Полный текст (697 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
للكافرين سعيرا) * حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْخُشَنِيُّ الْفَقِيهُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ حَدَّثَنَا إِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ الْفَارِسِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ عَمْرَوَيْهِ حَدَّثَنَا ابْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا رَوْحٌ عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قَالَ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يشهدوا أن لا إلا إِلَّا اللَّهُ وَيُؤْمنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) * قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّه، وَالْإِيمَان بِهِ ﷺ هُوَ تَصْدِيقُ نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَةِ اللَّه لَهُ وَتَصْدِيقُهُ فِي جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ وَمَا قَالَهُ وَمُطَابَقَةُ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ بِذَلِكَ شَهَادَة اللّسَانِ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ ، فَإِذَا اجْتَمَعَ التَّصْدِيقُ بِهِ بالْقَلْبِ وَالنُّطْقُ بِالشَّهَادَةِ بِذَلِكَ بِاللّسَانِ تم الْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّصْدِيقُ لَهُ كَمَا وَرَدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نفسِهِ من رِوايَةِ عَبْد اللَّه بن عُمَرَ ﵄ (أُمِرْتُ) أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أن لا إله إلا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه) وَقَدْ زَادَهُ وُضُوحًا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ إِذْ قَالَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَام فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ (أنْ تَشْهَدَ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه) وَذَكَرَ أَرْكَانَ الْإِسْلَام ثُمَّ سَألَهُ عَنِ الْإِيمَان فَقَالَ: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) الْحَدِيثَ، فَقَدْ قَرَّرَ أَنَّ الْإِيمَان بِهِ مُحْتَاجٌ إِلَى الْعَقْدِ بِالْجِنَانِ وَالْإِسْلَام بِهِ مُضْطَرٌ إِلَى النُّطْقِ باللسان
стр. 387
وَهَذِهِ الْحَالَةُ الْمَحْمُودَةُ التامة، وأما الحال الْمَذْمُومَةُ فالشَّهَادَةُ بِاللَّسَانِ دُونَ تَصْدِيق الْقَلْبِ وَهَذَا هُوَ النّفَاقُ، قَالَ اللَّه تَعَالَى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لكاذبون) أَيْ كَاذِبُونَ فِي قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عَنِ اعْتِقَادِهِمْ وَتَصْدِيِقهِمْ وَهُمْ لَا يَعْتَقدُونَهُ فَلَمّا لَمْ تُصَدّقْ ذَلِكَ ضَمَائِرُهُمْ لَمْ يَنْفَعْهُمْ أنْ يَقُولُوا بِألْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ فَخَرَجُوا عَنِ اسْمِ الْإِيمَان وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ حُكْمُهُ إِذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ إيمَانٌ وَلَحِقُوا بِالْكَافِرينَ فِي الدّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَبَقِيَ عَلَيْهِم حُكْمُ الْإِسْلَام بإظْهَارِ شَهَادَةِ اللّسَانِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا الْمُتَعَلّقَةِ بِالْأَئِمَّةِ وَحُكَّامِ المسلمن الَّذِينَ أَحْكَامُهُمْ عَلَى الظَّوَاهِرِ بِمَا أظْهَرُوهُ من عَلَامَةِ الْإِسْلَام إِذْ لَمْ يُجْعَلْ لِلْبَشَر سَبِيلٌ إلى السَّرَائِرِ وَلَا أُمِرُوا بِالْبَحْثِ عَنْهَا بَلْ نَهى النَّبِيّ ﷺ عَنِ التَّحَكُّمِ عَلَيْهَا وَذَمَّ ذَلِكَ وَقَالَ (هلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْعَقْدِ مَا جُعلَ فِي حَدِيث جِبْرِيلَ: الشّهَادَةُ مِنَ الْإِسْلَام وَالتّصْدِيقُ مِنَ الْإِيمَان، وَبَقِيَتْ حَالَتَان أُخْرَيَانِ بَيْنَ هذَيْنِ إحْدَاهُمَا: أنْ يُصَدّقَ بِقَلْبِهِ ثُمَّ يُخْتَرَمَ قَبْلَ اتسّاع وَقْتٍ للشهادة بلسانه فاحتلف فِيهِ فَشَرَطَ بَعْضُهُمْ من تَمَامِ الْإِيمَان الْقَوْلَ وَالشَّهَادَةَ بِهِ وَرَآهُ بَعْضُهُمْ مُؤْمِنًا مُسْتَوجِبًا لِلْجَنَّةِ لِقَوْلِهِ ﷺ (يَخْرُجُ مِن النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرّةِ مِنْ إِيمَانٍ فَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى مَا فِي الْقَلْبِ وهذا مُؤْمِنٌ بِقَلْبِهِ غَيْرُ عَاصٍ وَلَا مَفَرّطٍ بِتَرْكِ غَيْرِهِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ في هذا الوجه.
الثانية
стр. 388
أنْ يُصَدّقَ بِقَلْبِهِ وَيُطَوّلَ مَهَلَهُ، وَعَلِمَ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الشَّهَادَةِ فَلَمْ يَنْطِقْ بِهَا
جُمْلَةً وَلَا اسْتَشْهَدَ فِي عُمُرِهِ وَلَا مَرَّة، فَهَذَا اخْتُلِفَ فِيهِ أيْضًا فَقِيلَ هُوَ مُؤْمِنٌ لِأَنَّهُ مُصَدّقٌ وَالشَّهَادَةُ من جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ فَهُوَ عَاصٍ بِتَرْكهَا غَيْرُ مُخَلَّدٍ، وَقِيلَ لَيْسَ بِمُؤْمِن حَتَّى يقارن عقده شاهدة اللّسَانِ، إِذِ الشَّهَادَةُ إنْشَاءُ عَقْدٍ وَالتِزَامُ إيمانٍ وَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ مَعَ العَقْدِ وَلَا يَتِم التَّصْدِيقُ مَعَ المُهْلَةِ إلَّا بِهَا وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَهَذَا نَبْذٌ يُفْضِي إِلَى مُتّسَعٍ مِنَ الْكَلَام فِي الْإِسْلَام والإيمان أبوابهما وَفِي الزّيَادَةِ فِيهِمَا وَالنُّقْصَانِ، وَهَل التَّجَزّي مُمْتَنعٌ عَلَى مُجَرَّدِ التَّصْدِيقِ لَا يَصِحُّ فِيهِ جُمْلَةً وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى مَا زَادَ عَلَيْهِ من عَمِل، أَوْ قَدْ يُعْرَضُ فِيهِ لاخْتِلَافِ صِفَاتِهِ وَتَبَايُنِ حَالاتَهِ من قُوَّةِ يَقِينٍ وَتَصْمِيمِ اعْتِقَادٍ وَوُضُوحِ مَعْرفَةٍ وَدَوَامِ حَالَةٍ وَحُضُورِ قَلْبٍ؟ وَفِي بَسْطِ هَذَا خُرُوجٌ عَنْ غَرَضِ التَّأْلِيفِ وَفِيمَا ذَكَرْنَا غُنيَةٌ فيما قَصَدْنَا إنْ شَاءَ الله تعالى
стр. 389
فصل وَأَمَّا وُجُوبُ طَاعَتِهِ: فَإِذَا وَجَبَ الْإِيمَان بِهِ وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا أتى بِهِ قَالَ اللَّه تعالى (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه وَرَسُولِهِ) وَقَالَ (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وأطيعوا الرسول) وَقَالَ: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) وَقَالَ (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تهتدوا) وَقَالَ (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) وَقَالَ (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) وَقَالَ (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ) الآية، وَقَالَ (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله) فَجَعَلَ تَعَالَى طَاعَةَ رَسُولِهِ طاعَتَهُ وَقَرَنَ طَاعَتَهُ بطاعته وَوَعَدَ عَلَى ذَلِكَ بِجَزِيلِ الثَّوَابِ وَأوْعَدَ عَلَى مُخَالَفَتِهِ بِسُوءِ العِقَابِ وَأوْجَبَ امْتِثَالَ أمْرِهِ واجْتنَابَ نَهْيِهِ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَالْأَئِمَّةُ طَاعَةُ الرَّسُولِ فِي التِزَامِ سُنَّتِهِ وَالتّسْلِيمِ لِمَا جَاءَ بِهِ وَقَالُوا: مَا أَرْسَلَ اللَّه من رَسُولٍ إلَّا فَرَضَ طَاعَتَهُ عَلَى من أرْسَلَهُ إِلَيْهِ وَقَالُوا من يُطِعِ الرَّسُولَ فِي سَنَّتِهِ يُطِع اللَّه فِي فَرَائِضِهِ، وَسُئِلَ سَهْلُ بن عَبْد اللَّه عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَام فَقَالَ (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فخذوه) : وَقَالَ السَّمْرَقَنْدِيُّ يُقَالُ: أَطِيعُوا اللَّه فِي فَرَائِضِهِ والرَّسُولَ فِي سُنَّتِهِ وَقِيلَ: أطيعُوا اللَّه فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ وَالرَّسُولَ فِيمَا بَلَّغَكُمْ وَيُقَالُ: أطِيعُوا اللَّه بِالشَّهَادَةِ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَالنَّبِيّ بِالشَّهَادَة لَهُ بالنُّبُوَّةِ * حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَتَّابٍ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ حَدَّثَنَا محمد بن
стр. 390
يُوسُفَ حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعنِي وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي) فَطَاعَةُ الرَّسُول من طاعَةِ اللَّه، إِذ اللَّه أَمَرَ بِطَاعَتِهِ، فَطَاعَتُهُ امْتِثَالٌ لِمَا أَمَرَ اللَّه بِهِ وَطَاعَةٌ لَهُ * وَقَدْ حَكَى اللَّه عَنِ الْكُفّارِ فِي دَرَكَاتِ جَهَنَّمَ (يَوْمَ
تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أطعنا الله وأطعنا الرسولا) فَتَمَنَّوْا طَاعَتَهُ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُمُ التَّمَنّي، وَقَالَ ﷺ (إذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شئ فاجتنبوه وَإذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) * وَفِي حَدِيث أبي هريرة ﵁، عَنْهُ ﷺ (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَّنةَ إِلَّا مَنْ أَبَى) قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: (مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى) وَفِي الْحَدِيثِ الآخَرِ الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ (مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّه بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتى قَوْمًا فَقَالَ يَا قَوْمِ إِنّي رَأْيتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ وَإِنَّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ فَالنَّجَاءَ فَأَطَاعهُ طَائِفَةٌ من قَوْمِهِ فَأدْلَجُوا فَانْطَلقُوا عَلَى مَهَلِهِمْ فَنَجَوْا وكذبت
стр. 391
طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأصْبَحُوا مَكَانَهُمْ فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَأَهْلَكُهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ من أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ ما جِئْتُ بِهِ، ومثل من عَصَانِي وَكَذّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقّ) وَفِي الْحَدِيثِ الآخَرِ فِي مَثَلِهِ: كَمَثَلِ من بَنَى دَارًا وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ دَاعِيًا فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ وَمَنْ يُجِبِ الدَّاعِي لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ فَالدَّارُ الْجَنَّةُ وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ ﷺ فمن أطاع محمد فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمُحَمَّدٌ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ) .
فصل وَأَمَّا وَجُوبُ اتِّبَاعِهِ وَامْتِثَالِ سُنَّتِهِ وَالاقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ فَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) وَقَالَ (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تهتدون) وَقَالَ (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ - إِلَى قَوْلِهِ - تسليما) أي يَنْقَادُوا لِحُكْمِكَ، يقال سَلَّمَ وَاسْتَسْلَمَ وَأَسْلَمَ إذَا انْقَادَ.
وَقَالَ تَعَالَى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رسول
стр. 392
الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخر) الآيَةَ، قَالَ مُحَمَّد بن عَلِيٍّ التَرْمِذيّ: الْأُسْوَةُ فِي الرَّسُول الاقْتِدَاءُ بِهِ وَالاتّبَاعُ لِسُنّتِهِ وَتَرْكُ مُخَالَفَتِهِ فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسّرِينَ بِمَعْنَاهُ وَقِيلَ هُوَ عِتَابٌ لِلْمُتَخَلّفِينَ عَنْهُ وَقَالَ سَهْلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) قَالَ بِمُتَابَعَةِ السُّنَّةِ فَأَمَرَهُمْ تَعَالَى بِذَلِكَ وَوَعَدَهُمُ الاهْتِدَاءَ بِاتِّبَاعِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُزَكِّيَهُمْ وَيُعَلِّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيَهْدِيَهُمْ إلى صراط فمستقيم وَوَعَدَهُمْ مَحَبَّتَهُ تَعَالَى فِي الآيَةِ الْأُخْرَى وَمَغْفِرَتِهِ إِذَا اتَّبَعُوهُ وَآثَرُوهُ عَلَى أَهْوَائِهِمْ وَمَا تَجْنَحُ إليْهِ نُفُوسُهُمْ وَأَنَّ صِحّةَ إيمَانهِمْ بانْقِيَادِهِمْ لَهُ وَرِضَاهُمْ بِحُكْمِهِ وَتَرْكِ الاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ، وَرُويَ عَنِ
الْحَسَنِ أَنَّ أَقْوَامًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّه أنا نُحِبُّ اللَّه فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله) الآيَةَ، وَرُوِيَ أَنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ وَغَيْرِهِ وَأَنَّهُمْ قَالُوا نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وَنَحْنُ أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ مَعْنَاهُ (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ) أَنْ تَقْصِدُوا طَاعَتَهُ فافْعَلُوا مَا أَمَرَكُمْ بِهِ، إِذْ مَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ طَاعَتُهُ لَهُمَا وَرِضَاهُ بِمَا أَمَرَا وَمَحَبَّةُ اللَّهِ لَهُمْ عَفْوُهُ عَنْهُمْ وَإنْعَامُهُ عَلَيْهِم بِرَحْمَتِهِ، وَيُقَالُ الْحُبُّ مِنَ اللَّه عِصْمَةٌ وَتَوْفِيقٌ وَمِنَ الْعِبَادِ طَاعَةٌ، كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: تَعْصي الإلهَ وَأَنْتَ تُظْهرُ حُبَّهُ؟ * هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ!
стр. 393
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صادقًا لأطَعْتَهُ * إنَّ المُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطيعُ! وَيُقَالُ مَحَبَّة الْعَبْدِ لله تَعْظِيمُهُ لَهُ وَهَيْبَتُهُ مِنْهُ وَمحبَّة اللَّه لَهُ رَحْمَتُهُ لَهُ وَإرَادَتُهُ الجيل لَهُ وَتَكُونُ بِمَعْنَي مَدْحِهِ وَثَنَائِهِ عَلَيْهِ، قَالَ الْقُشَيْرِيُّ فَإِذَا كَانَ بِمَعْنَي الرَّحْمَةِ وَالإرَادَةِ والمَدْح كَانَ من صِفاتِ الذَّاتِ وَسَيَأْتِي بَعْدُ فِي ذكر محبة مَحَبَّةِ الْعَبْدِ غَيْرُ هَذَا بِحَوْلِ اللَّه تَعَالَى حَدَّثَنَا أَبُو إسحاق إبراهيم ابن جَعْفَرٍ الْفَقِيهُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الأَصْبَغِ عِيسَى بْنُ سَهْلٍ وَحَدَّثْنَا أَبُو الْحَسَنِ يُونُسُ بْنُ مُغِيثٍ الْفَقِيهُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالا حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدثنا أَبُو حَفْصٍ الجُهَنِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الآجُرِّيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الجَوْزِيُّ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ وَحُجْرٍ الكَلَاعِيِّ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ فِي حَدِيثِهِ فِي مَوْعِظَةِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ) زاد
стр. 394
فِي حَدِيثِ جَابِرٍ بِمَعَنَاهُ (وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ) وَفِي حَدِيث أَبِي رَافِعٍ عَنْهُ ﷺ (لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ) وَفِي حَدِيث عَائِشَةَ ﵂ صَنع رَسُولُ اللَّه ﷺ شَيْئًا تَرَخّصَ فِيهِ فَتَنَزّهَ عَنْهُ قَوْمٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّه ثُمَّ قَالَ (مَا بَالُ قَوْمٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشئ أصنعه؟ فو الله إِنِّي لِأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً، وَرُويَ عنه ﷺ أنَّهُ قَالَ (الْقُرْآنُ صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ عَلَى من كَرِهَهُ، وَهُوَ الْحَكَمُ، فَمَنِ اسْتَمْسَكَ بِحَدِيثِي وَفَهِمَهُ وَحَفِظَهُ جَاءَ مَعَ الْقُرْآنِ، وَمَنْ تَهَاوَنَ بِالْقُرْآنِ وَحَدِيثِي خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ، أُمِرَتْ أُمَّتِي أَنْ يَأْخُذُوا بِقَوْلِي وَيُطيعُوا أَمْرِي وَيَتَّبِعُوا سُنَّتِي، فَمَنْ رَضِيَ بقوله فقدر رَضِيَ بِالْقُرْآنِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) الآيَةَ وَقَالَ ﷺ (مَنِ اقْتَدَى بِي فَهُوَ مِنِّي وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁
стр. 395
عن النبي ﷺ أنه قَالَ (إنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأمور محدثاتها) وَعَن عَبْد اللَّه بن عَمْرو بن العاص رصي اللَّه عَنْهُ: قَالَ النَّبِيّ ﷺ (الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ فَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ: آيَةٌ مُحَكَمَةٌ أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ) وَعَنِ الْحَسَنِ بن أَبِي الْحَسَنِ رَحِمهما اللَّه تَعَالَى قَالَ ﷺ عَمَلٌ قَلِيلٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي بِدْعَةٍ) وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ ﵇ وَسَلَّمَ (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْخِلُ الْعَبْدَ الْجَنَّةَ بِالسُّنَّةِ تَمَسَّكَ بِهَا) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (الْمُتَمَسِّكُ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي لَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ) وَقَالَ ﷺ (إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرقُوا عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَإِنَّ أُمَّتِي تَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ كُلُّهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَةً) قَالُوا وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ (الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي) وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ ﷺ (مَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحْيَانِي وَمَنْ أَحْيَانِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِبِلالِ بْنِ الْحَارِثِ (مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي فَإِنَّ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ
стр. 396
مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلالَةً لَا تُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِ النَّاسِ شَيْئًا)
(فصل) وأما وَرَدَ عَنِ السّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنِ اتّبَاعِ سُنّتِهِ والاقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ وَسِيرَتِهِ فَحَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي تَلِيدٍ الْفَقِيهُ سَمَاعًا عَلَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ وَوَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ أنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّا نَجِدُ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَصَلَاةَ الْحَضَرِ فِي الْقُرْآنِ وَلَا نَجِدُ صَلَاةَ السَّفَرِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَا ابْنَ أَخِي إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا ﷺ وَلَا نَعْلَمُ شَيْئًا وَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ووُلَاةُ الأمْرِ بَعْدَهُ سُنَنًا الأخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ بِكِتَابِ اللَّه وَاسْتِعْمَالٌ لِطَاعَةِ اللَّه وَقُوَّةٌ عَلَى دِينِ اللَّه لَيْسَ لِأَحَدٍ تَغْيِيرُها وَلَا تَبْدِيلُهَا وَلَا النَّظَرُ فِي رَأْي من خَالَفَهَا، مَنِ اقْتَدَى بِهَا فَهُوَ مُهْتَدٍ وَمَنِ انْتَصَرَ بِهَا فَهُوَ مَنْصُورٌ وَمَنْ خَالَفَهَا وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنينَ وَلَّاهُ اللَّه مَا تَوَلَّى وأصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، وَقَالَ الْحَسَنُ بن أَبِي الْحَسَنِ: عَمَلٌ قَلِيلٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ من
стр. 397
عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي بِدْعَةٍ، وَقَالَ ابن شِهَاب بَلَغَنَا عَنْ رِجَال من أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: الاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ، وَكَتَبَ عُمَرُ بن الْخَطَّابِ ﵁ إِلَى عُمَّالِهِ بِتَعَلُّمِ السُّنَّةِ وَالفَرَائِضِ وَاللَّحْنِ أَي اللُّغَةِ وَقَالَ إنَّ ناسًا يُجَادلُونَكُمْ - يَعْنِي بِالْقُرْآنِ - فَخُذُوهُمْ بالسُّنَنِ فَإِنَّ أصْحَابَ السُّنَنِ أَعْلَمُ بِكِتَاب اللَّه، وَفِي خَبَرِهِ حِينَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ أَصْنَعُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَصْنَعُ، وَعَنْ عَلِيٍّ حِينَ قَرَنَ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ تَرَى أَنِّي أَنْهَى النَّاسَ عَنْهُ وَتَفْعَلُهُ؟ قَالَ لَمْ أَكُنْ أَدَعُ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّه ﷺ لِقَوْلِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَعَنْهُ: إلَّا أنَّي لَسْتُ بِنَبِيّ وَلَا يُوحى إِلَيَّ وَلَكِنّي أَعْمَلُ بِكِتَابِ اللَّه وَسُنَّةِ نَبِيّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَا اسْتَطَعْتُ، وَكَانَ ابن مَسْعُودٍ يَقُولُ: القَصْدُ فِي السُّنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الاجْتِهَادِ فِي البِدْعَةِ، وَقَالَ ابن عُمَرَ: صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ، وَقَالَ أُبَيُّ بن كَعْبٍ عَلَيْكُمْ بِالسّبِيلِ وَالسُّنَّةِ فَإنَّهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ من عَبْدٍ عَلَى السَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ ذَكَرَ اللَّه فِي نَفْسِهِ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ من خَشْيَةِ رَبِّهِ فَيُعَذّبُهُ اللَّه أبَدًا، وَمَا عَلَى الْأَرْضِ من عَبْدٍ عَلَى السَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ ذَكَرَ اللَّه فِي نَفْسِهِ فاقْشَعَرَّ جِلْدُهُ من خَشْيَةِ اللَّه إلَّا كَانَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ قَدْ يَبِسَ وَرَقُهَا فَهِيَ كَذَلِكَ إِذْ
стр. 398
أَصَابَتْهَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَتَحَاتَّ عَنْهَا وَرَقُهَا إلَّا حُطَّ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا تَحَات عَنِ الشَّجَرَةِ وَرَقُهَا، فَإِنَّ اقْتِصَادًا فِي سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ خَيْرٌ مِنَ اجْتِهَادٍ فِي خِلَافِ سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ وَمُوافَقَةِ بِدْعَةٍ، وَانْظُرُوا أنْ يَكُونَ عَمَلكُمْ إنْ كَانَ اجتهدا أَوِ اقْتِصَادًا أنْ يَكُونَ عَلَى مِنْهَاج الْأَنْبِيَاءِ وَسُنَّتِهِمْ * وَكَتَبَ بَعْضُ عُمَّالِ عُمَرَ بن عَبْد الْعَزِيزِ إِلَى عُمَرَ بِحَالِ بَلَدِهِ وَكَثْرَةِ لُصُوصِهِ: هَلْ يَأْخُذُهُمْ بِالظّنَّةِ أَوْ يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْبَيّنَةِ وَمَا جَرَتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ؟ فَكَتَبَ إليْهِ عُمَرُ خُذْهُمْ بِالبَيّنَةِ وَمَا جَرَتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ فإنْ لَمْ يُصْلِحْهُمُ الْحَقُّ فَلَا أصْلَحَهُمُ اللَّه، وَعَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شئ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ والرسول) أَيْ إِلَى كِتَابِ اللَّه وَسَنَّةِ رَسُولِ اللَّه صلى اله عله وَسَلَّمَ، وَقَالَ الشَّافِعِي: لَيْسَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّه ﷺ إلَّا اتّبَاعُهَا، وَقَالَ عُمَرُ وَنَظَرَ إِلَى الحَجَرِ الْأَسْوَدِ إِنَّكَ حَجَرٌ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ وَلَوْلَا أَنّي رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُقَبّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ ثُمَّ قبله، رؤى عبد الله بن عمر يدبر ناقَتَهُ فِي مَكَانٍ فَسُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ لَا أدْرِي إلَّا أَنّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ فَعَلَهُ فَفْعَلْتُهُ، وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ الْحِيريُّ: من أَمَّرَ السُّنَّةَ عَلَى نَفْسِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا نَطَقَ بِالْحِكْمَةِ وَمَنْ أَمَّرَ الْهَوَى عَلَى نَفْسِهِ نَطَقَ بِالْبِدْعَة، وقال
стр. 399
سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ أُصُولُ مَذْهَبِنَا ثَلاثَةٌ: الاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيّ ﷺ
فِي الْأَخْلَاقِ والأفْعَالِ، والأكْلُ مِنَ الحَلَالِ، وإخْلَاصُ النّيَّةِ فِي جَمِيعِ الأعْمَالِ، وَجَاءَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) أنَّهُ الاقْتِدَاءُ بِرَسُول اللَّه ﷺ ، وَحُكِيَ عَنْ أحْمَدَ بن حَنْبَلٍ قَالَ كُنْتُ يَوْمًا مَعَ جَمَاعَةٍ تَجَرَّدُوا وَدَخَلُوا المَاءَ فاسْتَعْمَلْتُ الْحَدِيثَ (من كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَدْخُلُ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرٍ) وَلَمْ أتَجَرَّدْ فَرَأْيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ قَائِلًا لي يَا أَحْمَدُ أبْشرْ فَإِنَّ اللَّه قَدْ غَفَرَ لَكَ باسْتِعْمالِكَ السُّنَّةَ وَجَعَلكَ إمامًا يُقْتَدَى بِكَ، قُلْتُ من أنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ.
فصل وَمُخَالَفَةُ أمْرِهِ وَتَبْدِيلُ سُنَّتِهِ ضَلَالٌ وَبِدْعَةٌ مُتَوَعَّدٌ مِن اللَّه عَلَيْهِ بالخِذْلانِ والعذاق قَالَ اللَّه تَعَالَى (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وَقَالَ: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تولى) الآيَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ وَعَبدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَتَّابٍ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِمَا قالا حدثنا أبو القاسم خاتم بن محمد حدثنا أبو الحسن القابسي حدثنا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ مَسْرُورٍ الدَّبَّاغُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن أَبِي سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا سحنون ابن سَعِيدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ العلاء بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ
стр. 400
عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى المَقْبَرَةِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي صِفَةِ أُمَّتِهِ وَفِيهِ (فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ فَأُنَادِيهِم أَلَا هَلُمَّ أَلَا هَلُمَّ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ فَسُحْقًا فَسُحْقًا فَسُحْقًا) وَرَوَى أَنَسٌ أنت النَّبِيّ ﷺ قَالَ (فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنَّي) وَقَالَ (من أَدْخَلَ فِي أمْرِنَا مَا لَيْسَ
مِنْهُ فَهُوَ رَدُّ) وَرَوَى ابن أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لا ألفين أحدكم متكئا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ) زَادَ فِي حَدِيثِ المِقْدَادِ (أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ) وقال ﷺ وجئ بِكِتَابٍ فِي كَتِفٍ (كَفَى بِقَوْمٍ حُمْقًا - أَوْ قال ضلال - أنْ يَرْغَبُوا عَمَّا جَاءَ بِهِ نَبِيُّهُمْ إِلَى غَيْرِ نَبِيِّهِمْ أَوْ كِتَابٍ غَيْرِ كِتَابِهِمْ) فَنَزَلَتْ (أو لم يكفهم أنا أنزنا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عليهم) الآيَةَ، وَقَالَ ﷺ (هل كالمتنطعون) وقال أبو بكر
стр. 401
الصّدّيقُ ﵁ لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَعْمَلُ بِهِ إلَّا عَمِلْتُ بِهِ إنّي أخْشى إنْ تَرَكْتُ شَيْئًا من أمْرِهِ أنْ أزيغَ
الْبَابِ الثاني: فِي لزوم محبته ﷺ
قَالَ اللَّه تَعَالَى (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقترفتموها) الآيَةَ، فَكَفى بِهذَا حصا وَتَنْبِيهًا وَدِلَالَةً
وَحُجَّةً عَلَى إلْزَامِ مَحَبَّتِهِ وَوُجُوب فرضا وَعِظَمِ خَطَرِهَا وَاسْتِحْقَاقِهِ لَهَا ﷺ إِذْ قَرَّعَ تَعَالَى من كَانَ مَالُهُ وَأَهْلُهُ وَوَلَدُهُ أَحَبَّ إليْهِ مِنَ اللَّه وَرَسُولِهِ وَأوْعَدَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بأمره ثُمَّ فَسَّقَهُمْ بِتَمَامِ الآيَةِ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ من ضَلَّ وَلَمْ يَهْدِهِ اللَّه، حَدَّثَنَا أَبُو عَلَيٍّ الغَسَّانِيُّ الْحَافِظُ فِيمَا أَجَازَنِيهِ وَهُوَ مِمَّا قَرَأْتُهُ عَلَى غَيْرِ وَاحِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سِرَاجُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي حدثنا أبو محمد الأصيلي حَدَّثَنَا المَرْوَزِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا يعقوب ابن إبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزُ بْنِ صُهَيبٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قَالَ: (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ نَحْوَهُ وَعَنْ أَنَسٍ عَنْهُ ﷺ (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وأن يحب
стр. 402
الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّه قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شئ إِلَّا نَفْسِي الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ (لَنْ يُؤْمِنَ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ) فَقَالَ عُمَرُ وَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ فَقَالَ له النبي ﷺ (الآنَ يَا عُمَرُ) قَالَ سَهْلٌ من لَمْ يَرَ وِلايَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الأحْوَالِ وَيَرَى نَفْسَهُ فِي مِلْكِهِ ﷺ لَا يَذُوقُ حَلَاوَةَ سُنَّتِهِ لِأَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ
حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ) الْحَدِيثَ.
فصل فِي ثواب محبته ﷺ
حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَتَّابِ بقراءتي عَلَيْهِ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ حَاتِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ خَلَفٍ حَدَّثَنَا أَبُو زيد المروزي حدثنا محمد ابن يُوسُفَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدَانُ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أنَّ رَجُلًا أَتى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ مَتَى السَّاعةُ يَا رسول الله؟ قال:
стр. 403
مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟) قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ: (أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ) وَعَنْ صفوان ابن قُدَامَةَ هَاجَرْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فأتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَاوِلْنِي يَدَكَ أُبَايِعْكَ فَنَاوَلَنِي يَدَهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّكَ قَالَ (المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ) وَرَوَى هَذَا اللَّفْظَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَبْد الله ابن مَسْعُودٍ وَأَبُو مُوسَى وَأَنَسٌ وَعَنْ أَبِي ذَرّ بِمَعْنَاهُ وَعَنْ عَلِيّ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ أَخَذَ بِيَدِ حَسَنٍ وَحُسَيْن فَقَالَ (مَنْ أَحَبَّنِي وَأَحَبَّ هذَيْنِ وَأَبَاهُمَا وأُمَّهُمَا كَانَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَرُويَ أَنَّ رجلا أتي النبي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّه لأنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي وَإِنِّي لِأَذْكُرُكَ فَمَا أَصْبِرُ حَتَّى أجئ فَأَنْظُرَ إِلَيْكَ وَإِنِّي ذَكَرْتُ مَوْتِي وَمَوْتَكَ فَعَرَفْتُ أَنَّكَ إِذَا دَخَلْتَ الْجَنَّةَ رُفِعْتَ مع النبين وإن دخلتها
لَا أَرَاكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أولئك رفيقا) فَدَعَا بِهِ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ * وَفِي حَدِيث آخَرَ كَانَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَيْهِ لَا يَطْرِفُ فَقَالَ (مَا بَالُكَ؟) قَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَتَمَتَّعُ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْكَ فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَفَعَكَ اللَّهُ
стр. 404
بِتَفْضِيلِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ * وَفِي حَدِيث أَنَسٍ ﵁ (مَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ)
فصل فِيمَا رُوِيَ عَنِ السلف والأئمة (من محبتهم للنبي ﷺ وشوقهم له)
حَدَّثَنَا الْقَاضِي الشَّهِيدُ حدثنا العذري حدثنا الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا الْجُلُودِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ (مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يكونون بعدى يوم أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ) وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَتَقَدَّمَ حَدِيث عُمَرَ ﵁ وَقَوْلُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الصَّحَابَةِ فِي مِثْلِهِ، وَعَنْ عَمْرو بن العاصِ ﵁ مَا كَانَ أَحَدٌ أحب إلي من رسول الله ﷺ ، وَعَنْ عَبْدَةَ بِنْتِ خَالِد بن مَعْدَانَ قَالَتْ مَا كَانَ خَالِدٌ يَأْوِي إِلَى فِرَاشٍ إلَّا وَهُوَ يَذْكُرُ من شَوْقِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ وَإِلَى أصْحَابِهِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ يُسَمِّيهِمْ وَيَقُولُ هُمْ أصْلِي وَفَصْلِي وَإِلَيْهِمْ يحنُّ قَلْبِي طَالَ شَوْقِي إِلَيْهِمْ فَعَجّلْ رَبّ قَبْضِي إِلَيْكَ حَتَّى يَغْلِبَهُ النَّوْمُ، وَرُويَ عَنْ أَبِي بَكْر ﵁
стр. 405
أنه قال للنبي ﷺ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لإِسْلَامُ أَبِي طَالِبٍ كَانَ أَقَرَّ لِعَيْنِي مِنْ إِسْلَامِهِ - يعنى أباه أبا قُحَافَةَ - وَذَلِكَ أَنَّ إِسْلَامَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ أَقَرَّ لِعَيْنِكَ وَنَحْوَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لِلْعَبَّاسِ ﵁ أَنْ تُسْلِمَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُسْلِمَ الْخَطَّابُ لِأَنَّ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ ، وَعَنِ ابن إِسْحَاق أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ قُتِلَ أبُوها وأخُوها وَزَوْجُهَا يوم أحُدٍ مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ فَقَالَتْ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ؟ قَالُوا خَيْرًا هُوَ بِحَمْدِ اللَّه كَمَا تُحِبّينَ قَالَتْ أَرِنيهِ حَتَّى أنْظُرَ إليْهِ فَلَمّا رَأَتْهُ قَالَتْ كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ جَلَلٌ، وَسُئِلَ عَلِيّ بن أَبِي طَالِب ﵁ كَيْفَ كَانَ حُبُّكُمْ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ ؟ قَالَ كَانَ والله أَحَبَّ إِلَيْنَا من أَمْوَالِنَا وَأَوْلادِنَا وَآبَائِنَا وأُمَّهَاتِنَا وَمِنَ المَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الظَّمَإِ، وَعَنْ زَيْدِ بن أسْلَمَ خَرَج عُمَرُ ﵁ لَيْلَةً يَحْرُسُ النَّاسَ فَرَأى مِصْبَاحًا فِي بَيْتٍ وَإذَا عَجُوزٌ تنقش صُوفًا وَتَقُولُ: عَلى مُحَمَّدٍ صَلَاةُ الأَبْرَارْ * صَلَّى عَلَيْهِ الطَّيّبُونَ الأخيار
стр. 406
قَدْ كُنْتَ قَوَّامًا بُكًا بالْأَسْحَارْ * يَا لَيْتَ شِعْرِي وَالمَنَايَا أَطْوَارْ هَلْ تَجْمَعُنِي وَحَبِيبِي الدّارْ تَعْنِي النبي ﷺ ، فجلس عُمَرُ ﵁ يَبْكِي وَفِي الْحِكَايَةِ طُولٌ * وَرُويَ أَنَّ عَبْد اللَّه بن عُمَرَ خَدِرَتْ رجْلُهُ فَقِيلَ لَهُ اذْكُرْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْكَ يَزُلْ عَنْكَ فَصَاحَ يَا مُحَمَّدَاهُ فانْتَشَرَتْ، ولما احْتُضِرَ بِلَالٌ ﵁ نَادتِ امْرَأتُهُ: واحزناه فقال واضرباه غَدًا ألْقى الْأَحِبَّة مُحَمَّدًا وَحِزْبَه * وَيُرْوَى أَنَّ امْرَأةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ ﵂ اكْشِفِي لِي قَبْرَ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَكَشَفَتْهُ لَهَا فَبَكَتْ حَتَّى مَاتَتْ، ولما أَخْرجَ أَهْلُ مَكَّةَ زَيْدَ بن الدَّثِنَةِ مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ قَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانُ بن حَرْبٍ أنْشُدُكَ اللَّه يَا زَيْدُ أتُحِبُّ أَنَّ محمدا الآن عندنا مكانك يضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحب أن محمدا الآن فِي مَكانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَةٌ وَأَنِّي جَالِسٌ فِي أهْلِي، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ مَا رَأيْتُ مِنَ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا * وَعَنِ ابن عَبَّاس كَانَت المَرْأةُ إذَا أتَتِ النَّبِيّ ﷺ حَلَّفَهَا بِالله مَا خَرَجَتْ من بُغْضِ زَوْجٍ
стр. 407
وَلَا رَغْبَةً بِأَرِضٍ عن أرض وَمَا خَرَجتْ إلَّا حُبًّا لله وَرَسُولِهِ، وَوَقَفَ ابن عُمَرَ عَلَى ابن الزُّبَيْرِ ﵄ بَعْدَ قَتْلِهِ فَاسْتَغْفَرَ لَهُ وَقَالَ كُنْتَ والله مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا تُحِبُّ اللَّه وَرَسُولَهُ.
فصل فِي علامة محبته ﷺ
اعْلَمْ أَنَّ من أَحَبَّ شَيْئًا آثره وَآثَرَ مُوَافَقَتَهُ وَإلَّا لَمْ يَكُنْ صَادقًا فِي حُبّهِ وَكَانَ مُدَّعِيًا فالصَّادِقُ فِي حُبَّ النَّبِيّ ﷺ من تَظْهَرُ علامة ذَلِكَ عَلَيْهِ وَأوَّلُهّا: الاقْتِدَاءُ بِهِ وَاسْتِعْمَالُ سُنّتِهِ وَاتّبَاعُ أقْوَالِهِ وَأفْعَالِهِ وَامْتِثَالُ أوَامِرِهِ وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِ وَالتَّأَدُّبُ بِآدَابِهِ فِي عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ وَمَنْشَطِهِ وَمَكْرهِهِ وَشَاهِدُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتبعوني يحبكم الله) وَإِيثَارُ مَا شَرَعَهُ وَحَضَّ عَلَيْهِ عَلَى هَوَى نَفْسِهِ وَمُوافَقَةِ شَهْوَتِهِ قَالَ اللَّه تَعَالَى (وَالَّذِينَ تبوؤا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خصاصة) وَإسْخَاطُ الْعِبَادِ فِي رِضَى اللَّه تَعَالَى * حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الصَّيْرَفِيُّ وَأَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونَ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى الْبَغْدَادِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ مَحْبُوبٍ حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سعيد بن الْمُسَيِّبِ قَالَ أَنَسُ بن
стр. 408
مَالِكٍ ﵁ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ لَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ) ثُمَّ قَالَ لِي (يَا بُنَيَّ وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أحْيَا سُنَّتِي فقد أحبني ومن أحبى كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ) فَمَنِ اتَّصَفَ بِهِذِهِ الصّفَةِ فَهُوَ كَامِلُ الْمَحَبَّةِ لله وَرسولِهِ وَمَنْ خَالَفَهَا فِي بَعْضِ هَذِهِ الأُمُورِ فَهُوَ نَاقِصُ الْمَحَبَّةِ وَلَا يَخْرُجُ عَنِ اسْمِهَا، وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ ﷺ لِلَّذِي حَدُّهُ فِي الْخَمْرِ فَلَعَنَةُ بَعْضُهُمْ وَقَالَ مَا أَكْثَرُ مَا يُؤْتى بِهِ فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ (لَا تَلْعَنْهُ فَإنَّهُ يُحِبُّ اللَّه وَرَسُولَهُ) وَمِنْ عَلَامَاتِ مَحَبَّةِ النَّبِيّ ﷺ كَثْرَةُ ذِكِْرهِ لَهُ فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ ذِكْرَهُ وَمِنْهَا كَثْرَةُ شَوْقِهِ إلى لِقَائِهِ فَكُلُّ حَبِيبٍ يُحِبُّ لِقَاءَ حَبِيبِه وَفِي حَدِيث الأشْعَرِيّينَ عِنْدَ قُدُومِهِمُ الْمَدِينَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْتَجِزُونَ (غدا نلق الْأَحِبَّهْ * مُحَمَّدًا وَصَحْبَهْ) وَتَقَدَّمَ قَوْلُ بِلَالٍ وَمِثْلُهُ قَالَ عَمَّارٌ قَبْلَ قَتْلِهِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ من قِصَّةِ خَالِد بن مَعْدَانَ * وَمِنْ عَلَامَاتِهِ مَعَ كثرة
стр. 409
ذِكْرِهِ تَعْظِيمُهُ لَهُ وَتَوْقيرُهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ وَإظْهَارُ الْخُشُوعِ وَالانْكِسَارِ مَعَ سَمَاعِ اسْمهِ، قَالَ إِسْحَاق التُّجِيبِيُّ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيّ ﷺ بَعْدَهُ لَا يَذْكُرُونَهُ إلَّا خَشَعُوا وَاقْشَعَرَّتْ جُلُودُهُمْ وَبَكَوْا وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ من يَفْعَلُ ذَلِكَ مَحَبَّة لَهُ وَشَوْقًا إليْهِ، وَمِنْهُمْ من يَفْعَلُهُ تَهيُّبًا وتَوْقِيرًا * وَمِنْهَا مَحَبَّتُهُ لِمَنْ أَحَبَّ النَّبِيّ ﷺ وَمَنْ هُوَ بِسَبَبهِ من آل بَيْتِهِ وَصَحَابَتِهِ من المهاجرين والأنصار وعداوة من عاداهم وَبُغْضُ من أبْغَضَهُمْ وَسَبَّهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَحَبَّ من يُحِبُّ وَقَدْ قَالَ ﷺ فِي الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا) وَفِي رِوَايَة فِي الْحَسَنِ (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحَبَّ مَنْ يُحِبُّهُ) وَقَالَ (مَنْ أَحَبَّهُمَا فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمِنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ وَمَنْ أبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي وَمَنْ أَبْغَضَنِي فَقَدْ أَبْغَضَ اللَّهَ) وَقَالَ (اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فيحبى أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه) وقال فِي فَاطِمَةَ ﵂ (إِنَّهَا بِضْعَةٌ من يغضبني ما أغضيها) وَقَالَ لِعَائِشَةَ فِي أسامة بن زيد (أحيه فَإنّي أُحِبُّهُ) ، وَقَالَ: (آيَةُ الْإِيمَان حُبُّ الْأَنْصَارِ وَآيةُ النّفَاقِ بُغْضُهُمْ) وَفِي حَدِيث ابن عُمَرَ (من أَحَبَّ الْعَرَبَ فَبِحُبِّي
стр. 410
أَحَبَّهُمْ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ فَبِالْحَقِيقَةِ مَنْ أحب شيئا أحب كل
شئ يحبه) وهذه سِيرةُ السَّلَفِ حَتَّى في الْمُبَاحَاتِ وَشَهَوَاتِ النَّفْسِ وَقَدْ قَالَ أَنَسٌ حِينَ رَأى النَّبِيّ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبّاءَ من حَوَالي الْقَصْعَةِ فَمَا زِلْتُ أُحِبُّ الدُّبَّاء من يَوْمَئِذٍ، وَهَذَا الْحَسَنُ بن عَلِيٍّ وَعَبد الله ابن عَبَّاسٍ وَابْنُ جَعْفَرِ أتَوْا سَلَمى وَسَألُوهَا أنْ تَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًا مِمَّا كَانَ يُعْجِبُ رَسُولَ اللَّه ﷺ وَكَانَ ابن عُمَرَ يَلْبَسُ النّعَال السَّبْتِيَّة وَيصْبُغُ بالصُّفْرَةِ إِذْ رَأَى النَّبِيّ ﷺ يَفْعَلُ نَحْو ذَلِكَ * وَمِنْهُا بُغْضُ من أبْغَضَ اللَّه وَرَسُولهُ وَمُعَادَاةُ من عَادَاهُ وَمُجَانَبَةُ من خَالَفَ سُنَّتَهُ وَابْتَدَعَ فِي دِينِهِ وَاسْتِثْقَالُهُ كُلَّ أمر يُخَالِف شَرِيعَتَهُ قَالَ الله تعالى (لا نجد قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورسوله) وَهَؤْلَاءِ أصْحَابُهُ ﷺ قَدْ قَتَلُوا أحِبَّاءَهُمْ وَقَاتَلُوا آباءَهُمْ وَأبْنَاءَهُمْ فِي مَرْضَاتِهِ وَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه بنُ عَبْد اللَّه بن أبي: لَوْ شِئْتَ لأتَيْتُكَ بِرَأْسِهِ
стр. 411
يَعْنِي أبَاهُ.
وَمِنْهَا أَن يُحِبَّ الْقُرْآنَ الَّذِي أتى بِهِ ﷺ وَهَدَى بِهِ وَاهْتَدَى وَتَخَلّقَ بِهِ حَتَّى قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنُ
وَحُبُّهُ لِلْقُرْآنِ تِلَاوَتُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ وَتَفَهُّمُهُ وَيُحِبُّ سُنَّتَهُ وَيَقِفُ عِنْدَ حُدُودِهَا، قَالَ سَهْلُ بن عَبْد اللَّه: عَلَامَةُ حُبّ اللَّه حُبُّ الْقُرْآنِ وَعَلَامَةُ حُبّ الْقُرْآنِ حُبُّ النَّبِيّ ﷺ وَعَلَامَةُ حُبّ النَّبِيّ ﷺ حُبُّ السُّنَّةِ وَعَلَامَةُ حُبّ السُّنَّةِ حُبُّ الآخِرَةِ وَعَلَامَةُ حُبّ الآخِرَةِ بُغْضُ الدُّنْيَا وَعَلَامَةُ بُغْضِ الدُّنْيَا أنْ لَا يَدَّخِرَ مِنْهَا إلَّا زَادًا وَبُلْغَةً إِلَى الآخِرَةِ، وَقَالَ ابن مَسْعُودٍ لَا يَسْألُ أَحَدٌ عَنْ نَفْسِهِ إلَّا الْقُرْآن فإنْ كَانَ يُحِبُّ الْقُرْآنَ فَهُوَ يُحِبُّ اللَّه وَرَسُولَهُ.
وَمِنْ عَلَامَاتِ حُبّهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَفَقَتُهُ عَلَى أمَّته وَنُصْحُهُ لَهُمْ وَسَعْيُهُ فِي مَصَالِحِهِمْ وَرَفْعُ الْمَضَارّ عَنْهُمْ، كَمَا كان ﷺ بِالْمُؤْمِنينَ رؤوفا رَحِيمًا.
وَمِنْ عَلَامَةِ تَمَامُ مَحَبَّتِهِ زُهْدُ مُدَّعِيهَا فِي الدُّنْيَا وَإيثَارُهُ الْفَقْر وَاتّصَافُهُ بِهِ وَقَدْ قَالَ ﷺ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي: (إنَّ الْفَقْرَ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنْكُمْ أسْرَعُ مِنَ السيْلِ مِنْ أَعْلَى لوادى أَوِ الْجَبَلِ إِلَى أَسْفَلِهِ) وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بن مُغَفَّلٍ قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّه إِنِّي أُحِبُّكَ فَقَالَ (انْظُرْ مَا تَقُولُ) قَالَ وَاللَّهِ إِنِّي أُحِبُّكَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - قَالَ (إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا) ثُمَّ ذَكَرَ نَحْو حديث أبي سعيد بمعناه.
стр. 412
فصل فِي مَعْنَي الْمَحَبَّةِ للنبي ﷺ وحقيقتها
اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَفْسِيرِ مَحَبَّةِ اللَّه وَمَحَبَّةِ النَّبِيّ ﷺ وَكَثُرَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَتْ تَرْجِعُ بِالحَقِيقَةِ إلى اخْتِلافِ مَقَال وَلَكِنَّهَا اخْتِلَافُ أَحْوَالٍ فَقَالَ سُفْيَانُ المَحَبَّةُ اتّبَاعُ الرسول ﷺ كَأنَّهُ التَفَتَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتبعوني) الآية، وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَحَبَّةُ الرَّسُولِ اعْتِقَادُ نُصْرَتِهِ والذَّبُّ عَنْ سُنَّتِهِ والانْقِيَادُ لَهَا وَهَيْبَةُ مُخَالَفَتِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ المَحَبَّةُ دَوَامُ الذِّكْرِ لِلْمَحْبُوبِ، وَقَالَ آخَرُ: إِيثَارُ المَحْبُوبِ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ المَحَبَّةُ الشَّوْقُ إِلَى المَحْبُوبِ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ المَحَبَّةُ مُوَاطَأَةُ الْقَلْبِ لِمُرَادِ الرَّبِّ يُحِبُّ مَا أحَبَّ وَيَكْرَهُ مَا كَرِهَ، وَقَالَ آخَرُ: المَحَبَّةُ مَيْلُ القَلْبِ إِلَى مُوَافِقٍ لَهُ وأكْثَرُ العِبَارَات المُتَقَدّمَةِ إشَارَةٌ إِلَى ثَمَراتِ المَحَبَّةِ دُونَ حَقِيقَتِهَا وَحَقِيقَةُ المَحَبَّةِ المَيْلُ إلى مَا يُوَافِقُ الْإِنْسَانَ وَتَكُونُ مُوَافَقَتُهُ لَهُ إِمَّا لاسْتِلْذَاذِهِ بإدْرَاكِهِ كَحُبّ الصُّوَرِ الجَمِيلَةِ وَالْأَصْوَاتِ الْحَسَنَةِ وَالْأَطْعِمَةِ والأشربة الذيذة وأشْبَاهِهَا مِمَّا كُلُّ طَبْعٍ سَلِيمٍ مَائِلٌ إِلَيْهَا لِمُوَافَقتِهَا لَهُ، أَوْ لاسْتِلْذَاذِهِ بإدْرَاكِهِ بِحَاسَّةِ عَقْلِهِ وَقَلْبِهِ مَعَانِيَ بَاطِنَةً شَرِيفَةً كَحُبّ الصَّالِحِينَ وَالعُلَمَاءِ وأهْلِ المَعْرُوفِ
стр. 413
المَأْثُورِ عَنْهُمُ السّيَرُ الجَمِيلَةُ وَالْأَفْعَالُ الحَسَنَةُ فَإنّ طَبْعَ الْإِنْسَان مَائِلٌ إِلَى الشَّغَفِ بأمْثَالِ هَؤْلَاءِ حَتَّى يَبْلُغَ التَّعَصُّبُ بِقَوْمٍ لِقَوْمٍ وَالتَّشَيُّعُ من أمَّةٍ فِي آخرِينَ مَا يُؤدّي إلى الجَلاءِ عَنِ الْأَوْطَانِ وهتك الحرم واخترام النُّفُوسِ أَوْ يَكُونَ حُبُّهُ إيّاهُ لِمُوَافَقَته لَهُ من جِهَةِ إحْسَانِهِ لَهُ وَإنْعَامِهِ عَلَيْهِ فَقَدْ جُبِلَتِ النُّفُوسُ عَلَى حُبِّ من أَحْسَنَ إِلَيْهَا، فَإِذَا تَقَرَّرَ لَكَ هَذَا نَظَرْتَ هَذِهِ الْأَسْبَابَ كُلَّهَا فِي حَقِّهِ ﷺ فَعَلِمْتَ أنَّهُ ﷺ
جَامِعٌ لِهذِهِ المَعَانِي الثَّلاثَةِ المُوجِبَةِ للمحبة.
أَمَّا جَمَالُ الصُّورَةِ والظّاهِرِ وكمالِ الْأَخْلَاقِ وَالبَاطِنِ فَقَدْ قَرَّرْنا مِنْهَا قَبْلُ فِيمَا مَرَّ من الكتاب مالا يَحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةٍ.
وَأَمَّا إحْسَانُهُ وَإنْعَامُهُ عَلَى أمَّتِهِ فَكَذلِكَ قَدْ مَرَّ مِنْهُ فِي أوْصَافِ اللَّه تَعَالَى لَهُ من رَأْفَتِهِ بِهِمْ وَرَحْمَتِهِ لَهُمْ وَهِدَايَتِهِ إيّاهُمْ وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمُ وَاسْتِنْقَاذِهِمْ بِهِ مِنَ النَّارِ وأنه بالمؤمنين رؤف رَحِيمٌ وَرَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّه بِإِذْنِهِ وَيَتْلُوا عَلَيْهِم آياتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُم الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَأيُّ إحْسَان أجَلُّ قَدْرًا وَأَعْظَمُ خَطَرًا من إحْسَانِهِ إِلَى جَمِيعِ الْمُؤْمِنينَ، وأيُّ إِفْضَالٍ أَعَمُّ مَنْفَعةً وَأَكْثَرُ فَائِدةً من إنْعَامِهِ عَلَى كَافَّةِ المُسْلِمِينَ؟ إِذْ كَانَ ذَرِيعَتُهُمْ إِلَى الهِدَايَةِ وَمُنِْقذُهُمْ مِنَ العَمَايَةِ وَدَاعِيَهُمْ إِلَى الفَلاحِ وَالكَرَامَةِ وَوَسيلَتَهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ وَشَفيعَهُمْ وَالمُتَكَلِّمَ عَنْهُمْ وَالشَّاهِدَ لَهُمْ وَالمُوجِبَ لَهُمُ الْبَقَاءَ الدَّائِمَ وَالنَّعِيمَ السَّرْمَدَ فَقَد اسْتَبَانَ لَكَ أنَّهُ ﷺ مُسْتَوْجِبٌ لِلْمَحَبَّةِ الحقيقة شرعا
стр. 414
بِمَا قَدَّمْناهُ من صَحِيحِ الآثارِ وَعَادَةً وَجِبلَّةً بِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا لإفاضَتِهِ الإحْسَانَ وَعُمُومِهِ الإجْمَالَ، فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ يُحِبُّ من مَنَحَهُ فِي دُنْيَاهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ مَعْرُوفًا أَو اسْتَنْقَذَهُ من هَلَكَةٍ أَوْ مَضَرَّةٍ مُدّةَ التَّأذّي بِهَا قَلِيلٌ مُنْقَطِعٌ فَمَنْ مَنَحَهُ مَا لَا يَبِيدُ مِنَ النَّعِيمِ وَوَقَاهُ ما لا يفى من عَذَابِ الجَحِيمِ أوْلى بالحُبّ، وَإذَا كَانَ يُحبُّ بالطّبْعِ ملك لِحُسْنِ سِيرَتِهِ أو حاكم لما يؤثر من قوام طريقته أو قاص بعيد الدار لما يشاد من علمه أَوْ كَرَمِ شِيمَتِهِ فَمَنْ جَمَعَ هَذِهِ الْخِصَالَ عَلَى غَايَةِ مَرَاتِبِ الْكَمَال أَحَقُّ بِالْحُبّ وَأوْلَى بِالْمَيْلِ، وَقَدْ قَالَ عَلِيّ ﵁ فِي صِفَتِهِ ﷺ من رَآهُ
بَدِيهَةً هَابَهُ وَمنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أحَبَّهُ وَذَكَرْنا عَنْ بَعْض الصَّحَابَةِ أنَّهُ كَانَ لَا يَصْرفُ بَصَرَهُ عَنْهُ مَحَبَّةً فِيهِ.
فصل فِي وجوب مناصفته ﷺ قَالَ اللَّه تَعَالَى (وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ إِذَا كَانُوا مُخْلِصِينَ مُسْلِمِينَ فِي السّرّ والْعَلانَيَّة.
حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو الْوَلِيدِ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ حَدَّثَنَا أَبُو بكر
стр. 415
لتمار حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالحٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قال قال رسول الله ﷺ (إِنَّ الدِّينَ النَصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ (لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) قَالَ أئِمَّتُنَا: النَّصِيحَةُ لله ولرسوله وأئمة المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) قَالَ أئِمَّتُنَا: النَّصِيحَةُ لله ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم واجبة قال الإمام أبو سليمان البستي: النصيحة كَلِمَةٌ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جُمْلَةِ إرَادَةِ الْخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ وَلَيْسَ يُمْكِنُ أن يعبر عنها بكلمة واحدة تحصرها، وَمَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ الإخْلَاصُ من قَوْلِهِمْ نَصَحْتُ الْعَسَلَ إذَا خَلَّصْتَهُ من شَمْعِهِ وَقَالَ أَبُو بكر
ابن أَبِي إِسْحَاقَ الخَفَّافُ: النصح فعل الشئ الَّذِي فِيهِ الصَّلَاحُ والملاءمة، مأخوذ مِنَ النّصَاحِ وَهُوَ الخِيطُ الَّذِي يُخَاطُ بِهِ الثو، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزّجَاجُ نَحْوهُ، فَنَصِيحةُ اللَّه تَعَالَى صِحَّةُ الاعتقاد له بالوحدانية وَوَصْفُهُ بِمَا هُوَ أهْلُهُ وَتَنْزِيهُهُ عَمَّا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ وَالرَّغْبَةُ فِي مَحَابّه وَالْبُعْدُ من مَسَاخِطِهِ وَالإخْلَاصُ فِي عِبَادَتِهِ والنصحية لِكِتَابِهِ: الْإِيمَانُ بِهِ والعمل
стр. 416
بِمَا فِيهِ وَتَحْسِينُ تلاوته والتخسع عنده وتعظم لَهُ وَتَفَهُّمُهُ وَالتَّفَقُّهُ فِيهِ وَالذَّبُّ عَنْهُ من تَأْوِيلِ الْغَالِينَ وطعن الملحدين، والصحيحة لِرَسُولِهِ التَّصْدِيقُ بِنُبُوّتِهِ وَبَذْلُ الطّاعَةِ لَهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهى عَنْهُ قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ، وَقَالَ أبو بكر: وموازرته وَنُصْرَتُهُ وَحِمَايَتُهُ حَيًّا وَمَيّتًا، وَإِحْيَاءُ سُنّتِهِ بالطَّلَبِ وَالذَّبّ عَنْهَا وَنَشْرِهَا، وَالتَّخَلُّقُ بِأَخْلاقِهِ الكَرِيمَةِ وَآدَابِهِ الجملية، وَقَالَ أَبُو إبْرَاهِيمُ إِسْحَاقُ التُّجِيبيُّ: نَصِيحةُ رَسُولِ اللَّه ﷺ التَّصْدِيقُ بِمَا جاء بِهِ وَالاعْتِصَامُ بِسُنّتِهِ وَنَشْرُهَا وَالحَضُّ عَلَيْهَا وَالدَّعْوَةُ إِلَى اللَّه وَإِلَى كِتَابِهِ وَإِلَى رَسُولِهِ وإليها إلى الْعَمَلِ بِهَا، وَقَالَ أَحْمَدُ بن مُحَمَّدٍ
من مَفْرُوضَاتِ الْقُلُوبِ اعْتِقَادُ النَّصِيحَةِ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الآجُرّيُّ وَغَيْرُهُ النُّصْحُ لَهُ يَقْتَضِي نُصْحَيْنِ نُصْحًا فِي حَيَاتِهِ وَنُصْحًا بَعْدَ مَمَاتِهِ فَفِي حَيَاتِهِ نُصْحُ أَصْحَابِهِ لَهُ بِالنَّصْرِ وَالمُحَامَاةِ عَنْهُ وَمُعَادَاةِ من عَادَاهُ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَهُ وَبَذْلِ النُّفُوسِ وأموال دُونَهُ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) الآيَةَ، وَقَالَ (وَيَنْصُرُونَ الله ورسوله) الآيَةَ، وَأَمَّا نَصِيحَةُ الْمُسْلِمينَ لَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ فالتِزَامُ التَّوْقِيرِ وَالإجْلالِ وشِدَّةُ المَحَبَّة لَهُ وَالمُثَابَرَةُ عَلَى تعلم سنته والنفقة فِي شَرِيعَتِهِ وَمَحَبَّةُ آلِ بَيْتِهِ وأصْحَابِهِ وَمُجَانَبَةُ من رَغِبَ عَنْ سُنّتِهِ وَانْحَرَفَ عَنْهَا وَبُغْضُهُ وَالتَّحْذِيِرُ مِنْهُ وَالشَّفَقَةُ عَلَى أُمَّتِهِ وَالْبَحْثُ عَنْ تَعَرُّفِ أَخْلَاقِهِ وَسِيَرِهِ وَآدَابِهِ وَالصّبْرُ عَلَى ذَلِكَ: فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ تَكُونُ النَّصِيحَةُ إحْدَى ثَمْراتِ المَحَبَّةِ وَعَلَامَةً من عَلَامَاتِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَحَكى (قوله التجيبى) بضم المثناة الفوقانية وفتحها وكسر الجيم (٣ - ٢) (*)
стр. 417
الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ أَنَّ عَمْرو بن اللَّيْثِ أَحَد مُلُوكِ خُرَاسَانَ وَمَشَاهِيرِ الثُّوَّارِ المَعْرُوفَ بِالصَّفّارِ رؤى فِي النَّوْمِ فَقِيلَ لَهُ مَا فَعَلَ اللَّه بك؟ فَقَالَ غَفَرَ لِي، فَقِيلَ بِمَاذَا؟ قَالَ صَعِدْتُ ذِرْوَةَ جَبَلٍ يَوْما فَأشْرَفْتُ عَلَى جُنُودِي فأعجبتى كَثْرَتُهُمْ فَتَمَنَّيْتُ أَنّي حَضَرْتُ رَسُول اللَّه ﷺ فَأعْنتُهُ وَنَصْرتُهُ فَشَكَرَ اللَّه لِي ذَلِكَ وَغَفَرَ لِي * وما النُّصْحُ لْأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ فَطَاعَتُهُمْ فِي الْحَقّ وَمَعُونَتُهُمْ فِيهِ وَأمْرُهُمْ بِهِ وَتَذْكِيرُهُمْ إيّاهُ عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ وَتَنْبِيهُهُمْ عَلَى مَا غَفَلُوا عَنْهُ وَكُتِمَ عَنْهُمْ من أُمُور المُسْلِمينَ وَتَرْكُ الخُرُوجِ عَلَيْهِمُ وَتَضْرِيبِ النَّاسِ وَإفْسَادِ قُلُوبِهِمْ عَلَيْهِمُ والصح لِعَامَّةِ المُسْلِمينَ إرْشَادُهُمْ إِلَى مَصَالِحِهمْ وَمَعُونَتُهُمْ فِي أمْرِ دِينِهِمْ
وَدُنْيَاهُمْ بِالْقَوْلِ وَالفِعْلِ وَتَنْبِيهُ غَافِلهِمْ وَتَبْصِيرُ جَاهِلِهمْ وَرَفْدُ مُحْتَاجِهِمْ وَسَتْرُ عَوْرَاتِهِمْ وَدَفْعُ المضار عنهم وجل المَنَافِعِ إِلَيْهِمْ
الْبَابِ الثالث (فِي تعظيم أمره ووجوب توقيره وبره)
قَالَ اللَّه تَعَالَى (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وتعزروه وتوقروه) وقال (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تقدموا
стр. 418
بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورسوله، و: (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبي) الثلاث آيات وَقَالَ تَعَالَى (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بعضا) فأوجب تعالى تعذيره وَتَوْقِيرَهُ وَألْزَمَ إكْرَامَهُ وتعظيمه، وقال ابن عَبَّاس تُعَزّرُوهُ تُجِلُّوُه وَقَالَ المُبَرّدُ تُعَزّرُوهُ تُبَالغُوا فِي تَعْظِيمِهِ، وَقَالَ الْأخْفَشُ تَنْصُرُونَهُ، وقَالَ الطَّبَرِيُّ تُعِينُونَهُ، وَقُرِئَ تعززوه براءين مِنَ العِزّ، وَنَهى عَنِ التَّقَدُّمِ بين يديه بالقول وسوء الأدب بسبقه بالكلام على قول ابن عباس وغيره هو اختيار ثعلب، قال سهل ابن عبد اللَّه لا تقولوا قبل أن يقول وإذا قال فاستمعوا له وأنصتوا، ونهوا عن التقدم وَالتَّعَجُّلِ بِقَضَاءِ أمْرٍ قبل قضاء فِيه وَأَنْ يَفْتَاتُوا بشئ فِي ذَلِكَ من قَتَالٍ أَوْ غَيْرِهِ من أمْرِ دِينِهِمْ إلَّا بأمْرِهِ وَلَا يَسْبِقُوهُ بِهِ، وَإِلَى هَذَا يَرْجِعُ قَوْلُهُ الحسن ومجاهد والصحاك وَالسُّدّيّ وَالثَّوْرِيّ ثُمَّ
وَعَظَهُمْ وَحَذَّرَهُمْ مُخَالَفَةَ ذَلِكَ فَقَالَ (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ اتَّقُوه يَعْنِي فِي التَّقَدُّمِ، وَقَالَ السُّلَمِيُّ اتَّقُوا اللَّه فِي إِهْمَالِ حَقِّهِ وَتَضْيِيعِ حُرْمَتِهِ إنَّهُ سَمِيعٌ لِقَوْلِكُمْ عَلِيمٌ بِفِعْلِكُمْ، ثُمَّ نَهَاهُمْ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فَوْقَ صَوْتِهِ وَالجَهْرِ لَهُ بِالقَوْلِ كَمَا يَجْهَرُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ، وَقِيلَ كَمَا يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِاسْمِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكّيٌّ أَيْ لَا تُسَابِقُوهُ بِالكَلَامِ وَتُغْلِظُوا له بالخطاب ولا تنادوه باسْمِهِ نِدَاءَ بَعْضِكُمْ
стр. 419
لِبَعْضٍ وَلِكنْ عَظِّمُوهُ وَوَقِّرُوهُ وَنَادُوهُ بأشْرَفِ مَا يُحِبُّ أنْ يُنَادَى بِهِ: يَا رَسُولَ اللَّه يَا نَبِيَّ اللَّه، وَهَذَا كَقَوْلِهِ فِي الآيَة الْأُخْرى (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ وَقَالَ غَيْره لَا تحاطبوه إلَّا مُسْتَفْهِمِينَ، ثُمَّ حوفهم اللَّه تَعَالَى بِحَبْطِ أَعْمَالِهِمْ إنْ هُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَحَذَّرَهُمْ مِنْهُ، قِيلَ نَزَلَت الآيَةُ فِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ وَقِيلَ فِي غَيْرِهِمْ أتَوا النَّبِيّ ﷺ فَنَادُوهُ يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ اخْرُجْ إِلَيْنَا فَذَمَّهُمُ اللَّه تَعَالَى بالجَهْلِ وَوَصَفَهُمْ بِأنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ، وَقِيلَ نَزَلَتِ الآيَةُ الْأُولَى فِي مُحَاوَرَةٍ كَانَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بَيْنَ يَدَي النَّبِيّ ﷺ وَاخْتِلَافٍ جَرَي بَيْنَهُمَا حَتَّى ارْتَفَعتْ أصْوَاتُهُمَا وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بن قَيْسِ بن شَمَّاسٍ خَطِيبِ النَّبِيّ ﷺ في مخافرة بَنِي تَمِيمٍ وَكَانَ فِي أُذُنَيْهِ صَمَمٌ فَكَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أَقَامَ فِي مَنْزِلِهِ وَخَشِيَ أَنَّ يَكُونَ حَبِطَ عَمَلُهُ ثُمَّ أتَى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ يَا نَبِيّ اللَّه لَقَدْ خَشِيتُ أنْ أكُونَ هَلَكْتُ، نَهَانَا اللَّه أنْ نَجْهَرَ بِالْقَولِ وَأنا امْرُؤ جَهِيرُ الصَّوْتِ، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ (يَا ثَابِتُ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ
حَمِيدًا وَتُقْتَلَ شَهِيدًا وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟) فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وَرُويَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالَ والله يَا رَسُولَ اللَّه لَا أُكَلّمُكَ بَعْدَهَا إلَّا كأخِي السّرَارِ وَأَنَّ عُمَرَ كَانَ إذَا حَدّثَه حَدّثَه كَأخِي السّرَارِ مَا كَانَ يُسْمِعُ رَسُولَ اللَّه ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ فأنْزَلَ الله
стр. 420
تَعَالَى فِيهِمْ (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عظيم) وَقِيلَ نَزَلَتْ (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحجرات) فِي غَيْرِ بَنِي تَمِيمٍ نَادَوْهُ بِاسْمِهِ، وَرَوَى صَفْوَانُ بن عَسَّال بَيْنَا النَّبِيّ ﷺ فِي سَفَرٍ إِذْ نَادَاهُ أَعْرَابِيّ بِصَوْتٍ لَهُ جَهْوَرِيّ أيا مُحَمَّدُ أيا مُحَمَّدُ أيا مُحَمَّدُ فَقُلْنَا لَهُ اغضُضْ من صَوْتِكَ فَإنَّكَ قَدْ نُهيتَ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ، وقال الله تعالى (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تقولوا راعنا) قَالَ بَعْضُ الْمُفَسّرِينَ هِيَ لُغَةٌ كَانَتْ فِي الْأَنْصَارِ نُهُوا عَنْ قَوْلِهَا تَعْظِيمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَتبْجِيلًا لَهُ لِأَنَّ مَعْنَاهَا ارْعَنَا نرعك فَنُهُوا عَنْ قَوْلِهَا إِذْ مُقْتَضَاهَا كَأنَّهُمْ لَا يَرْعَوْنَهُ إلَّا بِرِعَايَتِهِ لَهُمْ بَلْ حَقُّهُ أنْ يُرْعَى عَلَى كُلّ حال وَقِيلَ كَانَت اليَهُودُ تُعَرّضُ بها للنبي ﷺ بالرُّعُونَةِ فَنُهِيَ المُسْلِمُونَ عَنْ قَوْلِهَا قَطْعًا لِلذَّرِيعَةِ ومنها للتَّشَبُّهِ بهم فِي قَوْلِهَا لِمُشَارَكَةِ اللَّفْظَةِ.
وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا
فصل فِي عادة الصَّحَابَةِ فِي تعظيمه ﷺ وتوقيره وإجلاله حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ وَأَبُو بَحْرٍ الأَسَدِيُّ بِسَمَاعِي عَلَيْهِمَا فِي آخَرِينَ قَالُوا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ حدثنا محمد بن
стр. 421
عِيسَى حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُثَنَّى وَأَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالُوا حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ قَالَ حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ عَنْ عَمْرٍو قَالَ وَمَا كَانَ أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ وَلا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنِي مِنْهُ إِجْلَالًا له وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ لأَنَّي لَمْ أَكُنْ أملأ عينى وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ كَانَ يَخْرُجُ عَلَى أصْحَابِهِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وهم جُلُوسٌ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَلَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَيْهِ بَصَرَهُ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَإِنَّهُمَا كَانَا يَنْظُرَانِ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا وَيَتَبَسَّمَانِ إِلَيْهِ وَيَتَبَسَّمُ لَهُمَا، وَرَوَى أسَامَةُ بن شَرِيكٍ قَالَ أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحَابُهُ حَوْلَهُ كأنما على رؤسهم الطَّيْرُ، وَفِي حَدِيث صِفَتِهِ إذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جلساؤه كأنما على رؤسهم الطَّيْرُ، وَقَالَ عروة بن مَسْعُودٍ حِينَ
стр. 422
وَجَّهَتْهُ قُرَيْشٌ عام القَضِيَّةِ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ وَرَأى من تَعْظِيم أصْحابِهِ لَهُ مَا رَأَى وَأنَّهُ لَا يَتَوَضَّأ إلا ابتدروا وضوئه وكادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَيْهِ وَلَا يَبْصُقُ بُصَاقًا وَلَا يتخم نُخَامَةً إلَّا تَلَقَّوْهَا بِأكْفّهِمْ فَدَلكُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَجْسَادَهُمْ وَلَا تَسْقُطُ مِنْهُ شَعَرَةٌ إِلَّا ابْتَدَرُوهَا وَإِذَا أمَرَهُمْ بِأَمْرٍ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أصْواتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدّونَ إليه النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ فَلَمّا رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنّي جئت كِسْرى فِي مُلْكِهِ وَقَيْصَرَ فِي مُلْكِهِ وَالنَّجَاشِيَّ فِي مُلْكِهِ وَإِنَّي والله مَا رَأَيْتُ مَلِكًا فِي قَوْمٍ قَطُّ مِثْلُ مُحَمَّدٍ فِي أصْحَابِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ إنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظّمُهُ أصْحابُهُ مَا يعظم محمد أصْحَابُهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ قَوْمًا لَا يُسْلِمُونَهُ أبدًا، وَعَنْ أَنَسٍ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ والحلاق يَحْلِقُهُ وَأطَافَ بِهِ أصحابه فما يرويدن أنْ تَقَعَ شَعَرَةٌ إلَّا فِي يَد رَجُلٍ وَمِنْ هَذَا لَمّا أذِنَتْ قُريْشٌ لِعُثْمَانَ فِي الطّوَافِ بِالبَيْتِ حِينَ وَجَّهَهُ النَّبِيّ ﷺ إِلَيْهِمْ فِي القَضِيَّةِ أَبَى وَقَالَ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ حَتَّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ ، وَفِي حَدِيث طَلْحَةَ أَنَّ أصْحَابَ رَسُول اللَّه ﷺ
стр. 423
قَالُوا لْأَعْرَابِيّ جاهِلٍ سَلْهُ عَمَّنْ قَضى نَحْبَهُ، وكانوا يَهَابُونَهُ وَيُوقّرُونَهُ، فَسَألَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ إِذْ طَلَعَ طَلْحَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ
(هَذَا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ، وَفِي حَدِيث قَيْلَةَ: فَلَمّا رَأَيْت رَسُول اللَّه ﷺ جالسًا القُرْفُصَاءَ أُرْعدْتُ مِنَ الفَرَقِ وَذَلِكَ هَيْبَةً لَهُ وَتَعظِيمًا، وَفِي حَدِيث المُغِيرَة كَانَ أصْحَابُ رَسُول اللَّه ﷺ يَقْرَعُونَ بَابَهُ بِالْأَظَافِرِ، وَقَالَ البَرَاءُ بن عازِبٍ لَقَدْ كُنْتُ أُرِيدُ أنْ أسْألَ رَسُولَ اللَّه ﷺ عَنِ الْأَمْر فأؤخّرُ سِنِينَ من هَيْبَتِهِ
فصل وَاعْلَمْ أَنَّ حُرْمَةَ النَّبِيّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ وَتَوْقِيرَهُ وَتَعْظِيمَهُ لازِمٌ كَمَا كَانَ حَالَ حَيَاتِهِ وَذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِهِ ﷺ وذكر حَدِيثِهِ وَسُنّتِهِ وَسَمَاعِ اسْمِهِ وَسِيرَتِهِ وَمُعَامَلَةِ آلِهِ وَعِتْرَتِهِ وَتَعْظِيمِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَصَحَابَتِهِ قَالَ أَبُو إبراهيم التّجِيبيُّ وَاجِبٌ عَلَى كُلّ مُؤْمِن مَتَى ذَكَرَهُ أَوْ ذُكِرَ عِنْدَهُ أنْ يَخْضَعَ وَيَخْشَعَ ويتوقر وَيَسْكُن من حَرَكَتِهِ وَيَأْخُذَ فِي هَيْبَتِهِ وَإجْلالِهِ بِمَا كَانَ يَأْخُذُ بِهِ نَفْسَهُ لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيتَأدَّبَ بِمَا أدَّبَنَا اللَّه بِهِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَهَذِهِ كَانَتْ سِيرَةُ سَلَفِنَا الصَّالِحِ وَأَئِمَّتِنَا الْمَاضِينَ ﵃ حَدَّثَنَا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن
стр. 424
الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بن بَقِيٍّ الْحَاكِمُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ فيما أجازونيه قالو أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بن عُمَرَ بن دِلْهَاثٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بن فِهْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بن أَحْمَدَ بن الفَرَجِ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ اللَّهِ بن المُنْتَابِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بن إِسْحَاقَ بن أَبِي إِسْرَائِيلَ حَدَّثَنَا ابن
حميد قال ناظرا أَبُو جَعْفَرٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنينَ مَالِكًا فِي مَسْجِدِ رسول الله ﷺ فقال لَهُ مَالِكٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فِي هَذَا المَسْجِدِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَدَّبَ قَوْمًا فَقَالَ (لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبي) الآيَةَ، وَمَدَحَ قَوْمًا فَقَالَ (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رسول الله) الآيَةَ، وَذَمَّ قَوْمًا فَقَالَ (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ) الآيَةَ وَإِنَّ حُرْمَتَهُ مَيتًا كَحُرْمَتِهِ حَيًّا فَاسْتَكَانَ لَهَا أَبُو جَعْفَرٍ وَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَأَدْعُو أَمْ أَسْتَقْبِلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ وَلم تَصْرفْ وَجْهَكَ عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُكَ وَوَسِيلَةُ أَبِيكَ آدَمَ عيه السَّلَامُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ بَلِ اسْتَقْبِلْهُ واسْتَشْفِعْ بِهِ فَيُشَفِّعهُ اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظلموا أنفسهم) الآيَةَ وَقَالَ مَالِك - وَقَدْ سُئِلَ عَنْ أيُوبَ السَّخْتِيَانِي - مَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ أحَدٍ إلَّا وَأيُّوبُ أفْضَلُ مِنْهُ، قَالَ وَحَجَّ حَجَّتَيْنِ فَكُنْتُ أرْمُقُهُ وَلَا اسْمَعُ مِنْهُ غيرا أنَّهُ كَانَ إذَا ذُكِرَ النَّبِيّ ﷺ بَكى حَتَّى أرْحَمَهُ فَلَمّا رَأَيْتُ مِنْهُ مَا رَأَيْتُ وَإجْلَالَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ كَتَبْتُ عَنْهُ، وَقَالَ مُصْعَبُ بن عَبْد الله
стр. 425
كَانَ مَالِكٌ إذَا ذُكِرَ النَّبِيّ ﷺ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ وَيَنْحَنِي حَتَّى يَصْعُبَ ذَلِكَ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقِيلَ لَهُ يَوْمًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ لَوْ رَأيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَما أنْكَرْتُمْ عَليَّ مَا تَرَوْنَ وَلَقَدْ كُنْتُ أرَى مُحَمَّدَ بن الْمُنْكَدِرِ وَكَانَ سَيّدَ الْقُرّاءِ لَا نكاد سأله عَنْ حَدِيثٍ أبَدًا إلَّا يَبْكِي حَتَّى نَرْحَمَهُ وَلَقَدْ كُنْتُ أرَى جَعْفَرِ بن مُحَمَّدٍ وَكَانَ كَثِيرَ الدُّعَابَةِ وَالتَّبَسُّم فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ النَّبِيّ ﷺ اصْفَرَّ وَمَا رأته يُحَدَّثُ عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ إلَّا عَلَى طَهَارَةٍ، وَلَقَد اخْتَلَفْتُ إليْهِ زَمَانًا فَمَا كُنْتُ أرَاهُ إلَّا عَلَى ثَلَاثِ خِصَال إِمَّا مُصَلّيًا وإما صامتا وَإِمَّا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يعْنِيهِ وَكَانَ مِنَ الْعُلمَاءِ وَالْعُبّادِ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّه ، وَلَقَدْ كَانَ عَبْد الرَّحْمنِ بن الْقَاسِمِ يَذْكُرُ النَّبِيّ ﷺ فَيُنْظَرُ إِلَى لَوْنِهِ كَأنَّهُ نُزِفَ مِنْهُ الدَّمُ وَقَدْ جَفَّ لِسَانُهُ فِي فَمِهِ هَيْبَةً مِنْهُ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ وَلَقَدْ كُنْتُ آتي عَامِرَ بن عَبْد اللَّه بن الزُّبَيْرِ فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ النَّبِيّ ﷺ بَكى حَتَّى لَا يَبْقَى فِي عَيْنَيْه دُمُوعٌ، وَلَقَدْ رَأيْتُ الزُّهْرِيَّ وَكَانَ من أهْنَأ النَّاسِ وَأقْرَبِهِمْ فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ النَّبِيّ ﷺ فَكَأنَّهُ مَا عَرَفَكَ ولا عرفته، لقد كُنْتُ آتي صَفْوَانَ بن سُلَيْمٍ وَكَانَ مِنَ المتعبدين
следующие страницы →