مجموعة مؤلفات الإمام يوسف بن عبد الهادي الحنبلي ﵀[٢]
«صب الخمول على من وصل أذاه إلى الصالحين من أولياء الله»
تأليف
الإمام يوسف بن حسن بن عبد الهادي المقدسي الدمشقي الحنبلي
المولود سنة ٨٤١ هـ - والمتوفى سنة ٩٠٩ هـ
رحمه الله تعالى
بعناية
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
دار النوادر
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م
ردمك: ٨ - ١٧ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ lSBN
دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الُّلبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوادِرِ الكُوَيْتِيَةٍ ذ. م. م - الكُوَيْت
سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
الكويت - الصالحية - برج السحاب - ص. ب: ٤٣١٦ حولي - الرمز البريدي: ٣٢٠٤٦
هاتف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥)
www.daralnawader.com - info@daralnawader.com
أسَّسَهَا سَنَة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م نُورُ الدِّيْن طَالِب المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفيذي
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه، ونستعينُه ونستغفره، ونعوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أنفسِنا، وسيئاتِ أعمالنا، مَنْ يَهْدِه اللهُ فلا مضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ، وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه.
أمّا بعد:
فقد روى البخاريُّ في "صحيحه" من حديثِ أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الله قال: مَنْ عَادى في ولياً فَقد آذنتُه بالحَربِ ... " الحديث، وقيل في هذا الحديث: إنَّه أشرفُ حديثٍ في ذِكْرِ الأولياء، فأولياءُ الله تعالى تجبُ موالاتُهم، وتَخرُمُ معاداتُهم، كما أنَّ أعداءَه تجب معاداتُهم، وتحرُمُ موالاتُهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾؛ فاللهُ تعالى يتولَّى نُصْرَة أوليائه، ويحبُّهم ويؤيِّدهم، فَمَنْ عاداهم فقد عادى الله تعالى وحَارَبَه (١).
стр. 6
وفي هذا ألَّفَ الإمامُ يوسفُ بنُ عبدِ الهادي كتابَه اللطيف: "صَبُّ الخُمولِ على مَنْ وصل أذاه إلى الصالحين مِنْ أولياء الله"، ذاكراً خِصَالهم وصِفَاتِهم، محذَراً فيه مِنَ الوقيعة فيهم بقولٍ أو فعل، وأوردَ فيه من قصصِ الصالحينَ والأولياءِ وحكاياتِهم مما يُسَرِّي عن كثيرٍ من أهل الخير والصلاح، ومعرِّفاً فيه ما أوجبَ لهم الفَضْلَ والفلاح، ونَثرً فيه حكاياتِ مَنْ تَعَرَّضَ للصالحين بالأذى والظُلم، وكيف أخملَ اللهُ ذِكْرهُم، وأمَاتَ صِيْتَهم، وقَطَع نَسْلَهم.
إذا رأيتَ ذَوي بَغْي فَقُلْ لهم ... ستندمونَ وحَاذِرْ أَنْ تُساكِنَهم
فمِثْلُهم في الوَرى كانُوا جَبابرةً ... (فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنهم)
* * *
هذا وقد تمَّ -بفضل الله تعالى- الوقوفُ على النسخةِ الخطية الفريدة لهذا الكتاب، وهي النسخةُ المحفوظةُ بدار الكتب الظاهرية بدمشق تحت رقم (١١٤١)، وهي بخطِّ المؤلف المعروف بغرابة الشكل، وصعوبة القراءة، وقلَّة الإعجام، وتقع في (٨٣) لوحة.
* * *
* هذا وقد تمَّ تحقيق هذا الكتاب وفق الخطة الآتية:
١ - نسخُ الأصلِ المخطوط اعتماداً على النسخة الخطية المُشار إليها، وذلك بحسب رسم وقواعد الإملاء الحديثة.
стр. 7
٢ - معارضةُ المنسوخٍ بالمخطوط؛ للتأكُّد من صحة النص وسلامته.
٣ - عزو الآيات القرآنية بذكر اسمِ السُّورة ورقم الآية، وجعلها بين معكوفتين في صُلْب النص، وإدراجها برسم المصحف الشريف.
٤ - تخريج الأحاديثِ النبوية الشريفة تخريجاً لائقاً بخدمة النَّصِّ المحقق.
٥ - توثيقُ الآثار والحكايات التي نقلها المؤلف ﵀ في ثنايا الكتاب.
٦ - كتابة مقدمةٍ للكتاب مشتملة على ترجمة مختصرة للمؤلف، وتَقْدمة موجزة عن الكتاب.
هذا وصلَّى اللهُ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم.
حَرَّرَهُ
نُورُ الدِّين طَالِب
١٧ / صفر/ ١٤٣٢ هـ
٢٢/ ١ / ٢٠١١ م
стр. 8
ترجمة المؤلف (١)
* هو الإمام يوسف بن حسن بن أحمد بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي المقدشي الأصل، الدمشقي المولد، الحنبلي المذهب، المعروف بـ: "ابن عبد الهادي"، والملقب بـ: "ابن المِبْرَد".
* ولد سنة (٨٤١ هـ) في أول يوم منها، وقد نشأ في بيئة علمية معروفة، فتفقه على أبيه وجده، وسمع عليهما الحديث.
وكان ملازماً للعلماء والصالحين؛ فحفظ "المقنع" لابن قدامة
стр. 9
على عدد من العلماء، وقرأ على مشايخ أكثر "صحيح البخاري"، و"مسند الحميدي"، و"الدارمي"، وغيرها.
* "فمن مشايخه الذين قرأ وحفظ عليهم: الشيخ علاء الدين المرداوي صاحب "الإنصاف"، وتقي الدين ابن قندس صاحب الحاشية المشهورة على "الفروع"، وزين الدين أبو الفرج ابن الحبال، وغيرهم.
* وقد تخرج على يديه جماعات من التلامذة؛ الذي صاروا فيما بعد أعلاماً كباراً؛ كـ: ابن طولون، وعبد القادر النعيمي، وغيرهما.
* أثنى عليه جماعة من أهل العلم، ووصفوه بالإمامة والحفظ والإتقان:
قال فيه تلميذه ابن طولون: "هو الشيخ الإمام، علم الأعلام، المحدث الرحالة، العلامة الفهامة، العالم العامل، المتقن الفاضل".
وقال فيه ابن العماد: "كان إماماً علامة، يغلب عليه علم الحديث والفقه، ويشارك في النحو والتصريف والتفسير، وله مؤلفات كثيرة".
وقال الشطي: "أجمعت الأمة على تقدمه وإمامته، وأطبقت الأئمة على فضله وجلالته".
* ترك الإمام ابن عبد الهادي كتباً كثيرة بلغت أسماؤها مجلداً، كما قال ابن طولون، ومن أهم تلك الكتب:
١ - "جمع الجوامع في الفقه على مذهب الإمام أحمد" في ثلاثة وسبعين مجلداً، غالبه مفقود.
стр. 10
٢ - "الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي".
٣ - "مغني ذوي الأفهام" في الفقه.
٤ - "هداية الإنسان إلى الإستغناء بالقرآن".
٥ - "إرشاد المسالك إلى مناقب مالك".
٦ - "الدر النفيس في أصحاب محمد بن إدريس".
٧ - "محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب".
٨ - "زيد العلوم وصاحب المنطوق والمفهوم".
٩ - "معارف الإنعام وفضل الشهور والأيام".
١٠ - "زينة العرائس من الطرف والنفائس".
* توفي ﵀ بصالحية دمشق، سادس عشر المحرم، من سنة تسع وتسع مئة، وصلي عليه بجامع الحنابلة، ودفن بسفح جبل قاسيون ﵀، ورضي عنه.
стр. 11
صُوَر المَخْطُوْطَاتْ
стр. 12
صورة غلاف النسخة الخطية للمكتبة الظاهرية
стр. 13
صورة اللوحة الأولى من النسخة الخطية للمكتبة الظاهرية
стр. 14
صورة اللوحة الأخيرة من النسخة الخطية للمكتبة الظاهرية
стр. 15
«صب الخمول على من وصل أذاه إلى الصالحين من أولياء الله»
تأليف
الإمام يوسف بن حسن بن عبد الهادي المقدسي الدمشقي الحنبلي
المولود سنة ٨٤١ هـ - والمتوفى سنة ٩٠٩ هـ
رحمه الله تعالى
بعناية
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
стр. 16
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَهُوَ حَسْبِي
الحمدُ لله المنتصرِ لأوليائه، المنتقمِ ممَّنْ عاداهم بأنواعِ بلائهِ.
أحمدُه على جزيلِ عطائهِ، وأشكرُه على كثيرِ نَعمائِهِ.
وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله وحدَهُ لا شريكَ لهُ، شهادة تجعلُنا من أحبابِه وأصفيائِه، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، صَلَّى الله عليه وعلى آلِه وصحابِه وأزواجِه وأبنائِه، وسَلَّمَ تسليماً.
أمّا بعد:
فإنَّ الله اختار صفوةً من خلقه، فأحبَّهم وأحبُّوه، ورضيَهم لنفسه فعبدُوه وأطاعوه، فإنْ سألوه أعطاهم، كان توجَّهوا إليه مَنَّاهم، وإن أشرفوا على رياضِ قدسِه حَيَّاهم، فهم هم، وليس غيرُهم إياهم.
стр. 17
* - مدحَهم في كتابه، وجعلَهم من خواصِّه وأحبابه، فإذا تأملْتَ غالبَ القرآن، وجنتَه في مدحِهم ووصفِهم، وذمِّ أعدائِهم وحزبِهم، فمَنْ والاهم والاه، ومن عاداهم عاداه، فإبليسُ حين أبغضهم قلبُه، أقصاه ربُّه، وذمَّه هو وحزبُه.
فتأمَّلْ إلى الفريقين، وما ذكره الله فيهما من مدح وذمٍّ، وموالاةٍ ومعاداةٍ، قال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ يذلهم ويهينهم، ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ﴾ وإن كثرت، ﴿وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ وإن قويت ﴿مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ لمَّا أطاعوه واتبعوه ﴿فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ﴾، فلم يكن لهم في الله نصيب، ولا له فيهم حبيب، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ في الدنيا والآخرة ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ جعل الله لهم الذلة في الدنيا والآخرة، ﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾ في كتابه قبل خلقه ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ لجميع من عادانا ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ على كل أحد من خلقه ﴿عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ١٤: ٢١] لا يصل إليه أحد منهم بأذى.
ثم انتقل إلى وصف أوليائه، فقال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ أي: يحبونهم ﴿وَلَوْ كَانُوا
стр. 18
آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾؛ لأن قلوبهم مع الله واقفة، لا يحبون إلا من أحبَّ، ويُبغضون من أبغض، فليست قلوبُهم مع إرادتهم وشهوتهم، ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾، فلا يدخله غيرُ مراد الله، ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾، فلم يتمكن منهم عدو، ﴿وَيُدْخِلُهُمْ﴾ في الآخرة ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ في جواره ﴿خَالِدِينَ فِيهَا ﵃﴾ في الدارَيْن ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فيهما، فهم مطبوعون على الرضا بقدر الله، ليس لهم شهوةٌ غيرُ ما قضى لهم وَقدَّرَ ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢].
فدونك الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان؛ فإن هذه الآيات قد احتوت على الفريقين، فَزِنْ نفسَك بهذا الميزان، واعتبرها بهذا الاعتبار، فإن رأيتها من حزب الله وأوليائه، تؤمن بالله ورسوله صادقة، وتقرب مراده على مرادها، ولا توادُّ مَنْ حاربه وعصاه، ولو كان والداً أو ولداً أو أخاً، ولا تحبّ إلا لَهُ، ولا تبغض إلا له، فأنت من حزبه.
وعلامةُ حبه كثرةُ ذكره.
وإن وجدتها قد نسيت ذكرَ الله وأهملته، ووالت من لا يحب الله ورسولَه، وقدمت مالك وولدك وزوجتك وإخوتك وعشيرتك، ومرضاتهم على مرضاة ربك، فإياك إياك.
وقال : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]
стр. 19
* فتأمل القرآنَ جميعَه، تجن فيه الفرقَ بين حزبِ الله، وحزب الشيطان، وتجدِ العاقبةَ لحزب الله.
تأمل حالَ نوحِ وقومه، وحالَ إبراهيمَ وضعفِه، والنمرودِ وقوته، وكانت العاقبةُ له، وكيف ترك أباه وقومَه لرضا الله، حتى إنه عزم على ذبح ولده لله، وإنما ابتلاه الله بذلك حين سكن قلبُه لأدنى شيء من محبته، فأراد الله أن يخرج محبته من قلبه.
وانظر إلى موسى وفرعونَ، وانظر حال محمد ﷺ ، وكيف أخرجه وحده، وكان [لو أراد] قهر به جميع ملوك الدنيا.
قال الله : ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢].
* فليس عليهم خوفٌ، لا في الدنيا؛ لأن الله معهم، وناصرُهم، ولا هم يحزنون، لا في الدنيا على ما فاتهم، ولا في الآخرة؛ لأنه ليس ثَمَ فيها حزن.
أخبرنا الجماعة، وأنا ابن الزَّغبوبِ: أنا الحَجَّارُ: أنا ابن الزَّبيديِّ: أنا السِّجْزِيُّ: أنا الداوديُّ: أنا السَّرَخْسِيُّ، أنا الفِرَبْرِيُّ: أنا البخاريُّ: ثنا خالدُبن مخلدٍ: ثنا سليمانُ بن بلالٍ: حدثني شريكُ بن عبد الله بن أبي نمرٍ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسول الله ﷺ : "إِنَّ الله قالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِياً فَقَن آذَنْتُهُ بِالحَربِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحبَبْتُهُ، كُنْتُ
стр. 20
سَمْعَهُ الَّذِيِ يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِيِ يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَفشِي بِهَا، فَإِنْ سَأَلنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّنتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ" (١).
ومن هذه الحيثية -حيثُ دخلَ من القوة الربانية الناشئة عن الله ، المستمدة عظمة قدرة الله - قَدَّمَ سلطانُ أولياءِ الله أكثرَ من غيره؛ بكونه صار الرأسَ للكثير، وتحقَّقَ ذلك، قال -تعظيماً للسر الإلهي-: قَدَمي هذه على رقبة كلِّ وَلِيٍّ لله (٢).
ولما أُلقي إبراهيمُ في النار، طفأها نورُ الإيمان، وما سكن جسدُه منه، ولهذا وردَ في بعض الآثار: أن النارَ قالت: يا ربِّ! لو عصيتكم، بم كنت تعذبني؟
стр. 21
قال: بناري الكبرى.
قالت: يا رب! ولك نارٌ أكبر مني؟
قال: نعم، نار محبتي، أُسْكِنُها قلوبَ عبادي المؤمنين.
ولهذا ورد: أن النار تقول للمؤمنين يوم القيامة: يا مؤمن! جُزْ، فقد أطفأ نورُكَ لَهِبي (١).
فنورُ الإيمان يطفئُ نارَ الشياطين، قال الله : ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩، ١٠٠].
وقال عنه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢].
ولما أُلقي إبراهيمُ في النار، قال: حَسْبِيَ الله ونعمَ الوكيلُ، فطفئت؛ لأنها خلق الله، لا تفعل شيئاً إلا بأمره.
قال الله : ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٩، ٧٠].
وهذه الكلمةُ قالها النبيُّ ﷺ لما خُوِّف بالناس؛ كما قال الله- : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣، ١٧٤].
ولما ضرب موسى البحر بالعصا، وكان بها السرُّ الإلهي، انفرق
стр. 22
البحرُ له، ولم يلتئف بعضُه على بعض، فلما دخلَه فرعونُ بالقوة الشيطانية، لم يمسكه، فالتأم عليه، فقتله.
تجبَّرَ النمرودُ، وتكبر على إبراهيم، وأراد قتلَه بكبير قدرته الضعيفة، فعجز، وقتله الله بأصغر مخلوقاته وأضعفِها.
وفرعونُ افتخر بنهر ما أجراه، مما أجراه، فقتله الله به.
خالدُ بن سنان بالقوةِ الإلهية جعل يضرب النارَ الشيطانيةَ بيده، ويقول: يداً يداً كل حق لله مُؤَدّى، أنا عند الله الأعلى.
فطفت يدُ الإيمان ونورُه نارَ الشيطان.
العلاءُ بن الحضرميِّ، وسعدُ بن أبي وَقَّاصٍ حين مَشَيا بالجيوش والعساكر على البحر بالقوة الإيمانية، لم يغرق [...]
كسرى تكبر بعساكره، وتجبر ومَزَّق كتابَ النبيِّ ﷺ ، فمزقه الله كُلَّ مُمَزَّق، حتى آخرَ الأمر طلبَ المصالحةَ على أن تؤخذ غالبُ بلاده.
و [.....] عنه حتى قال: أما شبعتم لا أشبع الله بطونكم؟! فأجابه: [......] الإيمان، بلغة الأعاجم، [......] لا يكون بيننا وبينكم صلح أبداً حتى نأكل أترج وكوثى بعسل وفريذين.
فقال: واويلاه! إن الملائكة لتتكلم على ألسنتهم، ثم لم يزل يهرب إلى أن اختفى قعر أرض، فقتل هنالك.
خالدُ بن الوليدِ حين أصاب سيفَه طرفٌ من الأنوار الإلهية، قيل له: سيفُ الله، فما سلَّه على أحد إلا عليه نور الإيمان.
стр. 23
عمرُ كان الشيطانُ يهربُ منه (١)، ويَفْرَق منه، فما لقيَه في طريق، إلا وسلك غيرَهُ.
لمَّا ضرب الزبيرُ بن العوامِ شجاعاً فارساً، تلبس اللبوسَ المنيعةَ والحديد، وعيره [....] بلبسه، ثم بفرس ولبسه، ثم خدت الأرض، فقيل له: ما أحدَّ سيفَكَ! فغضبَ، يشير: إن العمل ليده لا لسيفه، فكان ذلك بقوة الإيمان.
افتخر بعضُ ملوك الروم بعِلْجِ عنده ما ضرب شيئاً بيده إلا وقتلَه، فبرز له بعضُ غلمانِ المسلمين، فثبت له، فضربه، فلم يقتله، ثم ضربه المسلمُ بيده الصغيرة الحقيرة، فقتله.
أخبرنا جماعةٌ ومن شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أنا الصيدلانيُّ: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا أبو نعيمٍ: ثنا أبو إسحاقَ بن إبراهيم بن محمدِ بن حمزةَ: ثنا أبو عبيدةَ محمدُ بن أحمدَ بن المؤمِّل، قال أبو نعيمٍ: وثنا إبراهيمُ بن عبد الله بن إسحاقَ: ثنا محمدُ بن إسحاقَ السراجُ، قالا: ثنا محمدُ بن عثمانَ بن كرامةَ: ثنا خالدُ بن مخلدٍ، عن سليمانَ بن بلالٍ، عن شريكِ بن عبد الله بن أبي نمرٍ، عن عطاءٍ، عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إِنَّ الله قَالَ: مَنْ آذَى لِي وَلِيّاً، فَقَد آذَنْتُهُ بِالحَربِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَاءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يتقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَكُنْتُ سَمعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ
стр. 24
بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، فَلَئِنْ سَأَلنِي عَبْدِي، أعطَيْتُهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي، أَعَذْتُهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ، وَأَكْرَهُ أَنَا إِسَاءَتَهُ، أَوْ مَسَاءَتَهُ" (١).
وهكذا رأيتُه في "صحيح البخاري" في نسخة مغربية قديمة، وليس فيها: "فإذا أَحببتُه" (٢).
* فإياكَ إياكَ أن تنالَ أحداً من أولياء الله بسوء، فيعاديَك، فَيُؤْذِنَكَ بالمحاربة، فتقعَ معه فيما لا قدرةَ لك على دفعه عن نفسك بالجنود.
الحذارَ الحذارَ، التوقِّي التوقِّي، لا تهلكْ نفسَك، لا يغرَّكَ الشيطانُ بالقوة الشيطانية، ولا تغترَّ بجنودِك وأعوانِك، وعساكرِك وإخوانِك.
﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
كَم من جَبَّارٍ تجبر، فبنى الحصونَ والدساكر، وجمعَ الجنودَ والعساكر، فما دفعت عنه الحصونُ التي بنى، وجف بها أنهاره والعساكر.
يا مجنون! أفق لنفسك، واعرف من أنت.
стр. 25
أخبرنا القاضي أبو حفص: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدين: أنا أبو جعفرٍ: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: ثنا القاضي أبو أحمدَ محمدُ بن أحمدَ: ثنا الحسنُ بن عليٍّ: قرئ على أبي موسى محمدِ بن المثنى، قال: وثنا محمدُ بن الحسينِ بن سلمةَ بن أبي كبشةَ: أن أبا عامرٍ العقديَّ حدثهما: ثنا عبد الواحدِ بن ميمونٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ يروي عن ربِّه ، قال: "مَنْ آذَى لِي وَلِيّاً، فَقَدِ اسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي" (١).
فيا من استحلَّ محاربةَ ربِّه وخالقِه، ومن يقدرُ على هلاكه بقوله: مُتْ، فيموت، وذُبْ، فيذوب، وليسَ يقدرُ هو معه على شيء بالكلية!
ما أقلَّ عقلَكَ، وما أتعسَكَ! تأمَّلْ حالك، فينه كيف أرادَ أحالَكَ، ولا تُدخل نفسَك في محاربةِ ربِّك بأن تضرَّ أحداً من أوليائه، أو تعادِيَه، أو تقعَ فيه في وجه من وجوه الأذى، حتى ولا بكلمة، فيكونَ ذلك سبَب هلاكِك وتعسِك في الدنيا والآخرة، فكف من واحدٍ أخمل نفسه بمثل ذلك!
أخبرنا جدِّي وغيرُه: أنا الصلاحُ بن أبي عمرَ: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا أبو جعفرٍ، أنا أبو أبو عليّ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: ثنا سليمانُ بن أحمدَ: ثنا يحيى بن أيوبَ: ثنا سعيدُ بن أبي مريمَ: ثنا
стр. 26
نافعُ بن يزيدَ: حدثني عياشُ بن عياشٍ، عن عيسى بن عبد الرحمن، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيه، قال: وجد عمرُ بن الخطابِ معاذَ بن جبلٍ قاعداً عندَ القبرِ يبكي، فقال له عموُ: ما يبكيك؟ قال: يبكيني شيء سمعتُه من رسولِ الله ﷺ ، سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ، وَإِنَّ مَنْ عَادَى أَوْلِيَاءِ الله، فَقَن بَارَزَ الله بِالمُحَارَبَةِ" (١).
فإياكَ أن تبارزَه بالمحاربة، فتقعَ فيما لا قدرع لك ولا لأحدٍ على دفعه، ولهذا قال الحافظُ أبو نعيم: كيف تستجيزُ نقيصةَ أولياءِ الله، ومؤذيهم يُؤْذِنُ بمحاربةِ الله؟! (٢).
فهذا المقام صانَ هذا الحافظَ من الخمولِ دَهْرَهُ، وأَعلى في الدارين قَدْرَهُ، ونشر في الخلق ذِكْرَهُ.
ووقوعُ الخطيب في كثيرٍ من الأخيارِ والفحول أوجبَ له الخمول، نعوذ بالله من ذلك (٣).
стр. 27
فكُفَّ يَدك ولسانك وقلبك وجميعَ جوارحك عن أولياء الله، وإياكَ أن تُهلك نفسك في الدارين، وتُخرقها بالنارين، فتوجبَ لها العارَيْن، فليس بعد ذلك [...] وليس معه قرةُ عين، هذا لعمرُكَ الصَّغَارُ بعينِه.
فمَنْ عاداهم هلَكَ، وانعطِفْ حيثما سلك، ولو جلسَ في قُبَّهِ الفلك.
ومَنْ والاهم سَلِم، ومن قَرُبَ منهم علم، و [من] جالَسَهم غَنِم.
* فيا سعادةَ مَنْ خدمَهم، ومن جالسهم لأنهم القومُ لا يشقى بهم جليسُهم.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: ثنا عائشةُ بنتُ عبد الهادي: إنا الحَجَّارُ: أنا ابن الزَّبيديّ، أنا السّجْزِيُّ: أنا الداوديُّ: أنا السَّرَخْسِيُّ: أنا الفِرَبْرِيُّ: أنا البخاريُّ: ثنا قتيبةُ بن سعيدٍ: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إِنَّ لله- مَلائِكَةً يَطُوفُونَ في الطُرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْماً يَذْكُرُونَ الله تنَادَوْا: هلُمُّوا إِلًى حَاجَتِكُمْ، قَالَ: فَيَحُفُونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ
стр. 28
رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعلَمُ مِنْهُم: ما يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبّحُونَكَ، وَيُكَبّرُونَكَ، وَيَحمَدُونَكَ، وَيُمَجِّدُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: هلْ رَأَوْني؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لا وَالله ما رَأَوْكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: كَيْفَ لَوْ رَأَوْني؟! قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ، كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَحمِيداً، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحاً، قَالَ: فَيَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونَ؟ قَالَ: يَسْألونَكَ الجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ: وَهلْ رَأَوْها؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لا والله يا رَبِّ ما رَأَوْها، قَالَ: فَيَقُولُ: كَيْفَ لَوْ أَنّهُم رَأَوْهَا؟! قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُم رَأَوْها، كَانُوا عَلَيْها أَشَدَّ حِرْصاً، وَأَشَدَّ لَها طَلَباً، وَأَعظَمَ فِيها
رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يمعَوَّذونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَيَقُولُ الله : وَهلْ رَأَوْها؛ قَالَ: يَقُولُونَ: لا وَالله يا رَبِّ ما رَأَوها، قَالَ: فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوها؟! قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْها، كَانُوا أَشَدَّ مِنْها فِرَاراً، وَأَشَدَّ لَها مَخَافَةً، قَالَ: فَيَقُولُ: اشْهدُوا أنَي قَدْ غَفرتُ لَهُم، قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ: فِيهِم فُلانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بِهِم جَلِيسُهُم" (١).
أخبرنا أبو حفص المقرئُ: أنا الإمامُ أبو الحسنِ: أنا المحبوبي: ثنا ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا اليوسفيُّ: أنا ابن المُذْهبِ: أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: أنا عبد الله بن أحمدَ: حدثني أبي: ثنا أسودُ بن عامر: ثنا جريرٌ، عن الحسنِ، عن رسولِ الله ﷺ ، قالَ: "إِذَا جَلَسَ القَوْمُ يَذْكُرُونَ الله ،
стр. 29
قَالَ الله لِمَلائِكَتِهِ: إِنِّي قَدْ غَفَرتُ لَهم، فَجَلِّلُوهُم بِالرَّحْمَةِ، قَالَتِ المَلائِكَةُ: يا رَبَّنَا! إِنَّ فِيِهمْ فُلاناً، قَالَ: هُمُ القَوْمُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ" (١).
فَيَا مَنْ حَصَلَتْ لَهُ السَّعَادَةُ بِمُجَالَسَتِهِم! إِيَّاكَ أَنْ تَضُرَّ نَفْسَكَ بِعَدَاوَتهِمْ وَبُغْضِهِمْ، فَاغْتَنِمْ أَنْفَاسَهُمْ وَنُفُوسَهُمْ، فَهُمُ القَوْمُ لا يَشْقَى بِهمْ جَلِيسُهم، طُرُقُهُمْ مُسْتَقِيمَةٌ، وَمُصَاحَبَتُهم سليمةٌ، ونفوسُهم رحيمةٌ، فالربحُ لمن خدمهم، ومَنْ ليسَ منهم، فهم القومُ لا يشقَى بهم جليسُهم، لهم أحوالٌ ظاهرة، ونفوسٌ طاهرة، وقلوبٌ عامرة، وليس لهم رغبةٌ في الدنيا، وإنما رغبتُهم في الآخرة، فهم مغبطون في الدارين، بمنازلهم الظاهرة.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: ثنا الحافظُ ضياءُ الدين: أنا أبو جعفرٍ: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا الحافظُ أبونعيبم: ثنا محمدُ بن جعفرٍ: ثنا جعفرُ بن محمدٍ: ثنا مالكُ بن إسماعيلَ، وعاصمُ بن عليٍّ، قالا: ثنا قيسُ بن الربيعِ: ثنا عمارةُ بن القعقاع، عن أبي زُرعةَ، عن عمرِو بن جريرٍ، عن عمرَ بن الخطابِ ﵁، قال: قالَ رسول الله ﷺ : "إِنَّ مِنْ عِبَادِ الله نَاساً ما هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلا شُهدَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ القِيَامَةِ لِمَكَانِهم مِنَ الله ". فقال رجل: مَنْ هم، وما أعمالهُم؛ لعلَّنا نحبُّهم؟ قال: "قَوْمٌ يَتَحَابونَ بِروحِ الله مِنْ غَيْرِ أرحَامٍ بَيْنَهُم، وَلا أَموَالٍ يَتَعَاطَوْنها بَيْنَهمْ، وَالله! إِنَّ وُجُوههُم لَنُورٌ، وإِنَّهُمْ
стр. 30
لَعَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، لا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ، وَلا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ". ثم قرأ: (﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] (١).
فلا يخافون في الدنيا مع إيمانهم أن الله معهم، كما قال ﵇ لأبي بكر وهما في الغار: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
وليس عليهم خوف في البرزخ مع إيمانهم؛ فإنَّ أنعمَ الناس أجساداً قومٌ سكنوا التراب، وأَمِنوا من العذاب.
وليس عليهم خوفٌ يوم القيامة، بل هم في المنازل الثلاثة آمنون.
وليس عليهم حزنٌ في الأحوال الثلاثة؛ لا في الدنيا، فإنهم قد رضوا بما قدَّر الله لهم، ولا في البرزخ، ولا في الآخرة.
* من سعادتهم على مولاهم: أن جعل مَنْ أحبَّهم منهم، كما قال ﵇ لمن سأله عن الرجل يحبُّ القومَ ولمْ يلحقْ بهم؛ يعني: في العمل، قال: "هُوُ مِنْهُمْ"، وفي رواية: "هُوَ مَعَهمْ" (٢).
* ومن سعادتهم وكلرامتهم على مولاهم: أنهم يُذْكَرون بذكره، ويُذْكَر بذكرهم، كما أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أخبرتنا زينبُ بنتُ الكمال: أنا محمدُ بن أبي زيدٍ: أنا محمودٌ الصيرفيُّ: أنا ابن فاذشاه: أنا سليمانُ بن أحمدَ: ثنا أحمدُ بن عليٍّ الأبارُ: ثنا الهيثمُ بن خارجةَ: ثنا رشدينُ بن سعدٍ، عن عبد الله بن
стр. 31
الوليدِ، عن أبي منصورٍ مولى الأنصار: أنه سمَع عَمرَو بن الجَموحِ يقول: إنه سمعَ النبيَّ ﷺ يقول: "قَالَ الله : إِنَّ أَوْلِيَائِي مِنْ عِبَادِي، وَأَحِبَّائِي مِنْ خَلْقِي الَّذِين يُذْكَرُونَ بِذِكْرِي، وَأُذْكَرُ بِذِكْرِهِمْ (١).
وأخبرنا جماعةُ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أنا أبو جعفرٍ: أنا أبو عليٍّ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: ثنا أحمدُ بن يعقوبَ: ثنا الحسنُ بن علويه: ثنا إسماعيلُ بن عيسى: ثنا الهياجُ بن بسطام، عن مسعرِ بن كدامٍ، عن بُكيرِ بن الأخنسِ، عن سعدٍ، قال: سُئل رسولُ الله ﷺ : مَنْ أولياءُ الله؟ قال: " الَّذِينَ إِذَا ذُكِرُوا (٢) ذُكِرَ الله " (٣).
وبه إلى أبي نعيم: ثنا جعفرُ بن محمدِ بن عمرَ: ثنا أبو حصينٍ القاضي: ثنا يحيى بن عبد الحميدِ: ثنا داودُ العطارُ، عن عبد الله بن عثمانَ بن خُثيمٍ، عن شَهْرِ بن حَوْشَبٍ، عن أسماءَ بنتِ يزيدَ، قالتْ: قالَ رسولُ ﷺ : "أَلا أُخْبِرُكُم بخِيَارِكُمْ؟ "، قالوا: بلى. قَالَ: "الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ الله " (٤).
* فإن جلسوا بمكان، وذَكروا الله، ذَكر معهم كلُّ شيء، وافتخرتِ الأرضُ والجبالُ والبقاعُ بذكرهم، كان صَلَّوا، صَلَّى مَنْ لم يكن يصلِّي بصلاتهم.
стр. 32
فهم بركةٌ كيفما كانوا، وقد ذُكر عن شيخِ الإسلامِ أبي الفَرَجِ الشيرازيِّ: أنه لما قدم دمشقَ، استأجر بستاناً، وكان ذلك البستانُ له وقتٌ يتنزه فيه الفَسَقَةُ، فلما جاء وقته هو فيه، وإذا خلائقُ قد أَتوه بالخمور والنساء وغير ذلك على عادتهم، فعِيلَ صبرُه من ذلك، ففي اليوم الثاني كَثُروا، فلما كانَ في اليوم الثالت، وحضروا، قام وقال: أيها الناس! إنا استأجرنا هذا البستان، ومن أراد أن يدخله، ونُحالِلُه، فليتوضأ معنا، حتى نصلِّي الظهر، فقام كلُّ أحدٍ منهم، وتوضأ، ثم صلى بهم الظهرَ، فأطال فيها، وجلس يذكرُ إلى العصر، ثم أقامَ وصلّى بهم العصرَ، وجلس في الذكر إلى المغرب، فامتنع كثيرٌ منهم بذلك من السُّكر وغيره، ولم يتمكن أحدٌ من ذلك، ثم كانت هذه عادتهم معهم، فلم يحضره بعدَ ذلك أحدٌ من الفَسَقة، وتابَ خلائقُ منهم، قال: وصار لي في شهر أكثرُ من ألف صاحب.
فانظر كيف أزال المَنَاكر بهذه الخبرية اللطيفة، وأحبَّه الخلقُ، فهكذا يكون الصبرُ في [الآمر] بالمعروف، والناهي عن المنكر.
فنظرُ أهلِ الخير يزيل المنكرَ، وعبادتُهم تزيل المنكر، ومباشرةُ أيديهم تزيل المنكر، كما روي عن الشيخِ عبد الله اليونينيِّ: أن حَمَّاراً وقع حملُه، فساعدَه في تحميله، فلما أوصله إلى بيت الأمير الذي هو له، إذا به من أحسن الأكل، فغضب عليه، فقال: والله! بيدي وضعته، ولكن أَعلم من أين أُتيت، ثم جاء إلى الشيخ، فأسلمَ على يديه، فلما علم الأميرُ، تاب عن شرب الخمر، فكان ذلك كلُّه من بركة الشيخ.
стр. 33
وقد حُكي عن الشيخ أبي عمرَ نحوُ ذلك أيضاً.
وقد ذُكر عن بعض المشايخ: أنه أرسلَ إلى بعض البغايا: نجيءُ الليلةَ عندَك، فتزينت، وتطيبت، وجلست، وإذا بالشيخ قد جاء، وكان ثَمَّ أميرٌ يكره الشيخ، فلما سمع بذلك، قال: وخمرُ الشيخِ علينا، فأرسل إليه بوعاء فيه خمر، فلما دخل الشيخُ المكانَ، توضأ، وقام يصلي، فدخل قلبَها خوفُ الله، فتوضات، وقامت تصلِّي خلفه، فلما أصبحتْ، رمت ما كانت فيه، ولبستْ ثياب العبادة، وتابت، فجاء الأميرُ ليرى ما صنع الشيخ، ويوبِّخُه بالمعصية، فوجدَها قد تابت، وأخبرتْه بما كان من الشيخ، وقصدَ الوعاءَ الذي أرسلَ فيه الخمرَ، وإذا به من أحسن السكر، فتابَ عن بغض المشايخ، وحصلت التوبةُ للكل ببركته.
* فهم محفوظون بحفظ الله، وكلاءته، لا تضرهم فتنةٌ، ولا تنالهم بليةٌ، سالمون من المحن، مُوَقَّوْن من الفتن.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا المِزِّيُّ وغيرُه: أنا ابن أبي عمرَ: أنا أبو جعفرٍ: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا أبو نعيمٍ، ثنا القاضي أبو أحمدَ محمدُ بن أحمدَ: ثنا محمدُ بن القاسمِ بن الحجاجِ: ثنا الحكمُ بن موسى: ثنا إسماعيلُ بن عياشٍ: حدثني مسلمُ بن عبيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إِنَّ لله ضَنَائِنَ مِنْ عِبَادِهِ، يُعَذَيهِم في رَحمَتِهِ، وَيُحيِيهم في عَافِيَتِهِ، إِذَا تَوَفَّاهُم، تَوَفَّاهُم إِلَى جَنَّتِهِ، أولئك الَّذِين تَمُرُّ عَلَيْهِمُ الفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ
стр. 34
المُظْلِمِ وَهم مِنْها في عَافِيَةٍ" (١).
* فمَنْ صاحَبَهم، سَلِم معهم، ومَنْ عاداهم وقاطَعَهم، وقعَ في المعامعِ والبلايا العِظام، أفرغ الله عليهمُ الصبرَ، وحماهم من الدنيا، وضَيَّقَ عليهم المعيشةَ، وهم قابِضُون على دينهم، كالقابضِ على الجمرِ، فالدنيا سِجْنُهم، ومحلُّ الشدائدِ عليهم.
واكتسابهم الأجرَ، إن أصابَتْهم المصائبُ، فَرَّجوها بالذكر، وإن تنفَّس لهم الدهرُ، وغمرتهم النعم، قابلوها بالحمد والشكر.
حظُّهم من الدنيا ناقص، ومن الآخرة خالص، يتلَذَّذون بالطاعة، ويَغْتَمُّون من البطالة والإضاعة، لا يَعْبَأُ الناسُ بهم ذَرَّة، ولو أقسمَ أحدُهم على الله لأبَرَّه.
وقد روينا في "الصحيح": "إِنَّ مِنْ عِبَادِ الله مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ" (٢).
أخبرنا أبو حفصٍ المقرئُ: أنا أنا الإمامُ أبو الحسنِ: أنا المحبوبيُّ: أنا ستُّ الأهلِ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المُهْتدي: أنا أبو طالبٍ اليوسفيّ: أنا ابن المُذْهِب: أنا أبو بكرٍ القَطيعيُّ: أنا عبد الله بن أحمدَ: ثنا أبي: ثنا هيثمُ بن خارجةَ: ثنا إسماعيلُ بن عياشٍ، عن نعيمِ بن أبي [...]، عن شريحِ بن عبيدٍ، عن عتبةَ
стр. 35
ابن عبد السلامِ، صاحبِ رسولِ الله ﷺ ، قال: "إِنَّ العَبْدَ المُومِنَ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ".
وأخبرنا جدِّي وغيرُه: أنا الصلاحُ بنُ أبي عمرَ: أنا الفخرُ بنُ البخاريِّ: أنا أبو جعفرٍ: أنا أبو عليٍّ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: ثنا محمدُ بن أحمدَ بن الحسنِ: ثنا محمدُ بن نصبر الصائغُ: ثنا إبراهيمُ ابن حمزةَ: ثنا ابن أبي حازيم، عن كثيرِ بن زيدٍ، عن الوليدِ بن رباحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "رُبَّ أَشْعَثَ ذِي طِمرَيْنِ تَنْبُو عَنْهُ أَعيُنُ النَّاسِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ" (١).
وبه إلى أبي نعيمٍ: أنا أبو إسحاقَ بن حمزةَ: ثنا أحمدُ بن شعيبِ بن يزيدَ ح.
قال: وثنا إسحاقُ بن أحمدَ: أنا إبراهيمُ بن يوسفَ: ثنا محمدُ بن عزينر: ثنا سلامةُ بن روح: ثنا عقيلُ، عن ابن شهاب، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "كَمْ مِنْ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ ذِي طِمرَيْنِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ، مِنْهُمُ البَرَاءُ بنُ مَالِكٍ".
ثم إن البراءَ لقي زحفاً من المشركين، وقد أوجع المشركون في المسلمين، فقالوا له: يا براء! إن رسولَ الله ﷺ قال: لو أقسمتَ على ربِّكَ، لأبرك، فاَقْسِمْ على ربك. فقال: أقسمتُ عليكَ يا ربِّ لما منختَنا أكتافَهم، فمُنحوا أكتافَهم. ثم التقوا على قنطرةِ السوس، فأوجعوا في المسلمين، فقالوا: أقسمْ يا براءُ على ربك ،
стр. 36
قال: أُقسم عليكَ يا ربِّ لما منحْتَنا أكتافهم، وألحقتني بنبيك ﷺ ، فمنحوا أكتافهم، وقُتل البراءُ بن مالكٍ شهيداً (١).
* فدعاؤهم السهمُ المصيبُ.
فالحذرَ الحذرَ من الأسباب التي توجب الدعاءَ منهم؛ فقد قال قائلٌ عن سعدِ بن أبي وقاصٍ قولَ كذبٍ، فقال: اللهمَّ إن كان عبدُك كاذباً، قام رياء وسمعة، فاقطعْ لسانه.
فما استتمَّ دعوته حتى أتاه سهمٌ فقطع لسانه (٢).
ودعاء يعصمهم من الحريق في النار، كما روينا عن أبي الدرداء: أنه قيل له: احترقَ بيتك.
فقال: لم يحترق.
ثم أُتي فقيل: احترق بيتُك، فقال: لم يحترق.
ثم أُتي فقيل له: احترق بيتُك، فقال: لم يحترق، لم يكنِ الله ليفعلَ.
فجاء رجلٌ فقال: انتهتِ النارُ إلى بيتك، فلما وصلت إليه، طفئت.
فقال: علمتُ أن الله لم يكن ليفعلَ.
стр. 37
فقيل له: ما ندري أيُّ كلامك أعجبُ، قولُك: لم يحترق، أو قولُك: لم يكن الله ليفعلَ.
فقال: ذلك بكلماتٍ سمعتُهن من رسول ﷺ ، من قالهن حين يصبح، لم يُصبه سوءٌ حتى يُمسي، ومن قالهن حين يُمسي، لم يصبه سوء حتى يُصبح.
* وقد تحصَّنَ كثيرٌ منهم بآيات من القرآن من اللصوص والأعداء والسباع، وكل ذلك شرطُه الإيمان الصادق، ومن ليس من أهله لا ينفعُه ذلك.
ونعلُ أحمدَ بن حنبلٍ أذهبتِ الجنَّ؛ فإنه ورد أن جاريةً للخليفة كانت تُضرَع، فدُعي لها أحمدُ، فضربها بنعله، فذهب عنها، ولم يعد، فلما مات أحمدُ، عاد، فدعا لها صاحبُه أبو بكرٍ المروذيُّ، فقال له الجني: حتى تكون أحمدَ بن حنبلٍ.
وكذلك ذهبَ كثير منهم بقراءة شيء.
فيحكى عن ابن تيمية: أنه كان يقول في أُذنه: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، فيزول عنه.
وأخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن البالِسيِّ: أنا المِزِّيُّ: أنا ابن أبي عمرَ: ثنا أبو جعفرٍ: أنا أبو عليٍّ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: ثنا سهلُ بن عبد الله: ثنا الحسينُ بن إسحاقَ: ثنا داودُ بن رشيدٍ: ثنا الوليدُ بن مسلمٍ: ثنا ابن لهيعةَ، عن عبد الله بن هبيرةَ، عن حَنَشٍ الصنعانيِّ، عن عبد الله بن مسعودٍ: أنه قرأ في أُذن مبتلًى، فأفاقَ، فقال
стр. 38
له رسولُ الله ﷺ : "مَا قَرَأْتَ في أُذُنِهِ؟ "، قال: قرأت: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]. حتى ختم السورة، فقال له رسول الله ﷺ : "لَوْ أَنَّ رَجُلاً مُوقِناً قَرَأَها عَلَى جَبَلٍ، لَزَالَ" (١).
* وقد خاف منهم ومن دعائهم الكفرهُّ مع كفرهم، لَمَّا شاهدوا الباهر من أمرهم.
أخبرنا جدي: أنا الصلاحُ بنُ أبي عمَر: أنا الفخرُ بنُ البخاريِّ: أنا حنبل: أنا ابن الحُصَينِ: أنا ابن المُذْهِبِ: أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: ثنا عبد الله بن أحمدَ بن حنبلٍ: ثنا محمودُ بن يزيدَ الكوفيُّ: ثنا محمدُ بن فضيلٍ: ثنا الصلتُ بن مطرٍ، عن قدامةَ بن حماطة ابن أخت سهمِ بن منجابٍ: سمعتُ سهمَ بن منجابٍ قال: غزونا مع العلاءِ بن الحضرميِّ، فسرنا حتى أتينا دارين، والبحر بيننا وبينهم، فقال: يا عليمُ، يا حكيمُ، يا عليُّ، يا عظيمُ! إنا عبيدُك وفي سبيلك نقاتل عدوَّك، اللهمَّ فاجعلْ لنا إليهم سبيلاً، فتقحَّمَ بنا البحرَ، فخُضْنا ما يبلغُ لبودَنا، فخرجْنا إليهم (٢).
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أنا جماعةٌ من شيوخِنا: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: ثنا أبو حامدٍ أحمدُ بن محمدٍ: ثنا محمدُ بن إسحاقَ الثقفيُّ: ثنا يعقوبُ بن إبراهيمَ، والوليدُ بن شجاعٍ، قالا: ثنا
стр. 39
عبد الله بن بكرٍ، عن حاتمِ بن أبي صفرةَ، عن سماكِ بن حربٍ، عن أبي هريرةَ، قَال: لقد رأيتُ للعلاءِ بن الحضرميِّ ثلاثَ خصالٍ ما منهنَّ خصلةٌ إلا وهي أمحجبُ من صاحبتها: انطلقْنا نسير حتى قدمْنا البحرين، وأَقبلنا نسيرُ حتى كنا على شطِّ البحر، فقال العلاءُ: سيروا، فأتى البحرَ، فضرب دابتَه، فسارَ وسزنا معه ما يجاوزُ ركَب دوابنا، فلما رآنا ابن مكعبرٍ، عاملُ كسرى، قال: لا، والله! لا نقابلُ هؤلاءِ، ثم قعدَ في سفينة، فلحقَ بفارس (١).
* فانظر بعينِ بصيرتك إلى هذا الكافر، كيف فَرَّ عن ملاقاتهم، وهربَ عن معاداتهم، وليس هذا الأمرُ بمخصوص بالصحابة والتابعين، بل هو في كل عصر إلى يوم الدين.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخِنا: أنا ابن البالسيِّ: أنا المِزِّيُّ: أنا شيخُ الإسلامِ ابن أبي عمَر: أنا أبو جعفرٍ: أنا أبو عليٍّ: أنا الحافظ أبو نعيمٍ: ثنا عبد الله بن جعفرٍ: ثنا إسماعيلُ بن عبد الله: ثنا سعيدُ ابن أبي مريمَ: ثنا يحيى بن أيوبَ، عن ابن عِجلانَ، عن عياضِ بن عبد الله، عن عبد الله بن عمرٍو، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لِكُلِّ قَرْنٍ مِنْ أُمَّتِي سَابِقُونَ" (٢).
وأخبرنا جماعةٌ من شيوخِنا: أنا ابن المحبِّ: أخبرتنا زينب بنتُ الكمالِ: أنا يوسفُ بن خليلٍ: أنا محمدُ بن أبي زيدٍ: أنا محمودٌ
стр. 40
الصيرفيّ: أنا أبو الحسينِ بن فاذشاه: أنا سليمانُ بن أحمدَ: ثنا محمدٌ: ثنا إسماعيلُ بن أبي زيدون: ثنا عبد الله بن هارونَ: ثنا الأوزاعيُّ، عن الزهريِّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "خِيَارُ أُمَّتِي في كُلِّ قَرْنٍ خَمْسُ مِئَةَ، وَالأبْدَالُ أَربَعُونَ، فَلا الخَمسُ مِئة يَنْقُصُونَ، وَلا الأَرْبَعُونَ، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ مِنَ الخَمْسِ مِئَةٍ أَبْدَ [لَ] الله مَكَانَهُ، وَأَدخَلَ مِنَ الأَرْبَعِينَ مَكَانَهُمْ"، قالوا: يارسولَ الله! دُلَّنا على أعمالهم. قال: "يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ، وَيُحْسِنُونَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِم، وَيَتَوَاسَوْنَ فِيمَا آتَاهُمُ الله " (١).
وبهِ إلى أبي نعيمٍ: ثنا محمدُ بن أحمدَ: ثنا محمدُ بن السَّرِيِّ: ثنا قيسُ بن إبراهيمَ: ثنا عبد الرحمن الأرمنيُّ: ثنا عثمانُ بن عمارةَ: ثنا المعافى بن عمرانَ، عن سفيانَ الثوريِّ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عبد الله، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إِنَّ لله في الخَلْقِ ثَلاَثَ مِئَةٍ قُلُوبُهم عَلَى قَلْبِ آدَمَ، وَلله تَعَالَى في الخَلْقِ أَربَعُونَ قُلُوبُهُم عَلَى قَلْبِ مُوسَى، وَلله في الخَلْقِ سَبْعَةٌ قُلُوبُهم عَلَى قَلْبِ إِبْرَاهِيمَ، وَلله في الخَلْقِ خَمسَةٌ قُلُوبُهُم عَلَى قَلْبِ جِبْرِيلَ، وَللهِ في الخَلْقِ ثَلاثَةٌ قُلُوبُهُم عَلَى قَلْبِ مِيكائِيلَ، وَلله في الخَلْقِ وَاحِدٌ قَلْبُهُ عَلَى قَلْبِ إِسْرَافِيلَ، فَإِذَا مَاتَ الوَاحِدُ، أَبْدَلَ الله مَكَانَهُ مِنَ الثَّلاثَةِ، وَإِذَا مَاتَ مِنَ الثَّلاثَةِ، أَبْدَلَ الله مَكَانَهُ مِنَ الخمسَةِ، وَإِذَا مَاتَ مِنَ الخمسَةِ، أَبْدَلَ الله مَكَانَهُ مِنَ السَّبْعَةِ، وإِذَا مَاتَ مِنَ السَّبْعَةِ، أَبْدَلَ الله مَكَانَهُ مِنَ الأَرْبَعِينَ، وَإِذَا مَاتَ