ممن يغضب الله لغضبه، ولا تُرَدُّ دعوتُه، فيكون ذلك سببَ المقت والطرد والكسر والحرمان.
وروي أن بعض الملوك أخربَ كوخًا لفقيرة، فلما شاهدَتْ ذلك، رفعت طَرْفَها إلى السماء، وقالت: يا ربِّ! أنا لم أكنْ، فأنتَ أين كنتَ؟ فأمرَ الله جبريلَ أن يخسفَ به وبملكه.
ومن لم يراقب الله، لم يراقبه الله، وقد نهى النبيُّ ﷺ عن حرق الكفار، فكيف بحريق المسلمين؟!
ومن لم يستحْيِ من الله أن يُغضبه، لم يستحيِ الله منه أن يعذِّبَه.
وفي "الصحيحين" وغيرهما: عن النبي ﷺ ، قال: "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (١).
وقال النبيُّ ﷺ : "المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ
وَيَدهِ" (٢).
وقال: "لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى الله مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ" (٣).
وقال: "شَرُّ النَّاِس مَنْزِلَةً عِنْدَ الله مَنْ انحطَّ في هَوَى أَخِيهِ وَهُوَ ظَالِمٌ، فَأَذْهَبَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ" (٤).
стр. 142
وقال: "لا يَرْحَمُ الله مَنْ لا يَرْحَمُ النَّاسَ" (١).
وقال: "ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، ارْحَمُوا أَهْلَ الأرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ" (٢).
وقال: "لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلا مِنْ كُلِّ شَقِيٍّ" (٣).
وقال النبيُّ ﷺ : "لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا" (٤).
وكل [...] من أشراط الساعة وعلاماتها، وقد أخبر النبيُّ ﷺ بذلك، فقال ﷺ : "أَمَامَكُمْ فِتَنٌ كَقِطَع اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا، ويُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَه بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا قَلِيلٍ" (٥).
قال أنسُ ﵁: والله! رأيناهم أجسادًا لا عقولَ لهم، يبيع أحدُهم دينَه بدرهمٍ.
قلت: قد والله! رأينا في زماننا هذا مَنْ يبيع دينَه بغيرِ شيء.
وقال ﷺ : "تَكُونُ فِتَنٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، والمَاشِي فِيَها خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَا أَوْ مَعَاذًا، فَلْيَعُذْ بِهِ".
стр. 143
فقال حذيفةُ ﵁: أرأيتَ إن أدركَني ذلك كيف أصنع؟
قال: "ادْخُلْ بَيْتَكَ، وَأَغْلِقْ عَلَيْكَ بَابَكَ".
قال: أفرأيتَ لو دخلَ عليَّ بيتي؟
قال: "ادْخُلْ مَخْدَعَكَ".
قال: أرأيتَ إن دخلَ عليَّ مخدعي؟
قال: "غَطِّ عَيْنَيْكَ، وَكُنْ كَابن آدَمَ المَقْتُولِ [...] وَلا تَقْتُلْ مُسْلِمًا".
وفي رواية: أرأيتَ إن دخلَ عليَّ أحدٌ يقتلني؟ قال: "قُلْ لَهُ: بُؤْ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ، فَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ، وَتَكُونُ مِنْ أَصحَابِ الجَنَّةِ".
فوالله! لزوالُ الدنيا كلِّها [....] وجملة الفقراء، بل ويموت خير له من أن يُذهب آخرتَه، أو يقتل مسلمًا.
فالله الله يا عبادَ الله! فقد أظلَّتكُم الساعةُ وقيامُها، وخروجُ الدجال؛ فإن هذا الذي أنتم فيه من جملة علاماته وظهوره؛ فإني أظن [أنه] خارجٌ فيكم لا محالةَ، وهذه أيامُه وعلاماته.
وقد قال النبيُّ ﷺ : "إِذَا وَقَعَ السَّيْفُ في أُمَّتِي، لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَجٌ إِلا الدَّجَّالُ".
وقد رُوي عن أُهبان بن صَيفيٍّ، وكان من فرسان الإِسلام: أنه جاء إليه عليُّ بن أبي طالبٍ يريد منه أن يركبَ معه يقاتلُ معه، فقال له: إن خليلي وابن عمِّك عَهِدَ إليَّ إذا اختلفَ الناسُ: أن اتخذَ سيفًا من خشب،
стр. 144
فقد اتخذتُه، فإن شئتَ، خرجتُ معكَ به، قال: فتركه (١).
وقال النبيُّ ﷺ : "أَمَامَكُمْ فِتَنٌ، فَاكْسِرُوا فِيَها قِسِيَّكُمْ، وَقَطِّعُوا فِيَها أَوْتَاركُمْ، وَالْزَمُوا فِيهَا أَجْوَافَ بُيُوتكُمْ، وَكُونُوا كَابن آدَمَ المَقْتُولِ" (٢).
ويقول كما قال النبيُّ ﷺ : حين قال له الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
وصلى الله على سيدنا محمَّد، وآله وصحبه وسلم.
* * *
* وكان بعضُ السلف يخاف من أن يعير أحدًا، أو يوبخه في المعاصي.
كما أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن البالسيِّ: أنا المِزِّيُّ: أنا ابن أبي عمرَ: أنا الإمامُ أبو الفَرَجِ: أنا محمدُ بن أبي منصورٍ: أنا أحمدُ بن عليٍّ: أنا أبو عبد الرحمن السلميُّ، سمعتُ محمدَ بن أحمدَ الفراءَ يقول: سمعتُ عبد الله بن الحجامِ يقولى: [قال حمدونٌ:] إذا رأيتَ سَكْرانًا، فتمايَلْ؛ لئلا تنعى عليه، فَتُبْتَلى بمثلِ ذلك.
стр. 145
وكان يقول: لا تَفُتِّشْ على أحدٍ ما تحبُّ أن يكون مستورًا عليك.
وربما كان مَنْ آذيتَه من أولياء الله يعرفُ الإسمَ الأعظمَ، فيدعو عليك، فتقعُ عليك تعاسةُ الدنيا والآخرة.
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَجِ: أنا أبو بكرِ بن حبيبٍ: أنا أبو سعيدِ بن أبي صادقٍ: أنا ابن باكويهِ: أنا نصرٌ الطوسيُّ: ثنا عليُّ بن محمدٍ: ثنا أبو سعيدٍ أحمدُ بن سعيدٍ: حدثني سعيدُ بن جعفرٍ، وهارونُ الأرمنيُّ، وعثمانُ التمارُ، قالوا: ثنا عثمانُ بن عمارةَ: حدثني إبراهيمُ بن أدهمَ، قال: لقيتُ أسلمَ بن زيدٍ الجهنيَّ، فقلت له: إني صحبتُ رجلاً من الكوفة إلى مكة، فرأيته إذا مشى، يصلي ركعتين، ثم يتكلم بكلام خفي بينه وبين نفسه، فإذا جفنةٌ من ثريد عن يمينه، وكوزٌ من ماء، وكان يأكل ويطعمني، فبكى، وقال: يا بني! ذاك أخي داودُ مسكنُه من وراء بَلْخٍ بقرية يقال لها: المازرة الطيبة، وإنها تفاخر البقاعَ بكينونة داودَ فيها، يا غلام! ما قال لك، وما علَّمك؟ قلت: علَّمني اسم الله الأعظم. قال: ما هو؟ قلت: إنه يتعاظم عَلَيَّ أن أنطقَ به؛ فإنني سألتُ به مرةً، فإذا برجل آخذ بِحُجْزَتي، فقال: سَلْ تُعْطَهْ، فراعني ذلك، وفزعتُ فزعًا شديدًا، فقال: لا روعَ عليك، أنا أخوك الخضر، إن أخي داودَ علَّمَكَ اسمَ الله الأعظمَ، فإياك أن تدعوَ به على رجل بينك وبينه نزع، فتهلكه هلاك الدنيا والآخرة، ولكن ادعُ الله أن يُثَبِّتَ به قلبَك، ويشجعَ به جَنبك، ويقويَ به ضعفَك، ويؤنس به وحشتَك، ويؤمن به روعتك (١).
стр. 146
وبه إلى ابن الجوزيِّ: أنا المحمدانِ: أنا حمدٌ: أنا أحمدُ بن عبد الله: ثنا عبد الله بن محمدٍ: ثنا عمرُ بن الحسنِ: ثنا محمدُ بن أبي عمرانَ: سمعت حاتمَ الأصمَّ يقول: كنا مع شقيقٍ البَلْخي ونحن مُصَافُّو التركِ في يومٍ لا أرى فيه إلا رؤوسًا تُنْدَرُ، وسيوفًا تُقطع، فقال لي شقيقٌ ونحن بين الصفين: كيف ترى نفسَكَ في هذا اليوم؟ تراها مثلَها في الليلة التي زُفَّت إليك امرأتُك؟ فقلت: لا والله! قال: لكني والله أرى نفسي في هذا اليوم مثلَها في الليلة التي زُفَّت فيها امرأتي.
قال: ثم نام بين الصفين ودَرقَتُه تحت رأسه، حتى سمعتُ غطيطَه (١).
وبه إلى أحمدَ بن عبد الله: ثنا أحمدُ بن إسحاقَ: أنا أبو بكرٍ أحمدُ بن أبي عاصمٍ يقول: سمعتُ أبا ترابٍ يقول: سمعت حاتمًا الأصمَّ يقول: قال لي شقيقٌ: اصحبِ الناسَ كما تصحبُ النارَ؟ خذْ منفعتَها، واحذرْ أن تُحرقك (٢).
وبه إلى أحمدَ بن عبد الله: ثنا عبد الرحمن بن محمدٍ: ثنا أحمدُ بن عيسى: ثنا سعيدُ بن العباسِ: ثنا أبي: ثنا حاتمٌ الأصمُّ، قال: سمعت شقيقًا يقول: مَثَلُ المؤمنِ كمثلِ رجلٍ غرسَ نخلةً، وهو يخافُ أن يحملَ شوكًا، ومثلُ المنافقِ كمثلِ رجلٍ زرعَ شوكًا، وهو يطمعُ
стр. 147
أن يجنيَ ثمرًا، هيهاتَ هيهاتَ! كلُّ مَنْ عمل حسنًا، فإن الله لا يجزيه إلا حسنًا، ولا تنزل الأبرارُ منازلَ الفجار (١).
وبه إلى ابن الجوزيِّ: أنا عمرُ بن طغر: أنا جعفرُ بن أحمدَ: ثنا عبد العزيزِ بن عليٍّ: ثنا عليُّ بن عبد الله، عن عليِّ بن الموفقِ، قال: سمعتُ حاتمًا يقول: لقينا التركَ، وكان بيننا جولةٌ، فرماني تركي بوهق، فقلبني عن فرسي، ونزل عن دابته، فقعد على صدري، وأخذ بلحيتي، وأخرج من خفه سكينًا ليذبحني، فَوَحَقِّ سيدي! ما كان قلبي عنده، ولا عند سكينه، إنما كان عند سيدي، أنظرُ ماذا ينزل به القضاء منه (٢).
فقلت: سيدي! قضيتَ عليَّ أن يذبحني هذا، فعلى الرأس والعين، وها أنا لك ومليكك، فبينا أنا أخاطب سيدي، وهو قاعد على صدري ليذبحني، إذا سهم قد نحوه، فسقط، فأخذت السكين من يده، وذبحته، فما هو إلا أن تكون قلوبُكم عند السيد حتى تروا منه ما لم تروا من الآباء والأمهات.
* فكَمْ في غوغاءِ عبادِ الله ، من أسودَ وأحمرَ، لو توجَّه إلى الله في أمر، أجابَهُ إليه.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أنا ابن ناصرٍ: أنا الحسنُ بن أحمدَ: أنا
стр. 148
هلالُ بن محمدٍ: أنا عليُّ بن محمدٍ: ثنا محمدُ بن عيسى: حدثني محمدُ بن عبد الرحمن، عمَّنْ حدثه: أنهم كانوا بالبصرة، في سنة قحط وغلاء، واحتبس القطر، فخرجوا يستسقون، وخرجت اليهود والنصارى، فاعتزلت اليهود ومعهم التوراة، والنصارى ومعهم الإنجيل، والمسلمون ومعهم القرآن، كلهم يدعون، وانصرفوا ولم يُسْقَوْا.
فبينا أنا أمشي في طريق المزن، نظرت إذا بين يديَّ فتى عليه أطمارٌ رثةٌ، ثقيلة البؤس، فهو يمشي وأنا خلفه حتى خرج إلى الجَبَّان، فدخل بعضَ تلك المساجد التي بالقرب من المقابر، ودخلتُ خلفه، تحولُ بيني وبينه أركانُ المسجد، فصلى ركعتين، ثم رفع يديه يدعو، وقال في دعائه: يا ربِّ! استغاث بك عبادُك، فلم تَسقهم، يا ربِّ! الآنَ شَمِتَ بنا اليهودُ والنصارى، أقسمتُ عليه يا ربِّ إلا سقيتنا الساعةَ، ولم تَرُدَّني.
قال: فما برح يدعو حتى جاءت السحابة، ومُطرنا، فخرجَ، وخرجتُ في أثره لأعرف موضعه.
فلما عرفتُه، انصرفتُ، وهيأتُ دراهمَ في صُرَّة، ثم جئت فاستأذنت عليه، فدخلت، وإذا ليس في البيت إلا قطعةُ حصيرٍ ومطهرةٌ فيها ماء، وإذا هو قاعد يعمل الخوصَ، فسلَّمت، فرحَّب بي وبَشَّ، فتحدثتُ معه ساعةً، ثم أخرجتُ الصرةَ، فقلت: رحمك الله! انتفعْ بهذه، فتبسم وقال: جزاك الله خيرًا، أنا غنيٌّ عنها. فألححتُ عليه، فجعل يدعو ويأبى أن يأخذها. فلما أكثرت عليه، تنكر لي وقال: حسبُك الآنَ، ليس بي إليها حاجة.
стр. 149
قال: فأقبلت عليه فقلتُ: رحمك الله! إن لي عليك حقًا، قال: وما هو رحمك الله؟ قلت: كنت أسمعُ دعاءك حين خرجت إلى الجبان.
قال: فاصفرَّ وجهُه حتى أنكرتُه، وساءه ما قلتُ له. ثم خرجت من عنده.
فلما كان بعد ذلك بأيام، أتيتُه، فلما دخلتُ الدار، إذا هم يصيحون بقيِّمِ الدار: هو ذا، هو ذا قد جاء. فجاء إلى، فتعلق بي، وقال: يا عدوَّ نفسه! ما صنعتَ بذاك الفتى الذي جئته يوم كذا وكذا؟ أي شيء سمعته؟
فقلت: لا تعجَلْ حتى أُخبرك بالحديث، فقال: إنك لما خرجتَ من عنده، قام في الحال، فأخذ حصيرَه ومطهرتَه، وودَّعَنا، وخرج ولم يعدْ إلينا إلى الساعة.
فكم في الخلائق من واحدٍ هكذا!
* وربما قضى الله حاجةَ أحدِهم قبل أن يسأله إياها.
كما أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ وغيرُه: أنا والدي، والمزيُّ، وغيرُهما: أنا ابن أبي عمرَ، وابن البخاريِّ، وغيرُهما: أنا ابن الجوزيِّ: أنا عبد الله بن عليٍّ، ومحمدُ بن أبي منصورٍ: أنا طرادُ بن محمدٍ: أنا أبو الحسينِ بن بشرانَ: أنا ابن صفوانَ: أنا أبو بكرِ بن عبيدٍ: حدثني محمدُ بن الحسينِ: ثنا
داودُ بن المحبرِ، عن صالحٍ المريِّ، قال: كان عطاءٌ السلميُّ لا يكاد يدعو، إنما يدعو بعضُ أصحابه، ويؤمِّن هو.
стр. 150
قال: فحُبس بعضُ أصحابه، فقيل له: ألك حاجةِّ؟ قال: دعوةِّ من عطاءٍ أن يفرِّجَ الله عني.
قال صالح: فأتيته فقلتُ: يا أبا محمَّد! أما تحب أن يفرجَ الله عنك؟ قال: بلى والله! إني لأحبُّ ذلك، قلت: فإن جليسك فلانًا قد حُبس، فادعُ الله أن يفرج عنه. فرفع يديه وبكى وقال: إلهي! قد تعلم حاجتنا قبل أن نسألكها، فاقضها لنا.
قال صالح: فوالله! ما برحنا من البيت حتى دخل الرجل علينا.
فانظر بعينك؛ فإن الله يعطيهم قبل أن يسألوه، فإياك منهم أن يخطر ببالهم الدعاءُ عليك، فتهلك.
فيا معشرَ مَنْ لا يعقل! تبصَّروا، وكُفُّوا عن أذى الناس وترويعهم.
أخبرنا جدِّي: أنا الصلاحُ بن أبي عمرَ: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا ابن الجوزيِّ: قرأت على أبي الفضلِ بن أبي منصورٍ، عن أبي القاسمِ بن الفسويِّ، عن عبد الله بن بَطَّةَ: أنا أبو بكرٍ الآجريُّ: أنا محمدُ بن البرديِّ: أنا أبو بكرٍ المروذِيُّ: سمعت أبا جعفرٍ البزازَ يقول: سمعت بِشْرًا يقول: ثنا حمادُ بن زيدٍ، عن ابن عونٍ: أنه كانت له حوانيتُ يُكريها. فكان لا يُكريها من المسلمين. فقيل له في ذلك، فقال: إن لها إذا جاء رأس الحول روعةً، وإني أكره أن أروع المسلم.
وبه إلى ابن الجوزيِّ: أنا محمدُ بن ناصر: أنا المباركُ بن عبد الجبارِ: أنا أبو بكر محمدُ بن عليٍّ الخياطُ: أنا محمدُ بن أبي الفوارسِ: أنا أحمدُ بن جعفرٍ: أنا أحمدُ بن محمدٍ: أنا أبو بكرٍ
стр. 151
المروذِيُّ، قال: سمعتُ أبا عبد الله أحمدَ بن حنبلٍ، وذكر ابن عونٍ، فقال: كان لا يُكري دورَه من المسلمين. قلت: لأي علة؟ قال: لئلا يروِّعَهم.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدين: أنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: أنا أبو الأزهرِ ضمرةُ بن حمزةَ المقدسيُّ في كتابه، وحدثني عنه محمدُ بن إبراهيمَ: حدثني أبي: ثنا عبيدُ الله بن عبيدٍ: ثنا أبي: ثنا عبد الله بن إدريسَ، عن مالكِ بن دينارٍ، قال: احتبسَ علينا المطرُ، فخرجنا يومًا بعد يوم نستسقي، فلم نر أثرَ الإجابة، فخرجت أنا وعطاءٌ السلميُّ، وثابتٌ البنانيُّ، ومحمدُ بن واسعٍ، وحبيبٌ الفارسيُّ، وصالحٌ المريُّ في آخرين، حتى صرنا إلى المصلى بالبصرة، فاستسقينا، فلم نر أثر الإجابة، وانصرف الناس، وبقيت أنا وثابتٌ في المصلى، فلما أظلم الليل، إذا بأسودَ دقيقِ الساقين، عظيمِ البطنِ، عليه مئزران من صوف، فجاء إلى ماء فتمسح، ثم صلى ركعتين خفيفتين، ثم رفع طرفه إلى السماء فقال: يا سيدي! إلى كَمْ تردد عبادَكَ فيما لا ينقصُك؟! أَنَفِدَ ما عندَك، أم نفدَت خزائن قدرتك؟ أقسمتُ عليك بحبك لي إلا ما سقيتنا غيثك الساعةَ. فما أتمَّ الكلامَ حتى تغيمت السماءُ وأخذتنا كأفواه القرب، فما خرجنا حتى خُضْنا الماء، فتعجبنا من الأسود، فتعرضتُ له، فقلتُ: أما تستحي مما قلتَ؟ قال: وما قلتُ؟ قال كقولك: بحبك لي، وما يدريك أنه يحبك؟ قال: تنحَّ عن همتي يا من اشتغل عنه بنفسه، أين كنت أنا حين خصني بتوحيده وبمعرفته؟
стр. 152
أتراه بدأني بذلك إلا لمحتبه لي؟ ثم بادر يسعى، فقلت: ارفق بنا، قال: أنا مملوك عليَّ فرضٌ من طاعة مالكي الصغير, فدخل دار نخاس، فلما أصبحنا، أتيت النخاسَ، فقلت له: عندك غلام تبيعنيه للخدمة؟ قال: نعم، عندي مئة غلام فجعل يُخرج إليَّ واحدًا بعد الَآخر، وأنا أقول: غير هذا، إلى أن قال: ما بقي عندي أحد، فلما خرجنا، إذ أنا به نائم في حجرة خربة، فقلت: بعني هذا، فقال: هذا غلام مشؤوم، لا همةَ له إلا البكاء، فقلت: لذاك أريده، فدعاه وقال: خذه بما شئت بعد أن تبرئني من عيوبه، فأخذته بعشرين دينارًا، فلما خرجنا، قال: يا مولاي! لم اشتريتني؟ فقلت له: لأخدمك، قال: ولم؟ قلت: ألستَ صاحبنا البارحةَ في المصلَّى؟ قال: وقد اطلعتَ على ذلك؟ فجعل يمشي حتى دخل مسجدًا، فصلى ركعتين ثم قال: إلهي وسيدي! سِرٌّ كان بيني وبينك أظهرتَه للمخلوقين، أقسمتُ عليك إلا قبضتَ روحي، فإذا هو ميت، فبقبره يُستسقى به، وتُطلب الحوائج (١).
* ومنهم قومٌ لم يتعرضوا على الربِّ في تصريفه في الزمان، ولم يريدوا غيرَ الذي أراد، ولم يتعرضوا.
وقد أخبرنا جدِّي: أنا الصلاحُ بن أبي عمرَ: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا ابن الجوزيِّ: أنا إسماعيلُ بن أحمدَ: ثنا محمدُ بن هبةِ الله: أنا محمدُ بن الحسينِ: أنا عبد الله بن جعفرٍ: ثنا يعقوبُ بن
стр. 153
شعيبٍ: ثنا سليمانُ بن حربٍ، قال: قال حمادُ بن زيدٍ: سمعت أيوبَ يقول: إذا لم يكنْ ما تريدُ، فأَرِدْ ما يكونُ (١).
وحُقَّ لكلِّ أحدٍ منا أن يصبر على الزمان، فانه لا يأتي زمانٌ ولا يوم ولا ساعة إلا والذي بعدَه شرٌّ منه.
أخبرنا أبو حفصٍ المقرئُ: أنا الإمامُ أبو الحسنِ: أنا المحبوبيُّ: أنا ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا أبو طالبٍ اليوسفيُّ: أنا ابن المذهبِ: أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: أنا عبد الله بن أحمدَ: أنا أبي: ثنا أبو معاويةَ: ثنا مالكٌ، عن الحسنِ: أنه كان يقول: ما لي لا أرى زمانًا إلا بكيتُ منه، فإذا ذهبَ، بكيت عليه.
وأنشدونا في معنى ذلك:
رُبَّ دَهْرٍ بَكَيْتُ مِنْهُ ... فَلَمَّا صِرْتَ بِغَيْرِهِ بَكَيْتُ عَلَيْهِ
* وهم قوم جادوا بأنفسهم لله .
أخبرنا جدِّي: أنا الصلاحُ بن أبي عمرَ: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا الإمامُ أبو الفَرَجِ: أنا أبو بكر بن حبيبٍ البغداديُّ: أنا عليُّ بن أبي صادقٍ: أنا ابن باكويهِ: ثنا نصرُ بن أبي نصرٍ: ثنا عليُّ بن محمدٍ: حدثني سعيدُ بن جعفرٍ، وهارونُ الأرمنيُّ، وعثمانُ التمارُ، قالوا: ثنا عثمانُ بن عمارةَ: حدثني إبراهيمُ بن أدهمَ، قال: لقيتُ رجلاً بالإسكندرية يقال له: أسلمُ بن زيدٍ الجهنيُّ، فقال: من أنت يا غلام؟
стр. 154
قلت: شابٌّ من أهل خراسان.
قال: ما حملَك على الخروجِ من الدنيا؟
قلت: زهدًا فيها، ورجاء ثواب الله .
فقال: إن العبد لا يتمُّ رجاؤه لثواب الله حتى يحملَ نفسَه على الصبر.
فقال له رجل ممن كان معه: وأيُّ شيء الصبرُ؟
قال: إن أدنى منازل الصبر: أن يروضَ العبدُ نفسَه على احتمال مكارِهِ الأنفس.
قال: قلت: ثم مه؟
قال: إذا كان محتملًا للمكاره، أورث الله قلبه نورًا.
قلت: فماذا النور؟
قال: سراجٌ يكون في قلبه يفرق بين الحق والباطل والمتشابه.
ثم قال: يا غلام! إياك إذا صحبتَ الأخيارَ وجاريتَ الأبرارَ أن تُغضبهم عليك؛ لأن الله تعالى يغضب لغضبهم، ويرضى لرضاهم، وذلك أن الحكماء هم العلماء، وهم الراضون عن الله إذا سخط الناس، يا غلام! احفظْ عني واعقلْ، واحتملْ ولا تعجَلْ، إياك والبخلَ.
قلت: وما البخلُ؟
стр. 155
قال: أما البخلُ عند أهل الدنيا، فهو أن يكون الرجل ضنينًا بماله، وأما عند أهل الآخرة، فهو الذي يضنُّ بنفسه عن الله، ألا وإن العبد إذا جاد بنفسه لله، أورث الله قلبَه الهدى والتقى، وأُعطي السكينةَ والوقارَ، والحلمَ الراجحَ، والعقلَ الكامل.
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَجِ: أنا المحمدان: ابن ناصر، وابن عبد الباقي، قالا: أنا حمدٌ: أنا أحمدُ بن عبد الله: ثنا عثمانُ بن محمدٍ: قرئ على أبي الحسينِ السريريِّ: سمعتُ يوسفَ بن الحسينِ يقول: سمعت ذا النون يقول: بصحبة الصالحين تطيبُ الحياة، والخيرُ مجموعٌ في القرين الصالح، إن نسيتَ ذَكَّرَكَ، وإن ذكرتَ أعانَكَ (١).
قال: وسمعتُه يقول: مَنْ لم يعرفْ قدرَ النعم، سُلِبَها من حيثُ لا يعلم (٢).
وبه إلى أحمدَ بن عبد الله: ثنا محمدُ بن إبراهيمَ: ثنا أبو حامدٍ النيسابوريُّ: ثنا عبد القدوس بن عبد الرحمن: سمعتُ ذا النونِ يقول: إلهي! لو أصبتُ موئلًا في الشدائد غيرَك، أو ملجأً في النوازل سواك، لحقَّ لي أن لا أعرضَ إليه بوجهي عنك، ولا أختاره عليك؛ لقديم إحسانك إليَّ وحديثه، وظاهرِ مِنَّتِكَ عليَّ وباطنها, ولو تقطعتُ في النبلاء إربًا إربًا، وانصبَّتْ عليَّ الشدائدُ صَبًّا صَبًّا، لا أجد مشتكى لبثِّي غيرَك، ولا مُفَرِّجًا لما بي عني سواك، فيا وارث الأرض ومَنْ عليها، ويا
стр. 156
باعثَ جميعِ مَنْ فيها! ورث آملي فيك مني أملي، وبلِّغ همتي فيك منتهى وسائلي (١).
وبه إلى أحمدَ بن عبد الله: ثنا أحمدُ بن مصقلةَ: ثنا سعيدُ بن عثمانَ، قال: سمعتُ ذا النونِ يقول: من ذبحَ حنجرةَ الطمعِ بسيف اليأس، وردمَ خندقَ الحرصِ، ظفرَ بكيمياء الخدمة، ومن استقى بحبل الزهد على دَلْو العُزوف، استقى من جُبِّ الحكمة، ومن سلكَ أوديةَ الكَمَد، جنى حياة الأبد، ومن حصدَ عشبَ الذنوب بمنجل الورع، أضاءت له روضة الإستقامة، ومن قطع لسانه بشفرة الصمت, وجد عذوبةَ الراحة، ومن تَدَرَّعَ دَرعَ الصدق، قويَ على مجاهدة عسكرِ الباطل، ومن فرح بمِدْحَة الجاهل، ألبسه الشيطانُ ثوبَ الحماقة.
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَجِ: أنا محمدُ بن أبي منصورٍ: أنا الحسينُ بن عبد الجبارِ: أنا أبو سعيدٍ مسعودُ بن ناصرٍ: أنا أبو حازمٍ العبدويُّ: أنا ابن جهضمٍ: أنا محمدُ بن جعفرٍ: ثنا يحيى بن الحسنِ، عن معروفٍ الكرخيِّ، قال: رأيتُ في البادية شابًا حسنَ الوجه، له ذؤابتان حسنتان، وعلى رأسه رداء قصب، وعليه قميصُ كتان، وفي رجليه نعلُ طاق.
قال معروف: فتعجبتُ منه في مثل ذلك المكان ومن زِيِّه.
فقلت: السلامُ عليك ورحمةُ الله وبركاته.
فقال: وعليكَ السلامُ ورحمةُ الله يا عَمّ.
стр. 157
فقلت: الفتى من أين؟
قال: من مدينة دمشقَ.
قلت: ومتى خرجتَ؟
قال: ضحوةَ النهار.
قال معروف: فتعجبتُ، وكان بينه وبين الموضع الذي رأيتُه فيه مراحلُ كثيرة، فقلت له: وأين المقصد؟
قال: مكة.
فعلمتُ أنه محمول، فودعته، ومضى ولم أره حتى مضت ثلاثُ سنين، فلما كان ذات يوم أنا جالس في منزلي أتفكر في أمره، وما كان منه، إذا بإنسان يدق الباب، فخرجت إليه، فإذا أنا بصاحبي، فسلمت عليه، وقلت: مرحبًا وأهلاً، وأدخلته المنزل، فرأيته منقطعًا والهًا تالفًا، عليه زر مانقة، حافيًا حاسرًا.
فقلت: هيه، أيُّ شيء الخبرُ؟
فقال: يا أستاذ! لاطَفَني حتى أدخَلَني الشبكةَ، فرماني، فمرة يلاطفني، ومرة يهددني، ويجيعني مرة، ويكرمني أخرى، فليته وقفني على بعض أسرار أوليائه، ثم فعل بي ما يشاء.
قال معروف: فأبكاني كلامه.
فقلت له: فحدِّثني [عن] بعض ما جرى عليك منذ فارقتني.
فقال: هيهاتَ أن أُبديه، وهو يريد أن يُخفيه، ولكن أُبدي لكَ
стр. 158
بعضَ ما فعل بي في طريقي إليك، مولاي وسيدي، ثم استفرغه البكاء. فقلت: وما فعل بك؟
قال: جَوَّعني ثلاثين يومًا، ثم جئتُ إلى قرية فيها مِقْثاةٌ قد نبذ منها الدود وطرح، فقعدت آكل منه، فبصر بي صاحبُ المقثاة، فأقبل إلى يضرب ظهري وبطني، ويقول: يا لص! ما خرب مقثأتي غيرُك، منذ كم أرصدُك حتى وقعتُ عليكَ، فبينا هو يضربني إذ أقبل فارسٌ إليه مسرعًا، وقلب السوطَ في رأسه، وقال: تعمدُ إلى ولي من أولياء الله، فتقول له: يا لص؟! فأخذ صاحبُ المقثاة بيدي، فذهب بي إلى منزله، فما أبقى من الكرامة شيئًا إلا عمله معي، واستحلني، وجعل مقثاته لله ولأصحاب معروف.
فقلت له: صفْ لي معروفًا، فوصفَكَ لي، فعرفتُك بما كنت شاهدتُه من صفتك.
قال معروفٌ: فما استتمَّ كلامَه حتى دقَّ صاحبُ المقثاةِ البابَ، ودخل إليَّ، وكان موسِرًا، فخرج من جميع ماله، وأنفقه على الفقراء، وصحبَ الشابَّ سنةً، وخرجا إلى الحج، فماتا في الربذة.
وبه إلى الإمامِ أبي الفرجِ: أنا عبد الملكِ بن أبي القاسمِ: أنا أبو عبد الله محمدُ بن عليٍّ: أنا أبو الفضلِ الفاميُّ: أنا محمدُ بن أحمدَ المروانيُّ: حدثني محمدُ بن المنذرِ: ثنا عيسى بن أبي موسى: أنا أبو عبيدِ الله الإمامُ: سمعت أبا عبد الله النباجيَّ يقول: إذا كان عندك ما أعطى الله نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا ﵈ ولا تراه شيئًا، وإنما تريد ما أعطى الله نمرودَ وفرعونَ وهامانَ، متى تفلح؟
стр. 159
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَجِ، قال: أبو الخيرِ التينانيُّ الأقطعُ كان مقطوعَ اليد، وكان سببُ ذلك: أنه كان في جبال أنطاكية يطلب المباح، وينام بين الجبال، وكان عاهدَ الله أن لا يأكل من ثمر الجبال إلا ما طرحَتْه الريح، فبقي أيامًا لا تطرح الريح له شيئًا، فرأى يومًا شجرة كُمَّثْرى، فاشتهى منها، فلم يفعل، فأمالتها الريحُ إليه، فأخذ واحدة بيده، واتفق أن لصوصًا قطعوا هنالك الطريق، وجلسوا يقتسمون، فوقع عليهم السلطانُ فأخذهم، وأُخذ معهم، فقُطعت أيديهم وأرجلهم، وقُطعت يدُه، فلما هموا بقطع رجله، عرفه رجلٌ، فقال للأمير: أهلكتَ نفسَك، هذا أبو الخير، فبكى الأمير، وسأله أن يجعله في حِلٍّ، ففعل، وعوتب، فقيل له: هلا عرفتنا نفسَك؟ فقال: أنا أعرف ذنبي؟ إشارةً منه أنه عاهدَ الله أن لا يأخذَ إلا ما ألقته الريح، فأخذ بها غيرَ ما ألقته الريح، فقُطعت.
وبه إلى أبي الفرج: أنا المحمدان: ابن عبد الملكِ، وابن ناصرٍ، قالا: أنا أحمدُ بن خيرون: أنا أبو الحسينِ الصوفيُّ: أنا عليُّ بن المثنئ: سمعت أبا الخيرِ التيناتيَّ الأقطعَ يقول: ما بلغَ أحدٌ إلى حالةٍ شريفةٍ إلا بملازمةِ الموافقةِ، ومعانقةِ الأدب، وأداء الفرائض، وصحبة الصالحين، وخدمة الفقراء الصادقين (١).
وبه إلى الإمامِ أبي الفرجِ: أنا عمرُ بن طغر: أنا جعفرُ بن أحمدَ: أنا عبد العزيزِ بن عليٍّ: أنا ابن جهضمٍ: حدثني محمدُ بن داودَ:
стр. 160
سمعتُ ابن الجلاءِ يقول: سمعتُ أبا سليمانَ المقرئَ قال: كنت أحملُ الحطبَ، وأتقوَّتُ منه، وكان طريقي فيه التوقِّي والتحري، قال: فرأيت جماعةً من البصريين في النوم، منهم. الحسنُ، ومالكُ بن دينارٍ، وفرقدٌ السبخيُّ، فسألتُهم عن علة حالي، فقلتُ: أئمة المسلمين دَلُّوني على الحلال الذي ليس لله فيه تَبِعَةٌ، ولا للخَلْق فيه مِنَّة، فأخذوا بيدي، وأخرجوني من طرسوسَ إلى مرجٍ فيه خُبَّازَى، فقالوا لي: هذا الحلالُ الذي ليس لله فيه تبعة، ولا للمخلوق فيه منة.
قال: فمكثتُ آكلُ منه نصفَ سنة، ثلاثة أشهر في دار السبيل، آكلُه نيِئًا ومطبوخًا، فصار لي حديث. فقلت: هذه فتنة.
فخرجتُ من دار السبيل، فكنت آكلُه ثلاثةَ أشهر أُخر. فأوجدني الله قلبًا طيبًا حتى قلتُ: إن كان أهلُ الجنة بهذا القلب الذي لي، فهمْ والله في شيء طيب، وما كنت آنسُ بكلام الناس، فخرجتُ يومًا من باب قلمية إلى صهريج يعرف بالمدنف، فجلست عنده، فإذا أنا بفتى قد أقبل من ناحية لامش يريد طرسوس، وقد بقي معي قطيعات من ثمن الحطب الذي كنت أجيء به من الجبل، فقلت: أنا قد قنعت بهذا الخبازى، أعطي هذه القطعَ هذا الفقيرَ، إذا دخل طرسوسَ اشترى بها شيئًا وأكلَه، فلما دنا مني، أدخلت يدي إلى جيبي حتى أُخرج الخرقةَ، فإذا أنا بالفقير قد علمَ ما أُريد، وحرك شفتيه، وإذا كلُّ ما حولي من الأرض ذَهَبٌ يَتَّقَدُ حتى كاد يخطفُ بصري، ولبستني منه هيبةٌ، فجازَ ولم أسلِّم عليه من هيبته.
стр. 161
زاد أبو الفرج بن أبان: فقلت له: فهل رأيتَه بعد ذلك؟
قال: نعم، خرجتُ يومًا خارجَ طرسوس، إذا به جالسٌ تحت برجٍ من الأبرجة، وبين يديه ركوةٌ فيها ماء، فسلمت عليه، ثم استدعيت منه موعظة، فمدَّ رجلَه فقلب بها الماء، ثم قال: كثرةُ الكلامِ تنشِّف الحسناتِ كما نشفت الأرضُ هذا الماء. ثم قال: حسبك.
وبه إلى الإمامِ أبي الفرجِ: أنا محمدُ بن أبي القاسمِ: أنا حمدُ بن أحمدَ: أنا أحمدُ بن عبد الله: ثنا إسحاقُ بن أحمدَ: ثنا إبراهيمُ بن يوسفَ: ثنا أحمدُ بن أبي الحواريِّ: ثنا أحمدُ بن عاصمٍ، قال: إذا صارتِ المعاملةُ إلى القلب، استراحتِ الجوارحُ (١).
قال: وسمعته يقول: ما أَغْبِط أحدًا إلا مَنْ عرفَ مولاه، فأشتهي أن لا أموتَ حتى أعرفَه معرفة العارفين، الذين يستحبونه، لا معرفة التصديق (٢).
وبه إلى أحمدَ بن عبد الله: سمعتُ أبي يقول: قال أحمدُ بن عاصمٍ: أنفعُ اليقينِ ما عَظُم في عينيك ما به أيقنت، وأنفعُ الخوفِ ما حجزك عن المعاصي، وأطالَ منك الحزنَ على ما فات، وألزمَكَ الفكرَ في بقية عمرِك، وخاتمةِ أمرك، وأنفعُ الصدقِ أن تُقِرَّ لله بعيوبِ نفسك، وأنفعُ الحياء أن تستحييَ أن تسأله ما تحبُّ، وتأتيَ ما يكره، وأنفعُ الصبر ما قَوَّاكَ على خلافِ هواكَ، وأفضلُ الجهاد مجاهدتُكَ نفسَك
стр. 162
لتردَّها إلى قبولِ الحق، وأوجبُ الأعداءِ مجاهدةً أقربُهم منك دُنُوًّا، وأخفاهم عنك شخصًا، وأعظمُ لك عداوةً، وهو إبليس.
قلت: فما ترى في الإنس بالناس؟
قال: إن وجدتَ عاقلاً مأمونًا، فَأْنَسْ به، واهربْ عن سائرهم كهربك من السباع.
قلت: فما أفضلُ ما أتقرَّبُ به إلى الله ؟
قال: تركُ معاصيه الباطنة.
قلت: فما بالُ الباطنةِ أولى من الظاهرة؟
قال: لأنك إذا اجتنبت الباطنة، بطلت الظاهرة والباطنة.
قلت: فما أضرُّ الطاعات لي؟
قال: ما نسيتَ بها مساوئَك، وجعلتَها نصبَ عينيك إدلالًا بها وأمنًا.
قال: وسمعتُه يقول: استكثرْ من الله لنفسِك قليلَ الرزق؛ تخلصًا إلى الشكر، واستقلِلْ من نفسك لله كثيرَ الطاعة؛ إزراءً على النفس، وتعرضًا للعفو، واستجلِبْ شدةَ التيقُّظ بشدة الخوف، وادفعْ عظيمَ الحرصِ بإيثارِ القناعة، واقطعْ أسبابَ الطمعِ بصحةِ اليأس؛ وسُدَّ سبلَ العُجْب بمعرفة النفس، واطلبْ راحةَ البدنِ بإجمام القلب، وتخلَّصْ إلى إجمام القلب بقلةِ الخلطاء، وتعرَّضْ لرقةِ القلبِ بدوام مجالسةِ أهل الذكر، وبادرْ بانتهاز البغيةِ عندَ إمكانِ الفرصة.
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَجِ: أنا أبو بكرٍ العامريُّ: أنا عليُّ بن
стр. 163
أبي صادقٍ: أنا أبو عبد الله بن باكويهِ: أخبرني أبو يعقوبَ الخراطُ: أنا أبو محمدٍ القرظيُّ: أخبرني عثمانُ بن عليٍّ: أخبرني نبهانُ المغلسُ: أخبرني حذيفةُ بن قتادةَ المرعشيُّ، قال: كنت في المركب، فكُسر بنا، فوقعتُ أنا وامرأة على لوح من ألواح المركب، فمكثنا سبعة أيام.
فقالت المرأة: أنا عطشى، فسألتُ الله تعالى أن يَسقينا، فنزلت علينا من السماء سلسلةٌ فيها كوزٌ معلَّق فيه ماء. فشربتُ، فرفعتُ رأسي انظر إلى السلسلة، فرأيت رجلًا جالسًا في الهواء متربعًا.
فقلت: ممن أنت؟
قال: من الإنس.
قلت: فما الذي بلغك هذه المنزلة؟
قال: آثرتُ مرادَ الله على هواي، فأجلسني كما تراني.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: أنا أبو محمدِ بن حيانَ: ثنا إبراهيمُ بن محمدٍ: ثنا أحمدُ بن فضيلٍ، قال: غزا أبو معاويةَ الأسود، فحاصر المسلمون حصنًا فيه عِلْجٌ لا يرمي بحجبر ولا نُشَّابٍ إلا أصاب به، فشكَوْا ذلك إلى أبي معاوية، فقرأ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، ثم قال: استروني منه، فلما وقف، قالوا: أين تريدون بإذن الله؟ قال: المذاكير.
فقال: أَيْ رَبِّ! سمعتَ ما سألوني، فأعطني ما سألوني،
стр. 164
باسم الله، ثم رمى، فمر السهمُ حتى إذا قرب من الحائط، ارتفعَ حتى أتى العلجَ، فأخذ مذاكيرَه، فوقع، فقال: شأنكم به (١).
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَجِ: أنا أبو بكرٍ العامريُّ: أنا عليُّ بن أبي صادقٍ، وعبدُ الغفارِ بن محمدٍ، قالا: أنا أبو عبد الله بن باكويهِ: ثنا عليُّ بن الحسنِ الأرجانيُّ: ثنا جعفرُ بن محمدٍ: سمعتُ أبي يقول: سمعتُ أبا معاويةَ الأسودَ -وهو على سور طرسوس من جوف الليل- يبكي، ويقول: أَلا مَنْ كانت الدنيا أكبرَ هَمِّه، طالَ في القيامة غدًا غَمُّه، ومن خافَ ما بين يديه، ضاق في الدنيا ذَرْعُه، ومن خافَ الوعيد، لها من الدنيا عَمَّا يريد.
يا مسكين! إن كنت تريد لنفسك الجزيلَ، فأقللْ نومَك بالليل إلا القليل، اقبلْ من الأخ الناصح، إذا أتاكَ بأمر واضح، لا تهتمَنَّ برزق مَنْ تخلف، فليست أرزاقهم تكلف، وَطِّنْ نفسَك للمقال، إذا وقفت بين يدي ربِّ العزة للسؤال، قَدِّمْ صالحَ الأعمال، ودَعْ عنك كثرةَ الأشغال، بادرْ ثم بادرْ، قبل أن تصلَ المقابر، قبل أن تصل الروح التراقي، وينقطعَ عنك مَنْ تحبُّ أن تُلاقي، كأني بها وقد بلغتِ الحلقوم، وأنت في سكرات الموت مغموم، وقد انقطعتْ حاجتك، وأنت تراهم حولَكَ، وبقيتَ مرتهنًا بعملك.
الصبرُ مِلاكُ الأمر، وفيه أعظمُ الأجر، واجعلْ ذكر الله من جلِّ شأنك، واملكْ فيما سوى ذلك لسانك.
стр. 165
ثم بكى أبو معاوية بكاء شديدًا.
ثم قال: أوه من يوم يتغير فيه لوني، ويختلج فيه لساني، ويجفُّ فيه ريقي، ويقلُّ فيه زادي (١).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا عبد الله بن محمدٍ: حدثني محمدُ بن أحمدَ: ثنا عبد الله بن خبيقٍ: ثنا يوسفُ بن أسباط، قال: قال لي حذيفةُ المرعشيُّ: ما أُصيب أحد بمصيبةٍ أعظمَ من قساوةِ قلبه (٢).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا محمدُ بن الحسينِ الزبيريُّ: ثنا محمدُ بن المسيب: ثنا عبد الله بن خبيقٍ: قال لي حذيفةُ المرعشيُّ: إنما هي أربعةُ أَشياء: عيناك، ولسانك، وهواك، وقلبك، فانظر عينيك، لا تنظر بهما إلى ما لا يحل لك، وانظر لسانَك، لا تقل به شيئًا يعلم الله خلافَه من قلبك، وانظر قلبك، لا يكنْ فيه غِلٌّ ولا دَغَلٌ على أحد من المسلمين، وانظر هواك، لا تهْوَ شيئًا، فما دام لم تكن فيك هذه الأربعُ خصال، فاحْثُ الرمادَ على رأسك (٣).
وقال ابن خبيقٍ: حدثني موسى بن المعلَّى، قال: قال حذيفةُ: يا موسى! ثلاثُ خصال إن كنَّ فيك، لم ينزل من السماء خير إلا كانَ لك فيه نصيب: يكون عملُك لله، وتحبُّ للناس ما تحب لنفسك، وهذه الكسرةُ تَحَرَّ فيها ما قدرتَ (٤).
стр. 166
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَجِ: أنا عبد الوهابِ بن أحمدَ: أنا حمزةُ بن محمدٍ: أنا أبو القاسمِ عبيدُ الله الخرقيُّ: ثنا أبو بكرٍ النقاشُ: ثنا أبو سعيدٍ الدمشقيُّ: ثنا أحمدُ بن عاصمٍ: حدثني عثمانُ الوجافيُّ، قال: خرجتُ من بيت المقدس أريد بعضَ القرى في حاجة، فلقيتني عجوز عليها جبةُ صوفٍ، وخمارُ صوف، فسلمتُ عليها، فردَّتْ عليَّ السلامَ، ثم قالت: يا فتى من أين أقبلت؟
قلت: من هذه القرية.
قالت: وأين تريد؟
قلت: بعض القرى في حاجة.
قالت: كم بينك وبين أهلك ومنزلك؟
قلت: ثمانية عشر ميلاً.
قالت: ثمانية عشر ميلاً في حاجة؟ إن هذه لحاجة مهمة.
قلت: أجل.
قالت: فما اسمك؟
قلت: عثمان.
فقالت: يا عثمان! ألا سألتَ صاحبَ القرية أن يوجِّه إليك بحاجتك ولا تتعنى؟
قال: ولم أعلمِ الذي أرادت، فقلتُ: يا عجوز! ليس بيني وبين صاحب القرية معرفةٌ.
стр. 167
قالت: يا عثمان! ما الذي أوحش بينك وبين معرفته، وقطعَ بينكَ وبين الإتصال به؟
قال: فأفقتُ، فعرفتُ الذي أرادَتْ، فبكيت.
فقالت: من أي شيء تبكي؟ من شيء كنتَ فعلتَه ونسيتَه، أومن شىء أُنسيته وذكرتَه؟
قال: قلت: لا، بل من شيء أُنسيتُه وذكرتُه.
قالت: يا عثمان! احمدِ الله الذي لم يتركْكَ في حيرِتك، أتحبُّ الله ؟
قلت: نعم.
قالت: فاصدُقني.
قلت: إي والله! إني لأحبُّ الله .
قالت: فما الذي أفادَكَ من طرائف حكمته إذ أوصلك إلى محبته؟
قال: فبقيتُ لا أدري ما أقول؟
قالت: يا عثمان! لعلك ممن يحبُّ أن يكتمَ المحبةَ؟
قال: فبقيت بين يديها ولا أدري ما أقول.
قال: يأبى الله أن يدنس طرائفَ حكمته، وخفيَّ معرفته، ومكنونَ محبته ممارسة قلوب البطالين.
قلتُ: رحمكِ الله! لو دعوتِ الله أن يشغلني بمحبته.
فنفضت يديها في وجهي.
стр. 168
فأعدتُ القولَ أقتضي الدعاء.
فقالت: يا عبد الله! امضِ لحاجتك، فقد علم المحبوبُ ما ناجاه الضمير من أجلك.
ثم وَلَّت وقالت: لولا خوفُ السلب، لبحتُ بالعجب.
ثم قالت: أوه من شوقٍ لا يبرأ إلا بك، ومن حنينٍ لا يسكن إلا إليك، فأين لوجهي الحياء منك؟ وأين لعقلي الرجوع إليك؟
قال عثمان: فو الله! ما ذكرتُ ذلك، إلا بكيتُ، وغُشي عليَّ.
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَجِ: أنا عبد الوهابِ الأنماطيُّ: أنا المباركُ بن عبد الخالق: أنا محمدُ بن عليٍّ: أنا أحمدُ بن محمدٍ: ثنا الحسينُ بن صفوانَ: أنا أبو بكرِ بن سفيانَ: حدثني محمدُ بن الحسينِ: حدثني عمارُ بن عثمانَ: حدثني بشرُ بن بشارٍ، وكان من العابدين، قال: لقيتُ عبادًا ثلاثةً ببيت المقدس، فقلت لأحدهم: أوصني.
فقال: أَلْقِ نفسَك مع القَدَرِ حيثُ ألقاك، فهو أحرى أن يفرغ قلبك، ويقلَّ همك، وإياكَ أن تسخطَ ذلك، فيحل بك السخط، وأنت عنه في غفلة لا تشعر به.
فقلت للآخر: أوصني.
فقال: ما أنا بمستوصٍ.
قلت: على ذاك عسى الله أن ينفع بوصيتك.
стр. 169
قال: أما إذ أبيت إلا الوصية، فأحفظ عني: التمس رضوانه في ترك مناهيه، فهو أوصلُ إلى الزلفى لديه.
قال: فقلت للآخر: أوصني، فبكى، واستخرجها سفحًا للدموع، ثم قال: أي أخي! لا تبتغ في أمرك تدبيرًا غير تدبيره، فتهلِكَ فيمن هلك، وتضلَّ فيمن ضلَّ.
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَج: أنا أبو بكرٍ العامريُّ: أنا عليُّ بن أبي صادقٍ: أنا أبو عبد الله بن باكويهِ: سمعتُ محمدَ بن الفرحانِ يقول: سمعتُ الجنيدَ يقول: سمعتُ أبا جعفرٍ الخصافَ يقول: حدثني جابرٌ الرحبيُّ، قال: أكثرَ عليَّ أهلُ الرحبةِ يُنكرون عليَّ ما يُعطي الله أولياءه، فخرجتُ إلى خارج، فركبت السبعَ، ودخلتُ إلى الرحبةِ وأنا أقول: أين الذين يؤذون أولياء الله، فينكرون عليهم؟ فَكَفُّوا عني.
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَجِ: أنا عمرُ بن طغر: أنا أحمدُ: أنا عبد العزيزِ بن عليٍّ: أنا عليُّ بن عبيدِ الله بن جهضمٍ: أنا الخلديُّ: حدثني أبو العباسِ، عن محمدٍ غلامِ أبي عبيدٍ، قال؟ وَدَّعْتُ أبا عبيد حين أردت الحج.
فقال لي: معك شيء؟
قلت: لا، ليس معي غيرُ هذه الركوة.
فقال: إذا أردت شيئًا، أو جعتَ، أو عطشتَ، فصلِّ ركعتين، واجعلها على يمينك، فإذا سلَّمتَ، رأيتَ كلَّ ما تحب.
стр. 170
قال: فجئتُ إلى بعض المنازل، وليس فيه ماء، والناسُ يصيحون: العطش.
فقلت في نفسي: قد قال أبو عبيد ما قال وهو صادق. فأخذتُ الركوةَ، فرميت بها في مصنع، وصليت ركعتين، فما سلمت إلا والرياحُ تذهب بها وتجيء على رأس الماء. فنزلتُ، فأخذت الركوةَ، ثم صحتُ بالناس، فجاؤوا واستَقَوْا حتى رَوُوا.
اللَّهمَّ ببركة الصالحين اكفِنا شرَّ الأشرار، وكيدَ الفجار، وما يختلفُ به الليل والنهار.
سمعتُ أبي يقول: كان الشيخُ عبد الرحمن أبو شعرٍ يتمثَّل كثيرًا:
أَلا رُبَّ ذِي ظُلْمٍ كَمَنْتُ لِظُلْمِهِ ... فَأَوْقَعَهُ المِقْدَارُ أَيَّ وُقُوعِ
وَمَا كَانَ لِي [إِلا] سِلاحُ تَرَكُّعٍ ... وَأَدْعِيَة لا تُتَّقَى بِدُرُوعِ
وَهَيْهَاتَ أَنْ يَنْجُو الظَّلُومُ وَخَلْفَهُ ... سِهَامُ دُعَاءٍ مِنْ قِسِيِّ رُكُوعِ
مُرَيَّشَةٌ بِالهُدْبِ مِنْ جَفْنِ سَاهِرٍ ... مُنَصَّلَةٌ أَطْرَافُهَا بِنَجِيعِ
وأنشدنا بعضُ إخواننا في معنى ذلك:
أتهْزَأُ بِالدُّعَاءِ وَتَزْدَرِيه ... تَأَمَّلْ فِيكَ ما صَنَعَ الدُّعَاءُ
стр. 171
سِهَامُ اللَّيْلِ لا تُخْطِي وَلكن ... لَهَا أَمَدٌ وَلِلأَمَدِ انْتِهَاءُ
وكان الحافظُ العماد يقول: ما رأيتُ أسرعَ إجابة من هذا الدعاء: يا الله، يا أَلله، يا أَلله، أَنتَ الله، أَنتَ اللهُ، أَنتَ اللهُ، إي واللهِ، إي واللهِ، إي والله، بلى والله، بلى واللهِ، بلى واللهِ، اللهُ، اللهُ، اللهُ، وحقِّ اللهِ، وحقِّ اللهِ، وحقِّ اللهِ، اللهُ، اللهُ، اللهُ، لا إلهَ إلا اللهُ، لا إلهَ إلا اللهُ، محمدٌ رسولُ اللهِ.
وممَّا يُذكر أنه يُستجاب: أن يقولَ: اللهمَّ يا ودودُ، يا ودودُ، يا ودودُ، يا ذا العرشِ المجيدُ، يا فعالٌ لما يريد، نسألك باسمك الذي ملأ أركانَ عرشِك، وبقدرتك التي قَدِرْتَ بها على خلقك، وبرحمتك التي وَسِعَتْ كلَّ شيء، يا مغيثُ أغثنا، يا مغيثُ أغثنا، يا مغيث أغثنا.
وممَّا نُسِبَ إلى الإمام أحمدَ أنَّه مُستجاب، يا حيُّ قبلَ كلِّ حي، وياحيُّ بعدَ كل حي، ويا حيُّ حينَ لا حي، يا حي محيي الموتى، لا إله إلا أنت، سبحانك إنِّي كنتُ من الظالمين.
وفي الحديث: "دعوةُ أخي ذي النُّون: لا إلهَ إلا أنتَ، سبحانك إنِّي كنتُ من الظالمين، لا يدعو بها مكروبٌ إلا فَرَّجَ الله كربَه".
وفي الحديث: "دعاءُ الكرب، لا يدعو به مهمومٌ ولا مكروبٌ إلا فَرَّجَ الله كربَه: لا إلهَ إلا الله العظيمُ الحليمُ، لا إلهَ إلا الله الحليمُ الكريمُ، لا إلهَ إلا الله رَبُّ العرشِ العظيمِ، لا إلهَ إلا الله رَبُّ السماوات وربُّ الأرضِ ربُّ العرشِ الكريم".
стр. 172
وقال بعضُ العارفين: من قال: يا ألله يا ألله يا ألله، سبعَ مرات، ثم قال بعدها: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين، استجاب الله له.
وقال النبي ﷺ حين قال له الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
وقال إبراهيمُ عندَ نار النمرود: حسبُنا الله ونعمُ الوكيل.
والدعاءُ محبوسٌ عن السماء حتى يصلَّى على النبيِّ ﷺ .
اللهمَّ فَرِّجْ عن المهمومين، ونَفِّسْ عن المكروبين، اللهمَّ مَنْ كادَنا فكِدْه، ومن بغى علينا فخُذْه واخْذُلْه، اللهمَّ أصلحْ أمرَ أمةِ محمدٍ، اللهمَّ دَبِّرْنا بحسنِ تدبيرك، والطُفْ بنا في قضائك وتقديرِك، ولا تهلكنا بذنوبنا, ولا تسلَّط علينا بذنوبنا مَنْ لا يرحمنا, ولا تُهلكنا وأنت رجاؤنا، افعلْ بنا ما أنتَ أهلُه، ولا تفعلْ بنا ما نحنُ أهلُه، واشغَلْ عنا كُلَّ ظالمٍ بنفسِه يا أرحمَ الراحمين، يا أرحمَ الراحمين، يا أرحمَ الراحمين.
وحسبنُا الله ونِعْمَ الوكيلُ، وصلَّى الله على سيدِنا محمدٍ وآلِه وصحبه وسلَّمَ.
وفرغ منه واضعُه يوسفُ بن حسنِ بن عبد الهادي، ليلةَ الجمعة، آخرَ شهرِ ربيعٍ الأولِ، سنة ثلاثٍ وتسع مدّة، بمنزلِه بالسهم الأعلى، من صالحية دمشق المحروسة.
والحمدُ لله وحده
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وآلِه وصحبِه وسلَّم