها ظُهراً، إذا كان نوى، وقيل: من غير نية.
* * *
فصلٌ
الخطبتان شرطٌ للجمعة، ويستحب أن يخطب على موضعٍ عالٍ، ويقصر الخطبة، ويدعو للمسلمين.
стр. 106
فصلٌ
يجهر بالقراءة، ويقرأ في الأولى: (الجمعةَ)، والثانية بـ (المنافقين)، وقيل: (سَبِّح) و (الغاشية).
* * *
فصلٌ
إن وقع العيدُ يومَ الجمعة، اجتزئ بالعيد، وصلَّوا ظُهراً، إلا الإمامَ.
* * *
فصلٌ
أقل السنة بعد الجمعة ركعتان، وأكثرها ستُّ ركعات.
* * *
فصلٌ
ويستحب أن يقرأ سورة الكهف يومَ الجمعة، وإكثارُ الذكر، والصلاةُ على النبي ﷺ ، وإكثارُ الدعاء.
стр. 107
فصلٌ
إذا وجد مُصلًّى مفروشاً، هل له رفعُه؟ على وجهين.
وليس له أن يتخطَّى رقابَ الناس.
* * *
فصلٌ
ولا يجوز الكلامُ في الخطبة، وقيل: يجوز، وقيل: يكره، ويجوز قبلَها وبعدَها (١).
• • •
стр. 108
الفصل الخامس عشر
في ذكر الخميس والإثنين
يوم الإثنين هو اليوم الذي وُلد فيه النبي ﷺ ، وبعث فيه، ومات فيه.
وعن أبي هريرة، [قَالَ]: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "تُعْرَضُ الأعْمَالَ يَوْمَ الإثنيْنِ، وَالخَمِيسِ، وَأُحِبّ أَنْ تُعْرَضَ أَعْمَالِي [وَأَنَا] صَائِمٌ" (١).
وعن عائشةَ، قَالَت: كان رسولُ الله ﷺ يتحرى صوم الإثنين والخميس (٢).
يا أيها المسكين! إِلَى كم هذا التماد؟ أما تعلم ما جرى لقوم عاد؟ دع عنك النومَ، وإياكَ وغضبَ الربِّ؛ فإنه ذو نفاد، ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤].
تَزَوَّدْ للَّذِي لا بُدَّ مِنْهُ ... فَإِنَّ المَوْتَ مِيقَاتُ العِبَادِ
стр. 109
أَتَرْضَى أَنْ يمُونَ رَفِيقَ قَوْمٍ ... لَهُمْ زَادٌ وَأَنْتَ بِغَيْرِ زَادِ
* * *
فصل
صوم يوم الإثنين والخميس مستحبٌّ، وأفضل الصيام صيام داود، وكان يصوم يوماً، ويفطر يوماً.
стр. 110
ال فصل السَّادس عشر
في ذكر أيام البيض
كان رسولُ الله ﷺ يصوم ثلاثةَ أيامٍ من [كل] شهر.
عن جابرِ بن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ ، قَالَ: "صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، صِيَامُ الدَّهْرِ" (١).
وأيام البيض: ثالث عشر، ورابع عشر، وخامس عشر.
وعن ملحانَ، قَالَ: كان رسولُ الله ﷺ يأمرنا بصيام أيام البيض (٢).
* * *
فصلٌ
صيام أيام البيض مستحب.
• • •