وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا ابن حزمٍ -وهو العطارُ-، قال: قال مالكُ بن دينارٍ: قرأت في الزبور: بكبرياء المنافق يحترق المسكين (١).
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا عارمٌ: ثنا سعيدُ بن زيدٍ: ثنا عثمانُ الشَّحَّامُ: حدثني شيخٌ من أهلِ البصرةِ كان له فضلٌ، وكان له سِنٌّ، قال: بلغني أن داودَ ﵇ سأل ربه ، قال: يا ربِّ! كيف لي أن أمشيَ لك في الأرض بنصح، وأعملَ لك فيها بنصح؟ قال: يا داود! تحب من أحبني من أحمرَ وأبيضَ، ولا تزالُ شفتاك رطبتين من ذكري، واجتنبْ فراشَ الغيبةِ، قال: يا ربِّ! كيف لي أن يحبني في أهل الدنيا البرُّ والفاجرُ؟ قال: يا داود! تُصانعُ أهلَ الدنيا لدنياهم، وتحب أهل الآخرة لآخرتهم، وتختار إليك دينك بيني وبينك؛ فإنك إذا فعلت ذلك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت. قال: ربِّ! فأرني أصفياءك من خلقك من هم؟ قال: نقيُّ الكفين، نقي القلب، يمشي تمامًا، ويقول صوابًا.
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا إبراهيمُ بن خالدٍ: حدثني عبد الله بن بحيرٍ، قال: سمعتُ وهبَ بن منبهٍ يقول: قال موسى ﵇: أَيُّ ربِّ! أَيُّ عبادِك أحبُّ إليك؟ قال: من أُذْكَر برؤيته. قال: ربِّ! أيُّ عبادك أحبُّ إليك؟ قال: الذين يعودون المرضى، ويعزُّون الثكلى، ويشيِّعون الهلكى (٢).
стр. 107
* وهم قوم عُرف فضلُهم، ولم يروا لهم فضلاً على أحد.
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا إبراهيمُ بن خلد: حدثني عبد الله بن بحيير، قال: سمعتُ وهبَ بن منبهٍ يقول: إن موسى ﵇ قال لبني إسرائيل: ائتوني بخيركم رجلاً، فأتوه برجل، قال: أنتَ خيرُ بني إسرائيل؟ قال: كذلك يزعمون، قال: اذهبْ فائتني بشرهم، قال: فذهب، فجاء وليس معه أحد، فقال: جئتني بشرهم؟ قال: أنا ما أعلم من أحد منهم ما أعلم من نفسي، قال: أنت خيرهم.
* فهم مع الله، والله معهم.
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا سيارٌ: ثنا جعفرٌ، عن عمرانَ القصيرِ، قال: قال موسى بن عمرانَ: أَيْ ربِّ! أين أبغيكَ؟ قال: ابْغِني عند المنكسرةِ قلوبُهم؛ إني أدنو منهم كلَّ يومٍ باعًا، ولولا ذلك، انهدموا (١).
* لا يخافون من شيء غير الله.
أخبرنا جدي وغيرُه: أنا الصلاحُ بن أبي عمرَ: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا الإمامُ أبو الفَرَجِ: أنا عبد الوهابِ بن المباركِ: أنا أبو الحسنِ عليُّ بن محمد: أنا أحمدُ بن محمدِ بن يوسفَ: أنا ابن صفوانَ: ثنا أبو بكرٍ القرشيُّ: ثنا أحمدُ بن عمرانَ، قال: سمعتُ أبا معاويةَ يقول: ثنا الأعمشُ، عن شقيقٍ، قال: خرجْنا في غَزاة لنا مخوفةٍ، وإذا رجلٌ نائمٌ، فأيقظناه، فقلنا: تنامُ في مثل هذا
стр. 108
المكان؟! فرفعَ رأسَه فقالَ: إني لأستحي من ربِّ العرشِ يعلم أني أخاف شيئًا دونَه، ثم ضرب برأسه فنام.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا الإمامُ أبو الحسنِ: أنا المحبوبيُّ: أنا ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا أبو طالبٍ اليوسفيُّ: أنا ابن المُذْهبِ: أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: أنا عبد الله بن الإمامِ أحمدَ: حدثني أبي: ثنا مسكينُ بن بكيرٍ: ثنا سفيانُ، عمن أخبره: إن لقمانَ قال لابنه: أَيْ بنيَّ! إن الدنيا بحرٌ عميق، قد غرق فيه ناسٌ كثير، فاجعلْ سفينتك فيها تقوى الله ، وحَشْوْها الإيمانَ بالله، وشراعَها التوكلَ على الله؛ لعلك تنجو، ولا أراك ناجيًا (١).
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا حجاجٌ: حدثني جريرٌ -يعني: ابن حازم-: [حدثني وهيبٌ المكيُّ]، قال: بلغني أن في التوراة، أو في بعض الكتب: أن الله يقول: يا ابن آدمَ! اذكرني إذا غضبتَ، أَذكرْك إذا غضبتُ، فلا أمحقُك مع من أمحق، وإذا ظُلمتَ، فارضَ بنصرتي لك، فإن نصرتي لك خير لك من نُصرتك نفسَك (٢).
أخبرنا جدي وغيرُه: أنا الصلاحُ بن أبي عمرَ: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا الإمامُ أبو الفَرَجِ: أنا عمرانُ بن أبي منصورٍ، وابن عبد الباقي: أنا جعفرُ بن أحمدَ: ثنا أحمدُ بن عليٍّ: أنا محمدُ بن عبد الله الدمانُ: أنا الحسينُ بن صفوانَ: أنا أبو بكرٍ القرشيُّ: حدثني
стр. 109
محمدُ بن يحيى: سمعت أبا عبد الرحمن القرشيَّ: حُدِّثْتُ عن الحسنِ، قال: رأيتُ بدويةً دخلتِ الطوافَ، فقالت: يا حَسَنَ الصحبة! جئتُك من بعيد، أقبلْتُ أسألُكَ سترَك الذي لا تَخرقه الرماح، ولا تُزيله الرياح (١).
أخبرنا أبو حفصٍ المقرئُ: أنا الإمامُ أبو الحسنِ: أنا المحبوبيُّ: أنبأ ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا أبو طالبٍ اليوسفيُّ: أنا ابن المذهبِ: أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: أنا عبد الله بن الإمامِ أحمدَ: ثنا أبي: ثنا عبد الرزاقِ: ثنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، قال: قال أبو الدرداء: البِرُّ لا يَبْلى، والإثمُ لا يُنسى، والدَّيَّانُ لا ينام، فكنْ كما شئتَ، كما تَدينُ تُدانُ.
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا عبد الصمدِ بن عبد الوارثِ: حدثني المثنى بن عوفٍ: ثنا أبو عبد الله -يعني: الجسريَّ-: أن رجلاً انطلق إلى أبي الدرداء، فسلم عليه، فقال: أوصني [........]؛ فإني غازٍ، قال له: اتق الله كأنك تراه حتى تلقاه، وعُدَّ نفسَك في الأموات، ولا تَعُدَّها في الأحياء، وإياكَ ودعوةَ المظلوم (٢).
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا أبو بكرِ بن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أنا المظفرُ السمعانيُّ: أنا أبو عمرٍو البيكنديُّ: أنا أبو بكرٍ الجميليُّ: أنا أبو محمدٍ الحلوانيُّ: أنا أبو عليٍّ
стр. 110
النسفيُّ: أنا أبو أحمدَ المطوعيُّ: أنا أبو بكرٍ محمدُ بن الفضلِ: ثنا عبد الله بن محمدٍ: ثنا أبو الفضلِ محمدُ بن داودَ: ثنا محمدُ بن عيسى: ثنا سفيانُ بن عُيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: كان رجل ينادي: لا تظلموا الناس عبادَ الله، واتقوا دعوةَ المظلوم، قال: فقلتُ له: ما قصتك؟ قال: كنت رجلاً شرطيًا، فرأيت صيادًا قد صاد سمكةً، فساومتُه بها، فأبى أن يبيعها، [...] فضربتُه، وأخذتُ منه السمكة، فبينا هي معلقةٌ، إذ وَثَبَتْ فعضَّتْ على أصبعي، فلما بلغتُ المنزلَ، رأيتُها قرحةً منكرةً، وكان لنا جار ينظر في القروح، فأَرَيته إياها، فقال: اقطعْها من المفصل، وإلا، دَبَّتْ في يدك؟ فإنها أَكِلَة، قال: فقطعتُها، فدبَّتْ في ظهر الكَفِّ، قال: اقْطعه، فقطعته، فدبَّت في ساعدي، قال: اقطعْها، فدبَّت في العَضُد، فأتاني آتٍ في منامي، فقال لي: دواؤك عندَ مَنْ ظلمتَه، فأتيتُ الصيادَ، فجلست بين يديه وأنا أبكي، فقلت له: حَلِّلْني، فقد أصابني من أجلك هذا، قال: فأخذ الرجل يبكي، وقال: اللهمَّ إني جعلتُه في حِلٍّ، قال: فرأيتُ الدودَ يتناثر من يدي، ثم قال لابن له: احفر زاوية الباب.
قال: فحفرَ، فأخرجَ منها جرةً فيها عشرةُ آلافِ درهمٍ، قال: فخذْها أنفقْها على نفسك وعيالك، قال: فأخذتُها وتوقفتُ، فقلتُ له: هل دعوتَ عليَّ حين أخفتُك، فأخذتُ السمكةَ منك؟ قال: نعم، قلت: يا ربِّ! خلقتَ هذا قويًا، وخلقتني ضعيفًا، فأحِلَّ به عقوبةً في الدنيا تكون نكالاً، فهو ما رأيتَ.
وبه إلى السمعانيِّ: أنا أبو عمرو البيكنديُّ: أنا أبو الفضلِ
стр. 111
الطرواخيُّ: أنا أبو الحارثِ المروزيُّ: حدثني إبراهيمُ بن عاصمٍ: ثنا الحسينُ بن يحيى: ثنا المؤملُ بن إسماعيلَ، عن عبد العزيزِ بن أبي روادٍ: أن رجلاً لقي لقمانَ، فقال: ألستَ عبد بني فلانٍ؟ قال: بلى، قال: فما بلغَ بك ما ترى؟ قال: قَدَرُ الله، وصدقُ الحديث، وأداءُ الأمانة.
قال: وكان من شأنه: أنه كان له بيت مال، فكان لا يستقرض منه إنسانٌ مئةَ درهمٍ إلى عشرةِ آلاف درهم إلا أقرضه، وكان لا يتقاضاه حتى يوسر، فأقرضَ رجلاً في قرية أخرى، فبلغه أنه أيسرَ، ولم يَرُدَّ عليه حقه، فقال: يا بني! اذهب إلى قرية كذا وكذا، وقل لفلان: إن أبي يُقرئك السلامَ، ويقول: بلغني أنك قد أيسرتَ، فلم تردَّ علينا حقنا، ويا بني! انظر ألا تنزل تحت شجرة كذا وكذا, ولا تدخل قرية كذا وكذا.
وإذا كان معك صاحبُك، فلا تُغضبه، اذهبْ فأثبت وديعة الله تعالى.
قال: فلما كان في طرف القرية، إذا هو برجل، قال: أين تريد؟ قال: أريد قريةَ كذا وكذا، قال: الصحبة؟ قال: نعم، فانطلقا، فلما انتهيا إلى الشجرة، قال: إن أبي قد نهاني أن أنزل تحتها، قال: وما قال لك؟ قال: قال لي: والصاحب فلا تعصه، قال: أنا صاحبك، فلا تعصني، فعدل معه، فكان تحت الشجرة حيةٌ، إذا نزل المسافرُ ونامَ، خرجت الحيةُ فقتلته.
قال: فقال لصاحبه: ضع رأسَك.
стр. 112
قال: فنام، فخرجت الحيةُ، ورصدَه صاحبُه، فقتلَها، وأخذ شحمَها، فلما أصبحوا، إذا هو صحيحٌ سويٌّ، فانطلقا حتى انتهيا إلى القرية، فقال صاحبُه: اعدلْ بنا ندخلْ هذه القرية، قال: إن أبي قد نهاني أن أدخلها، قال: فما قال لك؟ قال: قال: والصاحب فلا تعصِه، قال: أنا صاحبك، فلا تعصني، فدخلوا، وإذا في القرية ابنةُ ملكٍ تدخل عليها كل ليلة حتى [...] فيصبح معنا، فلما رأوا ابن لقمان، قال: هلم [...] الليلة، من شبابنا بهذا الشاب الواحد، قالوا: هلمَّ نزوجْك ابنةَ الملك، قال: لا حاجة لي فيها، قال صاحبه: افعل، قال: لا حاجة لي فيها، قال: أليس أَمَرك أبوك أن لا تعصيني؟ ففعل، فقال: إنك إذا دخلت عليها، فإنها تواتيك، فعانِقْها وقَبِّلْها، وجامعها، فإذا ما فرغتَ، فاخرجْ، فأنا لك بالباب.
فلما دخل إليها، وأتت إليه، عانقها وقبلها، ثم جامعها، فلما انتهى، خرج إلى الباب، فإذا صاحبه على الباب، معه مجمرٌ فيها [...] وشحم تلك الحية التي قتلها، قال: اذهب فادهن بهذا الشحم يأتي في قبلها حية، فإذا خرجت الحيةُ من قُبلها، فاقتلها، ثم شأنك بها.
قال: ففعل، فخرجت الحيةُ من قُبلها، فقتلها، ثم صنع بها ما بدا له، فلما أصبحا، إذا هو صحيحٌ سويٌّ.
قال: فانطلقوا إلى قرية غريمِ أبيه، فقال: إن أبي يُقرئك السلام، ويقول: بلغني أنك قد أيسرتَ، فلم تردَّ علينا حقَّنا، قال: تبيت عندي الليلة، فإذا أصبحتَ، أعطيتُك، فقال صاحبُه: افعل.
стр. 113
قال: وكانت له غرفة لها بابان: بابٌ من قِبل البر، وباب من قِبك البحر، قال: فوضع سريرًا من قِبل البر، وسريرًا من قِبل البحر، فأنامَ ابن لقمانَ على السرير الذي من قِبل البحر، وأنامَ ابنه على السرير الذي من قِبل البر، فجاء صاحبُه، فأخذ ابن لقمانَ، فأقامه على سرير ابنه، وأقام ابنه على سريرِ ابن لقمان، فجاء الرجل بالليل، فأخذ السريرَ، فألقاه في البحر، فلما أصبح إذا [....]، وابن لقمانَ صحيح، فأعطاه حقَّه، فرجع، فلما كان في الموضع الذي افترقا، قال: أَقرئ أباك مني السلام، قال: من أنتَ؛ فإني وجدتُك خيرَ صاحب؟ [........] قال أبوك: اذهب وديعة الله، بعثني الله تعالى إليك لأحفظَك.
وبه إلى البيكنديِّ: أنا أبو بكرٍ الجميليُّ: أنا أبو محمدٍ الحلوانيُّ: أنا أبو عليٍّ النسفيُّ: ثنا الحاكمُ أبو أحمدَ: ثنا نبهانُ بن إسحاقَ: ثنا الربيعُ: ثنا عبد الله بن وهبٍ: ثنا زيدٌ، عن أبيه، قال: بلغنا أن عيسى ﵇ كان يومًا في أصحابه، إذ مر به رجلٌ، فقال: يرجع هذا ميتًا، فرجع حيًا، على [ظهره] حزمةُ حطب، فقالوا: يا نبي الله! ما من شيء حدثتناه قط إلا كان كما حدثتناه، فقال للرجل: ما أخذت من العمل؟ قال: لا شيء، إلا أنه كان معي قرصان تصدقت بأحدهما على مسكين، فقال: ضع حزمتك، فقال: اكشفها، فإذا فيها أسودُ مقطوعُ الرأس، فقال: لولا القرصُ الذي تصدقتَ به، لقتلكَ هذا الأسودُ، ولكن الصدقةَ تدفع ميتةَ السوء.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا أبو محمدِ بن القيمِ: أنا
стр. 114
أبو عبد الله بن الكمال، وأبو بكرِ بن طرخانَ، قالا: أنا أبو المظفرِ السمعانيُّ. قال ابن المحبِّ: وأنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أنا أبو المظفرِ السمعانيُّ: أنا أبو عبد الله السعديُّ: أنا أبو إبراهيمَ النسفيُّ: أنا الإمامُ الوالدُ: ثنا الإمامُ أبو نصرٍ المزكي: ثنا الحاكمُ أبو نصرٍ: حدثني أبو العباسِ المراغيُّ: حدثني أبو حمزةَ الخراسانيُّ، قالَّ: حججتُ سنةً من السنين، فكنت أنا ورفيق لي، فوقعتُ في بئر خمسة عشر ذراعًا، فنازعتني نفسي أن أستغيث، فقلت: لا، والله! لا أستغيثُ فما استممتُ هذا الخاطرَ حتى مرَّ برأس البئر رجلان، فقال أحدُهما للَاخر: تعالَ حتى نطمرَ رأسَ البئر؛ فإنه على الطريق، فأتوا بقصب وبارية، فهممتُ أن أصيحَ، فقلت: إلى من هو أقربُ إليَّ منه؟ فسكتُّ حتى طَمُّوا البئرَ، وجلستُ إلى الليل، فإذا أنا بشيء يبحث حتى كشف عن فم البئر، وإذا بشيء قد دَلَّى رجلَه في البئر، وقائلٍ يقولُ: تعلَّقْ به، فتعلقت فإذا هو سَبُعٌ، وإذا هاتفٌ يهتف يقول: يا أبا حمزة! هذا أحسنُ، نجيناك من التلف بالتلف من البئر بالسبع (١).
أخبرنا الفخرُ المرشديُّ: أنا ابن الجزريِّ: أنا الصلاحُ بن أبي عمرَ ح.
وأنا جدي إذنًا: أنا الصلاحُ بن أبي عمرَ: أنا ابن البخاريِّ: أنا أبو المنادي: أنا أبو غالبٍ الماورديُّ: ثنا أبو علي التستَريُّ: أنا القاضي
стр. 115
أبو عمرَ الهاشميُّ: ثنا أبو العباسِ محمدُ بن أحمدَ الأثرمُ: ثنا أبو زيدٍ المقرئُ: ثنا جعفرُ بن الفزرِ العابدُ، قال: كنت عند سفيانَ ابن عيينةَ، فالتفتَ إلى شيخٍ فقال: حَدِّثِ القومَ بحديث الحية، فقال: حدثني عبد الجبار: أن خميرَ بن عبد الله خرج إلى مُتَصَيَّده، فتمثلَتْ بين يديه حيةٌ، فقالت: أجرني، أجاركَ الله في ظله يومَ لا ظلَّ إلا ظله. قال: ومما أُجيركِ؟ قالت: من عدوٍّ قد رهقني يريد أن يقطعني إربًا إربًا. قال: ومن أنت؟ قالت: من أهل لا إله إلا الله. قال: وأين أخبئك؟ قالت: في جوفك إن كنتَ تريدُ المعروفَ. قال: ففتح فاه، وقال: هاكِ، فدخلتْ جوفه. فإذا رجلٌ معه صمصامةٌ، فقال: يا خمير! أين الحية؟ قال: ما أرى شيئًا. قال: سبحان الله! قال: نعم، سبحان الله! ما أرى شيئًا. فذهب الرجل، فأطلعت الحيةُ رأسَها، وقالت: يا خمير! أتحس الرجل؟ قال لها: قد ذهب. قالت: فاختر مني أحد خصلتين: أن أنكتك نكتة فأقتلك، أو أفرث كبدك فتلقيه من أسفل قطعًا. قال: والله! ما كافأتني؟ قالت: حين تضع المعروف عند من لا يعرفه، وقد عرفتَ عداوةَ ما بيني وبين أبيك قديمًا، وليس معي مال فأعطيك، ولا دابةٌ فأحملك. قال: فأمهليني آتي سفحَ هذا الجبل، فأمهدَ لنفسي، فبينا هو يمشي، إذا بفتى حسنِ الوجه، طيبِ الريح، حسنِ الثياب، فقال له: يا شيخ! مالي أراك مستسلمًا للموت، آيسًا من الحياة؟.
قال: من عدوٍّ في جوفي يريد هلاكي. قال: فاستخرجَ شيئًا من كمه، فدفعه إليَّ، وقال: كُلْها، ففعل، فأصابه مغص شديد، ثم ناوله
стр. 116
أخرى فأكلها، فرمى بالحية من أسفله قطعًا. فقال: من أنت يرحمك الله، فما أحدٌ أعظم علي مِنَّةً منك؟ قال: أنا المعروف، إن أهل السماء لما رأوا غدرَ الحيةِ بك، اضطربوا، كُلٌّ يسأل ربَّه أن يُغيثك، قال الله تعالى: يا معروف! أدرك عبدي، فإيايَ أرادَ بما صنع (١).
وبه إلى ابن البخاريِّ: ثنا إسماعيلُ بن عثمانَ: ثنا أبو الأسعدِ هبةُ الرحمن: أنا جدي عبد الكريمِ: أنا أبو الحسينِ بن بشرانَ: ثنا أبو عمرِو بن السماكِ: ثنا محمدُ بن عبد رَبِّهِ: ثنا بشرُ بن عبد الملكِ: ثنا موسى بن الحجاجِ، قال: قالَ مالكُ بن دينارٍ: ثنا الحسنُ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: كان رجلٌ على عهدِ رسولِ الله ﷺ يَتَّجِر من بلاد الشام إلى المدينة، ومن المدينة إلى بلاد الشام، ولا يصحبُ القومَ، قال: توكلاً منه على الله .
قال: فبينا هو جاء من الشام يريد المدينة، إذ عرض له لص على فرس، فصاخ بالتاجر [...].
قال: فوقف له التاجرُ، وقال لهُ: شأنك بمالي، وخَلِّ سبيلي.
قال: فقال له اللصُّ: المالُ مالي، وإنما أريدُ نفسَك.
فقال التاجر: ما ترجو بنفسي؟ شأنك بالمال، وخَلِّ سبيلي.
قال: فرد عليه اللص مثلَ المقالة الأولى.
стр. 117
فقال له التاجر: أَنظرني حتى أتوضأ، وأصليَ، وأدعوَ ربي .
قال: افعلْ ما بدا لك.
قال: فقام التاجر فتوضأ، وصلى أربع ركعات، ثم رفع يديه إلى السماء، فكان من دعائه أن قال: اللَّهمَّ يا وَدودُ، يا وَدودُ، يا ذا العرش المجيد، يا مبدئُ يا معيدُ، يا فعال لما يريد، أسألك بنور وجهك الذي ملأ أركانَ عرشك، وأسألك بقدرتك التي قدرتَ بها على خلقك، وبرحمتك التي وسعَتْ كل شيء، لا إله إلا أنت.
يا مغيثُ أغثني، يا مغيثُ أغثني، يا مغيثُ أغثني -ثلاث مرات-.
فلما فرغ من دعائه، إذ بفارس على فرسٍ أشهبَ، عليه ثيابٌ خضر، بيده حربةٌ من نور.
فلما نظر اللصُّ إلى الفارس، ترك التاجر، ومر نحو الفارس، فلما دنا منه، شدَّ الفارسُ على اللص، فطعنه طعنةً أرداه عن فرسه، ثم جاء إلى التاجر، فقال له قم فاقتلْه، فقال له التاجر: ممن أتيت، فما قتلتُ أحدًا قطُّ، ولا تطيبُ نفسي بقتله، فرجعَ الفارس إلى اللص وقتله، ثم جاء إلى التاجر، وقال: اعلمْ أني مَلَكٌ من السماء الثالثة، حينَ دعوت الأولى سمعنا لأبواب السماء قعقعةً، فقلنا: أمرٌ حدثَ، ثم دعوتَ الثانية، ففتحت أبواب السماء، ولها شرر كشرر [....]، ثم دعوت الثالثة، فهبط جبريل من قبل السماء وهو ينادي: مَنْ لهذا المكروب؟ فدعوتُ ربي أن يوليني قتلَه.
стр. 118
فاعلم يا عبد الله: أنه من دعا بدعائك هذا في كل كربة وكل شدة وكل نازلة، فَرَّجَ الله عنه، وأغاثه.
قال: وخرج التاجر سالمًا غانمًا حتى دخل المدينة، وجاء إلى النبي ﷺ ، وأخبره القصة، وأخبره بالدعاء، فقال له النبي ﷺ : لَقَدْ سأل الله بأسمائه الحُسْنَى الَّتِي إِذَا دُعِيَ بِهَا أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهَا أَعْطَى".
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا أبو محمدٍ عبد الرحمن بن عبد الواحدِ، وجَدِّي أبو العباسِ، قالا: أنا عبد الله الخشوعيُّ: أنا أبي: أنا أبو محمدِ بن الأكفانيِّ: أنا أبو محمدٍ الكنانيُّ: أنا أبو نصرٍ المريُّ: أنا ابن زَبرٍ: أنا أبي: ثنا عبد الله بن مسلمٍ، عن داودَ بن أبي العباسِ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: بعثَ بي المنصورُ إلى ابن أبي ذئبٍ، أسألُ عن مسألة، فقال: ما هي؟ فذكرتها له.
فقال: لا يراني الله أفتي جبارًا مثلَه في مسألة فيها ضررٌ على المسلمين.
قال: فرجعتُ إلى المنصور مغضبًا، فعرف في وجهي ذلك.
فقال: لقد جئتَ بغير الوجه الذي ذهبتَ به.
فقلت: تبعثُ بي إلى مجنون! ثم أخبرته.
فقال المنصور: الذي لقيتُ أنا منه العامَ في الطواف أشدُّ من هذا، كنت بالأسواق إلى أن أراه، فبينا أنا أطوف، إذ قال لي المسيبُ: ألستَ كنتَ تسألُ عن ابن أبي ذئبٍ؟ فقلت: بلى، قال: هو ذا
стр. 119
هو [.....]، فأتيته فقلتُ: السلامُ عليكم ورحمة الله، فناولته يدي، [....] بعينيه في وجهي، فقال: من أنت؟ فلقد أخذتَ بيدي أخذَ جبارٍ.
قلت: أوما تعرفني؟
قال: لا.
قلت: أنا أبو جعفر المنصور.
قال: فجذب يدَه من يدي، وقال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الَآية، قال: قلت: يا أمير المؤمنين! فما صنعتَ به؟ قال: ما عسيت أن أفعل برجلٍ اللهُ في قلبه عظيم.
وبه إلى ابن زَبْرٍ: أنا أبي، قال: ذكر عبد الجبارِ بن سعيدٍ، عن أبيه، عن محمدِ بن إبراهيمَ، قال: حضرتُ أبا جعفرٍ المنصورَ بالمدينة، وعندَه ابن أبي ذئب، فقال له أبو جعفرٍ: يا بن أبي ذئب! أخبرني بحالات الناس.
فقال: يا أمير المؤمنين! هلك الناس، وضاعت أمورُهم، فلو اتقيتَ الله فيهم، وقسمت بينهم فيهم فيئهم.
فقال: ويلَكَ يا بن أبي ذئب! لولا ما بعثنا بذلك الفيء من البعوث، وسدَدْنا به من الثغور، لأُتيت في منزلك، وأُخذت بعنقك، وذُبحت ذبحَ الجمل.
стр. 120
فقال ابن أبي ذئب: يا أمير المؤمنين! قد بعثَ البعوثَ، وسدَّ الثغورَ، وقسمَ فيهم فيئَهم غيرُك.
قال: ويلَكَ! ومن ذاك؟
قال: عُمَرُ بن الخطاب.
قال: فأطرقَ أبو جعفرٍ إطراقةً، ثم رفعَ رأسه، فقال: إن عمرَ بن الخطاب ﵁ عمل بزمان، وعملنا لغيره.
فقال: يا أمير المؤمنين! إن الحق لا ينقله الزمان عن مواضعه، ولا يغيره عن وجهه.
قال: أحسبُك يا بن أبي ذئب إمامًا على السلطان.
قال: لا تقل ذلك يا أمير المؤمنين، فوالذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه! لَصَلاحُك أحبُّ إليَّ من صلاحِ نفسي، وذلك أن صلاحي لنفسي لا يعدوها، وصلاحك لجميع المسلمين.
قال: فأطرق أبو جعفرٍ، وابن المسيَّبِ، والحرسُ قيامٌ على رأسه بأيديهم السيوفُ المسللة، ثم رفع رأسه وقال: من أراد أن ينظر إلى خير أهل الأرض اليومَ، فلينظر إلى هذا الشيخ، ولوى إلى ابن أبي ذئب، قال: فقلتُ في نفسي، أشهد أن الله وليُّ الذين آمنوا، وهو منجي المتقين.
وبه إلى ابن زبرٍ، أنا أبي: أخبرني عبد الله بن مسلمٍ، عن أحمدَ بن يحيى، عن محمدِ بن إدريسَ الشافعيِّ، قال: قدم أبو جعفرٍ المنصورُ المدينةَ حاجًّا، فأتته الوفودُ من كل بلدٍ يشكون إليه الأمراء.
стр. 121
فأتاه أهل اليمن يشكون معنَ بن زائدةَ، وأتاه بنو أبي عمرٍو الغفاري من أهل المدينة يشكون أميرهم الحسنَ بن زيدٍ.
فقال وفدُ اليمن لأبي جعفرٍ المنصورِ -وقد أحضرَ ابن أبي ذئب والعلماءَ-: يا أمير المؤمنين! إن معنَ بن زائدةَ قد تعدَّى علينا، [.......] وقد رضينا بابن أبي ذئبٍ.
فقال له أبو جعفرٍ المنصورُ: ما تقول في معنِ بن زائدة؟
قال: قولي فيه وعلمي: أنه عدوُّ الله ، يقتلُ المسلمين بغير حق، والمعاهَدين، وحكمَ بغير ما أُنزِل، ويُفسد العبادَ والبلاد.
قال: ثم تقدم الغِفاريون يشكون الحسنَ بن زيدٍ، وسيرتَه فيهم، فقالوا: قد رضينا بابن أبي ذئب، فأطبقَ عليه ابن أبي ذئب بسوء.
فقال الحسنُ بن زيدٍ: يا أمير المؤمنين! قد ذكرني بما قد ذكر، فإن رأى أمير المؤمنين أن يسأله عن حال أمير المؤمنين عنده.
فقال أبو جعفر: ما تقول فيَّ يا بن أبي ذئب؟
قال: أَعْفِني.
قال: عزمتُ عليك.
قال: أَعفني.
قال: لستُ أفعل.
قال: فبكى ابن أبي ذئب، ثم قال: تسألُني عن نفسِك؟ أنتَ أعلمُ بنفسك مني، وما عسى أن أقول فيك، مما فيك، وأنت والله الرجلُ
стр. 122
الذي اتزرت المسلمين أمرهم، ظلمتَهم، واعتديتَ عليهم، وسفكتَ الدماءَ الحرام، وأخذتَ الأموالَ من غير حِلِّها، ووضعتَها في غير حَقِّها، وأهلكت المسلمينَ، والفقراء واليتامى والمساكين.
قال محمدُ بن إبراهيم. وبين يَدَي أبي جعفر عمودٌ، فجمع الناسُ عليهم ثيابهم مخافةَ أن تتلطخ عليهم من دمه ودماغه، فلم يهجه بشيء، وانصرف الناس.
فقال عمُّ أبي جعفر؟ يا أمير المؤمنين! إن هذا مجلسٌ قد حضره أهلُ الآفاق، وينصرفون إلى البلاد، فيخبرون بما كان إلى أمير المؤمنين من الجرأة، فلو قتلت هذا الكلب لئلا يجترئ عليك غيره من الناس.
فقال أبو جعفر: ويحكَ! هذا رجل قد بلغتْ منه صعوبةُ العبادة، وقد سمع الحديثَ: "إِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ قَالَهَا عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِر، فَقُتِلَ عَلَيْهَا" (١)، فَطَمِعَ أني أقتلُه، فيصير إلى الجنة، وأُريحه مما هو فيه من صعوبة العبادة، ولا والله! ما أهيجه حتى يموتَ أو أموتَ.
أخبرنا جدِّي: أنا ابن الصلاحِ: أنا ابن أبي عمرَ: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا ابن الجوزيِّ: ثنا ابن ناصر ح.
وأنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أنا ابن ناصرٍ: أنا المباركُ بن عبد الجبارِ: أنا أبو القاسمِ الأزجيُّ: أنا أبو الحسينِ بن جهضمٍ: حدثني أبو الحسنِ
стр. 123
السيروانيُّ، قال: قال أبو القاسمِ سمنونُ: دخلت عبادانَ، فسألتُ عن شيخٍ أسالم قلبه، وآنس به، فقيل لي: ما بقي عندنا أحدٌ، إلا وقد رأيتَه، وما بقي لنا غيرُ شيخٍ في البحر، قد نقرَ لنفسه ساجةً، وهو يتعبد فيها منذ ثلاثين سنة، وربما ألقتْه الريح ههنا في كل سنة مرةً أو مرتين، فكأَن نفسي تشوقت إليه، فلما كان في بعض الأيام، قيل لي: إن الرجل قد وصل.
قال سمنون: فخرجتُ أنظر إليه، فإذا رجلٌ شيخٌ جالسٌ في ساجةٍ منقورة، حسنُ السمت، فسلمتُ عليه، فردَّ عليَّ السلامَ، فقلت له: إني سائلكَ عن مسألة.
فقال: دَعْني من هذا، فإني أريد أن أسألك عن مسألة.
قال سمنون: فقلت له: سَلْ، فقال: إنَّ ذَكَري يجري كمَنْخِرَيِ الثورِ، فما أعمل؟ فقلت له: ما عليكَ أكثرُ من أن تنترَ ثلاثًا، وما عدا ذلك فليس عليك.
قال سمنون: فقلت له: حدثني بأشدِّ ما رأيتَ في هذا البحر من الوحشة.
فقال: ما يمكن، ولكن هَبَّتْ في بعض الليالي ريحٌ عظيمة، وأظلمَ البحرُ وجنَّ، حتى ما رأيتُ مثلَه قَطُّ إن شاء الله، فداخَلَني من ذلك وحشةٌ عظيمة، فطلبت شيئًا يزيل عني تلك الوحشةَ، فإذا أنا بتنيني عظيمٍ فاتحٍ فاه، وألقتني الساجةُ نحوه، فدخلتُ في فيه، وجلستُ على نابٍ من أنيابه، وصليت ركعتين، فزال عني ما كنت أجدُ من الوحشة.
стр. 124
وبه إلى ابن جهضمٍ: أنا أبو بكرِ بن الجلندي: سمعت أبا عبد الله بن الجلاءِ يقول: كنا في غرفة سَرِيٍّ ببغدادَ، فلما ذهب من الليل بعضُه، قام فلبس قميصًا نظيفًا، وسراويل، ولبس نعلًا ورديًا، وخرج، فقلت له: يا عم! إلى أين تمر في هذا الوقت؟ فقال: أعود فتحًا -يعني: الموصليَّ-، فلما مشى في الطريق، لقيه صاحبُ الليل، فأخذه وحبسه، فلما كان من الغد، عُرض مع من عُرض من المحبسين، وأمر الجلاد بضربهم، فقدِّموا واحدًا بعد آخر، فقدَّموا سَرِيًّا، وأمر الجلاد بضربه، فلما رفع الجلاد يده ليضربه، وقفت يدُ الجلاد لمْ
تتحرك، فقال صاحب العمل للجلاد: اضربْ ويلَكَ!.
قال: بحذائي شيخٌ واقفٌ يومئ إليَّ أن لا أضربَه، فتقف يدي لا تتحركُ، فقال صاحب الشرط: انظروا مَنْ هذا الرجل. قال: فلما رآهم قد أقبلوا إليه، ولَّى، ولقيه رجلٌ، فسلم عليه، فقال للرجل: من هذا الذي سلمتَ عليه؟ قال: وإيش سؤالك عن هذا؟ فقلت: أسألك من هو؟ فقال: هو فتحٌ الموصليٌّ، فأخبر صاحب الشرطة، فقال: أطلقوه، هذا من أصحاب فتح، وسألوا عنه.
قال: فتبعناه حتى سلَّم عليه رجل، فسألنا عنه، فقيل: هذا سَرِيٌّ السَّقَطيُّ.
أخبرنا أبو العباسِ بن هلالٍ، قال لي: عن ابن المحبِّ، عن النابلسيِّ، عن الواسطيِّ، عن الشيخِ موفقِ الدين. وأنا جماعةٌ من شيوخنا، عن ابن المحبِّ، عن المزيِّ وابنته، عن ابن أبي عمرَ، وابن البخاريِّ، عن الشيخِ موفقِ الدينِ: أنا السِّلَفيُّ: أنا الحسينُ بن
стр. 125
الطيوريِّ: أنا أبو القاسم عبد العزيزِ بن أحمدَ: ثنا الحسنُ بن عليِّ بن جهضمٍ: ثنا عليُّ بن هارونَ: ثنا محمدُ بن مخلدٍ: حدثني الفتحُ بن شخرفٍ، قال: تعلق رجلٌ بامرأةٍ ببابِ دمشقَ، [.......] بيده سكينٌ، لا يدنو منه أحدٌ إلا عصره، وكان الرجلُ شديدَ البدن، وبينما الناس كذلك، والمرأة تصيحُ في يده، مرَّ بشْرُ بن الحارثِ، فدنا منه، وحكَّ كتفَه بكتفِ الرجلِ، فوقع الرجلُ إلى الأرض، ومضى بشرٌ، فدنَوْا من الرجل وهو يرشَحُ عرقًا، ومضتِ المرأةُ لحالها، فسألوه: ما حالك؟ فقال: ما أدري، ولكن حاكني شيخ، فقال: إن الله ناظرٌ إليك وإلى ما تعمل، فضعف لقوله قدمي، وهِبْتُه هيبةً شديدةً، فلا أدري مَنْ ذلك الرجلُ.
فقالوا له: ذلك بِشْرُ بن الحارثِ، فقال: واسوءتاه! فكيف ينظرُ إليَّ بعدَ اليوم؟ وَحُمَّ الرجلُ من يومه، ومات يوم السابع.
وقد أخبرنا جدِّي وغيرُه: أنه كان بالصالحية رجلٌ من الأخيار يقال له: الرزين، وكان يوصف بالشطارة، وأنه مر مرة وعشر مماليكَ قد أمسكوا امرأةً وهي تصيح، فقال لهم: أَطلقوها، فزمجروا عليه، ولم يمعنوا به، فقال لهم: أطلقوها، [.....] فحمل عليه أحدُهم، وليس معه سلاحٌ ولا غيره، وفي رجله بروةُ قبقاب، فأخذ بزرة منه، وضربه، فرماه، فحمل عليه الثاني، فضربهم بالحجارة حتى بطحَ العشرةَ، وحلت المرأة، وأطلقها، وهشمهم، وأتلفهم، فنزلوا إلى أستاذهم، وكان نائبَ دمشقَ، فشكَوْا عليه إليه، فأرسل إليه عشرين مملوكًا، فخرج عليهم، فقتلهم وهشمهم، وذهبوا إلى [....]
стр. 126
حال، فرجعوا إلى أستاذهم يشكون عليه، فلما أن دخلوا عليه، وإذ به قد دخل، فقالوا: هذا، فنظر إليه، وقال: هذا وحده؟ قالوا: نعم، قال: لم يكن معه أحد؟ قالوا: لا، قال: عليَّ بخِلْعَةً، فألبسَه، وقال: أنا محتاجٌ إلى مثلِك في عسكري.
وأخبرنا عنه: أنه مرة قام صوت على حرامية بالليل، فخرج إليهم، فجعل يجري خلف الواحد منهم، فيمسكه ويأتي به إلى حلقة الباب، فيدخل يده فيها، ويكبس عليها بيده، فيطبقها على يده، ثم يذهب إلى الَآخر كذلك، حتى أمسكَ منهم عدةً، وفعلَ بهم ذلك، فأصبحوا في حِلَقِ الأبواب مقيدين.
وأخبرنا عنه: أنه كان قد جاء إلى قُبَّهِ سَيَّارٍ عبدٌ، وجعل يقطع الطريقَ على الناس، فأُخبر به هذا الرجلُ، فلبس فرجيته وقبقابه، وصعد إليه يتمشى في الجبل، فلما رآه وقصده، فجعل يمشي نحوه، وهو يمشي نحوه غيرَ مكترث به، فلما دنا منه، نظر إليه، وقال: بالله ما أنت سيدي الرزين؟ فقال: بلى والله! أنا سيدُك الرزين، فلما قال له ذلك، رمى سيفه وجحفته، وأكبَّ على رجله فقبلها، وقال: أنا تائبٌ على يدك، فقال له: اذهبْ في حال سبيلك، وتركه ونزل، فما رئي بعد ذلك.
وكان آخَرُ يقال له: الزين، وكان قد تزوج جدتي قبل جدي، فكانت تخبرنا عنه بالعجب، وأنه كان لا يزال يقوم على الخمَّارين والسكرية، وأنهم كانوا مجمعون، وياتونه، وأنه كان يضع القصب، وينزل في البئر، ويصعد عليها على السطح، ويفعل الأحوال العجيبة.
стр. 127
أخبرنا الحافظُ أبو العباسِ إذنًا، وأنا جماعةٌ عنه: أنا أبو المعالي الأرمويُّ: أخبرتنا عائشةُ بنتُ عليٍّ: أنا أحمدُ بن عليٍّ: أنا البوصيريُّ: أنا الأرتاحيُّ: أنا ابن الفراءِ: أنا ابن الضرابِ: أنا أبي: أنا أبو بكرٍ الدينوريُّ: سمعتُ ابن قتيبةَ يقولُ: سمعت دِعْبِلاً يقول: أُدخلتُ على المعتصم، فقال لي: يا عدوَّ الله! أنت الذي تقول في بني العباس: إنهم في الكتب أنهم سبعة؟ وأمرَ بضربِ عنقي، وما كان في المجلس إلا من كان عدوًّا لي، وأشدُّهم عليَّ ابن شكلةَ، فقام قائمًا، فقال: يا أمير المؤمنين! أنا الذي قلتُ هذا، ونميته إلى دعبل.
فقال له: وما أردتَ بهذا؟ قال: لما تعلم ما بيني وبينه من العداوة، فأردت أن أشيط بدمه.
قال: فقال: أطلقوه. فلما كان بعد مدة قال لابن شكلة: سألتُك بالله أنتَ الذي قلته؟ فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين، وما نظرة أنظر أبغض إليَّ من دعبل.
فقال له: فما الذي أردتَ بهذا؟ قال: علمتُ أن ما له في المجلس عدو أعدى مني، فنظر إليَّ بعين العداوة، ونظرتُ إليه بعين الرحمة.
فقال: جزاك الله خيرًا، أو نحو ذلك.
وبه إلى الدينوري: ثنا أبو حصينٍ، قال مر داودُ القصابُ بامرأة عند قبر وهي تبكي، فَرَقَّ لها، فقال لها: من هذا الميتُ منك؟ قالت: زوجي. قال: وما كان يعمل؟ قالت: كان يحفر القبور. قال: أبعدَه الله، أما علمَ أن من حفرَ لأخيه المسلم حفرةً وقعَ فيها؟
стр. 128
أخبرنا جدِّي: أنا الصلاحُ بن أبي عمرَ، أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا ابن الجوزيِّ: أنا ابن ناصرٍ: أنا أبو علي الحسنُ بن أحمدَ: ثنا محمدُ بن أحمدَ بن أبي الفوارسِ: ثنا الحاكمُ أبو أحمدَ: ثنا محمدُ بن إسحاقَ: ثنا محمدُ بن وهبٍ: أخبرني أحمدُ بن سنانَ: أخبرني سيارٌ، قال: قرأ رجل على شيبان الراعي: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].
قال: فذهبَ على وجهه، فلم يُرَ سنةً، قال: فلما كان بعدَ الحول، لقيه رجلٌ فقال: من أين؟ فقال: من ذلك الحساب الدقيق ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].
أخبرنا أبو العباسِ الحريريُّ: أنا المشايخُ الثلاثةُ: أنا المزيُّ، وأنا ابن المحبِّ، قالا: أنا ابن أبي عمرَ، وابن البخاريِّ: أنا شيخُ الإِسلامِ موفقُ الدينِ: أنا السِّلَفِيُّ: أنا ابن الطيوريِّ: أنا عبد العزيزِ بن عليٍّ: أنا ابن الحسنِ بن جهضمٍ: ثنا حبيبٌ: ثنا الفضلُ بن أحمدَ: ثنا محمدُ بن مرزوقٍ: حدثني أبي: حدثتني أمةُ الملكِ بنتُ هشامِ بن حسانَ، قالت: خرجَ عطاءٌ الأزرق إلى الجبان يصلي بالليل، فعرض له لصٌّ، فقال: اللهمَّ اكْفِنيه، قال: فجفَّت يداه ورجلاه، قال: فجعل يبكي ويقول: والله! لا أعود أبدًا، قال: فدعا الله له، فأطلق، فاتبعه اللص، فقال له: أسألك بالله من أنت؟ قال: أنا عطاءٌ، فلما أصبحَ، سأل الناسَ: هل تعرفون رجلاً صالحًا يخرج بالليل إلى الجبان يصلي؟ قالوا: نعم، عطاء السُّلَمي.
стр. 129
قال: فذهب إلى عطاء السلمي إلى الخربة، فدخل عليه، وقال: إني جئتك تائبًا من قصتي كذا وكذا، فادعُ الله لي، قال: فرفع عطاءٌ السلميُّ رأسَه إلى السماء، وجعل يبكي ويقول: ويحك! ليس أنا، ذاك عطاء الأزرق [...] عن نفسه.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا الصلاحُ بن أبي عمرَ: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا الإمامُ أبو الفَرَجِ العكبريُّ: أنا أبو بكرِ بن أبي طاهرٍ: ثنا محمدُ بن عليٍّ: ثنا محمدُ بن عبد الله: أنا ابن بشرانَ: أنا أبو بكرٍ القرشيُّ: ثنا محمدُ بن إدريسَ: ثنا أحمدُ بن أبي الحواريِّ: ثنا زيدُ بن عبيدٍ، عن خليدٍ، عن الحسنِ، قال: أحرقت خِصاصُ البصرة، وبقي في وسطها خُصٌّ لم يحترق، وأميرُ البصرة يومئذ أبو موسى الأشعري، فخبر بذلك، فبعث إلى صاحب الخص، فأُتي به، فماذا شيخٌ، فقال: يا شيخ! ما بالُ خُصِّك لم يحترقْ؟ قال: إني أقسمتُ على ربي ألا يحرقه، قال أبو موسى: أما إني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "يَكُونُ في أُمَّتِي رِجَالٌ طُلْسٌ رُؤُوسُهُمْ، دُنْسٌ ثِيَابُهُمْ، لَوْ أَقْسَمُوا عَلَى الله لأَبَرَهُمْ".
أخبرنا أبو العباس الحريريُّ: أنا المشايخُ الثلاثةُ: أنا المِزِّيُّ: أنا ابن أبي عمرَ، أنا الإمامُ أبو الفَرَجِ: أنا عبد الرحمن: أنا أحمدُ بن عليٍّ: حدثني عبد الغفارِ بن عبد الواحدِ: حدثني أبو الحسنِ بن حميدٍ، قال: سمعتُ أبا ذَرٍّ الهرويَّ يقول: كنت عند أبي الفتحِ القواس، وقد أخرج جزءًا من كتبه، فوجد فيه قرض الفأر، فدعا الله على الفأرة التي قرضته، فسقطت من سقف البيت
стр. 130
فأرة، ولم تزل تضطرب حتى ماتت (١).
فاحذرْ بأن تؤذي الصالحين أن تصير إلى حال الفأرة.
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَجِ: أنا أبو منصورٍ: أنا أحمدُ بن عليٍّ: أنا أبو نعيمٍ: سمعتُ محمدَ بن الحسينِ يقول: سمعتُ الحسنَ بن الرازيِّ يقول: سمعتُ أبا عليِّ الروذبارِيَّ يقول: كان سببُ دخولي مصرَ حكايةَ بنانَ، وذلك أنه أمر ابن طولونَ بالمعروف، فأمر أن يُلقى بين يَدَيِ السَّبُعِ، فجعل السبعُ يشمه ولا يضرُّه، فلما أُخرج من بين يدي السبع، قيل له: ما الذي كان في قلبك حيث شمك السبعُ؟ قال: كنت أتفكر في سؤر السباع ولُعابها (٢).
وبه إلى الإمام أبي الفَرَجِ: أنا عبد الرحمن بن محمدٍ: أنا أحمدُ بن عليٍّ: أنا عبد العزيزِ بن عليٍّ: سمعتُ عليَّ بن جهضمٍ يقول: حدثني عمرُ النجارُ، قال: دخل أبو الحسين النوريُّ إلى الماء يغتسل، فجاء لصٌّ فأخذ ثيابه، فخرج أبو الحسين من الماء، فلم يجد ثيابه، فرجع إلى الماء، فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء اللصُّ معه ثيابُه، فوضعها مكانها، وقد جفت يدُه اليمنى، فخرج أبو الحسين من الماء، ولبس ثيابه، وقال: يا سيدي! قد ردَّ عليَّ ثيابي، فردَّ عليه يدَه، فرد الله عليه يدَه، ثم مضى (٣).
стр. 131
وقد كان مرة جاء إلى دمشق حرامي من مصر، [.......] وهو يسرقهم، ولا يقدر عليه، فنزل على الشيخ عبد الرحمن أبو شعر، شيخِ الحنابلة في وقته في شهر رمضان في العشر الأخير، فأخذ [...] وذهب، فلم يمض عليه غيرُ ثلاث ليالٍ حتى أمسك من غير [...].
فنزل على امرأةٍ ليس لها رجل، ولا عندها أحدٌ، فقال لها: أين المال؟ قالت: في هذا المخدع، فدخله، فغلقت الباب عليه، وسكَّرته، وصاحت، فجاء الناس فأمسكوه بغير كلفة، فانظر كيف أُمسك بأيسر كُلفة ولا ضربة، فكان الناس يعدُّون ذلك من بركة الشيخ وفضله، ويقولون: لحوم العلماء مسمومة، وإنه من تجرأ عليهم، لم يمهله الله .
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَجِ: أنا أبو منصورٍ القزازُ: أنا أحمدُ بن عليٍّ: أنا أحمدُ بن عبد الله: أنا جعفرُ بن محمدٍ: ثنا أبو العباسِ بن مسروقٍ، وأبو محمدٍ الحريريُّ، وأبو أحمدَ المغازليُّ، وغيرُهم، عن إبراهيمَ الآجريِّ: أنه جاءه يهوديٌّ يتقاضاه شيئًا من ثمن قصب، فكلمه، فقال له: أرني شيئًا أعرف به شرفَ الإِسلام وفضلَه على ديني حتى أُسلم، قال له: وتفعلُ؟ قال: نعم، فقال له: هات رداءك، قال: فأخذه فجعله رداءً لنفسه، ولفَّ رداءه عليه، ورمى به في النار، نارِ تنورِ الآجرِّ، ودخل في أثره، فأخذ الرداء، وخرج من النار، ففتح رداءَ نفسه وهو صحيح، وأخرجَ رداءَ اليهودي من داخله حراقاً أسود من وسط جوف رداء نفسه، فأسلم اليهوديُّ في الحال (١).
стр. 132
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَجِ: أنا أبو بكرٍ العامريُّ: أنا عليُّ بن أبي صادقٍ: أنا أبو عبد الله بن باكويه: حدثني عيسى بن يوسفَ: ثنا أحمدُ بن محمد الزنجانيُّ، قال: سمعتُ أبا عليٍّ البصريَّ، وأبا نصرٍ الروميَّ، قالا: سمعنا أبا الحارثِ الأولاسيَّ يقول: أقبلتُ من جبل اللكامِ مع أبي إسحاقَ العلويِّ، وكان أبو إسحاقَ لا يأكلُ إلا في كلِّ ثلاثةً سَفَّاتِ خرنوبٍ، فلقينا امرأةً، وقد سَخَّر جنديٌّ حمارًا لها، فاستغاثت بنا، فكلَّمه العلويَّ، فلم يردَّهُ عليها، فدعا عليه، فخرَّ الجنديُّ والمرأةُ والحمارُ، ثم أفاقت المرأة، ثم أفاق الحمار، ومات الجندي.
فقلت: لا أصحبُك؛ فإنك مستجابُ الدعوة، وأخشى أن يبدوَ مني سوءُ أدب، فتدعوَ عليَّ فقال: لستَ تأمنُ؟ قلت: لا، قال: فأقللْ إذًا من الدنيا ما استطعتَ.
ولقد رأينا كثيرًا من المؤذية لم يمهلهم الله حتى يبلغوا مناهم، وقد رأينا كل من بغى وتعدى على الناس لم يمهل إلا يسيرًا حتى أُخذ، والمؤذي قصيرُ العمر، وإنما يستطوِلُ الناسُ أعمارَهم؛ لسآمة النفوس من أذاهم، وتَلْقاهم يُصيبهم من الأذى أكثرُ مما يؤذون الناس، وما قطُّ بغى قومٌ إلا قَرَضهم الله قرضًا سريعًا.
وقد رأينا غيرَ طائفة يبغون، فيمحقهم الله كلَّهم سريعًا، ويصيرون في حال الضرورة، وكان رجل في زمننا، يقال له: أبو كلب، كان غالبُ الناس يخاف منه، ويتقي شرَّه، حتى الحكامُ لم تكن تقدر عليه، وتعجز عنه، وقد لقيتُه قبل قتله بمدة، فقلت له: كيف أنت؟
فقال: بشرٍّ والله يا شيخ، ليس نومنا نوم، ولا نهارنا نهار، ونحن
стр. 133
في حال الضرورة، لا نقدر ننام في بيوتنا ليلة واحدة، ولا نأكل كل لقمة.
فقلت: لا إله إلا الله، انظروا إلى هؤلاء كيف هم مع ما هم فيه من البغي!
فما مضت مدة يسيرة حتى سكر، وجاء إلى باب بعض الحكام سكران، فأُمسك فقُتل.
* وهم قوم لم تخف أنفسُهم إلا من الله.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدين: أنا ابن ناصرٍ: أنا المباركُ بن عبد الجبارِ: أنا محمدُ بن عليٍّ: أنا محمدُ بن عبد الله: ثنا الحسينُ بن صفوانَ: أنا أبو بكرٍ القرشيُّ: ثنا محمدُ بن يحيى: أنا جعفرٍ الرازيُّ، عن أبي حفصٍ السائحِ: أنا أبو وهبٍ وغيرُه: أنَّ عامرَ بن عبد قيسِ هبط واديًا يقال له: وادي السباع، فخُوِّفَ منه، فقال: عَظُمَتْ هيبةُ الله في صدري، حتى ما أهابُ شيئًا غيرَه، واكتنفَتْه السباعُ، فجاء سَبُعٌ منها، فوثبَ عليه من خلفه، فوضعَ يديه على مَنْكِبيه وهو يتلو هذه الَآية: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] فلما رأى السبعُ أنه لا يكترثُ، ذهب، فقيل له: ما هالَكَ ما رأيت؟ قال: إني لأستحي من الله أن أهابَ شيئًا غيرَه (١).
أخبرنا جدِّي وغيرُه: أنا ابن أبي عمرَ: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا
стр. 134
ابن الجوزيِّ: أنا سعدُ الله بن عليٍّ، ومحمدُ بن عثمانَ الأياميُّ: أنا الطريثيثيُّ: أنا ابن الطيوريِّ: أنا عبد الله بن مسلمٍ: أنا الحسنُ بن إسماعيلَ: أنا عمرُ بن سويدٍ: ثنا يوسفُ بن عطيةَ: ثنا المعلى بن زيادٍ، عن عامر بن عبد قيسٍ: أنه مرَّ بقافلةٍ قد حبسَهُم الأسدُ من بين أيديهم على طريقهم، فلما جاء، نزل عن دابته، فقالوا له: إنا نخافُ عليك من الأسدِ، فقال: إنما هو كلبٌ من كلاب الله ، إن شاء أن يسلِّطه، سلَّطه، وإن شاء أن يكفَّه، كَفَّه، فمشى إليه حتى أخذ بيديه أُذني الأسدِ، فنحّاه عن الطريق، وجازت القافلةُ، فقيل له: أما خِفْتَه؟ فقال: إني لأستحي من الله أن يَرى من قلبي أني أخافُ من غيره.
ومَرَّ مرةً على أَجَمَة، فقيل له: إنا نخافُ عليك منها الأسدَ، فقال: إني لأستحي من الله أن أخاف غيره.
وبه إلى ابن الجوزيِّ: أنا أحمدُ بن أبي منصورٍ: أنا المؤتمنُ بن أحمدَ: أنا أحمدُ بن محمدٍ: أنا أبو عبد الرحمن السلميُّ: أنا أبو الحسنِ الجرجانيُّ: أنا أبو عوانةَ: ثنا ابن أبي الدنيا: ثنا هارونُ بن عبد الله: ثنا إبراهيمُ بن مهديٍّ: ثنا عمرانُ بن مسلمٍ: ثنا أبو مسكينٍ، قال: قال عامرُ بن عبد قيس: مَنْ خافَ الله، أخافَ الله منه كلَّ شيء، ومن لم يخفِ الله، أخافَه الله من كلِّ شيء (١).
أخبرنا أبو حفصٍ المقرئُ: أنا أبو الحسنِ الإمامُ: أنا المحبوبيُّ:
стр. 135
أخبرتنا ستُّ الأهلِ بنتُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا أبو طالبٍ اليوسفيُّ: أنا ابن المُذْهبِ: ثنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: أنا عبد الله بن الإمامِ أحمدَ: حدثني أبي: ثنا أحمدُ بن الحجاجِ: أنا عبد الله بن المباركِ: أنا المستلمُ بن سعيدٍ: ثنا حمادُ بن جعفرٍ: أن أباه أخبره، قال: خرجنا في غَزاة إلى كابل، وفي الجيش صلَةُ بن أَشْيَمَ، فبركَ الناسُ عند العتمة، فقلت: لأرمقنَّ عملَه، فأنظرَ ما يذكرُ الناسُ من عبادته، فصلَّى العتمةَ، ثم اضطجعَ، فالتمسَ غفلةَ الناس، حتى إذا قلت: هدأتِ العيونُ، وثبَ، فدخل غيضة قريبًا منه، فدخلت في أثره، فتوضأ، ثم قام يصلي.
قال: وجاء أسد حتى دنا منه، قال: فصعدتُ في شجرة، قال: فتراه التفت إليه أو [...] حتى سجد، فقلت: الَآن يفترسه، فجلس ثم سلم، فقال: أيها السبع! اطلبِ الرزقَ من مكان آخر، فولَّي، وإن له لزئيرًا يصدع الجبال، فما زال كذلك، فلما كان عند الصبح، جلس فحمِدَ الله بمحامدَ لم أسمعْ بمثلها إلا ما شاء الله، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تُجيرني من النار، أَوَ مثلي يجترئ أن يسألك الجنة، ثم رجع فأصبح كأنه بات على الحشايا، وأصبحتُ وبي من الفترة شيءٌ الله تعالى به عليمٌ (١).
قال: فلما دنونا من أرض العدو، قال الأمير: لا يشذَّنَّ أحدٌ من العسكر، قال: فذهبتْ بغلتُه بثقلها، فأخذ يصلِّي، فقالوا: إن الناس
стр. 136
قد ذهبوا، فمضى، ثم قال: دعوني أصلي ركعتين، فقالوا: الناسُ قد ذهبوا، فمضى، ثم قال: دعوني أصلي ركعتين، فقالوا: الناس قد ذهبوا، قال: إنهما خفيفتان، قال: فدعا، ثم قال: اللهمَّ إني أقسمُ عليك أن تردَّ عليَّ بغلتي وثقلَها، قال: فجاءت حتى قامتْ بين يديه، قال: فلما لقينا العدوَّ، حمل هو وهشامُ بن عامرٍ على العدو طعنًا وضربًا وقتلاً، فكسر ذلك العدوَّ، فقالوا: رجلانِ من العرب صنعا بنا هذا، فكيف لو قاتلونا بأجمعهم؟ فأعطوا المسلمين حاجتهم.
وبه إلى عبد الله: حدثني خوثرةُ بن أشرسَ: ثنا حمادُ بن سلمةَ، عن حبيبِ بن الشهيدِ: أن مسلمَ بن يسارٍ كان قائمًا يصلي، فوقع حريق إلى جنبه، فما شعر به حتى أُطفئت النار (١).
أخبرنا جدِّي: أنا الصلاحُ: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا ابن الجوزيِّ: أنا محمدٌ: أنا حمدٌ: أنا أحمدُ بن عبد الله: ثنا أحمدُ بن جعفرٍ: ثنا [أحمدُ بنُ] عليٍّ الأبارُ: ثنا أبو عمارٍ: ثنا الفضلُ بن موسى، عن الحسينِ -يعني: ابن واقد-، عن مطرٍ، عن قتادةَ، قال: مَنْ يَتَّقِ الله يكنْ معه، ومن يكنِ الله معه، فمعه الفئةُ التي لا تُغلَب، والحارسُ الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل (٢).
وبه إلى ابن الجوزيِّ: أنا أبو بكرِ بن أبي طاهرٍ: أنا محمدُ بن عبد الله: أنا ابن صفوانَ: أنا أبو بكرٍ القرشيُّ: ثنا محمدُ بن إدريس:
стр. 137
ثنا أحمدُ بن أبي الحواريِّ: ثنا وهبُ بن زيدِ بن عبيدٍ، عن خليدٍ، عن الحسنِ، قال: احترقتْ أخصاصُ البصرة، وبقي في وسطها خصٌّ لم يحترقْ، وأمير البصرة يومئذ أبو موسى الأشعري، فخبر بذلك، فبعث إلى صاحب الخص، فأتُي به، فإذا شيخُ فقال: يا شيخ ما بالُ خُصِّك لم يحترقْ؟ قال: إني أقسمتُ على ربي أن لا يحرقه، فقال أبو موسى: أما إني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "يَكُونُ في أُمَّتِي رِجَالٌ طُلْسٌ رُؤُوسُهُمْ، دُنْسٌ ثِيَاُبُهُمْ، لَوْ أَقْسَمُوا عَلَى الله لأَبَرَّهُمْ".
وقد روينا في "الزهد" للإمامِ أحمدَ: أن الله قال لموسى لما بعثه إلى فرعون: واعلم أنه لم يتزين لي العبادُ بزينة هي أبلغُ من الزهد في الدنيا، فإنها زينةُ المتقين، عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، أولئك أوليائي حقًا، فإذا لقيتَهم، فاخفضْ لهم جناحَك، وذَلِّلْ لهم قلبَك ولسانَك، واعلمْ أنه من أهان لي وَليًا، أو أخافَه، فقد بارزَني بالمحاربة، وبادَأَني، وعَرَّضَ بنفسه، ودعاني إليها، وأنا أسرعُ شيءٍ إلى نُصرةِ أوليائي، أفيظنُّ الذي يُحاربني أن يقومَ لي؟ أو يظنُّ الذي يُعاديني أن يُعجزني؟ أو يظنُّ الذي يُبارزني أن يَسبقني، أو يَفوتني؟ وكيف وأنا الثائرُ لهم في الدنيا والآخرة، لا أَكِلُ نُصرَتَهم إلى غيري؟ (١)
وكان فرعونُ قد تحصَّنَ من موسى، وجعل على أبوابه الحَجَبَة، ومعهم الأُسْدُ لأجل موسى، فلما رأته الأسدُ صاحتْ صياحَ الثعالبِ، وجعلتْ تلوذُ به، وتحرسُه، وتحوطه.
стр. 138
ومن أطاعَ الله، أطاعته الأسدُ، وكذلك لما لقي مولى النبيِّ ﷺ ، وأخبره أنه مولى رسولِ الله ﷺ ، ذلَّ له، وخضعَ، وحملَه حتى بلَّغَه موضعَ قصده.
وكذلك شيبانُ الراعي ذلَّ له، وقال: لولا مكانُ الشهرة، ما وضعت زادي إلا على ظهره حتى آتي بيتَ الله (١).
وكذلك إبراهيمُ بن أدهمَ لما نامَ، جاء ثعلبُ، ومعه عِرْقُ رَيْحَان، وجعل يذبُّ عنه.
فالله يحرسُهم بالمتالف.
* * *
* ولما كتب إلينا جماعةُ الرواد إلى أهل الصالحية التخويف، طُلب مني أن أكتبَ إليهم جوابَه، فكتبتُ ما هذه صورته:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وهو حسبي.
لا إلهَ إلا الله، محمدٌ رسول الله.
من العبدِ الفقيرِ يوسفَ بن عبد الهادي إلى كلِّ واقفٍ عليهِ.
أما بعدُ:
فإن الصالحيةَ محلُّ الصالحين، ودارُ المتقين، ولم يقصِدْها أحدٌ
стр. 139
قطُّ بسوء وأفلَح، وتمرلنك -مع كفره وبغيه- أحرقَ جميعَ البلاد، ولم يتعرَّضْ إليها.
والمطلوبُ من أهلها الدعاءُ لكم، أو عليكم، فإنكم في أول الأمر حين أسلمتم [....] دَعَوا لكم.
وإن كان قد نزل فيها عسرةٌ أو نحوها, لا يقدر أحدٌ من أهل الصالحية على ردهم، ولا [...].
من الصالحية إن عمرت أو خربت، فلا برزوا لديه [...]، الصالحُ بالطالح، والأرضُ لله يُورِثها مَنْ يشاء من عباده، والعاقبةُ للمتقين.
وقد قال الله : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ
وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
ومن أراد النصرَ والظفرَ في الدنيا والآخرة، فما [...] ومراعاة مرضاته، والحذر كل الحذر مما يوجب غضبَ الله ومقتَه؛ من ظلم أحد، أو حرقِ قلبِ أحد، أو كسرِ قلبِ أحد؛ فقد قال النبيُّ ﷺ لمعاذٍ لما بعثَه إلى اليمن: "اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله حِجَابٌ" (١).
فإياكم إياكم إياكم من ظلم أحد، أو كسر قلب فقير، أو حرق
стр. 140
مكان، أو البغي على أحد لم يقع في حقكم بشيء؟ فانه ليس ثَمَّ شيءٌ أسرعَ عقابًا من البغي والجور.
فالحذار الحذار من أذى المسلمين، أو البغي عليهم.
وقد أنشدنا بعضُ شيوخنا:
إِذَا رَأَيْتَ ذَوِي بَغْيٍ فَقُلْ لَهُمُ ... سَتَنْدَمُونَ وَحَاذِرْ أَنْ تُسَاكِنَهُمْ
فَمِثْلُهُمْ في الوَرَى كَانُوا جَبَابِرَةً ... فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنَهُمْ
فمن أراد الملكَ والنصرَ والظفرَ، فعليه بتقوى الله ؟
فقد قال الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
قال ابن عباس: ﴿مَخْرَجًا﴾: من كل شدة وقع فيها.
وقال الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤].
وقال عمر ﵁: لا تطلبِ العزةَ إلا بالله.
ومن اتقى الله، وراقبه، لم يعذبِ الناسَ بعذابٍ عامٍّ من حريقٍ وغيره.
فكم يذهبُ في ذلك من مظلوم، وكم يوجِب من دعوة لا تُرَدُّ، وإذا أتاكم واحدٌ أو عشرةٌ من محلة، فآذيتم جميعَ أهل المحلة، أو حرقتموها، كم يصيب ذلك من مظلوم؛ من صغير وكبير، وذكر وأنثى
стр. 141
ممن يغضب الله لغضبه، ولا تُرَدُّ دعوتُه، فيكون ذلك سببَ المقت والطرد والكسر والحرمان.
وروي أن بعض الملوك أخربَ كوخًا لفقيرة، فلما شاهدَتْ ذلك، رفعت طَرْفَها إلى السماء، وقالت: يا ربِّ! أنا لم أكنْ، فأنتَ أين كنتَ؟ فأمرَ الله جبريلَ أن يخسفَ به وبملكه.
ومن لم يراقب الله، لم يراقبه الله، وقد نهى النبيُّ ﷺ عن حرق الكفار، فكيف بحريق المسلمين؟!
ومن لم يستحْيِ من الله أن يُغضبه، لم يستحيِ الله منه أن يعذِّبَه.
وفي "الصحيحين" وغيرهما: عن النبي ﷺ ، قال: "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (١).
وقال النبيُّ ﷺ : "المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ
وَيَدهِ" (٢).
وقال: "لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى الله مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ" (٣).
وقال: "شَرُّ النَّاِس مَنْزِلَةً عِنْدَ الله مَنْ انحطَّ في هَوَى أَخِيهِ وَهُوَ ظَالِمٌ، فَأَذْهَبَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ" (٤).
стр. 142
وقال: "لا يَرْحَمُ الله مَنْ لا يَرْحَمُ النَّاسَ" (١).
وقال: "ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، ارْحَمُوا أَهْلَ الأرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ" (٢).
وقال: "لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلا مِنْ كُلِّ شَقِيٍّ" (٣).
وقال النبيُّ ﷺ : "لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا" (٤).
وكل [...] من أشراط الساعة وعلاماتها، وقد أخبر النبيُّ ﷺ بذلك، فقال ﷺ : "أَمَامَكُمْ فِتَنٌ كَقِطَع اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا، ويُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَه بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا قَلِيلٍ" (٥).
قال أنسُ ﵁: والله! رأيناهم أجسادًا لا عقولَ لهم، يبيع أحدُهم دينَه بدرهمٍ.
قلت: قد والله! رأينا في زماننا هذا مَنْ يبيع دينَه بغيرِ شيء.
وقال ﷺ : "تَكُونُ فِتَنٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، والمَاشِي فِيَها خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَا أَوْ مَعَاذًا، فَلْيَعُذْ بِهِ".
стр. 143
فقال حذيفةُ ﵁: أرأيتَ إن أدركَني ذلك كيف أصنع؟
قال: "ادْخُلْ بَيْتَكَ، وَأَغْلِقْ عَلَيْكَ بَابَكَ".
قال: أفرأيتَ لو دخلَ عليَّ بيتي؟
قال: "ادْخُلْ مَخْدَعَكَ".
قال: أرأيتَ إن دخلَ عليَّ مخدعي؟
قال: "غَطِّ عَيْنَيْكَ، وَكُنْ كَابن آدَمَ المَقْتُولِ [...] وَلا تَقْتُلْ مُسْلِمًا".
وفي رواية: أرأيتَ إن دخلَ عليَّ أحدٌ يقتلني؟ قال: "قُلْ لَهُ: بُؤْ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ، فَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ، وَتَكُونُ مِنْ أَصحَابِ الجَنَّةِ".
فوالله! لزوالُ الدنيا كلِّها [....] وجملة الفقراء، بل ويموت خير له من أن يُذهب آخرتَه، أو يقتل مسلمًا.
فالله الله يا عبادَ الله! فقد أظلَّتكُم الساعةُ وقيامُها، وخروجُ الدجال؛ فإن هذا الذي أنتم فيه من جملة علاماته وظهوره؛ فإني أظن [أنه] خارجٌ فيكم لا محالةَ، وهذه أيامُه وعلاماته.
وقد قال النبيُّ ﷺ : "إِذَا وَقَعَ السَّيْفُ في أُمَّتِي، لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَجٌ إِلا الدَّجَّالُ".
وقد رُوي عن أُهبان بن صَيفيٍّ، وكان من فرسان الإِسلام: أنه جاء إليه عليُّ بن أبي طالبٍ يريد منه أن يركبَ معه يقاتلُ معه، فقال له: إن خليلي وابن عمِّك عَهِدَ إليَّ إذا اختلفَ الناسُ: أن اتخذَ سيفًا من خشب،
стр. 144
فقد اتخذتُه، فإن شئتَ، خرجتُ معكَ به، قال: فتركه (١).
وقال النبيُّ ﷺ : "أَمَامَكُمْ فِتَنٌ، فَاكْسِرُوا فِيَها قِسِيَّكُمْ، وَقَطِّعُوا فِيَها أَوْتَاركُمْ، وَالْزَمُوا فِيهَا أَجْوَافَ بُيُوتكُمْ، وَكُونُوا كَابن آدَمَ المَقْتُولِ" (٢).
ويقول كما قال النبيُّ ﷺ : حين قال له الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
وصلى الله على سيدنا محمَّد، وآله وصحبه وسلم.
* * *
* وكان بعضُ السلف يخاف من أن يعير أحدًا، أو يوبخه في المعاصي.
كما أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن البالسيِّ: أنا المِزِّيُّ: أنا ابن أبي عمرَ: أنا الإمامُ أبو الفَرَجِ: أنا محمدُ بن أبي منصورٍ: أنا أحمدُ بن عليٍّ: أنا أبو عبد الرحمن السلميُّ، سمعتُ محمدَ بن أحمدَ الفراءَ يقول: سمعتُ عبد الله بن الحجامِ يقولى: [قال حمدونٌ:] إذا رأيتَ سَكْرانًا، فتمايَلْ؛ لئلا تنعى عليه، فَتُبْتَلى بمثلِ ذلك.
стр. 145
وكان يقول: لا تَفُتِّشْ على أحدٍ ما تحبُّ أن يكون مستورًا عليك.
وربما كان مَنْ آذيتَه من أولياء الله يعرفُ الإسمَ الأعظمَ، فيدعو عليك، فتقعُ عليك تعاسةُ الدنيا والآخرة.
وبه إلى الإمامِ أبي الفَرَجِ: أنا أبو بكرِ بن حبيبٍ: أنا أبو سعيدِ بن أبي صادقٍ: أنا ابن باكويهِ: أنا نصرٌ الطوسيُّ: ثنا عليُّ بن محمدٍ: ثنا أبو سعيدٍ أحمدُ بن سعيدٍ: حدثني سعيدُ بن جعفرٍ، وهارونُ الأرمنيُّ، وعثمانُ التمارُ، قالوا: ثنا عثمانُ بن عمارةَ: حدثني إبراهيمُ بن أدهمَ، قال: لقيتُ أسلمَ بن زيدٍ الجهنيَّ، فقلت له: إني صحبتُ رجلاً من الكوفة إلى مكة، فرأيته إذا مشى، يصلي ركعتين، ثم يتكلم بكلام خفي بينه وبين نفسه، فإذا جفنةٌ من ثريد عن يمينه، وكوزٌ من ماء، وكان يأكل ويطعمني، فبكى، وقال: يا بني! ذاك أخي داودُ مسكنُه من وراء بَلْخٍ بقرية يقال لها: المازرة الطيبة، وإنها تفاخر البقاعَ بكينونة داودَ فيها، يا غلام! ما قال لك، وما علَّمك؟ قلت: علَّمني اسم الله الأعظم. قال: ما هو؟ قلت: إنه يتعاظم عَلَيَّ أن أنطقَ به؛ فإنني سألتُ به مرةً، فإذا برجل آخذ بِحُجْزَتي، فقال: سَلْ تُعْطَهْ، فراعني ذلك، وفزعتُ فزعًا شديدًا، فقال: لا روعَ عليك، أنا أخوك الخضر، إن أخي داودَ علَّمَكَ اسمَ الله الأعظمَ، فإياك أن تدعوَ به على رجل بينك وبينه نزع، فتهلكه هلاك الدنيا والآخرة، ولكن ادعُ الله أن يُثَبِّتَ به قلبَك، ويشجعَ به جَنبك، ويقويَ به ضعفَك، ويؤنس به وحشتَك، ويؤمن به روعتك (١).