← Сира

Сира · id 1753

الشفا بتعريف حقوق المصطفى - وحاشية الشمني

القاضي عياض

Полный текст (697 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

بِسِمَات الجَاهِلِين كَمَا قَال إنّي أعِظُك وَلَيْس فِي آية مِنْهَا دَلِيل عَلَى كَوْنِهِم عَلَى تِلْك الصّفَة التي نَهَاهُم عَن الْكَوْن عَلَيْهَا فَكَيْف وَآية نُوح قبلها (فلا تسألني مَا لَيْسَ لَكَ به علم) فَحَمْل مَا بَعْدَهَا عَلَى ما قَبْلَهَا أوْلَى لِأَنّ مِثْل هَذَا قَد يَحْتَاج إِلَى إذْن وَقَد تَجُوز إباحَة السُّؤال فِيه ابْتِدَاء فَنَهَاه اللَّه أن يَسْالَه عَمَّا طَوَى عَنْه عِلْمَه وَأَكَنَّه من غَيْبِه مِن السَّبَب الْمُوجِب لِهَلَاك ابْنه ثم أكل اللَّه تَعَالَى نِعْمَتَه عَلَيْه بإعْلامِه ذَلِك بِقَوْلِه (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) حَكى مَعْنَاه مَكّيّ كَذَلِك أُمِر نَبِيُّنَا فِي الآيَة الْأُخْرَى بالتِزَام الصَّبْر عَلَى إعْرَاض قَوْمِه وَلَا يحرج عِنْد ذَلِك فَيُقَارب حال الجاهل بِشِدَّة التَّحسُّر، حَكاه أَبُو بكر بن فورك وقيل معنى الخطاب لأمة محمد أي فلا تكونوا من الجالين، حكاه أبو مُحَمَّد مَكّيّ، وَقَال مِثْلُه فِي القرآن كثير، فَبِهذا الْفَضْل وَجَب الْقَوْل بعِصْمة الْأَنْبِيَاء مِنْه بَعْد النُّبُوَّة قَطْعًا فَإن قُلْت فإذ قَرَّرْت عِصْمَتَهُم من هَذَا وَأنَّه لَا يَجُوز عليهم شئ من ذَلِك فَمَا مَعْنَي إذَا وعِيد اللَّه لِنبيَّنا ﷺ عَلَى ذَلِك إن فَعَلَه وَتَحْذِيرِه مِنْه كَقَوْلِه (لَئِنْ أَشْرَكْتَ ليحبطن عملك) الآيَة وَقَوْلُه تَعَالَى (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ الله مالا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ) الآيَة وَقَوْلُه تَعَالَى (إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ) الآيَة وَقَوْلُه (لأَخَذْنَا منه باليمين) وَقَوْلُه (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سبيل الله) وقوله (وأن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ على قلبك) وقوله (فإن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بلغت رسالته) وَقَوْلُه (اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) فَاعْلَم وَفقنا اللَّه وَإيَّاك أنَّه ﷺ لَا يَصِحّ وَلَا يَجُوز عَلَيْه أَنّ لا يُبَلّغ وَلَا يُخَالِف أمْر رَبَّه وَلَا أَنّ يُشْرِك بِه وَلَا يَتَقَوَّل عَلَى اللَّه مَا لَا يُحِبّ أَو يَفْتَرِي عَلَيْه أَو يَضِلّ أَو يُخْتَم

стр. 492

على؟ ؟ ؟ أَو يُطيع الكافرِين لِكن يَسَّر أمْرَه بِالمُكَاشَفَة وَالْبَيَان فِي البَلاغ لِلْمُخَالِفِين وَأَنّ إبْلاغَه إن لَم يَكُن بِهَذِه السّبِيل فَكأنَّه مَا بَلَّغ وَطيَّب نَفْسَه وَقَوَّي قلبه بقوله (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الناس) كَمَا قَال لِمُوسَى وهارون (لا تَخَافَا) لتشد بصَائِرُهُم فِي الْإِبْلاغ وَإظْهَار دين اللَّه وَيُذْهِب عَنْهُم خَوْف الْعَدُوّ الْمَضعِف لِلنَّفْس * وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى (ولو نقول عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ) الآية وقوله (إذا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ) فَمَعْنَاه أَنّ هَذَا جَزَاء من فَعَل هَذَا وَجَزاؤُك لَو كُنْت مِمَّن يَفْعَلُه وهو لَا يَفْعَلُه وَكَذَلِك قَوْله (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) فالمراد غَيْرِه كَمَا قَال (إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كفروا) الآيَة وَقَوْلُه (فَإِنْ يشإ الله يخسم على قلبك) : (ولئن أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) وَمَا أشْبَهَه فالمراد غَيْرِه وأنّ هَذِه حَال من أشْرَك وَالنَّبِيّ ﷺ لَا يَجُوز عَلَيْه هَذَا وَقَوْلُه (اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ) فَلَيْس فِيه أنَّه أطاعهم والله ينهاء عَمَّا يَشَاء وَيَأمُرُه بِمَا يَشَاء كَمَا قَال (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) الآيَة: وَمَا كَان طَرَدَهُم ﷺ وَلَا كَان مِن الظَّالمِين فصل وَأَمَّا عِصْمَتَهُم من هَذَا الْفَنّ قَبْل النُّبُوَّة فَلِلنَّاس فِيه خِلَاف * وَالصَّوَاب أَنَّهُم مَعْصُومُون قَبْل النُّبُوَّة مِن الْجَهْل بِالله وَصِفَاتِه وَالتَّشَكُك في شئ من ذَلِك وَقَد تَعَاضَدَت الْأَخْبَار وَالآثَار عَن الْأَنْبِيَاء بِتَنْزِيهِهِم عن هذه النقيصة مُنْذ وُلِدُوا وَنَشْأتِهِم عَلَى التَّوحْيد وَالْإِيمَان بَل عَلَى إشْرَاق أنوار المعارف نفحات أَلْطَاف السَّعَادَة كَمَا نبهنا عليه في الباب الثَّانِي مِن القِسِم الأَوَّل من كِتَابِنَا هَذَا وَلَم يَنْقُل أحَد من أهل الأخبار أن أحد النبي

стр. 493

وَاصْطُفِي مِمَّن عُرِف بِكُفْر وَإشْرَاك قَبْل ذَلِك وَمُسْتَنَد هَذَا الْبَاب النَّقْل وَقَد اسْتَدَلّ بَعْضُهُم بأن الْقُلُوب تَنْفِر عَمَّن كَانَت هَذِه سَبِيلُه وَأَنَا أقُول إن قُرَيْشًا قَد رَمَت نَبِيَّنًا بِكُلّ مَا افترته، وغير كُفّار الْأُمَم أنْبِيَاءَهَا بِكُلّ مَا أمْكَنَهَا وَاخْتَلَقَتْه مِمَّا نَصّ اللَّه تَعَالَى عَلَيْه أَو نَقَلَتْه إلَيْنَا الرُّوَاة وَلَم نَجِد في شئ من ذلك تعييرا لِوَاحِد مِنْهُم بِرَفْضِه آلِهَتَه وَتَقْرِيعِه بِذَمَّة بِتَرْك مَا كَان قَد جَامَعُهُم عَلَيْه وَلَو كَان هَذَا لَكَانُوا بِذَلِك مُبَادِرِين وبتَلَوَّنُّه في معبوده محتجين ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من تَوْبِيخِه بِنَهيهم عَن تَرْكِهِم آلِهَتَهُم وَمَا كَان يَعْبُد آبَاؤُهُم من قَبْل فَفِي إطْبَاقِهِم عَلَى الْإعْرَاض عَنْه دَليل عَلَى أَنَّهُم لَم يَجِدُوا سَبيلًا إليْه إذ لَو كَان لنُقِل وَمَا سَكَتُوا عَنْه كَمَا لَم يَسْكُتُوا عِنْد تَحْويل القِبْلة وقالوا مَا وَلَّاهُم عَن قِبْلَتِهِم التي كَانُوا عَلَيْهَا كَمَا حَكَاه اللَّه عَنْهُم وَقَد اسْتَدَلّ الْقَاضِي الْقُشَيْرِيّ عَلَى تَنْزِيهِهِم عَن هَذَا بِقَوْلِه تَعَالَى (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ) الآيَة وبِقَوْلِه تَعَالَى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ) إِلَى قَوْله: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولتنصرنه) قَال وطَهَّرَه اللَّه فِي الْمِيثَاق وَبعِيد أن يَأخُذ مِنْه الْمِيثَاق قَبْل خَلْقِه ثُمّ يَأْخُذ مِيثَاق النَّبِيّين بالإيمَان بِه ونَصْرِه قَبْل مَولِدِه بِدُهُور وَيَجُوز عَلَيْه الشّرْك أَو غَيْرِه مِن الذنوب، بهذا مَا لَا يُجَوّزُه إلا مُلْحِد، هَذَا مَعْنَي كَلَامِه، وكيف يَكُون ذَلِك وَقَد أتاه جِبْرِيل ﵇ وَشَقّ قَلْبَه صَغِيرًا وَاسْتَخْرَج مِنْه عَلَقَة وَقَال هَذَا حظ

стр. 494

الشيطان مِنْك ثُمّ غَسَلَه وَمَلأه حِكْمَة وَإيمانًا كَمَا تَظَاهَرَت بِه أَخْبَار المَبْدإ وَلَا يُشَبَّه عَلَيْك بِقَوْل إِبْرَاهِيم فِي الْكَوْكَب وَالقَمَر وَالشَّمْس هَذَا رَبّي فَإنَّه قَد قِيل كَان هَذَا فِي سِنّ الطُّفُولِيَّة وَابْتِدَاء النَّظَر وَالاسْتِدْلال وَقَبْل لُزُوم التَّكْلِيف وَذَهَب مُعْظَم الحُذَاق مِن الْعُلمَاء وَالْمُفَسّرِين إِلَى أنَّه إنَّمَا قَال ذَلِك مُبَكّتًا لِقَوْمِه وَمُسْتَدِلًا عَلَيْهِم وَقِيل مَعْنَاه الاسْتِفْهَام الْوَارِد مَوْرِد الإنْكَار، وَالمُرَاد فَهَذَا رَبّي، قَال الزَّجّاج قَوْله (هَذَا رَبِّي) أَي عَلَى قولِكُم كَمَا قَال أَيْنَ شُرَكَائِيَ؟ أَي عِنْدَكُم، وَيَدُلّ عَلَى أنَّه لَم يَعْبُد شَيْئًا من ذَلِك وَلَا أشْرَك قَطّ بالله طَرْفَة عَيْن: قَوْل اللَّه عَنْه (إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ) ثم قَالَ: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ؟ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ) وَقَال: (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) أَي مِنَ الشِّرْكِ، وَقَوْلُه: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ) فَإِن قُلْت فَمَا مَعْنَي قَوْله: (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضالين) قِيل إنَّه إنّ لَم يُؤَيّدْنِي بِمَعُونَتِه أكُن مِثْلَكُم فِي ضَلَالَتِكُم وَعِبَادَتِكُم عَلَى مَعْنَي الإشْفَاق وَالحَذَر وَإلَّا فَهُو مَعْصُوم في الأزل من الضَّلَال فِإن قُلْت فَمَا مَعْنَي قَوْلِه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ في ملتنا) ثُمّ قَال بَعْد عَن الرُّسُل (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ منها) فَلَا يُشْكل عَلَيْك لَفْظَة العَوْد وَأنَّهَا تَقْتَضِي أَنَّهُم إنَّمَا يعودون إِلَى مَا كَانُوا فِيه من مِلَّتِهِم فَقَد تَأْتِي هَذِه اللّفْظَة فِي كَلَام الْعَرَب لَغَيْر مَا ليس

стр. 495

لَه ابْتِدَاء بِمَعْنَي الصَّيْرُورَة كَمَا جاء فِي حَدِيث الجَهنميين عَادُوا حُمَمًا وَلَم يَكُونُوا قَبْل كَذَلِك، ومثل قَوْل الشَّاعِر: - تِلْك المَكارِم لَا قَعْبَان من لَبَن * شِيبا بماء فعادا بَعْد أبْوَالا وما كان قَبْل كَذَلِك، فَإِنّ قلت فما معنى قوله: (وجدك ضالا فهدى) فَلَيْس هُو مِن الضَّلال الَّذِي هُو الكُفْر؟ قِيل ضَالًا عَن النُّبُوَّة فَهَدَاك إِلَيْهَا، قاله الطَّبَرِيّ، وَقِيل وَجَدَك بَيْن أَهْل الضَلَال فَعَصَمَك من ذَلِك وَهَدَاك بالإيمان وَإلَى إرْشَادِهِم وَنَحْوَه عَن السُّدّيّ وَغَيْر وَاحِد، وَقِيل ضالًا عَن شَرِيعَتِك أَي لَا تَعْرِفُهَا فَهَدَاك إِلَيْهَا، وَالضَّلَال ههُنَا التَّحَيُّر وَلِهَذَا كان ﷺ يخلو بِغَار حِرَاء فِي طَلَب مَا يَتَوَجَّه بِه إِلَى رَبَّه وَيَتَشَرَّع بِه حَتَّى هَدَاه اللَّه إِلَى الْإِسْلَام قَال مَعْنَاه المشيرى وَقِيل لَا تَعْرِف الْحَقّ فَهَدَاك إليْه، وَهَذَا مِثْل قَوْلِه تَعَالَى:) وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) قَالَه عَلِيّ بن عِيسَى، قَال ابن عَبَّاس لَم تَكُن لَه ضَلَالَة مَعَصِيَة وَقِيل هَدَى: أَي بَيْن أمْرَك بِالْبَرَاهِين وقيل: (وجدك ضالا) بين مكة والمدينة فهدك إِلَى الْمَدِينَة وَقِيل الْمَعْنَى وَجَدَك فَهَدَى بك ضَالًا * وَعَن جعفر ابن مُحَمَّد (وَوَجَدَكَ ضَالا) عَن مَحَبَّتِي لَك فِي الْأَزَل أي لَا تَعْرِفُهَا فَمَنَنْت عَلَيْك بِمَعْرفَتِي، وَقَرأ الحسن بن علي (ووجدك ضال فَهَدَى) أَي اهْتَدَى بك، وَقَال ابن عَطَاء: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا) أَي: مُحِبًا لِمَعْرفَتِي والضَّالّ الْمُحِبّ كما قَال: (إِنَّكَ لَفِي ضلالك القديم) أَي مَحَبَّتِك الْقَدِيمَة

стр. 496

وَلَم يُرِيدُوا ههُنا فِي الدّين إذ لو قَالُوا ذَلِك فِي نَبِيّ اللَّه لَكَفرُوا وَمِثْلُه عِنْد هَذَا قَوْله إنا لَنَرَاهَا فِي ضَلال مُبِين أَي مَحَبَّة بَيَّنَة، وَقَال الجُنَيْد وَوَجَدَك مُتَحَيرًا فِي بَيَان مَا أنزل إِلَيْك فَهَدَاك لِبَيَانِه لقوله (وأنزلناه إليك الذكر) الآيَة، وَقِيل وَوَجَدَك لَم يَعْرِفْك أحَد بالنُّبُوَّة حَتَّى أظْهَرَك فَهَدَى بك السُّعَدَاء وَلَا أعْلَم أحَدًا قَال مِن الْمُفَسّرِين فِيهَا ضالًا عَن الْإِيمَان، وَكَذَلِك فِي قِصَّة مُوسَى ﵇ قَوْله: (فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضالين) أي مِن المُخْطِئِين الْفَاعِلِين شَيْئًا بِغَيْر قَصْد. قالَه ابن عَرَفَة، وَقَال الْأَزْهَريّ: مَعْنَاه مِن النَّاسِين وَقَد قِيل ذَلِك فِي قَوْلِه (وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى) أَي ناسيًا كَمَا قَال تَعَالَى: (أَنْ تَضِلَّ إحداهما) فإن قُلْت فَمَا مَعْنَي قَوْلِه: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ) فالجَواب: أَنّ السَّمْرَقَنْدِيّ قَال: مَعْنَاه مَا كُنْت تَدْرِي قَبْل الْوَحْي أن تَقْرَأ الْقُرْآن وَلَا كَيْف تَدْعُو الخَلْق إِلَى الْإِيمَان، وَقَال بَكْر الْقَاضِي نَحْوَه، قَال وَلَا الْإِيمَان الَّذِي هُو الْفَرَائض وَالأحْكَام، قال: فكان قيل مُؤْمِنًا بِتَوْحِيدِه ثُمّ نَزَلَت الْفَرَائض التي لَم يَكُن يَدْريهَا قبل

стр. 497

فَزَاد بالتَّكْلِيف إيمَانًا وَهُو أحْسَن وَجُوهِه قُلْت فما معني قوله: (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) فاعْلَم أنَّه لَيْس بمعنى قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتنا غافلون) بَل حَكى أَبُو عَبْد اللَّه الهَرَويّ أَنّ مَعْنَاه لَمِن الْغَافِلين عَن قِصَّة يسف إذ لَم تَعْلَمهَا إلَّا بِوَحْينَا وَكَذَلِك الْحَدِيث الَّذِي يَرْويِه عُثْمَان بن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدِه عَن جَابِر ﵁ أَنّ النَّبِيّ ﷺ قَدْ كَانَ يَشْهَدُ من الْمُشْرِكِينَ مَشَاهِدَهُمْ فَسَمِعَ ملكين حلفه أحَدُهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ اذْهَب حَتَّى تَقُوم خَلْفَه فَقَال الآخَر كَيْف أقُوم خَلْفَه وعهده بالستلاء الْأَصْنَام؟ فَلَم يشْهَدْهُم بَعْد، فَهَذَا حَدِيث أنْكَرَه أَحْمَد بن حَنْبَل جِدًا وَقَال هُو مَوْضُوع أَو شَبِيه بالمَوْضُوع، وَقَال الدَّارَقُطْنِي يُقَال إنّ عُثْمَان وهم فِي إسناده، وَالْحَدِيث بالجُمْلَة مُنْكَر غَيْر مُتَّفَق عَلَى إسْنَادِه فَلَا يُلْتَفَت إليْه، وَالْمَعْرُوف عن النبي ﵌ خِلافُه عِنْد أَهْل الْعِلْم من قَوْلِه (بُغِّضَتْ إِلَيَّ الأَصْنَامُ) وَقَوْلُه فِي الْحَدِيث الآخَر الَّذِي رَوَتْه أُمّ أيْمَن حِين كَلَّمَه عَمُّه وآلُه فِي حُضُور بَعْض أعْيَادِهِم وَعَزَمُوا عَلَيْه بَعْد كراهتِه لِذَلِك فَخَرَج مَعَهُم وَرَجَع مرعوبا فقال (كلما دَنَوْت مِنْهَا من صَنَم تَمَثَّل لِي شَخْص أبْيَض طَويل يَصِيح بي وَرَاءَكَ لَا تَمَسَّهُ) فَمَا شَهِد بَعْد لَهُم عِيدًا، وَقَوْلُه فِي قِصَّة بَحِيرَا حين استحلف النبي ﷺ باللات وَالعُزّى إِذ لقِيَه بالشَّام فِي سَفْرِتِه مَع عَمَّه أَبِي طَالِب وَهُو صَبيّ وَرَأى فِيه سلامات النُّبُوَّة فاختبره بِذَلِك فَقَال لَه النَّبِيّ ﷺ (لَا تَسْأَلْنِي بهما فو الله مَا أَبْغَضْتُ شَيْئًا قَطُّ بُغْضَهُمَا) فَقَالَ لَهُ بحيرا فبالله إِلَّا مَا أَخْبرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ، فَقَال (سل عَمَّا بدا لَك) وَكَذَلِك المعروف من سيرته ﷺ وتوفيق اللَّه لَه أنَّه كَان

стр. 498

قَبْل نبوته يُخَالف المشركين فِي وُقُوفِهِم بمزدلفة فِي الحج فَكَان يقف هُو بعرفة لِأَنَّه كَان موقف إبْرَاهِيم ﵇. فصل قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل وَفَّقَه اللَّه قَد بَان بِمَا قدمناه عُقُود الْأَنْبِيَاء فِي التَّوْحِيد وَالْإِيمَان وَالَوَحَي وَعِصْمَتُهُم فِي ذَلِك عَلِيّ مَا بيناه، فأما مَا عَدَا هَذَا الْبَاب من عُقُود قُلُوبهِم فجماعها أنَّهَا مملوءة علما ويقينا عَلَى الجملة، وأنها قَد احتوت مِن المعرفة والعلم بأمور الدين والدنيا ما لا شئ فوقه وَمِن طالع الأحبار واعتني بالحديث وَتأمل مَا قلناه وجده وَقَد قدمنا مِنْه في حَقّ نبينا ﷺ فِي الْبَاب الرابع أَوَّل قسم من هَذَا الْكِتَاب مَا ينبه عَلَى مَا وراءه الا أَنّ أحوالهم فِي هَذِه المعارف تختلف، فأما مَا تعلق مِنْهَا بأمر الدُّنْيَا فلا يشترط فِي حَقّ الْأَنْبِيَاء العصمة من عدم معرفة الْأَنْبِيَاء ببعضها أَو اعتقادها عَلَى خِلَاف مَا هِي عَلَيْه وَلَا وصم عَلَيْهِم فِيه إِذ هممهم متعلقة بالآخرة وأنبائها وأمر الشريعة وقوانينها، وأمور الدُّنْيَا تضادها بخلاف غَيْرِهِم من أَهْل الدُّنْيَا الذين يعلمون ظاهرا مِن الحياة الدُّنْيَا وهم عَن الآخرة هُم غافلون كَمَا سنبين هَذَا فِي الْبَاب الثاني أَنّ شَاء اللَّه ولكنه لَا يقال انهم لَا يعلمون شَيْئًا من أمر الدُّنْيَا فان ذَلِك يؤدي إلى الغفلة والبله وهم المنزهون عَنْه بَل قَد أرسلوا إلى أهل الدُّنْيَا وقلدوا سياستهم وهدايتهم والنظر فِي مصالح دينهم ودنياهم، وَهَذَا لَا يَكُون مَع عدم الْعِلْم بأمور الدُّنْيَا بِالكلية، وأحوال الْأَنْبِيَاء وسيرهم فِي هَذَا الْبَاب معلومة ومعرفتهم بِذَلِك كله مشهورة وَأَمَّا إنّ كَان هَذَا

стр. 499

العقد مِمَّا يتعلق بالدين فَلَا يصح مِن النَّبِيّ ﷺ إلا الْعِلْم بِه وَلَا يجوز عَلَيْه جهله جملة لِأَنَّه لَا يخلو أن يَكُون حصل عِنْدَه ذَلِك عَن وحي مِن اللَّه فَهُو مَا لَا يصح الشك مِنْه فِيه عَلَى مَا قدمناه فكيف الجهل؟ بَل حصل لَه الْعِلْم اليقين أَو يَكُون فعل ذَلِك باجتهاده فِيمَا لَم ينزل عليه فيه شئ عَلَى القول بتجويز وقوع الاجتهاد مِنْه فِي ذَلِك عَلَى قول المحققين وَعَلَى مقتضى حَدِيث أم سَلَمَة إنّي إنما أقضى بينكم برأى فيما لم ينزل على فيه شئ خَرجه الثقات، وكَقِصَّة أَسْرَى بَدْر وَالإذْن للْمُتخّلِفين عَلَى رأي بَعْضُهُم فَلَا يَكُون أيْضًا مَا يعتقده مِمَّا يثمره اجتهاده إلَّا حقا وصحيحا، هَذَا هُو الْحَقّ الَّذِي لَا يلتفت إلى خِلَاف من خالف فِيه مِمَّن أجاز عَلَيْه الخَطَإ فِي الاجْتِهَاد لَا عَلَى القول بتصويب المجتدين الَّذِي هُو الْحَقّ والصواب عندنا وَلَا عَلَى القول الآخر بأن الْحَقّ فِي طَرَف وَاحِد لِعصْمَة نَبِيّ ﷺ مِن الخَطَإ فِي الاجْتِهَاد فِي الشَّرْعِيَّات وَلِأَنّ الْقَوْل فِي تَخْطِئَة المُجْتَهِدِين إنَّمَا هُو بَعْد اسْتِقْرَار الشَّرْع وَنَظَر النَّبِيّ ﷺ وَاجْتِهادُه إنَّمَا هُو فِيمَا لَم يُنْزَل عَلَيْه فيه شئ وَلَم يُشْرَع لَه قَبْل، هَذَا فِيمَا عَقد عَلَيْه النَّبِيّ ﷺ قَلْبَه فأمَّا مَا لَم يَعْقِد عَلَيْه قَلْبَه من أمْر النَّوَازِل الشَّرْعِيَّة فَقَد كَان لَا يَعْلَم مِنْهَا أوَّلًا إلَّا مَا عَلَّمَه اللَّه شَيْئًا شَيْئًا حَتَّى اسْتَقَرّ عِلْم جُمْلَتِهَا عِنْدَه إِمَّا بِوَحْي مِن اللَّه أَو إذْن أن يَشْرَع فِي ذَلِك وَيَحْكُم بِمَا أرَاه اللَّه وَقَد كَان يَنْتَظِر الْوَحْي فِي كَثِير مِنْهَا وَلكِنَّه لَم يَمُت حَتَّى اسْتَفْرَغ عِلْم جَمِيعِهَا عِنْدَه ﷺ وَتَقَرَّرَت مَعَارِفُهَا لَدَيْه عَلَى التَّحْقِيق وَرَفْع الشَّكّ وَالرَّيْب وَانْتِفَاء الجَهْل وَبِالجُمْلَة فَلَا يَصِحّ منه الجهل بشئ من تَفَاصِيل الشَّرْع الَّذِي أمر بالدَّعْوَة إليْه إذ

стр. 500

لَا تَصِحّ دَعْوَتُه إلى مَا لا يَعْلَمُه وَأَمَّا مَا تَعَلَّق بَعَقْدِه من مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَخَلق اللَّه وَتَعْيين أسْمَائِه الْحُسْنى وَآيَاتِه الْكُبْرَى وَأُمُور الآخِرَة وَأشْرَاط الساعة وأحْوَال السُّعَدَاء وَالأشْقِيَاء وَعِلْم مَا كَان وَمَا يَكُون مِمَّا لَم يعلمه إلا بِوَحْي فَعَلى مَا تَقَدَّم من أنَّه مَعْصُوم فِيه لَا يَأْخُذُه فِيمَا أُعْلِم مِنْه شَكّ وَلَا رَيْب بَل هُو فِيه عَلَى غَايَة اليَقِين لكنَّه لَا يُشْتَرَط لَه الْعِلْم بِجَمِيع تَفَاصِيل ذَلِك وَإن كَان عِنْدَه من عِلْم ذَلِك مَا لَيْس عِنْد جَمِيع الْبَشَر لِقَوْلِه ﷺ (إِنِّي لَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي رَبِّي) وَلِقَوْلِه وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قرة أعين) وَقَوْل مُوسَى لِلخضر (هل أتبعك لى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا علمت رشدا) وَقَوْلُه ﷺ (أَسْألُكَ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى مَا عَلِمْتَ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ) وَقَوْلُه (أَسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوِ لتأثرت بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ) وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) قَال زيد بن أسلم وَغَيْرُه حَتَّى يَنْتَهِي الْعِلْم إِلَى اللَّه وَهَذَا مَا لَا خَفَاء بِه إذ مَعْلُومَاتُه تَعَالَى لَا يُحَاط بِهَا وَلَا مُنْتَهى لَهَا، هَذَا حُكْم عَقْد النَّبِيّ ﷺ فِي التَّوْحِيد وَالشَّرْع وَالْمَعَارِف وَالْأُمور الدَّينِية فصل وَاعَلم أَنّ الْأُمَّة مُجْمعة عَلَى عِصْمة النَّبِيّ ﷺ مِن الشَّيْطَان وَكِفَايَتِه مِنْه لَا فِي جِسمِه بِأنْوَاع الأَذَى وَلَا عَلَى خَاطِرِه بِالوْسَاوِس وَقَد أَخْبَرَنَا الْقَاضِي الْحَافِظ أَبُو عَلِيّ ﵀ قَال حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونَ الْعَدْلُ حدثنا أبو بكر البرقاني وغيره حدثنا أَبُو الْحَسَنِ

стр. 501

الدَّارَقُطْنِيُّ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ التَّرْقُفِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قال رسول الله ﷺ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ) قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ (وَإِيَّايَ وَلِكِنَّ اللَّهَ تعالى أعاني عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ) * زَاد غَيْرِه عَن منصور (فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ) وَعَن عَائِشَة بمعناه رُوِي فَأسْلَم بِضَم المِيم أَي فَأسْلَم أَنَا مِنْه وَصَحَّح بَعْضُهُم هَذِه الرَّوَايَة وَرَجَّحَهَا، وَرُوي فَأسْلَم يعني القَرِين أنَّه انْتَقَل عَن حَال كُفْرِه إِلَى الْإِسْلَام فَصَار لَا يَأْمُر إلَّا بِخَيْر كَالمَلك، وَهُو ظَاهِر الْحَدِيث، وَرَوَاه بَعْضُهُم فَاسْتَسْلَم قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل وَفَّقَه اللَّه فَإِذَا كَان هَذَا حُكْم شَيْطَانِه وقرينه المسلط عَلَى بَنِي آدَم فَكَيْف بِمَن بَعْد مِنْه وَلَم يَلْزَم صُحْبَتَه وَلَا أُقْدِر عَلَى الدُّنُوّ مِنْه؟ وَقَد جَاءَت الآثار بِتَصَدّي الشَّيَاطِين لَه في غير موطن رغبة في إطماء نُوره وَإماتَة نَفْسِه وَإدْخَال شُغْل عَلَيْه إِذ يئِسُوا من إغْوَائِه فانْقَلبُوا خَاسِرين كَتَعَرُّضِه لَه فِي صَلَاتِه فَأخَذَه النَّبِيّ ﷺ وَأسَرَه * فَفِي الصَّحَاح قَال أَبُو هُرَيْرَة عَنْه ﷺ (إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي - قَال عبد الرَّزَّاق فِي صُورَةِ؟ ؟ ؟ - فَشَدَّ عَلَيَّ يَقْطَعُ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكنِنِي اللَّهُ

стр. 502

مِنْهُ فَذَعَتُّهُ وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوثِقَهُ إِلَى سَارِيَةٍ حَتَّى تُصِبحُوا تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي ملكا) الآيَةَ، فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا) * وَفِي حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء عَنْه ﷺ (إن عَدُوُّ اللَّهِ إِبْلِيسُ جَاءَنِي بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي، وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ وَذَكَرَ تَعَوذَهُ بِاللَّهِ مِنْهُ ولعنه لَهُ ثُمَّ أَرَدْتُ آخُذُهُ) ، وَذَكَرَ نَحْوَهُ وَقَال (لأَصْبَحَ مُوثَقًا يَتَلاعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِهِ فِي الْإِسْرَاء (وَطَلَب عفريت له بشعلة نار فعلمه جبريل ما يتعوذ به منه) ذكره في الموطإ، ولما لم يقدر على أداه بِمُبَاشَرَتِه تَسَبَّب بالتَّوَسُط إلى عِدَاه كَقَضيته مَع قُرَيْش فِي الائْتِمَار بِقَتْل النَّبِيّ ﷺ وَتَصوُّرِه فِي صُورَة الشَّيْخ النَّجْدِيّ وَمَرَّة أخْرَى فِي غَزْوَة يَوْم بَدْر فِي صُورَة سُرَاقَة بن مالك وَهُو قَوْله (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) الآيَة، وَمَرَّة يُنْذر بِشَأنِه عِنْد بَيْعَة العفية، وَكُلّ هَذَا فَقَد كَفَاه الله أمْرَه وَعَصَمَه ضُرَّه وَشَرَّه وَقَد قَال ﷺ (إِنَّ عِيسَى ﵇ كُفِيَ مِنْ لَمْسِهِ فَجَاءَ لِيَطْعَنَ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِهِ حِينَ وُلِدَ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ) وَقَالَ ﷺ حِينَ لُدَّ فِي مَرَضِهِ وَقِيل لَه خَشينا أن يكون بك

стр. 503

ذَات الجَنْب فَقَال (إِنَّهَا مِنَ الشَّيْطَانِ وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيُسَلِّطَهُ عَلَيَّ) فَإِن قِيل فَمَا مَعْنَي قَوْلِه تَعَالَى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) الآيَة؟ فَقَد قَال بَعْض الْمُفَسّرِين إنها رَاجِعَة إِلَى قَوْلِه (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) ثُمَّ قَال وإما يَنْزَغَنَّكَ أَي يَسْتَخِفَّنَّكَ غَضَبٌ يَحْمِلُكَ عَلَى تَرْكِ الإِعْرَاضِ عَنْهُمْ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ، وَقِيلَ النزع هُنَا الْفَسَاد كَمَا قَال (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) وقيل ينرغنك يغرينك ويخركنك، والنزع أدْنى الْوَسْوَسَة فأمَرَه اللَّه تَعَالَى أنَّه مَتَى تَحَرَّك عَلَيْه غَضَبٌ عَلَى عَدُوِّهِ أَو رَام الشَّيْطَان من إغْرَائِه بِه وَخَوَاطِر أدْنى وَسَاوِسِه مَا لم يُجعَل لَه سَبِيل إليْه أن يَسْتَعِيذ مِنْه فَيُكْفى أمْرُه وَيَكُون سبب نمام عِصْمِته إذ لَم يُسَلَّط عَلَيْه بِأكْثَر مِن التَّعَرُّض لَه وَلَم يُجْعَل لَه قُدْرَة عَلَيْه وَقَد قِيل فِي هَذِه الآيَة غَيْر هَذَا وَكَذَلِك لَا يَصِحّ أن يُتَصَور لَه الشَّيْطَان فِي صُورَة المَلَك وَيُلَبَّس عَلَيْه لَا فِي أَوَّل الرّسَالة وَلَا بَعْدَهَا وَالاعْتِمَاد فِي ذَلِك دَلِيل المُعْجِزة بَل لَا يَشُكّ النَّبِيّ أَنّ مَا يَأتِيه مِن اللَّه المَلَك وَرَسُولُه حَقِيقَة إِمَّا بِعِلْم ضَرُورِي يَخْلُقُه اللَّه لَه أَو بِبُرْهَان يُظْهِرُه لديه لِتَتمّ كلمة رَبّك صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدّل لِكَلِمَاتِه. فَإِن قِيل فَمَا مَعْنَي قوله تعالى: (وما أرسلنا منى قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) الآيَة؟ فاعلم أَنّ لِلنَّاس فِي مَعْنَي هَذِه الآيَة أقاوِيل مِنْهَا السَّهْل وَالْوَعْث *

стр. 504

وَالسَّمِين والغَثّ، وَأوْلى مَا يُقَال فِيهَا مَا عَلَيْه الجمهور من المفسرين أن التمنى ههُنَا التَّلاوَة وَإلْقَاء الشَّيْطَان فِيهَا إشْغَاله بِخَوَاطِر وَأذَكَار من أمور الدنيا لليالي حَتَّى يُدْخِل عَلَيْه الْوَهْم وَالنّسْيَان فِيمَا تَلاه أَو يُدْخِل غَيْر ذَلِك عَلَى أفهَام السَّامِعِين مِن التحريف وَسُوء التَّأوِيل مَا يُزِيلُه اللَّه وَيَنْسَخُه وَيَكْشِف لَبْسَه وَيُحْكم آياتِه وَسَيَأتَي الْكَلَام عَلَى هَذِه الآيَة بعد بِأشْبَع من هَذَا إن شَاء اللَّه، وَقَد حكى السَّمْرَقَنْدِيّ إنْكَار قَوْل من قال بتسلط الشَّيْطَان عَلَى مُلْك سليمان وغلبته عليه وَأَنّ مِثْل هَذَا لَا يَصحّ وَقَد ذَكَرْنا قِصَّة سُلَيْمَان مُبَيَنَة بَعْد هَذَا وَمِن قَال إنّ الجَسَد هُو الوَلَد الَّذِي وُلِد لَه، وَقَال أَبُو مُحَمَّد مَكّيّ فِي قِصَّة أيُّوب وَقَوْلُه: (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وعذاب) أنه لا يجوز لأحد أن ينازل أَنّ الشَّيْطَان هُو الَّذِي أمْرَضه وَألْقَى الضُّرّ فِي بَدَنِه ولا يَكُون ذَلِك إلَّا بِفِعْل اللَّه وَأمْرِه لِيَبْتَلِيَهُم وَيُثِيبهُم. قَال مَكّيّ: وَقِيل إنّ الَّذِي أصَابَه الشَّيْطَان مَا وَسْوَس بِه إِلَى أهله فَإِنّ قُلْت: فَمَا مَعْنَي قَوْلِه تَعَالَى عَن يوشَع: - وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ) وَقَوْلُه عَن يُوسُف: (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) وقَوْل نَبِيَّنَا ﷺ حِين نَام عَن الصَّلَاة يَوْم الْوَادِي: (إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ) وَقَوْل مُوسَى ﵇ فِي وَكْزَتِه: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) فاعْلَم أَنّ هَذَا الْكَلَام قَد يَرد فِي جميع خذا عَلَى مَوْرِد مُسْتَمِرّ كَلَام الْعَرَب فِي وَصْفِهِم كُلّ قَبح من شَخْص أَو فَعْل بالشَّيْطَان أَو فِعْلِه كَمَا قَال تَعَالَى: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رؤس الشياطين) وَقَال ﷺ : (فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) ، وأيضا فَإِنّ قَوْل يُوشَع لَا يَلْزَمُنَا الجواب

стр. 505

عَنْه، إذ لَم يَثْبُت لَه فِي ذَلِك الوقت نُبُوَّة مَع مُوسَى، قَال اللَّه تَعَالَى: (وإذ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ) وَالمَرْوِيّ أنَّه إنَّمَا نبى بَعْد مَوْت مُوسَى وَقِيل: قُبَيْل مَوْتِه، وقول مُوسَى كَان قَبْل نُبُوَّتِه بِدَلِيل الْقُرْآن وقصة يُوسُف قَد ذُكِر أنَّهَا كَانَت قَبْل نُبُوَّتِه، وقد قال المفسرون في قوله: (أنساه الشيطان) قَوْلَيْن: أحَدُهُمَا: أَنّ الَّذِي أنْسَاه الشَّيْطَان ذَكَر رَبَّه أحد صَاحِبي السّجْن وَرَبَّه المَلك: أَي أنْسَاه أَنّ يَذْكُر لِلْمَلِك شَأْن يُوسُف ﵇، وأيضا فَإِنّ مِثْل هَذَا من فعل الشَّيْطَان لَيْس فِيه تسلط عَلَى يُوسُف ويوشع بوساوس ونزغ وَإِنَّمَا هُو بشغل خواطر هما بِأُمُور أُخَر وَتَذْكِيرِهِما من أُمُورِهِمَا مَا يُنْسِيهِمَا مَا نَسِيَا، وَأَمَّا قَوْله ﷺ : (إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ) فَلَيْس فِيه ذِكْر تَسَلُّطِه عَلَيْه وَلَا وَسْوَسَتِه لَه بَل إنّ كَان بِمُقْتَضى ظَاهرِه فَقَد بَيْن أمْر ذَلِك الشَّيْطَان بِقَوْلِه: (إن شيطان أَتَى بِلالًا فَلَمْ يَزَلْ يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ) فَاعْلَم أَنّ تَسَلُّط الشَّيْطَان فِي ذَلِك الْوَادِي إنَّمَا كَان عَلَى بلال الْمُوَكَّل بِكَلاءَة الْفَجْر، هَذَا إنّ جَعَلْنَا قَوْله: (إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ) تَنْبِيهًا عَلَى سَبَب النّوْم عَن الصَّلَاة، وَأَمَّا إنّ جَعَلْنَاه تَنْبِيهًا عَلَى سَبَب الرَّحِيل عَن الْوَادِي وَعِلَّة لِتَرْك الصَّلَاة بِه وَهُو دَلِيل مَسَاق حَدِيث زَيْد بن أسْلَم فَلَا اعْتِرَاض بِه فِي هَذَا الْبَاب لِبَيَانِه وإرتفاع إشكاله.

стр. 506

فصل وَأَمَّا أقْوَالُه ﷺ فَقَد قَامَت الدَّلائِل الْوَاضِحَة بصحَّة المُعْجِزَة عَلَى صِدْقِه وَأَجْمَعَت الْأُمَّة فِيمَا كَان طَرِيقُه البَلاغ أنَّه مَعْصُوم فِيه من الأخبار عن شئ مِنْهَا بِخِلَاف مَا هُو بِه لَا قَصْدًا وَلَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا وَلَا غَلَطًا أَمَّا تَعَمُّد الخنف فِي ذَلِك فمنْتَف بِدَلِيل المعجزة القائِمَة مَقَام قول اللَّه صَدَق فِيمَا قَال اتّفَاقًا، وَبإطْبَاق أَهْل المِلَّة إجْماعًا وَأما وُقُوعُه عَلَى جِهَة الغَلَط فِي ذَلِك فَبِهَذَه السَّبِيل عِنْد الأُسْتَاذ أَبِي إِسْحَاق الإسْفَرائِني وَمِن قَال بِقَوْلِه وَمِن جهة الإجْمَاع فَقَط وَوُرُود الشَّرْع بانْتِفَاء ذَلِك وعصمة النبي لَا من مُقْتَضَى المُعْجِزَة نَفْسِهَا عِنْد الْقَاضِي أَبِي بَكْر الْبَاقِلَّانِي وَمِن وافقه لاختلاف بَيْنَهُم فِي مُقْتَضَى دَلِيل الْمُعْجِزَة لَا نُطَوّل بِذِكْرِه فَنَخْرُج عَن غَرَض الْكِتَاب فَلْنَعْتَمد عَلَى مَا وَقَع عَلَيْه إجْمَاع المُسْلِمين أنَّه لَا يَجُوز عَلَيْه خُلْف فِي القَوْل إبْلاغ الشَّرِيعَة وَالإعْلام بِمَا أخْبَر بِه عَن رَبَّه وَمَا أوْحَاه إليْه من وَحْيِه لَا عَلَى وَجْه العَمْد وَلَا عَلَى غَيْر عَمْد وَلَا فِي حَالي الرَّضَى وَالسَّخْط وَالصَّحّة وَالمَرض، وَفِي حَدِيث عَبْد الله ابن عَمْرو قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَأَكْتُبُ كُلَّ مَا أَسْمَعُ مِنْكَ؟ قَال (نَعَم) قُلْتُ فِي الرِّضَى وَالْغَضَبَ؟ قَالَ نَعَمْ فَإِنِّي لَا أَقُولُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا حَقًّا) وَلْنَزِدْ مَا أَشَرْنَا إليْه من دَلِيل الْمُعْجِزَة عَلَيْه بَيَانًا: فَنَقُول إذَا قامت الْمُعْجِزَة عَلَى صَدْقِه وَأنَّه لَا يَقُول إلَّا حَقًّا وَلَا يُبَلّغ عَن اللَّه إلَّا صِدْقًا وَأَنّ الْمُعْجِزَة قَائِمة مَقَام قَوْل اللَّه لَه صَدَقْت فِيمَا تَذْكُرُه عني وَهُو يَقُول إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ لا بلغكم مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إليكم وأبين لَكُمْ مَا نُزِّلَ عَلَيْكُمْ (وَمَا يَنْطِقُ

стр. 507

عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) وَقَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبَّكُمْ، وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ خَبَرٌ بِخِلَافِ مُخْبَرِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، فَلَوْ جَوَّزْنَا عَلَيْهِ الْغَلَطَ وَالسَّهْوَ لَمَا تَمَيَّزَ لَنَا مِنْ غَيْرِهِ ولا اختلط الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، فَالْمُعْجِزَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَصْدَيقِهِ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنْ غير خصوص فتبريه النبي ﷺ عن ذَلِك كُلَّه وَاجِب بُرْهَانًا وَإجْماعًا كَمَا قاله أَبُو إِسْحَاق فصل وَقَد تَوَجَّهَت ههُنا لِبَعْض الطاعِنِين سُؤَالات مِنْهَا مَا رُوِي من أَنّ النَّبِيّ ﷺ لما قرأ سورة وَالنَّجْم وَقَال (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخرى) قَال تِلْك الغَرَانِيق العُلى وَإِنّ شَفَاعَتَهَا لِتُرْتَجى وَيُرْوَى تُرْتَضَى، وَفِي رِوَايَة إن شَفَاعَتَهَا لَتُرْتَجَى، وأنها لَمَع الغَرَانِيق العُلى وَفِي أُخْرَى وَالغَرَانِقَة العُلَى تِلْك الشَّفَاعَة تُرْتَجى، فَلَمّا خَتَم السُّورَة سَجَد وَسَجَد مَعَه الْمُسْلِمُون وَالكُفَّار لَمّا سَمِعُوه أثْنى عَلَى آلِهتِهِم وَمَا وقَع فِي بَعْض الروايات أَنّ الشَّيْطَان ألفاها عَلَى لِسَانِه وَأَنّ النَّبِيّ ﷺ كَان يَتَمَنَّى أَنّ لَو نَزَل عَلَيْه شئ يُقَارِب بَيْنَه وَبَيْن قَوْمِه * وَفِي رِوَايَة أُخْرَى

стр. 508

أَنّ لَا يَنْزِل عليه شئ يُنَفَّرُهُم عَنْه وَذَكَر هَذِه الْقِصَّة وَأَنّ جِبْرِيل ﵇ جَاءَه فَعَرَض عَلَيْه السُّورَة فَلَمّا بَلَغ الكلمتين قال له مَا جئْتُك بِهَاتَيْن، فَحَزِن لِذَلِك النَّبِيّ ﷺ فأنْزل اللَّه تَعَالَى تَسْلِيَة لَه (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ولا نبى) الآيَة وَقَوْلُه (وَإِنْ كادوا ليفتنونك) الآيَة، فاعْلَم أَكْرَمَك اللَّه أَنّ لَنَا فِي الْكَلَام عَلَى مُشْكل هَذَا الْحَدِيث مَأْخَذيْن أحَدُهُمَا فِي تَوْهِين أصْلِه وَالثَّاني عَلَى تَسْلِيمِه، أَمَّا الْمَأْخَذ الأوّل فَيَكْفِيك أَنّ هَذَا حَدِيث لَم يُخَرَّجْه أَحَد من أَهْل الصّحَّة وَلَا رَوَاه ثِقَة بِسَنَد سَلِيم مُتّصِل وَإِنَّمَا أُولِع بِه وَبمِثْلِه الْمُفَسِّرُون وَالْمُؤَرّخُون الْمُولَعُون بِكُلّ غَريب الْمُتَلَقّفُون من الصحف كُلّ صحيح وَسَقِيم وَصَدَق الْقَاضِي بَكْرُ بن الْعَلَاء الْمَالِكيّ حَيْث قَال لَقَد بُلِي النَّاس بِبَعْض أَهْل الأهْوَاء وَالتَّفْسِير وَتَعَلَّق بِذَلِك الْمُلحِدُون مَع ضَعْف نَقَلَتِه وَاضْطِرَاب رِوَايَاتِه وَانْقِطَاع إسْنَادِه وَاختِلَاف كَلِمَاتِه فَقَائِل يَقُول إنَّه فِي الصَّلَاة، وآخَر يَقُول قالها فِي نَادِي قَوْمِه حِين أُنْزِلَت عَلَيْه السُّورَة، وآخر يقول قالها وقد أصابته سنة، وَآخَر يَقُول بَل حدث نفسه فيها، وآخر يقول إن الشيطان قَالَهَا عَلَى لِسَانِه وَأَنّ النَّبِيّ ﷺ لَمّا عَرَضَهَا عَلَى جِبْرِيل قَال مَا هكذا أقْرَأْتُك، وَآخَر يَقُول بَل أَعْلَمَهُم الشَّيْطَان أَنّ النَّبِيّ ﷺ قَرَأَهَا، فَلَمّا بَلَغ النَّبِيّ ﷺ ذَلِك قَال والله مَا هكَذَا نَزلَت، إِلَى غَيْر ذَلِك مِن اخْتِلَاف الرُّوَاة، وَمِن حُكِيَت هَذِه الحِكَايَة عَنْه مِن الْمُفَسّرِين وَالتَّابِعِين لَم يُسْندْهَا أحَد مِنْهُم وَلَا رَفَعَهَا إِلَى

стр. 509

صَاحِب وَأكْثَر الطُّرُق عَنْهُم فِيهَا ضَعِيفَة وَاهِية وَالمَرْفُوع فِيه حَدِيث شُعْبَة عَن أَبِي بِشْر عَن سَعِيد بن جُبَيْر عَن ابن عَبَّاس قَال فِيمَا أحْسِب الشك فِي الْحَدِيث أَنّ النَّبِيّ ﷺ كَان بِمَكَّة وَذَكَر الْقِصَّة قَال أَبُو بَكْر الْبَزَّار هَذَا الْحَدِيث لَا نَعْلَمُه يُرْوَى عَن النَّبِيّ صَلَّى الله علبه وَسَلَّم بِإسْنَاد مُتَّصِل يَجُوز ذِكْرُه إلَّا هَذَا وَلَم يُسْنِدْه عَن شُعْبَة إلَّا أُمَيَّة بن خَالِد وَغَيْرُه يُرْسِلُه عَن سَعِيد بن جُبَيْر وَإِنَّمَا يُعْرَف عَن الكَلْبِيّ عَن أَبِي صالح عَن ابن عَبَّاس فَقَد بَيْن لَك أَبُو بَكْر ﵀ أنَّه لَا يُعْرَف من طَرِيق يَجُوز ذِكْرُه سِوَى هَذَا وَفِيه مِن الضَّعْف مَا نَبَّه عَلَيْه مَع وُقُوع الشك فِيه كَمَا ذَكَرَنَاه الَّذِي لَا يُوثَق بِه وَلَا حَقِيقَة مَعَه، وَأَمَّا حَدِيث الْكَلْبِي فمِمَّا لَا تَجُوز الرَّواية عَنْه وَلَا ذِكْرُه لِقُوَّة ضَعْفِه وَكَذِبِه كَمَا أشَار إليْه الْبَزَّار ﵀ وَالَّذِي مِنْه فِي الصحيح أن النبي ﷺ قَرَأَ وَالنَّجْمِ وَهُوَ بِمَكَّةَ فَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ، هَذَا تَوْهِينُهُ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ، فَأَمَّا من جِهة الْمَعْنَى فَقَد قَامَت الْحُجَّة وَأَجْمَعت الأُمَّة عَلَى عِصْمَتِه ﷺ وَنَزَاهِتِه عَن مثل هذه الرذبلة إِمَّا من تَمَنَّيه أن يُنْزَل عَلَيْه مِثْل هَذَا من مَدْح آلِهة غَيْر اللَّه وَهُو كُفْر أَو أن يَتَسَوَّر عَلَيْه الشَّيْطَان وَيُشَبَّه عَلَيْه الْقُرْآن حَتَّى يَجْعل فِيه مَا لَيْس مِنْه وَيَعْتقَد النَّبِيّ ﷺ أَنّ مِن الْقُرْآن مَا لَيْس مِنْه حَتَّى يُنَبّهَه جِبْرِيل ﵇ وَذَلِك كُلُّه مُمْتَنِع فِي حَقَّه ﷺ أَو يَقُول ذَلِك النَّبِيّ ﷺ من قِبَل نَفْسِه عَمْدًا - وَذَلِك كُفْر - أَو سَهْوًا وهو مَعْصُوم من هَذَا كله وَقَد قَرَّرْنا بِالبَرَاهِين وَالإجْماع عِصْمَتَه ﷺ من جَرَيان

стр. 510

الْكُفْر عَلَى قَلْبِه أَو لِسَانِه لَا عَمْدًا وَلَا سَهُوًا أَو أن يَتَشَبّه عَلَيْه مَا يُلْقِيه الْمُلْك مِمَّا يُلْقي الشَّيْطَان أَو يَكُون لِلشَّيْطَان عَلَيْه سَبِيل أَو أن يَتَقَوَّل عَلَى اللَّه لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا مَا لَم يُنْزَل عَلَيْه وَقَد قَال اللَّه تَعَالَى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل) الآية، وقال تَعَالَى (إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) الآيَة، وَوَجْه ثان وَهُو اسْتِحَالة هَذِه الْقِصَّة نَظَرًا وَعُرْفًا وَذَلِك أَنّ هَذَا الْكَلَام لَو كَان كما رُوِي لكان بعيد الالْتِئَام مُتَنَاقِض الْأَقْسَام مُمْتَزِج المدح بالضم مُتَخاذِل التَّأْلِيف وَالنّظْم وَلَمَّا كَان النَّبِيّ ﷺ وَلَا من بِحَضْرَتِه مِن الْمُسْلِمِين وَصَنَادِيد المُشْرِكِين مِمَّن يَخْفى عَلَيْه ذَلِك وَهَذَا لَا يَخْفَى عَلَى أدْنى مُتَأمّل فَكَيْف بِمَن رَجَح حِلْمُه وَاتَّسَع فِي باب الْبَيَان؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ فَصِيح الْكَلَام عِلْمُه، وَوَجْه ثالث أنَّه قَد عُلِم من عَادَة المُنَافِقِين وَمُعَانِدِي المُشْرِكِين وضَعَفَه الْقُلُوب وَالجَهَلَة مِن المُسْلِمِين نُفُورُهُم لأوَّل وَهْلَة وَتَخْلِيط الْعَدُوّ عَلَى النَّبِيّ ﷺ لِأَقَلّ فِتْنَة وَتَعْييرُهُم المُسْلِمِين وَالشَّمَاتَة بِهِم الْفَيْنَة بَعْد الْفَيْنَة وَارْتِدَاد من فِي قَلْبِه مَرَض مِمَّن أظْهَر الإسلام لأدنى شُبْهَة وَلَم يَحْك أحَد فِي هَذِه الْقِصَّة شَيْئًا سوى هَذِه الرّوَايَة الضَّعِيفَة الْأَصْل وَلَو كَان ذَلِك لَوَجَدَت قُرَيْش بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِين الصَّوْلَة وَلأقَامَت بِهَا الْيَهُود عَلَيْهِم الْحُجَّة كَمَا فَعَلُوا مُكَابَرَة فِي قِصَّة الْإِسْرَاء حَتَّى كَانَت فِي ذلك لبعض

стр. 511

الضُّعَفَاء رِدَة وَكَذَلِك مَا رُوِي فِي قِصَّة القضِيَّة وَلَا فِتْنَة أعْظَم من هَذِه البلية لَو وُجِدَت وَلَا تَشْغِيب للمُعَادِي حِينئذ أشَد من هَذِه الحَادِثَة لَو أمْكَنَت فَمَا رُوِي عَن مُعَانِد فِيهَا كَلِمة وَلَا عَن مُسْلِم بسببها بِنْت شَفَة فَدَلّ عَلَى بُطْلِها واجْتثَاث أصْلِها وَلَا شَكّ فِي إدْخَال بَعْض شَيَاطِين الإنس أَو الجِنّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى بَعْض مُغَفَّلي المحدثين ليلبسن بِه عَلَى ضُعَفاء الْمُسْلِمِين. وَوَجْه رَابع ذَكَر الرُّوَاة لِهَذِه القَضِيَّة أَنّ فِيهَا نَزَلَت (وَإِنْ كَادُوا ليفتنونك) الآيَتَيْن، وَهَاتان الآيتان تَرُدَّان الخَبَر الَّذِي رَوَوْه لِأَنّ اللَّه تَعَالَى ذَكَر انهم كَادُوا يَفْتِنُونَه حَتَّى يَفْتَرِي وَأنَّه لولا أن ثبته لَكَاد يَرْكَن إِلَيْهِم فَمَضْمُون هَذَا وَمَفْهُومُه أن الله تعالى عصمه من أَنّ يَفْتَرى وَثَبَّتَه حَتَّى لَم يَرْكَن اليهم قلِيلًا فَكَيْف كَثِيرا وهم يرون فِي أخْبَارِهم الْوَاهِيَة أنَّه زَاد عَلَى الرُّكُون وَالافْتِرَاء بِمَدْح آلِهَتِهِم وَأنَّه قَال ﷺ : (افْتَرَيْتَ عَلَى اللَّهِ وَقُلْتَ مَا لَمْ يَقُلْ) وَهَذَا ضِدّ مَفْهُوم الآية وَهِي تضعف الْحَدِيث لَو صَحّ فَكَيْف وَلَا صِحَّة لَه؟ وَهَذَا مِثْل قَوْلِه تَعَالَى فِي الآيَة الأخرى (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يضرونك من شئ) وَقَد رُوِي عَن ابن عَبَّاس كُلّ مَا فِي الْقُرْآن كاد فَهُو مَا لَا يَكُون قَال اللَّه تَعَالَى (يَكَادُ سنابرقه يذهب بالأبصار) وَلَم يَذْهَب وَأَكَاد أُخْفِيهَا وَلَم يَفْعَل، قَال الْقُشَيْرِيّ الْقَاضِي وَلَقَد طَالَبَه قُرَيْش وَثَقيف إذ مَرّ بآلِهتِهِم أن يُقْبل بوَجْهِه إِلَيْهَا وَوَعَدُوه الْإِيمَان بِه إنّ فعل فما فَعَل وَلَا كَان لِيَفْعَل، قَال ابن الأنْبَارِيّ مَا قَارَب الرَّسُول وَلَا رَكَن وَقَد ذُكرَت فِي مَعْنَي هَذِه الآيَة تَفَاسِير

стр. 512

أُخَر مَا ذَكَرَناه من نص اللَّه عَلَى عِصْمَة رسوله تَرُدّ سِفْسافَهَا فَلَم يَبْق فِي الآيَة إلَّا أَنّ اللَّه تَعَالَى امْتَنّ عَلَى رسوله بِعِصْمِتِه وتَثْبِيتِه بِمَا كادَه بِه الكُفَّار وَرَامُوا من فِتْنَتِه وَمُرَادُنَا من ذَلِك تَنْزِيهُه وَعِصْمَتُه ﷺ وَهُو مَفْهُوم الآيَة، وَأَمَّا المَأْخَذ الثاني فَهُو مَبْنِي عَلَى تَسِليم الْحَدِيث لَو صَحّ وَقَد أعاذَنا اللَّه من صِحَّتِه وَلَكِن عَلَى كُلّ حَال فَقَد أجَاب عَن ذَلِك أئمة الْمُسْلِمِين بأجْوبة مِنْهَا الغَثّ وَالسَّمِين فَمِنْهَا مَا رَوَى قَتَادَة وَمُقَاتِل أَنّ النَّبِيّ ﷺ أصَابَتْه سِنَة عِنْد قِرَاءَتِه هَذِه السُّورَة فَجَرَى هَذَا الْكَلَام عَلَى لِسَانِه بِحُكْم النَّوْم وَهَذَا لَا يَصِحّ إِذ لَا يَجُوز عَلَى النَّبِيّ ﷺ مِثْلُه فِي حَالَة من أحْوالِه وَلَا يَخْلُقُه اللَّه عَلَى لِسَانِه وَلَا يَسْتَوْلِي الشَّيْطَان عَلَيْه فِي نَوْم وَلَا يَقَظَة لِعِصْمَتِه فِي هَذَا الْبَاب من جَمِيع الْعَمْد وَالسَّهْو وَفِي قَوْل الْكَلْبِيّ أَنّ النَّبِيّ ﷺ حَدَّث نَفْسَه فَقَال ذَلِك الشَّيْطَان عَلَى لِسَانِه، وَفِي رِوَايَة ابن شِهَاب عَن أَبِي بَكْر بن عَبْد الرَّحْمن قَال وَسَهَا فَلَمّا أُخْبِر بِذَلِك قَال إنَّمَا ذَلِك مِن الشَّيْطَان وَكُلّ هذه لَا يَصِحّ أن يَقُولَه النَّبِيّ ﷺ لَا سَهْوًا وَلَا قَصْدًا وَلَا يَتَقَوَّلِه الشَّيْطَان عَلَى لِسَانِه وَقِيل لَعَلّ النَّبِيّ ﷺ قالَه أثْنَاء تِلاوَتِه عَلَى تَقْدِير التَّقْرِير وَالتَّوْبِيخ لِلْكُفّار كقَوْل إبْرَاهِيم ﵇ هَذَا رَبِّي عَلَى أَحَد التَّأْوِيلات وَكَقَوْلِه بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا بَعْد السَّكُت وَبَيَان الْفَصل بَيْن الْكَلامَيْن ثُمّ رَجَع إِلَى تلاوته وهذا يمكن مَع بَيَان الْفَصل وَقَرِينَة تَدُلّ عَلَى الْمُرَاد وَأنَّه لَيْس مِن الْمَتْلُو وَهُو أَحَد مَا ذَكَرَه الْقَاضِي أَبُو بَكْر وَلَا يُعْتَرَض عَلَى هَذَا بِمَا رُوِي أنه

стр. 513

كَان فِي الصَّلَاة فَقَد كَان الْكَلَام قَبْل فِيهَا غَيْر مَمْنُوع والذي يَظْهَر وَيَتَرَجَّح فِي تأْوَيله عِنْدَه وعند غَيْرِه مِن الْمُحَقّقين عَلَى تَسْلِيمِه أَنّ النَّبِيّ ﷺ كَان كَمَا أمَرَه ربه يُرَتّل الْقُرْآن تَرْتِيلًا وَيُفَصّل الآي تَفْصِيلًا فِي قِرَاءَتِه كَمَا رَوَاه الثّقَات عَنْه فَيُمْكِن تَرَصُّد الشَّيْطَان لِتِلْك السَّكَتَات وَدَسُّه فيها ما اختلفه من تِلْك الْكَلِمَات مُحَاكِيًا نَغْمَة النَّبِيّ ﷺ بَحَيْث يَسْمَعُه من دَنَا إليْه من الكفا فَظَنُّوها من قول النَّبِيّ ﷺ وَأشَاعُوهَا وَلَم يَقْدَح ذَلِك عِنْد الْمُسْلِمِين بِحْفظ السُّورَة قَبْل ذَلِك عَلَى مَا أنْزَلَهَا اللَّه وَتَحَقُّقِهم من حَال النَّبِيّ ﷺ فِي ذَمّ الْأَوْثَان وعيبها عُرِف مِنْه وَقَد حَكى مُوسَى بن عُقْبَة فِي مَغَازِيه نَحْو هَذَا، وَقَال إنّ الْمُسْلِمِين لَم يَسْمَعُوهَا وَإِنَّمَا ألْقَى الشَّيْطَان ذَلِك فِي أسْمَاع الْمُشْرِكِين وَقُلُوبِهِم وَيَكُون مَا رُوِي من حُزْن النَّبِيّ ﷺ لهذه الإشَاعَة وَالشُّبْهَة وَسَبَب هَذِه الفِتْنَة وَقَد قَال الله تعالى (وما أرسلنا من قبلكم مِنْ رَسُولٍ وَلا نبى) الآيَة فَمَعْنَي تَمَنَّى: تلا، قَال اللَّه تَعَالَى: (لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ) أَي تِلَاوَة وَقَوْلُه (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشيطان) أَي يُذْهِبُه وَيُزِيِل اللَّبْس بِه وَيُحْكِم آياتِه، وَقِيل مَعْنَي الآيَة هُو مَا يَقَع لِلنَّبِيّ ﷺ مِن السَّهْو إذَا قَرَأ فَيَنْتَبِه لِذَلِك وَيَرْجع عَنْه وَهَذَا نَحْو قول الكلْبِيّ فِي الآيَة أنه حَدَّث نَفْسَه وَقَال إذَا تَمَنَّى أَي حَدَّث نَفْسَه، وَفِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بن عَبْد الرَّحْمن نَحْوَه وَهَذَا السَّهْو فِي القِرَاءَة إنَّمَا يَصِحّ فِيمَا لَيْس طَرِيقُه تَغْيير المَعَانِي وتبديل الألفاظ

стр. 514

وَزِيَادَة مَا لَيْس مِن القرآن بَل السَّهْو عن إسقاط آية منه أو كلمة ولكنه لا يقر على هذا السهو بَل يُنَبَّه عَلَيْه وَيُذَكَّر بِه لِلحِين عَلَى مَا سَنَذْكُرُه فِي حُكْم مَا يَجُوز عَلَيْه مِن السهو وَمَا لَا يَجُوز وَمِمَّا يَظْهَر فِي تأْويلِه أيْضًا أَنّ مُجَاهِدًِا رَوَى هَذِه الْقِصَّة وَالغَرَانِقَة العُلَى فإن سَلَّمْنا الْقِصَّة قُلْنَا لَا يَبْعُد أَنّ هَذَا كَان قُرْآنًا وَالمُرَاد بِالْغَرانِقَةِ الْعُلَى وأن شفاعتهن لتربحي الْمَلَائِكَة عَلَى هَذِه الرّوَايَة وبهذا فَسَّر لكلى الغَرَانِقَة أنَّهَا الْمَلَائِكَة وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون الْأَوثَان وَالْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه كَمَا حَكى اللَّه عَنْهُم وَرَد عَلَيْهِم فِي هَذِه السُّورَة بِقَوْلِه (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى) فأنكَر اللَّه كُلّ هَذَا من قَوْلِهم وَرَجَاء الشَّفَاعَة مِن الْمَلَائِكَة صَحِيح فَلَمّا تَأوَّلَه المُشْرِكُون عَلَى أَنّ المُرَاد بَهَذَا الذكر آلهتهم وليس عَلَيْهِم الشَّيْطَان ذَلِك وزَيَّنَه فِي قُلُوبِهِم وَألْقَاه إلَيْهِم نَسَخ اللَّه مَا ألقى الشَّيْطَان وأحْكَم آياتِه وَرَفَع تِلَاوَة تِلْك اللَّفْظَتْين اللَّتَيْن وَجَد الشَّيْطَان بهما سَبيلًا للإلْباس كَمَا نُسِخ كَثِير مِن الْقُرْآن وَرُفِعَت تِلَاوَتُه وَكَان فِي إنْزَال اللَّه تَعَالَى لِذَلِك حِكْمَة وَفِي نَسْخِه حِكْمَة لِيُضِلّ بِه من يَشَاء وَيَهْدي من يَشَاء وَمَا يُضِلّ بِه إلَّا الفاسِقين وَ (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) الآية - وَقِيل إن النبي ﷺ لَمّا قَرَأ هَذِه السُّورَة وَبَلَغ ذكرت اللات وَالعُزَّى وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى خَاف الكُفَّار أن يَأتِي بشئ من ذَمّهَا فَسَبَقُوا إلى مدحها

стр. 515

بِتِلَك الكلِمَتْين لِيُخَلّطُوا فِي تِلَاوَة النَّبِيّ ﷺ وبشنعوا عَلَيْه عَلَى عَادِتِهِم وقوْلِهِم (لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) ونُسِب هَذَا الفِعْل إِلَى الشَّيْطَان لِحَمْلِه لَهُم عَلَيْه وَأَشَاعُوا ذَلِك وَأَذَاعُوه وَأَنّ النَّبِيّ ﷺ قالَه فَحَزِن لِذَلِك من كَذبِهِم وَافتِرَائِهِم عَلَيْه فَسَلَّاه اللَّه تَعَالَى بِقَوْلِه (وَمَا أَرْسَلْنَا من قبلك) الآيَة، وَبَيْن لِلنَّاس الْحَقّ من ذَلِك مِن الْبَاطِل وَحَفِظ الْقُرْآن وَأحْكَم آياتِه وَدَفَع مَا لَبَّس بِه العَدُوّ كَمَا ضَمِنَه تَعَالَى من قَوْلِه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون) وَمِن ذَلِك مَا رُوِي من قِصَّة يُونُس ﵇ أنَّه وَعَد قَوْمَه العذاب عن رَبَّه فَلَمّا تَابُوا كُشِف عَنْهُم العذاب فَقَال لَا أرْجِع إِلَيْهِم كَذَّابًا أبدًا فَذَهَب مُغَاضِبًا. فاعْلَم أَكْرَمَك اللَّه أَنّ لَيْس فِي خَبَر مِن الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي هَذَا الْبَاب أَنّ يُونُس ﵇ قَال لَهُم إنّ اللَّه مُهْلِكَهُم وَإِنَّمَا فِيه أنَّه دَعَا عَلَيْهِم بالْهَلاك، وَالدُّعَاء لَيْس بِخَبَر يُطْلَب صِدْقُه من كَذبِه، لكنه قَال لَهُم إنّ العذاب مُصَبّحُكُم وقت كذا وكذا فكان ذلك كَمَا قَال ثُمّ رَفَع اللَّه تَعَالَى عَنْهُم العذاب وَتَدَارَكَهُم، قَال اللَّه تَعَالَى (إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ) الآيَة وَرُوي فِي الْأَخْبَار أَنَّهُم رَأَوْا دَلَائِل الأعذاب وَمَخَايِلَه، قاله ابن مَسْعُود، وَقَال سَعِيد بن جُبَيْر غَشَّاهُم الْعَذَاب كما يُغَشّى الثَّوْب الْقَبَر. فإن قُلْت فَمَا مَعْنَي مَا رُوِي أَنّ عَبْد اللَّه بن أَبِي سَرْح كَان يَكْتُب لِرَسُول اللَّه ﵌ ثُمّ ارْتَدّ مُشْرِكًا وَصَار إِلَى قُرَيْش فَقَال لَهُم إنّي كُنْت أُصَرّف مُحَمَّدًا حَيْث أُرِيد كَان يُمْلِي عَلِيّ عَزيز حَكِيم

стр. 516

فَأقُول أَو عَلِيم حَكِيم؟ فَيَقُول نَعَم كُلّ صَوَاب، وَفِي حَدِيث آخَر فَيَقُول لَه النَّبِيّ ﷺ (اكْتُبْ كَذَا) فَيَقُولُ أَكْتُبُ كَذَا: فَيَقُولُ: (اكْتُبْ كَيْفَ شِئْتَ) وَيَقُولُ اكْتُبْ عَلِيمًا حَكِيمًا فَيَقُولُ اكْتُبْ سَمِيعًا بَصِيرًا؟ فَيَقُولُ لَهُ اكْتُبْ كَيْفَ شِئْتَ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ نَصْرَانِيًّا كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بعد ما أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ وَكَانَ يَقُولُ مَا يَدْرِي مُحَمَّد إلَّا مَا كَتَبْت لَه: اعلم ثَبّتَنَا اللَّه وَإيّاك عَلَى الْحَقّ وَلَا جَعَل لِلشَّيْطَان وَتَلْبِيسِه الْحَقّ بِالبَاطِل إِلَيْنَا سَبِيلًا أَنّ مِثْل هذه الحكاة أوّلًا لَا تُوقِع فِي قَلْب مُؤْمِن رَيْبًا إِذ هِي حِكَاية عَمَّن ارْتَدّ وَكَفَر بالله وَنَحْن لَا نَقْبَل خَبَر المسلم الْمُتَّهَم فَكَيْف بِكَافر افْتَرَى هُو وَمِثْلُه عَلَى اللَّه ورسوله مَا هُو أعْظَم من هَذَا؟ وَالْعَجَب لِسَلِيم العَقْل يَشْغَل بِمِثَل هَذِه الحِكَايَة سِرَّه وَقَد صَدَرَت من عَدُوّ كافر مبغض للدين مفتر على الله وَرَسُولِه وَلَم يَرِد على أحد من السملمين وَلَا ذَكَر أَحَد مِن الصَّحَابَة أنَّه شَاهَد مَا قاله وَافْترَاه عَلَى نَبِيّ اللَّه وَإِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِب الذين لَا يُؤمِنُون بِآيات اللَّه وَأُولئِك هُم الْكَاذِبون، وَمَا وَقَع من ذِكْرِهَا فِي حَدِيث أَنَس ﵁ وَظَاهِر حِكَايَتِهَا فليس فِيه مَا يَدُلّ عَلَى أنَّه شَاهَدَها وَلَعَلَّه حَكى مَا سَمِع وَقَد عَلَّل البزاز حَدِيثه ذَلِك وَقَال: رَوَاه ثَابِت عَنْه وَلَم يُتَابَع عَلَيْه، وَرَوَاه حَمِيد عَن أَنَس قَال وأظن حميدًا إنَّمَا سَمِعَه من ثابت، قَال الْقَاضِي أبو الفضل وَفَّقَه اللَّه ولهذا والله أَعْلَم لَم يُخَرّج أَهْل الصَّحِيح حَدِيث ثابت وَلَا حَمِيد والحصحيح حَدِيث عَبْد اللَّه بن عزيز بن رفيع عَن أَنَس ﵁ الَّذِي خَرَّجَه أَهْل الصّحَّة وَذَكَرْناه وَلَيْس فِيه عَن أَنَس قول شئ من ذلك من قَبْل نَفْسِه إلَّا من حِكَايَتِه عَن المُرْتَد النّصْرَانيّ

стр. 517

وَلَو كَانَت صَحِيحَة لَمّا كَان فِيهَا قَدْح وَلَا تَوْهِيم لِلنَّبِيّ ﷺ فِيمَا أُوحِي إليْه وَلَا جَوَاز لِلنّسْيَان وَالغَلَط عَلَيْه وَالتَّحْرِيف فِيمَا بَلَّغَه وَلَا طَعْن فِي نَظْم الْقُرْآن وأن من عِنْد اللَّه إِذ لَيْس فِيه لَو صَحّ أَكَثَر من أَنّ الكاتِب قَال لَه عَلِيم حَكِيم أَو كَتَبَه فَقَال لَه النَّبِيّ ﷺ كَذَلِك هُو فَسَبَقَه لِسَانُه أَو قلمه لِكَلِمَة أَو كَلِمَتَيْن مِمَّا نُزّل عَلَى الرَّسُول قَبْل إظْهَار الرَّسُول لَهَا إِذ كَان مَا تَقَدَّم مِمَّا أمْلَاه الرَّسُول يَدُلّ عَلَيْهَا وَيَقْتَضَي وُقُوعَهَا بِقُوَّة قُدْرَة الكاتِب عَلَى الْكَلَام وَمَعْرِفَته بِه وَجَوْدَة حِسّه وَفِطْنَتِه كَمَا يَتَّفِق ذَلِك لِلْعَارِف إذَا سَمِع البَيْت أن يَسْبِق إلى قافِيَتِه أَو مُبْتَدإ الْكَلَام الْحَسَن إلى مَا يَتِمّ بِه وَلَا يَتَّفِق ذَلِك فِي جُمْلَة الْكَلَام كَمَا لَا يَتَّفِق ذَلِك فِي آية وَلَا سُورَة، وَكَذَلِك قَوْلُه ﷺ أن صَحّ كُلّ صَوَاب فَقَد يَكُون هَذَا فِيمَا فِيه من مَقَاطِع الآي وَجْهَان وقراءتان أنزلنا جَميعًا عَلَى النَّبِيّ ﷺ فَأَمْلى إحْدَاهُمَا وَتَوَصَّل الكاتب بِفِطْنَتِه وَمَعْرِفَتِه بِمُقْتَضى الْكَلَام إلى الْأُخْرَى فَذَكَرَهَا لِلنَّبِيّ ﷺ فَصَوَّبَهَا لَه النَّبِيّ ﷺ ثُمّ أَحْكَم اللَّه من ذَلِك مَا أَحْكَم وَنَسَخ مَا نَسَخ كَمَا قَد وجد ذَلِك فِي بَعْض مقاطيع الآى مثله قَوْلِه تَعَالَى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الحكيم) وَهَذِه قِرَاءَة الجُمْهُور وَقَد قَرَأ جَمَاعَة فإنَّك أنْت الغَفُور الرحيم وَلَيْسَت مِن المُصْحَف وَكَذَلِك كَلِمَات جَاءَت عَلَى وَجْهَيْن فِي غَيْر المَقَاطِع قَرَأ بهما معًا الْجُمْهُور وَثَبَتَتَا فِي المُصْحَف مِثْل (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ ننشرها، وننشزها - - ويقضى اللحق، وَيَقُصّ الْحَقّ) وَكُلّ هَذَا لَا يُوجِب رَيْبًا وَلَا يُسَبّب لِلنَّبِيّ ﷺ غَلَطًا وَلَا وَهْمًا وَقَد قِيل إنّ هَذَا يحتمل

стр. 518

أَنّ يَكُون فِيمَا يَكْتُبُه عَن النَّبِيّ ﷺ إِلَى النَّاس غَيْر الْقُرْآن فَيَصِف اللَّه وَيُسَمّيه فِي ذَلِك كيف شَاء. فصل هَذَا القول فِيمَا طَرِيقُه الْبَلَاغ وَأَمَّا مَا لَيْس سبيله سبيل الْبَلَاغ مِن الْأَخْبَار التي لَا مُسْتَند لَهَا إِلَى الأحْكام وَلَا أَخْبَار الْمعَاد وَلَا تُضَاف إِلَى وَحْي بَل فِي أُمُور الدُّنْيَا وَأحْوَال نَفْسِه فالَّذِي يَجِب تَنْزِيه النَّبِيّ ﷺ عَن أن يَقَع خَبَرُه فِي شئ من ذَلِك بِخِلَاف مُخْبَرِه لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا وَلَا غَلَطًا وَأنَّه مَعْصُوم من ذَلِك فِي حَال رِضَاه وَفِي حَال سَخَطِه وَجدّه وَمَزْحِه وَصِحَّتِه وَمَرَضِه وَدَلِيل ذَلِك اتَّفَاق السَّلَف وَإجْماعُهُم عَلَيْه وَذَلِك أَنَا نَعْلَم من دِين الصَّحَابَة وَعَادَتهِم مُبَادَرتَهُم إِلَى تَصْديق جَميع أحْوالِه وللثقة بِجميع أخْبَارِه فِي أَي بَاب كَانَت وَعَن أي شئ وَقَعَت وَأنَّه لَم يَكُن لَهُم تَوَقُّف وَلَا تَرَدُّد فِي شئ مِنْهَا وَلَا اسْتِثْبَات عَن حاله عِنْد ذَلِك هَل وَقَع فِيهَا سَهْو أم لَا، ولما احْتَجّ ابن أَبِي الْحُقَيْق الْيَهُودِيّ عَلَى عُمَر حِين أجْلاهُم من خَيْبَر بإقْرَار رَسُول اللَّه ﷺ لَهُم واحْتَجّ عَلَيْه عُمَر ﵁ بِقَوْلِه ﷺ : (كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ؟) فَقَالَ الْيَهُودِيُّ كَانَتْ هُزَيْلَةُ مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ وأيضًا فَإِنّ أخْبَارَه وَآثَاره وَسِيرَه وَشَمَائِلَه مُعْتَنَى بِهَا مُسْتَقْصّى تَفَاصِيلُهَا وَلَم يَرِد فِي شئ مِنْهَا اسْتِدْرَاكُه ﷺ لِغَلَط فِي قَوْل قاله أَو اعْتِرَافُه بوَهْم فِي شئ أخْبَر بِه وَلَو كان

стр. 519

ذَلِك لَنُقِل كَمَا نُقِل من قِصَّتِه ﵇ رُجُوعُه ﷺ عَمَّا أشَار بِه عَلَى الْأَنْصَار في تلقيح النحل وَكَان ذَلِك رَأيًا لَا خَبَرًا وَغَيْر ذَلِك مِن الْأُمُور التي لَيْسَت من هَذَا الْبَاب كَقَوْلِه وَاللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأُرَى غَيْرُهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا فَعَلْتُ الَّذِي حَلَفْتُ عَلَيْهِ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَقَوْلُهُ إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ - الْحَدِيث - وَقَوْلُه اسْقِ يَا زُبَيْرُ حَتَّى يبلغ الماء الجدر كَمَا سَنُبَيِّنُ كُلَّ مَا فِي هَذَا مِنْ مُشْكِلِ مَا فِي هَذَا الْبَاب وَالَّذي بَعْدَه إن شَاء اللَّه مَع أشْبَاهِهِمَا وَأيْضًا فإن الْكَذِب مَتَى عُرف من أحَد فِي شئ مِن الْأَخْبَار بِخِلَاف مَا هُو عَلَى أَي وَجْه كَان اسْتُرِيب بِخَبَره واتُّهم فِي حَديثه وَلَم يَقَع قَوْله فِي النُّفُوس مَوْقعًا ولهذا تَرَك المُحَدّثُون وَالْعُلمَاء الْحَدِيث عَمَّن عُرِف بِالْوَهْم وَالْغَفْلَة وَسُوء الْحِفْظ وَكَثْرَة الْغَلَط مَع ثِقَتِه وَأيْضًا فَإنّ تَعَمُّد الْكَذِب في أُمُور الدُّنْيَا مَعْصِيَة وَالإكْثَار مِنْه كَبِيرَة بِإجْمَاع مُسْقِط لِلْمُرُوءَة وَكُلّ هَذَا مِمَّا يُنَزَّه عَنْه مَنْصِب النُّبُوَّة وَالمَرَّة الْوَاحِدَة مِنْه فِيمَا يستبشع ويستشنع مِمَّا يُخِلّ بِصَاحِبهَا ويزري بقائلها لا حقة بِذَلِك وَأَمَّا فِيمَا لَا يَقَع هَذَا الموْقِع فإن عَدَدْناهَا مِن الصَّغَائِر فهل تَجْرِي عَلَى حُكْمهَا فِي الخِلَاف فِيهَا مُخْتَلف فِيه وَالصَّوَاب تَنْزِيه النُّبُوَّة عَن قَلِيلِه وَكَثِيرِه وَسَهْوِه وَعَمْدِه إِذ عُمْدَة النُّبُوَّة الْبَلَاغ وَالإعْلَام وَالتَّبْيين وَتَصْدِيق مَا جاء بِه النَّبِيّ ﷺ وتجويز شئ من هَذَا قَادِح فِي ذَلِك وَمُشَكّك فِيه مُنَاقِض لِلْمُعْجِزَة فَلْنَقْطَع عَن يَقِين بَأنَّه لَا يَجُوز

стр. 520

عَلَى الْأَنْبِيَاء خُلْف فِي القَوْل فِي وَجْه مِن الْوُجُوه لَا بِقَصْد وَلَا بِغَيْر قَصْد وَلَا نَتَسَامَح مَع من تسامح في تجوز ذَلِك عَلَيْهِم حَال السَّهْو فِيمَا لَيْس طَرِيقُه الْبَلَاغ، نَعَم وَبِأَنَّه لَا يَجُوز عَلَيْهِم الكَذِب قَبْل النُّبُوَّة وَلَا الاتّسَام بِه فِي أُمُورِهِم وَأحْوَال دُنْيَاهُم لِأَنّ ذَلِك كَان يُزْرِي وَيُرِيب بهم وَيُنَفّر القُلُوب عَن تَصْدِيقهِم بَعْد وَانْظُر أحْوَال عَصْر النَّبِيّ ﷺ من قُرَيْش وَغَيْرِهَا مِن الْأُمَم وسُؤَالهِم عن حالِه فِي صِدْق لِسانِه وَمَا عُرِفُوا بِه من ذَلِك وَاعْتَرَفُوا بِه مِمَّا عُرِف وَاتَّفَق النَّقْل عَلَى عِصْمَة نَبيَّنَا ﷺ مِنْه قَبْل وبعد وَقَد ذَكَرْنا مِن الآثار فِيه فِي الْبَاب الثاني أَوَّل الْكِتَاب ما يُبَيّن لَك صِحَّة مَا أشَرْنا إليْه فصل فَإِنّ قُلْت فَمَا مَعْنَي قَوْلِه ﷺ فِي حَدِيث السَّهْو الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ الْفَقِيهُ أَبُو إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا القاضي أبو الأصبغ ابن سَهْلٍ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الفَخَّارِ حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ نَا يحيى عَنْ دَاوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَة ﵁ يَقُولُ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الْعَصْرِ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ

стр. 521

يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَفِي الرّوَايَة الأخْرَى ما قَصَرْتُ الصَّلَاةَ وَمَا نَسِيتُ - الْحَدِيث بِقِصَّتِه - فأخْبَر بِنَفْي الحَالَتَيْن وَأنَّهَا لَم تَكُن وَقَد كَان أَحَد ذَلِك كَمَا قَال ذُو اليَدَيْن قَد كَان بَعْض ذَلِك يَا رَسُول اللَّه، فاعْلَم وَفَّقَنَا الله ذَلِك كَمَا قَال ذُو اليَدَيْن قَد كَان بَعْض ذَلِك يَا رَسُول اللَّه، فاعْلَم وَفَّقَنَا الله وإياك أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِك أجْوبَة بَعْضُهَا بِصَدَد الإنْصَاف وَمِنْهَا مَا هُو بِنِيَّة التَّعَسُّف والاعْتِسَاف وها أَنَا أقُول أَمَّا عَلَى القَوْل بِتَجْوِيز الْوَهْم وَالغَلَط مِمَّا لَيْس طَرِيقُه مِن القَوْل الْبَلَاغ وَهُو الَّذِي زَيَّفْنَاه مِن القَوْلَيْن فَلَا اعْتِرَاض بَهَذَا الْحَدِيث وَشِبْهِه وَأَمَّا عَلَى مَذْهَب من يَمْنَع السَّهْو وَالنّسْيَان فِي أفْعَالِه جُمْلَة وَيَرَى أنَّه فِي مِثْل هَذَا عَامِد لِصُورَة النّسْيَان لِيَسُنّ فَهُو صَادِق فِي خَبَره لِأَنَّه لَم يَنْس وَلَا قَصُرَت وَلكِنه عَلَى هَذَا القول تَعَمَّد هذا الفعل في هذه الصورة ليسنه لِمَن اعْتَرَاه مِثْلُه وَهُو قَوْل مَرْغُوب عَنْه نَذْكُرُه فِي مَوْضِعِه وَأَمَّا عَلَى إحَالَة السَّهْو عَلَيْه فِي الْأَقْوَال وَتَجْويز السهو عليه فِيمَا لَيْس طَرِيقُه القَوْل كَمَا سَنَذْكُرُه فَفيه أجْوِبَة مِنْهَا أَنّ النَّبِيّ ﷺ أخْبَر عَن اعْتِقَادِه وَضَمِيره أَمَّا إنْكار القَصْر فَحَقّ وصِدْق بَاطنًا وَظَاهِرًا وَأَمَّا النّسْيَان فأخْبَر ﷺ عَن اعْتِقَادِه وَأنَّه لَم يَنْس فِي ظَنّه فَكأنه قَصَد الخبر بَهَذَا عَن ظَنّه وإن لَم يَنْطِق بِه وَهَذَا صدق أيضا

стр. 522

وَوَجْه ثَان أَنّ قَوْلَهُ وَلَم أنْس رَاجِع إِلَى السَّلَام أَي أَنّي سَلَّمْت قَصْدًا وَسَهَوْت عَن العدد أَي لَم أسْه فِي نَفْس السَّلَام وَهَذَا مُحْتَمل وَفِيه بَعْد وَوَجْه ثَالِث وَهُو أبْعَدُهَا مَا ذَهَب إليْه بَعْضُهُم وَإِنِ احْتَمَله اللَّفْظ من قوله كل ذلك لم يكن أي لم يجتمع القصر والنسيان بل كان احدهما ومفهوم اللفظ خِلافُه مَع الرّوَايَة الْأُخْرَى الصحيحة وَهُو قَوْله مَا قَصُرَت الصَّلَاة وَمَا نَسِيت، هَذَا مَا رَأَيْت فِيه لأئمَّتَنَا وَكُلّ من هَذِه الْوُجُوه مُحْتَمِل لِلَّفْظ عَلَى بَعْد بَعْضَهَا وَتَعَسُّف الآخَر مِنْهَا، قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل وَفَّقَه اللَّه والذي أقُول وَيَظْهَر لِي أنَّه أقْرَب من هَذِه الْوُجُوه كلها أن قَوْله لَم أنْس إنْكار لِلَّفْظ الذي نَفَاه عَن نَفْسِه وَأنْكَرَه عَلَى غَيْرِه بِقَوْلِه: بِئْسَمَا لأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنَّهُ نُسِّيَ، وَبِقَوْلِه فِي بَعْض رِوَايات الْحَدِيث الآخَر لَسْتُ أَنْسَى وَلكِنْ أُنَسَّى فَلَمّا قَال لَه السَّائِل أقَصَرْتَ الصَّلَاةَ أَمْ نَسِيتَ أنْكَر قَصْرَهَا كَمَا كان ونسيانه هو من قبل نفسه وَأنَّه إنّ كَان جرى شئ من ذَلِك فَقَد نُسّي حَتَّى سَأل غير فَتَحَقَّق أنَّه نُسّي وَأُجْري عَلَيْه ذَلِك ليَسُنّ فَقَوْلُه عَلَى هَذَا لَم أنْس وَلَم تُقْصَر وَكُلّ ذَلِك لَم يَكُن صِدْق وَحَق لَم تُقْصَر وَلَم يَنْس حَقِيقَة وَلَكِنَّه نُسّي * وَوَجْه آخَر اسْتَثَرْتُه من كَلَام بَعْض المَشَايخ وَذَلِك أنَّه قَال إنّ النَّبِيّ ﷺ كَان يَسْهُو وَلَا يَنْسى وَلِذَلِك نَفى عَن نَفْسِه النّسْيَان قَال لِأَنّ النّسْيَان غَفْلَة وَآفَة وَالسَّهْو إنَّمَا هُو شُغْل. قَال فكان النَّبِيّ ﷺ يَسْهُو فِي صَلاتِه وَلَا يَغْفُل عَنْهَا وكان يَشْغَلُه عَن حَرَكات الصَّلَاة مَا فِي الصلاة

стр. 523

شُغْلًا بِهَا لَا غَفْلَة عَنْهَا فَهَذَا إن تَحَقَّق عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَم يَكن فِي قَوْلِه (مَا قَصَرْتُ وَمَا نَسِيتُ) خُلْف فِي قول وعند أَنّ قَوْله: (مَا قَصَرْتُ الصَّلَاةَ وَمَا نَسِيتُ) بِمَعْنَي التَّرْك الَّذِي هُو أَحَد وَجْهَي النّسْيَان أرَاد والله أعْلَم أَنّي لَم أُسَلّم من رَكْعَتَيْن تَارِكًا لإكمَال الصَّلَاة ولكِنّي نَسِيت وَلَم يَكُن ذَلِك من تِلْقَاء نَفْسِي وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِك قَوْله ﷺ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح إِنِّي لأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى، لِأَسُنَّ. وَأَمَّا قِصَّةُ كَلِمَاتِ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورَةُ أنها كَذِباتُهُ الثَّلَاث المَنْصُوصَة فِي الْقُرْآن مِنْهَا اثْنَتَان قَوْله: (إِنِّي سقيم - بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا) وَقَوْلُه لِلْمَلِك عَن زَوْجَتِه: إنَّهَا أُخْتي: فاعْلَم أكْرَمَك اللَّه أن هذه كلها خَارِجَة عَن الكَذِب لَا فِي القَصْد وَلَا فِي غَيْرِه وَهِي دَاخِلَة فِي باب المعاريض التي فِيهَا مَنْدُوحَة عَن الكَذِب أَمَّا قَوْلُه: (إِنِّي سَقِيمٌ) فَقَال الْحَسَن وَغَيْرُه مَعْنَاه: سَأسْقَم أَي: أَنّ كُلّ مَخْلُوق مُعَرَّض لِذَلِك فاعْتَذَر لِقَوْمِه مِن الخُرُوج مَعَهُم إِلَى عِيدِهِم بِهَذا وَقِيل بَل سَقِيم بِمَا قُدّر عَلِيّ مِن المَوْت وَقِيل سَقِيم القَلْب بِمَا أُشاهِدُه من كُفْرِكُم وَعِنَادِكُم وَقِيل بَل كانت الحُمّى تَأْخُذُه عِنْد طُلُوع نَجْم مَعْلُوم فَلَمّا رآه

стр. 524

اعْتَذَر بِعَادتِه وَكُلّ هَذَا لَيْس فِيه كَذِب بَل خَبَر صحيح صِدْق وَقِيل: بَل عَرَّض بِسَقَم حُجَّتِه عَلَيْهِم وَضَعْف مَا أَرَاد بَيَانَه لَهُم من جِهَة النُّجُوم التي كَانُوا يَشْتَغلُون بِهَا وَأنَّه أثْنَاء نَظَرِه فِي ذَلِك وَقَبْل اسْتِقَامَة حُجَّتِه عَلَيْهِم فِي حال سَقْم وَمَرَض مَع أنَّه لَم يَشُكّ هُو وَلَا ضَعُف إيمَانُه وَلكِنَّه ضَعُف فِي اسْتدْلالِه عليهم وسقم نظره كمال يقا حجة سقيمة ونظر معلول حتى ألهمه الله باستدلاله وَصِحّة حُجَّته عَلَيْهِم بالكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر مَا نَصَّه اللَّه تَعَالَى وَقَدَّمْنَا بَيَانَه وَأَمَّا قَوْله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) الآيَة فَإنَّه عَلَّق خَبَرَه بِشَرْط نُطْقِه كأنه قَال إنّ كَان يَنْطِق فَهُو فِعْلُه عَلَى طَرِيق التَّبْكِيت لِقَوْمِه وَهَذَا صِدْق أيْضًا وَلَا خُلْف فِيه، وَأَمَّا قَوْله أُخْتِي فَقَد بَيْن فِي الْحَدِيث وَقَال: فإنك أُخْتِي فِي الْإِسْلَام وَهُو صِدْق والله تَعَالَى يَقُول: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخوة) فإن قُلْت: فَهَذَا النَّبِيّ ﷺ قَد سَمّاهَا كَذِبَات وَقَال لَم يَكْذِب إبْرَاهِيم إلَّا ثَلَاث كَذِبَات وَقَال فِي حَدِيث الشَّفَاعَة وَيَذْكُر كَذِباتِه فَمَعناه أنَّه لَم يَتَكَلَّم بِكَلَام صُورَتُه صُورَة الْكَذِب وإن كَان حَقًّا فِي الْبَاطِن إلَّا هَذِه الكلام ولما كَان مَفْهُوم ظَاهِرهَا خِلَاف باطنِهَا أشْفَق إبْرَاهِيم ﵇ بِمُؤَاخَذَتِه بِهَا وَأَمَّا الْحَدِيث كَان النبي ﷺ إذا أراد

стр. 525

غَزَوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا فَلَيْس فِيه خُلْف فِي الْقَوْل إنَّمَا هُو سَتْر مَقْصِدِه لِئَلَّا يَأْخُذ عَدُوُّه حذره وكتم وجه ذَهَابِه بِذِكْر السُّؤال عَن موْضِع آخَر والْبَحْث عَن أخْبَارِه وَالتَّعْرِيض بِذِكْرِه لَا أنَّه يَقُول تَجَهَّزُوا إِلَى غزوة كذا أو وِجْهَتُنَا إلى موضع كذا خِلَاف مَقْصَدِه فَهَذَا لَم يَكُن والأول لَيْس فِيه خَبَر يَدْخُلُه الخُلْف. فإن قُلْت فما معني قوله مُوسَى ﵇، وَقَد سُئِل أَي النَّاس أعْلَم؟ فَقَال أنا أعلم فتعب اللَّه عَلَيْه ذَلِك إِذ لَم يَرُدّ الْعِلْم إليه - الْحَدِيث - وَفِيه قَال بَل عَبْد لَنَا بِمَجْمع الْبَحْرَين أعْلَم مِنْك وهذا خبر قد أنبأ اللَّه أنه ليس كذلك فاعلم أنه وقع في هذا الحديث من بعض طرقه الصَّحِيحَة عَن ابن عَبَّاس هَل تَعْلَم أحَدًا أعْلَم مِنْك؟ فَإِذَا كَان جُوَابُه عَلَى عِلْمِه فَهُو خَبَر حَق وَصِدْق لَا خُلْف فِيه ولا شبهة، وعلى الطريق الآخر فمحمله على ظنه ومعتقده كما لو صرح به لأن حاله في النبوة والاصطفاء يقتضي ذلك فيكون إخباره بذلك أيضا عن اعتقاده وحسبانه صدقا لَا خُلْف فِيه وَقَد يُرِيد بِقَوْلِه أَنَا أعْلَم بِمَا يَقْتَضِيه وَظَائِف النُّبُوَّة من عُلُوم التَّوْحِيد وَأمُور الشَّرِيعَة وَسِيَاسَة الْأُمَّة وَيَكُون الخَضر أَعْلَم مِنْه بِأُمُور أخَر مِمَّا لَا يَعْلَمُه أحَد إلَّا بإعْلام اللَّه من عُلُوم غَيْبِه كَالقِصَص المَذْكُورَة فِي خَبَرِهِمَا فكان مُوسَى ﵇ أعْلَم عَلَى الْجُمْلَة بِمَا تَقَدَّم وَهَذَا أَعْلَم عَلَى الْخُصُوص بِمَا أُعْلِم وَيَدُلّ عَلَيْه قَوْله تَعَالَى: (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لدنا علما) وَعَتْب اللَّه ذَلِك عَلَيْه فِيمَا قَالَه الْعُلمَاء إنْكَار هَذَا القَوْل عَلَيْه لِأَنَّه لَم يَرُدّ الْعِلْم إليه كَمَا قَالَت الْمَلَائِكَة لَا عِلم لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتنَا أو لِأَنَّه لَم يَرْض قَوْله شَرْعًا وَذَلِك والله أعْلَم لِئَلَّا يَقْتَدي بِه فِيه من لَم يَبْلُغ كماله فِي تَزْكِيَة نَفْسِه وَعُلُوّ دَرَجته من أمَّتَه فَيَهْلِك لَمّا تَضَمَّنَه من مَدْح الْإِنْسَان نَفْسَه

стр. 526

ويروثه ذَلِك مِن الْكِبْر وَالعُجْب والتَّعَاطِي والدَّعْوَى وإن نُزّه عَن هَذِه الرَّذَائِل الْأَنْبِيَاء فَغَيْرُهُم بمَدْرَجَة سَبِيلِهَا وَدَرَك لَيلِها إلَّا من عَصَمَه اللَّه فالتّحَفُّظ مِنْهَا أوْلَى لِنَفْسِه وَلِيُقْتَدَى بِه، ولهذا قَال ﷺ تَحَفُظًا من مِثْل هذا مما قَد عُلِم بِه (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ) وَهَذَا الْحَدِيثُ إحدى حججا لقائلين بِنُبُوَّةِ الْخَضِرِ لِقَوْلِهِ فِيهِ أَنَا أَعْلَمُ مِنْ مُوسَى وَلَا يَكُونُ الْوَلِيُّ أَعْلَمَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وأما الأنبياء فيتفاضلون فِي الْمَعَارِفِ وَبِقَوْلِهِ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي، فَدَلَّ أَنَّهُ بِوَحْيٍ، وَمَنْ قَالَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ قَالَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ بِأَمْرِ نَبِيٍّ آخَرَ، وَهَذَا يَضْعُفُ لِأَنَّهُ مَا علما أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ مُوسَى نَبِيٌّ غَيْرُهُ إِلَّا أَخَاهُ هَارُونَ وَمَا نَقَلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ شَيْئًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَإِذَا جَعَلْنَا أَعْلَمَ مِنْكَ لَيْسَ عَلَى الْعُمُومِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْخُصُوصِ وَفِي قَضَايَا مُعَيَّنَةً لَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِثْبَاتِ النبوة خِضْرٍ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الشَّيُوخِ كَان مُوسَى أَعْلَم مِن الخَضر فِيمَا أخَذ عَن اللَّه وَالخَضِر أَعْلَم فِيمَا دُفِع إليْه من مُوسَى، وَقَال آخَر إنَّمَا أُلجِئ مُوسَى إِلَى الخَضِر لِلتَّأْدِيب لَا لِلتَّعْلِيم فصل وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بالجَوَارِح مِن الْأعْمَال وَلَا يَخْرُج من جُمْلَتِهَا القول باللسان

стр. 527

فِيمَا عَدَا الْخَبَر الَّذِي وَقَع فِيه الْكَلَام وَلَا الاعْتِقَاد بالْقَلْب فِيمَا عدا التَّوْحِيد وَمَا قَدَّمْنَاه من مَعَارِفِه الْمُخْتَصة بِه فأجْمَع الْمُسْلِمُون عَلَى عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاء مِن الْفَوَاحِش وَالْكَبَائِر الْمُوبِقات وَمُسْتَنَد الْجُمْهُور فِي ذَلِك الإجْماع الَّذِي ذَكَرَنَاه وهو مذهب الْقَاضِي أَبُو بَكْر وَمَنَعَهَا غَيْرِه بِدَلِيل الْعَقْل مَع الإجْماع وَهُو قَوْل الكَافة، واختار الْأَسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق وَكَذَلِك لَا خِلَاف أَنَّهُم مَعْصُومُون من كِتْمَان الرِّسَالَة وَالتَّقْصِير فِي التَّبْلِيغ، لِأَنّ كُلّ ذلك يَقْتَضِي الْعِصْمَة مِنْه الْمُعْجِزَة مَع الإجْماع عَلَى ذَلِك مِن الْكَافَّة، وَالْجُمْهُور قائل بِأَنَّهُم مَعْصُومُون من ذَلِك من قَبْل الله معتصمون باخْتِيَارِهِم وَكَسبِهِم إلَّا حُسَيْنًا النَّجَار فَإنَّه قَال لَا قدر لهم على المَعَاصِي أصْلًا، وَأَمَّا الصَّغَائِر فَجَوَّزَهَا جَمَاعَة مِن السَّلَف وَغَيْرِهِم عَلَى الْأَنْبِيَاء وَهُو مَذْهب أبي جَعْفَر الطَّبَرِيّ وَغَيْرُه مِن الْفُقَهَاء وَالْمُحَدّثِين وَالْمُتَكَلّمِين، وَسنُورِد بعد هذا ما احْتجوا بِه، وذَهَبَت طائفة أخرى إلى الْوَقْف وقالوا الْعَقْل لَا يُحِيل وُقُوعَها مِنْهُم ولم يَأْت فِي الشّرْع قاطع بِأحد الْوَجهَين، وذَهَبَت طَائِفَة أُخْرَى مِن المُحَقّقِين مِن الْفُقَهَاء وَالْمُتَكَلَّمِين إِلَى عِصْمَتِهم مِن الصَّغَائِر كعِصْمَتِهِم مِن الْكَبَائِر، قَالُوا: لاخْتِلَاف النَّاس فِي الصَّغَائِر وتعيينها من الْكَبَائِر، وَإشْكال ذَلِك وَقَوْل ابن عَبَّاس وَغَيْرُه إنّ كُلّ مَا عُصِي اللَّه بِه فَهُو كَبِيرَة وَأنَّه إنَّمَا سُمّي مِنْهَا الصَّغِير بالإضَافَة إلى مَا هُو أكْبَر مِنْه وَمَخَالفة الْبَاري فِي أي أمْر كَان يَجِب كَوْنُه كَبيرَة، قَال الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد

стр. 528

عَبْد الوَهَّاب لَا يُمْكِن أن يُقَال إنّ فِي مَعَاصِي اللَّه صَغِيرَة إلَّا عَلَى مَعْنَي أنَّهَا تُغُتَفَر باجْتِنَاب الكَبَائِر وَلَا يَكُون لَهَا حُكم مَع ذَلِك بِخِلَاف الكَبَائِر إذَا لَم يُتب مِنْهَا فلا يحبطها شئ والمَشِيئَة فِي العَفْو عَنْهَا إِلَى اللَّه تَعَالَى وَهُو قَوْل الْقَاضِي أَبِي بَكْر وجماعة أئمة الأشْعَريَّة وَكَثِير من أئمَّة الفُقَهاء، وَقَال بَعْض أئِمَّتنا: وَلَا يَجِب عَلَى القَوْلَيْن أن يَخْتَلِف أَنَّهُم مَعْصُومُون عَن تَكْرار الصَّغَائِر وَكَثْرَتِهِا إذ يُلْحِقُهَا ذَلِك بالكَبَائِر وَلَا فِي صَغِيرة أدَّت إِلَى إزَالة الحِشْمَة وأسقطت المروؤة وَأوْجَبَت الإزْرَاء وَالخَسَاسَة، فَهَذَا أيْضًا مِمَّا يُعْصَم عَنْه الْأَنْبِيَاء إجْماعًا، لِأَنّ مِثْل هَذَا يَحُطّ مَنْصِب المتسيم بِه وَيُزرِي بِصَاحِبه وَيُنَفّر القُلُوب عَنْه وَالْأَنْبِيَاء مُنَزَّهُون عَن ذَلِك، بَل يَلْحَق بَهَذَا مَا كَان من قَبيل المُبَاح فَأدّى إِلَى مِثْلُه لخُرُوجِه بِمَا أدَّى إليْه عَن اسْم المُبَاح إِلَى الحَظْر، وَقَد ذَهَب بَعْضُهُم إِلَى عِصْمَتِهم من مُوَاقَعَة المَكْرُوه قَصْدًا، وَقَد اسْتَدَلّ بَعْض الْأَئِمَّة عَلَى عصمتهم مِن الصَّغَائِر بالمَصِير إِلَى امتثال أفعالهم واتَّبَاع آثارِهِم وسِيرَهِم مُطْلَقًا، وَجُمْهُور الفُقَهَاء عَلَى ذَلِك من أصْحَاب مَالِك والشافعي وَأَبِي حَنِيفَة من غَيْر الْتِزَام قَرِينَة بَل مُطْلَقًا عِنْد بَعْضُهُم وَإِنّ اخْتَلَفُوا فِي حُكْم ذَلِك، وَحَكى ابن خويز منداذ وَأَبُو الفَرَج عَن مَالِك التِزام ذَلِك وُجُوبًا وَهُو قَوْل الأبْهَرِيّ وَابْن القَصّار وأكْثَر أصْحَابِنا وَقَوْل أكْثَر أَهْل العِرَاق وَابْن سُرَيْج والإصْطَخْرِيّ

стр. 529

وَابْن خَيْران مِن الشَّافِعِيَّة وَأكْثَر الشَّافعِيَّة عَلَى أَنّ ذَلِك نَدْب، وذهبت طائِفَة إِلَى الإبَاحَة. وَقَيَّد بَعْضُهُم الاتّبَاع فِيمَا كَان مِن الْأُمُور الدينِيَة وعُلِم بِه مَقْصِد الْقُرْبَة وَمِن قَال بالإبَاحَة فِي أفعاله لم يقبد قَال فَلَو جَوَّزْنَا عَلَيْهِم الصَّغَائِر لَم يُمْكِن الاقْتِدَاء بهم فِي أفْعَالِهِم، إِذ لَيْس كُلّ فِعْل مِن أفْعَالِه يَتَمَيَّز مقصد به مِن القُرْبَة أَو الإبَاحَة أَو الحَظَر أَو المَعْصِيَة، وَلَا يصح أو يُؤْمَر المَرء بِامْتِثال أمْر لَعَلَّه مَعْصِيَة لَا سِيمَّا عَلَى من يَرَى مِن الأُصُولِيّين تَقْدِيم الفِعْل عَلَى القَوْل إذَا تعارضا، ونزيد هَذَا حُجَّة بأن نَقُول من جَوَّز الصَّغَائِر وَمِن نَفَاها عَن نَبِيّنا ﷺ مُجْمِعُون عَلَى أنَّه لَا يُقِرّ عَلَى مُنْكَر من قَوْلُ أَو فِعْل وَأنَّه مَتَى رَأَى شَيْئًا فَسَكَت عَنْه ﷺ دَلّ عَلَى جَوَازِه فَكَيف يَكُون هَذَا حالُه فِي حَقّ غيرهن ثُمّ يُجَوَّز وُقُوعُه مِنْه فِي نَفْسِه وَعَلَى هَذَا المَأْخَذ تَجِب عِصْمَتُه من مُوَاقَعَة المَكْرُوه كَمَا قيل وإذ الحظْر أَو النَّدْب عَلَى الاقْتِدَاء بِفِعْلِه يُنَافي الزَّجْر وَالنَّهْي عَن فِعْل المكْرُوه، وأيضا فَقَد علم من دين الصَّحَابَة قَطْعًا الاقْتِدَاء بِأفْعَال النَّبِيّ ﷺ كَيْف تَوَجَّهَت وَفِي كُلّ؟ ؟ كالاقْتِدَاء بِأمْوَالِه فَقَد نَبَذُوا خَواتيمَهُم حِين نَبَذ خَاتَمَه، وَخَلَعُوا نِعَالَهُم حِين خَلَع وَاحْتِجَاجُهُم بِرُؤْيَة ابن عُمَر إيّاه جَالسًا لِقَضَاء حَاجَتِه مُسْتَقْبلًا بَيْت الْمَقْدِس وَاحْتَجّ غَيْر وَاحِد مِنْهُم فِي غير شئ مِمَّا بابُه العِبَادة أَو العَادَة بِقَوْلِه رَأَيْت رسول الله ﷺ يَفْعَلُه وَقَال: (هَلا خَبَّرْتِيهَا أَنِّي أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ) وَقَالَت عَائِشَةُ مُحْتَجَّةً: (كُنْتُ أَفْعَلُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وغَضِبَ رسول الله ﷺ عَلَى الَّذِي أَخْبَرَ بِمِثْلِ هَذَا عَنْهُ

стр. 530

فقال يحل الله لِرَسُولِهِ مَا يَشَاءُ وَقَالَ: (إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ) وَالآثَارُ فِي هَذَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ نُحِيطَ بِهَا لَكِنَّهُ يُعْلَم من مَجْمُوعِهَا عَلَى الْقَطْع اتّبَاعُهُم أفْعَالَه واقْتِدَاؤُهُم بِهَا ولو جوزوا عليه المخالفة في شئ منها لما اتسق هذا وليقل عنهم وظهر بحثهم عن ذلك ولما أنْكَر ﷺ عَلَى الآخَر قَوْله وَاعْتِذَارُه بِمَا ذَكَرَنَاه، وَأَمَّا الْمُبَاحَات فَجَائِز وُقُوعُهَا منم إِذ لَيْس فِيهَا قَدْح بَل هِي مَأْذُون فِيهَا وَأيْدِيهم كأيدي غيرهم مسلمة عَلَيْهَا إلَّا أَنَّهُم بِمَا خُصُّوا بِه من رَفِيع المَنْزلَة وَشُرحَت لَهُم صُدُورُهُم من أَنْوار الْمَعْرِفَة وَاصْطُفُوا بِه من تَعَلُّق بالهمْ بالله وَالدَّار الآخِرَة لَا يَأْخُذُون مِن المْبَاحات إلَّا الضَّرُورَات مِمَّا يتقون بِه عَلَى سُلُوك طَرِيقِهِم وَصَلَاح دِينِهِم وَضَرُورَة دُنْيَاهُم وَمَا أُخِذ عَلَى هذه السبيل التحقق طَاعَة وَصَار قُرْبَة كَمَا بَيَّنَا مِنْه أَوَّل الْكِتَاب طَرَفًا فِي خِصَال نَبِيَّنَا ﷺ ، فَبَان لَك عَظِيم فَضْل اللَّه عَلَى نَبِيّنَا وَعَلَى سائر أنيبائه ﵈ بأن جَعَل أفْعَالَهُم قُرُبات وَطَاعات بَعِيدَة عَن وَجْه المُخَالَفَة وَرَسْم المَعْصِيَة. فصل وَقَد اخْتُلِف فِي عصْمَتِهِم من المعاصي قبل النُّبُوَّة فمَنَعَهَا قَوْم وَجَوَّزَهَا آخَرُون وَالصَّحِيح إن شَاء اللَّه تَنْزِيهُهُم من كُلّ عَيْب وَعِصْمَتَهُم من كُلّ مَا يُوجِب الرَّيْب فَكَيْف وَالْمَسْأَلَة تَصَوُّرُهَا كَالْمُمْتَنِع فَإِنّ الْمَعَاصِي وَالنَّواهِي إنَّمَا تكون بَعْد تَقَرّر الشَّرْع وَقَد اخْتُلِف النَّاس فِي حال نَبِيَّنَا ﷺ قَبْل أن يُوحى إليْه هَل كَان مُتَّبعًا لِشَرْع قَبْلَه أم لَا؟
следующие страницы →