← Сияса и кади

Сияса и кади · id 17533

إيضاح طرق الاستقامة في بيان أحكام الولاية والإمامة

ابن المبرد

Полный текст (369 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قال: لا، ولكن أبدأُ برسول الله ﷺ ، ثم الأقرب فالأقرب إليه، فوضع الديوانَ علي ذلك، فبدأ ببني هاشم، وبني المطلب، ثم ببني عبد شمس، ثم ببني نوفل بن عبد مناف، ثم سائر الناس (١). فأقسمُ بالله! لو قدمَ مثلُ ذلك علي قايتباي، لم يهتم لقسمه، ولا خاف أن يموت وهو عنده، ولَمَا أعطي أحدًا منه درهمًا. وبه إلي ابنِ الجوزيِّ، أنا محمّدُ بنُ أبي طاهرٍ، أنا الجوهريُّ، أنا ابنُ حيويه، ثنا أبو الحسنِ بنُ معروفٍ، ثنا الحسينُ بنُ فهمٍ، ثنا محمّدُ بنُ سعدٍ، يرفعه إلي محمّدِ بنِ سيرينَ، عن الأحنف، قال: كنا جلوسًا بباب عمر، فمرتْ جارية، فقالوا: سُرِّيَّةُ أميرِ المؤمنين، فقالت: ما هي لأمير المؤمنين بسريَّة، وما تحلُّ له، إنها من مال الله، فما هو إلا قدر أن بلغت، وجاء الرسول فدعانا، فأتيناه، فقال: ماذا قلتم؟ فقلنا: لم نقل باسًا، مرت جارية، فقلنا: هذه سريةُ أمير المؤمنين، فقلتَ: ما هي لأمير المؤمنين بسرية، وما تحل له، إنها من مال الله، فقلنا: ماذا يحلُّ له من مال الله؟ فقال: أنا أخبركم بما يحلُّ لي منه، حُلَّتان: حلةٌ في الشتاء، وحلة في القيظ، وما أحجُّ عليه وأَعتمر من الظَّهْر، وقوتي وقوت أهلي كقوت رجلٌ من قريش، ليس بأغناهم، ولا أفقرهم، ثم بعدُ أنا رجلٌ من المسلمين يُصيبني ما أصابهم (٢).

стр. 177

قال ابن سعد: وأنا عارمٌ، ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن عروةَ: أن عمرَ بنَ الخطاب قال: لا يحلُّ لي من هذا المال إلا ما كنتُ آكِلًا من صُلْب مالي (١). قال ابن سعد: قال محمّدُ بنُ إبراهيم: كان عمرُ يستنفق كلَّ يوم درهمين له ولعياله، وأنفق في حجّته ثمانين ومئةَ درهم (٢). وقال: إني أنزلتُ مالَ الله مني بمنزلة مالِ اليتيم، إن استغنيتُ، عففتُ عنه، وإن افتقرتُ، أكلت بالمعروف (٣). فانظر إلي هذا الفعل، وانظر إلي هؤلاء الفَجَرة الذين جعلوا أموال المسلمين خالصة لأنفسهم، واقتسموا بلادَ المسلمين، فجعلوها إقطاعًا لأنفسهم، وإنها أحل شيء لهم، وهي أحرم شيء عليهم. واعتلّ عمرُ مرة، فوصف له العسلُ، وفي بيت المال عُكَّةٌ من العسل، فقال للناس: إن أَذِنْتم لي فيها، أخذتُها، وإلا، فإنها عليّ حرامٌ (٤).

стр. 178

ولما وَلِيَ، استشار الناسَ فيما يحلُّ له من هذا المال من مال هؤلاء؟ فقال عليٌّ: ما أصلحَكَ وأصلحَ عيالَكَ بالمعروف، ليس لك من هذا الأمرِ غيرُه (١). وبه إلي ابنِ الجوزيِّ، أنا عبدُ الوهابِ بنُ المبارك، أنا أبو الحسينِ بنُ الطيوريِّ، ثنا الحسينُ بنُ عليٍّ الطباشيريُّ، أنا أبو جعفر السلميُّ، ثنا أبو بكرٍ الباغنديُّ، ثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، ثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن إسرائيلَ، عن موسى، عن الحسنِ، قال: قال عمرُ بنُ الخطاب: السنة ثلاثُ مئةٍ وستون يومًا، وإن حَقًّا علي عمرَ أن يكسح بيتَ المال في كل سنة يومًا؛ عذرًا إلي الله- ، فلا أدعُ فيه شيئًا (٢). وبه إلي ابنِ الجوزيِّ، أنا محمّدُ بنُ ناصرٍ، أنا المباركُ بنُ عبدِ الجبارِ، أنا أبو الحسنِ الأنماطيُّ، ثنا أبو حامدٍ أحمدُ بنُ الحسينِ، ثنا أحمدُ بنُ الحربِ، حدثني جَدِّي محمّدُ بنُ عبدِ الكريم، ثنا الهيثمُ بنُ عَدِيٍّ، ثنا جريرُ بنُ حازمٍ، عن الحسنِ: قال: بينما عمر يمشي في سِكَّة من سكك المدينة، إذا هو بصبية تطيش على وجه الأرض، تقوم مرة، وتقع أخرى، فقال عمرُ: يا بؤسها! من يعرف هذه منكم؟ فقال عبدُ الله بنُ عمرَ: وما تعرفُها يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، ومن هي؟

стр. 179

قال: هذه إحدى بناتك، قال: وأي بناتي هذه؟ قال: هذه فلانة بنتُ عبدِ الله بنِ عمر، قال: ويحك! وما صيّرها إلي ما أرى؟ قال: مَنْعُك ما عندَك، قال: ومنعي ما عندي يمنعُك أن تطلب لبناتك ما يكسِبُ الأقوامُ لبناتهم؟! إنه والله! ما لك عندي غيرُ سهمك في المسلمين، وَسِعَكَ، أو عَجَزَ عنك، هذا كتابُ الله بيني وبينكم (١). وبه إلي ابنِ الجوزيِّ، أنا إسماعيلُ بنُ أحمدَ، أنا عمرُ بنُ عبيدِ الله، أنا أبو الحسينِ بنُ بشرانَ، أنا عثمانُ بنُ أحمدَ، أنا حنبل، ثنا إبراهيمُ بنُ محمد: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن ابنِ شهاب، عن مالكِ بنِ أوس، قال: قال عمر: ما أحدٌ إلا وله في هذا المال حق، إلا ما ملكَتْ أيمانكم (٢). وشكا عمرُ بطنَه من أكل الزيت، فخطب الناس، فقال: إن أمير المؤمنين يشتكي بطنه من الزيت، فإن رأيتم [أن] تحلوا له ثلاثة دراهم ثمنَ عُكَّة سمنٍ من بيت مالكم (٣). ولمّا كتب المهاجرين، جعل عطاءهم خمسةَ آلاف، وكتبَ نفسه كذلك، وكتبَ ابنَه عبدَ الله علي أربعة آلاف، فقال له: إن كان لي حَقٌّ، فأعطِنيه، وإلّا فلا تعطني، فقال لعبد الرحمن بن عوف: اكتبه على

стр. 180

خمسة آلاف، واكتبني أنا علي أربعة آلاف، فقال عبد الله: أنا لا أريد هذا، فقال عمر: لا أجتمع أنا وأنت علي خمسة آلاف (١). وكان عمر ﵁ يقسم للناس علي قدر فضلهم؛ من الرجال والنساء والصبيان، ولا يدع أحدًا من الناس. وبه إلي ابنِ الجوزيّ، أنا المباركُ بنُ عليٍّ، أنا عليُّ بنُ أحمدَ، أنا محمّدُ بنُ محمّدٍ، أنا أحمدُ بنُ جعفرٍ القطيعيُّ، ثنا إبراهيمُ الحربيُّ، ثنا داودُ بنُ عمرٍو، ثنا ابنُ أبي غنيةَ، ثنا سلامةٌ بنُ منيحٍ، قال: قال الأحنفُ بن قيس: وفدْنا إلي عمر بفتح عظيم، فقال: أين نزلتم؟ فقلنا: في مكان كذا، فقام معنا حتى انتهينا إلي مناخ ركابنا، فجعل يتخللها ببصره، ويقول: ألا اتقيتم الله في ركابكم هذه، أما علمتم أن لها عليكم حقًا؟ ألا خلَّيتم عنها فأكلَتْ من نبت الأرض؟ فقلنا: يا أمير المؤمنين! إنا قدمنا بفتح عظيم، فأحببنا التسرعَ إلي أمير المؤمنين والمسلمين بما يسرُّهم. ثم انصرف راجعًا ونحن معه، فلقيه رجلٌ، فقال: يا أمير المؤمنين! انطلقْ معي، فأَعْدِني علي فلان، فإنه ظلمني، قال: فرفع الدرةَ، فخفق بها رأسه، وقال: تَدَعون عمرَ وهو معترضٌ لكم، حتى إذا انشغلَ في أمر من أمور المسلمين، أتيتموه، أَعْدِني، أَعْدِني؟! فانصرف الرجل وهو يتذمر، فقال عمر: عليَّ الرجل، فألقي إليه المِخْفَقَة، فقال: أمسكْ، قال: لا، ولكن أَدَعُها لله ولك، قال: ليس ذلكَ لك، إما تدعُها لله وإرادة ما عندَه، أو تَدَعُها

стр. 181

لي، فاعلم ذلك، قال: أدعُها لله، قال: انصرفْ، ثم جاء يمشي حتى دخل منزله ونحن معه، فافتتح الصلاة، فصلَّي ركعتين، ثم جلس فقال: يا بن الخطاب! كنتَ وضيعًا، فرفعك الله، وكنت ضالًا، فهداك الله، وكنت ذليلًا، فأعزّك الله، ثم حملَكَ علي رقاب المسلمين، فجاءك رجلٌ يَستعديك، فضربْتَهُ! ما تقولُ لربك غدًا إذا أتيته؟ فجعل يعاتب نفسَه معاتبةً ظننتُ أنه من خير أهلِ الأرض (١). وبه إلي ابنِ الجوزيِّ، أنا محمّدُ بنُ أبي منصورٍ، أنا المباركُ بنُ عبدِ الجبار، أنا القاضي أبو الحسين، أنا عمرُ بنُ ثابت، أنا عليُّ بنُ أحمد، ثنا عبدُألله بنُ محمّدٍ القرشيُّ، ثنا محمّدُ بنُ حمادٍ، قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ عبدِ المجيد، ثنا عكرمةُ بنُ عمارٍ، أخبرني إياسُ بنُ سلمةَ، عن أبيه، قال: مرَّ عليّ عمرُ بنُ الخطاب وأنا في السوق، وهو مارٌّ في حاجة له، ومعه الدرَّةُ، فقال: هكذا أمِطْ عن الطريق يا سلمةُ، قال: ثم خَفَقَني، فما أصابَ إلا طرفَ ثوبي، فأمطْتُ عن الطريق، فسكتَ عني، حتى كان في العام المقبل، فلقيني في السوق، فقال: يا سلمة! أردتَ الحجَّ العام؟ قلتُ: نعم يا أمير المؤمنين، فأخذَ بيدي، فما فارقَتْ يدُه يدي حتى دخلَ بي بيته، فأخرج كيسًا فيه ست مئة درهم، فقال: يا سلمة! استعنْ بهذه، واعلم أنها من الخَفْقَة التي خَفَقْتُك عامَ أولَ، قلت: يا أمير المؤمنين! ما ذكرتُها حتى ذَكَّرْتنيها، قال: وأنا -والله- ما نسيتُها بعدُ (٢).

стр. 182

فانظر بعينك كيف ضربه بجلدة لا تضر، أصابت طرفَ ثوب إنسان، أقام يتفكر فيها سنة، ثم إنه ورّث لربها لأجلها ست مئة؛ خوفًا منها، فما ظنك بقطج والمحصبي اللَّذَين قتلا لأجل إراقة خمر مئةً وعشرين مسلمًا في جامع دمشق، وعلي أبوابه، وافتخرا بذلك هما وسيدُهما، ومع ذلك يزعمون أنهم أعدلُ من عمر بنِ الخطاب، هذا هو الضلال المبين. وبه إلي ابنِ الجوزيِّ، أنا عبدُ الوهابِ بنُ المباركِ، ومحمّدُ بنُ أبي منصورٍ، قالا: أنا أبو الحسينِ بنُ عبدِ الجبارِ، أنا الحسنُ بنُ عليٍّ الجوهريُّ، أنا أبو عمرَ بنُ حيويه، أنا أبو بكرِ بنُ الأنباريِّ، ثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، ثنا اسماعيلُ بنُ أبي قيسٍ، ثنا مالكٌ، عن عاصمٍ، عن عبيدِ الله، قال: قال عمرُ بنُ الخطاب تحتَ شجرة في طريق مكة، فلما اشتدت عليه الشمس، أخذ عليه ثوبَه، وقام، فناداه رجلٌ غير بعيد منه: يا أمير المؤمنين! هل لك في رجلٌ قد رثدتْ حاجتُه، وطال انتظاره؟ قال: من رثدها؟ قال: أنت، قال: فجاراه القول حتى ضربه بالمِخْفَقَة، فقال: عَجِلت عليَّ قبل أن تنظر فيّ، فإن كنتُ مظلومًا، رددتَ إليّ حقي، وإن كنتُ ظالمًا رددتني، فأخذ عمرُ طرف ثوبه، وأعطاه المخفقة، وقال له: اقتضِ، قال: ما أنا بفاعل، فقال: والله! لتفعلنّ، أو لتفعلنّ كما يفعل المنصف من حقه، قال: فإني أغفرُها، فأقبل عمر على الرجل، فقال: أنصف من نفسي أصلح من أن ينتصف مني وأنا كاره -يعني: يوم القيامة-، فلو كنت في الأراك لسمعت حنين عمر -يعني: بكاءه لأجل ذلك-.

стр. 183

فانظر كيف بكي حتى سمع الناس بكاءه لأجل ضربة بجلدة؛ خوفًا من أن تكون بغير حق، [ولمّا] يتحققْ أنها بغير حق. فوالله! لم يبك قانصوه ولا المحصبي وقطج لقتلِ أكثرَ من مئةِ نفسٍ ظلمًا؛ لإراقة خمر، ومع ذلك يزعمون أنهم أعدلُ من عمر، هذا هو العجبُ والافتراء. وبه إلي ابنِ الجوزيِّ، أنا عبدُ الوهابِ، أنا عاصمُ بنُ الحسنِ، ثنا عليُّ بنُ محمّدٍ، ثنا الحسينُ بنُ صفوانَ، ثنا أبوبكرِ بنُ سعدِ بنِ عبدِ الله بنِ محمّدٍ، ثنا أبي، عن أبي عبيدةَ الجعفيِّ، عن جابرٍ الجعفيِّ: أنه سمع سالمَ بنَ عبد الله قال: نظر عمرُ إلي رجلٌ أذنبَ ذنبًا، فتناوله بالدرَّةِ: فقال الرجل: والله يا عمر! إن كنت أحسنت، فقد ظلمتني، وإن كنت أسأت، فما علمتني، قال: صدقت، فاستغفر الله، دونَكَ فاقْتَدْ من عمر، فقال الرجل: أَهَبُها لله ، وغفر الله لي ولك (١). أخبرنا أبو العباسِ الفُولاذيُّ، أنا ابنُ بردس، أنا ابنُ [عبدِ] الجبار، أنا الإربليُّ، أنا الفُراويُّ، أنا الفارسيُّ، أنا الجُلُوديُّ، أنا أبو إسحاقَ الزاهدُ، أنا مسلمٌ، حدثني هارونُ بنُ سعيدٍ الأيليُّ، ثنا ابنُ وهبٍ، حدثني حرملةُ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ شماسةَ، قال: أتيتُ عائشة أسألها عن شيء، فقالت: ممن أنت؟ فقلت: رجلٌ من أهل مصر، فقالت: كيف كان صاحبُكم لكم في غَزاتكم هذه؟ قال: ما نقمنا شيئًا، إن كان ليموت للرجل منا البعيرُ، فيعطيه البعيرَ،

стр. 184

والعبدُ، فيعطيه العبد، ويحتاج إلي النفقة، فيعطيه النفقة، فقالت: أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بنِ أبي بكر أخي أن أخبرك ما سمعتُ من رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: "اللَّهُمَّ مَنْ وَليَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا، فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ" (١). أخبرنا أبو العباسِ الحريريُّ، وغيرُه، أنا ابنُ البالسيِّ وغيرُه، أنا المِزَيُّ وغيرُه، أنا ابنُ أبي عمرَ وغيرُه، أنا ابنُ الجوزيِّ، [أنا] محمّدُ بنُ أبي منصورٍ، أنا أبو الحسينِ بنُ عبدِ الجبارِ، أنا أبو الحسنِ الأنماطيُّ، أنا أبو حامدٍ المروزيُّ، أنا أبو العباسِ أحمدُ بنُ الحربِ، أنا الهيثمُ بنُ عَدِيٍّ، [أنا] عبدُ الله بنُ الوليدِ بنِ عبدِ الله بنِ معقلٍ المزنيُّ، حدثني عمارةُ بنُ خزيمةَ، قال: كان عمرُ بن الخطاب إذا استعملَ عاملًا، كتب عليه كتابًا، وأشهدَ عليه رهطًا من الأنصار: أن لا يركَبَ بِرْذَونًا، ولا يأكلَ نقيًّا، ولا يلبسَ رقيقًا، ولا يُغلق بابَه دونَ حاجات [الناس]، ثم يقول: اللهمَّ اشهدْ (٢). وبه إلي ابنِ الجوزيِّ، أنا أبو بكرِ بنُ عبدِ الباقي، أنا أبو إسحاقَ البرمكيُّ، أنا ابن حيويه، أنا ابنُ معروفٍ، أنا ابنُ الفهمِ، ثنا محمّدُ بنُ سعدٍ، قال: كان عمرُ بنُ الخطاب قد استعمل النعمانَ علي ميسانَ، وكان يقول الشعر، فقال:

стр. 185

أَلاَ هَلْ أَتَى الْحَسْنَاءَ أَنَّ حَلِيلَهَا ... بِمَيْسَانَ يُسْقَي فِي زُجَاجٍ وَحَنْتَمِ إِذَا شِئْتُ غَنَّتْنِي دَهَاقِينُ قَرْيَةٍ ... وَرَقَّاصَة تَجْثُو عَلَى كُلِّ مَنْسِمِ فَإِنْ كُنْتَ نَدْمَانِي فَبِالأَكْبَرِ اسْقِني ... وَلَا تَسْقِنِي بِالأَصغَرِ الْمُتَثَلِّمِ لَعَلَّ أَمِيرَ الْمُومِنِينَ يَسُوءُهُ ... تنَادُمُنَا فِي الْجَوْسَقِ الْمُتَهَدِّمِ فلما بلغ عمرَ قولُه، قال: نعم، والله! إنه ليسوءُني، من لقيه، فليخبره أني قد عزلتُه، فقدم عليه رجلٌ من قومه، فأخبره بعزله، فقدمٍ علي عمر، فقال: والله! ما صنعت شيئًا مما قلت، وإنما كنتُ امرأً شاعرًا، فوجدتُ فضلًا من قول، فقلتُ فيه الشعر، فقال عمر: والله! لا تعملُ لي علي عملٍ ما بقيتُ، وقد قلتَ ما قلتَ (١). وفي رواية: لما بلغ عمرَ، كتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ٢، ٣]. أما بعدُ: فقد بلغني قولُك:

стр. 186

لعَلَّ أَمِيرَ الْمُومِنِينَ يَسُوءُهُ ... تنَادُمُنَا فِي الْجَوْسَقِ المُتَهَدِّمِ وايم الله! ليسوءُني، وعزلَه. فلما قدمَ علي عمر، قال: والله! ما شربتُها قَطُّ، وما ذاك الشعرُ إلا شيءٌ طفح علي لساني، فقال عمر: أظنُّ ذاك، ولكنْ لا تعملُ لي علي عمل أبدًا (١). وبه إلي ابن الجوزي، أنا محمّدُ بنُ عبدِ الملك، أنا أحمدُ بنُ عليٍّ، أنا أبو عبدِ الله محمّدُ بنُ عبدِ الواحدِ، أنا محمّدُ بنُ العباسِ، ثنا أحمدُ بنُ محمّدٍ، ثنا محمّدُ بنُ القاسمِ، عن عبّادِ بنِ الوليدِ، قال: سمعتُ محمّدَ بنَ عبدِ الغفارِ، قال: استعمل عمرُ بن الخطاب رجلًا من قريش علي عمل، فبلغه أنه قال: اسْقِنِي شَرْبَةً ألذُّ عَلَيْهَا ... وَاسقِ بِاللهِ مِثْلَهَا ابْنَ هِشَامِ فأشخصَ عليه يطلبه، وذكر أنه إنما أشخص من أجل البيت، ثم أشخص بآخر، فلما قدم عليه، قال: ألستَ القائل: اسْقِنِي شَرْبَةً ألذُّ عَلَيْهَا ... وَاسْقِ بِاللهِ مِثْلَهَا ابْنَ هِشَامِ قال: نعم يا أمير المؤمنين، ولكن قلتُ بعده، وما بلغك:

стр. 187

عَسَلًا بَارِدًا بِمَاءِ سَحَابٍ ... إِنَّنِي لَا أُحِبُّ شُرْبَ المُدَامِ قال: اللهِ؟ قال: آللهِ، يعني: أنه قال ذلك حين قاله، فلما حلف له أنه قاله كذلك، قال: ارجعْ إلي عملك (١). وبه إلي ابنِ الجوزيِّ، أنا محمّدُ بنُ أبي طاهرٍ، أنا أبو محمّدٍ الجوهريُّ، أنا ابنُ حيويه، ثنا أبو الحسنِ بنُ معروفٍ، ثنا الحسينُ بنُ الفهمِ، ثنا محمّدُبنُ سعدٍ، أنا محمّدُ بنُ عمرَ، حدثني عاصمُ بنُ عبدِ اللهِ الجهنيُّ، عن عمرانَ بنِ سويدٍ، عن ابنِ المسيَّبِ، عن عمرَ، قال: أَيُّما عاملٍ لي ظلمَ أحدًا، فبلغَتْني مظلَمَتُه، فلم أُغَيِّرْها، فأنا ظلمتُه (٢). فانظر إلي هذا الكلام، وكل نجس من هؤلاء الظَّلَمة يتخذ أعوانًا يدعمهم في مئة يظلمون له الليلَ والنهارَ، ويقول: أنا لا أظلم، ويقول: هؤلاء يظلمون! يظن بجهله أنه إذا لم يباشرْ، وباشره غيرُه: أنه لا يعاقَب عليه، وما يعلم أن فعلهم كلَّه بمنزلة فعله، وظلمَهم بمنزلة ظلمِه. وبه إلي ابنِ الجوزيِّ، أنا أبو غالبٍ الماورديُّ، وأبو سعدٍ البغدادي، قالا: أنا المطهرُ، أنا أبو جعفرِ بنُ المرزبانِ، أنا محمّدُ بنُ إبراهيم، ثنا لُوَيْنٌ، ثنا شريكٌ، عن عياضٍ الأشعريِّ: قال: قدم على

стр. 188

عمر فتحٌ من الشام، فقال لأبي موسى: ادعُ كاتبك يقرؤه علي الناس في المسجد، قال أبو موسى: إنه نصراني لا يدخل المسجد، قال عمر: ولِمَ استكتبت نصرانيًا؟ (١). وبه إلي شريك، عن أبي هلال، عن أشق، قال: كنت عبدًا نصرانيًا لعمر، فقال: أسلِمْ حتى نستعينَ بك علي بعض أمورِ المسلمين؛ لأنه لا ينبغي لنا أن نستعين علي أمورهم مَنْ ليس منهم. وبه إلي ابنِ الجوزيِّ، أنا محمّدُ بنُ ناصرٍ، أنا محمّدُ بنُ علىٍّ، ثنا عليُّ بنُ الحسن، أنا الحسينُ بنُ أحمدَ، أنا أبو يعلي الموصِلِّيُّ، ثنا غسانُ بنُ الربيعِ، عن حمادِبنِ سلمةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن مُحاربِ بن دِثارٍ، عن عمرَ بنِ الخطاب: أنه قال لرجل قاضٍ: من أنت؟ قال: أنا قاضي دمشق، قال: كيف تقضي؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإذا جاءك ما ليس في كتاب الله؟ قال: أقضي بسنةِ رسول الله ﷺ ، قال: فإذا جاءك ما ليس في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأي، وأؤامر جلسائي، قال عمر: أحسنتَ. وقال: إذا جلست فقل: اللهمَّ إني أسألك أن أفتي بعلم، وأقضي بحكم، وأسألك العدلَ في الغضب والرضا. قال: فسار الرجل ما شاء الله أن يسير، ثم رجع إلي عمر، فقال: ما أرجعك؟ قال: رأيت القمر والشمس يقتتلان، ومع كل واحد منهما جنود من الكواكب، فقال: مع أيهما كنت؟ قال: كنت مع القمر، فقال: يقول الله : ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ

стр. 189

آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] [فقال له،: لا تلي لي عملًا، اذهب (١). وبه إلي ابنِ الجوزيِّ، أنا إسماعيلُ بنُ أحمد، أنا عمرُ بنُ عبيدِ الله، أنا أبو الحسينِ بنُ بشرانَ، أنا عثمانُ بنُ أحمدَ حنبل، حدثني أبو عبد الله أحمدُ بنُ حنبل، ثنا هاشمُ بنُ القاسم، ثنا المباركُ بنُ فضالةَ، عن الحسن، قال: قال عمر: أعياني أهلُ الكوفة، إن استعملتُ عليهم ليّنًا، اسضعفوه، وإن استعملت عليهم شديدًا، شكوه، ولوددت أني وجدتُ رجلًا قويًا أمينًا مسلمًا أستعمله عليهم، فقال رجلٌ: يا أمير المؤمنين! أنا والله أدلّك علي الرجل القوي الأمين المسلم، وأثنى عليه، فقال عمر: ومن هو؟ قال: عبد الله بن عمر، قال عمر: قاتلك الله، واللهِ! ما أردتَ اللهَ بها (٢). فانظر كيف مَقَتَه حين ذكر ذلك، وكره ولايَة ولدِه، وكذلك قال عند موته: يَشهدكم عبدُ الله بنُ عمرَ -يعني: في الولاية بعدَه-، ولا حقَّ له فيها، فلم يجعل إليه شيئًا، لا في حياته، ولا بعد موته. وبه إلي ابنِ الجوزيِّ، أنا عبدُ الوهابِ بنُ المباركِ، أنا أبو الحسينِ بنُ عبدِ الجبارِ، أنا القاضي أبو عبدِ الله النصيبيُّ، ثنا إسماعيلُ بنُ سعيدٍ، ثنا أبو بكير الأنباريُّ، ثنا أبو عبدِ الله المقدَّمِيُّ، ثنا أحمدُ بنُ المقدامِ، ثنا مرحومُ بنُ عبدِ العزيزِ، ثنا عاصمُ بنُ بهدلةَ،

стр. 190

قال: كان عمرُ بنُ الخطاب جالسًا مع أصحابه، فمرّ به رجلٌ، فقال له: ويل لك يا عمرُ من النار، فقال رجلٌ: يا أمير المؤمنين! ألا ضربته؟ -وأُقسمُ بالله لو قال مثلَها رجلٌ لقطج، لَقَطَع لسانه، أو عاقبه العقاب الشديد- فقال له رجلٌ- أظنه عليًا-: ألا سألته؟ فقال: عليَّ الرجل، فقال له: لِمَ قلتَ ذلك؟ قال: تستعمل العامل، وتشرط عليه شروطًا، ولا تنظر في شروطه، قال: وما ذاك؟ قال: عاملُكَ علي مصر اشترطْتَ عليه شُروطًا، فترك ما أمرتَه به، وانتهكَ ما نهيته عنه. وكان عمر إذا استعمل عاملًا، اشترط عليه: أن لا يركب دابةً، ولا يلبس رقيقًا، ولا يأكل نقيًّا، ولا يغلق بابه من حوائج الناس وما يصلحهم. قال: فأرسل إليه رجلين، فقال: سَلا عنه، فإن كان كذبَ عليه، فأعلماني، وإن كان صدق، فلا تملِّكاه من أمره شيئًا حتى تأتياني به، وإن وجدتماه أغلقَ بابه دون الناس، فأحرقا بابه- وكان يأمر بذلك-، قال: فقدما، فسألا عنه، فوجداه قد صدق عليه، فاستأذنا ببابه، فقيل: إنه ليس عليه إذن، فقالا: ليخرجنَّ إلينا، أو لنحرقنَّ بابه، وجاء أحدُهما بشعلة من نار، فلما رأى ذلك حاجبُه، أخبره، فخرج إليهما، فقالا: إنا رسولا عمر لتأتيه، فقال: إن لي حاجة حتى نتزود، قالا: ما أنت بالذي تأتي أهلك، فاحتملاه، فأتيا به عمرَ، فسلم عليه، فقال: من أنت ويلك؟ قال: عاملُك علي مصر -وكان قد ابيضَّ وسَمِنَ من ريف مصر-، قال: استعملتُك، وشرطتُ عليك شروطًا، فتركتَ ما أمرتُك به، وانتهكْتَ ما نهيتتُك عنه، أما والله! لأعاقبنَّك عقوبةً أبلغ إليك فيها، ائتوني بدرَّاعة من كساء، وعصا، وثلاثِ مئةِ شاةٍ من شاءِ الصدقة، فقال: البسْ هذه الدرَّاعة، فقد رأيت

стр. 191

أباك، وهذه خيرٌ من دراعته، وهذه خيرٌ من عصاه، ودفع إليه العصا، وقال: اذهب بهذه الشياه، فارعَها في مكان كذا وكذا، وذلك في يوم صائف، ولا تمنعِ السابلةَ من ألبانها ولحومِها شيئًا، واعلم أنا آلَ عمر لم نصب من شاء الصدقة، ولا من ألبانها ولحومها شيئًا. فلما ذهب، ردّه، فقال: أفهمتَ ما قلتُ لك؟ وردَّد عليه الكلام ثلاثًا، فلما كان في الثالثة، ضرب بنفسه الأرض بين يديه، وقال: ما أستطيع ذلك، فإن شئتَ، فاضربْ عنقي. قال: فإن رددتُك إلي عملك، أيَّ رجلٌ تكون؟ قال: لا ترى مني إلا ما تحبُّ، فردّه، فكان خيرَ عامل (١). وهكذا ينبغي للسلطان أن ينتقد عمّاله. وبه إلي ابنِ الجوزيِّ، أنا ابنُ ناصرٍ، أنا المباركُ بنُ عبدِ الجبار، وعبدُ القادرِ بنُ محمّدٍ، قالا: ثنا أبو إسحاقَ البرمكيُّ، أنا أبو بكرِ بنُ بخيتٍ، أنا أبو جعفرِ بنُ ذريحٍ، ثنا هَنّادٌ، ثنا أبو معاويةَ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن أبي عثمانَ، قال: استعمل عمرُ بنُ الخطاب رجلًا من بني أسدٍ علي عمل، فدخل ليسلِّمِ عليه، فأتى عمرُ ببعض ولده، فقبَّله، فقال له الأسدي: أتقبِّلُ هذا يا أمير المؤمنين؟ فواللهِ! ما قبلت ولدًا لي قَطّ. فقال عمر: فأنتَ واللهِ بالناسِ أقلُّ رحمة، لا تعملُ لي عملًا، فردّ عهده (٢). وبه إلي ابنِ الجوزيِّ، أنا عبدُ الوهابِ بنُ المباركِ، ثنا

стр. 192

أبو الحسينِ بنُ الطيوريِّ، ثنا الحسينُ بنُ عليٍّ الطباشيريُّ، أنا أبو جعفرٍ السلميُّ، أنا أبو بكرٍ الباغنديُّ، ثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، ثنا الفضلُ بنُ دُكَيْنٍ، عن حمادِ بنِ زيدٍ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، قال: قال عمرُ بنُ الخطاب: والله! لأنزعنّ فلانًا عن القضاء، ولأستعملن على القضاء رجلًا إذا رآه الفاجر، فَرِقَه. وروي: أن عمرَ وجَد على بعض عماله، فترامى على زوجةِ عمرَ، فقالت له: يا أمير المؤمنين! فيمَ وجدْتَ عليه؟ فقال: يا عدوةَ الله! فيما أنت وهذا؟ إنما أنتِ لعبةٌ يلعب بك، وتتركين (١). وروينا عن الحسنِ: أن عمرَ قال: إن عشتُ، لأسيرنَّ في الرعية حولًا، وأعمل للناس، فإن حوائجهم تقطع عني آمالهم، فلا يصلون إليّ، وعمالُهم لا يرفعونها إليّ، أسيرُ إلي الشام، فأُقيم بها شهرين، ثم أسير إلي مصر، فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلي البحرين، فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلي الكوفة، فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلي البصرة، فأقيم بها شهرين (٢). وروينا عن زيد بن وهب (٣). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأنجس من فعلهم هذا وأقبح: أنهم قد استعملوا الحطّ على بعضهم والذمَّ، يدخل أحدُهم على الأتراك، فيذكر رفيقه أو غيره، حتى

стр. 193

ولو كان من خير الناس وأعلمِهم، فيذمُّه ويحقِّره، ويقع فيه بالنقائص و [الشتم] حتى لايجعله مسلمًا، فأوجبَ ذلك لهم منهم المقتَ والبعدَ، والطمعَ فيهم، والازدراء لهم؛ بحيث إن الفقهاء قد صاروا عندهم أنجسَ خلق الله، وأبخسه، ولو أن أهل العلم صانوه، صانهم، ولو عظّموه في النفوس، لَعُظّم. أخبرنا جَدِّي، أنا الصلاحُ بنُ أبي عمرَ، أنا الفخرُ بنُ البخاريِّ، أنا حنبلٌ، أنا ابنُ الحُصينِ، أنا ابنُ المُذْهِبِ، أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ، أنا عبدُ الله بن أحمدَ، حدثني أبي، ثنا مؤمل بنُ إسماعيلَ، ثنا حَمَّادُ بنُ سلمةَ، ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ، قال: سمعتُ النبيّ ﷺ يقول: " يَكُونُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ اثْنَا عَشَرَ خَلِيَفَةً" (١). وبه إلي الإمامِ أحمدَ، ثنا وكيعٌ، ثنا الأعمشُ، عن سهلٍ أبي الأسدِ، عن بكرٍ الجزريِّ، عن أنسٍ، قال: كنا في بيت رجلٌ من الأنصار، فجاء رسولُ الله ﷺ ، فأخذ بِعِضادَتَي الباب، فقال: "الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَهُمْ عَلَيْكُمْ حَقٌّ، وَلَكُمْ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَإِذَا اسْتُرْحِمُوا، رَحِمُوا، وَإِذَا حَكَمُوا، عَدَلُوا، وَإِذَا عَاهَدُوا، وَفَوْا، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" (٢).

стр. 194

وبه إلي الإمامِ أحمدَ، ثنا حسنُ بنُ موسى، ثنا سكينُ بنُ عبدِ العزيزِ، عن سيارِ بنِ سلامةَ أبي المنهالِ الرياحيِّ، قال: دخلتُ مع أبي على أبي بَرْزَةَ الأسلَمِيِّ، وإن في أذني يومئذٍ لَقُرطين، وإني لغلام، قال: فقال أبو برزة: إني أحمدُ الله أني أصبحت لائمًا لهذا الحيِّ من قريش، فلانٌ ههنا يقاتل على الدنيا، وفلان ههنا يقاتل على الدنيا، وفلان ههنا يقاتل على الدنيا -يعني: عبد الملك بن مروان-، قال: حتى ذكر ابنَ الأزرق، قال: ثم قال: إن أحبَّ الناسِ إليّ لهذه العصابةُ المائدة، الخميصةُ بطونُهم من أموال المسلمين، والخفيفةُ ظهورُهم من دمائهم، وقال: قال رسول الله ﷺ : "الأُمَرَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ، الأُمَرَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ، الأُمَرَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ، عَلَيْهِمْ حَقٌّ، وَلَكُمْ عَلَيْهمْ حَقٌّ فَافْعَلُوا -ثلاثًا- مَا حَكَمُوا فَعَدَلُوا، وَاسْتُرْحِمُوا فَرَحِمُوا، وَعَاهَدُوا فَوَفَوْا، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَعَلَيْهِ لعنةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" (١). وبه إلي الإمامِ أحمدَ، ثنا سليمانُ بنُ داود، ثنا سكينٌ، ثنا سيّارُ بنُ سلامةَ، سمع أبا برزةَ، يرفعُه إلي النبي ﷺ ، قال: "الأئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ، إِذَا اسْتُرْحِمُوا رَحِمُوا، وَإِذَا عَاهَدُوا وَفَوْا، وَإِذَا حَكَمُوا عَدَلُوا، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وِالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" (٢).

стр. 195

وبه إلي الإمامِ أحمدَ، ثنا حسنٌ، ويحيى بنُ إسحاقَ، ثنا ابنُ لَهيعةَ، قال: حدثنا خالدُ بنُ أبي عمرانَ، عن القاسمِ بنِ محمّدٍ، عن عائشةَ، عن رسولِ الله ﷺ : أنه قال: "أَتَدْرُونَ مَنِ السَّابِقُونَ إِلَي ظِلِّ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ "، قالوا: الله ورسولُه أعلم، قال: "الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لأنْفُسِهِمْ" (١). وبه إلي الإمامِ أحمدَ، ثنا يحيى، عن عبيدِ الله، أخبرني نافعٌ، عن ابنِ عمر، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَي الْمَرْءِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلاَ سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ" (٢). وبه إلي عبدِ الله بنِ الإمامِ أحمدَ، ثنا عبيدُ الله بنُ عمرَ القواريريُّ، ثنا ابنُ مهديٍّ، عن سفيانَ، عن زبيدٍ، عن سعدِ بنِ عُبيدة، عن أبي عبدِ الرحمن السلَميِّ، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ اللهِ" (٣).

стр. 196

وبه إلي الإمامِ أحمدَ، ثنا محمّدُ بنُ جعفرٍ، ثنا شعبةُ، عن محمّدِ بنِ أبي يعقوبَ، سمعت شقيقَ بنَ حيّانَ يحدِّثُ عن مسعودِ بنِ قَبيصَة، [أو قبيصة] بنِ مسعودٍ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إِنَّهُ سَتُفْتَحُ لَكُمْ مَشَارِقُ الأَرْضِ وَمَغَارِبُهَا، وَإِنَّ عُمَّالَهَا في النَّارِ، إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللهَ، وَأَدَّى الأَمَانَةَ" (١). أخبرنا جدِّي وغيرُه، أنا الصلاحُ بنُ أبي عمرَ، أنا الفخرُ بنُ البخاريِّ، أنا ابنُ طبرزذ، أنا أبو الفتح الدُّوميّ، أنا أبو بكرٍ الخطيبُ، أنا أبو عمرَ الهاشميُّ، أنا أبو عليٍّ اللؤلؤيُّ، أنا أبو داودَ، ثنا موسى بنُ عامرٍ، ثنا الوليدُ، ثنا زهيرُ بنُ محمّدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةَ ﵂، قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِالأمِيرِ خَيْرًا، جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ، إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ، جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ، إِنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ، وَإِنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ" (٢). • • •

стр. 197

[الباب السَّادس فيما لكل واحد من الحق والطاعة، ومن لا تجب طاعته] فصل الأمور والحقوق التي يجب على الحاكم [أن] يقدّم أكثَرها ولا يخرج من الإمامة إلا بالكفر -والعياذُ بالله-، فلا يجب حينئذ له طاعةٌ، فإن كان الكفرُ بارتكاب بِدْعَة التجهُّمِ، أو الاعتزالِ أو الرفضِ: فقد اختلف العلماءُ فيه. وكذلك اختلفتِ الروايةُ عن الإمام أحمدَ فيه، في ذلك نَقْلُ روايتين: إحداهما: يخرج به من الإمامة. والثانية: لا يخرج به. فصل فأما إن عمل بالمعاصي: فإنه لايخرج بذلك من الإمامة، ولا يخرج من الطاعة بذلك منه.

стр. 198

وأما إن أَمَر الناسَ بالمعاصي: فلا تجب طاعتُه في ذلك، فلا طاعةَ في ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج، ولا ارتكاب المعاصي: فلا طاعةَ في قتل نفسٍ محرَّمَة، ولا زِنًا، ولا شربِ خمر، ولا معاملةٍ بالربا، ولا لِواطٍ، ولا اكلِ أموال الناس بالباطل، ونحو ذلك. فصل وعلي الناس نصرةُ الإمام، والقتالُ معه، والنصحُ له، والدعاءُ له، وكذلك عليه النصحُ لهم، وعدمُ الغش، والذبُّ عنهم، ورحمتُهم جهده. فصل وأفضلُ الشهداء كلمةُ حَقٍّ بين يَدَيْ سلطانٍ جائر، فكان فيه حتفُه، كما روينا ذلك في الحديث (١)، وقد ذكرنا على أنه لا ينكر على الإمام إلا موعظة. وقد روينا: أن رجلًا جاء إلي بعض الخلفاء، فقال له: إني أريد أن أكلمك كلامًا فيه غِلْظَة، فاحتملْه لي، فقال: لا ولا نعمةَ عينٍ ولا كرامةَ؛ فإن الله بعث مَنْ هو خيرٌ منك إلي من هو شرٌّ مني، وأمرَه أن يكلمه كلامًا لَيِّنًا (٢).

стр. 199

وقد أخبرنا جدِّي وغيرُه، أنا الصلاحُ بنُ أبي عمرَ، أنا الفخرُ بنُ البخاريِّ، أنا أبو عبدِ الله بنُ راجحٍ، أنا السلفيُّ، أنا أبو الحسنِ العلاّفُ، ثنا أبو الحسنِ الحماميُّ، ثنا أبو بكرٍ الموصِليُّ، ثنا محمّدُ بنُ معدانَ، ثنا أبو عمرٍو النحويُّ، عن الفضل بنِ الربيعِ، قال: بينا أنا ذاتَ ليلة في منزلي بمكة، إذ أتاني رجلٌ، فدقّ بابي، فخرجت، فإذا أنا بهارون، فقلت: يا أمير المؤمنين! لو أرسلتَ إليّ حتى آتِيَك، قال: ويحك يا عباسي! إنه حاك في صدري شيء، فهل تعرف لي أحدًا من العلماء؟ فقلت: نعم، سُفيان بنُ عُيينة، قال: وهو شاهد؟ قلت: نعم، فانطلقنا إليه، فدققتُ عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: أجبْ أميرَ المؤمنين، فخرج مسرِعًا، فقال: يا أمير المؤمنين! لو أرسلتَ إليّ حتى آتيَكَ، قال: خذ لما جئناكَ له، فحدَّثه ساعة، ثم قال له: يا ابنَ عُيينة! أعليك دَيْن؟ قال: نعم يا أميرَ المؤمنين، قال: يا عباسي! اقضِ دينه. فخرجنا من عنده، فقال لي: يا عباسي! ما أغنى عني صاحبُك شيئًا، فهل تعرف لي غيرَه؟ قلت: نعم، عبدُ الرزاق الصنعانيُّ، فدققتُ الباب، فقال لي: من هذا؟ فقلت: أجبْ أميرَ المؤمنين، فخرج مسرعًا، فقال مثلَ ما قال سفيانُ، فقال: خذ لما جئناك له، فحدَّثه ساعة، فقال: يا عبد الرزاق! أعليك دَيْن؟ قال: نعم، قال: يا عباسي! اقض دينه. قال: فخرجنا، فقال: يا عباسي! ما أغنى صاحباك شيئًا، فهل تعرف غيرَهما؟ قلت: نعم،

стр. 200

ههنا فُضيل بنُ عياض، قال: وشاهد هو؟ قلت: نعم، قال: فأتينا فضيلًا، فإذا هو في غرفة له قائمٌ يصلي يتلو آية من القرآن، فجعل يردِّدها، فجعل هارونُ يستمع ويبكي، وكان هارون رجلًا رقيقًا، قال: فدققتُ عليه الباب، فقال: من هذا؟ قلت: أجبْ أمير المؤمنين، فقال: مالي ولأمير المؤمنين؟ قلت: رحمك الله، أوما عليك طاعة؟ قال: أو ليسَ قد رُوي عن النبي ﷺ : "لَيْسَ لِلْمُومِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ"؟ فنزل ففتح الباب، ثمّ طلع الغرفة، فأطفأ السراج، ثمّ التجأ إلي زاوية من زوايا الغرفة، قال: فجعلتُ أجول أنا وهارون في البيت بأيدينا، فسبقت كفُّ هارون كفي إليه، فسمعتُه وهو يقول: أوّه من كَفٍّ ما ألينَها إن نجتْ غدًا من عذاب الله تعالي، قال: فعلمتُ أنه سيكلمه بكلام نقي من قلب نقي، قال: خذ لما جئناك له، فقال: يا أمير المؤمنين! لما ولي عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ الخلافةَ دعا سالمَ بنَ عبدِ الله بنِ عمر ﵃، ومحمّدَ بنَ كعبٍ القرظيَّ، ورجاءَ بنَ حيوةَ الكنديَّ. فقال: ويحكم! إني قد بُليتُ بهذا البلاء، فأشيروا عليَّ، فعدَّ الخلافة بليةً، وعَدَدْتَها نعمةً أنت وأصحابُك، فقال: سالم بنُ عبد الله: يا أمير المؤمنين! إذا أردتَ النجاة غدًا من عذاب الله ، فصم [عن] الدنيا، وليكن إفطارُك منها الموت. وقال له محمّدُ بنُ كعبٍ القرظيُّ: يا أمير المؤمنين! إذا أردتَ النجاة غدًا من عذاب الله ، فليكن كبيرُ المسلمين عندك أبًا، وأوسطُهم عندك أخًا، وأصغرُهم عندك ولدًا، فأكرِمْ أباك، ووقّرْ أخاك، وتحنّنْ على ولدِك.

стр. 201

وقال له رجاءُ بنُ حيوةَ: يا أمير المؤمنين! إذا أردتَ النجاة غدًا من عذاب الله ، فأحبَّ للمسلمين ما تحبُّ لنفسك، واكرهْ لهم ما تكرهُ لنفسك، ثم مُتْ إذا شئت. وإني أقول لك هذا، وإني لأخافُ عليك أشدَّ الخوف من يومٍ تزلُّ فيه الأقدام، فهل معك مثلُ هذا -رحمك الله-، أو من يأمرُك بمثل هذا؟ فبكي هارونُ حتى غُشي عليه. فقلت له: ارفقْ بأميرِ المؤمنين -رحمك الله-، فقال: يا بن أم الربيع! تقتلُه أنت وأصحابُك، وأرفُقُ به أنا؟! قال: فأفاق هارون، ثم استوى جالسًا، فقال: زدني، فقال: يا أمير المؤمنين! بلغني أن واليًا لعمرَ بنِ عبد العزيزِ شُكي إليه، فكتب إليه: يا أخي! أذكّرك طولَ سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، فإنَّ أجلك يطردُك إلي الموت نائمًا ويقظانًا، وإياكَ أن ينصرف بك من عند الله ، فيكون آخر العهد، وينقطع الرجاء. فلما قرأ الكتاب، طوى البلاد حتى قَدِم على عمر، فقال: ما أقدمَكَ؟ قال: قد خلعْتَ قلبي بكتابك، ولا أعودُ إلي ولاية حتى ألقي الله . فبكي هارون حتى غُشي عليه، ثم استوى جالسًا، فقال: زدني- يرحمك الله-، قال: إن أباك عمَّ المصطفي ﷺ سأل المصطفي ﷺ : فقال: أمِّرْني، فقال: "يَا عَبَّاسُ! يَا عَمَّ رَسُولِ اللهِ! نَفْسٌ تُحْيِيهَا خَيْر مِنْ إِمَارَة لَا تُحْصِيهَا؛ فَإِنَّ الإِمْرَةَ حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". قال: زدني، قال: يا حسن الوجه! أنت الذي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجهَ الحسنَ من النار، فافعل، ولا تصبح وتمسي وفي قلبك لأحدٍ

стр. 202

من أهل ولايتك غِشّ؛ فإن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ [شَيْئًا]، فَأَصبَحَ لَهُمْ غَاشًّا، لَمْ يَرحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ". قال: رحمك اللهُ! هل عليك دَيْن؟ قال: نعم، دين لربي ﵎ لم يحاسبني بعدُ، فويل لي إن ناقشني، وويلٌ لي إن ساءَلَني، وويلٌ لي إن وافقني، وويلٌ لي إن لم أُلْهَم حجتي. قال: أُعفيكَ من دين العباد؟ قال: لا، لأن عندي خيرًا كثيرًا لا أحتاج معه إلي ما في أيدي الناس. قال أبو عمر: كأنه يعني القرآنَ والسننَ والدعاء. قال: فهذه ألفُ دينار خذْها تستعين بها على عيالك وزمانك، وتوسِّع بها عليهم، قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، أمرني أن أُطيع أمره، وأصدّق وعدَه، وقد قال- تبارك وتعالي-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]، فراجعَه، فقال: يا هذا! أنا أصفُ لك طريقَ النجاة، وأنت تكافئني بمثل هذا؟! ثم صَمَتَ فلم يردَّ علينا شيئًا حتى خرجْنا من عنده، فقال هارون: يا عباسي! إذا دَلَلْتَنى، فدلّني على مثلِ هذا، هذا سيدُ المسلمينَ اليومَ (١). وقد قرأتُ هذه الحكايةَ على الشيخْ شهابِ الدين بنِ هلالٍ، فكتب لي بخطه: عن ابنِ المحبِّ، عن النابلسي، عن الواسطيِّ، عن الشيخ موفقِ الدين، وبعضهم ينكر ذلك.

стр. 203

وقرأ بها على الشهاب بن الشريفة، عن المشايخ الثلاثة، أنا شيخُ الإسلام بنُ أبي عمر وغيرُه، أنا شيخُ الإسلام موفقُ الدينِ، أنا محمد، ثنا أحمدُ، ثنا سليمانُ بنُ أحمدَ، ثنا محمّدُ بنُ زكريا الغلابيُّ، ثنا أبو عمرَ الحرميُّ، ثنا الفضلُ بنُ الربيع، فذكره، وفيه: أن هارون قال له: هذه ألفُ دينار خذْها لك، فأنفقها، وتقوَّ على عبادة ربك، فقال: يا سبحان الله! أدلُّك على النجاة، وأنت تكافئني بمثل هذا؟! سلَّمك الله، ووفقك، ثم صَمَتَ فلم يكلِّمنا، فخرجنا من عندِه، فلمَّا أَنْ صرنا من عندِه على الباب، قال لي هارون: يا عباسي! إذا دَلَلْتَني على رجلٌ، فدُلَّني على مثلِ هذا، هذا سيدُ المسلمين اليوم. قال غيرُ أبي عمَر: فبينما نحن كذلك، إذ دخلَتْ عليه امرأةٌ من نسائه، فقالت: يا هذا! قد ترى سوءَ ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلْتَ هذا المال، تَفَرَّجنا به، فقال: مثلي ومثلُكم كمثل قوم لهم بعير يأكلون من كَسْبه، فلما كبر، نحروه، وأكلوا لحمَه، فلما سمع هارونُ الكلام، قال: نرجعُ، فنسعى أن يقبل المال، قال: فدخل، فلمّا علم فُضيلٌ، خرج، فجلس على تراب في السطح على باب الغرفة، فجاء هارونُ فجلس إلي جنبه، فجعل يكلِّمه، فلم يجبهُ، فبينما نحن كذلك، إذ خرجت جاريةٌ سوداءُ، فقالتْ: يا هذا؟ لقد آذيتَ الشيخَ منذُ الليلة، فانصرِفْ -رحمك الله-، قال: فانصرفْنا (١).

стр. 204

أخبرنا جماعةٌ من شيوخِنا، أنا ابنُ المحبِّ، أنا القاضي سليمانُ، أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ، أنا أبو عبدِ الله القرشيُّ، أنا أبو الحسنِ الغسّانيُّ، أنا ابنُ أبي الحديدِ، أنا جَدِّي، أنا ابنُ زَبْرٍ، ثنا أبو عمرانَ الجونيُّ، ثنا ابنُ أخي الأصمعيِّ، قال: حدثني عمي، قال: كنت عند أمير المؤمنين الرشيد، ومعنا سعيدُ بنُ سلم، فلما كان نحوُ نصفِ النهار، انصرفنا، فإذا نحن بيهوديين ضريرين، أحدُهما يقود صاحبه، فقال أحدُهما للآخر -وليس يعلم أن أحدًا يسمع كلامهما-: ويحك! قد أفرح سيدي الحرسي قلوبَ الخلق، فقل معي: يا حليمُ ذو أناةٍ لا تعجَلْ على الخاطئين، وإنما تؤخِّرهم إلي يومٍ تشخَصُ فيه الأبصار، لا طاقةَ لنا بسَعَةِ حِلْمِك عن سيدي الحرسيِّ، وأنت العليمُ الحكيم. قال الأصمعي: فقلتُ لسعيد: هل سمعتَ؟ قال: قد سمعتُ، قال الأصمعي: فلمَّا وصلتُ إلي منزلي، رميتُ ثيابي لأستريح، فإذا رسولُ الخليفةِ يدعوني إليه، فراعَني ذلك، وصرتُ مع الرسول، فإذا هو جالسٌ في مجلسه ذلك، فقال لي: لا تُرَعْ، إنكم لمّا نهضتم، غفوتُ، فإذا قائل يقول لي: اعزلْ سيدي الحرسيَّ عن رقابِ الناس، وسلِ الأصمعيَّ عمّا سمع، قال: فحدثتُه الحديث، فظهر عليه من الخشوع والجَزَع شيء عظيم، وعلم أنها دعوةٌ استجيبت من وقتها، وبعث فأشخص إلي حرسيٍّ، فضربه ألفَ سوط، ثم أخذ صفَة اليهوديين، وأمر بطلبهما من بغدادَ كلِّها، ومساءلة اليهود عنهما، فلم يعرفوهما، ولا سُمع لهما بذكر، ولا بمعرفة. قلت: إنما هما مَلَكان تمثّلا في تلك الصورة، والله أعلم.

стр. 205

أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا، أنا ابنُ البالسيِّ وغيرُه، أنا الحافظُ المِزِّيُّ، أخبرتنا ساميةُ بنتُ البكريِّ، أنا ابنُ طبرزذ، أنا أبو القاسمِ السمرقنديُّ وغيرُه، قالوا: أنا أبو الحسينِ بنُ النقّورِ، أنا أبو الطاهرِ المخلصُ، ثنا أبو الحسنٍ الصيدلانيُّ، حدثني أبو الهيثمِ الغنويُّ، ثنا الرياشيُّ، ثنا شيبانُ بنُ فرُّوخَ، قال: وفدَ على عمر ﵁ وفد، قال: وكان منهم شابٌّ، فتكلم الشابُّ، فنظر إليه عمَر، فحدَّد النظر، ثم قال: الكبرُ الكبرُ، قال الشابُّ: يا أميرَ المؤمنين! ليس بالكبير ولا بالصغير، ولو كان بالكبر، لقد كان في الناس من هو أكبرُ منك، قال: صدقت، فتكلم، قال: ما جئناك لرغبةً ولا لرهبة، قال: فنظر إليه عمرُ -أيضًا-، فقال: أما الرغبةُ، فقد أتتنا في منازلنا، وأما الرهبةُ، فقد أمِنَّا جَوْرَكَ، ولكنّا وفدُ الشكر، قال: فسُرِّيَ عن عمرَ، وقال: ناقتي إذًا لك عقلًا فظني، فقال: إن قومًا أكثروا بالله فيك، فأثْنَوْا عليكَ بما ليس فيك، فلا يَغْرُرْك اغترارُهم بالله فيك عمّا تعرفُه من نفسك. قال: فبكي عمر ﵁ حتى سقط (١). أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا، أنا ابنُ المحبِّ، أنا القاضي سليمانُ، أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ، أنا أبو محمّدٍ الحلوانيُّ، أنا أبو عليٍّ النَّسَفِيُّ، أنا أبو أحمَد المطوّعيُّ، أنا أبو بكرٍ محمّدُ بنُ الفضلِ، ثنا عبدُ الله بنُ محمّدٍ، ثنا أبوالفضلِ محمّدُ بنُ داودَ، ثنا محمّدُ بنُ عبس، ثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: كان رجلٌ ينادي:

стр. 206

لا تظلموا الناس عبادَ الله، واتقوا دعوةَ المظلوم، قال: فقيل له: ما قصتك؟ قال: كنتُ رجلًا شرطيًا، فمررت بصياد يصيد، وقد صاد سمكة، فساومته بها، فأبى أن يبيعها مني، فضربتُه، وأخذتُ منه السمكةَ، فبينما هي معلقةٌ، إذ وثبتْ فعضَّتْ على إصبعي، فلما بلغتُ المنزلَ، إذا فيها قُرْحَةٌ منكر، وكان لنا جارٌ ينظر في القروح، فأريتُها إياه، فقال: اقطعها من المفصل، وإلّا دبَّت في يدك، فإنها أكلةٌ، قال: فقطعتُها، فدبّت في ظهر الكفِّ، فقال: اقطعه، فقطعته، فدبّت في ساعدي، قال: اقطعها، فقطعتُها من المرفَقِ، فدبّت في العَضُد، فأتاني آتٍ في منامي، فقال لي: دواؤك عند من ظلمتَهُ، فأتيت الصيادَ، فجلستُ بين يديه وأنا أبكي، فقلت له: حَلِّلْني؛ فقد أصابني من أجلِك هذا، قال: فأخذ الرجلُ يبكي، وقال: اللهمَّ إني جعلتُه في حِلّ، قال: فرأيتُ الدودَ يتناثر من يدي، ثم قال لابنٍ له: احفرْ زاوية البيت، قال: فحفرَ، فأخرج منها جرّةً فيها عشرةُ آلاف درهم، فقال: خذها أنفقْها على نفسك وعيالك، قال: فأخذتُها، وعوفيتُ، فقلت له: هل دعوتَ عليَّ حينَ أوجعتُك وأخذتُ السمكةَ منك؟ قال: نعم، قلت: يا ربّ! خلقتَ هذا قويًا، وخلقتني ضعيفًا، فأَحِلَّ به عقوبةً في الدنيا تكون نكالًا، فهو ما رأيتَ (١). أخبرنا جماعةٌ من شيوخِنا، أنا ابنُ المحبِّ، أنا القاضي سليمانُ، أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ، أنا أبو القاسم زنكي، أنا أبو على العلويُّ، حدَّثه: أن أبا محمّدٍ وزيرَ أبي الحسنِ بنِ بُوَيْه - وكان من أفاضل الوزراءِ

стр. 207

وأتقاهم- ركب يومًا في شدة البرد في الشتاء، فرأى في شاطئ دجلةَ صيادًا قائمًا في الماء بيده شبكةٌ، فقال لحاجبه: هذه مئةُ دينارٍ احملْها إليه، فإنه لم يخضِ الماء في هذا البرد الشديد إلا لضرورة، وقل له: استعنْ بهذه الدنانير، وانصرفْ إلي أهلك، فجاء الحاجبُ، وصاح به، فلم يُجبه، وتزاحم الناس على الشاطئ للنظر، فقرب الحاجب منه، وسلَّم عليه، وقال له: أثقيلُ السمع أنت يا رجلُ؟ فلم يلتفتْ إليه، وقال: أنا صحيحُ الجوارح والجسد، وقال: وقد ازدحم الناس يتصايحون، وأنت مطرقٌ رأسَك لا تبالي، فقال: هؤلاء بطّالون فيما لا تحتاج إليه، وما لي في ذلك من حاجة، فقال الحاجب: إن مولانا رآكَ على هذه الحالة، فرحمَكَ، وأمر لك بهذه الدنانيرِ مئة صحاح، فقال: ومَنْ مولاك يا عبد الله؟ قال: مولاي الوزيرُ أبو محمد، قال: بل مولانا ومولاه الله تعالي، أمّا رحمتُه إيّاي، فأنا أَوْلي أن أرحمه؛ لأنه اجتمع عليه أثقال هذه الأعمال في الدنيا، وأوزارُها في الآخرة، وأمّا ما أنفذَ إليّ، فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يريدَ اللهَ تعالي، أو الرياءَ والسمعةَ، فإن أراد اللهَ تعالي، فليردَّ [هُ] على الذين عفتهم حقوقهم، وإن أراد الرياءَ والسمعة، فليفرِّقْها في مئة نفر، فتظهر في الأسواق، ويكون أعظم لذكره وأكثرَ؛ فإني رجلٌ خاملٌ، ولا حاجة لي فيها، وأنا من ربي بخير، فأراد الحاجبُ أن يجيبه، فلم يلتفت إليه، ولم يسمع كلامه، وانصرف الحاجب بالدنانير منكسِرًا خائبًا، ولم يقبل منه شيئًا. أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا، أنا ابنُ المحبِّ، أنا أبو محمّدٍ عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ الواحدِ، وجَدِّي أبو العباسِ، قالا: أنا عبدُ الله

стр. 208

الخشوعيُّ، أنا أبي أبو طاهرٍ، أنا أبو محمّدِ بنُ الاكفانيِّ، أنا أبو محمّدٍ الكتانيُّ، أنا أبو بشرٍ المزنيُّ، أنا ابنُ زبرٍ، أنا أبي، قال: ذكر عبدُ الجبارِ بنُ سعيدٍ، عن أبيه، عن محمّدِ بنِ إبراهيمَ، قال: حضرت أبا جعفرٍ المنصورَ بالمدينة، وعنده ابنُ أبي ذئبٍ، فقال له أبو جعفرٍ: يا بن أبي ذئب! أخبرْني بحالات الناس، فقال: يا أمير المؤمنين! هلك الناس، وضاعت أمورُهم، فلو اتقيتَ الله فيهم، وقسمتَ فيهم فيئهم. قال: ويلَكَ يا بن أبي ذئب! لولا ما بعثنا بذلك الفيء من البعوث، وسددنا به من الثغور، لأتيت في منزلك، وأُخذت بعنقك، وذُبِحْتَ كما يُذبَح الجمل. فقال ابن أبي ذئب: يا أمير المؤمنين! قد بعثَ البعوثَ، وسدَّ الثغورَ، وقسم فيهم فيئهم غيرُك، قال: وَيْلَكَ! ومن ذاك؟ قال: عمرُ بنُ الخطاب. قال: فأطرق أبو جعفرٍ إطراقةً، ورفع رأسه، وقال: إن عمر بن الخطاب ﵁ عملَ لزمانٍ، وعملنا لغيره. فقال: يا أمير المؤمنين! إن الحقَّ لا ينقلُه الزمانُ عن مواضعه، ولا يغيرُهُ عن وجهه. قال: أحسبُكَ يا بن أبي ذئبٍ طعَّانًا على السلطان؟ قال: لا تقلْ ذلك يا أمير المؤمنين، فوالذي يُمسِكُ السماءَ أن تقع على الأرض إلا بإذنه، لَصلاحُكَ أحبُّ إليَّ من صلاح نفسي، وذاك أنَّ صلاحي لنفسي لا يَعْدوها، وصلاحك لجميع المسلمين. قال: فأطرق أبو جعفر، وإن المسيب والحرس قيامٌ على رأسه بأيديهم السيوفُ المسللةُ. قال: ثم رفع رأسه، وقال: من أراد أن ينظر إلي خير أهلِ الأرض اليومَ، فلينظرْ إلي هذا الشيخ -وأومأ إلي ابن أبي ذئب-. قال: فقلت في نفسي: أشهدُ أن الله وليُّ الذين آمنوا، وهو منجي المتقين.

стр. 209

وبه إلي ابنِ زبرٍ، أنا أبي، أخبرني عبدُ الله بنُ مسلمٍ، عن أحمدَ بنِ يحيى، عن محمّدِ بنِ إدريس الشافعيِّ، قال: قدم أبو جعفرٍ المنصورُ المدينةَ حاجًّا، فأتته الوفودُ من كل بلد يشكون إليه الأمراءَ، فأتاه أهلُ اليمن يشكون معنَ بنَ زائدة، وأتاه بنو أبي عمرو الغفاريِّ من أهل المدينة يشكون أميرهم الحسنَ بنَ زيد، فقال وفدُ اليمنِ لأبي جعفر المنصور -وقد أحضر ابن أبي ذئب والعلماء-: يا أمير المؤمنين! إن معن بنَ زائدة قد تعدَّى علينا، وأساء فينا السيرةَ، وقد رضينا بابن أبي ذئب، فقال له أبو جعفر: ما تقولُ في معنِ بنِ زائدةَ؟ قال: قَوْلي فيه وعلمي به أنه عدوُّ الله، يقتل المسلمين بغير حق، والمعاهَدين، ويحكم بغير ما أُنزل، ويفسد العبادَ والبلاد. قال: ثم تقدَّمَ الغفاريون يشكون الحسنَ بنَ زيدٍ وسيرتَه فيهم، وقالوا: قد رضينا بابن أبي ذئب، فأطبق عليه ابنُ أبي ذئب، وذكره بسوء. فقال الحسنُ بنُ زيدٍ: يا أمير المؤمنين! قد ذَكَرني بما قد ذَكَر، فإن رأى أميرُ المؤمنين أن يسأله عن حال أمير المؤمنين عندَه، فقال أبو جعفر: ما تقول فيَّ يا بن أبي ذئب؟ فقال: أَعْفِني، قال: عزمْتُ عليك، قال: أَعْفِني، قال: لستُ أفعل، قال: فبكي ابنُ أبي ذئب، ثم قال: تسألُني عن نفسِك، أنت أعلمُ بنفسك مني، وما عسى أن أقولَ فيك مما فيك؟ أنت -واللهِ- الرجلُ الذي اتزرت المسلمين أمرَهم، ظلمتَهم، واعتديتَ عليهم، وسفكتَ الدماءَ الحرام، وأخذتَ الأموالَ من غير حِلِّها، ووضعتَها في غير حَقِّها، وأهلكتَ المسلمينَ والفقراء، واليتامى والمساكين. قال محمّدُ بنُ إبراهيم: وبين يَدَي أبي جعفر عمودٌ، فجمع الناسُ

стр. 210

عليهم ثيابهم مخافةَ أن تتلطَّخ عليهم من دمه ودماغه، فلم يهجْه بشيء، وانصرف الناس. فقال عمُّ أبي جعفر له: يا أمير المؤمنين! إن هذا المجلس قد حضره أهلُ الآفاق، وينصرفون إلي البلاد، فيخبرون بما كان إلي أمير المؤمنين من الجرأة، فلو قتلتَ هذا الكلبَ، لئلا يجترئ عليك غيرُه من الناس، فقال له أبو جعفر: ويحكَ! هذا رجلٌ قد بلغت منه صعوبةُ العبادة، وقد سمعَ الحديثَ: "إِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ قَالَهَا عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ، فَقُتِلَ عَلَيْهَا"، فطمع أني أقتلُه، فيصير إلي الجنة، وأُريحه مما هو فيه من صعوبة العبادة، ولا والله! ما أهيجه أبدًا حتى يموتَ أو أموتَ. وبه إلي ابنِ زبرٍ، أنا أبي، ثنا عبد الله بنُ مسلمٍ، عن داودَ بنِ أبي العباس، عن أبيه، عن جدِّهِ، قال: بعث بي المنصورُ إلي ابنِ أبي ذئبٍ أسألُه عن مسألة، فقال: ما هي؟ فذكرتها له، فقال: لا يراني الله أُفتي جبارًا مثلَه في مسألة فيها ضررٌ على المسلمين، قال: فرجعتُ إلي المنصور مُغْضَبًا، فعرف في وجهي ذلك، فقال: لقد جئتَ بغير الوجه الذي ذهبتَ به؟ فقلت: تبعثُ بي إلي مجنون؟ ثم أخبرته، فقال المنصور: الذي لقيتُ أنا منه العامَ في الطواف أشدُّ من هذا، كنتُ بالأسواق إلي أن أراه، فبينا أنا أطوف، إذ قال لي المسيَّبُ: أليس كنتَ تسألُ عن ابن أبي ذئب؟ فقلت: بلي، فقال: هو ذا هو يطوف، فأتيته، فقلت: السلام عليكم ورحمة الله، وناولتُه يدي، قال: فبرق عينيه في وجهي، وقال: من أنت؟ فلقد

стр. 211

أخذتَ يدي أخذَ جبَّار، قلت: أوما تعرفني؟ قال: لا، قلت: أنا أبو جعفرٍ المنصورُ، قال: فجذب يدَه من يدي، وقال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية. قال: قلتُ: يا أمير المؤمنين! فما صنعتَ به، قال: ما عسيتُ أن أفعلَ برجلٍ اللهُ في قلبه عظيمٌ. أخبرنا الحافظُ أبو العباسِ، أنا أبو المعالي الأزهريُّ، أخبرتنا عائشةُ بنتُ عليٍّ، أنا أحمدُ بنُ عليٍّ، أنا البوصيريُّ، أنا الأريافيُّ، أنا ابنُ الفراء، أنا ابنُ الضرابِ، أنا أبي، أنا الدينوريُّ، ثنا الحسنُ بنُ الحسينِ، ثنا أحمدُ بنُ يونسَ، قال: قالَ حفصُ بنُ غياث لابن إدريسَ: مررتُ بطاقِ اللَّحامين، فإذا أنا بعليانَ المحدثِ جالسٌ، فلما آنَ حِزْبُه، سمعتُه يقول: من أراد سرورَ الدنيا وحزنَ الآخرة، فليتمَنَّ ما هذا فيه، فو الله! لتمنيت أني كنتُ متُّ قبلَ أن أَلِيَ القضاءَ (١). أخبرنا جماعةٌ من شيوخِنا، أنا ابنُ المحبِّ، أنا القاضي سليمانُ، أنا الحافظُ ضياءُ الدين، أنا موفق الدينِ، أنا أبو القاسمُ بنُ بُندار، أنا والدي أبو المعالي، أنا أبو عبدِ الله الحسينُ بنُ عليٍّ، أنا المعافى بنُ زكريا، ثنا أحمدُ بنُ جعفرٍ، ثنا أبي، ثنا الربيعُ بنُ ثعلبٍ، قال أحمدُ بنُ

стр. 212

جعفرٍ، وثنا جدِّي، ثنا أبو الليث سلمُ بنُ قادمٍ، ثنا أبو حفصٍ العبديُّ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن الحسنِ، قال: بعث عمرُ بنُ الخطاب ﵁ عُميرَ بنَ سعدٍ أميرًا على حمصَ، فأقام بها حَوْلًا، ثم إن عمر ﵁ كتب إليه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: من عمرَ بنِ الخطابِ إلي عُمير بنِ سعدٍ، سلام عليك، فإني أحمدُ اللهَ الذي لا شريك له، وقد كنّا ولّيناك شيئًا من عملنا، فلا ندري أوفيتَ بعهدنا، أم خنتنا؟ فإذا جاءك كتابي هذا، فاحمل ما قبلك من في المسلمين، ثم أَقْبِل. قال الحسنُ: فلما وقع الكتابُ إليه، أقبل من حمصَ على رجليه، ومعه عَصًا له، وجرابٌ، وقصعةٌ، ومطهرةٌ، فلما قدم على عمر ﵁، قدم عليه رجلٌ شاحبٌ، رَثُّ الهيئة، كثيرُ الشعر، فقال له: سبحان الله يا عمير! ما هذا الذي أرى من سوء حالك، أكانت البلادُ بلادَ سوء، أم هذا منك خديعة؟ فقال عميرٌ: سبحانَ الله يا عمر! ألم ينهكَ ربُّك عن التجسسِ وسوءِ الظنِّ؟ وما الذي ترى من سوء حالي؟ أما تراني طاهرَ الدم، صحيحَ البدن، معي الدنيا بقرابها، فقال له عمر: وما معك من الدنيا يا عمير؟ فقال: معي عصاي أتوكأ عليها، وأقتل بها حيةً إن لقيتُها، ومعي جرابي أحمل فيه طعامي، ومعي قصعتي آكلُ فيها طعامي، وأغسل فيها رأسي وثوبي، ومعي مطهرتي أحمل فيها شرابي ووضوئي لصلاتي، فما كان بعد هذا من الدنيا، فهو تبع لما معي. قال: صدقت -رحمك الله-، فما صنع المسلمون؟ فقال: تركتُهم يوحدون الله ، ويصلون على نبيه ﷺ ، وقد نهانا الله أن نسأل عمّا وراء ذلك. قال: فما صنع أهل الجزية؟ قال: أخذتُ منهم الجزية عن يَدٍ وهم صاغِرون.

стр. 213

قال: فما صنعتَ فيما أخذتَ منهم؟ قال: وفيم أنتَ من ذلك؟ بعثتني أمينًا، فنظرتُ لنفسي، واحتطْتُ لها، والله! لولا أني أكره أن أغمَّكَ، ما حدثتُك بشيء، قدمتُ البلادَ، فدعوت المسلمين على ما يجب عليهم من دينهم، ثمّ قلدتهم ذلك، ثمّ دعوت أهل الكتاب، واستعملت عليهم ناسًا من المسلمين يأخذون منهم الجزية، ثمّ يردونها في فقراء المسلمين ومجهوليهم، ولم ينلك من ذلك شيء، ولو نالك من ذلك شيء، بلّغتكه. فقال عمر: سبحان الله يا عمير! أما كان أحد ينزع بخير، فيحملك على دابة حين أقبلتَ، بئس المسلمون فارقتَ، وبئس المعاهَدون فارقتَ، أما والله! لقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لتوطأنَّ حَريمُهُمْ بِطَرِيقِهِمُ، ولَيُجارُنَّ في حُكْمِهِمْ، ولَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْهِمْ رِجَالٌ إِنْ تَكَلَّمُوا قَتَلُوهُمْ، وَإِنْ سَكَتُوا اجْتَاحُوهُمْ". فقال عمير: سبحان الله يا عمر! أولا أراك تشتهي سفكَ دماءِ المسلمين، وانتهاكَ حريمهم؟ فقال عمر ﵁: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتنهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسَلِّطَن اللهُ عَلَيْكُمْ شِرَاركُمْ، ثُمَّ تَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلاَ يُسْتَجَابَ لَهُمْ". ثمّ قال: هاتوا صحيفة كيما نُحْدِثَ لعميرٍ عهدًا. فقال عمير: كلا والله يا أمير المؤمنين! اتَّقِ اللهَ وأَعْفِني، فوالله! ما كنتُ أنجو مع أَنِّي ما نجوتُ، إني قلتُ لنصرانيٍّ مرة: أجزاك الله، وإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "أَنَا خَصِيم عَنِ الذِّمِّيِّ وَالْيَتيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ أُخَاصِمْهُ أَخْصِمْهُ"، وما يؤمِنُني أن يخاصمَني محمّدٌ ﷺ ؟ ثمّ جعل يبكي. قال الحسن: فبكي عند ذلك عمرُ ﵁، ثمّ صعد

стр. 214

المنبر، فخطب، ثمّ قال: من يكفيها إلا قائمٌ اليومَ يُريحني منها -يعني: الخلافة-؟ ثمّ نزل يشتد حتى أتى قبرَ النبيِّ ﷺ ، وقبر أبي بكر ﵁، فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، ماذا لقيتُ بعدَكما؟! ثمّ قال: اللهمَّ أَلْحِقْ عمرَ بصاحبيه لم يغيرْ ولم يبدل. ثمّ قال لعميرٍ: الْحَقْ بأهلِك. قال الحسن: وبين أهله وبين المدينة ثلاثة أميال، ثمّ إن عمر تبعته نفسُه بعد ذلك، فقال: والله! ما آمَنُ أن يكونَ خدعَنا، فدعا رجلًا من أصحابه يقال له: حبيبُ بنُ جارية، فأعطاه مئة دينار، وقال له: انطلق حتى تنزل على عميرِ بنِ سعدِ ثلاثةَ أيام، وانظرْ إلي مطعمه وملبسه، فإذا انقضت الثلاثةُ، فأعطه هذه المئةَ دينارٍ، فقدم الرسولُ على عمير وهو قاعدٌ في الشمس يَفْلي ثيابه، فسلَّم عليه، فرفع رأسه إليه، ورَحَّب به، ثمّ قال: كيف تركَت أمير المؤمنين؟ قال: صالحًا، وهو يقرأ عليك السلام، قال له: ويحك! فلعلّه استأثر بغيه؟ قال: اللهمَّ لا، ويحك! فلعله جارَ في حكمه؟ قال: اللهمَّ لا، قال: ويحك! فلعلك اطلعت عليه وهو يرتشي؟ قال: اللهمَّ لا، ويحك! فلعلّه يضرب أهلَ القبلة بالسوط؟ قال: نعم، تركته وقد ضربَ ابنًا له بالسوط ضربًا شديدًا حتى بلغ حدًّا، قال: أفي فجره أتاها؟ قال: نعم. قال: اللهمَّ سَلِّمْ عمرَ؛ فإنه لا يُضيع الحدود. قال: ثمّ قال: اللهمَّ إني أُشهدك وأُشهد صاحبي هذا أني لا أعلم عمرَ إلا شديدَ الحبِّ لك ولرسولك.

стр. 215

قال الحسن: فأقام الرسولُ عندهم ثلاثًا، فكان إذا أمسى، أتوه بقُرصة لهم قد أَدموها بزيت، فلما انقضتِ الثلاثة، قال له عميرٌ: يا هذا! تحوَّلْ عنّا، فقد أَجَعْتَنا وأجعتَ عيالنا. وكان الحسن يقول: كان رسولُ الله ﷺ يقول: "حَقُّ الضِّيَافَةِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا أَصَابَ الضَّيْفُ فَوْقَ ذَلِكَ، فَهُوَ صَدَقَةٌ". فلما قال للرسول ما قال، أخرج المئة دينار، فناولها عُميرًا، وقال: هذه صِلَةُ أمير المؤمنين، وخرج الرسولُ، فلما صارت الدنانير في يد عمير، جعل يبكي، فقالت له امرأته لما رأته يبكي: قمْ فأخرجْ هذه الدنانيرَ عني، ولا تَبْك على مال. [فقال لها]: ويحك! تلومينني أن أبكي، وقد صحبتُ رسول الله ﷺ ولم أُبْتَلَ بشيء من الدنيا، ثمّ صحبتُ الأمينَ الصدِّيق أبا بكر ﵁ ولم أُبتلَ بشيء من الدنيا، ثمّ صحبتُ عمرَ ﵁، فابتُليت بالدنيا، ألا وشرُّ أيامي يومَ خُلقت مع عمر إذ ابتُليت بالدنيا، فهل عندك من خير؟ قالت: أنا بحيث تحب، فألقت إليه درعًا لها خَلَقًا، فجعل يَصُرُّ خمسة وأقلَّ وأكثر حتى أتى عليها، ثمّ دار بها على بني الشهداء، ففرقها عليهم. وقدم الرسول على عمر، فقال له: كيف تركتَ أخي؟ قال: يا أمير المؤمنين! جئتُ من عندِ أقلِّ الناس خيرًا، يعمد إلي الخير كلِّه، فيجعله للآخرة، والله! ما أعطاني من تلك الدنانير دينارًا واحدًا. قال: فلعلَّ على أخي دينًا؟ قال: لا والله! ولكني أخليها.
следующие страницы →