← Сияса и кади

Сияса и кади · id 17533

إيضاح طرق الاستقامة في بيان أحكام الولاية والإمامة

ابن المبرد

Полный текст (369 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مجموعة مؤلفات الإمام يوسف بن عبد الهادي الحنبلي ﵀[٥] «إيضاح طرق الإستقامة في بيان أحكام الولاية والإمامة» تأليف الإمام يوسف بن حسن بن عبد الهادي المقدسي الدمشقي الحنبلي المولود سنة ٨٤١ هـ - والمتوفى سنة ٩٠٩ هـ رحمه الله تعالى بعناية لجنة مختصة من المحققين بإشراف نور الدين طالب دار النوادر

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

«إيْضَاحُ طُرُقِ الإسْتِقَامَةِ فِي بَيَان أحْكَامِ الولايَةِ والإمَامَة»

стр. 4

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م ردمك: ٨ - ١٧ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ lSBN دَار النَّوَادِر سورية - لبنان - الكويت مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الُّلبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوادِرِ الكُوَيْتِيَةٍ ذ. م. م - الكُوَيْت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - الصالحية - برج السحاب - ص. ب: ٤٣١٦ حولي - الرمز البريدي: ٣٢٠٤٦ هاتف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥) www.daralnawader.com - info@daralnawader.com أسَّسَهَا سَنَة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م نُورُ الدِّيْن طَالِب المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفيذي

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق إنَّ الحمدَ لله نحمدُهُ، ونستعينُهُ ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا، وسيئاتِ أعمالنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه. أمّا بعد: فإنَّ الإمامةَ رياسةٌ تامةٌ، وزَعامة عامةٌ، تتعلَّق بالخاصَّة والعامة في مهمَّات الدِّين والدُّنيا، مُتَضَمَّنُها حِفْظُ الحَوْزَةِ، ورعاية الرَّعيَّة، وإقامة الدَّعوة، والانتصافُ للمظلومين مِنَ الظَّالمين، واستيفاءُ الحقوقِ من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقِّين (١). وقد صنَّف الأئمةُ الثقات في أحكامها وشروطها وفروعِها الكثيرةِ مصنفاتٍ قيمةً كان في مُقَدَّمها كتابا القاضيينِ الكبيرينِ أبي الحسن الماوَرْدِي وأبي يعلى الفَرَّاء، المنعوتانِ بـ: "الأحكام السلطانية". وقد انتهجَ نَهْجَهما، واقتفى أثرَهما الإمامُ يوسفُ بنُ عبدِ الهادي في

стр. 6

كتابه القيِّم الموسومِ بـ: " إيضاح طُرُقِ الإستقامة في بيان أحكام الولاية والإمامة" (١)، فوضعَ فيه عشرةَ أبوابٍ ذكرَ فيها مسمياتِ الحكامِ والولاةِ، والشُّروطَ الواجبَ توفُّرها فيهم، وفَضْلَ الولايةِ وثوابَها، وما للحكَّامِ من الحقوقِ، وما عليهم، ثم خَتَم بذكرِ تواريخِ ووفيَّاتِ الوُلاةِ والحكَّام والسَّلاطين بَدْءاً من عهد النبي ﷺ حتى عصرِه. * * * هذا وقد تمَّ -بفضل الله تعالى- الوقوفُ على النسخةِ الخطيَّةِ الفريدة لهذا الكتاب، وهي النسخةُ المحفوظةُ بدار الكتب الظاهرية بدمشق تحت رقم (٣٣٠١)، وهي بخطِّ المؤلف المعروف بغرابة الشَّكْل، وصعوبةِ القراءةِ، وقلَّة الإعجام، وتقع في (١٦٧) ورقة، حَصَل فيها خرمٌ بين الباب الخامس والسادس بمقدار عشرين ورقة، وجاء على غلافها تملُّكٌ بخط العلامة ابن طُولون المتوفى سنة (٩٥٣ هـ)، وعليها وَقْفُه للكتاب على مدرسة شيخ الإسلام أبي عمر بالصَّالحية. * * *

стр. 7

* هذا وقد تمَّ تحقيق هذا الكتاب وفق الخطة الآتية: ١ - نسخُ الأصلِ المخطوط اعتماداً على النسخة الخطية المشار إليها آنفاً، وذلك بحسب رسم وقواعد الإملاء الحديثة. ٢ - معارضةُ المنسوخِ بالمخطوط؛ للتأكُّد من صحة النص وسلامته. ٣ - مقابلةُ المنسوخِ بالمصادر المطبوعة التي نَقَل عنها المؤلفُ؛ كـ: "الأحكام السلطانية" لأبي يعلى، و"الفروع" لابن مُفْلح، و"العِبر في خبر من غَبَر" للذَّهبي، وغيرها من الكتب. ٤ - عزو الآياتِ القرآنية الكريمةِ إلى المصحف الشريف بذكر اسم السُّورة ورقم الآيةِ، وجعل العزو بين معكوفتينِ في صُلْب النَّص، وإدراجها برسم المصحف الشريف. ٥ - تخريج الأحاديثِ النبوية الشريفة تخريجاً لائقاً بالنصِّ المحقَّق. ٦ - توثيقُ الآثارِ والأقوال من المصادر التي ينقل عنها المؤلف ﵀. ٧ - كتابةُ مقدمةٍ للكتاب مشتملةٍ على ترجمة مختصرةٍ للمؤلف، وتَقْدمةٍ موجزة للكتاب. هذا وصلَّى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. حَرَّرَهُ نُورُ الدِّينْ طَالِبْ ١٧ / صفر / ١٤٣٢ هـ ٢٢/ ١ / ٢٠١١ م

стр. 8

ترجمة المؤلف (١) * هو الإمام يوسف بن حسن بن أحمد بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي المقدشي الأصل، الدمشقي المولد، الحنبلي المذهب، المعروف بـ: "ابن عبد الهادي"، والملقب بـ: "ابن المِبْرَد". *ولد سنة (٨٤١ هـ) في أول يوم منها، وقد نشأ في بيئة علمية معروفة، فتفقه على أبيه وجده، وسمع عليهما الحديث. وكان ملازماً للعلماء والصالحين؛ فحفظ "المقنع" لابن قدامة

стр. 9

على عدد من العلماء، وقرأ على مشايخ كثر "صحيح البخاري"، و"مسند الحميدي"، و"الدارمي"، وغيرها. * فمن مشايخه الذين قرأ وحفظ عليهم: الشيخ علاء الدين المرداوي صاحب "الإنصاف"، وتقي الدين ابن قندس صاحب الحاشية المشهورة على "الفروع"، وزين الدين أبو الفرج ابن الحبال، وغيرهم. * وقد تخرج على يديه جماعات من التلامذة؛ الذي صاروا فيما بعد أعلاماً كباراً؛ كـ: ابن طولون، وعبد القادر النعيمي، وغيرهما. * أثنى عليه جماعة من أهل العلم، ووصفوه بالإمامة والحفظ والإتقان: قال فيه تلميذه ابن طولون: "هو الشيخ الإمام، علم الأعلام، المحدث الرحالة، العلامة الفهامة، العالم العامل، المتقن الفاضل". وقال فيه ابن العماد: "كان إماماً علامة، يغلب عليه علم الحديث والفقه، ويشارك في النحو والتصريف والتفسير، وله مؤلفات كثيرة". وقال الشطي: "أجمعت الأمة على تقدمه وإمامته، وأطبقت الأئمة على فضله وجلالته". * ترك الإمام ابن عبد الهادي كتباً كثيرة بلغت أسماؤها مجلداً، كما قال ابن طولون، ومن أهم تلك الكتب: ١ - "جمع الجوامع في الفقه على مذهب الإمام أحمد" في ثلاثة وسبعين مجلداً، غالبه مفقود.

стр. 10

٢ - "الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي". ٣ - "مغني ذوي الأفهام" في الفقه. ٤ - "هداية الإنسان إلى الإستغناء بالقرآن". ٥ - "إرشاد السالك إلى مناقب مالك". ٦ - "الدر النفيس في أصحاب محمد بن إدريس". ٧ - "محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب". ٨ - "زبد العلوم وصاحب المنطوق والمفهوم". ٩ - "زينة العرائس من الطرف والنفائس". * توفي ﵀ بصالحية دمشق، سادس عشر المحرم، من سنة تسع وتسع مئة، وصلي عليه بجامع الحنابلة، ودفن بسفح جبل قاسيون ﵀، ورضي عنه.

стр. 11

صُوَر المَخْطُوْطَاتْ

стр. 12

صورة غلاف النسخة الخطية للمكتبة الظاهرية

стр. 13

صورة اللوحة الأولى من النسخة الخطية للمكتبة الظاهرية

стр. 14

صورة اللوحة الأخيرة من النسخة الخطية للمكتبة الظاهرية

стр. 15

«إيضاح طرق الإستقامة في بيان أحكام الولاية والإمامة» تأليف الإمام يوسف بن حسن بن عبد الهادي المقدسي الدمشقي الحنبلي المولود سنة ٨٤١ هـ - والمتوفى سنة ٩٠٩ هـ رحمه الله تعالى بعناية لجنة مختصة من المحققين بإشراف نور الدين طالب

стр. 16

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَهُوَ حَسْبي الحمد لله الذي رفع قَدْرَ من شاء من عباده السعداء، وأبعدَ من أراد، فجعله من الأشقياء البُعَداء، أَحْمَدُه ولهُ الحمدُ كلُّه في الإنتهاءِ والابتداء، وأشكرُه، وله الشكرُ كلُّه على طول المَدَى، وأشهدُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، شهادةَ عبدٍ حَقَّقَ التوحيدَ واهتدى، وأشهدُ أن محمّداً عبدُه ورسولُه إمامُ الهدى، ومُزيلُ الردى، صلى الله عليه وعلى آلِهِ وأصحابِه، كلَّما ذهبَ أمرٌ وعدى، وسلَّمَ تسليماً. أمّا بعد: فإن الله وله الحمدُ - فَضَّلَ الآدميَّ على سائر المخلوقات، وجعلَه القَصْدَ، وغيره من المخلوقاتِ غالبه لأجله؛ كما في بعض الآثار: ابْنَ آدَمَ! خَلَقْتُكَ مِنْ أَجْلِي، وَخَلَقْتُ المَخْلُوقَاتِ كُلَّهَا مِنْ أَجْلِكَ، فَلاَ تَشْغَلْ نَفْسَكَ بِما خَلَقْتُهُ مِنْ أَجْلِكَ (١).

стр. 17

وركَّب فيه لذلك العَقْلَ؛ ليعرفَ به فضيلَتَه على غيره، فكلما زادَ عقلُهُ، زادَ به فضلُه، وكلَّما نقصَ، نقصَتْ فضيلَتُه بنقصِه، وشابَهَ غيرَهُ من البهائِم. وتُعرف فضيلَتُه وتمامُ عقلِه فيما أقامَهُ ربُّهُ فيه من طاعته، وما مَنَحَه من علمِه، وما أَعطاه مما يرفَعُ به قدرَهُ، فجعلَ الله أرفعَ الخلقِ وأعلاهم، وأَتَمَّهُمْ عقلاً وفَضلاً ونُبلاً في الدارينِ: الأنبياءَ، وجعلهم أصحَّ الناس مزاجاً، وأعظمَهم أخلاقاً، كما قال لنبيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. ثمَّ جعل أفضلَ الخلق وأعلاهم في الدارين: العلماءَ الذين هم وَرَثَةُ الأنبياء، وجعل فيهم صفةً من صفاته؛ فإن العلمَ من صفاتِ الله، فمن منحَه الله شيئًا، فقد منَّ عليه بنعمة عظيمة، وعلى قَدْرِ ما يمنحه من ذلك، يكون فيه من الفضيلة. ومما منح الله به بعضَ عباده: الملكُ والولايةُ على عباده؟ فإنه فضيلة عظيمة لمن عرف قَدْرَها، وأعطاها حقَّها، وتواضعَ مع عباده، ولم يُرِدْ بها عُلُوّاً في الأرض ولا فساداَّ؛ كما قال : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. وقد أحببت أن أضمع كتاباً يحتوي على الخلافة والإمامة والولايات، وما فيها من خير وشر، وكيف انعقادُها وشروطُها، واللهَ أسألُ أن ينفعني

стр. 18

به وجميعَ المسلمين، إنه سميع قريب، وسميته: "كتاب إيضاح طرق السلامة في بيان أحكام الولاية والإمامة" وجعلته عشرة أبواب: الباب الأول: في مُسَمَّيات الحكام والولاة، وما يتعلق بذلك. الباب الثاني: في شروط الولاة والحكام، ومن يصلح للولاية. الباب الثالث: في فضل الولاية وثوابها لمن عدل وبَرَّ. الباب الرابع: في الخوف منها، وإثمْ الجَوْر والظلم. الباب الخامس: فيما يلزم كلَّ واحد منهم فعلُه، وما لا يلزمه، وما يتعلق به. الباب السادس: فيما لكلِّ واحدٍ من الحق والطاعة، ومن يُطاع، ومن لا تجب طاعتُه. الباب السابع: في أئمة جورٍ أخبر عنهم النبيُّ ﷺ ، وما ذُكر من ظهور الجور. الباب الثامن: في حكم أموال المسلمين، وبلادهم، وما يجوز لكلٍّ من الحكام أكلُه وأخذُه من ذلك، وما لا يجوز. الباب التاسع: فيمن تمنى ذلك، ومن كرهَهُ وفرَّ منه. الباب العاشر: في ولاةٍ وملوكٍ، وتواريخهم وولاياتهم.

стр. 19

الباب الأوّل في مسميات الحكام والولاة وما يتعلق بذلك أول مُسَمَّيات كبير الحكام: الملك: وهو أول الأسماء في الجاهلية والإسلام، وهو بفتح الميم وكسر اللام، وبفتح اللام مِنَ الملائكة، وهو من المُلْك -بضم الميم وسكون اللام-، قال الله : ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٦] , وقال الله : ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ١٣٥] , وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]. وجمعُه ملوك، قال الله : ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ [النمل: ١٣٤]. وفي الحديث كثير من ذلك، وهو أصل الباب. واختلف في اشتقاقه، فقيل: من الولاية والغَلَبَة، وقيل: من المِلْك -بكسر الميم وسكون اللام-، وهو مِنْ مَلَك الشيءَ يَمْلِكُه مُلْكاً: إذا استولى عليه، وكان في ملكه.

стр. 20

فصل وأما السلطان، قال الله : ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ﴾ [النحل: ٩٩]. وقال الجوهريُّ: السلطان: الوليّ (١). وقال صاحب "المستوعب" من أئمة أصحابنا: السلطانُ هو الإمامُ (٢). وفي الحديث: "السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ" (٣). وهو مأخوذٌ من السَّلْطَنَة، وهو الملك، وقيل: من القَهْر والغَلَبَة، ومنه قوله : ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠]. فصل وأما الإمام: فهو في الأصل: كل منِ ائْتُمَّ به، أي: اقْتُدِيَ به، ولهذا يُطلق على إمام الصلاة، وإمام الأحكام، مثل: الإمام أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، والإمام أحمد، وغيرِهم من الأئمة، ثم نُقل إلى إمام الأحكام والمظالم.

стр. 21

وقد ورد أحاديثُ كثيرةٌ بمسمَّى ذلك؛ كقوله ﵇: "الإمَامُ جُنَةٌ" (١). وجمعه أَئِمَّة. قال صاحب "المطلع": الإمام: الخليفةُ، ومن جرى مجراه من سلطان (٢). فصل وأما الخليفة: فهو مأخوذٌ من الإستخلاف، وهو جعلُ الرجلِ [رجلاً] مقامه في أمر، ولهذا قيل لأبي بكرٍ: خليفةُ رسولِ الله، ولهذا في الحديث: وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ، فَقَدِ أُسْتَخْلِفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي (٣). وفي حديث عمر: أُوصِي الخليفَةَ مِنْ بَعْدِي (٤). وقال أسامةُ لأبي بكر: يا خليفةَ رسولِ الله (٥).

стр. 22

وهو -أيضاً- عبارةٌ عن الإمام والسلطان. فصل وأما أميرُ المؤمنين: فهو اسمٌ مركَّبٌ من مضافٍ، ومضافٍ إليه. فالأميرُ: من الإمْرَة، والإِمارَة، وهي كبرُ الشيء، ومنه الحديث: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبي كَبْشَةَ (١). والمؤمنين: جمعُ مؤمن، وهو: مَن وُجد فيه الإيمانُ، وهو التصديقُ بالله ورسوله. وأولُ من تسمَّى بهذا الاسم عمرُ بنُ الخطاب ﵁. فصل وأما وَلِيُّ الأمْر: فهو أَعَمُّ من ذلك، فيُطلق على الإمام، وغيره، وهو اسم قد نطق به القرآن بقوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. فهذه الأسماء التي تُطلق على السلطان. فصل لم يطلق اسمُ ملك على أحد من الصحابة، ولا مَنْ بعدَهم، وكذلك مسمَّى السلطان، [و] قد وجد مسمى الإمام.

стр. 23

وأما الخليفة: فأولُ من أُطلق عليه: أبو بكرٍ الصِّدِّيق، ثمَّ عثمان، ثمَّ عليٌّ، ثمَّ كذلك على مَنْ بعدَهم. وأما أمير المؤمنين: فأولُ من تسمى به: عمرُ بن الخطاب، ولم يُسَمَّ به أبو بكر، ثمَّ تسمَّى به عثمان، ثمَّ عليٌّ، ثمَ على كلِّ مَنْ بعدَهم. فصل وأما مسمَّياتُ غير السلطان الكبير؛ من نيابة، ومَنْ تحتَه: فمنهم من له حكمٌ عامٌّ أو خاصٌّ، أو لا حكمَ له. وأعلى مَنْ تحته: القاضي، وهو من قَضَى يَقْضي قَضاءً: إذا أَمَرَ، قال الله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وفي الحديث: "أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ" (١). وقد اختلف العلماء في القاضي، هل هو وكيل الإمام، أو وكيل المسلمين؟ فإن قلنا: هو نائبٌ عن الإمام، فهو من جملة نوابه، ينعزلُ بعزله، ويتولَّى بولايته.

стр. 24

وإن قلنا: إنما هو للمسلمين، فحينئذ الإمامُ ينظر في الابتداء للمسلمين في أصلح مَنْ يجد، فإذا وجد، لم يكن له عزلُه من غير موجبٍ شرعيٍّ يمنع منه. وقد اختلفت الرواية عن أحمد ﵁ في القاضي، هل ينعزل بعزل السلطان مع صلاحيته؟ على روايتين: إحداهما: ينعزل، وعليها العمل. والروايه الثانية: لا ينعزل، وأصلهما ذلك. وقد كان في عصر النبوة من ولاة القضاء؛ كعليٍّ وغيرِه، ثمَّ وقع ذلك في زمن عمر، إلا أنه لم يكن على باب الاختصاص، ثمَّ وقع في ولاية عليٍّ على باب الاختصاص، فولّى شُرَيحاً، وسماه بقاضي المسلمين، وقبِل أحكامَه حتى على نفسه، ثمَّ استمر على ذلك الخلفاءُ بعدَه ثمَّ وقع الاصطلاح: أن الخليفة يولِّي واحداً لا غيرَ في جميع معاملاته، وسَمَّوْه بـ: قاضي القضاة، وهو يولِّي مَنْ تحتَ يده في سائر البلاد. وكان أولَ من فعل بذلك أبو يوسف صاحبُ أبي حنيفة، ثمَّ استمر بعدَه الأمرُ على ذلك، وكان ممن ولي كذلك: القاضي أبو يعلى بن الفَرَّاء من الحنابلة، وغيره من الحنفية والشافعية، ولم يكن يُقصد من مذهب واحد. ثم إنه بعدَ ذلك كان يخصُّ كلُّ بلد بقاضٍ من الإمام، وكان يقع الإجتهادُ في أن يكون أعلمَ من يوجد، وأفضلَه.

стр. 25

ثم جعل في كل بلد أربعة قضاة من المذاهب الأربعة حين وقع الإتفاقُ والإستقرارُ على المذاهب الأربعة، وكان الإمام يجتهد ويتحَرَّى أن يكون أفضلَ من يوجد، وأعلَمَه. وأولُ من تولَّى قضاءَ الحنابلةِ بدمشقَ الإمامُ شمسُ الدين بنُ أبي عمرَ المقدسيُّ الحنبليُّ مُكْرَهاً على ذلك. ثم فسد الناس، فصار يولَّى أفسقُ من يوجد، وأنحس من يوجد بالبراطيلِ ونحوِها. فصل وقد وقع الإصطلاح في الزمن المتأخر: أن قاضيَ كلِّ بلد يقال له: قاضي القضاة، ثم له أعوان من ذلك أنه يسوغ له أن يجعل له نائباً يساعده على الأحكام إذا احتاج إلى ذلك، ويقال لنائبه: أقضى القضاة، كما وقع الاصطلاحُ على ذلك. وهل يُشترط فيه أن يكون من أهل مذهبه؟ فيه خلاف للفقهاء المتأخرين. ومن جملة أعوانه: وكيل الحاكم: وكان يكون لكلِّ حاكمٍ وكيلٌ عنده يجعله وكيلاً فيما يحتاج فيه إلى وكالة؛ من غائب، وميت، وغير ذلك. ومن ذلك: كاتب: فكان يكون للقاضي كاتب. ومن ذلك: مترجم يترجم له، يعرف ألسنةَ الناس. وشاهدان: يقال لهما: شاهدا المجلس؛ لأجل الشهادة على من

стр. 26

وقع منه ما يحتاج إلى شهادة عليه؛ من إقرارٍ أو غيره، وعلى الحاكم بما يحكم به. ونقيب: وهو الذي تُقدَّم له الدعاوى والأوراق. ورسول: يأتي بالخصوم إليه، ويرسله في أمور الناس وأشغالهم. كلُّ ذلك كان لمصالح المسلمين، فانعكس الأمر، وفسدَ التمر، وحمي الجمر، وصار الكلُّ لمضارِّ الناس، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فصل ومن تحته: النائب: وهو في الحقيقة: كلُّ من استنابه في الأحكام من قاضٍ وغيره، في بلده وغير بلده، إلا أنه صار الاصطلاح على مسماه لغير القاضي، وهذا كان يقال له في زمن النبوة والخلفاء: عامل على البلد الفلانية، كما قيل: عامل البصرة، وعامل مصر، ونحو ذلك كثير، ويقال له في الزمن المتأخر: كافل المملكة الفلانية، ويقال له: ملك الأمراء -أيضاً-. فصل ومن جملة أعوانه: الوزير: وهو في الأصل: المساعد على الحكم، وقد نطق به القرآن بقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ [طه: ٢٩]، وقوله: ﴿أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٥]، وفي الحديث كثير، وجمعه وُزَراء. فصل ومن جملة أعوانه: الدوادار: وليس بقديم لا في الإسم، ولا في

стр. 27

الفعل، وإنما هو محدَث في الإسم والفعل، وهو الذي ينوب عن كلٍّ من السلطان والنائب في الحكم، حتى إن في زمننا استعملَ هذه الوظيفةَ كثيرٌ من القضاة يجعلون لهم دواداراً. فصل ومن جملة الأعوان: الإستدار: ثم جعلوه ثلاثة أنواع: الإستدار المطلق الذي يتكلم على البلاد والفلاحين والإقطاع، وغير ذلك. والثاني: إستدار المستأجرات: الذي يكون كلامه على المستأجر، دون الأملاك والإقطاع، ومرجعُ هذه إلى الإستدار المطلق. والثالث: إستدار الصحة الذي يقف على الطعام والأكل، وما يتعلق بذلك. فصل ومن جملة الأعوان: رأس نوبة، ثم جعلوه إلى نوعين: رأس نوبة المماليك: الذي يحكم عليهم، ويمنع منهم فِعْلَ ما لا يصلح. ورأس نوبة القضاء: وهو الذي من تحت يده يكون النقباء الذين يذهبون خلف الناس. فصل ومن جملة الأعوان: الحاجب: وكان في الأصل عبارة عن

стр. 28

البوّاب، ثم إنه نُقل إلى ما هو أعلى من ذلك؛ من حكمٍ، واطِّلاع على أمور الناس، والإعلام بما يخفى على السلطان في بلاده، وغيرها. فصل ومن جملة الأعوان: الخازن دار: ثم جعل نوعين: خازن الغلال، وخازن المال، وسموه: بخازن الكيس. فصل ومن جملة الأعوان: أمير سلاح: وهو الذي يكون السلاحُ من تحت يده. وأما السلحدار: فهو الذي يكون على رأس الملك ونحوه بالسلاح من طبر، أو دبوس، أو سيف، ونحو ذلك. فصل ومن جملة الأعوان: كاتم السر: وهو من يكون من تحت يده الكتابات، والتوقيع، والكَتبَةُ منهم من يقال له: مُوَقِّع، وهو الذي يكتب المراسيم. ومنهم من يقال له: ديوان، وهو الذي يكتب المحاسبات والغلّات، والدَّخْل والخرج، وغير ذلك من المصاريف ونحوها. فصل ومن جملة الأعوان: ناظر الجيش: وهو الذي مرجعُ الجيشِ كلِّه

стр. 29

إليه في الضبط، وما لهم من أرزاقٍ وغيرِها، وما عليهم من الأعمال، وغير ذلك. فصل ومن جملة الأعوان: الساقي: وهو الذي يسقي الملك. وأما الشلار، فهو الذي يصنع الأشربة ويتولاها من المياه وغيرها. فصل ومن جملة الأعوان: الزردكاش: وهو الذي له النظر على جميع أرباب الصنائع التي يحتاجها الملك في السلاح وغيره. فصل ومن جملة الأعوان: الوالي: وهو في هذا الزمان عبارة عن صاحب الشرطة، ورجالُه رجالُ الشرط. فصل من جملة الأعوان: الكاشف: وهو من يتولَّى على بَرٍّ، أو ضِياع، أو نحو ذلك. فصل ومن جملة الأعوان: البَرْدَ دَار: وهو الذي يتقاضى أشغال الأمير. فصل ومن جملة الأعوان: الحوشكاس: وهو الذي يأتي بحوائج العنب من طلح وغيره.

стр. 30

فصل ومن جملة الأعوان: نقيب الجيش: وهو الذي يطلب منه كل من آحاد الحابس. فصل ومن جملة الأعوان: نقيب الطُّلب: وهو الذي يطلب آحاد الطلب، ويرتب أمرهم في حال الإستعداد. فصل ومن جملة الأعوان: المِهمندار: وهو الذي يرجع إليه في إدخال المراسيم وإخراجها. فصل ومن جملة الأعوان: الفرّاش: وهو الذي يفرش للملك، وإليه كل ما كان من ذلك. فصل ومن جملة الأعوان: البابا: وهو الذي إليه غسلُ الثياب، وصقلُها، وإصلاحُ كلِّ ما جاء من ذلك. فصل ومن جملة الأعوان: الخياط: وهو الذي يرجع إليه في أمر الخياطة، وما كان منها.

стр. 31

فصل ومن جملة الأعوان: السلاخوري: وهو الذي يروِّض الخيل، ويعلِّمها الرياضة، ويركبها قبل الملك، ويريضها له، ويركب منها معه ما يحتاج إليه. فصل ومن الأعوان: الركبدار: وهو الذي يركِّب الملك ونحوه، ويكون معه. وأما الغلام، والسائس: فهو الذي يقوم على الدواب في الأكل والشرب والإصلاح، وغير ذلك من أمورها. فصل ومن جملة الأعوان: البيطار: وهو الذي يفعل الدواء، ويعرف عللها، ونحو ذلك منها. فصل ومن جملة الأعوان: البغّال: الذي يقوم بأمر الأبغال التي يُحتاج إليها. ومن جملة الأعوان: السيروان: وهو من يكون نظره على الجِمَال والجَمَّالين.

стр. 32

ومن يخدم الجِمَالَ ويسوسُها يقال له: جَمَّال. فصل ومن جملة الأعوان: البوّاب: وهو من يقف على الباب؛ ليعرف الداخل والخارج، وفي الحديث: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَوَّابٌ (١). وفي حديث البئر: لأكُونَنَّ بَوَّابَ النَّبِيِّ ﷺ (٢). فصل ومن جملة الأعوان: المشاعلي: وهو الذي يتعاطى الضرب والقتل وغير ذلك، وكان يقال له قديماً: الجَلَّاد. فصل ومن جملة الأعوان: المستشار: وهو من الصور القديمة، وكان يختار لذلك أصلح من يوجد. فصل ومن جملة الأعوان: أميرشكار: وهو الذي يكون الصيد من تحت يده.

стр. 33

وصاحب الطيور يقال له: بزدار. وصاحب الكلاب يقال له: كلابزي. فصل ومن جملة الأعوان: الأمراء: وهم كلُّ من تَأَمَّرَ من أجناد العسكر، وصار منهم الكثير مَيمَنة ومَيْسَرة، وثاني ميمنة وثاني ميسرة، وأمير مئة، [و] مقدَّم ألف، وأمير أربعين وعشرين وعشرة، وأجناد الحلقة. فصل ومن جملة الأعوان: المنجنيقي: وهو الذي يضرب بالمنجنيق. والتقطي: وهو الذي يضرب بالنفط. فصل ومن جملة الأعوان: الطَّبالين والزمَّارين. فصل ومن جملة الأعوان: الجَمَدار. فصل ومن جملة الأعوان: الطشتدار: وهو الذي يتعاطى غسلَ الأثواب بعدَ الطعام، ونحوه، والفُوَط، وغير ذلك. فصل ومن جملة الأعوان: الطبّاخ: الذي يطبخ الطعام.

стр. 34

فصل ومن جملة الأعوان: المحتسب: وهو الذي يتولى الحكمَ في الأسواق والسوقة، وإليه أمرُ البيّاعة جميعِهم، وتفقُّدُ أحوالهم. فصل ومن جملة الأعوان: مُقَدَّمي البلاد: وهم بمنزلة الولاة عليهم، ومن يقوم بأمورهم. فصل ومن جملة الأعوان: البريدية: وهم الذين يتسفَّرون في الأشغال. فصل ومن جملة الأعوان: الخاصكية: وهم فوق البريدية، يتسفرون في الأمور المهمة. فصل ومن جملة الأعوان: المؤدِّب: وهو من يُقرئ أولاد الملك ومماليكه. فصل ومن جملة الأعوان: أميرآخور: وهو الذي يقف على عَليق الدواب، ويقوم به. فصل ومن جملة الأعوان: أمير مجلس.

стр. 35

فصل ومن جملة الأعوان: فاظر الخاص: وهو النظر في الأمور المختصة بالملك. فصل ومن جملة الأعوان: وكيل السلطان، ووكيل بيت المال خاصة. فصل ومن جملة الأعوان: المشد: وهو الذي يقف على الأمور، ومشد المطبخ مختص به، ومشد المحابر مختص بها. فصل ومن جملة الأعوان: المباشر: وكلُّ عمل له مباشِر. فصل ومن جملة الأعوان: الضويّ: وهو الذي يحمل المشاعل والضوء مع السلطان. فصل وكل هؤلاء وضعَهم الملوكُ لمصالح المسلمين، ثم إن الزمان انعكس وفسد، وصار كلُّهم ضرورة على الإسلام والمسلمين.

стр. 36

الباب الثّاني في شروط الولاة والحكم، ومَنْ يَصْلُح للولاية وهي تنقسم إلى قسمين: شروط عامة: في كل أحدٍ منهم مشترطة معتبرة لجميعهم، وكل أحد منهم من الخليفة، والسلطان، والقاضي، والنائب، والأمير، وكل أحد منهم، وهي أشياء: الأول منها: العقل، فلا تصح ولايةُ مجنون مطلقاً، وهو مَنْ لا عقلَ له؛ لأن الحكم، والقيامَ بالأمور يحتاج إلى عقل، والعاقلُ هو من عرفَ خالقَه ونفسَه، وميَّز بين المخلوقات، فعرف السماء من الأرض، والبغلَ من الحمار، والرجلَ من المرأة، وعرف ما يضرُّ وما ينفع، والممكنَ والممتنعَ والضروري، ومن لم يعرف ذلك، فهو مجنون لا يجري عليه حكمُ التكليف، ولا تجوز ولايته، وإن عرف البعضَ دونَ بعض، فناقصٌ، ولا تجوز ولايته، وإن كان في وقت دون وقت، أو يُصْرَع في بعض الأحيان، فاختلف في جواز ولايته، والمختار الذي [عليه] الأكثر: لا تجوز ولايته.

стр. 37

الثاشي: الإسلام: إن كانت الولاية على مسلمين، أو على مَنْ فيهم من المسلمين؛ لقول الله : ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، وقوله ﵇: "الإسْلاَمُ يَعْلُو، ولا يُعْلَى" (١)، ولأمره ﵇ بالسمع والطاعة، "إلا أن تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً، عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فيهِ بُرْهانٌ" (٢)، وهو مشترَط في كل والٍ. فأما إن كان بلدَ كفار لا مسلمَ فيه، فهل يجوز أن يولّى عليهم كافرٌ، أو يجعل عريفاً عليهم؟ هذا أمر مختلف فيه. الثالث: الذكورية، وهو أمر مشترَطٌ في السلطان والقاضي، وكلِّ أحدٍ من الولاة؛ لقول النبي ﷺ : "لا يُفْلِحُ قُوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً" (٣)، والمرأة ناقصة عقل ودين، كما أخبر النبي ﷺ (٤).

стр. 38

الرابع: البلوغ؛ لأن الصغير لا يقوم به أمر، وهو مشترَطٌ في السلطان والقاضي، وكلِّ أحدٍ من الولاة، لأن الصغير لا يقدر على القتال، وعقلُه ناقص، وليس بمكلَّف، وقد ورد عن النبي ﷺ : أنه عُرِضَ عليه [عبدُ الله بنُ عمرَ] ليكون من جملة العسكر والجيش، فلم يُجِزْه (١)، وقد تَعَوَّذَ من إِمْرَة الصبيان (٢)، وذلك يدلُّ على عدم جوازها، وسواء كان مُميِّزاً، أو دون التمييز، وسواء كان مراهقاً، أو دون ذلك؛ لهذا الحديث. فأما مَنْ هو دونَ التمييز، فلا خلاف فيه، وأما المميز والمراهق، فاختلف فيه، وجمهور أهل العلم على المنع، وأنه لا تصحُّ له ولاية. الشرط الخامس: الحرية في الإمام والقاضي، وقد اختلف فيها: فقال جمهور أهل العلم إنها شرط، لأن العبد على يده يدٌ، وربما احتاج إلى سفر ونحوه، فمنعه سيدُه، وهو مشتغل بخدمة سيدِه وحقوقه، فلا يقدر على التفرغ لأمور المسلمين وأحكامهم.

стр. 39

وعند الحنفية: لا تشترط الحرية، واحتجوا لذلك بالحديث: "وَإِنْ تأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ" (١)، وفي حديث: "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَلَوْ لِعَبْدٍ حَبَشِيٍّ" (٢). والجوابُ عن ذلك: أنه جعله من باب المبالغة. الشرط السادس: أن يكون بصيراً، فلا تجوز ولايةُ أعمى عند جمهور أهل العلم، لأن الحاكم يحتاج إلى النظر في جميع أموره، فإن طرأ عليه العمى بعد ولايته، هل ينعزل بذلك؟ ذكر القاضي أبو يعلى من أئمة أصحابنا: أنه ينعزل بذلك. قال في "الأحكام السلطانية": فأما ذهابُ البصر، فيمنعُ من عقدها واستدامَتِها، لأنه يُبطل القضاء، ويمنع من جواز الشهادة، فأولى أن يمنع من صحة الإمامة (٣). الشرط السابع: السمع، فلا تصح ولاية الأطرش الذي لا يسمع

стр. 40

شيئا عند جمهور العلماء؛ لأنه يحتاج إلى السمع والبصر؛ ليسمع كلام الخصوم، وغيرها. الشرط الثامن: الكلام، فلا تصح ولاية أخرسَ لا ينطِق. الشرط التاسع: المشي، فلا تصح ولاية مَنْ لا يقدر على المشي عند جمهور العلماء، سواء كان ذلك لزَمَانة، أو ذهابهما. الشرط العاشر: وجود اليدين، فلا تصح ولاية مَنْ لا يدينِ له، سواء كان ذلك خِلقةً، أو بقطعٍ عند جمهور العلماء. فروع تتعلق بذلك: الأول: قال القاضي أبو يعلى في "الأحكام السلطانية": إذا كان الحادث على بدنه زوال العقل، نظرت فيه، فإن كان عارضاً مرجُوّاً زوالُه؛ كالإغماء، فهذا لا يمنع عقدَها، ولا استدامَتَها؛ لأنه مرض قليل اللُّبث، ولأن النبي ﷺ أُغمي عليه في مرضه. وإن كان لازماً لا يُرجى زوالُه؛ كالجنون والخَبَل، فينظر: فإن كان مُطْبقاً لا تتخلَّلُه إفاقةٌ، فهذا يمنع الإبتداء والإستدامة، وإذا طرأ عليها، أَبطلها؛ لأنه يمنع المقصودَ الذي هو إقامةُ الحدود، واستيفاءُ الحقوق، وحمايةُ المسلمين، وإن كان تتخلَّلُه إفاقةٌ يعود فيها إلى حال السلامة، نظرت، فإن كان أكثر زمانه الخَبَل، فهو كما لو كان مُطْبِقاً، وإن كان أكثر زمانه الإفاقة، فقد قيل: يمنع من عقدها، وهل يمنع من استدامتها؟ فقيل: يمنع من استدامتها، كما يمنع من ابتدائها؛ لأن في ذلك إخلالاً بالنظر المستحقِّ فيه، وقد قيل: لا يمنع من استدامتها، وإن منع من عقدها؛
следующие страницы →