Полный текст (697 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
أفْضَل مَا سَألَك لِنَفْسِه وَأَعْط مُحَمَّدًا أفْضَل مَا سَألَك لَه أَحَد من خَلْقِك وَأَعْط مُحَمَّدًا أفضل مَا أنْت مسؤل لَه إِلَيّ يَوْم الْقِيَامَة وَعَن ابن مَسْعُود ﵁ أنَّه كَان يَقُول إذَا صَلَّيْتُم عَلَى النَّبِيّ ﷺ فَأَحْسِنُوا الصَّلَاة عَلَيْه فَإنَّكُم لَا تَدْرُون لَعَلّ ذَلِك يُعْرَض عَلَيْه وَقُولُوا اللهم اجْعَل صَلَوَاتِك وَرَحْمَتَك وَبَرَكَاتِك عَلَى سَيّد الْمُرْسَلِين وَإمَام الْمُتَّقِين وَخَاتِم النَّبِيّين مُحَمَّد عبدك ورسولك إمام الْخَيْر وَقَائِد الْخَيْر وَرسُول الرَّحْمَة اللَّهُمّ ابْعَثْه مَقَامًا مَحْمُودًا يَغْبِطُه فِيه الأوَّلُون والآخِرُون اللَّهُمّ صَلّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنَّك حَمِيد مَجِيد * وَمَا يُؤْثَر من تَطْوِيل الصَّلَاة وَتَكْثِير الثَّنَاء عَن أَهْل البيت وَغَيْرِهِم كَثِير وَقَوْلُه وَالسَّلَام كَمَا قَد عُلّمْتُم هُو مَا عَلَّمَهُم فِي التَّشَهُّد من قَوْلِه السَّلَام عَلَيْك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السَّلَام عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَاد اللَّه الصالِحِين وَفِي تَشَهُّد عَلِيّ السَّلَام عَلَى نَبِيّ اللَّه السَّلَام عَلَى أنبِياء اللَّه ورُسله السَّلَام على رسول الله السَّلَام عَلَى مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه السَّلَام عَلَيْنَا وَعَلَى الْمُؤْمِنين والمؤمِنَات من غَاب مِنْهُم وَمِن شهد الله اغْفِر لِمُحَمَّد وتَقَبّل شَفَاعَتَه واغْفِر لِأَهْل بَيْتِه وَاغْفِر لِي وَلِوَالِدَيّ وَمَا وَلَدَا وَارْحَمْهُمَا السَّلَام عَلَيْنَا وَعَلَى عباد اللَّه الصالِحِين السَّلَام عَلَيْك أيُّهَا النَّبِيّ ورحمة اللَّه وبركاتُه جاء فِي هَذَا الْحَدِيث عَن عَلِيّ: الدُّعَاء لِلنَّبِيّ
ﷺ بالغُفْرَان * وَفِي حَدِيث الصَّلَاة عَلَيْه عَنْه أيْضًا قَبْل: الدُّعَاء لَه بالرمة وَلَم يَأْت فِي غَيْرِه مِن الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعة المعرُوفَة وَقَد ذَهَب أَبُو عُمَر بن عَبْد البَرّ وَغَيْرُه إِلَى أنَّه لَا يُدْعى للنَّبِيّ ﷺ
الحواشي
(١) (قوله ولوالدي) إنَّمَا قَال ذَلِك للتعليم لا الدعاء (*)стр. 457
بالرَّحْمَة وَإِنَّمَا يُدْعى لَه بالصَّلَاة وَالْبَرَكَة الَّتِي تَخْتَصّ بِه وَيُدْعى لِغَيْرِه بِالرَّحْمَة وَالْمَغْفِرَة وَقَد ذَكَر أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زيد فِي الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صلى عَلَيْه وَسَلَّم اللَّهُمّ ارْحَم مُحَمَّدًا وآل مُحَمَّد كَمَا تَرَحَّمْت عَلَى إبْرَاهِيم وآل إبْرَاهِيم وَلَم يَأْت هَذَا فِي حَدِيث صحيح وَحُجَّتُه قَوْلُه فِي السَّلَام: السَّلَام عَلَيْك أيُّهَا النَّبِيّ ورحمة اللَّه وبركاتُه
فصل فِي فضيلة الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ والتسليم عَلَيْهِ والدُّعاء لَهُ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّيْخُ الصَّالِحُ مِنْ كِتَابِهِ حَدَّثَنَا الْقَاضِي يُونُسُ بْنُ مُغِيثٍ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا النَّسَائِيُّ أَنْبَأَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ أَخْبَرَنِي كَعْبُ بْنُ عَلْقَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرٍ مَوْلَى نَافِعٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقول إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلِيَّ مَرَّةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا لي الوسيلة فإنها مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِيَ لوسيلة حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ وَرَوَى أَنَس بن مَالِك أَنّ النَّبِيّ ﷺ قال (مر صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ وَحَطَّ عنه عشر خطئات وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ) وَفِي
رِوَايَة وَكَتَب لَه عَشْر حسنات.
وعز أنس عنه ﷺ (إن
الحواشي
(١) (قوله الوسيلة) أي القرب من الله والمنزلة عنده وفى الحديث أنها دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ (قوله النصرى) بالنون والصاد المهملة والأصح عند الذهبي أنه تابعي وحديثه مرسل (*)стр. 458
جِبْرِيلَ نَادَانِي فَقَال مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا وَرَفَعَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ) وَمِن رِوَايَة عَبْد الرَّحْمن بن عَوْف عَنْه ﷺ (لَقِيتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ لِي إِنِّي أُبَشِّرُكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَمَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ.
وَنَحْوَهُ من رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة ومالك بن أوْس بن الحَدَثان وَعُبَيْد اللَّه بن أَبِي طلحة وَعَن زَيْد بن الْحُبَاب سَمِعْت النَّبِيّ ﷺ يَقُول (مَنْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَنْزِلْهُ الْمَنْزِلَ الْمُقَرَّبَ عِنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً) وَعَن أبي هريرة عنه ﷺ (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَسْتَغَفِرْ لَهُ مَا بَقِي اسْمِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ) وَعَن عامِر بن رَبِيعَة سَمِعْت النبي ﷺ يقول مَنْ صَلَّى صَلَاة صَلَّت عَلَيْه الْمَلَائِكَة مَا صَلَّى عَلَيّ فليقل من ذَلِك عَبْد أَو لِيُكْثِر) وَعَن أبَيّ بن كَعْب كَان رَسُول اللَّه ﷺ إذَا ذَهَب رُبُع اللَّيْل قَام فَقَال (يَا أيُّهَا النَّاس اذْكُرُوا اللَّه جَاءَت الرَّاجِفَة تَتْبَعُهَا
الحواشي
(١) (قوله ابن الحدثان) بفتح الحاء والدال مهملتين بعدهما مثلثة (قوله وعن زيد ابن الحباب) بضم الحاء المهملة قال الحافظ يحيى بن على القرشى المشهور بالرشيد العصار هذا وهم فان زَيْد بن الْحُبَاب هذا ليس من الصحابة ولا من التابعين ولا من أتباعهم وإنما يروى عَنْ مَالِكِ بْنِ أنس والضحاك وأمثالهم وليس له في السحابة نظير في اسمه واسم أبيه معا وهذا الحديث محفوظ من رواية رويفع بن ثابت الأنصاري وقد رواه زَيْد بن
الْحُبَاب هذا عن لهيعة عن بكر بن سوادة بن زياد بن نعم عن وفاء بن سريج الحضرمي عن رويفع بْنِ ثَابِتٍ عَنْ النبي ﷺ وأوجب بأن المصنف عند كتابته أسقط ما عدا زَيْد بن الْحُبَاب لأنه لا غرض له في ذكر الرواة (*)стр. 459
الرَّادِفَة جاء الْمَوْت بِمَا فِيه) فَقَال أُبَيّ بن كَعْب يَا رَسُول اللَّه إنّي أُكْثِر الصَّلَاة عَلَيْك فكم أَجْعَل لَك من صَلَاتِي؟ قَال: (مَا شِئْت) قَال: الرّبْع؟ قَال: (مَا شِئْت وَإن زِدْت فَهُو خير) قَال: الثُّلُث؟ قَال: (مَا شِئْت وَإن زدت فهو خير) قَال، النّصْف؟ قَال: (مَا شِئْت وَإن زِدْت فَهُو خَيْر) قَال: الثُّلُثَيْن؟ قَال: (مَا شِئْت وَإن زِدْت فَهُو خَيْر) قَال: يَا رَسُول اللَّه فَاجْعَل صَلَاتِي كُلَّهَا لَك قَال إذَا تُكْفَى وَيُغْفَر ذَنْبُك.
وَعَن أَبِي طلحة: دَخَلْت عَلَى النَّبِيّ ﷺ فَرَأيْت من بشره وطلافته ولم أرَه قَطّ فَسَألْتُه، فقال (وما يمنعى وَقَدْ خَرَجَ جِبْرِيلُ آنِفًا فَأَتَانِي بِبِشَارَةٍ مِنْ رَبِّي إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَنِي إِلَيْكَ أُبَشِّرُكَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ يُصَلِّي عَلَيْكَ إِلَّا ﷺ وَمَلَائِكَتُهُ بِهَا عَشْرًا وَعَن جَابِر بن عَبْد اللَّه قَال قَال النَّبِيّ ﷺ مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبِّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَعَن سَعْد بن أَبِي وَقَّاص مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا غُفِرَ لَهُ.
وَرَوَى ابن وَهْب أَنّ النَّبِيّ ﷺ قَال (مَنْ سَلَّمَ عَلَيَّ عَشْرًا فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ رَقَبَةً) وَفِي بَعْض الآثار (لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ مَا أَعْرِفُهُمْ إِلَّا بِكَثْرَةِ صَلَاتِهِمْ عَلَيَّ) وَفِي آخَرَ إِنَّ أَنْجَاكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَهْوَالِهَا
وَمَوَاطِنِهَا أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً) وَعَنْ أَبِي بَكْر الصديق الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صلى الله
الحواشي
(١) (قوله فكم أَجْعَل لَك من صلاتي) قيل الصلاة هنا بمعنى الدعاء والمعنى أن لى زمانا أدعو فيه لنفسي فكم أَجْعَل لَك من ذلك الزمان الصلاة عليك (*)стр. 460
عَلَيْه وَسَلَّم أَمْحَق لِلذُّنُوب مِن الْمَاء الْبَارِد لِلنَّار، وَالسَّلَام عليه أفْضَل من عِتْق الرّقَاب
فصل فِي ذم من لَم يصل عَلَى النَّبِيّ ﷺ وإثمه
حَدَّثَنَا الْقَاضِي الشَّهِيدُ أَبُو عَلِيٍّ ﵀ حَدَّثَنَا أبو الفضل بن خيرون وأبو الحسن الصَّيْرَفِيُّ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا السِّنْجِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ مَحْبُوبٍ حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إبراهيم الدَّوْرَقِيُّ حَدَّثَنَا رَبْعِيُّ ابن إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال قال رسول الله ﷺ رغم أنف رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فلم يصل على وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دخل رمصان ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرُ فَلَمْ يُدْخِلاهُ الْجَنَّةَ) قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَظُنُّهُ قَالَ أَوْ أَحَدُهُمَا.
وَفِي حَدِيثٍ آخَر أَنّ النَّبِيّ ﷺ صعَد الْمِنْبَر فَقَال آمِينَ ثُمَّ صَعِدَ فَقَالَ آمِينَ ثُمَّ صَعِدَ فَقَالَ آمِينَ فَسَأَلَهُ مُعَاذٌ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ (إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ مَنْ سُمِّيتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ فَمَاتَ يدخل النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْ آمِينَ فَقُلْتُ آمِينَ وَقَالَ فِيمَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فَمَاتَ مِثْلَ ذَلِكَ وَمَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبَرَّهُمَا فَمَاتَ مِثْلَهُ) وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (الْبَخِيلُ الَّذِي ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فلم
الحواشي
(١) (قوله وأبو الحسين) بالتصغير (قوله الدورقى) نسبة إلى نوع من القلانس، وقال المزى تبعا لأبى أحمد الحاكم في الكنى هو منسوب إلى بلد (*)стр. 461
يُصَلِّ عَلَيَّ) وَعَنْ جَعْفَرِ بن مُحَمَّد عَن أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ على أحطئ بِهِ طَرِيقَ الْجَنَّةِ.
وَعَن عَلِيّ بن أَبِي طَالِب أَنّ رَسُول اللَّه ﷺ قَال (إِنَّ الْبَخِيلَ كُلَّ الْبَخِيلِ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ) وَعَن أَبِي هريرة قَال أَبُو الْقَاسِم ﷺ (أَيُّمَا قَوْمٍ جَلَسُوا مَجْلِسًا ثُمَّ تَفَرَّقُوا قَبْلَ أَنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ وَيُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ (من نَسِي الصَّلَاةَ عَلَيَّ نَسِيَ طَرِيقَ الْجَنَّةِ) وَعَن قَتَادَة عَنْه ﷺ (مِنَ الْجَفَاءِ أَنْ أُذْكَرَ عِنْدَ الرَّجُلِ فَلَا يُصَلَّي عَلَيَّ) وَعَن جَابِر عَنْه ﷺ (مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا ثُمَّ تَفَرَّقُوا عَلَى غَيْرِ صَلاةٍ عَلَى النبي ﷺ إِلَّا تَفَرَّقُوا عَلَى أَنْتَنِ مِنْ رِيحِ الْجِيفَةِ) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا يَجْلِسُ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَا يُصَلُّونَ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً وَإِنْ دَخَلُوا الْجَنَّةَ لِمَا يَرَوْنَ مِنَ الثَّوَابِ وَحَكى أَبُو عِيسَى التَرْمِذيّ عَن بَعْض أَهْل الْعِلْم قَال: إذَا صَلَّى الرَّجُل عَلَى النَّبِيّ ﷺ مَرَّة فِي المَجْلِس أجْزَأ عَنْه مَا كَان فِي ذَلِك المَجْلِس
فصل فِي تخصيصه ﷺ بتبليغ صَلَاة من صَلَّى عَلَيْه أَو سلم مِن الأنامِ
حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ حدثنا الحسين بن محمد حدثنا أبو عمر
الحواشي
(١) (قوله ترة) بكسر المثناة الفوقية وفتح الراء المخففة أي نقص وقيل تبعة (قوله من الجفاء) بفتح الجيم والمد هو ترك البر والصلة (*)стр. 462
الْحَافِظُ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ حَدَّثَنَا ابْنُ دَاسَةَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْفٍ حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ حَدَّثَنَا حَيْوَةُ عَنْ أَبِي صَخْرٍ حُمَيْدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: (مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇ وَذَكَر أَبُو بَكْر بن أَبِي شَيْبَة عَن أَبِي هُرَيْرَة قَال قَال رسول الله ﷺ (من صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا بُلِّغْتُهُ) .
وَعَنِ ابن مَسْعُود: إنّ الله مَلَائِكَةُ سَيَّاحِينَ فِي الأرض بلغوني عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ) وَنَحْوَه عَن أَبِي هُرَيْرَة.
وَعَن ابن عُمَر: أكْثِرُوا مِنَ السَّلَامِ عَلَى نَبِيِّكُمْ كُلَّ جُمُعَةٍ فَإِنَّهُ يُؤْتَى بِهِ مِنْكُمْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ.
وَفِي رِوَايَة: فَإِنَّ أَحَدًا لَا يُصَلِّي عَلَيَّ إِلَّا عُرِضَتْ صَلَاتُهُ عَلَيَّ حِينَ يَفْرُغَ مِنْهَا.
وَعَنِ الْحَسَنِ عَنْهُ ﷺ (حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي) .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ إِلَّا بُلِّغَهُ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عُرِضَ عَلَيْهِ اسْمُهُ.
وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ إِذَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ فَسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فإن رسول الله
الحواشي
(١) (قوله ابن عوف) هُو مُحَمَّد بن عوف بن سفيان الحمصى شيخ أبى داود والنسائي (قوله المقرى) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن بريد أحد الشيوخ البخاري (قوله نائيا) أي بعيدا (قوله بلغته) بضم الباء الموحدة وكسر اللام المشددة (قوله وعن أبى مسعود) كذا وَقَع فِي كثير من النسخ والصواب ابن مسعود
(قوله إلا بلغه) بضم الموحدة وكسر اللام المشددة (*)стр. 463
صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم قَال لَا تَتَّخِذُوا بَيْتِي عِيدًا، وَلَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُ كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ) وَفِي حَدِيث أوْس (أكْثِروا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ) وَعَنْ سُلَيْمَان بن سُحَيْم: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَؤْلَاءِ الَّذِينَ يَأتُونَكَ فَيُسَلَّمُونَ عَلَيْكَ أَتَفْقَهُ سَلامَهُمْ؟ قَالَ (نَعَمْ وَأَرُدُّ عَلَيْهِمْ) وَعَن ابن شِهَاب: بَلَغَنَا أَنّ رَسُول اللَّه ﷺ قَال: (أَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيَّ فِي اللَّيْلَةِ الزَّهْرَاءِ وَالْيَوْمِ الْأَزْهَرِ فَإِنَّهُمَا يُؤَدِّيَانِ عَنْكُمْ وَإِنَّ الأرض لا نأكل أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّي عَلَيَّ إِلَّا حَمَلَهَا مَلَكٌ حَتَّى يُؤَدِّيهَا إِلَيَّ وَيُسَمِّيهِ حَتَّى إِنَّه لَيَقُولُ إِنَّ فُلانًا يَقُولُ كَذَا وَكَذَا)
فصل فِي الاختلاف فِي الصَّلَاة عَلَى غَيْر النَّبِيّ ﷺ وسائر الْأَنْبِيَاء ﵈
قَال الْقَاضِي وَفَّقَه اللَّه عَامَّة أَهْل الْعِلْم مُتَّفِقُون عَلَى جَوَاز الصَّلَاة على غير النبي ﷺ وَرُوي عَن ابن عَبَّاس أنَّهُ لَا تَجُوزُ الصلاة على غير
الحواشي
(١) (قوله لا تتاخذوا بيتى عيدا) المراد بالبيت هنا القبر لأنه دفن في بينه ومعناه النهى عن الاجتماع لزيارته كالاجتماع للعيد فيحتمل أن يكون نهيه ﵇ عَنْ ذلك لدفع المشقة عن أمته وأن يكون مخافة أن يتجاوزوا في تعظيم قبره الحد (قوله وَلَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ قبورا) معناه عند البخاري لا يجعلوها كالمقابر التى لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فيها، ومعناه عند غيره: اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تجعلوها قبورا لأن الميت لا يصلى في قبره (قوله وَفِي حَدِيث أوْس بن أوس الثقفى الصحابي) أخرج هَذَا الْحَدِيث عَنْه الترمذي
في الصلاة وابن ماجه في الجنائز (*)стр. 464
النَّبِيِّ ﷺ ، وَرُوِيَ عَنْهُ لَا تَنْبَغِي الصَّلَاةُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا النَّبِيِّينَ، وَقَالَ سُفْيَانُ يُكْرَهُ أَنْ يُصَلَّى إِلَّا عَلَى نَبِيٍّ، وَوَجَدْتُ بِخَطِّ بعض شيوخ: مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يصل عَلَى أحَد مِن الْأَنْبِيَاء سِوَى مُحَمَّد ﷺ وَهَذَا غَيْر معروف من مَذْهِبه، وَقَد قَال مَالِك فِي المْبسُوط لِيَحْيَى ابن إِسْحَاق أكْرَه الصَّلَاة على غير الأنيباء وما ينبغى لما أَن نَتَعَدَّى مَا أمِرْنَا بِه قَال يَحْيَى بن يَحْيَى لسْت آخُذ بِقَوْلِه وَلَا بَأْس بِالصَّلَاة عَلَى الْأَنْبِيَاء كلهم وَعَلَى غَيْرِهِم.
وَاحْتَجّ بِحَدِيث ابن عُمَر وبما جاء فِي حَدِيث تَعْليم النَّبِيّ ﷺ الصَّلَاة عَلَيْه وَفِيه وَعَلَى أزْوَاجِه وَعَلَى آلِه وَقَد وَجَدْت مُعَلَّقًا عَن أبى عمران الفارسى رَوَى عَن ابن عَبَّاس ﵄ كَرَاهَة الصَّلَاة عَلَى غَيْر النَّبِيّ ﷺ قَال وَبِه نَقُول وَلَم يَكُن يُسْتَعْمَل فِيمَا مَضَى، وَقَد رَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَن أَبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (صَلُّوا عَلَى أنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَهُمْ كَمَا بعثنى) قالوا: والأساند عَن ابن عَبَّاس لَيّنَة والصَّلَاة فِي لِسَان العَرَب بَمَعْنَي التَّرَحُّم والدُّعَاء وَذَلِك عَلَى الإطْلاق حَتَّى يَمْنَع مِنْه حَدِيث صحيح أَو إجماع، وقد قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عليكم وملائكته الآيَةَ وَقَال: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وصل عليهم الآيَةَ.
وَقَال: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ورحمة: وَقَال النَّبِيّ ﷺ : اللَّهُمّ صل على آل أبي أوفى وكان إذا أتاه قَوْم بِصَدَقَتِهِم قَال: اللم صل على آل فلان، وفي حديث الصلاة: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، وَفِي آخر: وَعَلَى آل مُحَمَّد، قِيل أتْبَاعُه وَقِيل أمَّتُه وَقِيل آل
بَيْتِه وَقِيل الْأَتْبَاع ولرهط وَالْعَشِيرَة وَقِيل آل الرَّجُل وَلَدُه وَقِيل قَوْمُه، (٦ - ٢) (*)
стр. 465
وَقِيل أَهْلُه الَّذين حُرِّمَت عَلَيْهِم الصَّدَقَة، وَفِي رِوَايَة أَنَس سُئِل النَّبِيّ ﷺ من آل مُحَمَّد؟ قال (كل نفسي) ويجئ عَلَى مَذْهَبِ الْحَسَنِ أَنَّ المُرَادَ بِآلِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدٌ نَفْسُهُ فَإنَّه كَان يَقُول فِي صلاته عَلَى النَّبِيّ ﷺ اللَّهُمّ اجْعَل صَلَوَاتِك وَبَرَكَاتِك عَلَى آل مُحَمَّد يُرِيد نَفْسَه لِأَنَّه كان لا يُخِلّ بِالفَرْض وَيأْتِي بالنَّفْل لِأَنّ الفَرْض الَّذِي أمَر اللَّه تَعَالَى بِه هُو الصَّلَاة عَلَى مُحَمَّد نَفْسِه وَهَذَا مِثْل قَوْلِه ﷺ (لَقَدْ أُوتِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ) يُرِيد من مَزَامِير دَاوُد، وَفِي حَدِيث أَبِي حُمَيْد السَّاعِدِيّ فِي الصَّلَاة اللَّهُمّ صَلّ عَلَى مُحَمَّد وَأزْوَاجِه وَذُرِّيَّتِه، وَفِي حَدِيث ابن عُمَر أنَّه كَان يُصَلَّي عَلَى النَّبِيّ ﷺ وَعَلَى أَبِي بَكْر وعمر ذَكَرَه مَالِك فِي المُوطّإ من رِوَايَة يَحْيَى الأنْدَلُسِيّ وَالصَّحِيح من رِوَايَة غَيْرِه وَيَدْعُو لأبي بَكْر وعمر.
وَرَوَى ابن وَهْب عَن أَنَس بن مَالِك كُنَّا نَدْعُو لِأَصْحَابِنَا بالغَيْب فَنَقُول اللَّهُمّ اجْعَل مِنْك عَلَى فُلان صَلَوَات قَوْم أبْرَار الذين يَقُومُون باللَّيْل وَيصُومُون بالنَّهَار قَال الْقَاضِي وَالَّذِي ذَهَب إلَيْه المُحَقّقُون وَأمِيل إليه مَا قَالَه مَالِك وَسُفْيَان رَحِمَهُمَا اللَّه، وَرُوي عَن ابن عَبَّاس، واخْتَارَه غَيْر وَاحِد مِن الفُقَهَاء وَالمُتَكَلّمِين أنَّه لا يُصَلَّى عَلَى غَيْر الْأَنْبِيَاء عِنْد ذِكْرِهِم بَل هو شئ يُخْتَصّ بِه الْأَنْبِيَاء توقيرا وتعزيزا كما يخص اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ ذكره بالتنزيه والتقديس والتعظيم ولا يشاركه فيه غيره كذلك يجب تَخْصِيص النَّبِيّ ﷺ وَسَائِر الْأَنْبِيَاء بِالصَّلَاة وَالتَّسْلِيم وَلَا يُشَارَك فِيه سِوَاهُم كَمَا أمر الله به بِقَوْلِه (صَلُّوا عَلَيْهِ وسلموا تسليما) وَيُذُكَر من سِوَاهُم
مِن الْأَئِمَّة وَغَيْرِهِم بِالغُفْرَان وَالرّضَى كَمَا قَال تَعَالَى (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإيمان) وقال (والذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله
стр. 466
عنهم) أيْضًا فَهُو أمْر لَم يَكُن مَعْرُوفًا فِي الصَّدْر الأَوَّل كَمَا قَال أَبُو عِمْرَان وَإِنَّمَا أحدَثَه الرَّافِضَة وَالمُتِشَيّعَة فِي بَعْض الْأَئِمَّة فَشَارَكُوهُم عِنْد الذّكْر لَهُم بِالصَّلَاة وَسَاوَوْهُم بِالنَّبِيّ ﷺ فِي ذَلِك وأيْضًا فَإِنّ التَّشَبُّه بِأَهْل الْبِدَع مَنْهِيّ عَنْه فَتجِب مُخَالَفَتُهُم فِيمَا الْتَزَمُوه من ذَلِك وَذَكَر الصَّلَاة عَلَى الآل وَالْأزْواج مَع النَّبِيّ ﷺ بحكم التبع وَالْإضَافَة إليْه لَا عَلَى التَّخْصِيص قَالُوا وَصَلَاة النَّبِيّ ﷺ عَلَى من صَلَّى عَلَيْه مَجْرَاهَا مَجْرَى الدُّعَاء وَالمُوَاجَهة لَيْس فِيهَا مَعْنَي التَّعْظِيم وَالتَّوْقِير قَالُوا وَقَد قَال تَعَالَى (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بعضا) فكذلك يَجِب أَن يَكُون الدُّعَاء لَه مُخَالِفًا لِدُعَاء النَّاس بَعْضُهُم لِبَعْض، وَهَذَا اخْتِيَار الْإِمَام أَبِي الْمُظَفَّر الإسِفَرائِنِيّ من شُيُوخِنَا، وبه قَال أبو عمر بن عبد البر
فصل فِي حكم زيارة قبره ﷺ وفضيلة من زاره سلم عَلَيْه وكيف يسلم ويدعو وزيارة قَبْرِه ﷺ سُنَّة من سُنَن الْمُسْلمين مُجْمَع عليها وفضيلة مُرَغَّب فِيهَا * حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاضِي الْمَحَامِلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا محمد بن عبد الرزاق قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هِلالٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي) وَعَن أَنَس بن مَالِك قَال قال رسول الله صلى اله عَلَيْه وَسَلَّم (مَنْ زَارَنِي فِي الْمَدِينَةِ مُحْتَسِبًا كَانَ فِي جِوَارِي وَكُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَفِي حَدِيث آخَر (مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي
стр. 467
فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي) وَكَرِه مَالِكٌ أَن يقال زُرْنَا قَبْر النَّبِيّ ﷺ ، وَقَد اخْتُلِف فِي مَعْنَي ذَلِك فَقِيل كَرَاهِيَة الاسْم لما وَرَد من قَوْلِه ﷺ (لعن الله زوارات القبور) وهذا يرده قوله (نهيتم عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَقَوْلُه (مَنْ زَارَ قَبْرِي) فَقَدْ أَطْلَقَ اسْمَ الزِّيَارَةِ وَقِيلَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمَّا قِيلَ إِنَّ الزَّائِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَزُورِ وَهَذَا أَيْضًا ليس بشئ إِذْ لَيْسَ كُلُّ زَائِرٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلَيْسَ هَذَا عُمُومًا، وَقَد وَرَد فِي حَدِيث أَهْل الْجَنَّةِ زيارتهم لربهم وَلَم يُمْنَع هَذَا اللَّفْظ فِي حَقّه تَعَالَى وَقَال أَبُو عِمْرَان ﵀ إنَّمَا كَرِه مَالِك أَن يقال طَواف الزّيَارَة وَزُرْنَا قَبْر النَّبِيّ ﷺ لاسْتِعْمَال النَّاس ذَلِك بَيْنَهُم بَعْضِهم لِبَعْض وكَرِه تَسْويَة النَّبِيّ ﷺ مَع النَّاس بَهَذَا اللَّفْظ وَأحَبّ أن يُخَصّ بِأَن يقال سَلَّمْنَا عَلَى النَّبِيّ ﷺ وَأيْضًا فَإِنّ الزّيَارَة مُبَاحَة بَيْن النَّاس وَوَاجِب شَدّ الْمُطِيّ إِلَى قَبْرِه ﷺ يُرِيد بالْوُجُوب هنا وُجُوب نَدْب وَتَرَغِيب وَتَأْكِيد لَا وُجُوب فَرْض وَالْأَوْلَى عندي أَنّ مَنْعَه وَكَرَاهَة مَالِك لَه لإضَافَتِه إِلَى قَبْر النَّبِيّ ﷺ وَأنَّه لَو قَال زُرْنَا النبي لَم يَكْرَهْه لِقَوْلِه ﷺ (اللَّهُمَّ لَا تعجعل قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ بَعْدِي، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)
الحواشي
(١) (قوله وَكَرِه مَالِكٌ أَن يقال) قَال أَبُو عُمَر بن عَبْد البَرّ إنَّمَا كَرِه مَالِك أَن يقال طَواف الزّيَارَة وزيارة النَّبِيّ ﷺ لاسْتِعْمَال النَّاس ذلك بعضهم لبعض فكره تَسْويَة النَّبِيّ ﷺ بهذا اللفظ مع الناس وَأحَبّ أن يُخَصّ بِأَن يقال سَلَّمْنَا عَلَى النبي ﷺ ، قال وأيضا الزّيَارَة مُبَاحَة بَيْن النَّاس وَوَاجِب شَدّ
الْمُطِيّ إِلَى قَبْرِه ﷺ ، يُرِيد وجوب التبرع لا وجوب الفرائض (*)стр. 468
فَحَمَى إضَافَة هَذَا اللّفْظ إِلَى القَبْر وَالتَّشَبُّه بِفِعْل أولئِك قَطْعًا لِلذّرِيعَة وَحَسْمًا لِلْبَاب والله أَعْلَم، قَال إِسْحَاق بن إبْرَاهِيم الْفَقِيه: ومما لَم يَزَل من شَأْن من حَجّ المُرُور بالمَدِينَة وَالْقَصْد إِلَى الصَّلَاة فِي مسجد رَسُول اللَّه ﷺ وَالتَّبَرُّك بِرُؤْيَة رَوْضَتِه وَمنْبَرِه وَقَبْرِه وَمَجْلِسِه وَمَلامِس يَدَيْه وَمَوَاطِئ قَدَمَيْه وَالعَمُود الذى كان يستبد إليْه وَيَنْزِل جِبْرِيل بِالْوَحْي فِيه عَلَيْه وَبِمَن عمره وقصده مِن الصَّحَابَة وأئِمَّة المُسْلِمين والاعْتِبَار بِذَلِك كُلّه، وقال ابن أَبِي فُديْك سَمِعْت بَعْض من أَدْرَكْت يَقُول: بَلَغَنَا أنَّه من وَقَف عِنْد قبر النَّبِيّ ﷺ فَتَلَا هَذِه الآيَة: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) ثُمَّ قَال صَلَّى اللَّه عَلَيْك يَا مُحَمَّد من يَقُولُهَا سَبْعِين مَرَّة، نادَاه مَلَك صَلَّى اللَّه عَلَيْك يَا فُلان وَلَم تَسْقُط لَه حَاجة وَعَن يَزِيد ابن أَبِي سَعِيد المَهْرِيّ قَدِمْت عَلَى عُمَر بن عَبْد الْعَزِيز فَلَمّا وَدَّعْتُه قَال: لِي إِلَيْك حاجة: إذَا أتَيْت الْمَدِينَة سَتَرَى قَبْر النَّبِيّ ﷺ فَأَقْرِه منّي السَّلَام، قَال غَيْرُه وَكَان يُبْرِد إلَيْه البَرِيد مِن الشَّام قَال بَعْضُهُم رَأَيْت أَنَس بن مَالِك أتى قَبْر النَّبِيّ ﷺ فَوَقَف فَرَفَع يَدَيْه حَتَّى ظَنَنْت أنَّه افْتتح الصَّلَاة فَسَلَّم عَلَى النَّبِيّ ﷺ ثُمّ انْصَرَف وَقَال مَالِك فِي رِوَايَة ابن وَهْب إذَا سَلَم عَلَى النَّبِيّ ﷺ وَدَعَا يقف ووجه إِلَى القَبْر لَا إِلَى القِبْلَة وَيَدْنُو وَيُسَلّم وَلَا يَمَسّ القَبْر بِيَدِه وَقَال في المَبْسُوط لَا أرَى أَن يَقِف عِنْد قبر النَّبِيّ ﷺ يَدْعُو وَلكِن يُسَلّم ويَمْضِي، قَال ابن أَبِي مُلَيْكَة من أحَبّ أن يقوم وجاء
الحواشي
(١) (قوله وَكَان يُبْرِد إلَيْه البريد) المراد بالبريد هنا الرسول المستعجل (*)стр. 469
النَّبِيّ ﷺ فَلْيَجْعَل القْندِيل الَّذِي فِي القِبْلَة عِنْد القَبْر عَلَى رَأْسِه، وَقَال نافِع: كَان ابن عُمَر يُسَلّم عَلَى القَبْر رَأيْتُه مِائَة مرة وأكثر يجئ إِلَى القَبْر فَيَقُول السَّلَام عَلَى النَّبِيّ ﷺ السَّلَام عَلَى أَبِي بَكْر السَّلَام عَلَى أَبِي ثُمّ ينصرف، وروى ابن عُمَر وَاضِعًا يَدَه عَلَى مَقْعَد النَّبِيّ ﷺ من المنبر ثم وَضَعَهَا عَلَى وَجْهِه.
وَعَن ابن قُسَيْط وَالْعُتْبِيّ كَان أصْحَاب النبي ﷺ إذَا خلَا الْمَسْجِد حَسُّوا رُمَّانَة الْمِنْبَر التي تَلِي القَبْر بِمَيَامِنِهِم ثُمّ اسْتَقْبَلُوا القِبْلَة يَدْعُون، وَفِي المُوَطّأ من رِوَايَة يحيى بن يَحْيَى اللَّيْثِيّ أنَّه كَان يَقِف عَلَى قَبْر النَّبِيّ ﷺ فَيُصَلّي عَلَى النبي وَعَلَى أَبِي بَكْر وعمر وعند ابن الْقَاسِم والقَعْنَبِيّ وَيَدْعُو لأبي بَكْر وَعُمَر قَال مَالِك فِي رِوَايَة ابن وَهْب يَقُول المُسَلّم السَّلَام عَلَيْك أيُّهَا النَّبِيّ ورحمة اللَّه وَبَرَكَاتُه، قَال فِي المَبْسُوط وَيُسَلّم عَلَى أَبِي بَكْر وعمر قَال الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيد البَاجِيّ وَعِنْدِي أنَّه يَدْعُو للنَّبِيّ ﷺ بِلَفْظ الصَّلَاة وَلأبِي بَكْر وعمر كَمَا فِي حَدِيث ابن عُمَر من الْخِلَاف، وَقَال ابن حَبِيب وَيَقُول إذَا دَخَل مَسْجِد الرَّسُول باسْم اللَّه وَسَلام عَلَى رَسُول اللَّه السَّلَام عَلَيْنَا من رَبّنَا وصلى اللَّه وملائكة عَلَى مُحَمَّد اللَّهُمّ اغْفِر لِي ذُنُوبي وَافْتَح لِي أبْوَاب رَحْمَتِك وَجَنّتِك وَاحْفَظْنِي مِن الشَّيْطَان الرَّجِيم ثُمّ اقْصِد إِلَى الرَّوْضَة وَهِي مَا بَيْن القَبْر وَالْمِنْبَر فَارْكَع فِيهَا رَكْعَتَيْن قَبْل وُقُوفِك بالْقَبْر تحمد الله فبهما وَتَسْألُه تَمَام مَا خرجت
الحواشي
(١) (قوله القنديل) بكسر القاف وأما بفتحها فالعظيم الرأس (قوله وفى العتبية) بضم العين المهملة وسكون المثناة الفوقية بعدها موحدة وياء للنسبة إلى فقيه الأندلس محمد بن أحمد بن عبد العزيز العتبى القرطبى مصنفها وهو ابن موالى عُتْبَةَ بن أَبِي سفيان (*)стр. 470
إليْه وَالعَوْن عَلَيْه وإن كانت كعتاك فِي غَيْر الرَّوْضَة أجزأناك وَفِي الرَّوْضَة أَفْضَل وَقَد قَال ﷺ (مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ ترع الجنة) ثم تَقِفْ بِالْقَبْرِ مُتَوَاضِعًا مُتَوَقِّرًا فَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَتُثْنِي بِمَا يَحْضُرُكَ وَتُسَلِّم عَلَى أَبِي بَكْر وعمر وَتَدْعُو لهما وأكثر من الصلاة في مسجد النبي ﷺ بالليل والنهار ولا تدع أن تأتي مسجد قبا وَقُبُور الشُّهَدَاء، قَال مَالِك فِي كِتَاب مُحَمَّد: وَيُسَلّم عَلَى النَّبِيّ ﷺ إذَا دَخَل وَخَرج يَعْنِي فِي الْمَدِينَة وَفِيمَا بَيْن ذَلِك قَال مُحَمَّد وَإذَا خَرَج جَعَل آخِر عَهْدِه الوُقُوف بِالْقَبْر وَكَذَلِك من خَرَج مُسَافِرًا، وَرَوَى ابن وَهْب عَن فاطِمة بِنْت النَّبِيّ ﷺ أَنّ النَّبِيّ ﷺ قَال (إذَا دَخَلْت الْمَسْجِد فَصَلّ عَلَى النَّبِيّ ﷺ وقل اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لِي أبْوَاب رَحْمَتِك وإذا خَرَجَت فَصَلّ عَلَى النَّبِيّ ﷺ وقل اللهم اغْفِر لِي ذُنُوبِي وَافْتَح لِي أبْوَاب فَضْلِك وَفِي رِوَايَة أخرى فَلْيُسَلّم مَكان فَلْيُصَلّ فِيه وَيَقُول إذَا خَرَج اللَّهُمَّ إِنَّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ وَفِي أُخْرَى (اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) وَعَنْ مُحَمَّد بن سِيرين: كَان النَّاس يَقُولُون إذا دَخَلُوا الْمَسْجِد صَلَّى اللَّه وملائِكتُه عَلَى مُحَمَّد السَّلَام عَلَيْك أيُّهَا النَّبِيّ ورحمة اللَّه وبركاتُه بِاسم اللَّه دَخَلْنَا وبِاسم اللَّه خَرَجْنَا وَعَلَى اللَّه تَوَكَّلْنَا، وكانوا يقولون إذَا خَرَجُوا مِثْل ذَلِك، وَعَن فاطمة أيْضًا كَان النَّبِيّ ﷺ إذَا دَخَل الْمَسْجِد قَال صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، ثُمّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيث فاطمة قَبْل هَذَا وَفِي رِوَايَة حَمِد اللَّه وَسَمَّى وَصَلَّى عَلَى النبي ﷺ وَذَكَر مِثْلُه، وَفِي رِوَايَة باسم اللَّه والسلام عَلَى رَسُول الله، وَعَن غَيْرِهَا
стр. 471
كان رسول الله ﷺ إذَا دَخَل الْمَسْجِد قَال (اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَيَسِّرْ لِي أَبْوَابَ رِزْقِكَ) وَعَن أَبِي هُرَيْرَة إذَا دَخَل أحَدُكُم الْمَسْجِد فَلْيُصَلّ عَلَى النَّبِيّ ﷺ وَلْيَقُل (اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي) وَقَال مَالِك فِي الْمَبْسُوط وَلَيْس يَلْزَم من دَخَل الْمَسْجِد وَخَرَج مِنْه من أَهْل الْمَدِينَة الْوُقُوف بِالْقَبْر وَإِنَّمَا ذَلِك لِلْغُرَبَاء وَقَال فِيه أيْضًا لَا بَأس لمن قَدِم من سَفَر أَو خَرَج إِلَى سفر أَنّ يَقِف عَلَى قَبْر النَّبِيّ ﷺ فَيُصَلَّي عَلَيْه وَيَدْعُو لَه وَلِأَبِي بَكْر وعمر فَقِيل لَه إنّ نَاسًا من أَهْل الْمَدِينَة لَا يَقْدُمُون من سَفَر وَلَا يُريدُونَه يَفْعَلُون ذَلِك فِي الْيَوْم مَرَّة أَو أكْثَر ورُبَّمَا وَقَفُوا فِي الْجُمُعَة أَو فِي الأيام الْمَرَّة أَو الْمَرَّتَيْن أَو أكْثَر عِنْد الْقَبْر فيسلمون ويدعو سَاعة فَقَال لَم يَبْلُغْنِي هَذَا عَن أَحَد من أَهْل الْفِقْه بِبَلَدِنَا وَتَرْكُه وَاسِع وَلَا يُصْلِح آخِر هَذِه الْأُمَّة إلَّا مَا أصْلَح أوَّلَهَا وَلَم يَبْلُغْنِي عَن أَوَّل هَذِه الْأُمَّة وَصَدْرِهَا انهم كَانُوا يَفْعلُون ذَلِك: ويُكْرَه إلَّا لِمَن جَاء من سَفَر أَو أرادَه، قَال ابن الْقَاسِم وَرَأَيْت أَهْل الْمَدِينَة إذَا خَرَجُوا مِنْهَا أَو دَخَلُوهَا أتَوا الْقَبْر فَسَلَّمُوا، قَال وَذَلِك رَأْي قَال الباجيّ فَفَرْق بَيْن أَهْل الْمَدِينَة وَالْغُرَبَاء لِأَنّ الْغُرَبَاء قَصَدُوا لِذَلِك وَأَهْل الْمَدِينَة مُقِيمُون بِهَا لَم يَقْصِدُوها من أجْل الْقَبْر وَالتّسْلِيم، وَقَال ﷺ ، اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قبور أنبيائهم مَسَاجِدَ) وَقَال (لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا) وَمِن كِتَاب أَحْمَد بن سَعِيد الهِنْدِيّ فِيمن وَقَف بِالقبر: لَا يَلْصَق بِه وَلَا يَمَسّه وَلَا يَقِف عِنْدَه طَوِيلًا، وَفِي الْعُتْبِيَّة يَبْدَأ بالرُّكوع قَبْل السَّلَام فِي مسجد النَّبِيّ ﷺ وَأحَبّ مَوَاضِع التّنَفُّل
стр. 472
فِيه مُصَلَّى النَّبِيّ حَيْث الْعَمُود الْمُخَلَّق، وَأَمَّا فِي الْفَرِيضَة فَالتَّقَدُّم إِلَى الصُّفُوف والتنفل فِيه لِلْغَُربَاء أحَبّ إلى من التنفل فِي البيوت
فصل فِيمَا يَلْزَم من دَخَل مَسْجِد النَّبِيّ ﷺ مِن الْأَدَب سِوَى مَا قَدَّمْنَاه وَفَضْلِه وَفَضْل الصَّلَاة فِيه وَفِي مَسْجِد مَكَّة وَذَكَر قبْرِه وَمَنْبَرِه وفصل سُكْنى الْمَدِينَة ومَكَّة .
قَال اللَّه تَعَالَى (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تقوم فيه) روي أن النبي ﷺ سُئِلَ أَيُّ مَسْجِدٍ هُوَ؟ قَالَ (مَسْجِدِي هَذَا) وَهُوَ قول ابن المسيب وزيد بن ثابت وَابْن عُمَر ومالك بن أَنَس وَغَيْرِهِم.
وَعَن ابن عَبَّاس أنَّه مَسْجِد قُبَاء حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ حدثنا أبو عُمَرَ النَّمَرِيُّ حَدَّثَنَا أبو محمد بن عبد المومن حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عن سعيد ابن الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا تُشَدُّ الرَّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقَصَى) وَقَد تَقَدمَت الآثار فِي الصَّلَاة والسَّلَام عَلَى النَّبِيّ ﷺ عِنْد دُخُول الْمَسْجِد) وَعَن عَبْد اللَّه بن عَمْرو بن العاص أَنّ النَّبِيّ ﷺ كان إذَا دَخَل الْمَسْجِد قَال: أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَقَال مَالِك
الحواشي
(١) (قوله روي أن النبي ﷺ سأل أي مجسد) أخرج هذا الحديث مسلم في آخر المالك والترمذي والكسائي في التفسير (*)стр. 473
رَحِمَه اللَّه سَمِع عُمَر بن الْخَطَّاب ﵁ صَوْتًا فِي الْمَسْجِد فَدَعَا بِصَاحِبه
فَقَال مِمَّن أنْت؟ قَال: رَجُل من ثَقِيف، قَال لَو كُنْت من هَاتَيْن الْقَرْيَتَيْن لِأَدَّبْتُك إنّ مَسْجِدَنَا لَا يُرْفَع فِيه الصوت، قال مُحَمَّد بن مَسْلمَة: لَا يَنْبَغِي لأحَد أن يَعْتَمِد الْمَسْجِد بِرَفْع الصّوْت ولا بشئ مِن الْأَذَى وأن يُنَزَّه عَمَّا يُكْرَه، قَال الْقَاضِي حَكَى ذَلِك كُلَّه الْقَاضِي إِسْمَاعِيل فِي مَبْسُوطِه فِي باب فضل مسجد النَّبِيّ ﷺ وَالْعُلَمَاء كُلُّهُم مُتَّفِقُون أَنّ حُكْم سَائِر الْمَسَاجد هَذَا الحُكُم، قَال الْقَاضِي إِسْمَاعِيل وَقَال مُحَمَّد بن مَسْلَمَة وَيُكْرَه فِي مَسْجِد الرَّسُول ﷺ الْجهْر عَلَى الْمُصَلّين فِيمَا يُخَلّط عَلَيْهِم صَلاتهُم وَلَيْس مِمَّا يُخَصّ بِه الْمَسَاجِد رَفْع الصوت وَقَد كَرِه رَفْع الصَّوْت بالتَّلْبِيَة فِي مَسَاجِد الْجَمَاعَات إلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَسْجِدنَا وَقَال أَبُو هُرَيْرَة عَنْه ﷺ (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) قَالَ الْقَاضِي اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَي هَذَا الاستثناء على اختلفاهم فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَذَهَبَ مَالِكٌ في رواية أشْهَب عَنْه وقاله ابن نافه صاحِبُه وجماعة أصحابه إِلَى أن مَعْنَي الْحَدِيث أَنّ الصَّلَاة فِي مسجد الرَّسُول أفضل مِن الصلاة في سائر المساجد بألف
الحواشي
(١) (قوله لَو كُنْت من هاتين القريتين) يريد مكة والمدينة (قوله الْقَاضِي إِسْمَاعِيل فِي مبسوطه) هو ابن اسحاق بن اسماعيل بن حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ الأزدي مولاهم البغدادي المالكى توفى فجاءه سنة اثنين وثمانين ومائتين (قوله إِلَى أن مَعْنَي الْحَدِيث أَنّ الصَّلَاة فِي مسجد الرسول إلى آخره) قيل يرد هذا التأويل ما في مسند أحمد من حديث عبد الله ابن الزبير أن النبي ﷺ قال (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هذا أفضل مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أفْضَل مِن مائة صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هذا) قال حديث حسن (*)стр. 474
صَلَاة إلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام فَإِنّ الصَّلَاة فِي مسجد النَّبِيّ ﷺ أفْضَل مِن الصَّلَاة فِيه بِدُون الألْف، وَاحْتَجُوا بِمَا روي عن عمر بن الخطاب ﵁ (صَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام خَيْر من مِائَة صَلَاة فِيمَا سِوَاه فَتَأْتِي فَضِيلَة مسجد الرَّسُول ﷺ بِتِسْعمِائَة وَعَلَى غَيْرِه بِألْف وهذا مَبْنِيّ عَلَى تَفْضِيل الْمَدِينَة عَلَى مكة عَلَى مَا قَدَّمْنَاه وَهُو قَوْل عُمَر بن الْخَطَّاب ومالك وَأكْثَر الْمَدنيّين وَذَهَب أَهْل مَكَّة وَالْكُوفَة إِلَى تَفْضَيل مَكَّة وَهُو قَوْل عَطَاء وَابْن وَهْب وَابْن حَبِيب من أصْحَاب مَالِك وَحَكاه البَاجِيّ عَن الشَّافِعِيّ وَحَمَلُوا الاسْتِثْنَاء فِي الْحَدِيث المُتَقدّم عَلَى ظَاهِرِه وَأَنّ الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أفْضَل وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث عَبْد اللَّه بن الزُّبَيْر عَن النَّبِيّ ﷺ بِمِثْل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَفِيه (وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أفْضَل مِن الصَّلَاة فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَة صَلَاة) * وَرَوَى قَتَادَة مِثْلَه، فَيَأْتِي فَضْل الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام عَلَى هَذَا عَلَى الصَّلَاة فِي سَائِر الْمَسَاجِد بِمِائَة ألف وَلَا خِلَاف أن مَوْضع قَبْرِه أفْضَل بِقَاع الْأَرْض، قَال الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيد الباجيّ: الَّذِي يَقْتَضِيه الْحَدِيث مُخَالفَة حَكْم مَسْجِد مَكَّة لِسَائِر الْمَسَاجِد وَلَا يُعْلَم مِنْه حُكْمُهَا مَع الْمَدِينَة، وَذَهَب الطَّحَاويّ إِلَى أَنّ هذا التفضيل إنَّمَا هُو فِي صَلَاة الفَرْض، وذَهَب مُطَرّف من أصْحَابِنَا إِلَى أَنّ ذَلِك فِي النَّافِلَة أيْضًا قَال وَجُمُعَةٌ خَيْر من جُمُعَة وَرَمَضَان خَيْر من رَمَضَان وَقَد ذَكَر عَبْد الرَّزَّاق فِي تَفْضِيل رمضان بِالْمَدِينَة وَغَيْرِهَا حديثًا نَحْوَه وَقَال ﷺ مَا بَيْنَ بيتى ومنبرى
الحواشي
(١) (قوله وحكاه الباجى) هو الحافظ أبو يحيى زكريا بن يحيى العتبى البصري، أخذ الأشعري عنه مقالة أهل الحديث (*)стр. 475
رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ) ومثله عَن أَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي سَعِيد وَزَاد (وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي) وَفِي حَدِيث آخَر (مَنْبَرِي عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ) قَال الطَّبَرِيّ فِيه مَعْنَيَان أحَدُهُمَا أَنّ المُرَاد بِالْبَيْت بَيْت سُكْنَاه عَلَى الظَّاهِر مَع أنَّه رُوِي مَا يُبَيِّنُه (بَيْنَ حُجْرَتِي وَمِنْبَرِي) والثَّاني أَنّ البَيْت هنا القَبْر وَهُو قَوْل زَيْد بن أسْلَم فِي هَذَا الْحَدِيث كَمَا رُوِي بَيْن قَبْرِي وَمِنْبَرِي، قَال الطَّبَرِيّ وَإذَا كَان قَبْرُه فِي بَيْتِه اتَّفَقَت مَعَانِي الرّوَايات وَلَم يَكُن بَيْنَهَا خِلَاف لِأَنّ قَبْرَه فِي حُجْرَتِه وَهُو بَيْتُه، وَقَوْلُه (وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي) قِيل يَحْتَمِل أنَّه مِنْبَرُه بِعَيْنِه الَّذِي كَان فِي الدُّنْيَا وَهُو أظْهَر وَالثَّانِي أَنْ يَكُون لَه هناك مِنْبَر وَالثَّالث أَنّ قَصْد مِنْبَرِه وَالْحُضُور عِنْدهُ لملازمة الأعمال الصلالحة يُورد الْحَوْض وَيُوجب الشُّرْب مِنْه قَالَه البَاجِيّ، وَقَوْلُه (رَوْضَة من رِيَاض الْجَّنة) يَحْتَمِل معْنَيَيْن أحَدُهُمَا أنَّه مُوجِب لِذَلِك وَأَنّ الدُّعَاء وَالصَّلَاة فِيه يَسْتَحِقّ ذَلِك مِن الثَّوَاب كَمَا قِيل: الْجَّنة تحت ظلال السيوف والثانى أَنّ تِلْك البُقْعَة قَد يَنْقُلُهَا اللَّه فَتَكُون فِي الْجَّنة بِعَيْنَهَا، قَالَه الدَّاوُديّ * وَرَوَى ابن عُمَر وَجَمَاعَة مِن الصَّحَابَة أَنّ النَّبِيّ ﷺ قَال فِي الْمَدِينَة (لَا يَصْبِرُ عَلَى لأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَقَالَ فَيمَنْ تَحَمَّلَ عَنِ الْمَدِينَةِ (وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) وَقَال (إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا) وَقَال (لَا يَخْرُجُ
الحواشي
(١) (قوله على لأوائها) أي شتائها وصيفها (قوله شفيعا أو شهيدا) أي شفيعا لبعضهم أو شهيدا لبعضهم، فأو: هنا للتقسيم وليس للشك من الراوى لأنه رواه عدة من الصحابة بهذا اللفظ (قوله كالكير) قال ابن الأثير: كير الحداد هو المبنى من الطين وقيل الزق الذى ينفخ به النار، والمبنى من الطين: الكور (*)стр. 476
أَحَدٌ مِنَ الْمَدِينَةِ رَغْبَةً عَنْهَا إِلَّا أَبْدَلَهَا اللَّهُ خَيْرًا مِنْه.
وَرُوي عَنْه ﷺ (مَنْ مَاتَ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ وَلَا عَذَابَ) وَفِي طَرِيقٍ آخَرَ (بُعِثَ مِنَ الآمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ (مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا) * وَقَال تَعَالَى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا) إِلَى قَوْلِهِ: (آمِنًا) قَال بَعْض الْمُفَسِّرِين آمِنًا مِن النَّار وَقِيل كَان يَأْمَن مِن الطَّلَب من أحْدَث حَدَثًا خَارجًا عَن الْحَرَم وَلَجَأ إليْه فِي الْجَاهِلِيَّة.
وَهَذَا مِثْل قَوْلِه: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا) على قوله بَعْضِهِمْ * وَحُكِي أَنَّ قَوْمًا أَتَوْا سَعْدُون الْخَوْلانِيّ بِالْمُنَستير فَأَعْلَمُوه أَنّ كُتَامَة قَتَلُوا رَجُلًا وَأضْرَمُوا عَلَيْه النَّار طُول اللَّيْل فَلَم تَعْمَل فِيه شَيْئًا وَبَقِي أبْيَض الْبَدَن فَقَال: لَعَلَّه حَجّ ثَلَاث حِجَج؟ قَالُوا نَعَم، قَال حُدِّثْتُ أَنَّ مَنْ حَجَّ حَجَّةً أَدَّى فَرْضَهُ وَمَنْ حَجَّ ثَانِيَةً دَايَنَ رَبَّهُ، وَمَنْ حَجَّ ثَلاثَ حِجَجٍ حَرَّمَ اللَّهُ شَعَرَهُ وَبَشَرَهُ عَلَى النَّارِ، وَلَمَّا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْكَعْبَةِ قَالَ: (مَرْحَبًا بِكَ مِنْ بَيْتٍ مَا أَعْظَمَكَ وَأَعْظَمَ حُرْمَتِكَ) وَفِي الْحَدِيث عَنْه ﷺ (مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ) وَكَذَلِك عِنْدَ الْمِيزَابِ، وَعَنْهُ ﷺ (مَنْ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَحُشِرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الآمِنِينَ) قال الفقيه
الحواشي
(١) (قوله سعدون) بفتح السين المهملة، والقياس صرفه وصرف حمدون، وقد وقعا في كتب الحديث المعتمدة غير مصروفين (قوله بالمنستير) بميم مضمومة فنون مفتوحة فسين مهملة ساكنة فمثناة فوقية مكسورة: مكان بالقيروان (*)стр. 477
القاضي أبو الفضل فرأت على القاضى الحافظى أَبِي عَلِيّ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْعُذْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ محمد الْهَرَوِيُّ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ابن رَشِيقٍ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِدْرِيسَ سَمِعْتُ الْحُمَيْدِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (مَا دَعَا أحد شئ فِي هَذَا الْمُلْتَزَمِ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ) قَال ابن عباس وأنا فما دعوت الله شئ في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من رسول الله ﷺ إلا استجيب لي، وقال عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ وأنا فما دعوت الله تعالى بشئ في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من ابن عباس إلَّا اسْتُجِيب لِي، وقال سفيان وأنا فما دعوت الله بشئ في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من عَمْرو إلَّا استجيب لي، قَال الْحُمَيْدِيّ وَأَنَا فَمَا دعوت الله شئ في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من سُفْيَان إلَّا اسْتُجِيب لِي، وَقَال مُحَمَّد بن إدريس وأنا فما دعوت الله بشئ في هذا الملتزم منذ سمعت هذا مِن الْحُمَيْدِيّ إلَّا اسْتُجِيب لِي، وَقَال أَبُو الْحَسَن مُحَمَّد بن الْحَسَن وَأَنَا فَمَا دَعَوْت اللَّه بشئ في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من مُحَمَّد بن إدريس إلَّا استجِيب لِي: قَال أَبُو أُسَامَة وَمَا أذكُر الْحَسَن بن رَشِيق قَال فِيه شَيْئًا وَأَنَا فَمَا دعوت اللَّه بشئ في هذا الملتزم منذ سمعت هذا مِن الْحَسَن بن رشيق إلَّا استجيب لِي من أمْر الدُّنْيَا وَأَنَا أرْجُو أن يُسْتَجَاب لِي من أمْر الآخِرَة قَال العُذْرِيّ وَأَنَا فَمَا دعوت الله بشئ في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من أَبِي أُسَامَة إلَّا استجيب لِي قَال أَبُو عَلِيّ وَأَنَا فَقَد دَعَوت اللَّه فِيه بِأشْيَاء كثيرة استجيب
الحواشي
(١) (قوله الملتزم) هو ما بين الحجر الأسود وباب الكعبة، قال الأزرقي هو قدر أربعة
أذرع، سمى بذلك لان الناس يلتزمونه في الدعاء (*)стр. 478
لِي بَعْضُهَا وأنا أرْجُو من سِعَة فَضْلِه أَنْ يَسْتَجِيب لِي بَقِيَّتَهَا، قَال الْقَاضِي أَبُو الفضل ذَكَرْنَا نُبَذًا من هذه النّكَت فِي هَذَا الْفَصْل وَإِنْ لَم تَكُن مِن الْبَاب لتملقها بالْفَصْل الَّذِي قَبْلَه حرْصًا عَلَى تَمَام الفَائِدة والله المُوَفَّق لِلصّوَاب بِرَحْمَتِه
الْقَسَم الثالث فِيمَا يَجب للنَّبِيّ ﷺ وَمَا يَسْتَحِيل فِي حَقّه أَو يَجُوز عَلَيْه وَمَا يَمْتَنِع أَو يَصِحّ مِن الأحْوَال البَشَرِيّة أن يضاف إليه:
قال اللَّه تَعَالَى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ حلت مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفائن مات أو قتل) الآية، وقال تعالى (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطعام) وَقَال (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأسواق) وَقَال تَعَالَى (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ) الآيَةَ فَمُحَمَّد ﷺ وَسَائِر الْأَنْبِيَاء مِن البشر أرسلوا إلى البَشَر وَلَوْلَا ذَلِك لَما أطَاق النَّاس مُقَاوَمَتَهُم وَالقَبُول عَنْهُم وَمُخَاطَبَتَهُم قَال اللَّه تَعَالَى) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا) أَي لَما كَان إلا في صُورَة البَشَر الذين يُمْكِنُكُم مُخَالَطَتُهُم إذ لَا تُطِيقُون مُقَاوَمَة الملك ومحاطبته وَرُؤْيَتِه إذَا كَان عَلَى صُورَتِه، وَقَال تَعَالَى (قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا) أَيْ لَا يُمْكِن فِي سُنَّة اللَّه إرْسَال المَلَك إلَّا لِمَن هُو من جِنْسِه أَو من خصه الله تعالى واصطفاه وفواه عَلَى مُقَاوَمَتِه كَالْأَنْبِيَاء والرسل فالأنبياء وَالرُّسُل ﵈ وَسَائِط بَيْن اللَّه تَعَالَى وبين
стр. 479
خنقه يُبَلّغُونَهُم أوَامِرَه وَنَواهِيه وَوَعْدَه وَوَعِيدَه وَيُعَرِّفُونَهُم بِمَا لَم يَعْلَمُوه من أمره وحلقه وَجَلالِه وَسُلْطَانِه وَجَبَرُوتِه وَمَلَكُوتِه فَظَوَاهِرُهُم وَأَجْسَادُهُم وَبِنْيَتُهُم مُتَّصفَة بِأَوْصَاف الْبَشَر طَارِئ عَلَيْهَا مَا يَطْرَأ عَلَى البشر من الأعراض وَالْأسْقَام وَالْمَوْت وَالفَنَاء وَنُعُوت الإنْسَانِيّة وَأرْوَاحُهُم وَبَواطِنُهُم مُتّصِفَة بِأَعْلَى من أَوْصَاف الْبَشَر مُتَعَلّقَة بِالْمَلإ الْأَعْلَى مُتَشَبِّهَة بِصِفَات الْمَلَائِكَة سَلِيمَة مِن التَّغَيُّر والآفات لا يلحفها غَالِبًا عَجْز الْبَشَريَّة وَلَا ضَعْف الإنْسَانِيَّة إِذ لَو كَانَت بواطنهم خالصة للبشيرة كَظَوَاهِرِهِم لَما أطَاقُوا الْأخْذ عَن الْمَلَائِكَة وَرُؤْيَتَهُم ومخاطبتهم ومخالتهم كَمَا لَا يُطِيقُه غَيْرهم مِن الْبَشَر وَلَو كَانَت أجْسَادُهُم وَظَوَاهِرُهُم مُتّسمة بِنُعُوت الْمَلَائِكَة وَبِخِلَاف صِفَات الْبَشَر لَما أطَاق الْبَشَر وَمن أُرْسِلُوا إليْه مُخَالطَتَهُم كَمَا تَقَدَّم من قول اللَّه تَعَالَى.
فَجُعِلُوا من جهة الْأجْسَام وَالظَّوَاهِر مَع الْبَشَر وَمِن جِهَة الْأَرْوَاح وَالْبَوَاطِن مَع الْمَلَائِكَة، كَمَا قَال ﷺ (لَو كُنْت مُتَّخِذًا من أُمَّتِي خَلِيلًا لاتَّخَذْت أَبَا بكر خليلا ولكن أحوة الْإسْلام لَكِن صَاحِبُكُم خَلِيل الرَّحْمن) وكما قَال (تام عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي) إنّي لَسْت كَهَيْئَتِكُم إنّي أظَلّ يُطْعِمُني رَبّي وَيُسْقِيني فَبَوَاطنُهُم مُنزَّهَة عَن الآفات مُطَهَّرَة عَن القائص والاعتلالات، وهذا جُمْلَة لَن يَكْتَفَي بِمَضْمُونهَا كُلّ ذي هِمَّة بَل الْأَكْثَر يَحْتاج إِلَى بَسْط وتفضيل عَلَى مَا نَأْتِي بِه بَعْد هَذَا فِي الْبَابَيْن بَعَوْن اللَّه تَعَالَى وَهُو حَسبي وَنِعْم الوكيل
الحواشي
(١) (قوله إنى أظل) بفتح الظاء المعجمة (قوله يطعمنى) قيل على ظاهره وإطعام أهل الجنة لا يفطر وقيل معناه يجعله في قوة الطاعم والشارب (*)стр. 480
الْبَاب الأَوَّل فِيمَا يَخْتَصّ بِالْأُمُور الدَّينِيَّة والْكَلَام فِي عِصْمَة نَبِيّنَا ﵊ وسائِر الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِم:
قَال الْقَاضِي أبو الفضل وَفَّقَه اللَّه: اعْلَم أن الطّوَارِئ مِن التَّغَيُّرَات وَالآفَات عَلَى آحَاد الْبَشَر لَا يَخْلُو أَن تَطْرَأ عَلَى جِسْمِه أو عَلَى حَوَاسّه بِغَيْر قَصْد وَاخْتِيار كَالْأَمْرَاض وَالْأسْقَام أَو تَطْرَأ بقصد واحتيار وَكُلُّه فِي الْحَقِيقَة عَمَل وَفِعْل وَلكِن جَرَى رَسْم الْمَشَايخ بَتَفْصِيلِه إِلَى ثَلَاثَة أنْوَاع: عَقْد بِالْقَلْب وَقَوْل باللّسَان وَعمَل بِالْجَوَارِح وَجَميع الْبَشَر تَطْرَأ عَلَيْهِم الآفَات والتغيرات بالاحتيار وَبِغَيْر الاخْتِيَار فِي هَذِه الوُجُوه كُلّهَا وَالنَّبِيّ ﷺ وإن كَان مِن الْبَشَر ويجوز على جبله يَجُوز عَلَى جِبِلَّة الْبَشَر فَقَد قَامَت الْبَرَاهِين القاطعة ونمت كَلْمَة الْإجْماع عَلَى خُرُوجِه عَنْهُم وَتَنَزْيِهه عَن كَثِير مِن الآفَات التي تَقَع عَلَى الاخْتِيار وَعَلَى غَيْر الاخْتيار كَمَا سَنبّيَّنُه إن شَاء اللَّه تَعَالَى فِيمَا نَأتِي بِه مِن التّفَاصِيل
فصل فِي حكم عقد قلب النَّبِيّ صَلَّى الله عليبه وَسَلَّم من وقت نبوته اعْلَم مَنَحَنَا اللَّه إياك تَوْفِيقَه أنّ مَا تَعَلَّق مِنْه بِطَرِيق التَّوْحِيد وَالْعِلْم بِالله وَصِفَاتِه وَالْإِيمَان بِه وَبِمَا أُوحِي إليْه فَعَلَى غَايَة الْمَعْرِفَة وَوُضُوح الْعِلْم وَاليِقِين وَالانْتِفَاء عَن الْجَهْل شئ من ذَلِك وَالشَّكّ أَو الرّيْب فِيه.
العصمة من كُلّ مَا يُضَاد الْمَعْرِفَة بِذَلِك وَالْيَقين، هذا ومع إجْمَاع المسلمين عَلَيْه، وَلَا يَصِحّ بِالْبَرَاهِين الْوَاضِحَة أن يَكُون فِي عُقُود الْأَنْبِيَاء سواه وَلَا يعترص عَلَى هَذَا بِقَول إِبْرَاهِيم عَلَيْه [٧ - ٢]
стр. 481
السَّلَام قَال بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي، إِذ لَم يَشُكّ إبْرَاهِيم فِي إخْبَار اللَّه تَعَالَى لَه بِإحْيَاء الْمَوْتَى وَلكِن أرَاد طُمَأْنِينَة الْقَلْب وَتَرْك الْمُنَازَعَة لِمُشَاهَدَة الْإحْيَاء فَحَصَل لَه الْعِلْم الأَوَّل بِوُقُوعِه وَأرَاد الْعِلْم الثَّانِي بِكَيْفِيَّتِه وَمُشَاهَدَتِه * الْوَجْه الثَّانِي أَنّ إبْرَاهِيم ﵇ إِنَّمَا أراد احتبار مَنْزِلَتِه عِنْد رَبّه وَعِلْم إِجَابَتِه دَعْوَتَه بِسُؤَال ذَلِك من رَبّه ويَكُون قَوْله تعالى (أو لم تؤمن) أي تُصَدّق بِمَنْزِلَتِك مِنّي وَخُلَّتِك وَاصْطِفَائِك * الْوَجْه الثالث أنَّه سَأل زِيَادَة يَقِين وَقُوَّة طُمَأْنِينَة وَإِنّ لَم يَكُن فِي الأَوَّل شَكّ إِذ الْعُلُوم الضَّرُورِيَّة والنَّظَرِيّة قَد تَتَفَاضَل فِي قُوَّتِهَا، وَطَرَيَان الشُّكُوك عَلَى الضَّرُورِيَّات مُمْتَنِع ومُجَوَّز فِي النَّظَرِيَّات، فَأرَاد الانْتِقَال مِن النظر أو الخير إلى مشاهدة وَالتَّرَقّي من عِلْم الْيَقِين إِلَى عَيْن اليقين فليس الْخَبَر كَالْمُعَاينة، ولهذا قَال سَهْل بن عَبْد اللَّه سَأل كَشْف غِطَاء الْعِيَان لِيَزْدَاد بِنُور الْيَقِين تَمَكُّنًا فِي حَالِه * الْوَجْه الرابع أنَّه لَمّا احْتَجّ عَلَى المُشْرِكِين بأنّ رَبَّه يُحْيِي وَيُمِيت طَلَب ذَلِك من رَبّه لِيَصِحّ احْتِجَاجُه عِيَانًا * الوجه الخامس قول بَعْضهم هُو سُؤال عَلَى طَرِيق الْأَدَب، المراد أقْدِرْني عَلَى إحْيَاء الْمَوْتَى، وَقَوْلُه لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي عن هَذِه الْأُمْنِية * الْوَجْه السادس أنَّه أرَى من نَفْسِه الشَّكّ وَمَا شَكّ لكِن لِيُجَاوَب فَيزْدَاد قُرْبُه وقول نبِينا ﷺ نَحْن أحَقّ بالشَّكّ من إبْرَاهِيم نَفْي لِأَن يَكون إبْرَاهِيم شَكّ وإبْعَاد للخواطر الضعفية أن تَظُنّ هَذَا بِإبْرَاهِيم أَي نَحْن مُوقِنُون بِالْبَعث وَإحْيَاء الله موتى، فلو شَكّ إبْرَاهِيم لكنَّا أوْلى بالشَّكّ مِنْه إِمَّا عَلَى طريق الأدب
الحواشي
(١) (قوله فليس الْخَبَر كَالْمُعَاينة) روى أحمد في مسنده عن ابن عباس مرفوعا: ليس الخبر كالمعاينة.
(*)стр. 482
أَو أن يُرِيد أمَّتَه الذين يَجُوز عَلَيْهِم الشك أَو عَلَى طَرِيق التَّوَاضُع وَالإشْفَاق أن حُمِلَت قِصَّة إبْرَاهِيم عَلَى اختيار حَالِه أو زِيادَة يَقِينه * فَإِنّ قُلْت فَمَا معني قوله (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يقرؤن الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) الآيَتَيْنِ - فَاحْذَرْ ثَبَّتَ اللَّه قَلْبَك أن يَخْطُر بِبَالِك مَا ذَكَرَه فِيه بَعْض الْمُفَسّرِين عَن ابن عَبَّاس أَو غَيْرِه من إثْبَات شَكّ لِلنَّبِيّ ﷺ فِيمَا أُوحِي إليْه وَأنَّه مِن البَشَر، فَمِثْل هَذَا لَا يَجُوز عَلَيْه جُمْلَة بَل قَد قَال ابن عَبَّاس لَم يَشُكّ النَّبِيّ ﷺ وَلَم يَسْأل، وَنَحْوَه عَن ابن جُبَيْر والحسن، وَحَكَى قَتَادَة أَنّ النَّبِيّ ﷺ قَال مَا أشُكّ وَلَا أَسْأل، وَعَامَّة الْمُفَسّرِين عَلَى هذا، واخْتَلَفُوا فِي مَعْنَي الآيَة فَقِيل المُرَاد قُل يَا مُحَمَّد لِلشاكّ (فَإِنْ كُنْتَ فِي شك) الآيَة، قَالُوا وَفِي السُّورَة نَفْسِهَا مَا دَلّ عَلَى هذا التَّأْويل: قَوْله (قُلْ يا أيها الانس إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي) الآيَة، وَقِيل المُرَاد بالخطاب العرب وغير النبي ﷺ كَمَا قال (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عملك) الآية، الخطاب لَه وَالمُرَاد غَيْره ومِثْلُه (فَلا تَكُ فِي مربة مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ) وَنَظِيرُهُ كَثِير، قَال بَكْر بن الْعَلَاء أَلَا تراه يقوله (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) الآية وهو ﷺ كَان المُكَذَّب فِيمَا يَدْعُو إليْه فَكَيْف يَكُون مِمَّن كَذَّب بِه؟ فَهَذَا كُلُّه يَدُلّ عَلَى أَنّ المُرَاد بِالْخِطَاب غَيْره وَمِثْل هَذِه الآيَة قَوْله (الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خبيرا) المَأْمُور هَهُنَا غَيْر النَّبِيّ ﷺ لِيَسْأل النَّبِيّ وَالنَّبِيّ ﷺ هُو الخبير المَسْئول لَا المُسْتَخْبر السَّائِل وَقَال إن هَذَا الشَّكّ الَّذِي أُمِر بِه غَيْر النَّبِيّ ﷺ بِسُؤال الذين يقرؤن الْكِتَاب إنَّمَا هُو فِيمَا قَصَّه اللَّه من أخْبَار الْأُمَم
стр. 483
لَا فِيمَا دَعَا إليْه مِن التَّوْحِيد وَالشَّرِيعَة وَمِثْل هَذَا قَوْله تَعَالَى (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا) الآيَة المُرَاد بِه المُشْرِكُون وَالخِطَاب مُوَاجهَة لِلنَّبِيّ صلى الله وسلم قاله العتبى، وَقِيل مَعْنَاه سلْنَا عَمَّن أَرْسَلْنَا من قَبْلِك فَحُذِف الخَافِض وَتَمّ الكَلَام ثُمّ ابدأ (أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرحمن) إِلَى آخر الآيَة عَلَى طَرِيق الإنْكَار أَي مَا جَعَلنا، حَكاه مَكّيّ، وَقِيل أُمِر النَّبِيّ ﷺ أن يَسْأل الْأَنْبِيَاء ليلة الْإِسْرَاء عَن ذَلِك فَكَان أشَدّ يَقِينًا من أَنّ يَحْتَاج إِلَى السُّؤَال فَرُوِي أَنَّه قَال (لَا أسْأل قَد اكفيت) قاله ابن زَيْد، وَقِيل سَل أُمَم من أرْسَلْنَا هَل جاؤهم بِغَيْر التَّوْحِيد؟ وَهُو مَعْنَي قَوْل مُجَاهِد وَالسُّدّيّ وَالضّحَّاك وَقَتَادَة وَالمُرَاد بِهَذَا وَالَّذِي قَبْلَه إعْلامُه ﷺ بِمَا بُعثِت بِه الرسل وَأنَّه تَعَالَى لَم يَأْذَن فِي عِبَادَة غَيْرِه لأحَد رَدًّا عَلَى مُشْرِكِي العَرَب وَغَيْرِهِم فِي قَوْلِهِم: إنَّمَا نَعْبُدُهُم ليقربو إلى الله زلفى، وكذلك قَوْله تَعَالَى: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الممترين) أَي فِي عِلْمِهِم بِأنَّك رَسُول اللَّه وَإن لَم يُقرّوا بِذَلِك وَلَيْس المُرَاد بِه شَكَّه فِيمَا ذُكر فِي أوَّل الآيَة وَقَد يَكُون أيْضًا عَلَى مِثْل مَا تَقَدَّم أَي قُل يَا مُحَمَّد لِمَن امْتَرَى فِي ذَلِك لَا تَكُونَنّ مِن المُمْتَرِين بِدَلِيل قَوْله أَوَّل الآيَة: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حكما) الآيَة: وَأَنّ النَّبِيّ ﷺ يُخَاطِب بِذَلِك غيره وقيل
الحواشي
(١) (قوله قال القتيبى) وفى بعض النسخ القتبى وكلاهما أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة صاحب المصنفات (قوله إنَّمَا نَعْبُدُهُم لِيُقَرّبُونا إلى الله زلفى) هكذا وقع في كثير من الأصول والتلاوة إنما هي * (ما نعبدهم إلا لِيُقَرّبُونا إِلَى اللَّه زلفى) * وحكي عن أبي عبيد هو معمر بن المثنى (*)стр. 484
هُو تَقْرِير كَقَوْلِه (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟) وَقَد عَلِم أنَّه لَم يَقُل، وَقِيل مَعْنَاه مَا كُنْت فِي شَكّ فَاسْأل تَزْدَد طُمَأْنِينَة وَعِلْمًا إِلَى عِلْمِك وَيَقِينِك، وَقِيل إن كُنْت تَشُكّ فِيمَا شَرَّفْنَاك وَفَضَّلْنَاك بِه فَاسْأَلْهُم عَن صِفَتِك فِي الْكُتُب وَنَشْر فَضَائِلِك، وَحُكِي عَن أَبِي عُبَيْدة أَنّ المُرَاد إنّ كُنْت فِي شَكّ من غَيْرِك فيما أنزلنا.
فَمَا مَعْنَي قَوْله (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قد كذبوا) عَلَى قِرَاءَة التَّخَفِيف؟ قُلْنَا الْمَعْنَى فِي ذَلِك مَا قَالَتْه عَائِشَة ﵂ (مَعَاذَ اللَّه أَن تَظُنّ ذَلِك الرُّسُل بِرَبّهَا وَإِنَّمَا مَعْنَي ذَلِك أَنّ الرُّسُل لَمّا اسْتَيْأَسُوا ظَنُّوا أَنّ من وَعَدَهُم النَّصْر من أتْبَاعِهِم كَذَبُوهُم وَعَلَى هَذَا أكْثَر الْمُفَسّرِين) وَقِيل إنّ ضَمِير (ظنوا) عائد على الأتباع والأمم لا عَلَى الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل، وَهُو قَوْل ابن عَبَّاس وَالنَّخْعِي وَابْن جُبَيْر وَجَمَاعَة مِن الْعُلمَاء وَبَهَذَا الْمَعْنَى قَرَأ مُجَاهِد كَذَبُوا بِالْفَتْح فَلَا تَشْغَل بَالَك من شَاذّ التَّفْسِير بِسِوَاه مِمَّا لَا يلق بِمَنْصِب الْعُلمَاء فَكَيْف بالْأَنْبِيَاء؟ وَكَذَلِك مَا وَرَد فِي حَدِيث السّيرة وَمَبْدَإ الْوَحْي من قَوْله ﷺ لِخديجَة (لَقَد خَشِيت عَلَى نَفْسِي) لَيْس مَعْنَاه الشَّك فِيمَا آتاه اللَّه بَعْد رُؤْيَة المَلك وَلكِن لَعَلَّه خَشِي أن لَا تَحْتَمِل قُوَّتُه مُقَاوَمَة الْمَلَك وَأَعْبَاء الْوَحْي فَيَنْخَلِع قَلْبُه أَو تَزْهَق نَفْسُه، هَذَا عَلَى مَا وَرَد فِي الصَّحِيح أنَّه قَالَه بَعْد لِقَائِه المَلَك أَو يَكُون ذَلِك قَبْل لِقَائِه وَإعْلَام اللَّه تَعَالَى لَه بالنُّبُوَّة لَأوّل مَا عُرضَت عَلَيْه مِن الْعَجَائِب وَسَلَّم عَلَيْه الْحَجَر وَالشَّجَر وَبَدَأتْه المَنَامَات وَالتَّبَاشِير كَمَا رُوِي فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث أَنّ ذَلِك كَان أوَّلًا فِي المَنَام ثُمّ أُري فِي الْيَقَظَة مِثْل ذَلِك تَأْنِيسًا له ﵇ لِئَلَّا يَفْجَأه الأمْر مُشَاهَدَة وَمُشَافَهَة فَلَا يحتمل لَأوّل حَالَة بِنْيَة الْبَشَرِيَّة وَفِي الصَّحِيح
стр. 485
عَن عَائِشَة ﵂: أَوَّل مَا بُدَئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، قَالَتْ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَقَالَتْ إِلَى أَنْ جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ (الْحَدِيث) وَعَن ابن عَبَّاس: مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَيَرَى الضَّوْءَ سَبْعَ سِنِينَ وَلَا يَرَى شَيْئًا وَثَمَانِ سِنينَ يُوحَى إِلَيْهِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ وَذَكَرَ جِوَارَهُ بِغَارِ حِرَاءٍ، قَالَ (فَجَاءَنِي وَأَنَا نَائِمٌ فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَقْرَأُ؟) وَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي غَطِّهِ لَهُ وَإقْرَائِهِ لَهُ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) السُّورَة قَال: (فَانْصَرَف عَنّي وَهَبَبْت من نَوْمِي كَأَنَّمَا صُوّرَت فِي قَلْبي وَلَم يَكُن أبْغَض إِلَيّ من شَاعِر أو مَجْنُون، قُلْت لَا تَحَدّث عني قُرَيْش بهذا أبَدًا لأعْمِدَنّ إِلَى حَالِق مِن الجَبَل فَلأطْرَحَنّ نفسي سنة فَلأَقْتُلَنَّهَا: فَبَيْنَا أَنَا عَامِد لِذَلِك إِذ سَمِعْت مُنَاديًا يُنَادي مِن السَّمَاء يَا مُحَمَّد أنْت رَسُول اللَّه وَأَنَا جِبْرِيل فَرَفَعْت رَأْسِي فإذا جِبْرِيل عَلَى صُورَة رَجُل - وَذَكَر الْحَدِيث) فَقَد بَيَّن فِي هَذَا أَنّ قَوْلَه لَمّا قَال وَقَصْدَه لَمّا قَصَد إنَّمَا كَان قَبْل لِقَاء جِبْرِيل ﵉ وقيل إعلام الله تعالى له
الحواشي
(١) (قوله بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سنة) هذا يتأنى على القول المرجوح وهو أنه ﵇ عاش خمسا وستين سنة والصحيح أنه عاش ثلاثا وستين سنة، أقام منها بعد النبوة بمكة ثلاثة عشر سنة على الصحيح وفى المدينة عشرا بلا خلاف (قوله جواره) بكسر الجيم وضمها أي ملازمته واعتكافه (قوله وَهَبَبْت من نَوْمِي) انتهيت (قوله لا تحدث) بفتح المثناة الفوقية وأصله تتحدث فحذف منه إحدى التاءين (قوله لأعمدن) بكسر الميم أي لأقصدن (قوله إلى حالق) بالحاء المهملة واللام المكسورة والقاف، قال الهروي: أي جعل عال (*)стр. 486
بالنُّبُوَّة وَإظْهَارِه وَاصْطِفَائِه لَه بالرّسَالَة وَمِثْلُه حَدِيث عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيل أنَّه ﷺ قَال لِخَدِيجَة (إِنِّي إِذَا خَلَوْتُ وَحْدِي سَمِعْتُ نِدَاءً وَقَدْ خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ يكون هذا لِأَمْرٌ) وَمِنْ رِوَايَة حَمَّاد بن سَلَمَة أَنّ النَّبِيّ ﷺ قَال لخدِيجة: إني لأَسْمَع صَوْتًا وَأَرَى ضَوْءًا وَأخْشَى أَنّ يَكُون بي جُنُون وعلى هذا يتأول لو صح قوله فِي بَعْضِ هَذِهِ الأحاديث إن الأبعد شَاعِر أو مَجْنُون وَألْفَاظًا يُفْهَم مِنْهَا مَعَانِي الشك فِي تَصْحِيح مَا رَآه وَأنَّه كَان كُلُّه فِي ابْتِدَاء أمْرِه وَقَبْل لِقَاء الْمَلَك لَه وَإعْلام اللَّه لَه أنَّه رسولُه فَكَيْف وَبَعْض هَذِه الألْفَاظ لَا تَصِحّ طُرُقُهَا، وَأَمَّا بَعْد إعْلَام اللَّه تَعَالَى لَه وَلِقَائِه الْمَلَك فَلَا يَصِحّ فِيه رَيْب وَلَا يَجُوز عَلَيْه شَكّ فيمَا أُلْقِي إليْه وَقَد رَوَى ابن إِسْحَاق عَن شُيُوخِه أَنّ رسول الله ﷺ كَان يُرْقَى بِمَكَّة مِن الْعَيْن قَبْل أن يُنْزَل عَلَيْه فَلَمّا نَزَل عَلَيْه الْقُرْآن أصَابَه نَحْو مَا كَان يُصِيبُه فَقالت لَه خدِيجة أُوَجّه إِلَيْك من يَرْقيك قَال أَمَّا الآن فَلَا، وَحَدِيث خديجة وَاخْتِبَارُها أمْر جِبْرِيل بِكَشْف رَأْسهَا (الْحَدِيث) إنَّمَا ذَلِك فِي حَقّ خَدِيجَة لتحقق صحَّة نُبُوَّة رَسُول اللَّه ﷺ وَأَنّ الَّذِي يَأْتِيه مَلَك وَيَزُول الشَّكّ عَنْهَا لِأَنّهَا فَعَلَت ذَلِك لِلنَّبِيّ ﷺ وَلِيَخْتَبِر هُو حَاله بِذَلِك بَل قَد وَرَد فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن عُرْوَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة أَنّ وَرَقَة أمَر خَديجة أن تُخْبِر الأمْر بِذَلِك، وَفِي حَدِيث إِسْمَاعِيل ابن أَبِي حكيم أنَّهَا قَالَت لرسول اللَّه ﷺ يَا ابن عمّ هَل
الحواشي
(١) (قوله عمرو بن شرحبيل) هو أبو ميسرة الهمداني (*)стр. 487
تَسْتَطِيع أن تُخْبِرَنِي بِصَاحِبِك إذَا جَاءَك؟ قَال نَعَم فَلَمّا جَاء جِبْرِيل
أخْبَرَهَا فَقَالَت لَه اجْلِس إِلَى شقّي، وَذَكَر الْحَدِيث إِلَى آخرِه وَفِيه فَقَالَت مَا هَذَا بِشَيْطَان هَذَا الْمَلَك يَا ابن عمّ فَاثْبُت وَأبْشِر، وَآمَنَت بِه، فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أنَّهَا مُسْتَثْبِتَة بِمَا فَعَلَتْه لِنَفْسِهَا وَمُسْتَظهِرَة لإيمَانِهَا لَا لِلنَّبِيّ ﷺ وقول مَعْمَر فِي فَتْرَة الْوَحْي فَحَزِن النَّبِيّ ﷺ فِيمَا بلغناه حُزْنًا غَدَا مِنْه مِرَارًا كَي يَتَرَدَّى من شَوَاهِق الْجِبَال: لَا يَقْدَح فِي هَذَا الأصْل، لِقول مَعْمَر عَنْه فِيمَا بلغنا ولم يسده وَلَا ذَكَر رُوَاتَه ولا من حَدَّث بِه وَلَا أَنّ النَّبِيّ ﷺ قَالَه وَلَا يُعْرَف مِثْل هَذَا إلَّا من جِهة النَّبِيّ ﷺ مَع أنَّه قَد يُحْمَل عَلَى أنه كَان أَوَّل الأمْر كَمَا ذَكَرْنَاه أَو أنَّه فَعَل ذَلِك لَمّا أخَْرَجَه من تَكْذِيب من بَلَّغَه كَمَا قال تَعَالَى.
(فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحديث أسفا) وَيُصَحّح مَعْنَي هَذَا التّأوِيل حَدِيث رواه شَرِيك عَن عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بن عَقِيل عَن جَابِر بن عَبْد اللَّه أنّ الْمُشْرِكِين لَمّا اجْتَمَعُوا بِدَار النَّدْوَة لِلتَّشاوُر فِي شَأن النَّبِيّ ﷺ وَاتَّفَق رَأْيُهُم عَلَى أن يَقُولُوا إنَّه سَاحِر اشْتَدّ ذَلِك عَلَيْه وَتَزَمَّل فِي ثِيَابه وَتَدَثَّر فِيهَا فَأتَاه جِبْرِيل فَقَال: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل، يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر) أو خاف
الحواشي
(١) (قوله مُحَمَّد بن عَقِيل) بفتح العين المهملة ابن علي بن أبي طالب (قوله بدار الندوة) بفتح النون وإسكان الدال المهملة وهى دار بناها قصى بن كلاب وجعل بابها إلى الكعبة ليجتمع فيها العرب للمشاورة وللختان وللنكاح وإذا قدمت غير نزلت وإذا ارتحلت منا وسميت بدار الندوة من الندى - بتشديد الياء - وهو المجتمع، وهى الآن من الحرم (*)стр. 488
أَنّ الفَتْرَة لِأَمْر أَو سَبَب مِنْه فَخَشِي أن تَكُون عُقُوبَة من رَبّه فَفَعَل ذَلِك بِنَفْسِه وَلَم يَرِد بَعْد شَرْع بِالنَّهْي عَن ذَلِك فَيُعْتَرَض بِه، ونحو
هذا فِرَار يُونُس ﵇ خَشيَة تَكْذِيب قَوْمِه لَه لَمّا وَعَدَهُم بِه مِن العَذَاب وقول اللَّه فِي يُونُس (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عليه) مَعْنَاهُ أن لَن نُضَيّق عَلَيْه، قَال مَكّيّ طَمِع فِي رَحِمَة اللَّه وَأَن لَا يُضَيّق عَلَيْه ملكه فِي خُرُوجِه وَقِيل حَسَّن ظَنَّه بِمَوْلاه أنَّه لا يقصى عَلَيْه العُقُوبَة وَقِيل نُقَدّر عَلَيْه مَا أصَابَه، وَقَد قُرِئ نُقَدّر عَلَيْه بِالتّشْدِيد وقيل نواحذه بِغَضَبِه وَذَهَابِه، وَقَال ابن زَيْد مَعْنَاه أفظن أن لَن نَقْدِر عَلَيْه؟ عَلَى الاسْتِفْهَام وَلَا يَلِيق أَن يُظَنّ بِنَبِيّ أَنّ يَجْهَل صفَة من صِفَات رَبّه، وَكَذَلِك قَوْله (إِذْ ذَهَبَ مغاضبا الصَّحِيح مُغَاضِبًا لِقَوْمِه لِكُفْرِهِم وَهُو قَوْل ابن عَبَّاس والضَّحَّاك وَغَيْرِهِمَا لَا لِرَبّه إِذ مُغَاضَبَة اللَّه مُعَادَاة لَه وَمَعادَاة اللَّه كفر لا لميق بِالْمُؤْمِنين فَكَيْف بِالْأَنْبِيَاء؟ وقيل مستحيبا من قومه أن يَسِمُوه بِالْكَذِب أَو يَقْتُلُوه كَمَا وَرَد فِي الْخَبَر وَقِيل مُغَاضِبًا لِبَعْض الْمُلُوك فِيمَا أَمَرَه بِه مِن التَّوَجُّه إِلَى أمر أمره اللَّه بِه عَلَى لِسان نَبِيّ آخر فَقَال لَه يُونُس غَيْرِي أقْوَى عَلَيْه مِنّي فَعَزَم عَلَيْه فَخَرَج لِذلِك مُغَاضِبًا، وَقَد رُوِي عَن ابن عَبَّاس أَنّ إرْسَال يُونُس وَنُبُوَّتَه إنَّمَا كَان بَعْد أَنْ نَبَذَه الْحُوت وَاسْتُدِلّ مِن الآيَة بِقَوْلِه (فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ.
هو سَقِيمٌ، وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ، وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ ألف) وَيُسْتَدَل أيْضًا بِقَوْلِه (وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ) وَذَكَر الْقِصَّة ثُمّ قَال (فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) فَتَكُون هَذِه الْقِصَّة إذا
الحواشي
(١) (قوله وَقَال ابن زَيْد) كذا في أكثر النسخ وفى تفسير البغوي، والظاهر أنه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وفى بعض النسخ أبو يزيد (*)стр. 489
قَبْل نُبُوَّتِه فإن قِيل فَمَا مَعْنَي قَوْله ﷺ (أنه ليغان على قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ) وَفِي طَرِيقٍ (فِي الْيَوْمِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِينَ
مَرَّةٍ) فَاحْذَرْ أَنْ يَقَعَ بِبَالِكَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغَيْن وَسْوَسَة أو رَيْبًا وَقَع فِي قَلْبِه ﵇ بَل أصْل الغَيْن فِي هَذَا مَا يَتَغَشَّى القَلْب وَيُغَطّيه، قَالَه أَبُو عُبَيْد وَأَصْلُه من غَيْن السَّمَاء وَهُو إِطْبَاق الْغَيْم عَلَيْهَا، وَقَال غيره والغين شئ يُغَشّي القَلْب وَلَا يُغَطّيه كُلّ التّغْطِيَة كالغَيْم الرَّقِيق الَّذِي يُعْرِض فِي الْهَوَاء فَلَا يَمْنَع ضَوْء الشَّمْس وَكَذَلِك لَا يُفْهَم مِن الْحَدِيث أنَّه يُغَان عَلَى قَلْبِه مِائَة مَرَّة أو أَكْثَر من سَبْعِين فِي الْيَوْم إِذ لَيْس يَقْتَضِيه لَفْظُه الَّذِي ذَكَرْنَاه وَهُو أَكْثَر الرَّوَايَات وَإِنَّمَا هذا عَدَد للاسْتِغْفَار لَا لِلْغَيْن فَيَكُون المُرَاد بَهَذَا الْغَيْن إشَارَة إِلَى غَفَلات قَلْبِه وَفَتَرات نَفْسِه وَسَهْوِهَا عَن مُدَاوَمَة الذَّكْر وَمُشَاهَدَة الحَقّ بِمَا كَان ﷺ دُفِع إليه من مُقَاسَاة البَشَر وَسِيَاسَة الْأُمَّة ومعناة الأهْل وَمُقَاوَمَة الوَلِيّ وَالعَدُوّ وَمَصْلَحَة النَّفْس وَكَلَّفَه مِن أعْبَاء أداء الرِّسَالَة وَحَمْل الأمَانَة وَهُو فِي كُلّ هَذَا فِي طَاعَة رَبَّه وَعِبَادَة خَالقِه وَلَكِن لَمّا كَان ﷺ أَرْفَع الخَلْق عِنْد اللَّه مَكَانَة وَأعْلَاهُم دَرَجَة وَأتَمَّهُم بِه مَعْرِفَة وَكَانَت حَالُه عِنْد خُلُوص قَلْبِه وَخُلُو هَمّه وَتَفَرّدِه بِرَبَّه وَإقْبَالِه بِكُلَّيَّتِه عَلَيْه ومقامه هنا لك أرْفَع حَالَيْه رَأى ﷺ حَال فَتْرَتِه عَنْهَا وَشُغْلِه بِسِواها غَضًّا من عَلِيّ حَالِه وَخَفْضًا من رَفِيع مَقَامِه فَاستَغْفَر اللَّه من ذَلِك، هَذَا أوْلَى وُجُوه الْحَدِيث وَأشْهَرُهَا وَإلى مَعْنَي مَا أشَرْنا بِه مَال كَثِير مِن النَّاس وَحَام حَوْلَه فَقَارَب وَلَم يَرد وَقَد قَرَّبْنَا غَامِض مَعْنَاه وَكَشَفْنَا لِلْمُسْتَفِيد مُحَيَّاه وَهُو مَبْنِيّ عَلَى جَوَاز الفَتَرَات وَالغَفَلات وَالسَّهْو فِي غَيْر طَرِيق البَلاغ عَلَى مَا سَيَأتِي
стр. 490
وذَهَبَت طَائِفَة مِن أرْبَاب القُلُوب وَمَشْيَخَة المُتَصَوَّفة مِمَّن قَال بِتَنْزِيه النَّبِيّ ﷺ عَن هَذَا جُمْلَة وَأَجَلَّه أَنّ يَجُوز عَلَيْه فِي حَال سَهْو
أَو فَتْرَة إلى أَنّ مَعْنَي الْحَدِيث مَا يُهِمّ خَاطِرَه وَيَغُمّ فِكْرَه من أمْر أمَّتَه ﷺ لاهْتَمَامِه بِهِم وَكَثْرَة شَفَقَتِه عَلَيْهِم فَيسْتَغْفَر لَهُم، قَالُوا وَقَد يَكُون الْغَيْن هنا عَلَى قَلْبِه السَّكِينَة تَتَغَشّاه لِقَوْلِه تَعَالَى (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سكينته عليه) وَيَكُون اسْتِغْفَارُه ﷺ عِنْدَهَا إظْهَارًا لِلْعُبُودِيَّة والافْتِقَار، قَال ابن عَطَاء اسْتِغْفَارُه وَفِعْلُه هَذَا تَعْرِيف لِلْأُمَّة يَحْمِلُهُم عَلَى الاستِغْفَار، قَال غَيْرِه وَيَسْتَشِعرون الْحَذَر وَلَا يَرْكَنُون إِلَى الْأَمْن، وَقَد يَحْتَمِل أن تَكُون هَذِه الإعَانَة حَالَة حشية وَإعْظَام تَغْشى قَلْبَه فَيْسَتْغِفر حِينَئِذ شُكْرًا لله وَمُلازَمَة لِعُبُودِيَّتِه كَمَا قَال فِي مُلازَمَة الْعِبَادة (أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟) وَعَلَى هَذِه الْوُجُوه الْأَخِيرَة يُحْمَل مَا رُوِي فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث عَنْه ﷺ إِنَّهُ لَيُغَانِ عَلَى قَلْبِي فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةٍ فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فَإن قلت فَمَا مَعْنَي قَوْله تَعَالَى لمحمد ﵌ (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) وقوله لنوح ﵇ (فلا تسألني مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ من الجاهلين) ؟ فَاعْلَم أنَّه لَا يُلْتفَت فِي ذَلِك إِلَى قَوْل من قال في آيَة نَبِيّنَا ﷺ لَا تَكُونَنّ مِن يَجْهَل أَن اللَّه لَو شَاء لَجَمَعَهُم عَلَى الهُدَى وفي آية نوح لَا تَكُونَنّ مِمَّن يَجْهَل أَنّ وَعْد اللَّه حَقّ لِقوله وَإِنّ وَعْدَك الْحَقّ إِذ فِيه إثْبَات الْجَهْل بصفَة من صِفَات اللَّه وَذَلِك لَا يَجُوز عَلَى الْأَنْبِيَاء وَالْمَقْصُود وَعْظُهُم أن لَا يَتَشَبَّهُوا فِي أمورهم
الحواشي
(١) (قوله بهم) بمثناة تحتية وكسر الهاء، يقال أهمنى الأمر: أفلقني (*)стр. 491
بِسِمَات الجَاهِلِين كَمَا قَال إنّي أعِظُك وَلَيْس فِي آية مِنْهَا دَلِيل عَلَى كَوْنِهِم عَلَى تِلْك الصّفَة التي نَهَاهُم عَن الْكَوْن عَلَيْهَا فَكَيْف وَآية نُوح قبلها (فلا
تسألني مَا لَيْسَ لَكَ به علم) فَحَمْل مَا بَعْدَهَا عَلَى ما قَبْلَهَا أوْلَى لِأَنّ مِثْل هَذَا قَد يَحْتَاج إِلَى إذْن وَقَد تَجُوز إباحَة السُّؤال فِيه ابْتِدَاء فَنَهَاه اللَّه أن يَسْالَه عَمَّا طَوَى عَنْه عِلْمَه وَأَكَنَّه من غَيْبِه مِن السَّبَب الْمُوجِب لِهَلَاك ابْنه ثم أكل اللَّه تَعَالَى نِعْمَتَه عَلَيْه بإعْلامِه ذَلِك بِقَوْلِه (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) حَكى مَعْنَاه مَكّيّ كَذَلِك أُمِر نَبِيُّنَا فِي الآيَة الْأُخْرَى بالتِزَام الصَّبْر عَلَى إعْرَاض قَوْمِه وَلَا يحرج عِنْد ذَلِك فَيُقَارب حال الجاهل بِشِدَّة التَّحسُّر، حَكاه أَبُو بكر بن فورك وقيل معنى الخطاب لأمة محمد أي فلا تكونوا من الجالين، حكاه أبو مُحَمَّد مَكّيّ، وَقَال مِثْلُه فِي القرآن كثير، فَبِهذا الْفَضْل وَجَب الْقَوْل بعِصْمة الْأَنْبِيَاء مِنْه بَعْد النُّبُوَّة قَطْعًا فَإن قُلْت فإذ قَرَّرْت عِصْمَتَهُم من هَذَا وَأنَّه لَا يَجُوز عليهم شئ من ذَلِك فَمَا مَعْنَي إذَا وعِيد اللَّه لِنبيَّنا ﷺ عَلَى ذَلِك إن فَعَلَه وَتَحْذِيرِه مِنْه كَقَوْلِه (لَئِنْ أَشْرَكْتَ ليحبطن عملك) الآيَة وَقَوْلُه تَعَالَى (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ الله مالا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ) الآيَة وَقَوْلُه تَعَالَى (إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ) الآيَة وَقَوْلُه (لأَخَذْنَا منه باليمين) وَقَوْلُه (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سبيل الله) وقوله (وأن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ على قلبك) وقوله (فإن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بلغت رسالته) وَقَوْلُه (اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) فَاعْلَم وَفقنا اللَّه وَإيَّاك أنَّه ﷺ لَا يَصِحّ وَلَا يَجُوز عَلَيْه أَنّ لا يُبَلّغ وَلَا يُخَالِف أمْر رَبَّه وَلَا أَنّ يُشْرِك بِه وَلَا يَتَقَوَّل عَلَى اللَّه مَا لَا يُحِبّ أَو يَفْتَرِي عَلَيْه أَو يَضِلّ أَو يُخْتَم
стр. 492
على؟ ؟ ؟ أَو يُطيع الكافرِين لِكن يَسَّر أمْرَه بِالمُكَاشَفَة وَالْبَيَان فِي البَلاغ لِلْمُخَالِفِين وَأَنّ إبْلاغَه إن لَم يَكُن بِهَذِه السّبِيل فَكأنَّه مَا بَلَّغ وَطيَّب
نَفْسَه وَقَوَّي قلبه بقوله (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الناس) كَمَا قَال لِمُوسَى وهارون (لا تَخَافَا) لتشد بصَائِرُهُم فِي الْإِبْلاغ وَإظْهَار دين اللَّه وَيُذْهِب عَنْهُم خَوْف الْعَدُوّ الْمَضعِف لِلنَّفْس * وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى (ولو نقول عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ) الآية وقوله (إذا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ) فَمَعْنَاه أَنّ هَذَا جَزَاء من فَعَل هَذَا وَجَزاؤُك لَو كُنْت مِمَّن يَفْعَلُه وهو لَا يَفْعَلُه وَكَذَلِك قَوْله (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) فالمراد غَيْرِه كَمَا قَال (إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كفروا) الآيَة وَقَوْلُه (فَإِنْ يشإ الله يخسم على قلبك) : (ولئن أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) وَمَا أشْبَهَه فالمراد غَيْرِه وأنّ هَذِه حَال من أشْرَك وَالنَّبِيّ ﷺ لَا يَجُوز عَلَيْه هَذَا وَقَوْلُه (اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ) فَلَيْس فِيه أنَّه أطاعهم والله ينهاء عَمَّا يَشَاء وَيَأمُرُه بِمَا يَشَاء كَمَا قَال (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) الآيَة: وَمَا كَان طَرَدَهُم ﷺ وَلَا كَان مِن الظَّالمِين
فصل وَأَمَّا عِصْمَتَهُم من هَذَا الْفَنّ قَبْل النُّبُوَّة فَلِلنَّاس فِيه خِلَاف * وَالصَّوَاب أَنَّهُم مَعْصُومُون قَبْل النُّبُوَّة مِن الْجَهْل بِالله وَصِفَاتِه وَالتَّشَكُك في شئ من ذَلِك وَقَد تَعَاضَدَت الْأَخْبَار وَالآثَار عَن الْأَنْبِيَاء بِتَنْزِيهِهِم عن هذه النقيصة مُنْذ وُلِدُوا وَنَشْأتِهِم عَلَى التَّوحْيد وَالْإِيمَان بَل عَلَى إشْرَاق أنوار المعارف نفحات أَلْطَاف السَّعَادَة كَمَا نبهنا عليه في الباب الثَّانِي مِن القِسِم الأَوَّل من كِتَابِنَا هَذَا وَلَم يَنْقُل أحَد من أهل الأخبار أن أحد النبي
стр. 493
وَاصْطُفِي مِمَّن عُرِف بِكُفْر وَإشْرَاك قَبْل ذَلِك وَمُسْتَنَد هَذَا الْبَاب النَّقْل وَقَد اسْتَدَلّ بَعْضُهُم بأن الْقُلُوب تَنْفِر عَمَّن كَانَت هَذِه سَبِيلُه وَأَنَا أقُول إن قُرَيْشًا قَد رَمَت نَبِيَّنًا بِكُلّ مَا افترته، وغير كُفّار الْأُمَم أنْبِيَاءَهَا بِكُلّ مَا أمْكَنَهَا وَاخْتَلَقَتْه مِمَّا نَصّ اللَّه تَعَالَى عَلَيْه أَو نَقَلَتْه إلَيْنَا الرُّوَاة وَلَم نَجِد في شئ من ذلك تعييرا لِوَاحِد مِنْهُم بِرَفْضِه آلِهَتَه وَتَقْرِيعِه بِذَمَّة بِتَرْك مَا كَان قَد جَامَعُهُم عَلَيْه وَلَو كَان هَذَا لَكَانُوا بِذَلِك مُبَادِرِين وبتَلَوَّنُّه في معبوده محتجين ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من تَوْبِيخِه بِنَهيهم عَن تَرْكِهِم آلِهَتَهُم وَمَا كَان يَعْبُد آبَاؤُهُم من قَبْل فَفِي إطْبَاقِهِم عَلَى الْإعْرَاض عَنْه دَليل عَلَى أَنَّهُم لَم يَجِدُوا سَبيلًا إليْه إذ لَو كَان لنُقِل وَمَا سَكَتُوا عَنْه كَمَا لَم يَسْكُتُوا عِنْد تَحْويل القِبْلة وقالوا مَا وَلَّاهُم عَن قِبْلَتِهِم التي كَانُوا عَلَيْهَا كَمَا حَكَاه اللَّه عَنْهُم وَقَد اسْتَدَلّ الْقَاضِي الْقُشَيْرِيّ عَلَى تَنْزِيهِهِم عَن هَذَا بِقَوْلِه تَعَالَى (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ) الآيَة وبِقَوْلِه تَعَالَى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ) إِلَى قَوْله: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولتنصرنه) قَال وطَهَّرَه اللَّه فِي الْمِيثَاق وَبعِيد أن يَأخُذ مِنْه الْمِيثَاق قَبْل خَلْقِه ثُمّ يَأْخُذ مِيثَاق النَّبِيّين بالإيمَان بِه ونَصْرِه قَبْل مَولِدِه بِدُهُور وَيَجُوز عَلَيْه الشّرْك أَو غَيْرِه مِن الذنوب، بهذا مَا لَا يُجَوّزُه إلا مُلْحِد، هَذَا مَعْنَي كَلَامِه، وكيف يَكُون ذَلِك وَقَد أتاه جِبْرِيل ﵇ وَشَقّ قَلْبَه صَغِيرًا وَاسْتَخْرَج مِنْه عَلَقَة وَقَال هَذَا حظ
الحواشي
(١) (قوله وَقَد اسْتَدَلّ الْقَاضِي القشيرى) هو الْإِمَامُ أَبُو نَصْرِ عبد الرحيم ابن الأستاذ أبى القاسم عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ هوازن القشيرى النيسابوري انتفع على والده وعلى إمام الحرمين وتوفى سنة أربع وخمسمائة بنيسابور نقل الرافعى عنه في البدل (*)стр. 494
الشيطان مِنْك ثُمّ غَسَلَه وَمَلأه حِكْمَة وَإيمانًا كَمَا تَظَاهَرَت بِه أَخْبَار المَبْدإ وَلَا يُشَبَّه عَلَيْك بِقَوْل إِبْرَاهِيم فِي الْكَوْكَب وَالقَمَر وَالشَّمْس هَذَا
رَبّي فَإنَّه قَد قِيل كَان هَذَا فِي سِنّ الطُّفُولِيَّة وَابْتِدَاء النَّظَر وَالاسْتِدْلال وَقَبْل لُزُوم التَّكْلِيف وَذَهَب مُعْظَم الحُذَاق مِن الْعُلمَاء وَالْمُفَسّرِين إِلَى أنَّه إنَّمَا قَال ذَلِك مُبَكّتًا لِقَوْمِه وَمُسْتَدِلًا عَلَيْهِم وَقِيل مَعْنَاه الاسْتِفْهَام الْوَارِد مَوْرِد الإنْكَار، وَالمُرَاد فَهَذَا رَبّي، قَال الزَّجّاج قَوْله (هَذَا رَبِّي) أَي عَلَى قولِكُم كَمَا قَال أَيْنَ شُرَكَائِيَ؟ أَي عِنْدَكُم، وَيَدُلّ عَلَى أنَّه لَم يَعْبُد شَيْئًا من ذَلِك وَلَا أشْرَك قَطّ بالله طَرْفَة عَيْن: قَوْل اللَّه عَنْه (إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ) ثم قَالَ: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ؟ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ) وَقَال: (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) أَي مِنَ الشِّرْكِ، وَقَوْلُه: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ) فَإِن قُلْت فَمَا مَعْنَي قَوْله: (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضالين) قِيل إنَّه إنّ لَم يُؤَيّدْنِي بِمَعُونَتِه أكُن مِثْلَكُم فِي ضَلَالَتِكُم وَعِبَادَتِكُم عَلَى مَعْنَي الإشْفَاق وَالحَذَر وَإلَّا فَهُو مَعْصُوم في الأزل من الضَّلَال فِإن قُلْت فَمَا مَعْنَي قَوْلِه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ في ملتنا) ثُمّ قَال بَعْد عَن الرُّسُل (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ منها) فَلَا يُشْكل عَلَيْك لَفْظَة العَوْد وَأنَّهَا تَقْتَضِي أَنَّهُم إنَّمَا يعودون إِلَى مَا كَانُوا فِيه من مِلَّتِهِم فَقَد تَأْتِي هَذِه اللّفْظَة فِي كَلَام الْعَرَب لَغَيْر مَا ليس
الحواشي
(١) (قوله مبكتا) أي معتفا (*)стр. 495
لَه ابْتِدَاء بِمَعْنَي الصَّيْرُورَة كَمَا جاء فِي حَدِيث الجَهنميين عَادُوا حُمَمًا وَلَم يَكُونُوا قَبْل كَذَلِك، ومثل قَوْل الشَّاعِر: - تِلْك المَكارِم لَا قَعْبَان من لَبَن * شِيبا بماء فعادا بَعْد أبْوَالا
وما كان قَبْل كَذَلِك، فَإِنّ قلت فما معنى قوله: (وجدك ضالا فهدى) فَلَيْس هُو مِن الضَّلال الَّذِي هُو الكُفْر؟ قِيل ضَالًا عَن النُّبُوَّة فَهَدَاك إِلَيْهَا، قاله الطَّبَرِيّ، وَقِيل وَجَدَك بَيْن أَهْل الضَلَال فَعَصَمَك من ذَلِك وَهَدَاك بالإيمان وَإلَى إرْشَادِهِم وَنَحْوَه عَن السُّدّيّ وَغَيْر وَاحِد، وَقِيل ضالًا عَن شَرِيعَتِك أَي لَا تَعْرِفُهَا فَهَدَاك إِلَيْهَا، وَالضَّلَال ههُنَا التَّحَيُّر وَلِهَذَا كان ﷺ يخلو بِغَار حِرَاء فِي طَلَب مَا يَتَوَجَّه بِه إِلَى رَبَّه وَيَتَشَرَّع بِه حَتَّى هَدَاه اللَّه إِلَى الْإِسْلَام قَال مَعْنَاه المشيرى وَقِيل لَا تَعْرِف الْحَقّ فَهَدَاك إليْه، وَهَذَا مِثْل قَوْلِه تَعَالَى:) وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) قَالَه عَلِيّ بن عِيسَى، قَال ابن عَبَّاس لَم تَكُن لَه ضَلَالَة مَعَصِيَة وَقِيل هَدَى: أَي بَيْن أمْرَك بِالْبَرَاهِين وقيل: (وجدك ضالا) بين مكة والمدينة فهدك إِلَى الْمَدِينَة وَقِيل الْمَعْنَى وَجَدَك فَهَدَى بك ضَالًا * وَعَن جعفر ابن مُحَمَّد (وَوَجَدَكَ ضَالا) عَن مَحَبَّتِي لَك فِي الْأَزَل أي لَا تَعْرِفُهَا فَمَنَنْت عَلَيْك بِمَعْرفَتِي، وَقَرأ الحسن بن علي (ووجدك ضال فَهَدَى) أَي اهْتَدَى بك، وَقَال ابن عَطَاء: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا) أَي: مُحِبًا لِمَعْرفَتِي والضَّالّ الْمُحِبّ كما قَال: (إِنَّكَ لَفِي ضلالك القديم) أَي مَحَبَّتِك الْقَدِيمَة
الحواشي
(١) (قوله حمما) بضم الحاء المهملة أي فحما جمع حممة (قوله ومثله قَوْل الشَّاعِر) هو أمية بن أبى الصلت، قاله من جملة أبيات، وأوله.
تِلْك المَكارِم لَا قَعْبَان من لَبَن * شِيبا بماء فعادا بعد أبوالا (*)следующие страницы →