الباب الثّاني
في شروط الولاة والحكم، ومَنْ يَصْلُح للولاية
وهي تنقسم إلى قسمين:
شروط عامة: في كل أحدٍ منهم مشترطة معتبرة لجميعهم، وكل أحد منهم من الخليفة، والسلطان، والقاضي، والنائب، والأمير، وكل أحد منهم، وهي أشياء:
الأول منها: العقل، فلا تصح ولايةُ مجنون مطلقاً، وهو مَنْ لا عقلَ له؛ لأن الحكم، والقيامَ بالأمور يحتاج إلى عقل، والعاقلُ هو من عرفَ خالقَه ونفسَه، وميَّز بين المخلوقات، فعرف السماء من الأرض، والبغلَ من الحمار، والرجلَ من المرأة، وعرف ما يضرُّ وما ينفع، والممكنَ والممتنعَ والضروري، ومن لم يعرف ذلك، فهو مجنون لا يجري عليه حكمُ التكليف، ولا تجوز ولايته، وإن عرف البعضَ دونَ بعض، فناقصٌ، ولا تجوز ولايته، وإن كان في وقت دون وقت، أو يُصْرَع في بعض الأحيان، فاختلف في جواز ولايته، والمختار الذي [عليه] الأكثر: لا تجوز ولايته.
стр. 37
الثاشي: الإسلام: إن كانت الولاية على مسلمين، أو على مَنْ فيهم من المسلمين؛ لقول الله : ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، وقوله ﵇: "الإسْلاَمُ يَعْلُو، ولا يُعْلَى" (١)، ولأمره ﵇ بالسمع والطاعة، "إلا أن تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً، عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فيهِ بُرْهانٌ" (٢)، وهو مشترَط في كل والٍ.
فأما إن كان بلدَ كفار لا مسلمَ فيه، فهل يجوز أن يولّى عليهم كافرٌ، أو يجعل عريفاً عليهم؟ هذا أمر مختلف فيه.
الثالث: الذكورية، وهو أمر مشترَطٌ في السلطان والقاضي، وكلِّ أحدٍ من الولاة؛ لقول النبي ﷺ : "لا يُفْلِحُ قُوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً" (٣)، والمرأة ناقصة عقل ودين، كما أخبر النبي ﷺ (٤).
стр. 38
الرابع: البلوغ؛ لأن الصغير لا يقوم به أمر، وهو مشترَطٌ في السلطان والقاضي، وكلِّ أحدٍ من الولاة، لأن الصغير لا يقدر على القتال، وعقلُه ناقص، وليس بمكلَّف، وقد ورد عن النبي ﷺ : أنه عُرِضَ عليه [عبدُ الله بنُ عمرَ] ليكون من جملة العسكر والجيش، فلم يُجِزْه (١)، وقد تَعَوَّذَ من إِمْرَة الصبيان (٢)، وذلك يدلُّ على عدم جوازها، وسواء كان مُميِّزاً، أو دون التمييز، وسواء كان مراهقاً، أو دون ذلك؛ لهذا الحديث.
فأما مَنْ هو دونَ التمييز، فلا خلاف فيه، وأما المميز والمراهق، فاختلف فيه، وجمهور أهل العلم على المنع، وأنه لا تصحُّ له ولاية.
الشرط الخامس: الحرية في الإمام والقاضي، وقد اختلف فيها:
فقال جمهور أهل العلم إنها شرط، لأن العبد على يده يدٌ، وربما احتاج إلى سفر ونحوه، فمنعه سيدُه، وهو مشتغل بخدمة سيدِه وحقوقه، فلا يقدر على التفرغ لأمور المسلمين وأحكامهم.
стр. 39
وعند الحنفية: لا تشترط الحرية، واحتجوا لذلك بالحديث: "وَإِنْ تأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ" (١)، وفي حديث: "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَلَوْ لِعَبْدٍ حَبَشِيٍّ" (٢).
والجوابُ عن ذلك: أنه جعله من باب المبالغة.
الشرط السادس: أن يكون بصيراً، فلا تجوز ولايةُ أعمى عند جمهور أهل العلم، لأن الحاكم يحتاج إلى النظر في جميع أموره، فإن طرأ عليه العمى بعد ولايته، هل ينعزل بذلك؟
ذكر القاضي أبو يعلى من أئمة أصحابنا: أنه ينعزل بذلك.
قال في "الأحكام السلطانية": فأما ذهابُ البصر، فيمنعُ من عقدها واستدامَتِها، لأنه يُبطل القضاء، ويمنع من جواز الشهادة، فأولى أن يمنع من صحة الإمامة (٣).
الشرط السابع: السمع، فلا تصح ولاية الأطرش الذي لا يسمع
стр. 40
شيئا عند جمهور العلماء؛ لأنه يحتاج إلى السمع والبصر؛ ليسمع كلام الخصوم، وغيرها.
الشرط الثامن: الكلام، فلا تصح ولاية أخرسَ لا ينطِق.
الشرط التاسع: المشي، فلا تصح ولاية مَنْ لا يقدر على المشي عند جمهور العلماء، سواء كان ذلك لزَمَانة، أو ذهابهما.
الشرط العاشر: وجود اليدين، فلا تصح ولاية مَنْ لا يدينِ له، سواء كان ذلك خِلقةً، أو بقطعٍ عند جمهور العلماء.
فروع تتعلق بذلك:
الأول: قال القاضي أبو يعلى في "الأحكام السلطانية":
إذا كان الحادث على بدنه زوال العقل، نظرت فيه، فإن كان عارضاً مرجُوّاً زوالُه؛ كالإغماء، فهذا لا يمنع عقدَها، ولا استدامَتَها؛ لأنه مرض قليل اللُّبث، ولأن النبي ﷺ أُغمي عليه في مرضه. وإن كان لازماً لا يُرجى زوالُه؛ كالجنون والخَبَل، فينظر: فإن كان مُطْبقاً لا تتخلَّلُه إفاقةٌ، فهذا يمنع الإبتداء والإستدامة، وإذا طرأ عليها، أَبطلها؛ لأنه يمنع المقصودَ الذي هو إقامةُ الحدود، واستيفاءُ الحقوق، وحمايةُ المسلمين، وإن كان تتخلَّلُه إفاقةٌ يعود فيها إلى حال السلامة، نظرت، فإن كان أكثر زمانه الخَبَل، فهو كما لو كان مُطْبِقاً، وإن كان أكثر زمانه الإفاقة، فقد قيل: يمنع من عقدها، وهل يمنع من استدامتها؟ فقيل: يمنع من استدامتها، كما يمنع من ابتدائها؛ لأن في ذلك إخلالاً بالنظر المستحقِّ فيه، وقد قيل: لا يمنع من استدامتها، وإن منع من عقدها؛
стр. 41
لأنه يراعى في ابتداء عقدها سلامةٌ كاملة، وفي الخروج منها نقصٌ كامل (١).
الثاني: لا فرق في ذلك بين القاضي والإمام.
وفي "الفروع": ما منع تولية القضاء، منع دوامها، فينعزل به.
وقال أيضاً: إن أفاق مَنْ جُنَّ، أو أُغمي عليه، وقلنا: ينعزل بالإغماء، فولايته باقية.
وفي "الترغيب": إن جُنَّ، ثم أفاق: احتمل وجهين.
وفي "المعتمد" للقاضي: إن طرأ جنون: فقيل: إن لم يكن مُطْبِقاً، لم يعزل، كالإغماء، وإن أطبق به، وجبَ عزلُه.
واختلفت الشافعية، فقيل: مدة سنة لتكميل إنجاز العبادات، وقيل: شهر؛ لإنجاز رمضان مع الصلاة، وقيل: يوماً وليلة، لإنجاز الصلاة، قال: والأشبه بقولنا: الشهرُ؛ لأن أحمدَ أجازَ شهادة مَنْ يُفيق، وفي رواية: من يُخْنَقُ في الأحيان، وقال: في الشهر مرة.
قال صاحب "الفروع": كذا قال (٢).
الثالث: قال القاضي في "الأحكام السلطانية": وأما عَشَى العين، وهو أن لا يبصر عند دخول الليل، فلا يمنع من عقدها، ولا استدامتها؛ لأنه مرض في زمان الدّعَة يرجى زوالُه (٣).
стр. 42
وظاهر كلامه: أنه إذا كان في زمان النهار: أنه يُمنع، للحاجة إلى ذلك لأجل القتال والأحكام بالنهار، فلو كان يبصر ليلاً، ولا يبصر نهاراً، لم تجز ولايته.
وفي "الفروع": ما منعَ توليةَ القضاء، منعَ دوامَها، فينعزل به (١).
وفي "المحرر": فَقْدُ سمعٍ أو بصرٍ بعد الثبوت عنده: له الحكمُ فيه (٢)، وقاله في "الإنتصار" في فقد بصر، وظاهر هذا لا ينعزل به.
وفي "الرعاية الكبرى": إن زال عقله، بجنون، أو سكرٍ محرَّمٍ، أو إغماءٍ، أو عَمًى، انعزل (٣).
قلت: الإغماءُ لا ينعزل به عند جمهور العلماء.
الرابع: قال القاضي في "الأحكام السلطانية": وأما ضعفُ البصر: فإن كان يعرف به الأشخاصَ إذا رآها، لم يمنع الإمامة، وإن كان يدرك الأشخاص، ولا يعرفها، منعَ من عقدِها واستدامتِها (٤).
الخامس: قال القاضي في "الأحكام السلطانية": فإن كان أَخْشَمَ الأنف، لا يُدرك به شمَّ الروائح، أو فقد الذوق الذي لا يفرق به بين
стр. 43
الطعوم، لم يؤثر ذلك في عقد الإمامة؛ لأنهما يؤثران في اللذة دون الرأي والعمل (١).
السادسى: قال صاحب "الفروع": لا يمنع ذهابُ عينٍ ولايةَ الإمامة الكبرى، ذكره أصحابنا (٢)، وهو ظاهر كلام القاضي وغيره.
السابع: قال القاضي في "الأحكام السلطانية": وأما الصَّمَمُ والخَرَسُ، فيمنعان ابتداء عقد الإمامة، لأنهما يؤثران في التدبير والعمل، كما يؤثر العمى، وأما في الإستدامة: فقد قيل: لا يخرج بهما من الإمامة؛ لقيام الإشارةِ مقامهما فراعينا في ابتدائها سلامةَ كلامه، وفي الخروج نقصاً كاملاً (٣).
الثامن: قال القاضي في "الأحكام السلطانية": وأما تَمْتَمَةُ اللسان، وثِقَلُ السمع مع إدراك الصوت إذا علا، فلا يمنع الابتداء ولا الإستدامة؛ لأن نبي الله موسى لم تمنعه عقدةُ لسانه من النبوة، فأولى أن لا يمنع الإمامة (٤).
التاسع: قال القاضي في "الأحكام السلطانية": فإن كان مقطوعَ الذَّكَر والأُنثيينِ: لم يمنع الإمامة، لا في ابتدائها، ولا من استدامتها؛ لأن فقدَ ذلك يؤثر في التناسل دون الرأي والحركة، فجرى مجرى العُنَّة، وقد وصف الله تعالى يحيى بن زكريا بذلك، وأثنى عليه، فقال:
стр. 44
﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وقد روي عن ابن عباس: أنه لم يكن له ذَكَرٌ يغشى به النساء، وكان كالنواة (١). فلمَّا لم يمنع ذلكَ من النبوة، أولى أن لا يمنع من الإمامة (٢).
العاشر: قال القاضي في "الأحكام السلطانية": ولا يمنع قطعُ الأُذنين، لأنهما لا يؤثران في رأي ولا عمل، ولهما ستر خفي، يمكن أن يستر فلا يظهر (٣).
الحادي عشر: قال القاضي في "الأحكام السلطانية": وأما ذهابُ اليدين الذي يمنع العمل، وذهابُ الرجلين الذي يُذهب البطش، فيمنع من ابتداء عقدِها واستدامتها؛ لعجزه عما يلزمه من حقوق الأمة في عمل أو نهضة (٤).
стр. 45
الثاني عشر: قال القاضي: وأما ذهابُ إحدى اليدين أو إحدى الرجلين، فلا يصح معه عقدُ الإمامة؛ لعجزه عن كمالِ التصرُّف، ولا يخرج به من الإمامة إذا طرأ عليه؛ لأن المعتبر في عقدها كمالُ السلامة، وفي الخروج النقصُ (١).
الثالث عشر: قال القاضي: فإن كان أجدَعَ الأنفِ، أو سمل إحدى العينين، لم يؤثر في ابتداء العقد، ولا في استدامته؛ لأنه غيرُ مؤثر في الحقوق، وقد قيل: يمنع من عقدِها دون الإستدامة؛ لأنه نقصٌ يُزدرى، فتقلّ به الهيبةُ، وبقلّةِ الهيبة تقلّ الطاعة (٢).
الرابع عشر: الزَّمِنُ الذي لا يقدر على القيام، ولا المشي، ولا الركوب: يمنع من ابتداء عقدها، وهل يؤثر في الإستدامة؟
فقيل: يؤثر، وقيل: لا؛ لأنه يعتبر لابتدائها كمالٌ تامّ، وللخروج منها نقصٌ تام.
الخامس عشر: وأما الجُذامُ، فهل يُمنع منها؟ ظاهرُ كلام جماعة: يمنع؛ لأنه يعتبر لها كمالٌ تامّ، وهذه علة يُقذر صاحبُها ويُزدرى، ويُردّ بها في باب البيع والنكاح، وهي علة لا يُرجى زوالُها، فلايصح ابتداء عقدِها معها، وظاهرُ كلامِ بعضهم: لا يمنع، فهان حدثت بعدَ عقدها، فهل يؤثر في الإستدامة؛ ظاهرُ كلامِ بعضهم: لا، وظاهر كلام بعضهم: بلى.
стр. 46
السادس عشر: البَرَصُ هل يؤثر فيها لابتدائها، أو استدامتها؟
ظاهرُ كلام القاضي وجماعة: أنه يمنع من ابتداء عقدها؛ لقولهم: يعتبر له سلامةٌ كاملة، ومع ذلك لا تكون سلامة كاملة.
وظاهر كلام بعضهم: لا يؤثر ذلك؛ لأن هذا أمر لا يؤثر إلا في الزينة، ووجدت علامات كثيرة لمن هي به في الجاهلية والإسلام.
السابع عشر: هل يمنعها كونُه خنثى مشكل؟
ظاهر كلام أكثر أصحابنا: يمنع ذلك؛ لاشتراطهم الذكورية، فلا تجوز ولاية غير ذكر.
الثامن عشر: فإن كان به علة لا يمكن بَرْؤها؛ مثل: الفالج، والعرج، والكَتعَ، أو به لَقْوَة، ونحو ذلك، فهل يمنع منها؟ ظاهر كلام جماعة من أصحابنا: لا يمنع ذلك منها، وظاهرُ كلام القاضي وغيره: يمنع؛ لاعتبار كمال السلامة.
التاسع عشر: ظاهرُ كلام أصحابنا: لا تضرُّ عُموشة عينيه، وسيلانُ لعابه من فمه، وكثرةُ نسيانه، ونحو ذلك، لا في الابتداء، ولا في الإستدامة.
وظاهر قول من يقول: يعتبر لابتدائها سلامةٌ كاملة = يلي.
العشرون: ظاهر كلام أصحابنا: أن نحافة البدن، وضعف الخِلقة في النفس لا تؤثر في ذلك.
стр. 47
فصل
قد تقدمت الشروط العشرة المعتبرة في كل مُوَلًّى من خليفة، وسلطان، وقاضٍ، ونائب، ويعتبر في الإمام شروطٌ أخرُ يختص بها:
الأول منها: أن يكون من قريش.
قال القاضي: يعتبر أن يكون قرشياً من الصميم، وهم من كان من ولد قريش يريد ابن النضر.
قال الإمام أحمد -في رواية مُهَنَّا-: لا يكون من غير قريش خليفة (١).
وقال ابن عقيل: يعتبر ذلك في الإمام. وأما عمل الناس على بني العباس، فليس له أصل يعتمد عليه، وقول الناس: إنه ﵇ قال له: "الخلافَةُ فيكَ وفي وَلَدِكَ إلى يَوْمِ القيامَةِ" (٢)، فهو كذب لا عمل
стр. 48
عليه، ولو صحَّ ذلك عن النبي ﷺ ، لم يكن لأبي بكر أن يتقدم على العباس مع وجوده، وقد قال له علي -وراودوه على أن يدخلا إلى النبي ﷺ ، فيسألاه: إن كانت الخلافة فيهم، علموا ذلك، وإن كانت في غيرهم، أوصى بهم-، فقال: لا والله، وأبى، وقال: إن منعناها، لم يعطِناها الناسُ أبداً (١). وكيف يقع هذا، وقد قال له: "إنها فيه وفي ولده"؟ والله! لو وقع ذلك، لم يستحل أبو بكر أخذَها، ولا عمرُ بعدَه؛ فإنه كان في زمن عمر، وقال عمر في أيامه: كنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا (٢)، وكان يتوسَّل به في زمنه، فلو قال له النبي ﷺ : إن الخلافة فيه، لم يَسَعْه السكوت، ولم يسعْ أبا بكرٍ وعمرَ التقدمُ عليه، ولا وسعَ الصحابةَ السكوتُ عن ذلك، ثم بعدها وليَ عثمان، ثم علي، ولم تقع للعباس ولاية، ثم وليَ جماعة من الأئمة من الصحابة وغيرهم، وليس هم من أولاده.
стр. 49
ولو كان ﵇ قال ذلك، لما وَسِعَ من بقي من أصحاب النبي ﷺ السكوتُ عن مثل ذلك، ثم وليها عمرُ بن عبد العزيز، مع عدله وخيره وديانته، والإجماع على أنه من العادلين، وليس هو من ولده، ولو علمَ أن النبي ﷺ قال ذلك، لم يدخل فيها، ولتركها.
وإنما حدث هذا الكذبُ على الرسول في خلافة بني العباس حين أخذوها، وصارت إليهم، ولم نر القولَ باشتراط كونه من بني العباس عن أحد من العلماء المعتبرين، ولو اشترط ذلك أحد، وأنه خير، لكان أصحاب النبي ﷺ أحقَّ باتباعه، فلم يتولّ العباسُ في زمن أصحاب النبي ﷺ ، ولا أحد من أولاده، ثم كذلك لم يتولّ أحدٌ من أولاده في زمن تابعي التابعين، وكانوا أحرصَ على القول بالخبر واتباعِه من غيرهم، ولم يَرِدْ ذلك عن أحد منهم، بل الذي صحّ عن النبي ﷺ ، وعن أصحابه، ومَنْ بعدهم: أن يكون قرشياً، فقد أخبرنا الجماعة، أنا ابن الزَّعْبوب، أنا الحَجَّار، أنا ابن الزَّبيدي، أنا السِّجْزِي، أنا الداودي: أنا السَّرَخْسي، أنا الفِرَبْري، أنا البخاري، ثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، قال: كان محمّدُ بنُ جُبيرِ بنِ مُطْعِمٍ يحدِّثُ أنه بلغ معاويةَ، وهو عنده في وفدٍ من قريش: أنَّ عبدَ الله بنَ عمرٍو يحدِّث: أنه سيكون ملكٌ من قحطان، فغضب، فقامَ، فأثنى على الله بما هو أهلُه، ثم قال:
أمّا بعد: فإنه بلغني أن رجالاً منكم يحدِّثونَ أحاديثَ ليست في كتاب الله، ولا تُوثَرُ عن رسول الله ﷺ ، أولئك جُهَّالُكُم، فإيَّاكُم والأمانِيَّ التي تُضلُّ أهلَها؛ فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ هَذَا
стр. 50
الأمْرَ في قُرَيْشٍ، لا يُعادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللهُ عَلَى وَجْهِهِ في النَّارِ، مَا أَقَامُوا الدِّينَ" (١).
تابعه نعيم، عن ابن المبارك، عن مَعْمَر، عن الزهريِّ، عن محمّدِ بنِ جبير (٢).
قال: ثنا أحمدُ بنُ يونسَ، ثنا عاصمُ بنُ محمّدٍ: سمعت أبي يقول: قالَ ابنُ عمرَ: قال رسول الله ﷺ : "لاَ يَزَالُ هَذَا الأمْرُ في قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثنانِ" (٣).
أخبرنا أبو العباس الفُولاذيُّ وغيرُه، أنا ابن بردس، أنا ابن الخباز، أنا الإربليُّ، أنا أبو عبد الله الفُراويُّ، أنا أبو الحسين الفارسيُّ، أنا أبو أحمدَ الجُلوديُّ: أنا أبو إسحاقَ الزاهدُ، أنا مسلمُ بنُ الحَجَّاج، ثنا أحمدُ بنُ يونسَ، ثنا عاصمُ بنُ محمّدٍ، عن أبيه، قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ : "لا يَزَالُ هَذَا الأمرُ في قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثنانِ" (٤).
أخبرنا أبو حفص السليميُّ، أنا ابنُ الزَّعْبوب، أنا الحَجَّارُ، أنا ابنُ الزَّبيديِّ: أنا السِّجْزِيُّ، أنا الدَّاوديُّ، أنا السَّرَخْسيُّ، أنا الفِرَبْريُّ، أنا البخاريُّ، ثنا محمّدُ بنُ المثنى، ثنا غُنْدَرُ، ثنا شعبةَ، عن
стр. 51
عبد الملك، قال: سمعتُ جابرَ بنَ سَمُرَةَ قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "يَكُونُ اثنُا (١) عَشَرَ أَمِيراً"، فقال كلمةً لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال: "كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ" (٢).
وبه إلى البخاري، ثثا عبد العزيز بنُ عبد الله، ثنا إبراهيمُ بنُ سعد، عن صالحٍ، عنِ ابنِ شهابٍ، عن عُبيد الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتبةَ بنِ مسعودٍ، عن ابنِ عباسِ، عن عمر: أنه قال: كانَ من خبرنا حين تَوَفَى اللهُ نبيَّهُ ﷺ : أَنَ الأَنصارَ خالفونا، واجتمعوا بأَسْرِهم في سقيفةِ بني ساعدةَ، وخالفَ عنّا عليّ، والزُّبيرُ، ومَنْ معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر: فقلتُ لأبي بكر: يا أبا بكر! انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلَقْنا نُريدُهم، فلما دَنَوْنا منهم، لَقِيَنا منهم رجلانِ صالحانِ، فذكرا ما تمالَّا عليه القومُ، فقالا: أينَ تريدون يا معشرَ المهاجرين؟ فقالوا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تَقْربوهم، اقْضُوا أمرَكم، فقلتُ: والله! لنأتينَّهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سَقيفة بني ساعدةَ، فإذا رجلٌ مُزَّمِّلٌ بين ظَهْرَانَيْهِم، فقلت: مَنْ هذا؟ قالوا: هذا سعدُ بنُ عبادةَ، فقلتُ: ماله؟ قالوا: يُوعَكُ، فلما جلسنا قليلاً، تشهَّد خطيبُهم، فأثنى على الله بما هو أهلُه، ثم قال:
أما بعدُ: فنحن أنصارُ الله، وكتيبةُ الإسلام، وأنتم -معاشرَ
стр. 52
المهاجرين- رهطٌ، وقد دَفَّتْ دافَّةٌ من قومِكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلِنا، وأن يحضنونا من الأمر.
فلما سكتَ، أردتُ أن أتكلَّم، وكنت زَوَّرْتُ مقالة أعجبتْني أريدُ أن أقدِّمها بين يَدَيْ أبي بكر، وكنت أُداري منه بعضَ الحَدِّ، فلما أردتُ أن أتكلَّم، قال أبو بكر: على رِسْلِك، فكرهتُ أن أُغضبه، فتكلم أبو بكر -وكان هو أحلَم مني وأوقَرَ- والله! ما تركَ من كلمةٍ أعجبتْني في تزويري إلا قالَ في بديهته مثلَها، أو أفضلَ منها، حتى سكت، فقال؛ ما ذكرتُم فيكم من خير، فأنتم له أهلٌ، ولن يُعرف هذا الأمرُ إلا لهذا الحيِّ من قريش، هم أوسطُ العرب نسباً وداراً، وقد رضيتُ لكم أحدَ هذين الرجلين، فبايِعوا أَيَّهما شئتُم، فأخذ بيدي، وبيد أبي عبيدةَ بنِ الجراحِ، وهو جالسٌ بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان -والله- أن أقدَّمَ فتُضربَ عنقي، لا يُقرِّبُني ذلك من إثم، أحبَّ إليَّ من أن أتأَمَّر على قوم فيهم أبو بكر، اللهمَّ إلا أن تُسَوِّلَ لي نفسي عند الموت شيئاً لا أجدُه الآن.
فقال قائل من الأنصار: أنا جُذَيْلُها المُحَكَّكُ، وعُذَيْقُها المُرَجَّب، مِنَّا أمير، ومنكم أمير يا معشر قريش.
فكثر اللَّغَطُ، وارتفعت الأصوات، حتى فَرِقْتُ من الإختلاف، فقلت: ابسطْ يدَك يا أبا بكر، فبسطَ يدَه، فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعتْه الأنصار" (١).
стр. 53
فكيف يقول عاقل -مع هذا الحال- من جميع أصحاب النبي ﷺ من المهاجرين والأنصار: إنهم علموا ذلك من النبي ﷺ ، وكتموه، ولم يذكره أحد منهم، ولا احتج به لا العباسُ، ولا أحدٌ من أولاده، ولا من بعدهم؟!!
هذا لا يقوله عاقل، بل ذلك فيه وقوعٌ في إثمٍ كبير؛ حيث اتهم جميع أصحاب النبي ﷺ ، بل ومن جملتهم صاحبُ المصلحة العباسُ على كتمانِ ما قاله الرسول، وعَمِلَ على خلافه؟!
وإنما وقع اتفاقهم على أنه لقريش، ولهذا قدم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليّ، ثم معاوية، وليس ثَمَّ منهم من هو العباس، ولا من ولده، فعلم بطلانُ ذلك، وأنه ﵇ لم يقله، ولم يتكلم به، بل قال: إن ذلك في قريش، في أحاديث كثيرة، منها ما هو في "الصحيحين"، ومنها ما هو في غيرهما (١).
ويُشترط -مع ذلك- أن يكون أفضلَ قرشيٍّ يوجد، إما مع الاتفاق على فضله، أو اتفاقِ غالبِ الناس على ذلك؛ كما وقع الاتفاقُ على أفضلية أبي بكر، ثم على عمر، ثم على عثمان، وقد وقع فيه تردُّد كثير ومحاورة، ولهذا قال عبدُ الرحمن لعلي: والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أتجعلونه
стр. 54
إليَّ؟ والله عليّ أن لا آلو عن أفضلكم، وقال لعلي: إني لم أر أصحاب النبي ﷺ يعدلون بعثمان أحداً، فلا تجعل على نفسك لأحد (١).
وهذا يدل على أنه لابد أن يكون أفضلَ موجود من قريش يقعُ الإجتهادُ عليه في الأفضلية، سواءٌ كان من وَلَدِ العباس، أو غيرِهم، كما وقع الإتفاق على أفضلية أبي بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان.
وأما عليٌّ ﵁، فلم يقع الإتفاقُ عليه، بل وقع اختلافٌ بينه وبين معاوية، ثم بعدَ قتلِه استقرَّ الأمرُ لمعاويةَ، فلا بدَّ للخليفة من المبايعة من أهل الحَلِّ والعَقْد في كلِّ بلد، وأما ما يُفعل في زمننا، فهو أمرٌ ليس فيه معرفة ولا تحقيق من كونه من ولدِ العباس، فهذا أمرٌ قد بينّا فسادَه، وعدمَ الاجتهاد في كونه أفضلَ، وهذا غيرُ جيد، وأن الذي يوليه السلطانُ الذي هو نائبُه، وهذا أمر فاسد، بل المبايعة إنما تكون للخليفة الذي هو الأصلُ الذي يولِّي السلطانَ، فلا بد أن يتفق عليه أهلُ الحل والعقد في كلِّ بلد، ويبايعون له، لا في نائبه الذي هو السلطان؛ فإن السلطان نائب الخليفة اليوم، فتعتبر المبايعة للخليفة، لا للسلطان، والسلطانُ لا تعتبر له مبايعة، بل يوليه الخليفةُ، ولا يصح توليةُ الخليفة من السلطان؛ لأنه يلزم من ذلك الدَّوْرِ، ويصير كلُّ واحد منهما نائبَ الآخر، وفرعاً عنه، وهذا من أفسد ما يكون.
стр. 55
فالعمل الصحيحُ: أن تقع المبايعةُ للخليفة -الذي هو الإمام الأعظم- من أهل الحل والعقد؛ من العلماء، والأكابر، والأعيان في كل بلد، مع الاجتهاد في جمعه شروطَ الإمامة في نفسه كلَّها، فإذا صار خليفةً بذلك، فبعدَ ذلك يولِّي هو السلطانَ الذي يقوم بسياسةِ الناس، والذَّبِّ عنهم، وَردِّ الأعداء عنهم، وأخذِ الناس بجميع أحكام السياسة، وعليه أن يجتهد في أصلحِ مَنْ يجده لذلك، ومَنْ ولّاه، تولّى، ومن عزله، ينعزل، وعليه أن يَسمعَ ويُطيعَ، وعلى كل أحد أن يسمعَ لذلك ويطيع، دمّ إن جعلَ له الأمورَ عامةً، قام مقامَه فيها، وإن لم يجعلها له عامة، فليس له أن يتعدَّى ما جعله إليه، وهذا التحقيق في هذا الباب.
الشرط الثاني: العدالة: فيعتبر في الخليفة أن يكون عدلاً.
والعدل: من كان على الإستقامة؛ باتباع الأمر والنهي؛ بفعل الواجبات، وترك المحرَّمات، بأن لا يفعلَ كبيرةً، ولا يُصِرَّ على صغيرة، ويتعاطى أفعالَ المروءة، بأن يرتكب ما يَزينُه، ويتركَ ما يَشينُه، وهذا الشرط معتبرٌ في الخليفة الذي هو الإمام، فلا يصحُّ كونُه فاسقاً.
وأما نائبُه الذي هو السلطانُ اليومَ، فلا يعتبر فيه ذلك.
فلو كان الخليفةُ يسكر، أو يزني، أو يلوط، أو يفعل كبيرة، لم تصح له ولاية، وينعزل بذلك، وقد بلغني أن مَنْ نُصِّب في ذلك يفعل بعض هذه المحرمات.
الشرط الثالث: العلم: ذكره غير واحد، ونص عليه القاضي من أئمة أصحابنا.
стр. 56
الشرط الرابع: أن يكون من أفضل قريش في العلم والدين، ذكره غيرُ واحد من أئمة أصحابنا، ونصَّ عليه القاضي في "الأحكام السلطانية" (١)، وقد قدّمنا الكلام على اجتهاد أصحاب النّبي ﷺ في
الأفضل في العلم والدّين، وقد روي عن الإمام أحمد رواياتٌ متعدّدة تدّل
على اعتبار ذلك.
قال في رواية حنبلٍ: وأيُّ بلاء كان أكبرَ من الذي كان أحدثَ عدوُّ الله وعدوُّ الإسلام من إماتة السُّنة -يعني: الذي كان قبل المتوكّل-، فأحيا المتوكّلُ السُّنةَ.
وقد أشار القاضي من كلامه هذا: إلى اعتبار العدالة فيه؛ حيث تكلّم فيه أحمد بعدوِّ الله، وعدوِّ الإسلام، ولو كان إماماً عنده صحيحَ الإمامة، لما استحلَّ أن يقول له ذلك.
قال القاضي: وفيما رأيته على ظهر جزء من كتب أخي ﵀: ثنا أبو الفتح بنُ مَنِيع، قال: سمعت جدّي يقول: كان أحمدُ إذا ذكر المأمون، قال: كان لا مأمون (٢).
يشير القاضي إلى أنّ ذلك من أحمد يدلّ على عدم صحّة إمامته.
وقال في رواية الأثرم في امرأة لا وليّ لها: السلطان، فقيل له: تقولُ: السّلطان، ونحن على ما ترى اليوم، وذلك في وقت يُمتحن فيه القضاة؟! فقال: أنا لم أقل على ما ترى اليوم، إنّما قلت: السّلطان.
стр. 57
قال القاضي: وهذا الكلام يقتضي الذّمَّ لهم، والطّعنَ عليهم، ولا يكون هذا إلا وقد قدح ذلك في ولايتهم (١).
لكن قد ورد عن الإمام أحمدَ ألفاظٌ تقتضي إسقاطَ اعتبار العدالة والعلم والفضل، قال في -رواية عبدوس بن مالك العطّار-: ومن غَلَبهم بالسيف حتّى صار خليفة، وسُمّي أميرَ المؤمنين، لا يحلّ لأحدٍ يؤمنُ بالله واليوم الآخر أن يَبيت ولا يراه إماماً عليه، برّاً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين.
وهذا يدل على عدم اعتبار العدالة والفضل.
وقال أيضاً في رواية المروذي: فإن كان أميراً يعرف بشرب المُسْكِر، والغلول، يغزو معه، إنما ذاك له في نفسه (٢).
قال القاضي: وقد روي عن الإمام أحمد في "كتاب المحنة": أنه كان يدعو المعتصمَ بأمير المؤمنين في غير موضع، وقد دعاه إلى خَلْق القرآن، وضربه عليه، وكذلك كان يدعو المتوكلَ بأمير المؤمنين، ولم يكن من أهل العلم، ولا كان أفضلَ أهلِ وقتِه وزمانِه (٣).
وقال القاضي: يمكن أن يُحمل ما قاله -في رواية عبدوس وغيره- على أنه: إذا كان هناك عارضٌ يمنع من نصب العدلِ العالِم الفاضلِ، وهو أن تكون النفوسُ قد سكنتْ إليهم، وكلمتُهم عليهم أجمع، وفي
стр. 58
العدول عنهم يكثرُ الهَرْجُ، وإذا وُجدت هذه الصفات حالةَ العَقْد، لمّ عدمت بعد العقد، نظرت: فإن كان جَرْحاً في عدالته، وهو الفسق، فإنه لا يمنع من استدامة الإمامة، سواء كان متعلقاً بأفعال الجوارح، وهو ارتكاب المحظورات، وإقدامه على المنكرات اتباعاً لشهوته، أو كان متعلقاً بالاعتقاد، وهو المتأول بشبهة تعترض يذهب فيها إلى خلاف الحق.
قال: وهذا ظاهر كلامه -في رواية المروذي- في الأمير يشرب المسكر، ويَغُلُّ: يُغزى معه، وقد كان يدعو المعتصمَ بأمير المؤمنين، وقد دعاه إلى القول بخَلْق القرآن، وقال حنبل: في ولاية [الواثق] اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبد الله، وقالوا: هذا أمر قد تفاقَمَ وفشا -يعنون: إظهارَ الخلَقْ للقرآن- نشاورك في أنا لسنا نرضى بإمرته ولا سلطانه، فقال: علمتكم لتكتموه بقلوبكم، ولا تخلعوا يداً من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين.
وقال في رواية المروذي، وذكر الحسن بن صالح، فقال: كان يرى السيف، ولا نرضى بمذهبه (١).
الشرط الخامس: أن يكون على صفة يمكن بها القيامُ بأمر الحرب والسياسة، وإقامة الحدود، ورَدِّ الأعداء عن المسلمين، لا تلحقه رأفةٌ في ذلك، ولا في الذَّبِّ عن الأمة.
стр. 59
نصّ عليه أحمد، وصرح به عدةٌ من أئمة أصحابنا، منهم: القاضي، وابن عقيل.
وصرح ابن عقيل باعتبار الشجاعة، فلا يكون جباناً.
وهنا عدة فروع:
الأول: لا يشترط في الإمام أن يكون معصوماً؛ خلافاً للرافضة.
الثاني: لا يشترط فيه أن يكون من ولد عليّ، ولا من ولد فاطمة.
الثالث: لا يشترط فيه أن يكون من ولد العبّاس، كما قدّمنا ذلك.
الرابع: لا يشترط فيه أن يكون هاشمياً، حيث وَلِيها أبو بكر، وعمر، وعثمان، وليس أحدٌ منهم من بني هاشم.
فصل
اعلم أنّ نَصْبَ الإمام أمرٌ واجب، وليس هو بمستحَبّ، ولا يسوغ للأمة تركُ نصب الإمام، وقد نصّ على الوجوب القاضي في كتاب "الأحكام السّلطانية"، فقال: نصبة الإمام واجبةٌ.
وقد قال أحمد -في رواية محمد بن عوف بن سفيان الحمصي-: الفتنة إذا لم يكن إمام يقوم بأمر النّاس.
قال القاضي: والوجهُ فيه: أنّ الصحابة لما اختلفوا في السّقيفة، فقالت الأنصار؛ منّا أمير، ومنكم أمير، ودفعهم أبو بكر
стр. 60
وعمر ﵄، وقالوا: إنّ العرب لا تدين إلَّا لهذا الحيّ من قريش (١)، ورووا في ذلك أخباراً (٢).
فلولا أنّ الإمامة واجبةٌ، لما ساغت تلك المحاورة والمناظرة عليها، ولقال قائل: ليست بواجبة، لا في قريش ولا في غيرهم.
فصل
قال القاضي: وطريقُ وجوبها السّمعُ، لا العقل، لأنّ العقل لا يعلم به فرضَ شيء، ولا إباحتَه، ولا تحليلَ شيء، ولا تحريمَهُ، وذكر دليل ذلك: ما وقع من محاورة الصّحابة، واحتجاجهم بذلك (٣).
فصل
قال القاضي: وهي -أي: الإمامة- تعتبر فرضاً على الكفاية، يخاطَب بها طائفتان من الناس:
إحداهما: أهل الاجتهاد حتّى يختاروا.
والثاني: وجود من اجتمعت فيه شروطها حتّى ينصَّب، فإذا وجد من كَمُلَت فيه الشّروط، لا يُعْدَل عنه إلى غيره مع القدرة، فإن فقد بعضها في الكلّ، قُدِّم في ذلك بالمترجّحات، فإن فقد البعض في شخص، وعزّ ذلك في آخر، ووجد في كلٍّ ما فقد في الآخر، قُدِّم الأهمُّ فالأهمُّ من ذلك.
стр. 61
فصل
يعتبر في أهل الحل والعقد والاختيار والاجتهاد للإمامة شروط:
الأول منها: الإسلام.
والثاني منها: العقل.
والثالث منها: البلوغ.
والرابع منها: الذكورية.
والخامس منها: الحرية.
والسادس منها: العدالة، نص عليه القاضي، وغيره (١).
السابع: العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة، ذكره القاضي وغيره (٢).
الثامن: أن يكون من أهل الرأي والتدبير المؤديين إلى اختيار من هو للإمامة أصلح، ذكره القاضي وغيره (٣).
التاسع: أن يكون على حالة النصح للإسلام والمسلمين، لم يوجد منه الغش للإسلام وأهله.
العاشر: أن لا يكون له هَوًى ولا ميل بغرض النفس، يميل مع هواه وغرضه إلى مصالح نفسه واختياراته.
стр. 62
فروع
الأول: ليس لمن كان في بلد مزيةٌ على غيره من أهل البلاد يتقدَّم بها، ذكره القاضي (١).
وإنما صار من يختص ببلد الإمام متولياً لعقد الإمامة؛ لسبق علمه مزية، ولأن من يصلح للخلافة -في الغالب- موجودون في بلده.
الثاني: لو بويع لاثنين أو ثلاثة في بلد: قُدِّم من كَمُلَت فيه الشروط، ثم مَنْ كثرت فيه، ثم من اتفق عليه أهلُ الحلِّ والعقد، ثم من هُمْ عليه أكثرُ، ثم من سبق مع التساوي.
فإن بويع لاثنين أو ثلاثة في بلدين أو أكثر، فإن أمكن إبطالُ أحدهما، وإبقاءُ الآخر بالانقياد أو الإتفاق، قُدِّم من اجتمعت فيه الشروط، ثم من يقع الإتفاق عليه، فإن لم يمكن ذلك، فكل إمام في بلاده، وقد وقع مثلُ ذلك لعليٍّ ومعاويةَ.
أخبرنا أبو العبّاس الفُولاذيُّ وغيره، أنا ابن بردس، أنا ابن الخبّاز، أنا الإربليُّ، ثنا الفُراويُّ، أنا الفارسيُّ، أنا الجلوديّ، أنا أبو إسحاقَ الزّاهدُ، أنا مسلمُ بنُ الحجّاج، حدثني وهب بن بقية الواسطيّ، ثنا خالدُ بنُ عبد الله، عن الجريريّ، عن أبي نضرةَ، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا بُوجَ لِخَلِيفَتَيْنِ، فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا" (٢).
стр. 63
وبه إلى مسلم، حدّثني عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، ثنا يونس بن أبي يعفورٍ، عن أبيه، عن عَرْفَجَةَ، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ أتاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتكمْ، فَاقْتُلُوهُ" (١).
وبه إلى مسلم، حدّثني أبو بكر بنُ نافع، ومحمّدُ بنُ بشّارٍ، قال ابن نافعٍ: ثنا غُنْدَر، ثنا شعبةُ، عن زيادِ بنِ علاقةَ، قال: سمعتُ عرفجةَ قالَ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إِنَّهُ سَتكونُ هَنَاتٌ وهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيع، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِناً مَنْ كَانَ" (٢).
وبه إلى مسلم، ثنا أحمدُ بنُ خِراشٍ، ثنا حبّانُ، ثنا أبو عَوانَةَ ح. قال: وحدّثني القاسمُ بن زكريا، ثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، عن شيبانَ ح. قال: وحدّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أنا المصعبُ بنُ المقدامِ الخثعميُّ، ثنا إسرائيل ح. قال: وحدّثني حجّاج، ثنا عارِمُ بن الفضل، ثنا حمّادُ بنُ زيد، ثنا عبدُ الله بنُ المختار، ورجل سمّاه، كلُّهم عن زيادِ بنِ علاقةَ، عن عرفجةَ، عن النّبيّ ﷺ بمثله، غير أنّ في حديثهم جميعاً: "فاقتلوه" (٣).
стр. 64
الثالث: يحرُمُ حيث تمّتِ البيعةُ لإمامٍ لأحدٍ الخروجُ عليه بغيرِ مسوّغٍ شرعيّ، ونزعُ يده من طاعته، والقتالُ عصبيّةً.
أخبرنا أبو عبد الله الكعبيُّ، أنا ابن بردس، أنا ابن الخباز، أنا الإربليُّ، أنا الفُراويُّ، أنا الفارسي، أنا الجُلوديُّ، أنا أبو إسحاق الزّاهدُ، أنا مسلمُ بنُ الحجّاج، ثنا شيبان بنُ فَرُّوخَ: ثنا جرير -يعني: ابن حازم-: ثنا غيلانُ بنُ جرير، عن [أبي] قيس بن رياحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النّبيّ ﷺ : أنّه قال: "مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ، فَمَاتَ، مَاتَ مِيته جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّهً، يَغْضَبُ لِعَصَبَةً، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ (١) جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلاَ يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلاَ يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَه (٢)، فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْه" (٣).
وبه إلى مسلم، حدثني عبيدُ الله بنُ عمرَ القواريريُّ، ثنا حمادُ بنُ زيد، ثنا أيوبَ، عن غيلانَ بنِ جريرٍ، عنِ زيادِ بنِ رياحٍ القيسيِّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ ، بنحو حديث جرير، وقال: "لا يَتَحَاشى مِنْ مُؤْمِنِهَا" (٤).
وبه إلى مسلم، حدثني زهيرُ بنُ حربٍ، ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ
стр. 65
مهديٍّ، ثنا مهديُّ بنُ ميمونٍ، عن غيلانَ بنِ جريرٍ، عن زيادِ بن رياحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ، ثُمَّ مَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيّهً، وَمَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيّهً، يَغْضَبُ لِلْعَصَبَةِ، وَيُقَاتِلُ لِلْعَصَبَةِ، فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي، وَمَنْ خَرَجَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى أُمَّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجرَهَا، لا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلا يَفِي بِذِي عَهْدِهَا، فَلَيْسَ مِنِّي" (١).
وبه إلى مسلم، ثنا محمّدُ بنُ المثنى، وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا محمّدُ بنُ جعفر، ثنا شعبةُ، عن غيلانَ بنِ جريرٍ بهذا الإسناد، أما ابن المثنى (٢)، فلم يذكرِ النبيَّ ﷺ في الحديث، وأما ابنُ بشار، فقال في روايته: قال رسولُ الله ﷺ بنحو حديثهم (٣).
وبه إلى مسلم، ثنا حسنُ بنُ الربيع، ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عنِ الجعدِ أبي عثمانَ، عن أبي رجاءٍ، عنِ ابنِ عباسٍ، يرويه، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئاً يَكْرَهُهُ، فَلْيَصْبِرْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْراً، فَمَاتَ، فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ" (٤).
وبه إلى مسلم، ثنا شيبانُ بنُ فَرُّوخَ، ثنا عبدُ الوارثِ، ثنا الجعدُ،
стр. 66
ثنا أبو رجاءٍ العطارديُّ، عن ابنِ عباسٍ، عن رسولِ الله ﷺ ، قال: "مَنْ كَرِهَ مْنْ أَمِيرِهِ شَيْئاً، فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْراً، فَمَاتَ عَلَيْهِ، إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" (١).
وبه إلى مسلم، ثنا هريمُ بنُ عبد الأعلى، ثنا المعتمر، قال: سمعتُ أبي يحدِّث عن أبي مِجْلزٍ، عن جُنْدُبِ بنِ عبدِ الله البجليِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةً، يَدْعُو عَصَبِيَّةً، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّهً، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ" (٢).
الرّابع: كما يحرمُ نزعُ اليد من الطاعةِ والخروجُ، كذلك لا يحلُّ لأحدٍ التخلُّفُ عن البَيْعَة؛ حيثُ اتّفقَ النّاسُ على مَنْ يصلُح.
أخبرنا الإمامُ أبو إسحاق المحدّث -قبل اختلاطه-، أنا ابن بردس، أنا ابن الخباز، أنا الإربليّ، أنا الفُراويُّ، أنا الفارسيُّ، أنا الجُلُودي، أنا أبو إسحاقَ الزّاهدُ، أنا مسلمٌ، ثنا عبيدُ الله بن معاذٍ العنبريُّ، ثنا أبي، ثنا عاصمٌ -وهو ابنُ محمد بن زيد-، عن زيدِ بنِ محمّدٍ، عن نافع، قال: جاء عبدُ الله بنُ عمرَ إلى عبدِ الله بنِ مطيع، حين كان من أمر الحَرَّةِ ما كانَ زمنَ يزيدَ بنِ معاويَة، فقال: اطْرَحوا لأبي عبدِ الرّحمنِ وسادةً، فقال: إنّي لم آتِكَ لأجلسَ، أتيتُك لأحدّثك حديثاً سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقوله، سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ
стр. 67
خَلَعَ يَداً مِنْ طَاعَةٍ، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ القِيَامَةِ لاَ حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةٌ جَاهِلِيَّةً" (١).
وبه إلى مسلم، ثنا ابنُ نُمير، ثنا يحيى بنُ عبد الله بنِ بُكير، ثنا ليثٌ، عن عُبيدِ الله بنِ أبي جعفر، عن بُكيرِ بنِ عبدِ الله بْنِ الأشجِّ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: أنّه أتى ابنَ مطيعٍ، فذكر عن النّبي ﷺ نحوَه (٢).
وبه إلى مسلم، ثنا عَمْرُو بنُ عليٍّ، ثنا ابنُ مهديٍّ ح. قال: وثنا محمّدُ بنُ عمرِو بنِ جبلةَ، ثنا بشرُ بن عمر، قالا جميعاً: ثنا هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه، عن ابنِ عمر، عن النّبيّ ﷺ بمعنى حديث نافعٍ، عن ابن عمر (٣).
فصل
فإن عمل بالمعاصي، أو ارتكب محرّماً بعد عقد الإمامة له، لم يجز قتالُه، ولا الخروجُ عليه، وكذلك إن أكل أموالَ المسلمين، أو ظَلَمَهم، ولا خلعُه، إلا أن يرتكب كُفْراً صريحاً.
أخبرنا الجماعة، أنا ابن الزَّعْبوب، أنا ابن الخباز، أنا ابن الزَّبيديِّ، أنا السِّجْزيُّ، أنا الدّاوديُّ، أنا السَّرَخْسيُّ، أنا الفِرَبْريُّ، أنا البخاريُّ، ثنا مُسَدَّدٌ، ثنا يحعى بنُ سعيدٍ: ثنا الأعمشُ، ثنا زيدُ بنُ وَهْبٍ، قال:
стр. 68
سمعت عَبدَ الله قال: قال لنا رسولُ الله ﷺ : "إِنَكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُوراً تُنْكِرُونَهَا"، قالوا: فما تأمرُنا يا رسولَ الله؟ قال: "أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَسَلُوا اللهَ حَقَّكُمْ" (١).
وبه إلى [البخاري: ثنا] مُسَدَّدٍ، عن عبدِ الوارث، عنِ الجعدِ أبي عثمانَ، عن أبي رجاءٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئاً، فلْيَصْبِرْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْراً، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" (٢).
وبه إلى البخاريِّ، ثنا أبو النعمانِ، ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن الجعدِ أبي عثمانَ: ثنا أبو رجاءٍ العطارديُّ، قال: سمعت ابنَ عباس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئاً يَكْرَهُهُ، فَلْيَصْبرْ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْراً، فَمَاتَ، إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" (٣).
وبه إلى البخاري، ثنا إسماعيلُ، ثنا (٤) ابنُ وَهْبٍ، عن عَمْرٍو، عَنْ بُكَيْرٍ، عن بُسْرِ بْنِ سعيدٍ، عن جُنادَةَ بنِ أبي أميةَ، قال: دخلنا على عُبادةَ بنِ الصامتِ -وهو مريضٌ- قلنا: أصلحَكَ اللهُ! حَدِّثْنا (٥) بحديثٍ ينفعُكَ اللهُ بِهِ سمعتَهُ من النَّبيِّ ﷺ ، قال: دعانا النَّبيُّ ﷺ ، فبايعناهُ،
стр. 69
فكان فيما أخذَ علينا: أَنْ بايَعْنا على السَّمعِ والطَّاعَةِ في مَنْشَطِنا ومَكْرَهِنا، وعُسْرِنا ويُسْرِنا، وأَثَرَةٍ علينا، وأَنْ لا نُنازعَ الأمرَ أهلَه، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فيهِ برهانٌ (١).
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا، منهم: الإمامُ أبو الفَرَج قراءةً عليه، أنا ناصر الدّين، أنا ابنُ بردس، أنا ابنُ الخبازِ، أنا الإربليُّ، أنا الفُراويُّ، أنا الفارسيُّ، أنا الجُلُوديُّ، أنا أبو إسحاق، أنا مسلمٌ، ثنا هدّابُ بنُ خالدٍ الأزديُّ، ثنا همّامُ بنُ يحيى، ثنا قَتادَةُ، عنِ الحسنِ، عن ضَبَّةَ بنِ محصَنٍ، عن أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "سَتَكُونُ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وِلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ"، قالوا: أفلا نُقاتِلُهم؟ قال: "لاَ، مَا صَلَّوْا" (٢).
وبه إلى مسلم، حدّثني أبو غسّانَ المِسْمَعِيُّ، ومحمّدُ بنُ بشارٍ جميعاً، عَنْ مُعاذٍ -واللفظُ لأبي غسّانَ-، ثنا معاذٌ -وهو ابنُ هشامٍ الدَّسْتوائيُّ-، حدّثني أبي، عن قتادة، ثنا الحسنُ، عن ضبةَ بن محصنٍ العنزيِّ، عن أُمِّ سلمةَ زوجِ النَّبِيِّ ﷺ ، عنِ النبيِّ ﷺ : أنه قال: "إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتنكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ، فَقدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنكَرَ، فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابعَ"، قالوا: يا رسول الله!
стр. 70
ألا نقاتِلُهم؟ قال: "لاَ، مَا صَلَّوْا" (١).
أخبرنا أبو العباسِ بنُ زيد، وغيرُ واحد: أخبرتنا عائشةُ بنتُ عبدِ الهادي، أنا الحَجَّارُ، أنا ابنُ الزَّبيديِّ، أنا السِّجْزِيُّ، أنا الداوديُّ، أنا السَّرَخْسِيّ: أنا الفِرَبريُّ، أنا البخاريُّ، ثنا سليمانُ بنُ حربِ، ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، قال: لما خلعَ أهلُ الَمدينة يزيدَ بنَ معاوية، جمع ابنُ عُمَر حَشَمه وولدَه، فقال: إني سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، وإنَّا قد بايَعْنا هذا الرجلَ على بيعِ اللهِ ورسولهِ، وإني لا أعلمُ غدراً أعظمَ من أن يبايعَ رجلٌ على بيعِ اللهِ ورسوله، ثم ينصبُ له القتالَ، وإني لا أعلمُ أحداً منكم خلعَه، ولا تابعَ في هذا الأمر، إلا كانتِ الفيصلَ بيني وبينه (٢).
فصل
فإن حَجَرَ عليه أحدٌ من أعوانه، وقهرَه، واستبدَّ بتنفيذِ الأمورِ من غيرِ تظاهرٍ بمعصيةٍ، ولا مجاهرةٍ بمشاقَّةٍ، لم يمنع ذلك من إمامته، ولا يقدح في ولايته، ذكره القاضي في "الأحكام السلطانية"، قال: ثم يُنظر في أفعال من استولى على أموره، فإن كانت جاريةً على أحكامِ الدين، ومُقتضى العدلِ، جازَ إقرارُه عليها؛ تنفيذاً لها، وإمضاءً لأحكامها؛ لئلا يقف من العقود الدينية ما يعود بفسادٍ على الأمة.
стр. 71
وإن كانت أحكامُه وأفعالُه خارجةً عن حكم الدين، ومقتضى العدل، لم يجزْ إقرارُهُ عليها، ولزمَه أن يستنصِرَ من يقبِضُ يده، ويُزيل تَغَلُّبَهُ (١).
فصل
فإنْ صارَ الإمامُ مأسوراً في يدِ عدوٍّ قاهرٍ لا يقدرُ على الخلاص منه، منعَ ذلك من عقدِ الإمامة له؛ لعجزِه عن النظرِ في أمور المسلمين، سواءٌ كان العدو مسلماً بَاغياً، أو كافراً. ذكره القاضي (٢).
فإن كان معقوداً له الإمامة، فللأمة فسخُ العَقْد، واختيارُ مَنْ عداه من ذوي القدرة.
وقد أومأ أحمدُ إلى إبطال الإمامةِ بذلك -في رواية أبي الحارث- في الإمام يخرج عليه من يطلب الملك، فيفتتنُ الناسُ، فيكون مع هذا قومُ، ومع هذا قوم، مع مَنْ تكون الجمعة؟ قال: مَنْ غَلَب.
قال القاضي: وظاهر هذا: أن الثاني إذا قهر الأول، وغلبه، زالت إمامةُ الأول؛ لأنه قال: الجمعة مع مَنْ غلب. فاعتبر الغَلَبَةَ (٣).
وقد روي عن أحمد ما يدلُّ على بقاء إمامةِ الأول؛ لأنه قال -في رواية المروذي- وقد سأل: أيُّ شيء الحجةُ في أن الجمعة تجبُ في الفتنة؟ فقال: أمرُ عثمانَ لهم أن يصلُّوا. قيل له: فيقولون: إن عثمانَ
стр. 72
[ما] أمرَ بذلك، فقال: إنما سألوه بعدَ أن صَلَّوا.
قال القاضي: وظاهرُ هذا: أنه لم يخرج عثمان من الإمامة مع القهر؛ لأنه اعتبر إذنه (١).
قال القاضي: فإن أُسر بعد أن عُقدت له الإمامةُ، فعلى الأمة استنقاذُه؛ لما أوجبتْهُ الإمامةُ من نُصْرَته، وهو على إمامته إذا كان يُرجى خلاصُه، ويُؤمَّل فَكَاكُه، إما بقتال، أو فِداءٍ، وإن وقع الإياس منه، نظرت فيمن أسره، فإن كان من المشركين، خرج من الإمامة، واستأنف أهلُ الإختيار بيعةَ غيره.
فإن عُهد بالإمامة في حالِ أسرِه إلى غيره ليقوم مقامَه، فهل يفيد عهده؟
قال القاضي: نظرت، فإن كان بعد الإياس من خلاصه، لم يصح عهدُه، لأنه عهدٌ بعد خروجه من الإمامة، وإن كان قبل الإياس من خلاصه، صحَّ عهدُه؛ لبقاء إمامته، واستقرت إمامةُ وليِّ عهدِه بالإياس من خلاصه؛ لزوال إمامته.
ثم إن خلص من الأسر بعد عهده، نظرت في خلاصه، فإن كان بعد الإياس منه لم يعد إلى إمامته، لخروجه منها بالإياس، واستقرت في وليِّ عهده.
وإن خلص قبل الإياس منه، فهو على إمامته، ويكون العهد في ولي العهد بائناً.
стр. 73
وإن كان مأسوراً مع بغاة المسلمين، فإن كان يرجى خلاصُه، فهو على إمامته، وإن لم يُرجَ خلاصُه، نظرت في البغاة، فإن كانوا لم ينصبوا لأنفسهم إماماً، فالإمام المأسور في أيديهم على إمامته؛ لأن بيعته لازمةٌ لهم، وطاعته عليهم واجبةٌ، وإطلاقه واجبٌ عليهم، فصار كونُه معهم مثلَ كونه مع أهل العدل إذا صار تحت الحَجْر، وعلى أهل الإختيار أن يَستنيبوا عنه ناظراً يخلُفه إن لم يقدر على الإستنابة، وإن قدر عليها، كان أحقَّ باختيار مَنْ يستنيبه منهم، فإن خلعَ المأسورُ نفسه، أو مات، لم يَصِرِ المستناب إماماً؛ لأنها نيابة عن موجود، فزالت بفقده، وخالف ولي العهد؛ لأنها ولاية بعد مفقود لا تنعقد بوجوده، فافترقا.
فإن كان أهل البغي قد نصَّبوا إماماً لأنفسهم، دخلوا في بيعته، وانقادوا لطاعته؛ فالإمام المأسور في أيديهم خارجٌ من الإمامة بالإياس من خلاصه؛ لأنهم قد انحازوا بدارٍ انفرد حكمُها عن الجماعة، وخرجوا بها عن الطاعة، فلم يبق لأهل العدل لهم نصرة، ولا لمأسور معهم قدرة، وعلى أهل الإختيار في دار العدل أن يعقدوا الإمامة لمن ارتضوه.
فإن تخلص المأسور، لم يعد إلى الإمامة؛ لخروجه منها.
كل هذا ذكره القاضي وغيره من أئمة أصحابنا (١).
فصل
فإن وجد أفضل جماعة يصلحون للإمامة، تعيَّن لها، ووجب عليهم مبايعته، فإن بايعوه، ثم حدث مَنْ هو أفضلُ منه، لم يجز العدولُ
стр. 74
عنه إلى مَنْ هو أفضل، فلو عدلوا في الابتداء عن الأفضل لغير عذر، لم يجز، وإن كان لعذر؛ من كون الأفضل غائباً، أو مريضاً، أو كان المفضولُ أطوعَ في الناس، وأحسنَ سياسةً = جاز.
فصل
والإمامة تنعقد بوجهين:
أحدهما: اختيار أهل الحل والعقد، كما قدمنا.
والثاني: بعهد الإمام قبله.
فأما انعقادُها باختيار أهل الحل والعقد، فلا تنعقد إلا بجمهورهم، وأكثرِ أهلِ الحلِّ والعقد.
قال أحمد في رواية إسحاقَ بنِ إبراهيم: الإمام الذي يجتمع عليه: كلهم يقول: هذا إمام.
قال القاضي: فظاهر هذا: أنها تنعقد بجماعتهم (١).
قال: وروي عنه ما دلّ على أنها تثبت بالقهر والغلبة، ولا تفتقر إلى العهد، فقال في رواية عبدوس بن مالك العطار: ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة، وسُمِّي أميرَ المؤمنين، فلا يحلّ لأحدٍ يؤمن بآلله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، براً كان أو فاجراً.
وقال أيضاً في رواية أبي الحارث: في الإمام يخرج عليه من يطلب الملك، فيكون مع هذا قوم، ومع هذا قوم: تكون الجمعةُ مع مَنْ غَلب.
стр. 75
واحتجّ بأن ابن عمر صلّى بأهل المدينة في زمن الحَرّة، وقال: نحن مع مَنْ غلب (١).
قال القاضي: ووجه الرواية الأولى: أنه لما اختلف المهاجرون والأنصار، فقالت الأنصار: منّا أمير، ومنكم أمير، حاجَّهم عمرُ، وقال لأبي بكر: مُدَّ يدك أُبايعْك (٢). فلم يعتبر الغلبة، واعتبر العقد مع وجود الاختلاف.
قال: ووجه الثانية: ما ذكره أحمد عن ابن عمر، وقوله: نحن مع من غلب.
قال: ولأنّها لو كانت تقف على عقد، لصح برفعه وفسخه بقولهم وقوله؛ كالبيع وغيره من العقود، قال: ولمّا ثبت أنّه لو عزل نفسه، أو عزلوه، لم ينعزل، دلّ على أنّه لا يفتقر إلى عقد، وإنما اعتبر فيها قولُ جماعةِ أهل الحلّ والعقد؛ أنّ الإمام يجب الرجوع إليه، ولا يسوغ خلافُه والعدولُ عنه كالإجماع.
قال: ثم ثبت أنّ الإجماع يعتبر في انعقاده جميعُ أهل الحلِّ والعقد، كذلك عقدُ الإمامة (٣).