← Сияса и кади

Сияса и кади · id 17533

إيضاح طرق الاستقامة في بيان أحكام الولاية والإمامة

ابن المبرد

Полный текст (369 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وإن كانت أحكامُه وأفعالُه خارجةً عن حكم الدين، ومقتضى العدل، لم يجزْ إقرارُهُ عليها، ولزمَه أن يستنصِرَ من يقبِضُ يده، ويُزيل تَغَلُّبَهُ (١). فصل فإنْ صارَ الإمامُ مأسوراً في يدِ عدوٍّ قاهرٍ لا يقدرُ على الخلاص منه، منعَ ذلك من عقدِ الإمامة له؛ لعجزِه عن النظرِ في أمور المسلمين، سواءٌ كان العدو مسلماً بَاغياً، أو كافراً. ذكره القاضي (٢). فإن كان معقوداً له الإمامة، فللأمة فسخُ العَقْد، واختيارُ مَنْ عداه من ذوي القدرة. وقد أومأ أحمدُ إلى إبطال الإمامةِ بذلك -في رواية أبي الحارث- في الإمام يخرج عليه من يطلب الملك، فيفتتنُ الناسُ، فيكون مع هذا قومُ، ومع هذا قوم، مع مَنْ تكون الجمعة؟ قال: مَنْ غَلَب. قال القاضي: وظاهر هذا: أن الثاني إذا قهر الأول، وغلبه، زالت إمامةُ الأول؛ لأنه قال: الجمعة مع مَنْ غلب. فاعتبر الغَلَبَةَ (٣). وقد روي عن أحمد ما يدلُّ على بقاء إمامةِ الأول؛ لأنه قال -في رواية المروذي- وقد سأل: أيُّ شيء الحجةُ في أن الجمعة تجبُ في الفتنة؟ فقال: أمرُ عثمانَ لهم أن يصلُّوا. قيل له: فيقولون: إن عثمانَ

стр. 72

[ما] أمرَ بذلك، فقال: إنما سألوه بعدَ أن صَلَّوا. قال القاضي: وظاهرُ هذا: أنه لم يخرج عثمان من الإمامة مع القهر؛ لأنه اعتبر إذنه (١). قال القاضي: فإن أُسر بعد أن عُقدت له الإمامةُ، فعلى الأمة استنقاذُه؛ لما أوجبتْهُ الإمامةُ من نُصْرَته، وهو على إمامته إذا كان يُرجى خلاصُه، ويُؤمَّل فَكَاكُه، إما بقتال، أو فِداءٍ، وإن وقع الإياس منه، نظرت فيمن أسره، فإن كان من المشركين، خرج من الإمامة، واستأنف أهلُ الإختيار بيعةَ غيره. فإن عُهد بالإمامة في حالِ أسرِه إلى غيره ليقوم مقامَه، فهل يفيد عهده؟ قال القاضي: نظرت، فإن كان بعد الإياس من خلاصه، لم يصح عهدُه، لأنه عهدٌ بعد خروجه من الإمامة، وإن كان قبل الإياس من خلاصه، صحَّ عهدُه؛ لبقاء إمامته، واستقرت إمامةُ وليِّ عهدِه بالإياس من خلاصه؛ لزوال إمامته. ثم إن خلص من الأسر بعد عهده، نظرت في خلاصه، فإن كان بعد الإياس منه لم يعد إلى إمامته، لخروجه منها بالإياس، واستقرت في وليِّ عهده. وإن خلص قبل الإياس منه، فهو على إمامته، ويكون العهد في ولي العهد بائناً.

стр. 73

وإن كان مأسوراً مع بغاة المسلمين، فإن كان يرجى خلاصُه، فهو على إمامته، وإن لم يُرجَ خلاصُه، نظرت في البغاة، فإن كانوا لم ينصبوا لأنفسهم إماماً، فالإمام المأسور في أيديهم على إمامته؛ لأن بيعته لازمةٌ لهم، وطاعته عليهم واجبةٌ، وإطلاقه واجبٌ عليهم، فصار كونُه معهم مثلَ كونه مع أهل العدل إذا صار تحت الحَجْر، وعلى أهل الإختيار أن يَستنيبوا عنه ناظراً يخلُفه إن لم يقدر على الإستنابة، وإن قدر عليها، كان أحقَّ باختيار مَنْ يستنيبه منهم، فإن خلعَ المأسورُ نفسه، أو مات، لم يَصِرِ المستناب إماماً؛ لأنها نيابة عن موجود، فزالت بفقده، وخالف ولي العهد؛ لأنها ولاية بعد مفقود لا تنعقد بوجوده، فافترقا. فإن كان أهل البغي قد نصَّبوا إماماً لأنفسهم، دخلوا في بيعته، وانقادوا لطاعته؛ فالإمام المأسور في أيديهم خارجٌ من الإمامة بالإياس من خلاصه؛ لأنهم قد انحازوا بدارٍ انفرد حكمُها عن الجماعة، وخرجوا بها عن الطاعة، فلم يبق لأهل العدل لهم نصرة، ولا لمأسور معهم قدرة، وعلى أهل الإختيار في دار العدل أن يعقدوا الإمامة لمن ارتضوه. فإن تخلص المأسور، لم يعد إلى الإمامة؛ لخروجه منها. كل هذا ذكره القاضي وغيره من أئمة أصحابنا (١). فصل فإن وجد أفضل جماعة يصلحون للإمامة، تعيَّن لها، ووجب عليهم مبايعته، فإن بايعوه، ثم حدث مَنْ هو أفضلُ منه، لم يجز العدولُ

стр. 74

عنه إلى مَنْ هو أفضل، فلو عدلوا في الابتداء عن الأفضل لغير عذر، لم يجز، وإن كان لعذر؛ من كون الأفضل غائباً، أو مريضاً، أو كان المفضولُ أطوعَ في الناس، وأحسنَ سياسةً = جاز. فصل والإمامة تنعقد بوجهين: أحدهما: اختيار أهل الحل والعقد، كما قدمنا. والثاني: بعهد الإمام قبله. فأما انعقادُها باختيار أهل الحل والعقد، فلا تنعقد إلا بجمهورهم، وأكثرِ أهلِ الحلِّ والعقد. قال أحمد في رواية إسحاقَ بنِ إبراهيم: الإمام الذي يجتمع عليه: كلهم يقول: هذا إمام. قال القاضي: فظاهر هذا: أنها تنعقد بجماعتهم (١). قال: وروي عنه ما دلّ على أنها تثبت بالقهر والغلبة، ولا تفتقر إلى العهد، فقال في رواية عبدوس بن مالك العطار: ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة، وسُمِّي أميرَ المؤمنين، فلا يحلّ لأحدٍ يؤمن بآلله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، براً كان أو فاجراً. وقال أيضاً في رواية أبي الحارث: في الإمام يخرج عليه من يطلب الملك، فيكون مع هذا قوم، ومع هذا قوم: تكون الجمعةُ مع مَنْ غَلب.

стр. 75

واحتجّ بأن ابن عمر صلّى بأهل المدينة في زمن الحَرّة، وقال: نحن مع مَنْ غلب (١). قال القاضي: ووجه الرواية الأولى: أنه لما اختلف المهاجرون والأنصار، فقالت الأنصار: منّا أمير، ومنكم أمير، حاجَّهم عمرُ، وقال لأبي بكر: مُدَّ يدك أُبايعْك (٢). فلم يعتبر الغلبة، واعتبر العقد مع وجود الاختلاف. قال: ووجه الثانية: ما ذكره أحمد عن ابن عمر، وقوله: نحن مع من غلب. قال: ولأنّها لو كانت تقف على عقد، لصح برفعه وفسخه بقولهم وقوله؛ كالبيع وغيره من العقود، قال: ولمّا ثبت أنّه لو عزل نفسه، أو عزلوه، لم ينعزل، دلّ على أنّه لا يفتقر إلى عقد، وإنما اعتبر فيها قولُ جماعةِ أهل الحلّ والعقد؛ أنّ الإمام يجب الرجوع إليه، ولا يسوغ خلافُه والعدولُ عنه كالإجماع. قال: ثم ثبت أنّ الإجماع يعتبر في انعقاده جميعُ أهل الحلِّ والعقد، كذلك عقدُ الإمامة (٣).

стр. 76

فصل قال القاضي: ولا تنعقد الإمامةُ إلا بالاختيار، ويلزمُ أهلَ الإختيار عقدُ الإمامة، فإن توقفوا، أثموا، لأنّه عقد لا يتم إلا بعاقد؛ كالقضاء لا يصير قاضياً حتى يُوَلَّى، ولا يصير قاضياً بغير ولاية وإن وجدت صفته، كذلك الإمامة (١). فإن قيل: أليس قد قلتم على أنه لو اتفق اثنان على التحاكم إلى شخص يصلح للقضاء، يعد قضاؤه، وصَحَّ؛ فقد صار قاضياً، ولأنّه قيل: لا يصير بذلك قاضياً، فإن هذا لايجب عليه الحكمُ بينهما؛ بخلاف القاضي، ولا يجبر أحدٌ منهما على المحاكمة عنده؛ بخلاف القاضي، وليس له طلب خصم؛ بخلاف القاضي، والله أعلم. فصل قال القاضي: وإذا اجتمع أهلُ الحلِّ والعقد على الإختيار، تصفحوا أحوالَ أهلِ الإمامة الموجودِ فيهم شروطُها، فقدموا للبيعة منهم أكثرَهم فضلاً، وأكملَهم شروطاً، فإذا تعين لهم من بين الجماعة مَنْ أدّاهم الإجتهادُ إلى اختياره، وعرضوها عليه، فإن أجاب إليها، بايعوه عليها، وانعقدت له الإمامة ببيعتهم، ولزم كافةَ الأمة الدّخولُ في بيعته، والإنقيادُ لطاعته. وإن امتنع من الإمامة، ولى يُجَب إليها، لم يجبر عليها، وعُدل عنه إلى مَنْ سواه من مستحقيها، فبويع عليها، فإن امتنع الجميع من الدخول

стр. 77

فيها، فهل يأثمون بذلك؟ وهل يتعين عليهم؟ اختلفت الرواية عن أحمد في ذلك: قال في رواية المروذي: لا بدّ للمسلمين من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟ وقال في رواية محمد بن موسى في الشّاهد يأبى أن يشهد، أيأثم؟ قال: إذا كان يضرّ بأهل القرية، ومثلُه يُحتاج إليه، فلا يفعل. وظاهر كلامه: أنه جعل القضاء والشهادة من فروض الكفايات، مع ما قد جاء عن النبي ﷺ في ذم القضاء، فأولى أن تكون الإمامةُ الكبرى كذلك؛ إذ ليس طلبتها ولا الدخول فيها مكروهاً، وقد تنازعها أهلُ الشّورى، فما رُدَّ عليها طالب، ولا مُنع منها راغب، ولأن بالناس حاجةً إلى ذلك؛ لحماية البَيْضة، والذبِّ عن الحَوْزة، وإقامةِ الحدود، واستيفاءِ الحقوق، فجرى مجرى حاجتهم إلى غسل الموتى وحملِهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك (١). فصل قال القاضي: فإن تكافأ في شروط الإمامة اثنان: قُدِّم أسنُّهما، وإن لم يكن ذلك شرطاً، فإن بويع لأصغرهما، جاز، فإن كان أحدُهما أعلمَ، والآخرُ أشجعَ نظرت، فإن كانت الحاجة إلى فضل الشجاعة أدعى؛ لانتشار الأعداء، وسدِّ الثغور، وظهور البغاة، كان الأشجع أحقَّ. وإن كانت الحاجة إلى فضل العلم؛ لسكون الدَّهْماء، وظهورِ أهل

стр. 78

البِدَع، كان الأعلمُ أحقَّ (١)، والله أعلم. فصل قال القاضي: فإن وقف الإختيار علي واحد من اثنين، فتنازعاها، لم يكن ذلك قدحًا بمنعهما منها؛ لِمَا بيّنا أن طلبها غيرُ مكروه؛ لأنه قد تنازعها أهلُ الشورى، وتنازعها عليٌّ ومعاوية. وبماذا يقطع به تنازعُهما مع تكافؤ أحوالهما؟ فقياس قول أحمد ﵁: أنه يُقرع بينهما، فيبايَعُ مَنْ قرعَ بينهما؛ لأنه قال في رواية ابنه عبد الله: في مسجدٍ فيه رجلانِ تداعيا الأذان فيه: يقرع بينهما، واحتجّ بقول سعدٍ، ولفظُ الحديث ما رواه أبو حفص العُكْبَريّ بإسناده عن ابنِ شُبْرُمة: أن الناس تشاحُّوا في الأذان يومَ القادسيّة، فأقرعَ بينهم سعدٌ (٢). وبإسناده عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْه، لاسْتَهَمُوا". قلت: والحديث في "الصحيح" (٣)، والله أعلم.

стр. 79

فصل وإن اختلف أهل الحلّ والعقد فيمن يولّي، فالحكم للأكثر، ويجب علي الباقين موافقتُهم، فإن استووا مع استواء الصفات فيمن يولَّي من غير ترجيح، فظاهرُ كلام أحمد والقاضي -أيضًا-: القولُ بالقرعة في ذلك، والله أعلم. فصل وصفة عقدِ الإمامة ما ذكره القاضي وغيرُه من أئمة أصحابنا أن يقال له: قد بايعناكَ علي بيعِ اللهِ ورسوله بيعة رِضا، علي إقامة العدل والإنصاف، والقيام بفروض الإمامة، والذبِّ عن المسلمين، ونحوِ ذلك، ولا يحتاج مع ذلك إلي بيعة اليد (١)، فإن وجد، فهو حسن؛ لأن عمر قال لأبي بكر: ابسطْ يدكَ، فبايعَه (٢)، وعبدُ الرحمن قال لعثمان: ابسطْ يدك، فبسط يدَه، فبايعه (٣)، فهو فضيلة في ذلك، وليس بشرط، والله أعلم. فصل ولا يجوز عقدُ الإمامة لإمامين في بلد أو بلدين في حالة واحدة، فإن عقد لاثنين فأكثر وجدت فيهم الشّروط، قال القاضي: ينظر؛ فإن كان في عقد واحد، فالعقدُ باطلٌ فيهم، وإن كان العقدُ لكل واحد علي

стр. 80

الإنفراد، نظرت؛ فإن عُلم السّابق منهما، فالثاني باطل؛ لما قدمنا من الدليل (١). وإن جُهل مَنِ السابقُ منهما، فقال القاضي: يُخرَّج علي روايتين عن الإمام أحمد: إحداهما: بطلان العقد فيهما. والثائي: استعمال القرعة؛ بناء علي ما إذا زوّج الوليّان، وجُهل السابقُ منهما، فهو علي روايتين، فكذلك ههنا (٢)، والله أعلم. فصل ولا يرجَّحُ أحدُهما بكونه في بلد الإمام قبلَه، ولا بكونه قرابته، أو ولده، فإن فقد الشّيء السّابق، فإن كان من الشّروط، لم تصحّ ولاية الأوّل، والأمر للثاني، والله أعلم. فصل الثاني مما تحصل به الولاية: العهدُ من الإمام إلي أحدٍ بعدَه؛ لوجود ذلك من النبيِّ ﷺ إلي أبي بكر، علي الصحيح من قولَي العلماء، بأمرٍ ظاهرٍ أو خفي، علي خلافٍ في ذلك، وكذلك أبو بكر عَهِدَ إلي عمر ﵁. أخبرنا جدّي وغيرُه، أنا الصّلاحُ بنُ أبي عمرَ وغيرُه، أنا الفخرُ بنُ

стр. 81

البخاريِّ، أنا ابن طَبرزذ، أنا أبو الفتح الدُّومي، أنا أبو بكر الخطيبُ، أنا أبو عمر الهاشميُّ، أنا أبو علي اللؤلُؤيُّ، أنا أبو داود، ثنا محمد بنُ داودَ بنِ سفيان وسلمةُ، قالا: ثنا عبدُ الرزاق، أنا معمر، عن الزّهريِّ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمر قال: قال عمر: [إني] إِنْ لا أَستخلِفْ، فإن رسولَ الله ﷺ لم يستخلف، وإن أَستخلِفْ، فإن أبا بكر قد استخلف، قال: فوألله! ما هو إلا أن ذكر رسولَ الله ﷺ ، وأبا بكر، فعلمتُ أنّه لا يعدِلُ برسول الله ﷺ أحدًا، وأنّه غيرُ مستخلِف (١). أخبرنا جدِّي وغيرُه، أنا الصّلاحُ بنُ أبي عمرَ، أنا الفخرُ بنُ البخاريِّ، أنا حنبلٌ، أنا ابنُ الحُصَينِ، أنا ابن المُذْهِب، أنا أبو بكرٍ القَطيعيُّ، ثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، حدثني أبي، ثنا يحيى بنُ حمادٍ وعفانُ، قالا: ثنا أبو عوانة، عن داودَ بنِ عبدِ الله الأوديِّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمن، ثنا ابنُ عباسٍ بالبصرة، قال: أنا أولُ من أتى عمرَ حين طُعن، فقال: احفظ عني ثلاثًا، فاني أخاف ألاَّ يُدْرِكَني الناس، أما أنا، فلم أقضِ في الكَلالة قضاءً، ولم أستخلفْ علي الناس خليفةً، وكلُّ مملوكٍ لي (٢) عتيقٌ، فقال له الناسُ: استخلِفْ، فقال: أيَّ ذلك أفعلُ، فقد فعلَه من هو خيرٌ مني، إن أدع إلي الناس أمرَهم،

стр. 82

فقد تركه نبيُّ الله ﷺ ، وإن أستخلِفْ فقد استخلف مَنْ هو خير مني: أبو بكر (١). وبه إلي الإمام أحمد، ثنا عبدُ الرزاق، ثنا معمر، عن الزهريِّ، عن سالم، عن ابن عمر: أنه قال لعمرَ: إني سمعتُ الناسَ يقولون مقالةً، فآليتُ أن أقولَها لك، زعموا أنك مستخلِفٌ، فوضع رأسَه ساعةً، ثم رفعه، فقال: إن الله- يحفظ دينه، وإني إن لا أستخلِفْ، فإن رسولَ الله ﷺ لم يستخلفْ، وإن أستخلِفْ، فإن أبا بكر قد استخلف، قال: فو الله! ما هو إلا أن ذكرَ رسولَ الله ﷺ ، وأبا بكر، فعلمت أنه لم يكن يعدِلُ برسولِ ﷺ أحدًا، وأنه غيرُ مستخلِف (٢). وكل هذا يدل علي جواز الإستخلاف. فصل إذا علمتَ ذلك، فالإستخلافُ يُشترط له شروطٌ: منها: أن يكون المستخلف صحيح الولاية. ومنها: أن يستخلف من يصلح لذلك، فإن كان لا يصلح؛ لعدم وجود الشّروط أو بعضِها فيه، فاستخلافه له غير صحيح. ومنها: أن يكون في حال الإستخلاف صحيح العقل.

стр. 83

ومئها: أن يكون باقٍ علي الولاية غيرَ زائلها؛ كمن أسر، أو زالت عنه الولاية بموجب لذلك، فإنه لا يعتد استخلافه، كما قدمنا. فصل ويجوز للإمام أن يَعْهَدَ إلي إمام بعدَه، ولا يحتاج في ذلك إلي شهادة أهلِ الحلِّ والعقد، وذلك لأنّ أبا بكر عَهِدَ إلي عمر، وعمرُ عهدَ إلي سبعة من الصحابة، ولم يَعتبرا في حال العهد شهادةَ أهلِ الحلّ والعقد. قال القاضي: لأنّ عهده إلي غيره ليس بعقد الإمامة، بدليل أنّه لو كان عقدًا لها، لأفضى ذلك إلي اجتماع إمامين في عصر واحد، وهو غير جائز، وإذا لم يكن عقدًا، لم يُعتبر حضورهم، وكان معتبرًا بعد موت الإمام العاقد (١)، والله أعلم. فصل ثم اعلم أن الإستخلاف يقع في أحوالٍ من المستخلِف: إما عند مرضه مرضًا مَخُوفًا، أو جرحِه وخوف الموت كما وقع لعمر، أو أسرِه وقهرِه وأخذه لعدو قبل الناس في الخلاص وبقاء الولاية، فإن المريض والمجروح لا تنقطع ولايته إلا بموته، ولو كان في مرض مَخُوف، أو جرح يتلف في القدرة صالحة للبرء، فإن كان كذلك، صحّ استخلافه، ولا يصير بذلك إمامًا إلا بعد موته.

стр. 84

قال القاضي: ويعتبر حضورُ أهلِ الحلّ والعقد للإتفاق عليه بعد موته، وإذا عهد إلي رجل، كان له أن يعزله قبل موته. قال القاضي: لما بينا أنّ إمامة المعهود إليه غيرُ ثابتة ما دام العاهد باقيًا إمامًا. قال: وإذا لم تكن ثابتة، كان له أن يُخرجه من ذلك، كما أن الموصي له أن يُخرج الوصي؛ لأن الوصية غيرُ ثابتة ما دام حيًا (١). وله أن يستخلف بعدَ عزله آخر، وله -أيضًا- أن يعزل الآخر، ويولي غيره كذلك، والله أعلم. فصل قال القاضي: ويجوز أن يعهد إلي من ينتسب إليه بأُبوة، أو بُنوة، أو مُصاهرة، إذا كان المعهود له علي صفات الأئمة؛ لأن الإمامة لا تنعقد للمعهود إليه بنفس العهد، وإنّما تنعقد بعهد المسلمين، فالتهمة تنتفي عنه (٢). ولأنّه ﵇ أراد أن يعهد إلي أبي بكر، وكان بينهما مصاهرة. فصل قال القاضي: ويعتبر قبولُ المعهود إليه، ويكون ذلك بعد موت المولِّي؛ لأنّ إمامته في تلك الحال تنعقد، ويعتبر في المعهود إليه شروطُ الإمامة وقتَ العهد إليه، واستدامتُها إلي ما بعدَ موت المولِّي، فإن كان

стр. 85

صغيرًا وقتَ العهد، لم تصحّ، ولو كبر حال الموت؛ لأنّها وإن كانت تلزم بعد موت العاقد، فلا يمتنع اعتبارها وقتَ العقد؛ كما قلنا في الموصي يعتبر فيه شرائطُ الوصي وقتَ العقد، وإن كانت تلزم بالموت. فإن عهد إلي غائبٍ معلومِ الحياة، صحَّ، وكان الأمر موقوفًا علي قدومه، فإن مات المولِّي قبل قدومه، وطالت غيبتُه، واستضرّ المسلمون بتأخُّرِه، استناب أهلُ الإختيار نائبًا عنه يبايعونه بالنيابة دون الخلافة، فإذا قدم الغائب، انعزل النائب (١)، انتهى كلام القاضي. فصل فإن استخلَفَ، ثم بَرَأَ، فهو علي خلافته، ولا شيءَ لمنِ استخلَفَه؛ لأنّ ذلك إنّما يكون له بعد الموت، وكذلك إن أطلق من أيدي العدوِّ، كما قدمنا. فإن برأ علي صفة لا تصلُح؛ من زوال عقل، أو زَمانةٍ، ونحوِ ذلك، فهي لمن جعلَه مكانَه، والله أعلم. فصل فأمّا إن خلعَ الخليفةُ نفسَه، وجعلها لغيره، فإن كان الجعلُ في حال الصّحة والسّلامة، فقد قال القاضي: إذا خلع الخليفةُ نفسَه إِما بطريان عذر، أو قلنا: له أن يخلع نفسَه من غير عذر -علي أحد القولين-، فإن عمر غير مرة يقول: ليت رجلًا كفانيها، وكذلك ورد عن عمرَ بنِ عبد العزيز، ولولا جوازُ ذلك، ما تمنّى، ولا أريد، وحينئذ إن جعلها

стр. 86

لغيره ممن يصلح، وخلع نفسه، انتقلت الولاية إلي ولي عهده، وقام خلعُه مقامَ موته (١). فأما إن خلع نفسه، ثم استخلف، فقد اختلف في ذلك: فقيل: تعتبر لمن استخلفه. وقيل: بخلعه نفسَه زال ذلك عنه، وبقي الأمر إلي أهل الإختيار، والله أعلم. فصل قال القاضي: لو عهد الخليفةُ إلي اثنين وأكثرَ، ولم يقدِّمْ أحدَهما علي الآخر، واختار أهلُ الإختيار أحدَهما بعد موته، جاز، والأصلُ فيه أهلُ الشورى، وليس لأهل الإختيار، إذا جعلها الإمامُ شورى في عدد أن يختاروا أحدَهم في حياة المستخلِفِ العاهد، إلا أن يأذن لهم؛ لأنها لم تَزُلْ عنه، فهو بها أَحَقّ، وربما بَرأ من مرضه، فإن خافوا انتشار الأمر بعد موته، استأذنوه، فإن صار إلي حال الإياس، نظرت: فإن زال عنه أمرُهُ، وعزل عنه رأيُه، فهو كحاله بعد موته في جواز الإختيار (٢). فصل وهل يجوز للخليفة أن ينصَّ علي أهل الإختيار، كما ينص علي أهل العهد؟

стр. 87

فقد قيل: لا يجوز. قال القاضي: لأنها من حقوق خلافته. قال: وقياس مذهبنا: أنه لا يجوز لوجهين: أحدهما: أنها تقف علي اختيار جميع أهل الحل والعقد. والثاني: أن إمامة المعهود إليه تنعقد بموته باختيار أهل الوقت. فإن قال: قد عهدتُ بالأمر إلي فلان، فإن مات قبل موتي، أو تغيرت حالُه، فالإمامُ بعدَه فلان، وذكرَ آخرَ، جاز ذلك، وكان هذا عهدًا إليه بالشرط. فإن بقي الأولُ إلي وفاة العاهد سليمًا، كان هو الإمام دون الثاني، وإن مات قبل موت الإمام، أو تغيرت حاله بأحد ثلاثة أشياء، كان الثاني هو الإمامَ المعهودَ إليه. وكذلك إن قال: فإن مات الثاني، أو تغيرت حاله، فالخليفة فلانٌ، صحّ، وكان ذلك علي الترتيب. والأصل فيه: ما رواه الدارقطني في "الأفراد" بإسناده، قال: لما وجه رسولُ الله القومَ إلي مُؤتة، قال: "عَلَيْكُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَإِنْ أُصِيبَ زَيْدٌ، فَجَعْفَر، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ، فَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ" (١). وروى سيفٌ بإسنادِه، قال: لما أنفذَ عمرُ ﵁ بالجيشِ إلي نَهَاوندَ، قال: قد أَمَّرْتُ حُذيفةَ بنَ اليمان حتى ينتهيَ إلي النعمانِ بنِ

стр. 88

مُقَرِّن، وقد كتبتُ إلي النعمانِ: إن حدثَ بكَ حدثٌ، فعلي الناس حذيفةُ، وإن حدثَ بحذيفةَ حدثٌ، فعلي الناسِ نعيمُ بنُ مُقَرِّنٍ (١). قال القاضي: وذكر -أيضًا-: أن أبا عُبيد عهد إلي الناس، فقال: إن قُتلت، فعلي الناس جبر، فإن قُتل، فعليكم فلان، فإن قُتل، فعليكم المثني، قال ذلك يوم الجسر (٢)، هكذا ذكر القاضي. قلت: ويكمن الفرقُ بين الأمير والإمام؛ فإن الأمير وكيلُ الإمام في حياته، والأمر إليه في حياته وبعدَ موته؛ بخلاف الإمامة؛ فإن الإمام إنما هو وكيلُ جميعِ الناس، وليس له التصرفُ بعد موته. فصل قال القاضي: فإن عهد إلي رجلٌ، ثم قال: فإن مات المعهود إليه بعد نظره وإفضاء الخلافة إليه، فالإمامُ بعدَه فلان آخر يذكره، فإنَّ من ذكره وعهدَ إليه أولًا هو الإمام بعده، وإذا مات المعهود إليه، أو انعزل بحدوث معنى، لم يكن الأمر للذي بعده، وليس للذي بعده ولايةٌ ولا عهد؛ لأن الأمر صار لمن جعله وليَّ عهدِه بعدَه. فإذا صار إمامًا، حصل التصرفُ والنظرُ إليه، والاختيار إليه، وكان العهد إليه فيمن يراه.

стр. 89

قال: ويفارق هذا ال فصل الذي قبلَه، لأنه جعل العهد إلي غيره عند موته، وتغيرت صفاته في الحال التي لم يثبت للمعهود إليه إمامةٌ، بل كانت إمامةُ الأول باقية، فلهذا صحّ عهدُه إلي من يراه (١). قلت: ما ذكرناه من الفرق بين الإمامة والإمرة أحسن، والله أعلم. فصل ولا يجب علي كافة الناس معرفةُ الإمام بعينه واسمه، بل إلي من هو من أهل الإختيار الذين تقوم بهم الحجّة، وتنعقد بهم الخلافة، والله أعلم. فصل ومن حصلت له الولايةُ الكبرى، قال القاضي: يجوز أن يسمّى خليفةً لمن عقد له الأمر، ويجوز أن يسمّى خليفةَ رسولِ الله، ذكره القاضي؛ لأنه خَلَفَ رسولَ الله ﷺ في أمته (٢). وهل يجوز أن يقال: خليفة الله؟ قال القاضي: فقد قيل: يجوز؛ لقيامه بحقوقه في خلقه، ولقوله تعالي: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وقيل: لا يجوز، لأنه إنما يُستخلف من يغيب أو يموت، والله تعالي لا يغيب ولا يموت، ولأنه قيل لأبي بكر:

стр. 90

يا خليفة الله! فقال: لستُ خليفةَ الله، ولكنّي خليفةُ رسول الله ﷺ (١) (٢). فصل ويجوز أن يقال: أمير المؤمنين، ويقال: سلطان المسلمين، وسلطان الله. وقد أخبرنا جدّي وغيرُه، أنا الصلاحُ بنُ أبي عمرَ، أنا الفخرُ بنُ البخاريِّ، أنا حنبلٌ، أنا ابنُ الحُصين، أنا ابنُ المُذْهبِ، أنا القَطِيعيُّ، حدثني عبدُ الله، حدثني أبي، ثنا محمّدُ بنُ بكرٍ، ثنا حميدُ بنُ مهرانَ، ثنا سعدُ بنُ أوسٍ، عن زيادِ بنِ عسيب العدويِّ، عن أبي بكرةَ: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ أَكْرَمَ سُلْطَانَ اللهِ في الدُّنْيَا، أَكْرَمَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللهِ في الدُّنْيَا، أَهَانَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٣). فصل وإذا تمت الولايةُ، وحصلت لرجل، لزمه من أمور الأمة أشياءُ يقوم بها.

стр. 91

قال القاضي: يلزمه القيامُ بعشرة أشياء: الأوّل منها: حفظُ الدين علي الأصول التي أجمعَ عليها سلفُ الأمة، فإن زاغ ذو شبهة عنه، بيّن له الحجّةَ، وأوضح له الصّوابَ، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروسًا من خلل [و] الأمة [ممنوعة من زلل]، وهذا الأمرُ يحتاج إلي علم في الإمامة، وحُرمة، وقوة. الثاني: تنفيذُ الأحكام بين المتشاجرين، وقطعُ الخصومات بينهم بنفسه ونوابه حتى تظهر النَّصَفَةُ، فلا يتعدى ظالم، ولا يضعف مظلومٌ، وهذا يحتاج إلي علم، وحرمة، وقوة. الثالت: حمايةُ البَيْضَة، والذبُّ عن الحَوْزَةِ؛ ليتصرف الناس في المعايشِ، وينتشروا في الأسفار والبلاد آمِنين، وهذا يحتاج إلي حرمة، وقوة. الرابع: إقامةُ الحدود؛ لتصان محارمُ الله تعالي عن الإنتهاك، وتُحفظ حقوقُ عباده من إتلاف واستهلاك، وهذا يحتاج إلي علم؛ ليعلمَ ما يوجبُ الحدَّ مما لا يوجِبه، وماذا يجب فيه من الحدِّ، وكيف يجبُ، وكيف يُقام، ومتى يُقام، إلي غير ذلك، ويحتاج -أيضًا- إلي حرمة، وقوة. الخامس: تحصين الثغور بالعُدَّة المانعة، والقوة الدافعة، حتى لا يظهر الأعداءُ بِغِرَّة فينتهكون شيئًا، ويسفكون دمَ مسلم، أو معاهَدٍ، وهذا يحتاج إلي حرمة، وقوةٍ أكثرَ، وإلي علم أقلَّ. السادس: جهادُ مَنْ عاند الإسلامَ بعدَ الدعوة حتى يُسلم، أو يدخل

стр. 92

في الملة، وهو كالذي قبله يحتاج إلي حرمة، وقوةٍ أكثر، ويحتاج إلي علم أقلَّ. السّابع: جباية الفَيْءِ والصّدقاتِ علي ما أوجبه الشّرع نصًا واجتهادًا من غير عسف، ودفعُ ذلك في مستحقاته، وهذا يحتاج إلي علم أكثر، وحرمة وقوة أقلَّ. الثامن: تقديرُ العطاء، وما يستحقّ في بيت المال من غير سَرَف ولا تقصير، ودفعُه في وقته من غير تقديم ولا تأخير، وهو يحتاج إلي علم أكثر، وقوة أقلَّ. التاسع: استكفاء الأمناء، وتقليدُ النصحاء، فيما يفوِّضُه إليهم من الأعمال، ويَكِلُه إليهم من الأموال؛ لتكون الأعمالُ مضبوطة، والأموالُ محفوظة، وهو يحتاج إلي علم وقوة. العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفُّحَ الأحوال، ويقوم بسياسة الأمة، وحراسة الملة، ولا يعوِّل علي التفويض تشاغلًا بلذة أو عبادة، فقد يخونُ الأمين، ويغشُّ الناصح (١)، وقد قال الله تعالي: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص: ٥ - ٢٦]، فلم يقتصر سبحانه علي التفويض دون المباشرة، وقد قال النبيُّ ﷺ : "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" (٢).

стр. 93

وإذا قام الإمامُ بحقوق الأمّة، وجب له عليهم حقان: الطّاعةُ، والنصرةُ، ما لم يوجد من جهته ما يخرج به عن الإمامة، كالنقص في بدنه، فأمّا الجرحُ في دينه، فقد تقدّم الكلام عليه (١). فصل فالأمر الأولُ من حفظ الدين على أصوله يتعلق به أكثرُ من عشر ين أمرًا: الأول: ما يتعلق بالصلاة بالفعل وعدم الترك. ويتعلق بها عشرة أحكام: [الأول]: المحافظة عليها في أوقاتها. والثاني: النظر في الجوامع والمساجد وأماكنها وعَمَارتها. والثالث: الأذان والإمامة بالفعل وعدم الترك. الرابع: إمامة الجمعة والجماعة بالفعل وعدم الترك. الخامس: الصلاة علي الأموات، والقيامُ بأمورهم بالفعل وعدم الترك، وكذلك للدفن ومتعلقاته. والسادس: المحافظةُ علي شروط الصلوات وإمامتها بجميع مصحّحاتها. والثامن: اجتنابُ المفسدات.

стр. 94

والتاسع: إقامةُ إمامتها وجُمعتها وجماعتها بنفسه ونوابِّه. والعاشر: الصرفُ لما يحتاج إلي صرف، وذلك من أموال المسلمين. الثاني: أمر الزكاة، ويتعلق بها أمور: الأول: ما تجب فيه مما لا تجب. والثاسْي: متى تجب. والثالث: إخراج مَنْ وجبت عليه إلي الإمام، أو عامله، أو الفقير. الرابع: عقاب من لم يخرج. الخامس: قدر المخرج والمخرج عنه. السادس: المدفوع إليه، ولمن هي، ومن تجوز له، ومن لا تجوز. الثالت: أمرُ الصيام بالفعل بالمصححات، وقتالُ من لم يفعله. والرابع: الحجُّ بالفعل بالمصححات، وعقابُ مَنْ لم يفعل، وإصلاحُ طريقه بالذبِّ والعمارة بما يمكن معه السلوكُ بإيجاد الماء والعلف وغير ذلك، ودفع المؤذي وإزالته من اللصوص وغيرهم، وإقامة مَنْ يذهب مع الحجاج من كل بلد من بلاده، وعدمُ تعطيل الحج، وإقامتُه بالبلد الحرام كلَّ سنة، ومباشرةُ إمامته، وما يتعلق بذلك بنفسه، أو نيابة؛ فإنه ﵇ باشرَ ذلك مرةً بنفسه، ومرة بنيابة، وكذلك

стр. 95

أبو بكر، وعمر بعده، وكذلك استمرَّ علي ذلك الخلفاء، وما يحتاج من ذلك إلي صرفِ مال، صرفَ فيه من أموال المسلمين العامة. الخامس: أمرُ الجهاد، والقيام به، وما يخرج فيه من رجال، ودوابَّ، وزادٍ، وغير ذلك، وما يفعله بنفسه، وما يستنيب فيه، وما يصرف فيه من الأموال، وغير ذلك. السادس: ما يتعلق با لتزويج وعقود الأنكحة، والتزويج، وأولياء ذلك، وعدم تركه، وصيانةُ الأمة عن فسادِ أنكحتِهم، والدخولِ في الزنا وما لا يحلّ. والسابع: صيانةُ العِرْض عن فعل المحرَّمات فعلًا أو استحلالًا من الزنا، ومنع البغايا والقِحاب، وشرب الخمور، واللواط، وإقامةُ الحدود علي مَنْ فعل ذلك، وعدمُ التهاون فيه، وكذلك من أكل الميتة، والمعاملة بالربا، وإظهار المنكرات من الدفوف والمزامير، وغيرِ ذلك من المنكرات، والقيامُ علي فاعلها. الثامن: إزالةُ البدع من الدين، وقمعُ المبتدعين وإزالتُهم، سواء كانت مكفِّرة؛ كالجهمية، وفرق من الرافضة، أو غيرَ مكفِّرة؛ كالإرجاء، ونحو ذلك، فيصون الدينَ، ويحفظه من جميع البدع والنقائص. التاسع: القيامُ بأمر المواريث، وإعطاءُ كلِّ ذي حق حقَّه من ذلك. العاشر: حفظُ نفوس المسلمين الموحِّدين، وعدمُ استحلالِ قتلِ

стр. 96

أَحدٍ منهم بغير حق، والقيامُ علي مَنْ فعل شيئًا من ذلك، والقصاصُ منه، كائنًا من كان. الحادي عشر: عدمُ استحلال مالِ أحدٍ من المسلمين، ومنعُ أحدٍ أن يظلم أحدًا في شيء من ذلك؛ فإن عمر كان يقول: لو ذهبتْ شاةٌ بالفرات، لخشيت أن أُطالَبَ بها. الثاني عشر: الوقوفُ علي الحقِّ حيث كان، ولو علي نفسه، أو ولدِه، أو وُلاتِه، أو صديقه، ويحذر من اتباع الهوى في شيء من ذلك؛ لقوله- : ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [ص: ٢٦]. وقوله ﵇: "لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا" (١). الثالث عشر: اجتنابُ الباطل حيثُ كان، ولو علي عدوِّ أو بَغيضٍ. الرابع عشر: عدمُ الإنتقام لنفسه؛ لأنه ﵇ ما انتقم لنفسه قَطُّ (٢). ولأن عمر ﵁ لما دخل عليه الرجل، فقال: واللهِ!

стр. 97

ما تُعطينا الجَزْلَ، ولا تَقْسِم بيننا بالعدل، فَهَمَّ أن يُوقعَ به، فذكَّرَهُ الحُرُّ قولَه- : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، فسكت، وكان وقَّافًا عند كتاب الله (١). الخامس عشر: عدمُ الرأفة والرحمة في استيفاء الحقوق والحدود؛ لقوله- : ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ [النور: ٢]. السادس عشر: ارتكابُ المروءة، وفعلُ ما يَزين، واجتنابُ القبائح، وتركُ ما يَشين ويدنِّسُ النفسَ والعرضَ مما هو مذكورٌ في شروط الشاهد. السابع عشر: البروزُ للناس، وعدمُ الإحتجاب عنهم، والإختفاءِ منهم؛ لأنه ﵇ لم يكن له بَوَّابٌ ولا حاجب (٢)، وقد ورد حديثٌ بذمِّ ذلك. الثامن عشر: اتباعُ العدل حيثُ كان. التاسع عشر: اجتنابُ الظلم والجَوْر حيثُ كان، وكيف كان، قليلًا كان أو كثيرًا. العشرون: بذل الحقوق لأهلها من كل طائفة. فصل وقد أوضحنا لك شروطَ الإمام، ونحن نذكر لك شروطَ نُوّابه، وأعوانه:

стр. 98

أولُ من قَدَّمنا منهم: القاضي، ويشترط فيه شروط: الأول منها: الإسلام: ولا بد منه فيه بإجماع العلماء، فلا تصحُّ ولايةُ كافرٍ، وسواء كان كفرُه بأمر معلوم له، وللناس؛ من اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، والشرك، وغير ذلك، أو بارتكاب بدعة من التجهُّم ونحوِه. الثاني: العقل: فلا تجوز ولايةُ مجنون مُطْبِق، ولا مَنْ يُصْرَع في أكثر أوقاته، وينعزلُ بطريان ذلك، فإن كان ناقصَ العقل، فظاهرُ كلامِ بعضِ أصحابنا: لا يُولَّي. الثالث: أن يكون بالغًا، فلا تجوزُ ولايةُ صبي، فإن كان مميزًا، لم تجز توليته عند جمهور أصحابنا. الرابع: أن يكون ذَكَرًا، فلا يجوز توليةُ امرأةٍ، سواء كان علي رجال، أو نساء، وكذلك لا يجوز توليةُ خُنثى مُشْكِلٍ. الخامس: أن يكون حرًا، فلا يجوز توليةُ عبدٍ مطلقًا، سواء كان قِنًّا، أو مُدَبَّرًا، أو مُكاتَبًا، أو مُبَعَّضًا. السادس: أن يكون عَدْلًا عند جمهور العلماء، فلا يجوز أن يكون فاسِقًا؛ خلافا للحنفية. السابع: أن يكون سميعًا، فلا تجوز ولاية أُطروش؛ لأنه يحتاج إلي سماع كلام الخصوم، وهذا عند جمهور العلماء. الثامن: أن يكون بصيرًا، فلا تجوز ولايةُ أعمى عند جمهور العلماء؛ لأنه يحتاج إلي ذلك؛ لمعرفة من يحكم عليه.

стр. 99

التاسع: أن يكون متكلمًا، فلا يجوز أن يكون أخرسَ ولا أَصَمَّ عند جمهور العلماء. العاشر: أن يكون مجتهدًا عند جمهور العلماء، خلافًا للحنفية، والمجتهدُ: من يعرف من كتاب الله، وسنةِ رسوله الحقيقة، والمجاز، والأمرَ والنهيَ، والمجمَلَ والمبيَّنَ، والمحكَمَ والمتشابهَ، والخاصَّ والعامَّ، والمطلَقَ والمقيَّدَ، والناسخَ والمنسوخَ، والمستثنى والمستثنى منه، ويعرفَ من السنة الصحيحَ والسقيم، والتواتر والآحاد، والمرسَل والمتصل، والمسنَدَ والمنقطعَ، وكلَّ ما هو مذكور من ذلك في أصول الفقه، ويعرف ما أُجْمِعَ عليه مما اختُلِفَ فيه، والقياسَ وحدودَه، وشروطَه، وكيفيةَ استنباطه، والعربيةَ المتداوَلَةَ بالحجاز والشام والعراق، فمن عرف ذلك كله، وعَلِمه، صلح للقضاء والفتيا عند جميع العلماء، ومن ليس كذلك، ففيه خلاف. الحادي عشر: أن يكون كاتبًا في أحد قولي العلماء، واختاره طائفة من أصحابنا، وقاله ابنُ أبي المجد في الأصح عنه، وقدمه في "الرعاية"، وغيرِها (١). الثاني عشر: هل يُشترط فيه أن يكون زاهدًا؟ علي قولين: الصحيح عند أكثر العلماء: لا يشترط ذلك. الثالث عشر: هل يشترط أن يكون ورعًا؟ علي قولين، والذي عليه أكثر العلماء: لا يشترط ذلك.

стр. 100

الرابع عشر: يشترط سلامته من البِدَع المُضِلَّة. الخامس عشر: اختُلف في عدم الزَّمانة التي لا يمكن معها المشيُ، ولا الظهور للناس، فاعتبرَ ذلك بعضُ العلماء. السادس عشر: اختُلف في وجود الرِّجْلَين، وإمكانِ المشيِ بهما، والظهور للناس. السابع عشر: اختُلف في وجود اليَدَيْن، فاعتَبر ذلك بعف العلماء؛ لأجل الكتابة. الثامن عشر: اختُلف في اشتراط السلامة من الجُذَامِ ونحوِه من العلل التي يَقْذَرُها الناس. التاسع عشر: في عدمِ الغفلة والنسيان، هل يشترط ذلك؟ العشرون: هل تشترط الصحة؟ بأن لا يكون الغالب عليه السقم والضعف. فصل وَثمَّ شروطٌ من شروط الإمام لا تعتبر فيه، وهي: النسبُ، وكونُه من قريش، والشجاعةُ، وسلامةُ الأطرافُ، ونحو ذلك. وإن طرأ عليه انتفاءُ شرط من شروطه، فهل ينعزل بذلك؟ قال ابن أبي المجد: ما فقد منها في الدوام، أزال الولاية، إلا فقدَ السمع والبصر فيما ثبت عنده، ولم يحكم به، فإنها باقية (١).

стр. 101

وقال في "الرعاية": إن عَمِيَ بعد ذلك، أو طرشَ، لم تبطل ولايتُه، وإن نسيَ الفقهَ، أو خرسَ، ولم تُفهم إشارتُه، أو فسق، أو زال عقلُه بجنون أو سُكر محرم، أو إغماء، أو عمى، انعزل (١). وفي "الفروع": ما منع توليةَ القضاء، منعَ دوامَها، فينعزل به. قال: وفي "المحرر": فقْد سمعٍ أو بصرٍ بعد الثبوت عنده له الحكم فيه (٢)، وقاله في "الإنتصار": في فقْد بصرٍ (٣). قال: وقيل: إن تاب فاسقٌ، أو أفاق مَنْ جُنَّ، أو أُغمي عليه، وقلنا: ينعزلُ بالإغماء، فولايتُه باقيةٌ. وفي "الترغيب": إن جُنَّ، ثم أفاق، احتمل وجهين، وفي "المعتمد": إن طرأ جنون، فقيل: إن لم يكن مُطْبِقاَّ، لم يعزل؛ كالإغماء، وإن أطبقَ، يتوجَّبُ عزلُه (٤). واختلف الشافعية، فقيل: سنة؛ لتكميل إيجاب العبادات، وقيل: شهر؛ لإيجاب رمضان مع الصلاة، وقيل: يوم وليلة؛ لإيجاب الصلاة.

стр. 102

قال القاضي: والأشبهُ بقولنا: الشهرُ؛ لأن أحمد أجاز شهادة مَنْ يُخْنَقُ في الأحيان، وقال: في الشهر مرة. قال صاحب "الفروع": كذا قال (١). وإن مرض مرضًا يمنع القاضي، تعين عزلُه. وفي "المغني": ينعزل، وإن زالت ولايةُ مَنْ ولَّاه بموت، أو انعزال، لم ينعزل بذلك مع صلاحيته في أصحِّ القولين. وقيل: لا ينعزل بموته، وينعزل بعزله (٢). فأما إن عزله مَنْ ولَّاه مع صلاحيته، فهل ينعزل بذلك؟ علي قولين للعلماء في ذلك، والعمل علي الإنعزال. وهل له عزلُ نفسه إذا لم يعزله مُوَلِّيه؟ علي قولين، وخرج ذلك علي روايتين عن أحمد؛ بناء علي أنه هل هو وكيلٌ للمسلمين، أو للإمام؟ وذلك علي روايتين منطوقتين عن أحمد، وللشافعية وجهان. وهل ينعزل قبل علمِه بالعزل؟ علي قولين: أصلها: انعزال الوكيل قبل علمه بالعزل، وهو علي روايتين عن الإمام أحمد. فإن قلنا: ينعزل قبل العلم: فأحكامُه بعد العزل غيرُ صحيحة، سواء علم، أو لم يعلم.

стр. 103

وإن قلنا: لا ينعزل، فهي قبل العلم صحيحة، وبعده غيرُ صحيحة. ومن أُخْبِرَ بموت قاضي بلد، فولّي غيره، فبان حيًا: لم ينعزل في أصح القولين. فصل لا يحصل القضاء من غير عقد ولاية، ولا بد له من ولاية. وتحصل الولاية من الإمام، ونصبُ القاضي عليه واجبٌ، وبالنسبة إلي المولَّي: فرضُ كفاية، قال أحمد: لابدَّ للناس من قاضٍ. وفيه: أنَّ نَصْبَه سُنَّة، نصرها القاضي، وأصحابُه. وعلي الإمام أن ينظر له أصلحَ من يجد، ويُكره طَلَبُه، ويحرُمُ أن يبرطِلَ عليه، ويحرم علي الإمام الأخذُ، ولا ولايةَ بذلك. وتجوز ولايةُ المفضول مع وجود الفاضل. وهل للإمام الإجبار عليه؟ علي قولين، وإن لم يوجد إلا واحد، أُجبر؛ كما لو امتنع الكلُّ أَجبر واحدًا، والله أعلم. فصل كان في الزمن الأول يولِّي الخليفةُ واحدًا، وهو قاضي القضاة، وذلك القاضي هو الذي يولِّي القُضاةَ في سائر البلاد، ثم تُرك ذلك. وصار يُولَّي في كل بلدٍ قاضٍ يقال له: قاضي القضاة، ويولِّي هو من تحت يده في كل صُقْع، ثم صار يُولَّي في كل بلد قاضٍ من مذهب من

стр. 104

المذاهب الأربعة؛ حيث استقر الأمرُ علي المذاهب الأربعة، وله أن يستنيب إن جُعل إليه، ويجوز أن يستنيب من غير مذهبه في أصحِّ القولين، ويُشترط في النائب ما يُشترط فيه. فصل ولا تحصل ولايةُ القضاءِ إلا من الإمام، أو نائبِه، ولابد أن يعرف أن الُموَلَّي يصلُح، ويجوز أن يولِّيه عامًّا بالنسبة إلي البلاد والناس والأحكام، وخاصًّا بالنسبة إلي البلاد والناس والأحكام، بأن يوليه بلدًا بعينه، فلا يجوز [أن] يحكم بغيره، أو طائفةً من الناس؛ كقاضي العسكر، فلا ينفذ حكمُه في غيره، وعلئ هذا يجب في أحد القولين، فلا ينفذ حكمُه بغيره. وفي غير فلان، أو الطائفة الفلانية، فيختص بما وُلّي فيه وعليه. وله أن يمنعه من الحكم بشيء، فلا ينفذ له حكمٌ فيه، فلا بد أن يعين له الأوْلي من نظر وعمل ومكان، والله أعلم. فصل ولابدَّ من مشافهةٍ بالولاية بصريح اللفظ، وقبولها في المجلس، ومكاتبته بها مع البعد (١)، أو إشهادٍ بها واستفاضةٍ. وألفاظُ الولاية منها صريح؛ نحو: وَلَّيْتُكَ القضاءَ، أو الحكمَ، أو قَلَّدْتُكَه، أو جعلتُه إليك، أو استَنْبْتُكَ فيه، ونحوِ ذلك. ويقبل بقوله: فعلتُ، أو قُلِّدْتُ. وتنعقدُ الولاية بذلك.

стр. 105

ومن ألفاظها كنايةً؛ نحو: وَكَّلْتُكَ، أو استندْتُ إليك، وعَوَّلْتُ أو اعتمدْتُ عليك. فلا بد أن يقرن بذلك ما يدل عليه، فتصح الولاية. ويجوز تولية قضاة عدة في بلد واحد من مذهب واحد، أو في مذاهب مختلفة عمومًا وخصوصًا، وكل في شيء أو عمل، والكل في عمل واحد. فصل وإذا حصلت الولاية، وكانت خاصة اختصت بما هي فيه، وإن كانت عامة استفاد بها النظر في عشرة أشياء: الأول: فصل الخصومات بين الناس، ويجب عليه الحكم بين كل خصمين أتياه، وإن أتاه خصم وطلب خصمًا، طلبه له، ويجب علي الخصمين قبول ذلك منه، ويجبرا عليه، وهذا بخلاف من تحاكما إلي من يصلح للقضاء، فإنه لا يجب عليه الحكم، وليس له إرسال خلفْ خصم، ولا يجبر الممتنع. الثاني: استيفاء الحقوق ممن هي عليه ورفعها إلي أربابها، ويجب عليه الوقوف مع الحق حيث كان؛ ولو علي نفسه أو والده أو ولده، وله الحكم علي نفسه وولده ووالده، ولا يحكم له ولا لولده ووالده. الثالث: النظر في أموال اليتامى والمجانين والسفهاء، وإقامة أولياء لهم، ومن يتكلم عليهم، والحجر علي من يرى الحجر عليه، لسفه، أو فلس، ونحو ذلك.

стр. 106

الرابع: النظر في الوقوف بإجرائها علي شروط واقفيها، والنظر في عمارتها ومصالحها ونظارها، ومنع من لا يصلح منهم، وفي تفرقتها، ومنع [...] بغير حق. الخامس: تنفيذ الوصايا، والنظر فيها، وفيما يجوز وما لا يجوز منها. السادس: تزويج النساء ومن لا ولي له من كبير وصغير ومجنون وغير ذلك، مما لا ولي له والنظر في ذلك. السابع: إقامة الحدود علي من وجبت عليه من الزنى والخمر والقذف والسرقة وغير ذلك، وكذلك التعزير لمن وجب عليه بما يراه. الثامن: إقامة الجمعة والجماعة وجميع متعلقات الصلاة وشعائرها. التاسع: النظر في مصالح عمله بكف الأذى عن طرقات المسلمين وأفنيتهم ومساجدهم وجوامعهم، وغير ذلك مما يعود عليَهم من المصالح العامة، وإزالة المضار العامة عنهم. العاشر: النظر في حال الأمناء والشهود والوكلاء وجميع من هو متعلق به، ومنع من لا يصلح ومن لا يرضى لفسق وجرح ونحو ذلك، والإستقرار بمن يصلح. فصل وأما جباة الخراج ونحوه، وأخذ الصدقات ودفعها إلي مستحقيها فقد اختلف فيه علي قولين: أحدهما: ليس إليه، وليس له الدخول في

стр. 107

ذلك، وإنما هو إلي الإمام، والثاني: أمره إليه كغيره. فصل وله طلب الرزق لنفسه وأبنائه وخلفائه مع الحاجة إلي ذلك، فإن لم تكن بهم حاجة إلي ذلك فعلي قولين: أحدهما: له ذلك، ولهم الأخذ؛ لاشتغالهم بأمور المسلمين، والثاني: ليس لهم ذلك. فإن قلنا له الأخذ، ووجد أخذه، ولا يجوز له أن يأخذ مع ذلك أجرة علي حكم ولا رشوة، ولا قبول هدية، ولا غيرها. فإن عدم ذلك من الإمام أو بيت المال، فهل يجوز أخذ أجرة علي الحكم؟ علي قولين للعلماء أحدهما: لا يجوز، والثاني: بلي، وليس الأخذ قبل الحكم بل علي من وجب له الحق أن [...]، وكذلك يجوز للشاهد أن ياخذ أجرة علي الشهادة علي التحمل والأداء، وكان شيخنا لا يكره ذلك ولو كثر لا سيما علي الكتابة، وكذلك الوكيل له أخذ الأجرة، وكذلك الشفيع له أخذ أجرة علي شفاعته في أحد القولين. فصل وأما النياب والعمال علي البلاد فهم نياب الإمام فيشترط لهم شروط: الأول: الإسلام: إن كان علي مسلمين، وعلي غير المسلمين يجوز أن يكون كافرًا. الثاني: العقل: ولا يجوز أن يكون مجنونًا، سواء كان مطبقًا، أو يصرع ويخنق.

стр. 108

الثالث: الذكورية: فلا يجوز أن تكون امرأة ولا خنثى، حيث قال ﵇: "لا يفلح قوم ولو أمرهم امرأة". الرابع: البلوغ: ولا يجوز أن يكون صبيًا. الخامس: سلامةُ يديه ورجليه؛ للحاجة إلي ذلك في أمر الحرب، ولا يضر ذهابُ واحدة. السادس: السمع: فلا يجوز أن يكون أُطروشًا؛ للحاجة إلي السمع. السابع: البصر: فلا يجوز أن يكون أعمى؛ للحاجة إلي البصر في القتال وغيره، ولا يضر ذهابُ عينٍ واحدة. الثامن: الكلام: فلا يجوز ولاية أصمَّ أخرسَ؛ للحاجة إلي الكلام. التاسع: الصحة: فلا يكون غيرَ صحيح البدن. العاشر: عدمُ الزَّمانة للمشي، فلا يكون مقعَدًا. فصل ولا يشترط له النسبُ، ولا أن يكون قُرشيا، ولا حريةُ الأصل، فيجوز أن يكون من الموالي، ولا الحريةُ حالَ الولاية. أخبرنا الجماعةُ، أنا ابنُ الزَّعْبوبِ، أنا الحَجَّارُ، أنا ابنُ الزَّبيديِّ: أنا السِّجْزِيُّ، أنا الداوديُّ، أنا السَّرَخْسيُّ، أنا الفِرَبْريُّ، أنا البخاريُّ، قال: باب: استقضاء الموالي واستعمالهم، ثم قال: ثنا عثمانُ بنُ صالح، ثنا عبد الله بنُ وهبٍ، أنا ابنُ جُريجٍ: أن نافعًا أخبره: أن

стр. 109

ابنَ عمر أخبره، قال: كان سالمٌ مولي أَبي حُذيفةَ يؤمُّ المهاجرينَ الأوَّلِينَ، وأصحابَ النبيِّ ﷺ في مسجدِ قُباء، فيهم أبو بكرٍ، وعمرُ، وأبو سلمةَ، وزيدٌ، وعامرُ بنُ ربيعةَ (١). أخبرنا جَدِّي وغيرُه، أنا الصلاحُ، أنا ابنُ البخاريِّ، أنا حنبل، أنا ابنُ الحُصينِ، أنا ابنُ المُذْهِبِ: أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ، أنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا أبو كامل، ثنا إبراهيم، ثنا ابنُ شهاب. قال: وثنا عبدُ الرزاق، أنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن أبي الطفيل عامرِ بنِ واثِلَةَ: أنَّ نافعَ بنَ الحارثِ لقيَ عمرَ بنَ الخطاب بعُسفانَ، وكان عمرُ استعمله علي مكةَ، فقال له عمر: من استخلفتَ علي أهل الوادي؟ قال: استخلفتُ عليهم ابنُ أَبْزَى، فقال: ومَنِ ابنُ أبزى؛ فقال: رجلٌ من موالينا، فقال عمرُ: استخلفتَ عليهم مولي؟! فقال: إنه قارىٌ لكتاب الله، عالمٌ بالفرائض، قاضٍ، فقال عمر: أَمَا إِنَّ نبيَّكُمْ ﷺ قد قال: "إِنَّ اللهَ يَرْفعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ" (٢). أخبرنا أبو العباسِ الفُولاذيُّ، أنا ابنُ بردس، أنا ابنُ الخباز، أنا الإربليُّ، أنا الفُراوي، أنا الفارسيُّ: أنا الجُلُودي، أنا إبراهيمُ بنُ سفيانَ، أنا مسلمٌ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن براد الأشعريُّ، وأبو كريبٍ، قالوا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن شعبةَ، عن

стр. 110

أبي عمرانَ, عن عبد الله بنِ الصامتِ, عن أبي ذَرٍّ, إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ, وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الأَطْرَافِ (١). وبه إلي مسلم, أنا النضرُ بنُ شُمَيْلٍ جميعًا, عَنْ شعبةَ, عن أبي عمرانَ بهذا الإسنادِ, وقالا في الحديث: "عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعَ الأَطْرَافِ" (٢). وبه إلي مسلم, ثنا عبيد الله بنُ معاذٍ, ثنا أبي, ثنا شعبةُ, عن أبي عمرانَ بهذا الإسناد, كما قال ابنُ إدريس: "عَبْدًا مُجَدَّعَ الأَطْرَافِ" (٣). وبه إلي مسلم, ثنا محمدُ بنُ المثني, ثنا محمّدُ بنُ جعفرٍ, ثنا شعبةُ, عن يحيي بنِ الحصينِ, قال: سمعتُ جَدَّتي تحدِّث: أنها سمعتِ النبيَّ ﷺ يخطب في الوداع, وهو يقول: " وَلَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ الله, اسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا" (٤). قال: وثنا ابنُ بشار, ثنا محمّدُ بنُ جعفرٍ, وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ, عن شعبةَ بهذا الإسناد, وقال: "عَبْدًا حَبَشِيًّا" (٥).
следующие страницы →