أخذتَ يدي أخذَ جبَّار، قلت: أوما تعرفني؟ قال: لا، قلت: أنا أبو جعفرٍ المنصورُ، قال: فجذب يدَه من يدي، وقال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية. قال: قلتُ: يا أمير المؤمنين! فما صنعتَ به، قال: ما عسيتُ أن أفعلَ برجلٍ اللهُ في قلبه عظيمٌ.
أخبرنا الحافظُ أبو العباسِ، أنا أبو المعالي الأزهريُّ، أخبرتنا عائشةُ بنتُ عليٍّ، أنا أحمدُ بنُ عليٍّ، أنا البوصيريُّ، أنا الأريافيُّ، أنا ابنُ الفراء، أنا ابنُ الضرابِ، أنا أبي، أنا الدينوريُّ، ثنا الحسنُ بنُ الحسينِ، ثنا أحمدُ بنُ يونسَ، قال: قالَ حفصُ بنُ غياث لابن إدريسَ: مررتُ بطاقِ اللَّحامين، فإذا أنا بعليانَ المحدثِ جالسٌ، فلما آنَ حِزْبُه، سمعتُه يقول: من أراد سرورَ الدنيا وحزنَ الآخرة، فليتمَنَّ ما هذا فيه، فو الله! لتمنيت أني كنتُ متُّ قبلَ أن أَلِيَ القضاءَ (١).
أخبرنا جماعةٌ من شيوخِنا، أنا ابنُ المحبِّ، أنا القاضي سليمانُ، أنا الحافظُ ضياءُ الدين، أنا موفق الدينِ، أنا أبو القاسمُ بنُ بُندار، أنا والدي أبو المعالي، أنا أبو عبدِ الله الحسينُ بنُ عليٍّ، أنا المعافى بنُ زكريا، ثنا أحمدُ بنُ جعفرٍ، ثنا أبي، ثنا الربيعُ بنُ ثعلبٍ، قال أحمدُ بنُ
стр. 212
جعفرٍ، وثنا جدِّي، ثنا أبو الليث سلمُ بنُ قادمٍ، ثنا أبو حفصٍ العبديُّ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن الحسنِ، قال: بعث عمرُ بنُ الخطاب ﵁ عُميرَ بنَ سعدٍ أميرًا على حمصَ، فأقام بها حَوْلًا، ثم إن عمر ﵁ كتب إليه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: من عمرَ بنِ الخطابِ إلي عُمير بنِ سعدٍ، سلام عليك، فإني أحمدُ اللهَ الذي لا شريك له، وقد كنّا ولّيناك شيئًا من عملنا، فلا ندري أوفيتَ بعهدنا، أم خنتنا؟ فإذا جاءك كتابي هذا، فاحمل ما قبلك من في المسلمين، ثم أَقْبِل. قال الحسنُ: فلما وقع الكتابُ إليه، أقبل من حمصَ على رجليه، ومعه عَصًا له، وجرابٌ، وقصعةٌ، ومطهرةٌ، فلما قدم على عمر ﵁، قدم عليه رجلٌ شاحبٌ، رَثُّ الهيئة، كثيرُ الشعر، فقال له: سبحان الله يا عمير! ما هذا الذي أرى من سوء حالك، أكانت البلادُ بلادَ سوء، أم هذا منك خديعة؟ فقال عميرٌ: سبحانَ الله يا عمر! ألم ينهكَ ربُّك عن التجسسِ وسوءِ الظنِّ؟ وما الذي ترى من سوء حالي؟ أما تراني طاهرَ الدم، صحيحَ البدن، معي الدنيا بقرابها، فقال له عمر: وما معك من الدنيا يا عمير؟ فقال: معي عصاي أتوكأ عليها، وأقتل بها حيةً إن لقيتُها، ومعي جرابي أحمل فيه طعامي، ومعي قصعتي آكلُ فيها طعامي، وأغسل فيها رأسي وثوبي، ومعي مطهرتي أحمل فيها شرابي ووضوئي لصلاتي، فما كان بعد هذا من الدنيا، فهو تبع لما معي. قال: صدقت -رحمك الله-، فما صنع المسلمون؟ فقال: تركتُهم يوحدون الله ، ويصلون على نبيه ﷺ ، وقد نهانا الله أن نسأل عمّا وراء ذلك. قال: فما صنع أهل الجزية؟ قال: أخذتُ منهم الجزية عن يَدٍ وهم صاغِرون.
стр. 213
قال: فما صنعتَ فيما أخذتَ منهم؟ قال: وفيم أنتَ من ذلك؟ بعثتني أمينًا، فنظرتُ لنفسي، واحتطْتُ لها، والله! لولا أني أكره أن أغمَّكَ، ما حدثتُك بشيء، قدمتُ البلادَ، فدعوت المسلمين على ما يجب عليهم من دينهم، ثمّ قلدتهم ذلك، ثمّ دعوت أهل الكتاب، واستعملت عليهم ناسًا من المسلمين يأخذون منهم الجزية، ثمّ يردونها في فقراء المسلمين ومجهوليهم، ولم ينلك من ذلك شيء، ولو نالك من ذلك شيء، بلّغتكه. فقال عمر: سبحان الله يا عمير! أما كان أحد ينزع بخير، فيحملك على دابة حين أقبلتَ، بئس المسلمون فارقتَ، وبئس المعاهَدون فارقتَ، أما والله! لقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لتوطأنَّ حَريمُهُمْ بِطَرِيقِهِمُ، ولَيُجارُنَّ في حُكْمِهِمْ، ولَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْهِمْ رِجَالٌ إِنْ تَكَلَّمُوا قَتَلُوهُمْ، وَإِنْ سَكَتُوا اجْتَاحُوهُمْ". فقال عمير: سبحان الله يا عمر! أولا أراك تشتهي سفكَ دماءِ المسلمين، وانتهاكَ حريمهم؟ فقال عمر ﵁: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتنهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسَلِّطَن اللهُ عَلَيْكُمْ شِرَاركُمْ، ثُمَّ تَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلاَ يُسْتَجَابَ لَهُمْ". ثمّ قال: هاتوا صحيفة كيما نُحْدِثَ لعميرٍ عهدًا. فقال عمير: كلا والله يا أمير المؤمنين! اتَّقِ اللهَ وأَعْفِني، فوالله! ما كنتُ أنجو مع أَنِّي ما نجوتُ، إني قلتُ لنصرانيٍّ مرة: أجزاك الله، وإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "أَنَا خَصِيم عَنِ الذِّمِّيِّ وَالْيَتيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ أُخَاصِمْهُ أَخْصِمْهُ"، وما يؤمِنُني أن يخاصمَني محمّدٌ ﷺ ؟ ثمّ جعل يبكي.
قال الحسن: فبكي عند ذلك عمرُ ﵁، ثمّ صعد
стр. 214
المنبر، فخطب، ثمّ قال: من يكفيها إلا قائمٌ اليومَ يُريحني منها -يعني: الخلافة-؟ ثمّ نزل يشتد حتى أتى قبرَ النبيِّ ﷺ ، وقبر أبي بكر ﵁، فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، ماذا لقيتُ بعدَكما؟! ثمّ قال: اللهمَّ أَلْحِقْ عمرَ بصاحبيه لم يغيرْ ولم يبدل.
ثمّ قال لعميرٍ: الْحَقْ بأهلِك.
قال الحسن: وبين أهله وبين المدينة ثلاثة أميال، ثمّ إن عمر تبعته نفسُه بعد ذلك، فقال: والله! ما آمَنُ أن يكونَ خدعَنا، فدعا رجلًا من أصحابه يقال له: حبيبُ بنُ جارية، فأعطاه مئة دينار، وقال له: انطلق حتى تنزل على عميرِ بنِ سعدِ ثلاثةَ أيام، وانظرْ إلي مطعمه وملبسه، فإذا انقضت الثلاثةُ، فأعطه هذه المئةَ دينارٍ، فقدم الرسولُ على عمير وهو قاعدٌ في الشمس يَفْلي ثيابه، فسلَّم عليه، فرفع رأسه إليه، ورَحَّب به، ثمّ قال: كيف تركَت أمير المؤمنين؟ قال: صالحًا، وهو يقرأ عليك السلام، قال له: ويحك! فلعلّه استأثر بغيه؟ قال: اللهمَّ لا، ويحك! فلعله جارَ في حكمه؟ قال: اللهمَّ لا، قال: ويحك! فلعلك اطلعت عليه وهو يرتشي؟ قال: اللهمَّ لا، ويحك! فلعلّه يضرب أهلَ القبلة بالسوط؟ قال: نعم، تركته وقد ضربَ ابنًا له بالسوط ضربًا شديدًا حتى بلغ حدًّا، قال: أفي فجره أتاها؟ قال: نعم. قال: اللهمَّ سَلِّمْ عمرَ؛ فإنه لا يُضيع الحدود.
قال: ثمّ قال: اللهمَّ إني أُشهدك وأُشهد صاحبي هذا أني لا أعلم عمرَ إلا شديدَ الحبِّ لك ولرسولك.
стр. 215
قال الحسن: فأقام الرسولُ عندهم ثلاثًا، فكان إذا أمسى، أتوه بقُرصة لهم قد أَدموها بزيت، فلما انقضتِ الثلاثة، قال له عميرٌ: يا هذا! تحوَّلْ عنّا، فقد أَجَعْتَنا وأجعتَ عيالنا.
وكان الحسن يقول: كان رسولُ الله ﷺ يقول: "حَقُّ الضِّيَافَةِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا أَصَابَ الضَّيْفُ فَوْقَ ذَلِكَ، فَهُوَ صَدَقَةٌ".
فلما قال للرسول ما قال، أخرج المئة دينار، فناولها عُميرًا، وقال: هذه صِلَةُ أمير المؤمنين، وخرج الرسولُ، فلما صارت الدنانير في يد عمير، جعل يبكي، فقالت له امرأته لما رأته يبكي: قمْ فأخرجْ هذه الدنانيرَ عني، ولا تَبْك على مال. [فقال لها]: ويحك! تلومينني أن أبكي، وقد صحبتُ رسول الله ﷺ ولم أُبْتَلَ بشيء من الدنيا، ثمّ صحبتُ الأمينَ الصدِّيق أبا بكر ﵁ ولم أُبتلَ بشيء من الدنيا، ثمّ صحبتُ عمرَ ﵁، فابتُليت بالدنيا، ألا وشرُّ أيامي يومَ خُلقت مع عمر إذ ابتُليت بالدنيا، فهل عندك من خير؟ قالت: أنا بحيث تحب، فألقت إليه درعًا لها خَلَقًا، فجعل يَصُرُّ خمسة وأقلَّ وأكثر حتى أتى عليها، ثمّ دار بها على بني الشهداء، ففرقها عليهم.
وقدم الرسول على عمر، فقال له: كيف تركتَ أخي؟ قال: يا أمير المؤمنين! جئتُ من عندِ أقلِّ الناس خيرًا، يعمد إلي الخير كلِّه، فيجعله للآخرة، والله! ما أعطاني من تلك الدنانير دينارًا واحدًا.
قال: فلعلَّ على أخي دينًا؟ قال: لا والله! ولكني أخليها.
стр. 216
فقال عمر: عليَّ بعمير، فلما قَدِم عليه، قال: عزمتُ عليكَ بحقي عليك يا عمير ماصنعتَ بتلك الدنانير؟ قال: استودعتُها رَبَّنا -تبارك وتعالي-، ولم أحبَّ أن يطّلع على ذلك أحدٌ، وحملنا بها إخواننا.
قال عمر لعبدِ الله ابنهِ: قم فأعطِه ثوبين، وكِلْ له وَسقَين من تمر.
فقال: أما الثوبان فسآخذُهما، وأما التمرُ فما كان بالذي يصحبُني، إني خَلَّفت في أهلي صاعًا من تمر.
فقال له عمر: يا عمير! ارجعْ إلي أهلك، واقرأ على امرأتك السلام.
قال الحسن: فما لبثَ أن طُعِن، فمات، فبينما عمر- ﵁ في جنازته، وأصحابُ رسول الله ﷺ معه، إذ قال لهم: تمنّوا، فقال: جابر بن عبد الله: وَدِدْتُ لو أن لي من القوة ما أميحُ الدلوَ بمنى، فأسقي حاجَّ بيتِ الله ، فقال عمر ﵁: وددتُ لو أنَّ عندي رجالًا مثلَ عُمير بنِ سعد أستعين بهم على أمور المسلمين (١).
فانظر -رحمك الله- إلي هذا الأمير، وإلى هذا الكلام، فإن أدنى أدنى أدنى عبدٍ من عبيدِ عبيدِ عبيدِ أميرِ اليوم لا يرضا بمثل هذا الحال،
стр. 217
فإن قال قائل: كان الشيء عليهم قليلًا، فقد كذب؛ فإن الأموال كانت أكثرَ منها اليومَ، حتى إنه أتى عمرَ في بعض الفتوح خمسُ مئةِ حملِ حملٍ من الأموال، فلم يُبَيِّتْ منها شيئًا حتى قَسَمه، وأخذ ولدٌ من أولاده الصغار من ذلك درهمًا، فقام فخلَّصه منه، وردَّه.
فهل يرضى عبدُ أميرٍ أن يخرج ماشيًا من حمصَ إلي الحجاز ليس معه غيرُ عصا، وسقاءٌ وقدحٌ على هيئة الفقراء؟ وهل يقدرُ أحدٌ اليوم -مع تَجبُّرهم وتكبُّرهم بخيلهِ ورَجِلِه-[أن] يقطع هذه البراري، أو يدخلها؟
انظر كيف أُخذوا مع كثرتهم فيها غير مرة، وكلما تفاحموا وتكبروا، أذلَّهم الله ، مثل هذا يكون على نيابة حمص، ويخرج في هذه الهيئة؟ لمثل هؤلاء يكون الخير، وكيف كانوا على هذه الحال في حال سلاطين الدنيا من كسرى وقيصر، ثمَّ يخافون منهم، ويقهرونهم؟ ومع ذلك لا يعتزُّون بمال، ولا رجال، ولا غيرِ الله .
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا، أنا ابنُ المحبِّ، أنا عبدُ الله بنُ أبي الهيجاءِ، وأبو العباسِ بنُ شجاعٍ، وأبو العباس بن المعالي، أنا خطيب مَرْدا، أنا ابنُ الموازيني، أنا أبو يعلي السلميُّ، أنا أبو الفتح المقدسيُّ، أنا أبو الفتحِ الرازيُّ، أنا أبو الحسينِ بنُ فارسٍ، أنا أبو جعفرٍ محمَّدُ بنُ إبراهيم، أنا أبو يونس المدينيُّ، ثنا أبو الحارثِ عمرُ بنُ إبراهيمَ، ثنا عبدُ الله بنُ يحيى، عن أبيه، قال: دخل سليمان بنُ عبدِ الملك حاجَّاً، فسأل: هل رجلٌ أدركَ من أصحاب النبيِّ ﷺ أحدًا؟ قالوا: نعم، أبو حازم، فأرسل إليه، فلمَّا أتاه،
стр. 218
قال: يا أبا حازم! ما هذا الجفاء؟ قال: وأيُّ جفاء تعتدُّ مِنِّي يا أمير المؤمنين؟ قال: أتاني وجوهُ الناس غير واحد، ولم تأتني، قال: والله! ما عرفتني قبلَ هذا، ولا أنا رأيتُك، فأيُّ جفاء تعتدُّ مني؟ فالتفت سليمانُ إلي ابن شهابٍ، فقال: أصاب الشيخُ، وأخطأت أنا، ثمَّ قال: يا أبا حازم! مالنا نكرَهُ الموت؟ فقال: لأنكم عَمَّرْتُم الدنيا، وخَرَّبتُم الَاخرة، فأنتم تكرهون أن تخرجوا من العمرانِ إلي الخراب.
قال: يا أبا حازم! ليت شعري، مالنا عند ربنا ؟ قال: اعرضْ عملَك على كتاب الله ، قال: فأين أجدُه في كتاب الله ؟ قال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٣، ١٤]، قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال أبو حازم: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
قال سليمان: يا أبا حازم! ليت شعري كيف العرضُ غدًا على الله ؟ قال أبو حازم: أما المحسن، فكالغائب يقدَمُ على أهله، وأما المسيء، فكالآبق يُقْدَمُ به على مولاه. فبكي سليمانُ حتى اشتد بكاؤه، ثمَّ قال: يا أبا حازم! كيف لنا أن نصلح؟ قال: تدعون الصلف، وتتمسكون بالمروءة، وتقسمون بالسويَّة.
قال: وكيف المأخذ لذلك؟ قال: تأخذه من حقه، وتضعه في أهله.
قال: يا أبا حازم! ومن أفضلُ الخلائق؟ قال: أولو المروءة والنُّهى.
стр. 219
قال: فما أعدل العدل؟ قال: قول الحق عند من يرجوه ويهابه.
قال: يا أبا حازم! فما أسرعُ الدعاءِ إجابةً؟ قال: دعاء المحسَن إليه للمحسن.
قال: فما أفضل الصدقة؟ قال: جهدُ المُقِلِّ إلي البائس الفقير، لا يُتْبِعها منَّاً ولا أذى.
قال: يا أبا حازم! من أكيسُ الناس؟ قالوا: رجلٌ ظفر بطاعة الله- ، فعمل بها، ثمَّ دلَّ الناس عليها، فعملوا بها.
قال: فمن [أحمقُ] الخلقِ؟ قال: رجلٌ انحطَّ في هوى أخيه وهو ظالم، فباع آخرتَه بدنيا غيره.
قال: سليمان: يا أبا حازم! هل لك أن تصحبنا، فتصيبَ منا، ونُصيبَ منك؟ قال: لا. قال: ولم؟ قال: إني أخاف أن أركَنَ إليكم شيئًا قليلًا، فيذيقني الله ضعفَ الحياة، وضعفَ الممات، ثمَّ لا يكون لي منه نصيرًا.
قال: يا أبا حازم! ارفعْ إليَّ حاجتك، قال: نعم، تُدخلني الجنة، وتُخرجني من النار. قال: ليس ذلك إليَّ. قال: فما لي حاجةٌ سواها. قال: يا أبا حازم! ادعُ الله لي. قال: نعم، اللهم إن كان سليمانُ من أوليائك، فيسّره لخير الدنيا والآخرة، وإن كان سليمان من أعدائك، فخذْ بناصيته إلي ما تحبُّ وترضى.
قال سليمان: فقط؟ قال أبو حازم: قد أكثرتُ وأطنبتُ إن كنتَ من
стр. 220
أهله، وإن لم تكنْ من أهله، فما حاجتك أن ترميَ عن قوس ليس لها وتر.
قال سليمان: يا أبا حازم! ما تقول فيما نحن فيه؟ قال: وتُعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: يا أبا حازم! أوصني، قال: نعم، سوف أُوصيك وأُوجز: نزّه الله وعظّمه أن يراك حيثُ نهاك، أو يفقدك من حيث أمرك، ثمَّ قام، فلما ولَّي قال: يا أبا حازم! هذه مئةُ دينار أنفقْها، ولك عندي أمثالًا كثيرة، فرمى بها، وقال: ما أرضاها لكَ، فكيف لنفسي؟ إني أعوذ بالله أن يكون سؤالك لي هزلًا، وردِّي عليك بذلًا، إن موسى بن عمران ﵈ لما ورد ماءَ مدين وجد عليه بضعة من الناس يسقون، ثمّ قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ [القصص: ٢٤]، فسأله ﵇ ربه ، ولم يسأل الناس، ففطنتِ الجاريتان، ولم يفطن الرِّعاءُ، فأتتا أباهما، وهو شعيب ﵇ فأخبرتاه، فقال شعيب: ينبغي أن يكون هذا جائعًا، ثمَّ قال لإحداهما: اذهبي ادعيه إليَّ، فلما أتته أعظمته، وغطَّت وجهها، وقالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٥]، فلما قالت: ﴿أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾، كره ذلك موسى، وأراد ألَّا يتبعها، ثمَّ لم يجد بُدَّاً من أن يتبعها؛ لأنه كان في أرض مَسْبَعَةٍ وخوف، فخرج معها، وكانت امرأة ذاتَ عجز، وكانت الرياح تضربُ ثوبها، فتصف لموسى عجزها، فيغضي مرة، ويعرض أخرى حتى عِيلَ صبرُه، فقال: يا أمة الله! كوني خلفي، وأرني السمت -يريد: الطريق-، فأتيا إلي شعيب، والعَشاء مهيأ - فقال: اجلسْ يا شابُّ فكُلْ، فقال موسى:
стр. 221
لا، قال شعيب: ألستَ بجائع؟ قال: بلى ولكني من أهل بيت لا يبيع شيئًا من عمل الآخرة بملء الأرض ذهبًا، وأخشى أن يكون هذا أجرًا لما سقيتُ لهما، قال شعيب: لا يا شابُّ، ولكنها عادتي وعادةُ آبائي قِرى الضيف، وإطعامُ الطعام. قال: فجلس موسى بن عمران، فأكل.
قال أبو حازم: فإن كانت هذه المئة دينار عوضًا عما حَدَّثتك، فالميتةُ والدمُ ولحمُ الخنزير عندَ الإضطرار أحلُّ منه، وإن كانت من بيت مالِ المسلمين، فلي فيه شركاء ونظراء، فإن وازيتهم بي، وإلا فلا حاجة لي بها، إن بني إسرائيل لم يزالوا على الهدى والتقوى حيث كان أمراؤهم يأتون إلي علمائهم رغبةً في علمهم، فلما نكسوا، وسقطوا من عين الله تعالي، وآمنوا بالجِبْت والطاغوت، صار علماؤهم يأتون إلي أمرائهم من [أجل] دنياهم، ويشتركون معهم في فتكهم. فقال ابن شهاب: لعلَّك يا أبا حازم إياي تعني، وبي تعرِّض؟ فقال: ما إيَّاك اعتمدت، ولكن هو ما تسمع. قال سليمان: يا بن شهاب! تعرفه؟ قال: نعم جاري منذ ثلاثين سنة ما كلمتُه قط. قال أبو حازم: إنك نسيت فنسيتني، ولو أحببت الله لأحببتني. قال ابن شهاب: يا أبا حازم! أتشتمني؟ قال: ما شتمتك، ولكن أنت شتمتَ نفسك، أما علمتَ أن للجار على الجار حَقَّاً كحق القَرابة تجب. فلما ذهب، قال رجلٌ من جلساء سليمان: أتحبُّ أن الناسَ كلَّهم مثلُه؟ قال سليمان: لا (١).
стр. 222
قال [أبو] يونس: قال أبو الحارثِ عمرُ بنُ إبراهيمَ: ثنا عبدُ الله بنُ يحيى، عن أبيه، قال: دخل أبو حازم على سليمان بن عبد الملك بالشام في نفر من العلماء، فقال سليمان: يا أبا حازم! ألك مال؟ قال: نعم، لي مالان، قال: ما هما بارك الله لك فيهما؟ قال: الرضا بما قسم الله لي، واليأسُ مما في أيدي الناس.
قال سليمان: يا أبا حازم! ارفعْ إليَّ حاجتك. قال: هيهات، رفعتُها إلي من لا تختزل الحوائجُ دونه، فما أعطاني شكرتُ، وما منعني صبرتُ، مع أني رأيت الأشياء شيئين: فشيء لي، وشيء لغيري، فما كان لي، فلو جهد الخلق أن يردُّوه عني، ما قدروا، وما كان لغيري، فما نافست فيه أهله فيما مضى، فكيف فيما بقي؟ كما مُنِعَ غيري رزقي، كذلك منعت رزق غيري.
قال سليمان بن عبد الملك: يا أبا حازم! ما المخرجُ مما نحن فيه؟ قال: بالصغير من الأمر.
قال سليمان: وما هو؟ قال أبو حازم: تنظر ما كان في يدك مما ليس بحق، فترده إلي أهله، وما لم يكن لك، لم تنازع فيه غيرَك.
قال سليمان: ومن يطيق هذا؟ قال أبو حازم: من خاف النار، وأحبّ الجنة.
قال: يا أبا حازم! ادعُ الله لي، قال: ما ينفعُك أن أدعو لك في وجهك، ويدع عليك مظلوم من وراء الباب، فأي الدعاء
стр. 223
أحقُّ أن يجاب؟ فبكى سليمان حتى اشتد بكاؤه، وقام أبو حازم (١).
فانظر -رحمك الله- إلي هؤلاء الخلفاء كيف كانوا يقبلون النصح والمواعظ، ويُصغون إليها، ويحتملون الكلمات الثقيلة من العلماء والناصحين، ولو قيل اليوم لواحد من هؤلاء أدنى من ذلك، لقتلوه، أو قطعوا لسانه، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 224
الباب السَّابع
في أئمة جور أخبرنا عنهم النبيُّ ﷺ وما ذكر من ظهور الجور
ويقال: إن الجور يعمّ الدنيا، حتى يولد الرجلُ في الجَوْر لا يعرف غيره، وحتى يرى الناس أدنى الجور، فيُعد غايةً في العدل.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخِنا، عن ابنِ المحبِّ، عن المِزِّي، أنا ابن الدرج يِّ، أنا أبو المجد الثقفيُّ، وابنُ الأخوة، وغيرهما، أنا أبو عبدِ الله الخلاَّلُ، أنا أبو الفضلِ الرازيُّ، أنا أبو القاسمِ الرازيُّ، أنا أبو بكرٍ الرويانيُّ، ثنا ابنُ إسحاقَ، ثنا يحيى بنُ أبي بكيرٍ، ثنا خالدُ بنُ طهمانَ، عن نافعٍ -شيخ من همدان-، عن معقلِ بنِ يَسارٍ، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لَا يَلْبَثُ الْجَوْرُ بَعْدِي إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى يَطْلُعَ، كُلَّمَا طَلَعَ مِنَ الْجَوْرِ شَيْءٌ، ذَهَبَ مِنَ الْعَدْلِ مِثْلُهُ، حَتَّى يُولَدَ في الْجَوْرِ مَنْ لَا يَعْرِفُ غَيْرَهُ". قال: قلت: يا رسولَ الله! من أهلُ العدل؟ فقال بيده على صدره: "نَحْنُ أَهْلُ الْعَدْلِ، نَحْنُ أَهْلُ الْعَدْلِ". قال: قلت: فمَنْ أهلُ الجور؟ قال: فأخبره بهم، وأخبره كم يملكون (١).
стр. 225
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا، أنا ابنُ المحبِّ، أنا أبو عبدِ الله البالسيُّ، أنا النحاسُ، أنا أبو الحجاجِ الدمشقيُّ، أنا ابنُ يونسَ وغيرُه، عن أبي غالبِ بنِ البنّاءِ، أنا أبو محمدٍ الجوهريُّ، أنا أبو سعيدٍ الخرقيُّ، ثنا أبو شُعيبٍ، ثنا يحيى، ثنا الأوزاعيُّ، حدثني حسانُ بنُ عطيةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : "يَسْتَأْمِرُ شِرَارُ أُمَّتِي عَلَي خِيَارِهِمْ، حَتَّى يَسْتَخْفِيَ فِيهِمُ الْمُومِنُ، كَمَا يَسْتَخْفِي فِيكُمُ المُنَافِقُ الْيَوْمَ" (١).
أخبرنا جماعةٌ من شيوخِنا، أنا ابنُ المحبِّ، أخبرتْنا زينبُ بنتُ الكمالِ، أنا محمّدُ بنُ عبدِ الهادي، وأحمدُ بنُ عبدِ الدائمِ، أنا أبو الفرجِ البقاليُّ، أنا أبو الفضلِ العلويُّ، أنا أبو منصورٍ، أنا أبو محمّدِ بنُ حبّانَ، أنا أبو يعقوبَ الرمليُّ، ثنا عبدُ الواحدِ بنُ محمّدٍ، ثنا محمّدُ بنُ كثيرٍ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، عن حُذيفةَ بنِ اليمانِ، قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "وَيْحَ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ مُلُوكٍ وَجَبَابِرَةٍ كَيْفَ يَقْتُلُونَ وَيَحِيفُونَ إِلَّا مَنْ أَظْهَرَ طَاعَتَهُمْ، فَالْمُؤْمِنْ النَّقِيُّ يُصَانِعُهُمْ بِلِسَانِهِ، وَيَفرُّ منهم بِقَلْبِهِ".
أخبرنا جَدِّي وغيرُه، أنا الصلاحُ بنُ أبي عمَر، أنا الفخرُ بنُ البخاريِّ، أنا حنبلٌ، أنا ابنُ الحُصَينِ، أنا ابنُ المُذْهِبِ، أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ، أنا عبدُ الله بنُ الإمامِ أحمدَ، حدثني أبي، ثنا وكيعٌ، ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن هلالِ بنِ يَسافٍ، عن ابنِ المثني الحمصيِّ، عن أُبَيِّ ابنِ امرأةِ عُبادةَ بن الصامتِ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ، قال: قال
стр. 226
رسول الله ﷺ : "إِنَّهَا سَتكونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ تَشْغَلُهُمْ أَشْيَاءُ عَنِ الصَّلاَةِ حَتَّى يُؤَخِّرُوهَا عَنْ وَقْتِهَا، فَصَلُّوهَا لِوَقْتِهَا". قال رجلٌ: يا رسول الله! فإن أدركتُها معهم أُصلِّي؟ قال: "إِنْ شِئْتَ" (١).
يقال: إن أولَ من فعل ذلك الحجَّاجُ بعد النبي ﷺ .
وبه إلى الإمامِ أحمدَ، ثنا أبو سعيدٍ: ثنا عبدُ الله بنُ بُحَيْرٍ: ثنا سيّارٌ: أن أبا أُمامةَ ذكر: أن رسولَ الله ﷺ قال: "يَكُونُ في هَذِهِ الأُمَّةِ في آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ -أو قال-: يَخْرُجُ رِجَالٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ في آخِرِ الزَّمَانِ مَعَهُمْ سِيَاطٌ (٢) كَأَنَّهَا أَذْنَابُ بَقَرٍ، يَغْدُونَ في سَخَطِ اللهِ، وَيَرُوحُونَ في غَضَبِهِ" (٣).
أخبرنا جماعةٌ من شيوخِنا، أخبرتنا فاطمةُ بنتُ عبد الهادي، أنا عبدُ الله بنُ عليٍّ وغيرُه، أنا ابنُ غزوانَ، أخبرتْنا فاطمةُ بنتُ سعدِ الخيرِ، أخبرتنا فاطمةُ الجوردانيةُ، أنا ابنُ ريذةَ، أنا الطبرانيُّ، ثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ، ثنا يونسُ بنُ عبدِ الله، ثنا أحمدُ بنُ القاسمِ، ثنا سعيدُ بنُ سليمانَ، قالا: ثنا المباركُ بنُ فَضالةَ، عن خالدِ بنِ أبي الصَّلتِ، عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ، عن ربعيِّ بنِ حراشٍ، عن حذيفةَ، قال: قالَ
стр. 227
رسولُ الله ﷺ "إِنَّهَا سَتكونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَكْذِبُونَ وَيَظْلِمُونَ، فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ، وَسَيَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ غَداً إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى" (١).
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابنُ المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ، أخبرتْنا فاطمةُ بنتُ سعدِ الخيرِ، أخبرتنا فاطمةُ الجوردانيةُ، أنا ابنُ ريذةَ، أنا الطبرانيُّ، ثنا محمّدُ بنُ الصائغ، ثنا محمّدُ بنُ معاويةَ النيسابوريُّ، ثنا محمّدُ بنُ سلمةَ الحرانيُّ، عن خصيفٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قالَ رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "سَيَجِيءُ أَقْوَام في آخِرِ الزَّمَانِ، وُجُوهُهُمْ وُجُوهُ الآدمِيِّينَ، وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ، أَمْثَالُ الذِّئابِ الضَّوَارِي، لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ شيء مِنَ الرَّحْمَةِ، سَفَّاكُونَ لِلدِّمَاءِ، لَا يَرْعَوونَ عَنْ قَبِيحٍ، إِنْ تَابَعْتَهُمْ وَارَبُوكَ، وَإِنْ تَوَارَيْتَ عَنْهُمُ اغْتَابُوكَ، وَإِنْ حَدَّثُوكَ كَذَبُوكَ، وَإِنِ ائْتَمَنْتَهُمْ خَانُوكَ، صَبِيُّهُمْ عَارِمٌ، وَشَابُّهُمْ شَاطِرٌ، وَشَيْخُهُمْ لَا يَأْمُرُ بِمَعْرُوفٍ، وَلَا يَنْهَى عَنْ مُنْكَرٍ، الإِعْتِزَازُ بِهِمْ ذُل، وَطَلَبُ مَا في أَيْدِيهِمْ فَقْرٌ، الْحَلِيمُ فِيهِمْ
стр. 228
غَاوِي، وَالآمِرُ بِالْمَعْرُوفِ مُتَّهَمٌ، وَالْمُؤمِنُ فِيهِمْ مُسْتَضْعَفٌ، والْفَاسِقُ فِيهِمْ مُشَرّف، وَالسُّنَّةُ فِيهِمْ بِدْعَةٌ، وَالْبِدْعَةُ فِيهِمْ سُنَّةٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُسَلِّطُ اللهُ عَلَيْهِمْ شِرَارَهُمْ، فَتَدْعُو خِيَارُهُمْ، فَلاَ يُسْتَجَابُ لَهُمْ" (١).
وروي من حديث حذيفةَ، عن رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم -: "بَعْدَ سَتِّ مِئَةِ سَنَةٍ [...]، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقِلُّ أَعْمَالُهُمْ، وَيَرْفَعُ اللهُ يَدَهُ الْكَرِيمَةَ عَنْهُمْ، وَتَقِلُّ الْبَرَكَةُ بَيْنَهُمْ، وَيَظهَرُ فِيهِمُ الْبَطَرُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَمْلِكُ رِقَابَهُمْ ولاَةٌ فَجَرَةٌ يُوزِرُونَ الخِصْيَانَ، وَيُوَلُونُ السُّودَانَ، وَيَنْكِحُونَ الصِّبْيَانَ، فَالنَّاجِي مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ قَلِيلٌ".
أخبرنا جدِّي وغيرُه، أنا الصلاحُ بنُ أبي عمَر، أنا الفخرُ بنُ البخاريِّ، أنا حنبلٌ، أنا ابنُ الحُصَينِ، أنا ابنُ المُذْهِبِ، أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ، أنا عبدُ الله بنُ الإمامِ أحمدَ، حدثني أبي، ثنا محمّدُ بنُ عبدِ الله بنِ الزبيرِ، ثنا إِسرائيلُ، عن سماكٍ، عن ثروانَ بنِ ملحانَ، قال: كنا جلوساً في المسجد، فمر علينا عمارُ بنُ ياسرٍ، فقلنا له: حدِّثْنا ما سمعتَ من رسول الله - صلي الله عليه وسلم - يقول في الفتنة، فقال: سمعتُ رسولَ الله - صلي الله عليه وسلم - يقول: "يَكُونُ بَعْدِي قَوْمٌ يَأْخُذُونَ الْمُلْكَ، يَقْتُلُ عَلَيْهِ
стр. 229
بَعْضُهُمْ بَعْضاً". قال: قلنا له: لو حدَّثنا غيرُك ما صدَّقناه، قال: فإنه سيكون (١).
وبه إلى الإمامِ أحمدَ، ثنا أبو عامرٍ، ثنا أفلحُ بنُ سعيد -شيخٌ من أهلِ قُباء من الأنصار-، حدثني عبدُ الله بنُ رافعٍ مولي أم سلمةَ، قال: سمعتُ أبا هريرة يقول: سمعت رسولَ الله - صلي الله عليه وسلم - يقول: "إِنْ طَالَتْ بِكُمْ مُدَّةٌ، أَوْشَكَ أَنْ تَرَى قَوْما يَغْدُونَ في سَخَطِ اللهِ، وَيَرُوحُونَ في لَعْنَتِهِ، في أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ البَقَر" (٢).
وبه إلى الإمامِ أحمدَ، ثنا أبو سعيدٍ، ثنا عبدُ الله بنُ بجيرٍ، ثنا سيّارٌ، أن أبا أُمامة ذكر: أن رسولَ الله ﷺ قال: "يَكُونُ في هَذه الأُمَّةِ في آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ -أو قال-: يَخْرُجُ رِجَالٌ مِنْ هَذهِ الأُمَّةِ في آخِرِ الزَّمَانِ، مَعَهُمْ أَسْيَاطٌ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ الْبَقَرِ، يَغْدُونَ في سَخَطِ اللهِ، وَيَرُوحُونَ في غَضَبِهِ" (٣).
وبه إلى الإمامِ أحمدَ، ثنا أبو أحمدَ، ثنا خالدٌ، عن نافعٍ، عن معقلِ بنِ يَسارٍ، قال: قالَ رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "لا يَلْبَثُ الْجَوْرُ بَعْدِي إِلَّا قَلِيلاً حَتَّى يَطْلُعَ، فَكُلَّمَا طَلَعَ مِنَ الْجَوْرِ شَيْءٌ، ذَهَبَ مِنَ الْعَدْلِ مِثْلُهُ،
стр. 230
حَتَّى يُولَدَ في الْجَوْرِ مَنْ لَا يَعْرِفُ غَيْرَهُ" (١).
وبه إلى الإمامِ أحمدَ، ثنا الأسودُ، ثنا كامل -يعني: ابنَ صالحٍ- مؤذن كان يؤذِّن لهم: سمعتُ أبا هريرة يقول: قالَ رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ رَأْسِ السَّبْعِينَ، وَإِمَارة الصِّبْيَانِ" (٢).
وبه إلى الإمامِ أحمدَ، ثنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، ثنا سفيانُ، عن الحسنِ بن عمرٍو، عن ابنِ مسلمٍ، [وكان في كتاب] أبي: [عن] الحسنِ [بنِ] مسلمٍ، فضرب على الحسن، وقال عن ابنِ مسلم، وإنما هو محمّدُ بنُ مسلمٍ أبي الزبير -أخطأ الأزرق-، عن عبدِ الله بنِ عمرٍو، عن النبيّ - صلي الله عليه وسلم -, قال: "إِذَا رَأَيْتَ أُمَّتِي لَا يَقُولُونَ لِلظَّالِمِ مِنْهُمْ: أَنْتَ ظَالِمٌ، فَقَدْ تُوُدِّعَ مِنْهُمْ" (٣).
وبه إلى الإمامِ أحمدَ، ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمّدٍ، ثنا الحسنُ بنُ عمرو، عن أبي الزبيرِ، عن عبدِ الله بنِ عمرٍو، قال: قالَ رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "إِذَا رَأَيْتَ أُمَّتِي تَهَابُ الظَّالِمَ أَنْ تَقُولَ لَهُ: ظَالِمٌ، فَقَدْ تُوُدعٍّ مِنْهُمْ" (٤).
стр. 231
أخبرنا جماعةٌ من شيوخِنا، أنا ابنُ المحبِّ، أخبرتنا زينبُ بنتُ الكمالِ، أنا أبو الحجَّاجِ الدمشقيُّ، أنا أبو سعيدٍ الرازيُّ، أنا أبو عليٍّ الحدادُ، أنا أبو نعيمٍ، أنا أبو القاسم الطبرانيُّ، ثنا أحمدُ بنُ بشيرٍ، ثنا شيبانُ بنُ فَرُّوخَ، ثنا أبو هلالٍ الراسبيُّ، حدثني أبو موسى الهلاليُّ، عن أبيه، عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ، قال: دخلنا على رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم - المسجدَ، فقال: "مَنْ هاهنَا؟ هَلْ تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ بَعْدِي أُمَرَاءَ يَعْمَلُونَ بِغَيْرِ طَاعَةِ اللهِ، فَمَنْ شَارَكَهُمْ في أَعْمَالِهِمْ، وأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَنْ يَرِدَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَمَنْ لَمْ يُشَارِكْهُمْ في عَمَلِهِمْ، وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ، وَسَيَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ" (١).
وبه إلى الطبرانيِّ، ثنا إبراهيمُ بنُ هاشمٍ، ثنا محمّدُ بنُ عثمانَ، ثنا أبو سعيدٍ مولي بني هاشمٍ، عن عمَر بنِ راشدٍ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن زيدِ بنِ سلامٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن حذيفة: قالَ رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "سَتكونُ أَئِمَّة لَا يَهْتَدُونَ بِهَديْي، وَلَا يَسْتنونَ بِسُنَّتِي، وَيَكُونُ رِجَال قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِيِن في أَجْسَادِ الإِنْسِ"، قلت: كيف أصنعُ إن أدركني ذلك؟ قال: "تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ الأعْظَمِ، وَإِنْ ضَرَبَكَ بِظَهْرِكَ، وَأَخَذَ مَالَكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ" (٢).
стр. 232
أخبرنا جماعةٌ من شيوخِنا، أنا ابنُ المحبِّ، أنا ابنُ سعدٍ، أنا ابنُ مَكّيٍّ، أنا ابنُ بَشْكُوالُ، أنا أبو محمّدٍ القرطبيُّ، أنا ابنُ عبدِ البَرِّ، أنا أبو عمرَ الإشبيليُّ، أنا أبي، أنا أبو عبدِ الله بن يونسَ، أنا بقيُّ بنُ مخلدٍ، أنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن أبي حصينٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ بشرٍ، قال: جاء رجلٌ إلى عبدِ الله، فقال: متى أضلُّ؟ فقال: "إِذَا كَانَ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ، إِنْ أَطَعْتَهُمْ أَضَلُّوكَ، وَإِنْ عَصَيْتَهُمْ قَتَلُوكَ" (١).
وبه إلى ابنِ أبي شيبةَ، ثنا غندرٌ، عن شعبةَ، عن سماكٍ، عن أبي الربيع، عن أبي هريرةَ، قال: "وَيْلٌ للعربِ من شَرٍّ قدِ اقتربَ: إمارةِ الصبيانِ، إن أطاعوهُم أدخلوهُمُ النارَ، وإن عَصوْهم ضربوا أعناقَهُم" (٢).
وبه إلى ابنِ أبي شيبةَ، ثنا وكيعٌ، ويزيدُ بنُ هارونَ، قالا: ثنا عمرانُ بن جديرٍ، عن رفيعٍ أبي بكرةَ، قال: سمعتُ أبا حسن عليًّا يقول: تمتلئُ الأرضُ ظُلمًا وجَوْراً حتى يدخلَ كُلَّ بيتٍ خوفٌ وحربٌ، يسألون درهمين، وجريبين، فلا يعطونه (٣).
وبه إلى ابنِ أبي شيبة، ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن
стр. 233
مخولٍ، عن رجلٍ، قال: كنا مع حذيفةَ، فأخذ حَصًى، فوضع بعضَه فوقَ بعض، ثمّ قال لنا: انْظُرُوا ما ترونَ منَ الضوء؟ قلنا: نرى شيئاً خفيّاً، قال: واللهِ! ليركبنَّ الباطلُ على الحقِّ حتى لا ترونَ من الحقِّ إلا كما ترونَ من هذا (١).
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا، أنا ابنُ البالسيِّ، أنا المِزِّيُّ، أنا أبو بكرٍ الدستيُّ، أنا أبو القاسمِ بنُ رواحَةَ، أنا السِّلَفيُّ، أنا أبو غالبٍ الباقلانيُّ، أنا أبو بكرِ بنُ درهمٍ، أنا عمرُ بنُ محمّدٍ، ثنا أبو بكرٍ الخَلاَّلُ، أنا عفّانُ بنُ مسلمٍ، ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن محمّدِ بنِ إبراهيمَ، عن علقمةَ بنِ وَقَّاصٍ، عن عمَر بنِ الخطاب، قال: سَتكونُ أُمَرَاءُ اتّبَاعُهُمْ بَلاء، وَمُفَارَقَتُهُمْ كُفْرٌ (٢).
وبه إلى ابنِ أبي شيبةَ، ثنا ابنُ فضيلٍ، عن الصَّلْتِ بنِ مطرٍ العجليِّ، عن عيسى المراديِّ، عن معاذٍ، قال: يَكُونُ في آخِرِ هَذَا الزَّمَانِ قُرَّاءُ فَسَقَةٌ، وَوُزَرَاءُ فَجَرَةٌ، وَأُمَنَاءُ خَوَنَةٌ، وَعُرَفَاءُ ظَلَمَةٌ، وأُمَرَاءُ كَذَبَةٌ" (٣).
• • •
стр. 234
الباب الثّامن
في أموال المسلمين وبلادهم وما يباح للإمام والحكام من ذلك وما يمنع منه
أما أموال المسلمين فإنها أقسام، منه ما هو مختصّ، ومنه ما هو عامٌّ.
أما المختصُّ؛ كالزكاة، فهي للثّمانية أصنافٍ الذين ذكرهم الله في كتابه، الأولُ الفقراء، والثاني المساكين، والثالثُ أبناء السبيل، والرابعُ المؤلفةُ قلوبهم، والخامسُ الرقاب، والسادسُ في سبيل الله، والسابعُ العاملون، والثامنُ الغارمون.
فهي لهذه الثمانية أصناف، ولا يجوز صرفُها في غيرهم حتى ولا في مصالح المسلمين العامة، ولربِّها تفرقَتُها بنفسه، وله دفعُها إلى الإمام يصرفُها.
ولكن هل يجبُ استيعابُ الثمانية بها، أو يُستحبُّ ولا يجب؟
стр. 235
فذهب الشافعي ﵁ إلى وجوب استيعاب الأصناف الثمانية، وذهب الإمام أحمدُ وأبو حنيفةَ إلى عدمِ وجوب ذلك.
و الأموال التي تؤخذ منها الزكاة أربعة:
الأول: الذهب والفضة إذا بلغ نصاباً، وهو عشرون مثقالاً من الذهب، ومن الفضة مئتي درهم.
والثاني: سائمة بهيمة الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم.
والثالث: الخارج من الأرض إذا بلغ نصاباً، ويجب فيه العُشْر.
وما يوجد من الأعشار في هذا الزمان، وما يوضع على البلاد منه، كلّه خباط ولباط، وظلم وافتراء وعدوان، يفعل الولاةُ فيه أكثرَ من مئة خصلة باطلة افترائية، ليس لها في الشرع جواز.
الأول منها: إقطاعُه، ولا يجوز.
والثاني: إقطاعُه للأغنياء، ولا يجوز، ولا يحلّ أكلُ شيء منه.
والثالث: بيعُه، ولا يجوز.
والخامس: وَقْفُه، ولا يجوز.
والسادس: وضْعُهُ على كل أرضٍ، زُرعتْ أو لم تُزرع، ولا يجوز.
والسابع: وضعُه على ما فيه نصاب أولا، ولا يجوز.
والثامن: أخذُه من حصة الفلاح دون الأستاذ، ولا يجوز.
والتاسع: تقديرُه بشيء، زاد الخارجُ أو نقصَ، ولا يجوز.
والعاشر: عدمُ اعتبارهم في المأخوذِ منه النصابَ، ولا يجوز.
والحادي عشر: فصلُه بدراهم، ولا يجوز.
стр. 236
والثاني عشر: فصلُه بقمح، سواء كان الخارجُ قمحاً، أو شعيراً، أو غيرهما، ولا يجوز.
والثالث عشر: فصلُه بشعير، ولا يجوز.
والرابع عشر: عدمُ تفرقته على الفقراء، ولا يجوز.
والخامس عشر: أخذه من المغل، أو الذهب والفضة عن الأشجار، ولا يجوز.
والسادس عشر: إذا أخرجَهُ ربُّه، يؤخذ منه مرةً أخرى، ولا يجوز.
والسابع عشر: أن يؤخذ عليه خدم من دجاج وغيرها، ولا يجوز.
والثامن عشر: أخذُه من الغني والفقير، ولا يجوز.
والتاسع عشر: وضعُه على الرؤوس دون المغل، ولا يجوز.
والعشرون: أخذُه من الأرض المزروعة ما لا تجب فيه الزكاة، ولا يجوز.
وأنت إذا تأملتَ، رأيتَ كلَّ ما يفعل فيه من جنس الأمور الكفرية الظلمية.
والرابع من أموال الزكاة: عروض التجارة.
وإنما تجب الزكاة في هذه الأربعة أموال بخمسة شروط: الإسلام؛ فلا تؤخذ من كافر، وتمامُ الملك، والحرية، وملكُ
стр. 237
النصاب، وأن يحول على ذلك حولٌ، إلا أن الحول لا يُعتبر في الخارج من الأرض.
الثاني من أموال المسلمين: الغنيمة: وهو المال المأخوذ من الكفار قهراً، فيقسم على خمسة أسهم:
سهم لله تعالى ولرسوله صلي الله عليه وسلم لسائر المسلمين في مصالحهم العامة.
وسهم لذوي القربى، يستحقه بنو هاشم وبنو المطلب، غنيُّهم وفقيرهم حيث كانوا، للذكر مثلُ حَظِّ الانثيين.
وسهم ليتامى الفقراء، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل من المسلمين.
والأربعة أسهم الباقية من الغنيمة لمن شهد الوقعة.
الثالث من أموال المسلمين: المالُ المأخوذُ من الكفار بغير قتال؛ كالجزية، والخَراج، والعُشر، وما تركوه فَزَعاً، ونحو ذلك، وهذا لعموم المسلمين، يصرَف في مصالحهم العامة, من سدِّ الثغور، وكفايةِ أهلها، وسدِّ البثوقِ، وكَري الأنهار، وعمل القناطر، وأرزاق القضاة والأئمة والمؤذنين، وإصلاح الجوامع والمنابر والطرقات، وتكفين مَنْ لاكفَن له، والإنفاق على من لا مال له، وكلُّ ما كان للمسلمين من مصلحة عامة، أو دفعِ ضررٍ عامٍّ, فإنه يصرف منه، ولا يجوز لأحد الاختصاصُ به.
المال الرابع من أموال المسلمين: مالُ مَنْ مات لا وارث له من المسلمين، فإن هذه الأموال كلَّها يأخذها الإمام، ويجعلها في بيت المال.
واختلف العلماء فيمن ماتَ لا وارثَ له، أُخذ مالُه لبيت المال،
стр. 238
هل هو لكون بيت المال وارثاً، أولا؟ على قولين:
فقال بعضهم: هو وارث.
وقال بعضهم -وهو ظاهر كلامِ أحمدَ-: إنما هو مُرْصَدٌ؛ فإنه ليسَ ثمَّ مِن ميت إلا وله وارث من قريب أو بعيد، فإنّا نبدأ في الإرث بالأقرب فالأقرب، فلا بد للإنسان من أقارب، قربوا أو بعدوا, من أولاد أب، أو جد، أو جدِّ جدٍّ، أو جدِّ جدِّ جدٍّ، وكذلك هلمّ جراً، فهو لا يخلو منهم، وهم يرثونه، فلما جُهلوا، صار مالُه جُهِلَ مستحقُّه، فوُضع في محل يُرْصَدُ له فيه، وهو بيتُ المال، ثمّ مع عدم علمِه وجهلِه، صُرف في مصالح المسلمين العامة، فمالُ بيت المال يصرَف في مصالح المسلمين العامة، حتى إن تبقّى منها شيء، فإن لم يفِ بها، صُرف كلُّه في ذلك، وإن كفاها، ولم يفضُل منه شيء، فقد سدّ الوجهَ الذي هو محلُّه، وإن فضل منه شيء بعدها، قُسم بين المسلمين، ويقدَّم الأقربُ فالأقربُ من رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، من أبناء المهاجرين، ثمّ لمن كان من أبناء الأنصار، ثمّ سائر المسلمين.
وكان العطاء في زمن الخلفاء يصرف (١) إلى كلِّ أحدٍ حقه منه على قدره من صغير وكبير، حتى إلى الأطفال، وليس للولاة، ولا الإمام، ولا غيرِه أن يستأثروا منه بشيء فوق الحاجة، وفعلُ ذلك ظلم، ففي زمننا هذا استأثروا به كلّه، ولم يعطوا أحداً منه شيئاً، واختصّوا به، ولم يَكْفِهم حتّى أخذوا معه البراطيلَ على الولايات، والرّشَا، ولم يكفِهم ذلك حتّى أخذوا من الناس من أموالهم فوقَه.
стр. 239
وقد روينا في الصحيح عن السّيّد أبي بكر- ﵁: أنّه قال للمسلمين: قد علمَ قومي أَنَّ حِرْفتي لم تكنْ تعجزُ عن مؤنَة أهلي، فسيأكل آلُ أبي بكرٍ من هذا المال، ويحترف لهم فيه (١).
وورد عن عمر في ذلك حكايات كثيرة مهولة, مثل قوله: سيأكلُ عمرُ وآلُ عمرَ من هذا المال نفقةَ رجلٍ من أوسطِهم، ليس بغنيٍّ، ولا فقيرٍ.
وكان يؤدم طعامَه بالزيت، وكان الزيتُ لا يوافقه، فلم يكن يدعُ ذلك، ولا يشتري السّمن؛ خوفاً من أن يتوسّع في مال المسلمين.
ولما وُصف له العسلُ لأجل بطنه، ولم يجد عسلاً إلا عُكَّة في بيت مال المسلمين، لم يأخذها، ولم يأكلها حتّى جمع المسلمين، واستشارهم، واستأذنهم في أخذِها وأكلِها (٢).
ولما أطعمه بعضُ مواليه شيئًا من ناقة ذبحت، جمع المسلمين، واستأذنهم في ذلك، واستشارهم، ولم تسكن نفسُه حتّى أخبره عليٌّ أنّه يستحقّ ذلك، وأكثرَ منه.
ولما أخذ بعضُ أصاغرِ ولدِه درهماً من المال، غدا خلفَه، وخلَّصه منه، ورده.
ولما مسحت زوجتُه أثرَ يدِها من طيب مَسَّتْهُ من طيب المسلمين،
стр. 240
غسلَه بالماء والتراب، حتى ذهبَ ريحهُ (١).
إلى غير ذلك من الحكايات المهولة.
وكذلك ورد عن عثمان ﵁ أحوال وحكايات في ذلك.
وكذلك عن عليٍّ ﵁.
إلا أنّه في زمن معاوية حصل أدنى توسُّع، ثمّ حصل السَّرَفُ في زمن يزيدَ، ثمّ حصل فيما بعدَ ذلك، ثمّ عاد في زمن عمرَ بنِ عبد العزيز، ثمّ اختلّ بعدَه.
إلا أنّه في هذا الزمان، فسد الأمر بالكلية، ولم يبقَ للمسلمين مال، ولا بيتُ مال، إنّما عاد المالُ لصاحب الحال، حتّى إنّهم يكنزونه لأنفسهم وأولادهم، وليس ثمّ على أحد منهم لا من إسلام، ولا مسلمين، ولا مصالح لا عامة ولا خاصّة، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم.
فصل
وأمّا بلاد المسلمين: فإنّ عمر ﵁ لما فتح البلاد، وأخذَها بعد موت النبيّ صلي الله عليه وسلم، فإنّ الذي أُخذ في زمن النبوة مكةُ، وبلادُ الحجاز، ثمّ في خلافة أبي بكر لم يؤخذ غيرُ بلادٍ قليلة من بلاد نجدٍ واليمنِ، فلمّا كان في خلافة عمر- ﵁، أخذ جميع بلاد اليمن، ونجد، وجميع بلاد مصر، وجميع بلاد الشّام، وبيت المقدس، وغزة، والرملة، ودمشق، وبعلبك، وحمص، وحماة،
стр. 241
وحلب، وجميع بلاد العراق، كلّها أخذها من أهلها قهراً بالسيف، إلا أماكنَ يسيرةً من بلاد العراق، وهي: الحيرة، والليس، وبانقيا، وأرض بني صلوبا، فإن هذه الأماكن أخذت صلحاً، ولما أخذها، وتم الأمر فيها، وصارت في يدِه وحوزه، وَقَفَها على المسلمين.
وقد اختلف العلماء في أرض العَنْوَة، هل تصير وقفاً على المسلمين بنفس الاستيلاء عليها، أو أن الإمام يُخير فيها، مهما رأى فيها يفعله، إن شاء وقفها، وإن شاء أقطعها، وإن شاء باعها وصرفَها في مصالح المسلمين، وإن شاء أرصدَها للمسلمين مهما رأى فيها يفعل، أو أنّها تصير للإمام يتصرف فيها بما شاء؟
وحاصل الأمر: أنّ عمر ﵁ وقف جميع هذه البلاد: بلاد مصر، وبلاد الشّام كلها، وبلاد العراق على المسلمين، فكان المتحصّل منها يُصرف في مصالح المسلمين من أمورهم، الأهم فالأهم؛ من الجهاد، والمصالح، وغير ذلك، وما فضل يقسمه بين المسلمين.
ثمَّ لم يزل الأمرُ على ذلك زمَناً من زمن الخلفاء، ولم يكونوا يرون التوسُّع من ذلك في المراكب والملابس، والمآكل والمشارب، وكانوا يعدّونه من التخوُّل في مال الله بغير حقّ.
فلما صار في زماننا، وقبلَه، استأثر الولاةُ بها، واستقطعوها لأنفسهم، فصار للسلطان في كلّ بلاد منها ما يصلح له من خيارها, كزرع، وداريا، وعيثا، وغير ذلك من أحسن البلاد، ولنائب الشام بعدَه ما هو دون ذلك, مثل: حرستا، وعدرا، وعقربا، والزبداني، ونحو
стр. 242
ذلك مما يناسبه، ولأمير كبير بعده؛ مثل: دوما، ونحوها، ولكل أمير من ذلك، وكل نائب، وكلّ أحد من الولاة ما يليق به، فتخوّلوا في ذلك، وشروا منه الخيلَ واللباسَ من الحرير وغيره، والمماليكَ الكثيرة المتّخذة لِلِّواط وغيرِه، والعبيدَ الكثيرةَ المتّخذةَ للواطِ وغيره، والسراريَّ، وبنوا الدُّور العظيمة، وتوسَّعوا في المآكل والمشارب، فَبطِروا وأَشِروا، فخرجوا من الحلال إلى الحرام، وشربوا الخمور، ووطئوا الإناث والذكور، ودخل إليهم الشّيطان من سائر الحيطان، واتّخذوا الأعوان من كلّ مارد شيطان، فأمروهم بالظّلم والمعاصي، فلستَ ترى في بابهم غيرَ كلبٍ بلاصي، وطردوا الفقهاء والقراء، وصاروا أعداءهم في السرّاء والضرّاء، فإن حصل لواحد منهم فلتة، أو دخل إليهم بغتة، لم يسعه غيرُ الموافقة والمعاشرة والمرافقة، فإن سكروا سكر، وإن بطروا، بطر، وإن جاؤوا بحرام، أفتاهم بأنه عينُ الحلال، فيدُه متناوِلَةٌ قبل أيديهم، وهو كالشيطان يُغويهم، فهذا شأنه يُفسد أكثرَ مما يُصلح، وليس يرعوي عن قبيح ولا يفلح.
стр. 243
الباب التّاسع
فيمن تمنى ذلك، ومن كرهه، وفرّ منه
أولُ من طلبه وأرادَه يوسفُ، كما أخبر الله عنه في كتابه بقوله : ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، وقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ [يوسف: ١٠١]، ثمّ داود ﵇: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]، ثمّ ولده سليمان كما قال الله أنّه قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، وقال عنهما: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، ونبينا ﷺ أُعطي النبوةَ والحكم، وأبو بكر ﵁ وَلِيَ بعده، ولم يمتنع، وكذلك عمر، إلا أنه في آخر أمره كرهها، وتمنّى أن يخرج منها، وأن يجد من يكفيه أمرَها، وعثمان ﵁ دخل فيها من غير كراهة، وكذلك عليٌّ، والحسنُ تركَها لله، وعبدُ الله بنُ عمرَ ﵁ لم يدخل في ولاية قطّ.
وفي الصّحيح: "إِنَّا لَا نُوَلِّي أَمْرَنَا هَذَا مَنْ أَرَادَهُ، وَلَا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ" (١).
стр. 244
وفيه: "إِنَّكمْ تَحْرصُونَ عَلَي الإِمَارة، وَسَتكونَ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نِعْمَ المُرْضِعَةُ، وَبِئْسَ الْفَاطِمَةُ" (١).
وقال ﵇: "مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ، فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سكِّينٍ" (٢).
وقال: "قَاضٍ في الْجَنَّةِ، وَقَاضِيَانِ في النَّارِ" (٣).
وفي بعض الآثار: "يُؤْتَى بِالْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَامُ مَعَ الظَّلَمَةِ، فَلاَ يَفكُّهُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا الْعَدْلُ" (٤).
وليعلمْ أنَّ القاضي إذا لم يعدلْ هو مِنْ نَفْسِ الظَّلَمة، بل هو كبيرُهم وشرُّهم.
وفي بعض الأحاديث: إِنَّ مُعَلّمَ الْكُتَّابِ يُحْشَرُ مَعَ الظَّلَمَةِ، فَإِنْ كَانَ
стр. 245
عَدَلَ بَيْنَ الصِّبْيَانِ، وَإِلَّا أُقِيم مَعَهُمْ (١).
وقد روينا أنّه: "يُنادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الظَّلَمَةُ وَأَعْوَانُ الظَّلَمَةِ؟ أيْنَ مَنْ بَرَى لَهُمْ قَلَماً، أَوْ لاَقَ لَهُمْ دَوَاةً؟ " (٢).
وقال رجلٌ للإمامِ أحمدَ: ترى أنّي من أعوان الظلمة؟ قال له: وما تصنع؟ قال: خَيَّاطُهم، فقال: لا، بل أنتَ منهم، إنّما أعوانُهم الذي يبيعُك الخيطانَ والإبرة.
أخبرنا الحافظُ أبو العبّاس إذناً، أنا أبو المعالي الأزهريُّ، أخبرتنا عائشةُ بنتُ على، أنا أحمدُ بنُ على، أنا البوصيريُّ، أنا الأرتاحيُّ، أنا ابنُ الفراءِ، أنا أبو القاسم بنُ الضرّابِ، أنا أبو بكر الدّينوريُّ، ثنا الحسنُ بنُ الحسينِ الطوفيُّ، ثنا أحمدُ بنُ يونسَ، قال: قال حفصُ ابنُ غياثٍ لابنِ إدريس: مررتُ بطاقِ الحامل، فإذا أنا بعليانَ المجنونِ جالسٌ، فلمّا أن جزتُه، سمعته يقول: من أرادَ سرورَ الدنيا، وحزنَ الآخرة، فليتمنَّ ما هذا فيه، فو الله! لتمنّيت أنّي كنتُ متُّ قبل أن أليَ الفُتْيا (٣).
أخبرنا جَدّي، أنا الصّلاحُ بنُ أبي عمَر، أنا الفخرُ بنُ البخاريِّ، أنا ابنُ الجوزيِّ، أنا المحمّدان، ابنُ ناصر، وابنُ عبدِ الباقي، أنا أحمدُ، أنا أحمدُ بنُ عبدِ الله، ثنا سليمانُ بن أحمدَ، ثنا عليُّ بنُ أحمدَ، ثنا
стр. 246
أحمدُ بنُ جميلٍ، قال: قيل لعبدِ الله بنِ المبارك: إنّ إسماعيلَ بْنَ عُلَيَّة وليَ على الصّدقات، فكتب إليه:
يَا جَاعِلَ الْعِلْمِ لَهُ بَازِياً ... يَصْطَادُ أَمْوَالَ الْمَسَاكِين
اِحْتَلْتَ لِلدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا ... بِحِيلَةٍ تَذْهَبُ بِالدِّينِ
فَصرْتَ مَجْنُوناً بِهَا بَعْدَمَا ... كُنْتَ دَوَاءً لِلْمَجَانِين
أَيْنَ رِوَايَاتُكَ في سَرْدِهَا ... عَنِ ابْنِ عَوْنٍ وابْنِ سِيرِينِ
أَيْنَ رِوَايَاتُكَ وَالْقَوْلُ في ... لُزُومِ أَبْوَابِ السَّلاَطِين
إِنْ قُلْتَ أُكْرِهْتُ فَمَاذَا كَذَا ... زَلَّ حِمَارُ الْعِلْمِ في الطِّينِ
فلمّا قرأ الكتابَ، بكى، فاستعفى من ذلك (١).
وحضرتُ مرةً عند الشّيخ نجمِ الدّينِ بن قاضي عجلونَ، وكان من العلماء الكبار، قد حوى العلومَ الكثيرة، وبرع فيها، وكان من ذوي البيوت، وله دُنيا واسعة، فتحادثنا في القُضاة وذمِّهم، وما هم عليه من
стр. 247
التعاسة والبلاء، فقال: والله! لو علمت أنّ في هذا الأمر خيراً، ما سبقني منهم أحدٌ إليه.
وهو صادق؛ لأنّه كان يصلُح له من جهة العلم والمال، فحدّثته: أنّا قد روينا في "فوائد أبي القاسم الرّازي": أنّ حَجَراً عَبَدَ الله كذا كذا ألف سنة، ثمّ جعلَه في أُسِّ كَنيفٍ، فعجَّ إلى ربّه ، وقال: يا ربّ! عبدتُك كذا كذا ألفَ سنة، ثمّ جعلتني في أُسِّ كنيفٍ؟! فأوحى الله إليه: أما ترضى أن عدلتُ بك عن مجالس القضاة؟ (١).
وكان شرفُ الدين بنُ عيدٍ في زمننا حَلَفَ عند قبر النبيِّ ﷺ أن لا يلي القضاء، ثمّ أكرهه السّلطان عليه.
وكان قوامُ الدين الحنفيُّ امتنعَ منه، ثمّ أكره عليه.
وأكره شيخنا ابنَ قندس عليه، وحلف عليه، فولي يوماً، ثمّ عزل لفتنته.
وامتنع منه القاضي شهابُ الدين بنُ الباعونيِّ حتّى أُجيب إلى كلّ ما شرط عليهم.
وامتنع منه ولدهُ شيخنا الشّيخُ برهان الدين.
وأما ذوو الرغبة فيه والبرطيل عليه في زمننا، فكثير ممن لا يصلح له، لا بالعلم ولا بالدين، فلا كَثَّرَ اللهُ في الإسلام من أمثالهم.
وقد ذكر عن شيخ الإسلام شمسِ الدين بنِ أبي عمَر -وهو أولُ
стр. 248
حنبليٍّ ولي دمشق-: أنّه امتنعَ منه الامتناع الكلي، حتّى قال السلطان: إما أن يلي، وإما أن يتحوَّلَ من بلادي، وأنه كان عزمَ على التحوُّل، وأنه ترامى عليه أصحابُه وأهلُه وإخوانُه، وقالوا: هذا أمر لا يحصُل به إلا الخيرُ، وإن كان قصدُك الخيرَ، حصل لك به من العدل، وإعانة الملهوف، وغير ذلك، فولي.
وله في ولايته الحكايات العجيبة. ثمّ لما مات، أوصى أن لا يُدفن عند أبيه؛ لأنه ولي القضاء، ويخاف أن يشوش عليهم، ودُفن خلف الحائط.
ولما ولي صالحُ بنُ الإمامِ أحمدَ قضاءَ سمرقندَ، ودخل إليها، واجتمع عليه علماؤها، وقرئ عهدُه، أخذه البكاءُ الشديدُ والإنتحابُ، فظنّ الفقهاءُ والعلماءُ أن ذلك لفراق أهله وبلاده، فأخذوا يُسلّونه عند ذلك، وأنّها بلادٌ جيدة، وبها العلماءُ والأجواد، والخير الكثير، فقال: والله! ليس بكائي لذلك، فقالوا: فلأيِّ شيء هو؟ فقال: إنما هو لأن أبي ﵀ كان يَعِزُّ عليه أن يراني بهذا المجلس.
وحضرنا مرةً عند قانصوه نائبِ دمشق، فقال بعضُ الإخوان له: أَمْسِ جاءنا إلى الصالحية: أن القاضيَ الحنبليَّ ولّي الشيخَ، وخلع عليه خِلْعة، فقال لي: حَقٌّ هذا؟ فقلت: لا، ما فعلتُه ولا أفعلُه، فقال: إنّما هلك. وأوصيك على خمسة أشياء قطّ لا تفعلْها، فقلت: وما هي؟ فقال: أولُها: لا تضمنَنَّ أحداً، فقلتُ: نعم، وأنا حالفٌ على هذا أن لا أفعله.
فقلت: والثاني؟ فقال: لا تعملنَّ وكيلاً لأحد، فقلت: نعم.
стр. 249
والثالث؟
فقال: لا تَلِيَنَّ قاضياً، فقلت: نعم.
والرابع؟
فقال: والرابع: لا تتكلمنَّ في نجس قطّ، ولا تشفعنَّ فيه، فقلت: هذه لا؛ فإنّ الشفاعة إنّما تقع في المذنب والنجس، والجيدُ لا يحتاج إلى شفاعة، وشفاعةُ النبي ﷺ يوم القيامة إنما هي في المذنبين، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، عجزتُ وأنا أقول له: لا تتكلم في نجس، وهو لا يقبل، ولا يسمع مني ذلك.
ووقع الكلام بيننا في ذلك وطال، ولم يقلِ الخامس.
وقد أوصى النبيُّ ﷺ بعضَ أصحابه ألا يتأمَّرَنَّ على اثنين (١)، وأَوْصى آخرَ أَلَّا يحكُمَ بين اثنين (٢).
وقد طُلِب بعضُ السلف للقضاء، فخرج مجنوناً حتى تُرك، فلامه بعض إخوانه على ذلك، فقال له: هذا عقلك يا فلان.
وقد صار في زماننا جَهَلَةٌ فسقةٌ كذبةٌ خونةٌ، لهم رغبة في القضاء، يطلبونه، ويأخذون أموالَ الفقراء والمساكين وطلبةِ العلم، وقد عطّلوا المساجدَ والمدارس، وخرّبوها، وأَعْرَوها من حُصُرٍ وبُسْطٍ، ومنعوا
стр. 250
طلبةَ العلم من العلم، بأخذِ أوقافِهم، والبرطيلِ بها، فصدّوا عن العلم، وعن الخير.
وقد ورد في أخبار محمد بن جرير الطبريِّ: أن يهودياً صرف عليه وعلى جماعته المالَ الجزيلَ أربعين مرةً، كلَّما فَنِيَ شيء وأرادوا الذهابَ اعترضهم وأعطاهم، وقال: أقيموا على ما أنتم عليه من الخير، وأنّه سُئل عن ذلك، فقال: إني رأيتُ فيما أنزل الله: أنّه ليس ثَمّ نفقةٌ أعظم أجراً من درهم صُرف على رجلٍ في طلب العلم.
فمثل يهوديٍّ يرغب في ذلك؟
هؤلاء الجهلةُ الفسقةُ أخذوا أموالَ طلبة العلم، فهؤلاء وأمثالُهم داخلٌ في قوله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤].
حتى إن بعضهم يأخذ بجهله أموال الفقراء والمساكين وطلبة العلم، ويُبرطل الظلمَةَ بها، ويزيِّن له الشيطان أن يبرطل بها، ولا يطعمهم في الأخذ منه، حتى إن منهم من إذا رأى مَنْ هو قوي عليه، برطلَ بها على قتله، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون من الجهل والتعاسة.
وقد وقع بيني وبين بعض الجهلة كلام في شيء من ذلك، وأنّه يزرع الوقف، ويقول: أنا زرعته، فقلت له: من قال من المسلمين أو اليهود أو النصارى: إنّك إذا زرعتَ أرضَ الوقف تختصُّ به؟ فقال: أنتم تحسدوني على ذلك، فقلت: كيف نحسدك؟ من يقول بحِلِّ هذا؟ فقال: إذاً ترافعوني، فقلت: أنتَ إذا أخذت شيئاً ما، تريد أن تأخذه