قال: أُقسم عليكَ يا ربِّ لما منحْتَنا أكتافهم، وألحقتني بنبيك ﷺ ، فمنحوا أكتافهم، وقُتل البراءُ بن مالكٍ شهيداً (١).
* فدعاؤهم السهمُ المصيبُ.
فالحذرَ الحذرَ من الأسباب التي توجب الدعاءَ منهم؛ فقد قال قائلٌ عن سعدِ بن أبي وقاصٍ قولَ كذبٍ، فقال: اللهمَّ إن كان عبدُك كاذباً، قام رياء وسمعة، فاقطعْ لسانه.
فما استتمَّ دعوته حتى أتاه سهمٌ فقطع لسانه (٢).
ودعاء يعصمهم من الحريق في النار، كما روينا عن أبي الدرداء: أنه قيل له: احترقَ بيتك.
فقال: لم يحترق.
ثم أُتي فقيل: احترق بيتُك، فقال: لم يحترق.
ثم أُتي فقيل له: احترق بيتُك، فقال: لم يحترق، لم يكنِ الله ليفعلَ.
فجاء رجلٌ فقال: انتهتِ النارُ إلى بيتك، فلما وصلت إليه، طفئت.
فقال: علمتُ أن الله لم يكن ليفعلَ.
стр. 37
فقيل له: ما ندري أيُّ كلامك أعجبُ، قولُك: لم يحترق، أو قولُك: لم يكن الله ليفعلَ.
فقال: ذلك بكلماتٍ سمعتُهن من رسول ﷺ ، من قالهن حين يصبح، لم يُصبه سوءٌ حتى يُمسي، ومن قالهن حين يُمسي، لم يصبه سوء حتى يُصبح.
* وقد تحصَّنَ كثيرٌ منهم بآيات من القرآن من اللصوص والأعداء والسباع، وكل ذلك شرطُه الإيمان الصادق، ومن ليس من أهله لا ينفعُه ذلك.
ونعلُ أحمدَ بن حنبلٍ أذهبتِ الجنَّ؛ فإنه ورد أن جاريةً للخليفة كانت تُضرَع، فدُعي لها أحمدُ، فضربها بنعله، فذهب عنها، ولم يعد، فلما مات أحمدُ، عاد، فدعا لها صاحبُه أبو بكرٍ المروذيُّ، فقال له الجني: حتى تكون أحمدَ بن حنبلٍ.
وكذلك ذهبَ كثير منهم بقراءة شيء.
فيحكى عن ابن تيمية: أنه كان يقول في أُذنه: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، فيزول عنه.
وأخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن البالِسيِّ: أنا المِزِّيُّ: أنا ابن أبي عمرَ: ثنا أبو جعفرٍ: أنا أبو عليٍّ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: ثنا سهلُ بن عبد الله: ثنا الحسينُ بن إسحاقَ: ثنا داودُ بن رشيدٍ: ثنا الوليدُ بن مسلمٍ: ثنا ابن لهيعةَ، عن عبد الله بن هبيرةَ، عن حَنَشٍ الصنعانيِّ، عن عبد الله بن مسعودٍ: أنه قرأ في أُذن مبتلًى، فأفاقَ، فقال
стр. 38
له رسولُ الله ﷺ : "مَا قَرَأْتَ في أُذُنِهِ؟ "، قال: قرأت: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]. حتى ختم السورة، فقال له رسول الله ﷺ : "لَوْ أَنَّ رَجُلاً مُوقِناً قَرَأَها عَلَى جَبَلٍ، لَزَالَ" (١).
* وقد خاف منهم ومن دعائهم الكفرهُّ مع كفرهم، لَمَّا شاهدوا الباهر من أمرهم.
أخبرنا جدي: أنا الصلاحُ بنُ أبي عمَر: أنا الفخرُ بنُ البخاريِّ: أنا حنبل: أنا ابن الحُصَينِ: أنا ابن المُذْهِبِ: أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: ثنا عبد الله بن أحمدَ بن حنبلٍ: ثنا محمودُ بن يزيدَ الكوفيُّ: ثنا محمدُ بن فضيلٍ: ثنا الصلتُ بن مطرٍ، عن قدامةَ بن حماطة ابن أخت سهمِ بن منجابٍ: سمعتُ سهمَ بن منجابٍ قال: غزونا مع العلاءِ بن الحضرميِّ، فسرنا حتى أتينا دارين، والبحر بيننا وبينهم، فقال: يا عليمُ، يا حكيمُ، يا عليُّ، يا عظيمُ! إنا عبيدُك وفي سبيلك نقاتل عدوَّك، اللهمَّ فاجعلْ لنا إليهم سبيلاً، فتقحَّمَ بنا البحرَ، فخُضْنا ما يبلغُ لبودَنا، فخرجْنا إليهم (٢).
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أنا جماعةٌ من شيوخِنا: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: ثنا أبو حامدٍ أحمدُ بن محمدٍ: ثنا محمدُ بن إسحاقَ الثقفيُّ: ثنا يعقوبُ بن إبراهيمَ، والوليدُ بن شجاعٍ، قالا: ثنا
стр. 39
عبد الله بن بكرٍ، عن حاتمِ بن أبي صفرةَ، عن سماكِ بن حربٍ، عن أبي هريرةَ، قَال: لقد رأيتُ للعلاءِ بن الحضرميِّ ثلاثَ خصالٍ ما منهنَّ خصلةٌ إلا وهي أمحجبُ من صاحبتها: انطلقْنا نسير حتى قدمْنا البحرين، وأَقبلنا نسيرُ حتى كنا على شطِّ البحر، فقال العلاءُ: سيروا، فأتى البحرَ، فضرب دابتَه، فسارَ وسزنا معه ما يجاوزُ ركَب دوابنا، فلما رآنا ابن مكعبرٍ، عاملُ كسرى، قال: لا، والله! لا نقابلُ هؤلاءِ، ثم قعدَ في سفينة، فلحقَ بفارس (١).
* فانظر بعينِ بصيرتك إلى هذا الكافر، كيف فَرَّ عن ملاقاتهم، وهربَ عن معاداتهم، وليس هذا الأمرُ بمخصوص بالصحابة والتابعين، بل هو في كل عصر إلى يوم الدين.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخِنا: أنا ابن البالسيِّ: أنا المِزِّيُّ: أنا شيخُ الإسلامِ ابن أبي عمَر: أنا أبو جعفرٍ: أنا أبو عليٍّ: أنا الحافظ أبو نعيمٍ: ثنا عبد الله بن جعفرٍ: ثنا إسماعيلُ بن عبد الله: ثنا سعيدُ ابن أبي مريمَ: ثنا يحيى بن أيوبَ، عن ابن عِجلانَ، عن عياضِ بن عبد الله، عن عبد الله بن عمرٍو، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لِكُلِّ قَرْنٍ مِنْ أُمَّتِي سَابِقُونَ" (٢).
وأخبرنا جماعةٌ من شيوخِنا: أنا ابن المحبِّ: أخبرتنا زينب بنتُ الكمالِ: أنا يوسفُ بن خليلٍ: أنا محمدُ بن أبي زيدٍ: أنا محمودٌ
стр. 40
الصيرفيّ: أنا أبو الحسينِ بن فاذشاه: أنا سليمانُ بن أحمدَ: ثنا محمدٌ: ثنا إسماعيلُ بن أبي زيدون: ثنا عبد الله بن هارونَ: ثنا الأوزاعيُّ، عن الزهريِّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "خِيَارُ أُمَّتِي في كُلِّ قَرْنٍ خَمْسُ مِئَةَ، وَالأبْدَالُ أَربَعُونَ، فَلا الخَمسُ مِئة يَنْقُصُونَ، وَلا الأَرْبَعُونَ، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ مِنَ الخَمْسِ مِئَةٍ أَبْدَ [لَ] الله مَكَانَهُ، وَأَدخَلَ مِنَ الأَرْبَعِينَ مَكَانَهُمْ"، قالوا: يارسولَ الله! دُلَّنا على أعمالهم. قال: "يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ، وَيُحْسِنُونَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِم، وَيَتَوَاسَوْنَ فِيمَا آتَاهُمُ الله " (١).
وبهِ إلى أبي نعيمٍ: ثنا محمدُ بن أحمدَ: ثنا محمدُ بن السَّرِيِّ: ثنا قيسُ بن إبراهيمَ: ثنا عبد الرحمن الأرمنيُّ: ثنا عثمانُ بن عمارةَ: ثنا المعافى بن عمرانَ، عن سفيانَ الثوريِّ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عبد الله، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إِنَّ لله في الخَلْقِ ثَلاَثَ مِئَةٍ قُلُوبُهم عَلَى قَلْبِ آدَمَ، وَلله تَعَالَى في الخَلْقِ أَربَعُونَ قُلُوبُهُم عَلَى قَلْبِ مُوسَى، وَلله في الخَلْقِ سَبْعَةٌ قُلُوبُهم عَلَى قَلْبِ إِبْرَاهِيمَ، وَلله في الخَلْقِ خَمسَةٌ قُلُوبُهُم عَلَى قَلْبِ جِبْرِيلَ، وَللهِ في الخَلْقِ ثَلاثَةٌ قُلُوبُهُم عَلَى قَلْبِ مِيكائِيلَ، وَلله في الخَلْقِ وَاحِدٌ قَلْبُهُ عَلَى قَلْبِ إِسْرَافِيلَ، فَإِذَا مَاتَ الوَاحِدُ، أَبْدَلَ الله مَكَانَهُ مِنَ الثَّلاثَةِ، وَإِذَا مَاتَ مِنَ الثَّلاثَةِ، أَبْدَلَ الله مَكَانَهُ مِنَ الخمسَةِ، وَإِذَا مَاتَ مِنَ الخمسَةِ، أَبْدَلَ الله مَكَانَهُ مِنَ السَّبْعَةِ، وإِذَا مَاتَ مِنَ السَّبْعَةِ، أَبْدَلَ الله مَكَانَهُ مِنَ الأَرْبَعِينَ، وَإِذَا مَاتَ
стр. 41
مِنَ الأَرْبَعِينَ، أَبْدَلَ الله مَكَانَهُ مِنَ الثَّلاثِ مِئَةٍ، وَإِذَا مَاتَ مِنَ الثَّلاثِ مِئَةٍ، أَبْدَلَ الله مَكَانَهُ مِنَ العَامَّةِ، فَبِهِمْ يُحييِ وَيُمِيت، وَيُمطِرُ وَيُنْبِتُ وَيَدْفَع البَلاءَ".
قيل لعبد الله بن مسعودٍ: كيفَ بهم يحيى ويميت؟ قال: لأنهم يسألون الله إكثارَ الأمم، فيكثرون، ويدعون على الجبابرة فيقصمون، ويستسقون فيسقون، ويسألون فتنبت لهم الأرض، ويدعون فيدفع بهم أنواع البلاء (١).
أخبرنا جدِّي وغيرُه: أنا الصلاحُ بن أبي عمرَ: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا الإمامُ أبو الفَرَجِ: أنا حمدُ بن أحمدَ: أنا أحمدُ بن عبد الله: ثنا أبو عمرِو بنُ حمدانَ: ثنا الحسنُ بن سفيانَ: ثنا عبد الوهابِ بن الضحاكِ: ثنا ابن عياشٍ: ثنا صفوانُ بن عمرٍو، عن خالدِ بن معدانَ، عن حذيفةَ بن اليمانِ، قال: قالَ رسولُ ﷺ : "يَا حُذَيْفَةُ! إِنَّ في كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ أُمَّتِي قَوْماً شُعْثا غُبْراً، إِيَّايَ يُرِيدُونَ، وَإِيَّايَ يَتَّبِعُونَ، وَكِتَابَ الله يُقِيمُونَ، [أولئك مِنِّي، وَ] أَنَا مِنْهُم، وَإِنْ لَمْ يَرَونِي" (٢).
* فمنحهم له، واتباعهم له، شبه نفسه بهم.
كما أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أخبرتنا فاطمةُ بنتُ سعدِ الخيرِ:
стр. 42
أخبرتنا فاطمةُ بنتُ عبد الله: أنا ابن ربذةَ: ثنا الطبرانيُّ: ثنا أبو بكرِ ابن سهلٍ: ثنا عمرُو بن هاشمٍ: ثنا سليمانُ بن أبي كريمةَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ سَأَلَ عَنِّي، أَوْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيَّ، فَلْيَنْظر إِلَى أَشْعَثَ شَاحِبٍ مُشَمِّرٍ، لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةً، وَلا قَصَبَةً عَلَى قَصَبَةٍ، رُفِعَ لَهُ عَلَمٌ، فَشَمَّرَ إِلَيْهِ، الْيَوْمَ المِضْمَارُ، وَغَداً السِّبَاقُ، وَالغَايَةُ الجَنَّةُ أَوِ النَّارُ" (١).
فإن النبيَّ ﷺ كان على هذا الوصف، فمن كان بهذا الوصف، فهو شبيهُ النبي ﷺ .
* نظروا إلى باطنِ العاجلةِ وفسادِها، فرفضوها، وإلى الظاهرِ من الدنيا وزينتها، فتحققوا أنه خيال ووبال، فوضعوها.
أخبرنا أبو حفصٍ المقرئُ: أنا الإمامُ أبو الحسنِ: أنا المحبوبيُّ: أنا ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا اليوسفيُّ: أنا ابن المذهبِ: أنا أبو بكرِ بن حمدانَ: أنا عبد الله بن أحمدَ: حدثني أبي: ثنا غوثُ بن جابرٍ، قال: سمعتُ محمدَ بن داودَ يحدِّث عن أبيه، عن وهبِ بن منبهٍ، قال: قالَ الحواريون: يا عيسى! مَنْ أولياءُ الله الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون؟ قال عيسى بنُ مريمَ: الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، والذين نظروا إلى آجِلِ الدنيا حين نظر الناس إلى عاجِلها، فأماتوا منها ما يخشون أن يَثْنيهم، وتركوا ما علموا أن سيتركُهم؛ فصار استكثارهُم منها استقلالاً، وذكرُهم إياها فواتاً، وفرحُهم بما أصابوا منها حزناً؛ فما
стр. 43
عارضَهم من نائلها رفضوه، وما عارضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه، وخَلَقَتْ الدنيا عندَهم، فليسوا يجدِّدونها، وخربَتْ بيوتهم، فليسوا يُعَمِّرونها، وماتت في صدورهم، فليسوا يُحيونها، يُهدمونها، فيبنون بها آخرتهم، ويُبيعونها، فيشترون بها ما تبقَّى لهم، ورفضوها، فكانوا فيها هم الفرحين، ونظروا إلى أهلها صرعى قد خلت بهم المَثُلات، وأحيوا ذكرَ الموت، وأماتوا ذكرَ الحياة، يُحبون الله، ويحبون ذكرَه، ويستضيئون بنوره، ويضيئون به، لهم خبرٌ عجيب، وعندهم الخبرُ العجيب، بهم قام الكتاب، وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب، وبه نطقوا، وبهم عُلم الكتاب، وبه علموا، وليسوا يرون نائلاً مع ما نالوا، ولا أماناً دون ما يرجون، ولا خوفاً دون ما يحذرون (١).
ولهذا روينا عن محمدِ بن واسعٍ: أنه كان له بيتٌ ورثه من والديه، فكان كما انهدم منه شيء، انتقل إلى غيره، حتى انتهى به الأمرُ إلى أنه لم يبقَ منهم غيرُ الدهليز، فانتقل إليه، فجعل كما انكسرت منه خشبةٌ، انتقل إلى تحت الأخرى، حتى لم يبق منه غير خشبة أو خشبتين، فانتقل إلى تحتها، فمات تحتها، فسقطت.
وكان الحسن يقول: لو فارق ذكرُ الموت قلبي، لفسدَ.
وقال ﵀: "مَا لِي ولِلدُّنْيَا؟! إِنَّمَا مَثلِي وَمَثلُ الدُّنْيَا، كَمَثلِ رَاكِبٍ قَالَ في ظِلِّ شَجَرَةٍ في يَوْمٍ صَائِفٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَها" (٢).
стр. 44
وقال: "مَثلُ ابن آدَمَ وَالدُّنْيَا كَمَثلِ رَجُلٍ أَدخَلَ أُصْبَعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُر بِمَ تَرْجِعُ" (١).
وقال لابن عمرَ: "كُنْ في الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابرُ سَبِيلٍ".
وكانَ ابن عمَر [يقولُ]: إذا أصبحتَ، فلا تنتظرِ المساءَ، وإذا أمسيتَ، فلا تنتظرِ الصباحَ، وخُذْ من صِحَّتِكَ لمرضِك، ومن حياتِك لموتك (٢).
وقد ذكرتُ هذا الحديثَ مرةً عندَ بعضِ الأمراءِ، فقال: أنا والله كذلك، أُصبح أقولُ: ما أُمسي، وأُمسي أقول: ما تصبح.
فقلت له: كذبتَ والله.
فغضب، وقال: هكذا يا سيدي!
قلت: نعم، فإني أنا أظن أني أزهدُ منك.
قال: بكثير.
فقلت: مع هذا نفسي تحدثني أني أعيش خمسةَ آلافِ سنةً.
قال: خمسةَ آلافِ سنة؟!
قلتُ: نعم، وأكثر.
فقال: وهل عاش أحدٌ ذلك؟
стр. 45
فقلت: ولو لم يعشْه، نفسي تؤمِّلُ أكثرَ من ذلك، وأنا أُثبتُ لك كذبَ ما تقولُ نفسُك.
وكان يُعَمِّر في عمارة عظيمة، وهو مجتهدٌ فيها.
فقلت: لو أمسككَ السلطانُ، وقالمالك: عشيةً أقتلُك، أو في غدٍ هنالك أكلٌ أو شربٌ أو جماعُ زوجةٍ، أَوَ كنتَ تجتهدُ في تمام هذه العمارة، أو تضحك؟!
فقال: لا.
فقلت: هذا يبين لك كذبَ هذا الأمر الذي تقوله بلسانك.
فالذي قلبُه مصدقٌ بهذا، ونفسُه مثلُ محمدِ بن واسع، ومثلُ ابن عمر، الذي لم يضع لَبِنةً على لَبِنةٍ.
وأما نحن، فكلُّ ما نحن فيه أقوالٌ باللسان، وليس ثَمَّ من الإيمان بشيء من ذلك، ولو كان إيمان، صدقَ القولَ العملُ.
وقلت مرة لبعض قُضاتنا: كلُّنا بقينا تيامنة.
قال: نعوذ بالله من الشيطان، لا والله! إنما نحن على حقيقة الإيمان.
فقلت: لا والله! إنما هو قول باللسان، ولو كان له حقيقةٌ، صدق القول العمل.
فإن التيامنة لا تؤمن بثواب ولا عقاب؛ فإن من آمن بالثواب والعقاب، خاف ورجا، ومن خاف ورجا، ارتكبَ واجتنَب، فارتكبَ
стр. 46
المأمورَ به رجاءَ الثواب، واجتنَب المنهيَّ عنه خوفَ العقاب.
وغالبُ الناس في زماننا ليس من هذه المثابة في شيء، لا عليه لا من واجب، ولا من محرم، وهذا شأنُ من لا يؤمن بثواب ولا عقاب، وإن قال بلسانه: أؤمن بذلك؛ فإن القول باللسان ليس هو المقصود، إنما المقصود العملُ بالنفس، كما قال النبيّ ﷺ : "وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالفَرجُ يُصَدِّقُ ذلك أَوْ يُكَذِّبُهُ" (١).
وهذا شأنُ المنافق، القول باللسان في سورة الظاهر، وليس ثَمَّ في سورة الباطن شيء، فالمنافقُ ليس له غيرُ صورة القولِ باللسان، والمؤمنُ على الحقيقة، إنما له حقيقةُ صورةِ العمل.
* فأولياءُ الله صانوا أنفسَهم النفيسةَ، عن حقارة الدنيا الدنية، ولاحت لهم الآخرةُ بزينتها العلية، فباعوا الدنيَّ الخسيس، بالغالي النفيسر، وصانهم مولاهم عن القاذورات، وجَنّبَهم ما يدنِّسهم، وحماهم من كل شيء [فيه] أذاهم.
فمَنْ أخافَهم، فقد عرض نفسَه للمخاوف، ومن آذاهم، فقد أوقَع نفسَه في أسباب المتالف.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا الإمامُ أبو الحسنِ: أنا المحبوبيُّ: أخبرتنا ابنة علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيّ: أنا ابن المهتدي: أنا اليوسفيُّ: أنا ابن المُذْهبِ: أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: أنا عبد الله ابن الإمامِ أحمدَ: حدثني أبي: ثنا سفيانُ بن وكيعٍ: ثنا إبراهيمُ بن عُيينةَ، عن
стр. 47
ورقاءَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما بعثَ الله موسى وهارون إلى فرعون، قال: لا يغرنكما لباسُه الذي ألبستُه، فإن ناصيتهُ بيدي، فلا ينطقُ ولا ينظرُ ولا يطرِفُ إلا بإذنى، ولا يغرنكما ما مُتِّع به من زهرة الدنيا وزينة المترفين، فلو شئتُ أن أزينكما من زينة الدنيا بشيء يعرف فرعون أن قدرتَه تعجزُ عن ذلك، لفعلتُ، وليس ذلك لهوانكما عليَّ، ولكني ألبستكماَ نصيبكما من الكرامة؛ على أن لا ينقصكما شيئاً، وإني لأذودُ أوليائي عن الدنيا كما يذودُ الراعي إبلَه عن مَبَارِكِ الغرة، وإني لأُجنبهم زينةَ الدنيا؛ كما يُجنبُ الراعي إبلَه عن مراتع الهلَكَة، أريدُ أن أنور بذلك مراتبهم، وأُطَهر بذلك قلوبَهم، في سيماهم الذي يعرفون به، وأَمرِهم الذي يفتخرون به، واعلمْ أنه من أخاف في ولياً، فقد بارزني بالعداوة، وأنا الثائر لأوليائي يوم القيامة (١).
* فمن بارزهم بالعداوة، فقد بارز الله، ولن يعجزه، والله هو وليُهم ومولاهم في الدنيا والآخرة، وهو الآخذُ بثأرهم في الدنيا والآخرة.
فيا مَنْ نصبَ نفسَه لمعاداة الخالق، وجعلَه خصمَه وعدوَّه، والثائرَ عليه!
أين تهرب؟ وبأيِّ حصنٍ تتحصَّن؟ وبأيِّ أعوانٍ وعددٍ تتقوىَ؟
فإذا لقيتَ من اتصف بأدنى صفاتهم، فأذلَّ لهم نفسَك، واخفضْ
стр. 48
لهم جناحَك، واحرص على خدمتهم ومرافقتهم، تنلِ (١) السعادةَ في الدارين.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أنا جماعةٌ من شيوخِنا: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: ثنا أحمدُ بن السنديِّ: ثنا الحسنُ بن علويه القطانُ: ثنا إسماعيلُ بن عيسى: ثنا إسحاقُ بن بشرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ ح.
قال أبو نعيمٍ: وثنا أبي: ثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ: ثنا محمدُ بن سهلٍ: ثنا إسماعيلُ بن عبد الكريمِ: حدثني عبد الصمدِ بن معقلٍ، سمعتُ وهبَ بن منبهٍ يقولُ: لما بعثَ الله موسى وأخاه هارون إلى فرعون، قال: لا يعجبنكما زينتُه، ولا ما مُتَعّ به، ولا تَمُدَّا إلى ذلك أعينَكما؛ فإنها زهرةُ الحياة الدنيا، وزينة المترفين، وإني لو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة يعلمُ فرعونُ حين ينظر إليها أن مقدرته تعجزُ عن مثل ما أُوتيتما، فعلتُ، ولكني أرغبُ بكما عن ذلك، وأزوِّيه عنكما، وكذلك أفعلُ بأوليائي، وقديماً ما خرتُ لهم في ذلك، فإني لأذودُهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيقُ غنمَه عن مراتع الهلكة، وإني لأنّجَنبهم شهوتَها وعيشتَها كما يجنبُ الراعي الشفيقُ إبلَه عن مبارِكِ الغرة، وما ذلك لهوانهم عليَّ، ولكن ليستكملوا نصيبَهم من كرامتي سالماً موفراً، لم تكلِمْه الدنيا، ولم يُطْغِه الهوى، واعلم أنه لم
стр. 49
يتزين العبادُ بزينةٍ أبلغَ فيما عندي من الزهد في الدنيا؛ فإنها زينةُ المتقين، عليهم منها لباسٌ يعرفون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، أولئك هم أوليائي حقاً حقاً، فإذا لقيتَهم، فاخفضْ لهم جناحَك، وذلل لهم قلبك ولسانك، واعلم أنه من أهان في ولياً، أو أخافه، فقد بارزني بالمحاربة، وباراني، وعرض في نفسه، ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، أَفيظنُّ الذي يحاربني أن يقوم لي، أو يظن الذي يعاديني أن يعجزني، أو يظن الذي يبارزني أن يسبقني، أو يفوتني؟! وكيف وأنا الثائرُ لهم في الدنيا والآخرة، لا أَكِلُ نُصرتهم إلى غيري؟
زاد إسماعيلُ بن عيسى في حديثه: فاعلم يا موسى: أن أوليائي الذين أَشعروا قلوبَهم خوفي، فتظهر على أجسادهم في لباسهم وجهدهم الذي يفوزون به يوم القيامة، وأملهم الذي به يذكرون، وسيماهم الذي به يعرفون، فإذا لقيتَهم، فذلِّلْ لهم نفسَك (١).
* فهؤلاء القومُ عليهم زينةُ الأولياء، وحِلْيةُ المتقين، أعظمُ بهجةً وزينةً من زينة الدنيا، أنوارُهم ظاهرة، وقلوبُهم طاهرة، وأرواحُهم روحانية، ونفوسُهم عُلوية، فلا يعرفُهم إلا عبادُ الرحمن، ولا تظهر سيماهم إلا لأهل الإيمان.
وأما عبادُ الشيطان وحزبُه، فإن الشيطان قد عاداهم، وهرب منهم، فلا يشتهي رؤياهم، وأوحى إلى حزبه من الجن والإنس أذاهم.
стр. 50
فإن قام أحدهم يصلي أو يتصدق، قالوا: مُراءٍ، وإن تكلم بالحق، بُغض ومُقت.
وإن خفيت هذه الزينةُ الربانيةُ عن حزب الشيطان، فهم أطباءُ الخلق على الحقيقة، وحكماءُ الناس على الطريقة.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن البالسيِّ: أنا المِزِّيُّ: أنا ابن أبي عمرَ، وابن البخاريِّ: أنا الإمامُ أبو الفَرَجِ: أنا حمدُ بن أحمدَ: أنا أحمدُ بن عبد الله: ثنا أبو الحسنِ أحمدُ بن محمدٍ: ثنا العباسُ ابن يوسفَ: حدثني محمدُ بن عبد الملكِ، قال: قال عبد الباري: قلتُ لذي النونِ: صفْ في الأبدالَ، فقال: إنكَ لتسألُني عن دياجي الظُّلَم لأكشفَها لك، عبد الباري! هم قوم ذكروا الله بقلوبهم تعظيماً لربهم لمعرفتهم بجلاله، فهم حُجج الله على خلقه، ألبسهم النورَ الساطعَ من محبته، ورفعِ لهم أعلامَ الهداية إلى مواصلته، وأقامهم مقامَ الأبطال لإرادته، وأفرغ عليهمُ الصبرَ عن مخالفته، وطهَّر أبدانَهم بمراقبته، وَطيَّبَهم بطيب أهل معاملتِه، وكساهم حُللاً من نسج مودَّته، ووضعَ على رؤوسهم تيجانَ مسرَّته، ثم أودعَ القلوبَ من ذخائرِ الغيوبِ، فهي معلَّقة بمواصلته، فهمومُهم إليه ثائرة، وأعينُهم إليه بالغيب ناظرة. قد أقامَهم على باب النظر من قربه، وأجَلسَهم على كراسي أطباءِ أهلِ معرفته. ثم قال لهم: إن أتاكم عليلٌ من فقدي، [ف] آووه، أو مريضٌ من شوقي، فعالجوه، أو خائف مني، فأَمِّنوه، أو آمنٌ من بَطْشي، فَحَذِّروه، أو راغبٌ في مواصلتي، فَمَنُّوه، أو راحلٌ نحوي، فزوِّدوه، أو جبانٌ عن متاجري، فشجِّعوه، أو آيسٌ من
стр. 51
فضلي، فغذوه، أو راجٍ لإحساني، فبشِّروه، أو حسنُ الظن بي، فباسطوه، أو محبٌّ لي، فواظبوه، أو معظِّم لقدري، فعظّموه، أو سائرٌ نحوي عني، فأرشدوه، أو مسيءٌ بعد إحسان، فعاتبوه، ومَنْ واصلَكُم، فواصلوه، ومن غابَ عنكم، فافتقدُوه، ومن حَمَّلَكم جنايةً، فاحتملوه، ومن قَصَّر في واجبِ حقي، فاتركوه، ومن أخطأ خطيئة، فناصِحوه، ومن مرضَ من أوليائي، فعودُوه، ومن حزنَ، فبشِّروه، كان استجارَ بكم ملهوفٌ، فأجيروه.
يا أوليائي! لكم عاتبتُ، وفي آثاركم رغبتُ، ومنكم الوفاء طلبتُ، ولكم اصطفيتُ وانتخبتُ، ولكم استخدمتُ واختصصتُ، إني لا أحبُّ استخدامَ الجبارين، ولا مواصلةَ المتكبرين، ولا مصافاةَ المخلّطين، ولا مجاورةَ المخادعين، ولا قربَ المعجَبين، ولا مجالسة البطَّالين، ولا موالاةَ الشَّرِهين.
يا أوليائي! جزائي لكم أفضلُ الجزاء، وعطائي لكم أجزلُ العطاء، وبذلي لكم أفضلُ البذل، وفضلي عليكم أكثرُ الفضل، ومعاملتي لكم أوفى المعاملة، ومطالبتي لكم أشدُّ المطالبة، أنا محيي القلوب، وأنا علامُ الغيوب، أنا مراقبُ الحركات، أنا ملاحظُ اللحظات، أنا المشرفُ على الخواطر، أنا العالمُ بمجالِّ الفِكر، فكونوا دعاةً إليَّ، لا يفزعكم دوني سلطانٌ سواي، فمن عاداكم، عاديتهُ، ومن والاكُم، واليتهُ، ومن آذاكم، أهلكتهُ، ومن أحسنَ إليكم، جازيتهُ، ومن هجركم، قَلَيْتُه (١).
стр. 52
فإن كنتَ من أهل المعرفة والذَّكاء، بانَ لك الحكماءُ والأطباء، وعرفتَ المقربين والأحباء، كان كنت من أهل الذَّوْق، عرفتَ الخلخالَ من الطَّوق، كان كنت من [أهل] العشق والمحبة، فَرَّقت بين العجوز والشبّه، كان كنتَ من أهل التورع، عرفتَ الأصلَ من الفرع، وإن كنتَ من جنس الثور والحمار، لم تعرفِ النافع من الضار، والماء [الحارَّ] من البارد، والبارد من الحار، والمطعم من الجزار.
* ف أهلُ الله به كلِفُون ، يُسرعون إلى محبته وطاعته، ويَكْلَفون بعبادته ومحبته، يَغضبون لغضب الله، ويرضَوْن لرضاه.
قد تركوا هواهم لمولاهم، فوالاهم وأدناهم، وناداهم وحياهم، فليس الناس إلا هم.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا الحافظُ أبو بكرِ بن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أنا فاطمةُ بنتُ سعدِ الخيرِ: أخبرتنا فاطمةُ بنتُ محمدٍ: أنا ابن ربذةَ: أنا سليمانُ بن أحمدَ: ثنا أحمدُبن منصورٍ: ثنا محمدُ بن إسحاقَ: ثنا عبد الله بن محمدِ بن يحيى بن عروةَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ : "أَنَّ مُوسَى ﵇ قال: يا ربِّ! أخبرني بأكرِم خلقِك عليكَ، قال: الذي يُسرع إلى هوايَ إسراعَ النَّسرِ إلى هواه، والذي يَكْلَفُ بعباديِ. الصالحينَ كما يَكْلَفُ الصَّبِيُّ بالناس، والذي يغضَبُ إذا انْتُهِكَتْ محارمي غضبَ النَّمِرِ لنفسِه؛ فَإِنَّ النَّمِرَ إِذَا غَضِبَ، لَئم يُبَالِ أَقَلَّ النَّاسُ أَم كَثُرُوا" (١).
стр. 53
وأخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا المِزِّيُّ: أنا ابن أبي عمرَ، وابن البخاريِّ: أنا الإمامُ أبو الفَرَج: أنا حمدُ بن أحمَد: أنا أحمدُ بن عبد الله: ثنا أبي: ثنا أحمدُ بن محمدٍ: ثنا أبو عثمانَ سعيدُ بن عثمانَ: ثنا أبو الفيضِ ذو النونِ المصريُّ، قال: إن لله لصفوة من خلقه، كان لله لخيرةً [من خلقه]، فقيل له: يا أبا الفيض! فما علامتُهم؟ قال: إذا خلع العبدُ الراحةَ، وأعطى المجهودَ في الطاعة، وأحبَّ سقوطَ المنزلة.
فقالماله بعضُ مَنْ كان في المجلس حاضراً: يا أبا الفيض! من هؤلاء القوم رحمك الله؟ فقال: ويحك! هؤلاء قومٌ جعلوا الركبَ لجباههم وساداً، والترابَ لجنوبهم مِهاداً، هؤلاء خالطَ القرآنُ لحومَهم ودماءهم، فعزلهم عن الأزواج، وحَرَّكهم بالإدلاج، فوضعوه على أفئدتهم فانفرجت، وضموه إلى صدورهم فانشرحت، وتصدعت هممهُم به فكدحت، فجعلوه لظلمتهم سِراجاً، ولنومهم مهاداً، ولسبيلهم مِنهاجاً، ولحجتهم إفلاجاً، يفرح الناسُ ويحزنون، وينام الناسُ ويسهرون، ويُفطر الناسُ ويصومون، ويأمن الناسُ ويخافون. فهم خائفون حَذِرون، وَجِلون مُشْفِقون مشمِّرون، مبادِرُون من الفوت، ويستعدُّون للموت، يتصغر جسيمُ ذلك عندهم لعظم ما يخافون من العذاب، وخطرِ ما يوعدون من الثواب، درجوا على شرائع القرآن، وتخلصوا بخالص القربان، واستناروا بنور الرحمن، فما لبثوا أن أنجز لهم القرآنُ موعودَه، وأوفى لهم عهودَه، وأحلَّهم سُعودَه، وأجارهم وعيدَه، فنالوا به الرغائب، وعانقوا به الكواعب، وأمنوا به العواطب،
стр. 54
وحذروا به العواقب، لأنهم فارقوا الدنيا بعين قالية، ونظروا إلى ثواب الآخرة بعين راضية، واشتروا الباقية بالفانية، فنِغمَ ما اتَّجروا وربحوا الدارين، وجمعوا الخيرين، واستكملوا الفضلين، بلغوا أفضل المنازل، بصبرِ أيامٍ قلائل، قطعوا الأيامَ باليسير، حذارَ يومٍ قمطرير، وسارعوا في المهلة، وبادروا خوفَ حوادث الساعات، ولم يركبوا أيامهم باللَّهو واللذات، بل خاضوا الغمرات للباقيات الصالحات، أوهن والثه قُوّتهم التعب، وَغيَّرَ لونَهم النَّصَب، وذكروا ناراً ذاتَ لهب، يتسارعون إلى الخيرات، منقطعين عن اللذات، بريئون من الريب والخنا، فهم خُرْسٌ فصحاء، عُمْيٌ بصراء، فعنهم تقصر الصفات، وبهم تدفع النقمات، وعليهم تتنزل البركات، فهم أحلى الناس منطقاً ومذاقاً، وأوفى الناس عهداً وميثاقاً، سراجُ العباد، ومنارُ البلاد، ومصابيحُ الدجى، ومعادنُ الرحمة، ومنابع الحكمة، وقوامُ الأمة، تَجَافى جنوبُهم عن المضاجع، فهم أقبلُ الناس للمعذرة، وأصفحُهم بالمغفرة، وأسمحُهم بالعطية، نظروا إلى ثواب الله بأنفُسٍ تائقة، وعيون وامقة، وأعمالٍ موافقة، فحلُّوا عن الدنيا مطيَّ رحالهم، وقطعوا منها حبالَ آمالهم، لم يدغ لهم خوفُ ربهم من أموالهم تليداً ولا عتيداً، فتراهم لم يشتهوا من الأموال كنوزَها، ولا من الأوبار خُزوزَها، ولا من المطايا عزيزَها، ولا من القصور مَشيدَها.
بلى! ولكنهم نظروا بتوفيق الله وإلهامِه لهم، فحركهم ما عرفوا بصبر أيام قلائل، فصمُّوا عن المحارم، وكفوا أيديهم عن ألوان المطاعم، وهربوا بأنفسهم عن المآثم، فسلكوا من السبيل رشاده،
стр. 55
ومَهَّدُوا للرشاد مِهادَه، وشاركوا أهلَ الدنيا في آخرتهم، عزوا عن الرزايا، وغُصصِ المنايا، هابوا الموتَ وسكراتهِ، وكُرُباتهِ وفَجَعاته، ومن القبرِ وضِيقه، ومنكبر ونكيرٍ ومن ابتدارهما، وانتهارِهما وسؤالهما، ومن المقامِ بين يدي الله ، وأمنهم مولاهم من تلك المخاوف.
قال الحافظُ أبو نعيمٍ: وهم مصابيحُ الدجى، وينابيعُ الرشدِ والحِجَى، خُصُّوا بخفيِّ الاختصاص، واتقوا من التصنيع بالإخلاص (١).
* إن حضروا، لم يعرفهم من الناس غيرُ الخواص، وإن غابوا، لم يفقدهم غير شذوذٍ من ذوي الإخلاص.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدين: أنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا الحافظُ أبو نعيم: ثنا عبد الله بن محمدٍ، ومحمدُ بن أحمدَ، وجماعةٌ، قالوا: ثنا الفضلُ بن الحبابِ: ثنا شاذ بن فياضٍ: ثنا أبو قحذمٍ، عن أبي قِلابةَ، عن عبد الله بن عمرَ بن الخطابِ، قال: مرَّ عمرُ بن الخطاب بمعاذِ بن جبلٍ وهو يبكي، فقال: ما يبكيكَ يا معاذُ؟ فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "أَحَبُّ العِبَادِ إِلَى الله تَعَالَى الأتْقِيَاءُ الأخْفِيَاءُ، الَّذِينَ إِذَا غَابوا، لَمْ يُفْقَدُوا، وَإِذَا شَهِدُوا، لَمْ يُعْرَفُوا، أولئك أَئِمَّةُ الهُدَى، وَمَصَابيحُ العِلْمِ" (٢).
стр. 56
أَخْلصوا في العلم، وقَصَّروا الأمَل، تمرُّ الفتنُ، فتنجلي عنهم من غير ضرر، وتصقل قلوبهم، جلَي السيفِ من الران.
كما أخبرنا جدِّي وغيرُه: أنا الصلاحُ بن أبي عمرَ: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا الإمامُ أبو الفَرَجِ: أنا حمدُ بن أحمدَ: أنا أحمدُ بن عبد الله: ثنا أبو عمرِو بن حمدانَ: ثنا الحسنُ بن سفيانَ: ثنا أبو موسى إسحاقُ بن إبراهيمَ بن الهرويُّ: ثنا أبو معاويةَ عمرُو بن عبد الجبارِ السنجاريُّ: ثنا عبيدةُ بن حسانَ، عن عبد الحميدِ بن ثابتِ بن ثوبانَ مولى رسولِ الله ﷺ : حدثني أبي، عن جدي، عن رسولِ الله ﷺ : شهدتُ من رسولِ الله ﷺ مجلساً، فقال: "طُوبَى لِلْمُخْلِصِينَ، أولئك مَصَابيحُ الهُدَى تنجَلِي عَنْهُم كُلُّ فِتنةً ظَلْمَاءَ" (١).
* إن قيل لهم الحقُّ، قبلوه، كان سئلوا ما عندهم، بذلوه، [ولو أنَّ] الحق كان لهم أو عليهم.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: ثنا محمدُ بن أحمدَ: ئنا بشرُ بن موسى: ثنا يحيى بن إسحاقَ ح.
وأخبرنا جدِّي: أنا الصلاحُ بن أبي عَمر: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا حنبل: أنا ابن الحُصَينِ: أنا ابن المُذْهبِ: أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: أنا عبد الله بنُ الإمامِ أحمدَ: ثنا أبي، عن يحيى بن إسحاقَ: ئنا
стр. 57
ابن لهيعةَ، عن خالدِ بن أبي عمرانَ، عن القاسمِ بن محمدٍ، عن عائشةَ، قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : "أَتَدْرُوَنَ مَنِ السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ الله؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلمُ. قال: "الَّذينَ إِذَا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهم لأَنْفُسِهِمْ" (١).
* استوى عندَهم الذهبُ والحجر، والصفوُ والكدر، والمادحُ والذامّ، وجميعُ أنواع الطعام، ولهذا كان أحمدُ يقول: طعامٌ دونَ طعام، وشرابٌ دونَ شراب، وأيامٌ قلائلُ.
وكان يقول: ما بينك وبين لذته، حتى ينزل من بلعومك.
وقال ولدُه: ما رأيتُ أبي أكلَ البطيخَ على سبيل التفكُّه، إلا أن يكون على سبيل الغذاء.
* قلوبُهم بالعرش مُعَلَّقَة، وبما جاء الله مصدِّقة، ينبسطون جَهْراً، وينقبِضُون سراً، يبسطهم الإرتياحُ والاشتياق، ويُقلقهم خوفُ القطيعة والفراقّ، مؤونَتُهم خفيفة، وأرواحُهم لطيفة، ومعاشرتُهم ظريفة.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا أبو عليٍّ الحداد: أنا الحافظُ أبونعيمٍ: ثنا عبد الله بن محمدِ بن جعفرٍ: ثنا عبد الله بن محمدِ بن زكريا: ثنا سَلَمَةُ بنُ شَبيبٍ: ثنا الوليدُ بن إسماعيلَ: ثنا شيبانُ بن مهرانَ، عن خالدِ بن المغيرةِ، عن مكحولٍ، عن عياضِ بن
стр. 58
غنمٍ: أنه سمعَ رسولَ الله ﷺ يقول: "إِنَّ مِنْ خِيَارِ أُمَّتِي- فِيمَا نبَّأنِي المَلأُ الأعلَي، في الدَّرَجَاتِ العُلا - قَوْماً يَضْحَكُونَ جَهْراً مِنْ سَعَةِ رَحْمَةِ ربّهِم، وَيَبْكُونَ سِرّاً مِنْ خَوْفَ شِدَّةِ عَذَابِ رَبِّهِمْ، يَذْكُرُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ في بُيُوتهِ الطَّيِّبة، وَيَدَعُونَهُ بِألسِنَتِهم رَغَباً وَرهباً، وَيَسْأْلُونَهُ بِأَيْدِيهِم خَفْضاً وَرَفْعاً، ويشتاقون إليه بقلوبهم عَوْداً وبَدْءاً، مَؤُونَتهُم على الناس خفيفة، وعلى أنفسِهم ثقيلة، يَدِبُّون في الأرض حفاةً على أقدامهم دبيبَ النملِ بغيرِ مَرَع ولا بَذْخٍ ولا مُثْلَةٍ، يمشون بالسكينة، ويتقربون بالوسيلة، يلْبَسون الخُلْقان، ويَتْبعون البرهان، ويتلون الفرقان، ويقربون القربان، عليهم من الله شهود حاضرة، وأعين حافظة، ونعمٌ ظاهرة، يتوسمون العباد، ويتفكرون في البلاد، أجسادُهم في الأرض، وأعيثُهم في السماء، أقدامُهم في الأرض، وقلوبهم في السماء، أنفسُهم في الأرض، وأفئدتهم عند العرش، أرواحُهم في الدنيا، وعقولُهم في الآخرة، ليس لهم همّ إلا ما أمامهم، فنورُهم ومقامهم عند ربهم، ثم تلا هذه الآية: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤].
* يبادرون إلى حقِّ الله من غير تسويفٍ، ويوفون الطاعةَ من غير تطفيف (١).
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أخبرتنا فاطمةُ بنتُ سعدِ الخيرِ: أخبرتنا فاطمةُ
стр. 59
الجوردانيةُ: أنا ابن ربذةَ: أنا سليمانُ بن أحمدَ: ثنا محمدُ بن موسى: ثنا عمرُ بن يحيى: ثنا حكيمُ بن حزامٍ، عن أبي جناب، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إِنَّ مِنْ مُوجِبَاتِ الله ثَلاثَاً. إِذَا رَأَى حَقّاً مِنْ حُقُوقِ الله، لَمْ يُؤَخِّرْهُ إِلَى أَيَّامٍ لا يُدرِكُها، وَأَنْ يَعمَلَ العَمَلَ الصَّالِحَ العَلانِيَة عَلَى قَوَامٍ مِنْ عَمَلِهِ في السَّرِيَرةِ، وَهُوَ يَجْمَعُ مَعَ ما يَعمَلُ صَلاحَ ما يُؤَمِّلُ".
قالَ رسولُ الله ﷺ : "فَهكذا وَلِيُّ الله"، وعقدَ بيدِه ثلاثاً، أو قالَ: ثلاثين (١).
* وهم أتمُّ الناسِ عقلاَّ، وأحسنُهم قولاً وفعلاً، زهدوا في الدنيا، وسارعوا إلى رضا الله في سائر الأشياء.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن البالسيِّ: أنا المِزَّيُّ: أنا ابن أبي عمرَ، وابن البخاريِّ: أنا الإمامُ أبو الفَرَجِ: أنا حمدُ بن أحمدَ: أنا أحمدُ بن عبد الله: ثنا أبو بكرِ بن خلادٍ: ثنا الحارثُ بن أبي أسامةَ: ثنا داودُ بن المحبرِ: ثنا ميسرةُ بن عبدويهِ، عن حنظلةَ بن وداعةَ، عن أبيه، عن البراءِ بن عازبٍ: أن النبيَّ ﷺ قال: "إِنَّ لله خَوَاصَّ يُسْكِنُهُمُ الرَّفيعَ مِنَ الجِنَانِ، كَانُوا أَعقَلَ النَّاسِ"، قلنا: يا رسولَ الله! ﷺ وكيف كانوا أعقلَ الناس؟ قال: "كَانَتْ هِمَّتُهُمُ المُسَابَقَةَ إِلَى رَبِّهِمْ وَالمُسَارَعَةَ إِلَى ما يُرْضِيهِ، وَزَهِدُوا في فُضُولِ الدُّنْيَا وَرِيَاشِها وَنَعِيمِهَا، وهانَتْ عَلَيْهِم فَصَبَرُوا قَلِيلاً، وَاسْتَرَاحُوا طَوِيلاً" (٢).
стр. 60
وهذه قاعدةٌ معروفة من الناس: من تعبَ قليلاً، استراح طويلاً، ومن خافَ، أَدْلَجَ، ومن أدلجَ، بلغَ المنزلَ، ومن اجتهدَ، نالَ.
* وقد ذكر الله كثيراً من صفاتهم في كتابه؛ كقوله:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٦ - ١٩].
وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩].
أخبرنا أبو حفص المقرئُ: أنا أبو الحسن الموصليُّ: أنا المحبوبيُّ: أنبأ ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا أبو طالب اليوسفيُّ: أنا ابن المُذْهبِ: أنا أبو بكرِ بن حمدانَ: أنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمدَ: ثنا شيبانُ: ثنا أبو هلالٍ: ثنا بكرُ بن عبد الله المزنيُّ، قال: لما أُلقي إبراهيمُ ﵇ في النار، جأرت عامةُ الخليقةِ إلى ربها، فقالوا: يا ربِّ! خليلُك يُلقى في النار، فائْذَنْ لنا أن نُطفئَ عنه، قال: هو خليلي، ليس في في الأرض خليلٌ غيرُه، وأنا ربُّه، ليس له ربٌّ غيري، فإن استغاثَكُم، فَأغيثوه، وإلا، فدعوه. قال: فجاء مَلَكَ القَطْر فقالَ: يا ربّ! خليلُك يُلقى في النار، فائذنْ في أن أُطفئ عنه بالقَطْر، قال: هو خليلي، ليس لي في الأرض خليلٌ غيرُه، وأنا ربُّه، ليس له ربٌّ غيري، فإن استغاثك، فَأغِثْه، وإلا، فدعه، فلما أُلقي في النار، دعا ربَّه ، فقال الله:
стр. 61
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، قال: فبردت يومئذ على أهل المشرق والمغرب، فلم ينضَجْ بها كُراعٌ (١).
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا المِزِّيُّ: أنا ابن أبي عمرَ، والفخرُ بن البخاري: أنا الإمامُ أبو الفَرَجِ: أنا حمدُ بن أحمدَ: أنا أحمدُ بن عبد الله: أنا أحمدُ بن السنديِّ: ثنا الحسنُ بن علويه: ثنا إسماعيلُ: ثنا إسحاقُ بن بشرٍ، قال: قال مقاتلٌ وسعيدٌ: لما جيء بابراهيمَ ﷺ ، فخلعوا ثيابه، وشدوا قماطه، ووُضع في المنجنيق، بكت السماءُ والأرض، والجبال والشمس والقمر، والعرش والكرسي والسحاب، والربح والملائكة، كلٌّ يقول: يا ربِّ! إبراهيمُ عبدُك بالنار يُحرق، فائذنْ لنا في نصرته، فقالت النار وبكت: يا ربِّ سَخَرتني لبني آدم، وعبدُك يحرَق بي، فأوحى الله إليهم: إن عبدي إيايَ عبدَ، وفي جنبي أوذي، إن دعاني، أجبته، وإن استنصركم، فانصروه. فلما رُمي استقبله جبريل ﵇ بين المنجنيق والنار، فقال: السلامُ عليك يا إبراهيمُ، أنا جبريل، ألك حاجةٌ؟ قال: أما إليك، فلا، حاجتي إلى الله ربي، فلما قُذف في النار، سبقه إسرافيلُ، فسلط النار على قِماطه فأكلته، وقال الله : ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، فلو لم يخلط بالسلام، لمات فيها برداً (٢).
فهذه النارُ التي هي أضرُّ شيء لبني آدم، أرادَ عدوُّ الله إحراقَ
стр. 62
نبىِّ الله وخليلهِ بها، فجعلَها الله عليه برداً وسلاما، حتى كانت عليه ألذَّ من جميع لذات الدنيا.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا الحافظُ أبونعيمٍ: ثنا الحسينُ بن محمدٍ: ثنا يحيى بن محمدٍ: ثنا يوسفُ القطانُ: ثنا مهرانُ بن أبي عمرَ: ثنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن المنهالِ بن عمرٍو، قال: أُخبرت أنَّ إبراهيمَ ﵇ لما أُلقي في النار، كان فيها ما أدري إما خمسين، وإما أربعين يوماً، قال: ما كنت أياماً ولياليَ قَطُّ أطيبَ عيشاً مني إذْ كنتُ فيها، ووَدِدتُ أنَّ عيشي وحياتي كلَّها مثل عيشي إذ كنت فيها (١).
فانظر إلى أضر شيء، بقدرة القادر صيره على حبيبه ألذَّ شيء، وكيف لا يكون كذلك، والعذابُ والنعيم، والضرُّ والنفع، الكل بيده، فهو القادرُ أن يجعل العذابَ نعيماً، والنعيمَ عذاباً، والضرَّ نفعاً، والنفعَ ضراً، والكلُّ بيده، إذا أراد شيئاً، فإنما يقول له: كن فيكون.
* وكذلك جعل الله الضيقَ وقلَّةَ الدنيا لأوليائه لذةًّ، وجعل الاتساعَ من الدنيا وما فيها عذاباً لأهلها؛ فإن كثيرها هموم وغموم، وهي تدنس المتقين، كما قيل لأبي بكر ﵁: ألا تستعمل أهلَ بدرٍ؟ قال: إني أرى مكانَهم، ولكني أكره أن أُدَنِّسهم بالدنيا (٢).
стр. 63
أخبرنا أبو حفص المقرئُ: أنا الإمامُ أبو الحسنِ: أنا المحبوبيُّ: أنبأ ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا أبو طالبٍ اليوسفيُّ: أنا ابن المُذْهبِ، أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: ثنا عبد الله بن أحمدَ: حدثني أبي: ثنا يزيدُ: ثنا المسعوديُّ، عن عونِ بن عبد الله، قال: قالَ عبد الله: لا يبلغُ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ حتى يحلَّ بذروتهِ، ولا يحلُّ بذروته حتى يكونَ الفقرُ أحبَّ إليه من الغنى، والتواضعُ أحبَّ إليه من الشرف، وحتى يكونَ حامدُه وذامُّه عندَه سواءً (١).
قال: ففسرها أصحابُ عبد الله؛ قالوا: حتى يكون الفقرُ في الحلال أحبَّ إليه من الغنى في الحرام، والتواضعُ في طاعة الله أحبَّ إليه من الشرفِ في معصية الله، وحتى يكون حامدُه وذامُّه عندَه في الحقِّ سواءً.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدين: أنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا الحافظ أبو نعيمٍ: ثنا أبو محمدِ بن حيانَ: ثنا أحمد بن عليِّ بن الجارودِ: ثنا عبد الله بن سعيدٍ الكنديُّ: ثنا حفصُ بن غياثٍ، وأبو يحيى التيميُّ، قالا: عن ليثٍ، عن عثمانَ، عن زاذانَ، عن سلمانَ، قال: إن الله تعالى إذا أراد بعبدٍ شراً، أوَ هلَكَةً، نزعَ منه الحياءَ، فلم تلقَه إلامَقيتاً مُمَقَّتاً، فإذا كانَ مَقيتاً ممقَّتاً، نُزعت منه الرحمةُ، فلم تلقَهُ إلا فَظّاً غليظاً، فإذا كان كذلك، نُزعت معه الأمانةُ،
стр. 64
فلم تلقه إلا خائنًا مخوَّنًا، فإذا كان كذلك، نزعتْ رِبْقَةُ الإسلام من عُنقه، فكان لعينًا ملعَّنًا (١).
وفي رواية: فلا يبالي الله في أيِّ وادٍ هلك (٢).
وقال بعضهم: إذا كان كذلك، أهلكه الله بما شاء من غضبه.
أخبرنا أبو حفص المقرئُ: أنا الإمامُ أبو الحسنِ: أنا المحبوبيُّ: أخبرتنا ابنةُ علوانَ: أنا ابن المهتدي: أنا أبو طالبٍ اليوسفيُّ: أنا ابن المذهبِ: أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: أنا عبد الله بن الإمامِ أحمدَ: حدثني أبي: ثنا أَبو المغيرةِ: ثنا جريرٌ: ثنا حبيبُ بن عبيدٍ: أن رجلاً أتى أبا الدرداء، وهو يريد الغزو، فقال: يا أبا الدرداء! أوصني، فقال: اذكرِ الله في السراء، يذكرك في الضراء، وإذا أشرفت على شيء من الدنيا، فانظر إلى ما يصير (٣).
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدين: أنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: ثنا محمدُ بن أحمدَ: ثنا بشرُ ابن موسى: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئُ: ثنا سعيدُ بن أبي أيوبَ، عن عبد الله بن الوليدِ، عن عباسِ بن خليدٍ، عن أبي الدرداءِ: أنه قال: لولا ثلاثُ خلالٍ، لأحببتُ أن لا أبقى في الدنيا، قلت: وما هن؟ فقال:
стр. 65
لولا وضوعُ وجهي للسجود لخالقي في اختلاف الليل والنهار يكون تقدمة لحياتي، وظمأ الهواجر، ومقاعدةُ أقوامٍ ينتقون الكلام كما تنتقى الفاكهة، وتمامُ التقوى أن يتقي الله العبدُ حتى يتقيه في مثل مثقال ذرة، حتى يترك بعضَ ما يرى أنه حلال خشيةَ أن يكون حرامًا، يكون حاجزًا بينه وبين الحرام، إن الله تعالى قد بين لعباده الذي هو مصيرهم إليه، قال الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].
* فلا تحقرنَّ شيئًا من الشر أن تتقيه، ولا شيئًا من الخير أن تفعله (١).
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدين: أنا أبو جعفرٍ: أنا أبو عليٍّ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: ثنا سليمانُ بن أحمدَ: ثنا المقدامُ بن داودَ: ثنا عليُّ بن معبدٍ: ثنا موهبُ بن راشدٍ: ثنا مالكُ بن دينارٍ، عن جلاسِ بن عمرٍو، عن أبي الدرداءِ، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إِنَّ الله يقولُ: أَنَا الله لا إِلَهَ إِلا أَنَا مَالِكُ المُلْكِ، وَمَلِكُ المُلُوكِ، قُلُوبُ المُلُوكِ في يَدِي، وَإِنَّ العِبَادَ إِذَا أَطَاعُونِي، حَوَّلْتُ قُلُوبَ مُلُوكِهِمْ عَلَيْهِمْ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَإِنَّ العِبَادِ إِذَا عَصَوْنِي، حَوَّلْتُ قُلُوبَ مُلُوكِهِمْ عَلَيْهِمْ بِالسَّخَطِ وَالنَّقْمَةِ، فَسَامُوهُمْ سُوءَ العَذَابِ، فَلا تَشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ بِالدُّعَاءِ عَلَى المُلُوكِ، وَلكن اشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ بِالذِّكْرِ والتَّضَرُّعِ إِلَيَّ أَكْفِكُمْ مُلُوكَكُمْ" (٢).
стр. 66
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا أبي: ثنا عبد الله بن محمدٍ: ثنا الحسينُ بن الحسنِ: أنا الهيثمُ بن جميلٍ: ثنا عبد الغفورِ، عن همامٍ، عن كعبٍ، قال: إنا نجدُ أن الله تعالى يقول: إني أنا الله لا إله إلا أنا خالقُ الخلق، أنا الملكُ العظيمُ، دَيَّانُ يوم الدين، وملكُ الملوك، قلوبُهم بيدي، فلا تَشَاغَلُوا بذكرهم عن ذكري ودعائي والتوبةِ إليَّ حتى أُعَطِّفهم عليكم بالرحمة، فأجعلَهم رحمةً، وإلا جعلتهم نقمةً (١).
وبه إلى أبي نعيم: ثنا أبي: ثنا أبو الحسنِ بن أبانَ: ثنا عبد الله بن محمدِ بن سفيانَ: حدثني إسماعيلُ بن إبراهيمَ: حدثني صالحٌ، عن مالكِ بن دينارٍ، قال: قرأتُ في الحكمة: أن الله يقول: أنا ملكُ الملوك، قلوبُ الملوك بيدي، فمن أطاعني، جعلتُهم عليه رحمةً، ومن عصاني، جعلتهم عليه نقمةً، فلا تشغلوا أنفسَكُم بسبِّ الملوك، ولكن توبوا إليَّ أُعَطِّفْهم عليكم (٢).
وبه إلى أبي نعيم: ثنا سليمانُ: ثنا إسحاقُ بن عبد الرزاقِ: ثنا عمرُو بن حمدانَ: ثنا الحسنُ بن سفيانَ: ثنا بشرُ بن الحكم: ثنا عبد الرزاق: ثنا معمرٌ، عن صاحبٍ له: أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان: يا أخي! اغتنم صحتك وفراغك قبل أن ينزل بك من البلاء مالا يستطيع العباد ردَّه، واغتنمْ دعوةَ المبتلى (٣).
стр. 67
أخبرنا أبو حفصٍ المقرئُ: أنا الإمامُ أبو الحسنِ: أنا المحبوبيُّ: أنا ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا أبو طالبٍ اليوسفيُّ: أنا ابن المذهبِ: أنا أحمدُ بن جعفرٍ: ثنا عبد الله ابن أحمد: ثنا أبي: ثنا الوليدُ بن مسلم: ثنا صفوانُ بن عمرٍو: حدثني عبد الرحمن بن جُبيرِ بن نُفيرٍ، عن أبيه، قال الوليد: وثنا ثورٌ، عن خالدِ بن معدانَ، عن جُبيرِ بن نُفيرٍ، قال: لما فُتحت قبرسُ، فُرِّقَ بينَ أهلِها، فبكى بعضُهم إلى بعض، ورأيتُ أبا الدرداء جالسًا وحَده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء! ما يُبكيك في يومٍ أعزَّ الله فيه الإِسلامَ وأهلهَ؟ قال: ويحكَ يا جبير!، ما أهونَ الخلقَ على الله إذا هم تركوا أمره! بينا هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمر الله، فصاروا إلى ما ترى (١).
وبه إلى الإِمام أحمدَ: ثنا معمرُ بن سليمانَ: ثنا قرابُ بن سليمانَ: أن أبا الدرداء كان يقول: ويلٌ لكلِّ جَمَّاعٍ فاغرٍ فاه كأنه مجنون، يرى ما عند الناس، ولا يرى ما عنده، لو يستطيع، لوصلَ الليلَ بالنهار، ويلَه من حساب غليظ، وعذاب شديد (٢).
وبه إلى الحافظِ أبي نعيمٍ: ثنا أبي: ثنا أحمدُ بن محمدٍ: ثنا الربيعُ بن تغلبَ: ثنا فرجُ بن فضالةَ، عن لقمانَ بن عامرٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: إياكم ودعوةَ المظلومِ، ودعوةَ اليتيم؛ فإنهما تسريانِ بالليلِ والناسُ نيامٌ (٣).
стр. 68
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، قال: قالَ أبو الدرداءِ: مِنْ أبغضِ الناسِ إليَّ أن أَظلمَه مَنْ لا يستعينُ عليَّ إلا بالله (١).
وبه إلى الحافظِ أبي نعيمٍ: ثنا أحمدُ بن إسحاقَ: ثنا عبد الله بن سليمانَ: ثنا عليُّ بن خشرمٍ: ثنا عيسى بن يونسَ، عن الأوزاعيِّ، عن حسانَ بن عطيةَ: أن أبا الدرداءِ كان يقول: اللهمَّ إني أعوذُ بكَ أن تلعنني قلوبُ العلماء، قيل: وكيف تلعنُك قلوبُهم؟ قا [ل]: تكرهني فتلعنني (٢).
وبه إلى عبد الله بن الإمامِ أحمدَ: حدثني عبد الله بن صندلٍ: ثنا فضيلُ بن عياضٍ، عن سليمانَ بن مهرانَ، عن عمرِو بن مرةَ، عن عبد الله بن سلمةَ، قال: قال رجلٌ لمعاذِ بن جبلٍ: علمني، قال: وهل أنت مُطيعي؟ قال: إني على طاعتك لحريصٌ، قال: صُمْ وأَفطِرْ، وصَلِّ ونَمْ، واكتسبْ ولا تأثمْ، ولا تموتَنَّ إلا وأنت مسلمٌ، وإياكَ ودعوةَ المظلوم (٣).
وبه إلى أبي نعيم: ثنا أبو محمَّد بنُ حيانَ: ثنا عبد الرحمن بن محمدٍ: ثنا هَنَّادُ بن السَّرِيِّ: ثنا وكيعٌ، عن يزيدَ بن إبراهيمَ، عن أبي هارونَ الغنويِّ، عن مسلمِ بن شدَّادٍ، عن عُبيدِ بن عُميرٍ، عن
стр. 69
أبي بن كعبٍ، قال: ما مِنْ عبد ترك شيئًا لله، إلا أبدَلُه الله به ما هو خيرٌ منه من حيثُ لا يحتسب، وما تهاون به أحدٌ، فأخذه من حيث لا يصلح، إلا آتاه الله ما هو أشدُّ عليه منه من حيث لا يحتسب (١).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا أحمدُ بن جعفرٍ: ثنا أبو بكرِ بن النعمانِ: ثنا محمدُ بن سعيدٍ: ثنا أبو جعفر الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبي بن كعبٍ، قال: المؤمنُ بينَ أربعٍ: إن ابتُلي صبر، وإن أُعطي شكر، وإن قال صدق، وإن حكم عدل، فهو يتقلَّب في خمسة من النور، وهو الذي بقول الله : ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥]، فكلامُه نور، وعملُه نور، ومدخلُه في نور، ومخرجُه نورٌ، ومصيرهُ إلى النور يومَ القيامة، فكيفما تقلب، فهو في النور. والفاجرُ يتقلَّب في خمسة من الظُّلَم، فكلامُه ظُلمة، وعملُه ظلمة، ومدخلُه ظلمة، ومخرجُه في ظُلمة، ومصيرُه إلى الظلمةِ يومَ القيامة (٢).
ولهذا قال النبيُّ ﷺ : "الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ" (٣).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا أبو أحمدَ محمدُ بن أحمدَ: ثنا عبد الله بن محمدٍ: ثنا إسحاقُ بن راهويه: ثنا الفضلُ بن موسى، عن الوليدِ بن جُميع، عن أبي الطفيل، عن حذيفةَ، قال: ثلاثُ فتنٍ: والرابعةُ
стр. 70
تسوقُهم إلى الدجال: التي ترمي بالرضف، والتي ترمي بالنشف، والسوداءُ المظلمةُ التي تموج كموجِ البحر، والرابعة التي تسوقهم إلى الدجال (١).
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا زينبُ بنتُ الكمالِ: أنا يوسفُ بن خليلٍ: أنا محمدُ بن أبي زيدٍ: أنا الصيرفيُّ: أنا ابن فاذشاه: أنا الطبرانيُّ: ثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ: ثنا عبد الرزاقِ: ثنا معمرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن عمارةَ بن عبدٍ، عن حذيفةَ، قال: إياكُمْ والفتنَ لا يشخصُ إليها أحدٌ، هو الله! ما شَخَصَ إليها أحدٌ إلا نسفَتْه كما ينسفُ السيل الدِّمَنَ، إنها مشبهة مقبلة، حتى يقولَ الجاهلُ: هذه تشبهُ، وتبين مدبرة، فإذا رأيتموها، فاجتمعوا في بيوتكم، وكَسِّروا سيوفَكم، وقَطِّعوا أوتارَكُم (٢).
وبه إلى أبي نعيمِ: ثنا أبو عبد الله الحسينُ بن حمويه: ثنا محمدُ بن عبد الله الحضرميُّ: ثنا مصرفُ بن عمرٍو: ثنا عبد الرحمن بن محمدِ بن طلحةَ، عن أبيه، عن الأعمشِ، عن أبي وائلِ، وزيدِ بن وهبٍ عن حذيفةَ، قال: إن للفتنة وَقَفاتٍ وبغتاتٍ، فمن استطاعَ أن يموتَ في وقفاتها، فليفعلْ، يعني بالوقفات: غمدَ السيف (٣).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن حمزةَ: ثنا الحسنُ بن
стр. 71
إبراهيمَ بن بشارٍ: ثنا عبد الله بن عمرانَ: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن همامٍ، عن حذيفةَ، قالَ: ليأتينَّ على الناس زمانٌ لا ينجو فيه إلا مَنْ دعا بدعاءٍ كدعاءِ الغريق (١).
وبه إلى الحضرميِّ: ثنا محمدُ بن عبد الله بن نميرٍ: ثنا محمدُ بن بلالٍ، عن عمرانَ القطان، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن حذيفةَ، قال: ما الخمرُ صِرْفًا بأذهبَ بعقولِ الرجالِ من الفتنة (٢).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا أبو حامدِ بن جبلةَ: ثنا محمدُ بن إسحاقَ: ثنا عمرُ بن محمدٍ الأسديُّ: حدثني أبي: ثنا سلامُ بن مسكينٍ، قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ: لما كانَ من أمر الناس ما كان من أمر الفتنة، أتوا عبد الله بن عمرَ، فقالوا: أنتَ سيدُ الناسِ، وابن سيدِهم، والناسُ بكَ راضون، اخرجْ نُبايِعْك.
فقال: لا والله! لا يُهَراق فيَّ محجمةٌ من دم، ولا في سببي ما كان فيَّ الروح.
قال: ثم أُتي، فَخُوِّف، فقيل له: لتخرجَنَّ، أو لتُقتلنَّ على فراشك.
فقالَ مثلَ قوله الأول.
قال الحسن: فو الله! ما استقلوا منه سنًا حتى لحق بالله (٣).
стр. 72
وقد روينا في "الصحيح": أن معاوية لما حجَّ، خطبَ فقالَ: من كان يزعُم أنه أحقُّ منا بهذا الأمر، فليخرجْ، وفي رواية: فليبرزْ لنا قَرْنه، فنحنُ أحقُّ به منه ومن أبيه.
قال عبد الله بن عمرَ: فأردتُ أن أقول: أحقُّ منك بهذا الأمر مَنْ قاتَلَكَ وأباكَ على الإِسلام، فذكرتُ ما أعدَّ الله في الجِنان للمتقين، وخِفْت أن يُنقل عني غيرُ ذلك، فحلَلْتُ حَبْوتي، وسَكَتُّ، فقيل له: حُفظت، وعُصمت (١).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا أبو حامدِ بن جبلةَ: ثنا محمدُ بن إسحاقَ: ثنا محمدُ بن الصباحِ: ثنا الوليدُ بن مسلمٍ: ثنا ابن جابر، عن القاسمِ بن عبد الرحمن: أنهم قالوا لابن عمرَ في الفتنة الأولى: ألا تخرجُ فتقاتل؟
قال: قد قاتلتُ والأنصابُ بينَ الركنِ والباب، حتى نفاها الله من أرض العرب، فأنا أكره أن أقاتل من يقول: لا إله إلا الله.
قالوا: والله! ما رأيك ذلك، ولكنك أردت أن يُفني أصحابُ رسول الله ﷺ بعضُهم بعضًا، حتى إذا لم يبق غيرُك، قيل: بايعوا لعبد الله بن عمر بإمارة المؤمنين.
قال: والله! ما ذلك بي، ولكن إذا قلتم: حيَّ على الصلاة، أجبتكم [وإذا قلتم:] حيَّ على الفلاح، أجبتكم، فإذا افترقتم، لم
стр. 73
أجامعكم، وإذا اجتمعتم، لم أفارقكم (١).
ولما أُصيب عمرُ ﵁، آيسه منها، فقال لأصحاب الشورى: يشهدُكم عبد الله، وليس له من الأمر شيء، كهيئة التعزيةِ له، فلم يلتفتْ إليها بعدَ ذلك، ولم يُرِدْها, ولم يقاتلْ عليها حين قاتل الناسُ عليها، وكان المرجعُ إليه، والإقتداءُ في الدنيا من الخلفاء وغيرهم، حتى إن الخليفةَ عبد الملك بن مروان بعثَ إلى نائبه الحجاجِ أن يقتديَ به في أمر الحجِّ، وأن يجعلهَ قدوةَ جميعِ الناس فيه، وأن يكونَ له تبعًا في ذلك.
حتى إن الحجاجَ ركبَ، وجاء إلى خدمته لأجل الاقتداء به، ومشى في خدمته، حتى إنه لمَّا أصيب في قدمه، قال له الحجاج: لو نعلمُ من أصابك؟ قال: أنت أصبتني، قال: وكيف أصبتك؟ قال: حملتَ السلاحَ في يوم لم يكن يُحمل فيه، وأدخلتَ السلاحَ الحرمَ، ولم يكن السلاحُ يدخل الحرم (٢).
* فهذا المقام الذي كان فيه، وصار إليه، أعظمُ وأكبرُ وأجلُّ والله من مقام الخلافة؛ فإن قدوتهم كانت به، فهم محتاجون إليه، وليس به حاجة إليهم، فهو كان في مقام الإقتداء لهم ولغيرهم، وهذا مقام السلطنة الكبرى.
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا إبراهيمُ بن عبد الله: ثنا محمدُ بن إسحاقَ:
стр. 74
ثنا قتيبةُ بن سعيدٍ: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ: ثنا عبد العزيزِ بن أبي روادٍ: ثنا نافعٌ، قال: دخل ابن عمرَ ﵁ الكعبةَ، فسمعتُه وهو ساجد يقول: قد تعلمُ ما يمنعني من مزاحمة قريشٍ على هذه الدنيا إلا خوفُك (١).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا القاضي عبد الله بن محمدِ بن عمرَ: ثنا عليُّ بن سعيدٍ: ثنا عبادُ بن الوليدِ: ثنا قرةُ بن حبيبٍ: ثنا عبد الله بن بكرٍ، عن عبيدِ الله (٢) بن عمرَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ: أنه أتاه رجلٌ، فقال: يا أبا عبد الرحمن! أنت ابن عمرَ، وصاحبُ رسولِ الله ﷺ -وذكر من مناقبه-، فما يمنعك من هذا الأمر؟ قال: يمنعني أن الله تعالى حَرَّم عليَّ دم المسلم.
قال فإن الله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣].
قال: قد فعلْنا، قاتلناهم حتى كان الدينُ لله، فأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكونَ فتنةٌ، ويكونَ الدينُ لغير الله (٣).
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا زينبُ بنتُ الكمالِ: أنا يوسفُ بن خليلٍ: أنا ابن أبي زيدٍ: أنا الصيرفيُّ: أنا ابن فاذشاه: أنا الطبرانيُّ: ثنا عبد الله بن أحمدَ بن حنبلٍ: ثنا الحكمُ بن
стр. 75
موسى: ثنا إسماعيلُ بن عياش: حدثني المطعمُ بن المقدامِ الصنعانيُّ، قال: كتبَ الحجاجُ بن يوسفَ إلى عبد الله بن عمرَ: بلغني أنك طلبتَ الخلافةَ، وإن الخلافةَ لا تصلُح لِعَيِيٍّ، ولا بخيلٍ، ولا غيورٍ.
فكتب إليه ابن عمرَ: أما ما ذكرتَ من الخلافة أني طلبتُها، فما طلبتُها، وما هي من بالي، وأما ما ذكرتَ من العيِّ والبخلِ والغيرة، فإنَّ من جمعَ كتابَ الله، فليسَ بعييِّ، ومن أَدَّى زكاةَ ماله، فليس ببخيل، وأما ما ذكرتَ من الغيرة، فإن أحقَّ ما غِرْتُ فيه ولدي أن يشرَكني فيه غيري (١).
أخبرنا أبو حفص المقرىُ: أنا الإمامُ أبو الحسن الموصليُّ: أنا المحبوبيُّ: أخبرتنا ستُّ الأهلِ ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا أبو طالبٍ اليوسفيُّ: أنا ابن المذهبِ: أنا أبو بكر أحمدُ بن حمدانَ القطيعيُّ: أنا الإمامُ أبو عبد الرحمن عبد الله بنُ الإمامِ أحمدَ: حدثني أبي: ثنا ابن ادريسَ: ثنا حصينٌ، عن سالمِ بن أبي الجعد، عن جابرٍ، قال: ما رأيتُ، أو ما أدركتُ أحدًا إلا قد مالَتْ به الدنيا، أو مال بها، إلا عبد الله بن عمرَ (٢).
فأما قولُ هذا المُبيرِ: إنه لا يصلُح للخلافة، وإنه أرادها، فهذا كذبٌ وافتراء.
وأما قوله: إنها لا تصلُح لعيي ولا بخيل ولا غيور.
يتهمه بالعِيِّ، فإن هذا عينُ الكذبِ والإفتراء، فقد كانَ من أشجع