Полный текст (697 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
زمنه ومر عَلَيْه من معاياة عيشته كُلّ ذَلِك عَلَى طريق الرّوَايَة ومذاكرة الْعِلْم ومعرفة مَا صحت مِنْه العصمة للأنبياء وَمَا يجوز عَلَيْهِم فَهَذَا فن خارج عَن هَذِه الفنون الستة إِذ لَيْس فِيه غمص وَلَا نقص وَلَا أزراء وَلَا استخفاف
لَا فِي ظاهر اللَّفْظ وَلَا فِي مقصد اللافظ لَكِن يجب أَنّ يَكُون الْكَلَام فِيه مع أَهْل الْعِلْم وفهماء طلبة الدين مِمَّن يفهم مقاصده ويحققون فوائده ويجنب ذَلِك من عساه لَا يفقه أَو يخشى بِه فتنته فَقَد كره بَعْض السلف تلعيم النساء سورة يُوسُف لَمّا انطوت عَلَيْه من تِلْك القصص لضعف معرفتهن ونقص عقولهن وإدراكهن فَقَد قَال ﷺ مخبرًا عن نفسه باستيجاره لرعاية الغنم في ابتداء حاله وقال (مَا مِنْ نبى إلا وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ) وَأَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ عَنْ مُوسَى ﵇ وَهَذَا لَا غَضَاضَةَ فِيهِ جُمْلَةً وَاحِدَةً لِمَنْ ذَكَرَهُ عَلَى وَجْهِهِ بِخِلافِ مَنْ قَصَدَ بِهِ الْغَضَاضَةَ وَالتَّحْقِيرَ بَل كَانَت عادة جميع الْعَرَب، نَعَم فِي ذَلِك للأنبياء حكمة بالغة وتدريج لله تعالى لَهُم إِلَى كرامته وتدريب برعايتها لسياسة أممهم من خليقته بِمَا سبق لهم من الكرامة فِي الأزل ومتقدم الْعِلْم وَكَذَلِك قَد ذَكَر اللَّه يتمه وعيلته عَلَى طريق المنة عَلَيْه والتعريف بكرامته لَه فذكر الذاكر لَهَا عَلَى وجه تعريف حاله والخَبَر عَن مُبْتَدَئِه والتّعجُّب من مَنِح اللَّه قِبَلَه وعَظِيم مِنّتِه عِنْدَه لَيْس فِيه غَضَاضَة بَل فِيه
الحواشي
(١) (قوله وفهماء) بضم الفاء والمد (*)стр. 632
دَلَالَة عَلَى نُبُوَّتِه وصحَّة دَعْوَتِه إِذ أظْهَرَه اللَّه تَعَالَى بَعْد هَذَا عَلَى صَنَادِيد الْعَرَب وَمِن نَاوأَه من أشْرَافِهِم شيئا فشيئا وَنَمى أمْرُه حَتَّى قَهَرَهُم وَتَمَكّن من مِلْك مَقَالِيدِهِم وَاسْتِباحَه مما لك كثير مِن الْأُمَم غَيْرِهِم بإظْهَار اللَّه تَعَالَى لَه وتأييده بنصره وبالمؤمنين وألف بَيْن قُلُوبِهِم وإمْدَادِه بِالْمَلَائِكَة الْمُسَوّمِين وَلَو كَان ابن مُلْك أَو ذا أشْياع متقدمين لحسب كثير مِن
الجهال أَنّ ذَلِك موجب ظهوره ومقتضى علوه ولهذا قَال هرقل حِين سَأَل أَبَا سُفْيَان عنه هل فِي آبائه من مُلْك؟ ثُمّ قَال: وَلَو كَان فِي آبائه مُلْك لَقلنا رَجُل يَطْلُب مُلْك أبيه وَإذَا الْيُتْم من صِفَتِه وإحْدَى عَلَامَاتِه فِي الْكُتُب الْمُتَقَدّمَة وأخْبَار الْأُمَم السّالِفة وَكَذَا وَقَع ذِكْرُه في كِتَاب أرْميَاء وبهذا وصَفَه ابن ذِي يَزَن لعبد المُطلب وَبَحيرًا لأبي طَالِب وَكَذَلِك إذَا وُصِف بأنَّه أُمّيّ كَمَا وصَفَه اللَّه فهي مِدْحَة لَه وَفَضِيلَة ثَابِتَة فِيه وَقَاعِدَة مُعْجِزَتُه إذ معجزته الْعُظمَى مِن الْقُرْآن العَظِيم إنَّمَا هِي مُتَعَلقَة بِطَريق المَعَارِف وَالْعُلُوم مَع مَا مُنَح ﷺ وَفُضَّل بِه من ذَلِك كَمَا قَدّمْنَاه فِي القِسْم الأول وَوُجُود مِثْل ذَلِك من رَجُل لَم يَقْرأ وَلَم يَكْتُب وَلَم يُدارِس وَلَا لُقّن مُقْتَضَى العَجَب وَمُنْتَهَى الْعِبَر وَمُعْجِزَة الْبَشَر وَلَيْس فِي ذَلِك نَقيصَة إِذ المطلوب مِن الكِتَابَة والقراءة المَعْرفَة وَإِنَّمَا هي آلة.
الحواشي
(١) (قوله على صناديد) جمع صنديد وهو الشجاع السيد (قوله ونمى) بتشديد الميم (قوله في كتاب أرميا) بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الميم والقصر (قوله وليس فيه ذلك نقيصة) الضمير المجرور بفى عائد إلى الرجل في قوله وَوُجُود مِثْل ذَلِك من رجل والإشارة بذلك راجعة إلى ما أشير إليه بذلك (*)стр. 633
لَهَا وَوَاسِطَة مُوَصّلة إِلَيْهَا غَيْر مُرَادَة فِي نَفْسِهَا فَإِذَا حَصَلَت الثَّمْرَة وَالمَطْلُوب اسْتُغْنِي عَن الْوَاسِطَة وَالسّبَب، وَالْأُمّيَّة فِي غَيْرِه نَقِيصَة لِأَنّهَا سَبَب الْجَهَالَة وَعُنْوَان الْغَبَاوَة فَسُبْحَان من بايَن أمْرَه من أمْر غَيْرِه وَجَعَل شَرَفَه فِيمَا فِيه محطة سواه وحياته فِيمَا فِيه هلاك من عداه هَذَا شَقّ قلبه وإخْرَاج حُشْوَتِه كَان تَمَام حَيَاتِه وَغَايَة قوة نفسه وثبات روعه وَهُو فِيمَن سواه منتهى هلاكه وحتم موته وفنائه وهلم جَرّا إِلَى سائر مَا رُوِي من أخباره وسيره وتقلله مِن الدُّنْيَا وَمِن الملبس
والمطعم والمركب وتواضعه ومهنته نفسه في أمور وَخِدْمَة بَيْتِه زُهْدًا وَرَغْبَة عَن الدُّنْيَا وَتَسْوِيَة بَيْن حَقِيرِهَا وَخَطِيرِهَا لِسُرْعَة فَنَاء أُمُورِها وتَقَلُّب أحْوَالِهَا كُلّ هَذَا من فَضَائِلِه وَمآثِرِه وَشَرَفه كَمَا ذَكَرْنَاه فَمَن أوْرَد شَيْئًا مِنْهَا موردة وقصد بِهَا مقصده كَان حَسَنًا وَمِن أوْرَد ذَلِك عَلَى غَيْر وَجْهِه وعُلِم مِنْه بِذلِك سُوء قَصْدِه لَحِق بالفصول التى قدمناه وَكَذَلِك مَا وَرَد من أخْبَارِه وأخْبَار سَائِر الْأَنْبِيَاء ﵈ فِي الْأَحَادِيث مِمَّا فِي ظَاهِرِه إشْكال يَقْتَضِي أُمُورًا لَا تَلِيق بِهِم بِحَال وَتَحْتَاج إِلَى تأويل
الحواشي
(١) (قوله وإخراج حشوته) الحشوة بكسر الحاء المهملة وضمها وبالشين المعجمة الأمعاء (قوله روعه) بضم الراء وفى آخره هاء الضمير أي قلبه - قوله وحتم موته) بفتح الحاء المهملة وسكون التاء الفوقية (قوله مهنته) بفتح الميم وحكى الكسائي كسرها وأنكره الأسمعي (قوله ومآثره) أي مكارمه ومفاخره التى تؤثر عنه (*)стр. 634
وَتَرَدُّد احْتمال فَلَا يَجِب أن يُتَحَدّث مِنْهَا إلا بالصحيح وَلَا يُرْوَى مِنْهَا إلَّا المَعْلُوم الثّابِت وَرَحِم اللَّه مَالكًا فلقد كَرَه التَّحَدُّث بمِثْل ذَلِك مِن الْأَحَادِيث المُوهِمَة لِلتَّشْبيه وَالمُشْكلة الْمَعْنَى وَقَال: مَا يَدْعُو النَّاس إِلَى التَّحَدُّث بِمِثْل هَذَا فَقِيل لَه إنّ ابن عَجْلان يُحَدَّث بِهَا فَقَال لَم يَكُن مِن الفُقَهَاء وَلَيْت النَّاس وَافَقُوه عَلَى تَرْك الْحَدِيث بِهَا وَسَاعَدوه عَلَى طَيّهَا فأكْثَرُهَا ليس تحتع عَمَل وَقَد حُكِي عَن جَمَاعَة مِن السَّلَف بَل عَنْهُم عَلَى الْجُمْلَة أَنَّهُم كَانُوا يَكْرَهُون الْكَلَام فِيمَا لَيْس تَحْتَه عَمَل وَالنَّبِيّ ﷺ أوْرَدَهَا عَلَى قْوم عَرَب يَفْهَمُون كَلَام الْعَرَب عَلَى وَجْهِه وَتَصَرفَاتِهِم فِي حَقِيقَتِه وَمَجَازِه وَاسْتِعَارَتِه وَبَلِيغِه وَإيجَازِه فَلَم تَكُن فِي حَقَّهَم مُشْكِلَة ثُمّ جاء من غَلَبَت عَلَيْه العُجْمَة وَدَاخَلَتْه الْأُمّيَّة فَلَا يَكاد يَفْهَم من مَقَاصِد
الْعَرَب إلَّا نَصَّها وَصَرِيحَهَا وَلَا يَتَحَقَّق إشَارَاتِهَا إِلَى غَرَض الإيجَاز ووحْيِهَا وَتَبْلِيغَهَا وَتَلْويحِهَا فَتَفَرّقُوا فِي تأويلهَا أَو حَمْلِهَا عَلَى ظَاهِرِهَا شَذر مَذَر فمنهم من آمَن بِه وَمِنْهُم من كَفَر فَأَمَّا مَا لَا يَصِحّ من هَذِه الْأَحَادِيث فَوَاجِب أن لَا يُذْكَر مِنْهَا شئ فِي حَقّ اللَّه وَلَا فِي حَقّ أنْبِيَائِه وَلَا يُتَحَدّث بِهَا وَلَا يُتَكَلَّف الْكَلَام عَلَى مَعَانِيهَا، وَالصَّوَاب طَرْحُهَا وَتَرْك الشُّغْل بِهَا إلَّا أن تُذْكَر عَلَى وَجْه التّعْرِيف بِأنَّهَا ضَعِيفَة الْمَقَاد وَاهِيَة الإِسْنَاد وَقَد أنْكَرَ الأشْيَاخ عَلَى أَبِي بَكْر بن فُورَك تَكَلُّفَه فِي مُشْكِلِه الْكَلَام عَلَى أحاديث ضعيفة
الحواشي
(١) (قوله شذر مذر) بكسر الشين المعجمة والميم وبفتحهما في الصحاح تفرقوا شذر مذر بالتحريك والنصب وشذر مذر بالكسر إذا ذهبوا في كل وجه (*)стр. 635
مَوْضُوعَة لَا أصْل لَهَا أَو مَنْقُولَة عَن أَهْل الكِتَاب الَّذِين يَلْبِسُون الْحَقّ بالبَاطِل كَان يَكْفِيه طرحها ويعنيه عَن الْكَلَام عَلَيْهَا التَّنْبِيه عَلَى ضَعْفهَا إِذ المَقْصُود بِالْكَلَام عَلَى مُشْكل مَا فِيهَا إزَالَة اللّبْس بِهَا وَاجْتِثَاثُهَا من أَصْلهَا وَطَرْحُهَا أكْشَف اللبس وأشْفَى للنَّفْس
فصل ومما يَجِب عَلَى المُتَكَلَّم فِيمَا يَجُوز عَلَى النَّبِيّ ﷺ وَمَا لَا يَجُوز وَالذَّاكِر من حَالاتِه مَا قَدّمْنَاه فِي الفَصْل قَبْل هَذَا عَلَى طَرِيق المُذَاكَرَة والتعْلِيم أن يَلْتَزِم فِي كَلَامِه عِنْد ذَكْرِه ﷺ وذِكْر تِلْك الأَحْوَال الْوَاجِب من تَوْقِيرِه وَتَعْظِيمِه وَيُرَاقب حَال لِسَانِه وَلَا يُهْمِلَه وَتَظْهَر عَلَيْه عَلَامات الأَدَب عِنْد ذِكْرِه فَإِذَا ذَكَر مَا قاساه مِن الشَّدَائِد ظَهَرَ عليه الإشْفَاق والارْتِمَاض والغَيْظ عَلَى عَدُوّه وَمَوَدَّة الفِدَاء لِلنَّبِيّ ﷺ لَو قَدَر عَلَيْه وَالنُّصرَة لَو أمْكَنَتْه وَإذَا أخَذ فِي أبْوَاب العِصْمَة وَتَكَلّم عَلَى مَجَاري أعماله وأقواله ﷺ
تَحَرَّى أحَسَن اللَّفْظ وَأدَب الْعِبَارَة مَا أَمْكَنَه وَاجْتَنَب بَشِيع ذَلِك وَهَجَر مِن الْعَبَارَة مَا يَقْبُح كَلْفَظَة الْجَهْل وَالكَذِب وَالمَعْصِيَة فَإِذَا تَكَلّم فِي الأَقْوَال قَال هَل يَجُوز عَلَيْه الْخُلْف فِي القَوْل وَالْإِخبار بِخِلَاف مَا وَقَع سَهْوًا
الحواشي
(١) (قوله يلبسون) بكسر الموحدة أي يخلطون (قوله والارتماض) بالضاد المعجمة يقال ارتمض الرجل من كذا أي اشتد قلقه (قوله تحرى) بالحاء المهملة أي توخى وقصد (*)стр. 636
أَو غَلَطًا وَنَحْوَه مِن الْعِبَارَة وَيَتَجَنَّب لَفْظَة الكَذِب جُمْلَة وَاحَدَة وَإذَا تَكَلّم عَلَى الْعِلْم قَال هَل يَجُوز أن لَا يَعْلَم إلَّا مَا علم وهل يُمْكِن أن لَا يَكُون عِنْدَه علم من بَعْض الأشْيَاء حَتَّى يُوحَى إليْه وَلَا يَقُول بِجَهْل لِقُبْح اللَّفْظ وَبَشَاعَتِه وإذا تكلم فِي الأفْعَال قَال هَل يَجُوز منه الْمُخَالَفَة فِي بَعْض الْأَوَامِر وَالنَّوَاهِي وَمُوَاقَعَة الصَّغَائِر فَهُو أوْلَى وآدب من قَوْلِه هَل يَجُوز أن يَعْصِي أَو يُذْنِب أَو يَفْعَل كذا وكذا من أنْواع المَعَاصِي فهذا من حَقّ تَوْقِيرِه ﷺ وَمَا يَجِب لَه من تعزيز وَإعْظَام وَقَد رَأَيْت بَعْض الْعُلمَاء لَم يَتَحَفّظ من هَذَا فَقُبّح مِنْه.
وَلَم أَسْتَصْوب عِبارَتَه فِيه وَوَجَدْت بَعْض الْجَائِرِين قَوْله لأجْل تَرْك تَحَفُّظِه فِي الْعِبَارَة مَا لَم يَقُلْه وَشَنَّع عَلَيْه بِمَا يأباه وَيُكَفَّر قائِلُه وَإذَا كَان مِثْل هَذَا بَيْن النَّاس مُسْتَعْملًا فِي آدابِهِم وَحُسن مُعَاشَرِتِهِم وَخِطَابِهِم فَاسْتِعْمَالُه فِي حَقَّه ﷺ أوْجَب وَالْتِزَامُه آكَد فَجَوْدَة العبارة تقبح الشئ أَو تُحَسّنُه وَتَحْرِيرُهَا وتهذيبا يُعَظّم الأمْر أَو يُهَوّنُه ولهذا قَال ﷺ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا فَأَمَّا مَا أَوْرَدَهُ عَلَى جِهَةِ النَّفْيِ عَنْهُ وَالتَّنْزِيه فَلَا حَرَج فِي تَسْريح العِبارَة وتصريها فِيه كَقَوْلِه لَا يَجُوز عَلَيْه الكَذِب جُمْلَة ولا
الحواشي
(١) (قوله إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لسحرا) قال ابن قرقول قيل أورده مورد
الذم لشبهة بعمل السحر في قلب القلوب وجلب الأفئدة وتزيين القبيح وتقبيح الحسن وقيل أورده مورد المدح أي يترضى به الساخط ويستزل به الصعب ولذلك قالوا فيه السحر الحلال ويشهد له (إن من الشعر لحكمة) الحديث (*)стр. 637
إتْيَان الكبائر بِوجْه وَلَا الْجَوْر فِي الحكم عَلَى حَال وَلَكِن مَع هَذَا يَجِب ظُهُور تَوْقِيرِه وَتَعْظِيمِه وَتَعْزِيزِه عِنْد ذكره مُجَرّدًا فَكَيْف عِنْد ذَكَر مِثْل هذا وقد كَان السَّلَف تَظْهَر عَلَيْهِم حَالَات شَديدَة عِنْد مُجَرَّد ذِكْرِه كَمَا قَدَّمْنَاه فِي القسْم الثَّاني وَكَان بَعْضُهُم يَلْتَزِم مِثْل ذَلِك عِنْد تِلَاوَة آي مِن الْقُرْآن حَكَى اللَّه تَعَالَى فِيهَا مَقَال عِدَاه وَمِن كفر بآياته وَافْتَرَى عَلَيْه الكَذِب فَكَان يَخْفِض بِهَا صَوْتَه إعْظَامًا لِرَبَّه وَإجْلالا له وَإشْفَاقًا مِن التّشَبُّه بِمَن كَفَر بِه
الْبَاب الثاني فِي حكم سابه وشانئه ومتنقصه مؤذبه وعقوبته وذكر استتباته ووراثته
قَد قَدَّمْنَا مَا هُو سَبّ وأذَى فِي حَقّه ﷺ وَذَكَرْنَا إجْمَاع الْعُلمَاء عَلَى قَتْل فاعِل ذَلِك وقائِلِه وتَخْيير الْإِمَام فِي قَتْلِه أَو صَلْبِه عَلَى مَا ذَكَرْنَاه وَقَرّرْنا الْحُجَج عَلَيْه وبعد فاعْلَم أَنّ مشْهُور مَذْهَب مَالِك وأصحابه وقوْل السَّلَف وجُمهُور الْعُلمَاء قَتْلُه حَدًّا لَا كُفْرًا إن أظْهَر التَّوْبَة مِنْه ولهذا لَا تُقْبَل عندهم توْبَتُه وَلَا تَنْفَعُه اسْتِقَالَتَه وَلَا فَيْأتُه كَمَا قَدَّمْنَاه قَبْل وَحُكْمه حُكْم الزَّنْدِيق وَمُسِرّ الكُفْر فِي هَذَا القَوْل وسواء كَانَت تَوْبَتُه عَلَى هَذَا بَعْد القُدْرَة عَلَيْه والشَّهادَة عَلَى قَوْله (أو جاء تائِبًا من قَبْل نفسه لِأَنَّه حَد وَجَب لَا تُسْقطُه التّوْبَة كَسَائِر الْحُدُود قَال الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن القابسيّ ﵀ إذَا
стр. 638
أقَرّ بالسَّبّ وتاب مِنْه وأظْهَر التَّوْبَة قُتِل بالسَّبّ لِأَنَّه هُو حَدُّه وَقَال أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زَيْد مِثْلُه وَأَمَّا مَا بَيْنَه وَبَيْن اللَّه فَتَوْبَتُه تَنْفَعُه، وَقَال ابن سُحْنُون من شَتَم النبي ﷺ مِن المُوَحّدِين ثُمّ تَاب عَن ذَلِك لَم تزل توبته عنه القَتْل وَكَذَلِك قَد اخْتُلِف فِي الزّنْدِيق إذَا جاء تائبًا فحكى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَن بن الْقَصّار فِي ذَلِك قَوْلَيْن، قَال من شُيُوخَنَا: من قَال أقْتُلُه بإقْرَارِه لِأَنَّه كَان يَقْدِر عَلَى سَتْر نَفْسِه فَلَمّا اعْتَرَف خِفْنَا أنَّه خَشِي الظُّهُور عَلَيْه فَبَادر لِذَلِك وَمِنْهُم من قَال اقْبَل تَوَبتَه لأني أسْتَدِلّ عَلَى صحّتِهَا بمَجِيئِه فَكَأنّنَا وَقَفْنَا عَلَى باطِنِه بِخِلَاف من أسَرَتْه البَيّنَة قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل وَهَذَا قَوْل أصْبَغ وَمَسْألَة سَابّ النَّبِيّ ﷺ أقْوَى لَا يُتَصَوّر فِيهَا الخِلَاف عَلَى الأصل المتقدم لِأَنَّه حَقّ مُتَعَلق للنَّبِيّ ﷺ ولأمّتِه بِسَبَبه لَا تُسْقطُه التّوْبَة كَسَائِر حُقُوق الآدَميّين وَالزّنْدِيق إذَا تَاب بَعْد القُدْرَة عَلَيْه فَعِنْد مَالِك وَاللَّيْث وَإِسْحَاق وَأَحْمَد لَا تُقْبَل تَوْبَتُه وعند الشَّافِعِيّ تُقْبَل وَاخْتُلِف فِيه عَن أَبِي حنيفة وَأَبِي يُوسُف وَحَكَى ابن المُنْذِر عَن عَلِيّ بن أَبِي طَالِب ﵁ يُسْتَتَاب، قَال مُحَمَّد بن سُحْنُون وَلَم يَزُل الْقَتْل عَن المسلم بالتّوْبَة من سَبّه ﷺ لِأَنَّه لَم يَنْتَقل من دِين إِلَى غَيْرِه وَإِنَّمَا فعل
الحواشي
(١) (قوله وأبى يوسف) هو القاضى صاحب أبى حنفية يعقوب بن إبراهيم بن خبيب بن حبيش بن سعد بن خيثمة الأنصاري توفى سنة اثنين وثمانين ومائة وهو ابن تسع وستين سنة روى عنه أحمد بن حنبل وابن معين وغيرهما (*)стр. 639
شَيْئًا حَدُّه عِنْدَنَا القَتْل لَا عَفْو فِيه لأحد كالزّنْدِيق لأنه لم ينتفل من
ظَاهِر إِلَى ظاهر، وَقَال الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد بن نَصْر مُحْتَجًّا لِسُقُوط اعْتِبَار تَوْبَتِه وَالْفَرْق بَيْنَه وَبَيْن من سَبّ اللَّه تَعَالَى عَلَى مَشْهُور القَوْل باسْتَتَابَتِه أَنّ النَّبِيّ ﷺ بَشَر وَالْبَشَر جِنْس تَلْحقُه المَعَرة إلَّا من أكْرَمَه اللَّه بِنُبُوَّتِه وَالْبَارِي تعالى مُنَزَّه عَن جميع المَعَايب قَطْعًا وَلَيْس من جِنْس تَلْحَق المَعَرَّة بِجِنْسِه وَلَيْس سَبُّه ﷺ كالارْتِدَاد المَقْبُول فِيه التَّوْبَة لِأَنّ الْارتدَاد مَعْنَي يَنْفَرِد بِه المُرْتَدّ لَا حَقّ فِيه لِغَيْرِه مِن الآدميين فقبلت تَوْبَتُه وَمِن سَبّ النَّبِيّ ﷺ تَعَلّق فِيه حَقّ لآدَميّ فكان كالمُرْتَد يَقْتُل حِين ارْتِدَادِه أَو يَقْذِف فَإِنّ تَوْبَتَه لَا تُسْقط عَنْه حد القَتْل وَالْقَذْف وَأيْضًا فَإِنّ تَوْبَة المُرْتَد إذَا قُبِلَت لَا تُسْقط ذُنُوبَه من؟ ؟ ؟ وَسَرِقَة وَغَيْرِهَا وَلَم يُقْتَل سابّ النَّبِيّ ﷺ لِكُفْرِه لَكِن لمعنى يَرْجِع إلى تعظيم حُرْمَتِه وَزَوَال المَعَرّة بِه وَذَلِك لَا تُسْقطُه التَّوْبَة، قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل يُريد والله أَعْلَم لِأَنّ سَبَّه لَم يَكُن بِكَلِمَة تَقْتضي الْكُفْر وَلَكِن بِمَعْنَي الإزْرَاء وَالاسْتِخْفَاف أَو لِأَنّ بَتَوْبَتِه وإظْهَار إنابَتِه ارْتَفَع عَنْه اسْم الْكُفْر ظاهرًا والله أَعْلَم بِسَرِيرَتِه وبقي حُكْم السب عَلَيْه، وَقَال أَبُو عمران العابسى من سَبّ النَّبِيّ ﷺ ثُمّ ارْتَد عَن الْإِسْلَام قُتِل وَلَم يُسْتَتَب، لِأَنّ السب من
الحواشي
(١) (قوله كالمرد يقتل) هو بفتح المثناة التحتية في أوله (*)стр. 640
حُقُوق الآدَميَّين الَّتِي لَا تُسْقط عَن المُرْتَدّ وكلام شُيُوخِنَا هَؤْلَاء مَبْنِيّ عَلَى القَوْل بِقَتْلِه حَدًّا لَا كُفْرًا وَهُو يَحْتَاج إِلَى تَفْصِيل * وَأَمَّا عَلَى رِوَايَة الوليد ابن مُسْلِم عَن مَالِك وَمِن وافقه عَلَى ذَلِك مِمَّن ذَكَرْنَاه وَقَال بِه من أَهْل الْعِلْم فقد صَرحُوا أنَّه رِدَّة قَالُوا وَيُسْتَتَاب مِنْهَا فإن تاب نُكّل وإن أَبِي قُتِل فَحُكِم لَه بحُكْم المُرَتَد مُطَْلقًا فِي هَذَا الْوَجْه والوجه الأوّل أشْهَر وَأظْهَر
لَمّا قَدَّمْنَاه وَنَحْن نَبْسُط الْكَلَام فِيه فَنَقَوْل من لَم يَرَه رِدّة فَهُو يُوجِب القَتْل فِيه حَدًّا وَإِنَّمَا نقول ذَلِك مَع فَصْلَيْن: إِمَّا مَع إنْكَارِه مَا شُهِد عَلَيْه به أو إظهاره الإقْلاع وَالتَّوْبَة عَنْه فَنَقْتُلُه حَدًّا لِثَبَات كَلِمَة الكُفْر عَلَيْه فِي حَقّ النَّبِيّ ﷺ وَتَحْقِيرِه مَا عَظّم اللَّه من حَقّه وأجْرَيْنَا حُكْمَه فِي ميراثِه وَغَيْر ذَلِك حُكْم الزَّنْدِيق إذَا ظُهِر عَلَيْه وأنْكَر أَو تاب فإن قِيل فَكَيْف تُثْبِتُون عَلَيْه الكُفْر وَيَشْهَد عَلَيْه بِكَلِمَة الكُفْر وَلَا تَحْكُمُون عَلَيْه بحُكْمِه مِن الاسْتِتَابَة وتَوَابِعِهِا قُلْنَا نَحْن وإن أثْبَتْنا لَه حُكْم الكافِر فِي القَتْل فَلَا نَقْطَع عَلَيْه بِذَلِك لإقْرَارِه بالتَّوْحِيد والنُّبُوَّة وإنْكارِه مَا شُهِد بِه عَلَيْه أَو زَعْمِه أَنّ ذَلِك كَان مِنْه وَهَلًا ومعصية وَأنَّه مقلع عَن ذَلِك نادم عَلَيْه وَلَا يمتنع إثبات بَعْض أحكام الكفر عَلَى بَعْض الأشخاض وَإِنّ لَم تثبت لَه خصائصه كقتل تارك الصَّلَاة وَأَمَّا من علم أنَّه سبه معتقدًا لاستحلاله فلا
الحواشي
(١) (قوله وهلا) في الصحاح الوهل بالتحريك الفزع قال أبو زيد: وهل يوهل في الشئ وعن الشئ وهلا إذا غلط فيه وسها (١٧ - ٢) (*)стр. 641
شك فِي كفره بِذَلِك وَكَذَلِك إنّ كَان سبه فِي نفسه كفر كتكذيبه أو تكفير، وَنَحْوَه فَهَذَا مِمَّا لَا إشكال فِيه ويقتل وَإِنّ تاب مِنْه لأنا لَا نقبل توبته ونقتله بَعْد التَّوْبَة حدًا لِقَوْلِه ومتقدم كفره وأمره بَعْد إِلَى اللَّه المطلع عَلَى صحة إقلاعه العالم بسره وَكَذَلِك من لَم يظهر التَّوْبَة واعترف بِمَا شهد بِه عَلَيْه وصمم عَلَيْه فَهَذَا كافر بقوله وباستحلاله هتك حرمة اللَّه وحرمة نبيه ﷺ يقتل كافرًا بِلَا خِلَاف فعلى هَذِه التفضيلات خذ كَلَام الْعُلمَاء ونزل مختلف عباراتهم فِي الاحتجاج عَلَيْهَا وأجر
اختلافهم فِي الموارثة وَغَيْرِهَا عَلَى ترتيبها تتضح لَك مقاصدهم إنّ شَاء اللَّه تَعَالَى
فصل إذَا قُلْنَا بالاستِتابَة حَيْث تَصِحّ فالاخْتِلاف عَلَى الاختلاف فِي تَوْبَة المُرْتَد إِذ لَا فَرْق بَيْنَهُمَا وَقَد اخْتُلِف السَّلَف فِي وجوبها وصورتها ومُدّتها فَذَهَب جُمْهُور أَهْل الْعِلْم إِلَى أَنّ المُرْتَدّ يُسْتَتَاب وَحَكى ابن القَصَّار أنَّه إجْماع مِن الصَّحابَة عَلَى تَصْويب قَوْل عُمَر فِي الاسْتِتابَة وَلَم يُنْكرْه واحد مِنْهُم وَهُو قَوْل عُثْمَان وَعَلِيّ وَابْن مَسْعُود وبه قَال عَطَاء بن أَبِي رَبَاح والنَّخَعِيّ وَالثَّوْرِيّ ومالك وأصحابُه والْأَوزَاعِيّ والشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وإسحاق وأصحاب الرأي وَذَهَب طاوُس وَعُبَيْد بن عُمَيْر والحسن فِي إحْدى الرّوايَتَيْن عَنْه أنَّه
стр. 642
لَا يُسْتَتاب وقاله عَبْد الْعَزِيز بن أَبِي سَلَمَة وَذَكَرَه عَن مُعاذ وأنْكَرَه سُحْنُون عَن مُعَاذ وحكاه الطّحَاويّ عَن أَبِي يُوسُف وَهُو قَوْل أَهْل الظاهِر قَالُوا وَتَنْفَعُه تَوْبَتُه عِنْد اللَّه وَلَكِن لا ندرأ القَتْل عَنْه لِقَوْلِه ﷺ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ وحُكِيَ عَن عَطَاء أنَّه إن كَان مِمَّن وُلِد فِي الْإِسْلَام لَم يُسْتَتب ويُسْتَتاب الإسْلامِي وجُمْهُور الْعُلمَاء عَلَى أَنّ المُرْتَدّ والمرتدة فِي ذَلِك سواء وَرُوي عَن عَلِيّ ﵁ لَا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ وَتُسْتَرَقُّ قَالَه عَطَاء وقتادة وَرُوي عَن ابن عَبَّاس لَا تُقْتَل النّساء فِي الرَّدّة وبه قَال أَبُو حَنِيفَة قَال مَالِك والْحُرّ والعَبْد والذّكَر والأنْثى فِي ذَلِك سواء وَأَمَّا مُدَّتُها فَمَذْهَب الجُمْهُور وَرُوي عَن عُمَر أنَّه يُسْتَتاب ثَلَاثَة أيَّام يُحْبَس فِيهَا وَقَد اخْتلف فِيه عَن عُمَر وَهُو أحَد قَوْلَي الشَّافِعِيّ وقول أَحْمَد وإسحاق واسْتَحْسَنَه مَالِك وَقَال لَا يَأْتي الاسْتِظْهَار
إلَّا بِخَيْر وَلَيْس عَلَيْه جَمَاعَة النَّاس قَال الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زيد يريد فِي الاستيناء ثلاثا وَقَال مَالِك أيْضًا الَّذِي آخُذ بِه فِي المرتد قَوْل عُمَر يحبس ثَلَاثَة أيام ويعرض عَلَيْه كُلّ يَوْم فَإِنّ تاب وَإِلَّا قتل وَقَال أَبُو الْحَسَن بن القصار فِي تأخيره ثلاثا روايتان عَن مَالِك هَل ذَلِك واجب أو مستحب واستحسن الاستتابة والاستيناء ثلاثا أَصْحَاب الرّأي وَرُوي عَن أَبِي بَكْر الصديق أنه اسْتَتَاب امْرَأة فَلَم نتب فقتلها، وَقَال الشافعي مرة فقال إن لَم يَتُب مكانه قتل واستحسنه المزني وَقَال الزُّهْرِيّ يدعى
стр. 643
إِلَى الْإِسْلَام ثَلَاث مرات فَإِن أَبَى قتل وَرُوي عَن عَلِيّ ﵁ يستتاب شهرين، وَقَال النخعي يستتاب أبدًا وبه أخذ الثَّوْرِيّ مَا رجيت توبته، وَحَكَى ابن القصار عَن أبي حنيفة أنَّه يستتاب ثَلَاث مرات فِي ثَلَاثَة أيَّام أَو ثَلَاث جُمَع كُلّ يَوْم أَو جُمُعة مَرَّة وَفِي كِتَاب مُحَمَّد عَن ابن الْقَاسِم يُدْعَى المُرْتَدّ إِلَى الْإِسْلَام ثَلَاث مرات فَإِن أبى ضُرِبَت عُنُقُه واخْتُلِف عَلَى هَذَا هَل يُهَدَّد أَو يُشَدَّد عَلَيْه أيَّام الاسْتِتابَة لِيَتُوب أم لَا فَقَال مَالِك مَا عَلِمْت فِي الاسْتِتابَة تَجْويعًا وَلَا تَعطيشًا وَيُؤْتى مِن الطَّعَام بِمَا لَا يَضُرَّه وَقَال أصْبَغ يُخَوف أيَّام الاستتابة بالقتل وبعرض عَلَيْه الْإِسْلَام وَفِي كِتَاب أَبِي الْحَسَن الطَّابثي يُوعَظ فِي تِلْك الأيَّام وَيُذَكَّر بالْجَّنة وَيُخَوَّف بالنَّار قَال أصْبَغ وأيّ المَوَاضِع حُبس فِيهَا مِن السُّجُون مَع النَّاس أَو وَحْدَه إذَا اسْتُوثِق مِنْه سَوَاء وَيُوقَف مالُه إذَا خِيف أن يُتْلِفَه عَلَى الْمُسْلِمِين ويُطْعَم مِنْه وَيُسْقى وَكَذَلِك يُسْتَتَاب أبدًا كُلَّمَا رَجَع وارْتَدّ وَقَد اسْتَتَاب رَسُول اللَّه ﷺ نَبْهَان الَّذِي ارْتَدّ أرْبَع مَرَّات أَو خَمْسًا قَال ابن وَهْب عَن مَالِك يُسْتَتَاب أبدا كُلَّمَا رجع وَهُو قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد
وقاله ابن الْقَاسِم وَقَال إِسْحَاق يُقْتَل فِي الرَّابِعَة وَقَال أَصْحَاب الرَّأْي إن لَم يَتُب فِي الرَّابِعَة قُتِل دُون اسْتتَابة وإن تاب ضُرِب ضَرْبًا وجِيعًا وَلَم يَخْرُج مِن السَّجْن حَتَّى يَظْهَر عَلَيْه خُشُوع التَّوْبَة قَال ابن المُنْذِر وَلَا نَعْلَم أحدا
الحواشي
(١) (قوله أَبِي الْحَسَن الطَّابثي) هو بطاء مهملة وباء موحدة مكسورة وثاء مثلثة (*)стр. 644
أوْجَب عَلَى المُرْتَد فِي المَرَّة الأولى أدبًا إذَا رجع وَهُو عَلَى مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالكوفي
فصل هَذَا حكم من ثبت عَلَيْه ذَلِك بِمَا يجب ثبوته من إقرار أَو عدول لَم يدفع فِيهِم فَأَمَّا من لَم تَتِمّ الشَّهَادَة عليه بِمَا شَهِد عَلَيْه الْوَاحِد أَو اللَّفِيف مِن النَّاس أَو ثَبَت قَوْلُه لَكِن احْتمَل وَلَم يَكُن صريحا وَكَذَلِك إن تاب عَلَى القَوْل بقبول توبته فَهَذَا يدرأ عَنْه القَتْل ويتسلط عَلَيْه اجتهاد الْإِمَام بقدر شهرة حاله وقوة الشَّهَادَة عَلَيْه وضعفها وكثرة السماع عَنْه وصوره حاله مِن التهمة فِي الدين والنبر بالسفه والمجون فَمَن قوي أمره أذاقه من شديد النكال مِن التضييق فِي السجن والشد فِي القيود إلى العاية الَّتِي هِي منتهى طاقته مِمَّا لَا يمنعه القيام لضرورته وَلَا يقعده عَن صلاته وَهُو حكم كُلّ من وجب عَلَيْه القَتْل لَكِن وقف عَن قتله لمعنى أوجبه وتربص بِه لإشكال وعائق اقتضاه أمره وحالات الشدة فِي نكاله تختلف بحسب اخْتِلَاف حاله وَقَد رَوَى الْوَلِيد عَن مالك والْأَوزَاعِيّ أَنَها رِدَّة فَإِذَا تاب نكل ولمالك فِي العتبية وكتاب مُحَمَّد من رِوَايَة أشهب إذَا تاب
الحواشي
(١) (قوله والنبر) بالنون المفتوحة والموحدة الساكنة والراء مصدر نبره ينبره نبرا أي لقنه (*)стр. 645
المرتد فَلَا عقوبة عَلَيْه وقاله سُحْنُون وأفتى أَبُو عَبْد اللَّه بن عتاب فِيمَن سَبّ النَّبِيّ ﷺ فشهد عَلَيْه شاهدان عدل أحَدُهُمَا بالأدب الموجع والتنكيل والسجن الطويل حَتَّى تظهر توبته وَقَال القابسي فِي مِثْل هَذَا وَمِن كَان أقصى أمره القتل فعاق عائِق أشْكَل فِي القَتْل لَم يَنْبَغ أن يُطْلَق مِن السَّجْن وَيُسْتَطَال سِجْنُه وَلَو كَان فِيه مِن المُدَّة مَا عسى أَنّ يُقِيم ويُحْمَل عَلَيْه مِن القَيْد مَا يُطِيق وَقَال فِي مِثْلِه مِمَّن أشْكَل أمْرُه يُشَدّ فِي القُيُود شَدًّا وَيُضَيَّق عَلَيْه فِي السّجْن حَتَّى يُنْظَر فِيمَا يَجِب عَلَيْه، وَقَال فِي مَسْأَلَة أُخْرَى مِثْلِهَا وَلَا تُهْرَاق الدّماء إلَّا بالأمْر الواضِح وَفِي الأدَب بالسّوْط والسّجْن نكال للسفهاء ويعاقب عقوبة شديدة فَأَمَّا إن لَم يشهد عَلَيْه سوى شاهدين فأثبت من عداوتهما أَو جرحتهما مَا أسقطهما عَنْه وَلَم يُسْمَع ذَلِك من غَيْرِهِمَا فَأمْرُه أخَفّ لِسُقُوط الْحُكْم عَنْه وكأنه لَم يُشْهَد عَلَيْه إلَّا أَن يَكُون مِمَّن يَليق بِه ذَلِك وَيَكُون الشاهدان من أَهْل التَّبْرِيز فأسْقَطَهُما بِعَداوَة فَهُو وَإن لَم ينفذ الحكم عليه بشهادتهما فَلَا يدفع الظن صدقهما وللحاكم هُنَا فِي تنكيله موضع اجتهاد والله ولي الإرشاد
فصل هَذَا حُكْم المسلم فَأَمَّا الذَّمّيّ إذَا صَرَّح بِسَبّه أَو عَرّض أَو اسْتَخَفّ بِقَدْرِه أَو وَصَفَه بغير الوَجْه الَّذِي كَفَر بِه فَلَا خِلَاف عِنْدَنَا فِي قتله إن
الحواشي
(١) (قوله عتاب) بفتح العين المهمة وتشديد المثناة الفوقية (*)стр. 646
لَم يُسْلم لأنا لَم نُعْطِه الذَّمَّة أَو العَهْد عَلَى هَذَا وَهُو قَوْل عامّة الْعُلمَاء إلَّا أَبَا حَنِيفَة والثَّوْرِيّ وأتْباعَهُما من أَهْل الكُوفَة فَإِنَّهُم قَالُوا لَا يُقْتَل
لِأَنّ مَا هُو عَلَيْه مِن الشّرْك أعظم وَلَكِن يُؤْدّب ويعذر واسْتَدَلّ بَعْض شُيُوخنا عَلَى قَتْلِه بِقَوْلِه تَعَالَى (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دينكم) الآيَة، وَيُسْتَدَلّ أيْضًا عَلَيْه بِقَتْل النَّبِيّ ﷺ لابن الأشْرَف وأشْباهِه ولأنَّا لَم نُعاهِدْهُم وَلَم نُعْطِهِم الذَّمّة عَلَى هَذَا وَلَا يَجُوز لَنَا أن نَفْعَل ذَلِك مَعَهُم فَإِذَا أتَوْا مَا لَم يُعْطَوْا عَلَيْه العَهْد وَلَا الذّمَّة فَقَد نَقَضُوا ذِمَّتَهُم وصارُوا كُفّارًا أَهْل حَرْب يُقْتَلُون لِكُفْرِهِم وأيضًا فَإِنّ ذِمَّتَهُم لَا تُسْقط حُدود الْإِسْلَام عَنْهُم مِن القَطْع فِي سَرِقَة أمْوالِهِم والقَتْل لِمَن قَتَلُوه مِنْهُم وَإِنّ كَان ذَلِك حلالًا عندهم فكذلك سبهم للنبي ﷺ يقتلون بِه ووردت لأصحابنا ظواهر تقتضي الخِلَاف إذَا ذكره الذمي بالوجه الَّذِي كفر بِه ستقف عَلَيْهَا من كَلَام ابن الْقَاسِم وَابْن سُحْنُون بَعْد وَحَكَى أَبُو المصعب الخِلَاف فِيهَا عَن أصحابه المدنيين واختلفوا إذَا سبه ثُمّ أسلم فَقِيل، يسقط إسلامه قتله لِأَنّ الْإِسْلَام يجب مَا قبله بخلاف المسلم إذَا سبه ثم ناب لأنا نعلم باطنة الكافر فِي بغضه لَه وتنقصه بقلبه لكنا منعناه من إظهاره فَلَم يزدنا مَا أظهره إلَّا مخالفة للأمر ونقضًا للعهد فَإِذَا رجع عَن دينه الأوّل إِلَى الْإِسْلَام سقط مَا قبله، قَال اللَّه تَعَالَى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) والمُسْلِم بخلافه
стр. 647
إِذ كَان ظَنُّنا بِباطِنِه حُكْم ظاهِرِه وخلاف مَا بَدا مِنْه الآن فَلَم نَقْبَل بَعْد رُجُوعَه وَلَا اسْتَنَمْنا إِلَى باطِنِه إذ قَد بدت سرائره وما ثَبت عَلَيْه مِن الأحْكام باقية عَلَيْه لَم يسقطها شئ وَقِيل لَا يُسْقط إسلام الذَّمّيّ السابّ قتله لِأَنَّه حَقّ للنَّبِيّ ﷺ وَجَب عَلَيْه لانْتَهاكِه حُرْمته وقَصْدِه إلْحَاق النَّقِيصَة والمَعَرّة بِه فَلَم يَكُن رُجُوعُه إِلَى الْإِسْلَام بالذي يُسْقِطُه
كَمَا وجب عَلَيْه من حقوق الْمُسْلِمِين من قَبْل إسْلامِه من قَتْل وَقَذْف وَإذَا كُنَّا لَا نَقْبَل تَوْبَة المسلم فَأِنّ لَا نقبل توبة الكافر أولى.
قَال مَالِك فِي كِتَاب ابن حبيب المبسوط وَابْن الْقَاسِم وَابْن الماجِشُون وَابْن عَبْد الحَكَم وأصْبَغ فِيمَن شَتَم نَبِيّنا من أَهْل الذّمَّة أَو أَحَدًا مِن الْأَنْبِيَاء ﵈ قتل إلَّا أَن يُسْلم وَقَالَه ابن الْقَاسِم فِي العتبية وعند مُحَمَّد وَابْن سُحْنُون وَقَال سُحْنُون وأصبغ لَا يقال لَه أسلم وَلَا لَا تسلم وَلَكِن إن أسلم فَذَلِك لَه توبة وَفِي كِتَاب مُحَمَّد أَخْبَرَنَا أَصْحَاب مَالِك أنَّه قَال من سب رسول الله ﷺ أَو غَيْرِه مِن النَّبِيّين من مُسْلِم أَو كافر قُتِل وَلَم يُسْتَتَب وَرُوي لَنَا عَن مَالِك إلَّا أن يُسْلِم الكافر وَقَد رَوَى ابن وَهْب عَن ابن عمر أَنّ رَاهِبًا تَنَاوَل النَّبِيّ ﷺ فَقَال ابن عُمَر فَهَلا قتلتموه وَرَوَى عِيسَى عَن ابن الْقَاسِم فِي ذمي قَال إنّ مُحَمَّدًا لَم يُرْسَل إِلَيْنَا إنَّمَا أرسل إِلَيْكُم وَإِنَّمَا نبينا موسى أَو عِيسَى ونحو هَذَا لَا شئ
الحواشي
(١) (قوله في كتاب محمد) هو أبو المواز (*)стр. 648
عَلَيْهِم لِأَنّ اللَّه تَعَالَى أقَرَّهُم عَلَى مِثْله وَأَمَّا إن سَبَّه فَقَال لَيْس بِنَبِيّ أَو لَم يُرْسَل أَو لَم يُنْزَل عَلَيْه قُرْآن وإنما هو شئ تقوله أَو نَحْو هَذَا فَيُقْتَل قَال ابن الْقَاسِم وَإذَا قَال النَّصْرَانِيّ دِينُنَا خَيْر من دِينِكُم إنَّمَا دِينُكُم دِين الْحَمِير ونحو هَذَا مِن القبيح أَو سَمِع المؤذن يَقُول أشهد أَنّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه فَقَال كَذَلِك يعطيكم اللَّه ففي هَذَا الأدب المُوجِع والسَّجْن الطويل قَال وَأَمَّا إن شَتَم النَّبِيّ ﷺ شَتْمًا يُعْرَف فَإنَّه يقتل إلَّا أَن يُسْلِم قاله مَالِك غَيْر مَرَّة وَلَم يقل يستتاب قَال ابن الْقَاسِم ومحمل قَوْله عِنْدِي إن أسلم طائعًا، وَقَال ابن سُحْنُون فِي سؤالات سُلَيْمَان بن سالم فِي
اليهودي يقول لمؤذن إذَا تَشَهّد كَذَبْت يُعَاقَب العُقُوبة المُوجِعَة مَع السجن الطويل وَفِي النوادر من رِوَايَة سُحْنُون عَنْه من شتم الْأَنْبِيَاء مِن الْيَهُود والنصارى بغير الوجه الذي به كفروا ضرب عنقه إلا أن يُسْلِم قَال مُحَمَّد ابن سُحْنُون فإن قِيل لَم قَتَلْتَه في سَبّ النَّبِيّ ﷺ وَمِن دِينِه سَبَّه وتكذيبه قِيل لأنَّا لَم نُعْطِهِم العَهْد عَلَى ذَلِك وَلَا عَلَى قَتْلِنَا وأخْذ أمْوالِنَا فَإِذَا قَتَل واحدًا منا قتلناه وإن كَان من دينه استحلاله فكذلك إظهاره لسب نبينا ﷺ قَال سُحْنُون كَمَا لَو بذل لَنَا أَهْل الْحَرْب الْجزْيَة عَلَى إقْرَارِهِم عَلَى سَبَّه لَم يَجُز لَنَا ذَلِك فِي قَوْل قائل كَذَلِك يْنَتَقِض عهد من سَبّ مِنْهُم ويحل لَنَا دمه وكما لَم يُحَصّن الْإِسْلَام من سَبَّه مِن القَتْل كَذَلِك لَا تُحَصّنُه الذّمَّة قَال الْقَاضِي أَبُو
стр. 649
الْفَضْل مَا ذَكَرَه ابن سُحْنُون عَن نفسه وَعَن أَبِيه مُخَالِف لِقَوْل ابن الْقَاسِم فِيمَا خفَّف عُقُوبَتَهُم فِيه مِمَّا بِه كَفُروا فَتَأمّلْه وَيَدُلّ عَلَى أنَّه خِلَاف مَا رُوِي عَن المدنيين فِي ذَلِك فحَكى أَبُو المُصْعَب الزُّهْرِيّ قَال أُتيت بِنَصْرَانِيّ قَال والذي اصْطَفَى عِيسَى عَلَى مُحَمَّد فاخْتُلِف عَلَيّ فِيه فَضَربْتُه حَتَّى قَتَلْتُه أَو عَاش يَوْمًا وَلَيْلَة وأمَرْت من جر بِرِجْلِه وطُرح عَلَى مزْبَلَة فَأَكَلَتْه الكلاب وسئل أَبُو المصعب عَن نصراني قَال عِيسَى خلق مُحَمَّدًا فَقَال يُقْتَل وَقَال ابن الْقَاسِم سَألنا مالكًا عَن نَصْرَانِيّ بِمِصْر شُهِد عَلَيْه أنَّه قَال مِسْكِين مُحَمَّد يُخبرُكُم أنَّه فِي الجنة ماله لم ينفع نَفْسَه إِذ كَانَت الكلاب تَأْكُل سَاقَيْه لَو قَتَلُوه اسْتَرَاح مِنْه النَّاس قَال مَالِك أرَى أَن تُضْرَب عُنُقُه قَال وَلَقَد كدت أن لَا أتكلم فِيهَا بشئ ثُمّ رَأَيْت أنَّه لَا يسعني الصمت قَال ابن كنانة فِي المبسوطة من شتم النَّبِيّ ﷺ مِن الْيَهُود والنّصَارَى
فَأرى للإمام أَن يحرقه بالنار وَإِن شَاء قَتَله ثُمّ حَرَق جثته وَإِن شَاء أحرقه بالنار حَيًّا إذَا تهافتوا فِي سبه وَلَقَد كُتِب إِلَى مَالِك من مصر وَذَكَر مسألة ابن الْقَاسِم المُتَقَدّمَة قَال فأمَرَنِي مَالِك فَكَتَبْت بأن يقتل وتضرب عنقه فَكَتَبْت ثُمّ قُلْت يَا أَبَا عَبْد اللَّه وأكتب ثُمّ يحرق بالنار فَقَال إنَّه لحقيق بِذَلِك وَمَا أولاه بِه فكتبته بيدي بَيْن يديه فَمَا أنْكَرَه وَلَا عَابَه ونفذت الصحيفة بِذَلِك فَقُتِل وحرق، وأفنى عبيد اللَّه بن يَحْيَى وَابْن لُبَابَة فِي جَمَاعَة
الحواشي
(١) (قوله على مزبلة) بفتح الميم وتثليث الموحدة (*)стр. 650
سلف أصحابنا الأنْدَلُسِيّين بِقَتْل نَصْرَانِيّة اسْتَهْلّت بنفي الرُّبُوبِيّة ونُبُوَّة عِيسَى لله وتَكْذِيب مُحَمَّد فِي النُّبُوَّة وبقَبُول إسْلَامِهَا وَدَرْء القَتْل عَنْهَا بِه قَالَ غَيْر وَاحِد مِن المُتَأَخّرِين، مِنْهُم القَابِسِيّ وَابْن الْكَاتِب، وَقَال أَبُو الْقَاسِم ابن الجَلَّاب فِي كِتابِه من سَبّ اللَّه وَرَسُولَه من مُسْلِم أَو كَافِر قُتِل وَلَا يُسْتَتَاب وَحَكى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد فِي الذَّمّيّ يَسُبّ ثُمّ يُسْلِم رِوَايَتَيْن فِي دَرْء القَتْل عَنْه بإسْلَامِه، وَقَال ابن سُحْنُون وحدّ القَذْف وشِبْهُه من حُقُوق العِبَاد لَا يُسْقطُه عَن الذَّمّيّ إسْلَامُه وَإِنَّمَا يَسْقُط عَنْه بإسْلَامِه حُدُود اللَّه فَأَمَّا حَدّ القَذْف فَحَقّ لِلْعِبَاد كَان ذَلِك لِنَبيّ أَو غَيْرِه فأوْجَب عَلَى الذَّمّيّ إذَا قَذَف النَّبِيّ ﷺ ثُمّ أسْلَم حَد الْقَذْف وَلَكِن انْظُر ماذا يَجِب عَلَيْه هَل حَدّ القَذْف فِي حَقّ النَّبِيّ ﷺ وَهُو القَتْل لِزيَادَة حُرْمَة النَّبِيّ ﷺ عَلَى غيره أم هل يسقط القَتْل بإسلامه ويحد ثمانين فتأمله
فصل فِي ميراث من قتل فِي سَبّ النبي ﷺ وغسله والصلاة عَلَيْه
اخْتُلِف العلماء فِي ميرَاث من قُتِل بسَبّ النَّبِيّ ﷺ
الحواشي
(١) (قوله استهلت) أي رفعت صوتها (*)стр. 651
فَذَهِب سُحْنُون إِلَى أنَّه لِجمَاعَة الْمُسْلِمِين من قِبَل أَن شَتْم النَّبِيّ ﷺ كفر يشبه كفر الزّنْدِيق، وَقَال أَصْبَغ مِيرَاثُه لِوَرَثَتِه مِن الْمُسْلِمِين إن كَان مُسْتَسِرا بِذَلِك وإن كَان مُظْهِرًا لَه مستهلا بِه فميراثه للمسلمين ويقتل عَلَى كُلّ حال وَلَا يستتاب، قَال أَبُو الْحَسَن القابسي: (إن قتل وَهُو منكر للشهادة عَلَيْه فالحكم فِي ميراثه عَلَى مَا أظهر من إقراره يَعْنِي لورثته والقتل حد ثبت عَلَيْه لِيس من الميراث في شئ وَكَذَلِك لَو أقر بالسب وأظهر التَّوْبَة لقتل إِذ هُو حده وحكمه فِي ميراثه وسائر أحكامه حكم الْإِسْلَام وَلَو أقر بالسب وتمادى عَلَيْه وأبى التَّوْبَة مِنْه فقتل عَلَى ذَلِك كَان كافرًا وميراثه للْمُسْلِمِين وَلَا يغسل وَلَا يصلى عَلَيْه وَلَا يكفن وتستر عورته ويوارى كَمَا يفعل بالكفار وقول الشَّيْخ أَبِي الحسن فِي المجاهر المتمادي بَيْن لَا يمكن الخِلَاف فِيه لِأَنَّه كافر مرتد غَيْر تائب وَلَا مقلع وَهُو مِثْل قَوْل أَصْبَغ وَكَذَلِك فِي كِتَاب ابن سُحْنُون فِي الزّنْدِيق يتمادى عَلَى قَوْلِه، وَمِثْلُه لابن الْقَاسِم فِي العُتْبيّة وِلِجَمَاعَة من أَصْحَاب مَالِك فِي كِتَاب ابن حَبيب فِيمَن أعْلَن كُفْرَه مِثْلُه، قَال ابن الْقَاسِم وحُكْمُه حُكْم الْمُرْتَدّ لَا تَرِثُه مِن الْمُسْلِمِين وَلَا من أَهْل الدّين الَّذِي ارْتَد إليْه وَلَا يَجُوز وَصاياه وَلَا عِتْقُه، وَقَالَه أَصْبَغ قُتِل عَلَى ذَلِك أَو مات عَلَيْه وَقَال أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زيد وَإِنَّمَا يُخْتَلَف فِي ميراث الزَّنْدِيق الَّذِي يَسْتَهِلّ بِالتَّوْبَة فَلَا تُقْبَل مِنْه فَأَمَّا المُتَمَادِي فَلَا خِلَاف أنَّه لَا يُورَث، وَقَال
стр. 652
أَبُو مُحَمَّد فيمَن سَبّ اللَّه تَعَالَى ثُمّ مات وَلَم تُعَدَّل عَلَيْه بَيّنَه أَو لَم تُقْبَل إنَّه يُصَلَّى عَلَيْه، وَرَوَى أَصْبَغ عَن ابن الْقَاسِم فِي كِتَاب ابن حبيب فِيمَن كَذَّب برَسُول الله ﷺ أَو أعْلَن دِينًا مِمَّا يُفَارِق بِه الْإِسْلَام أنّ ميراثه للْمُسْلِمِين، وَقَال: بقول مالك إن مِيراث المُرْتَد للْمُسْلِمِين وَلَا تَرِثُه وَرَثَتُه رَبِيعَة وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَابْن أَبِي لَيْلَى واختلف فِيه عَن أَحْمَد وَقَال عَلِيّ بن أَبِي طَالِب ﵁ وَابْن مَسْعُود وابن المسيب والحسن والشعبى وعمر بن عبد العزيز والحكم والأوزاعي والليث وإسحاق وَأَبُو حنيفة يَرِثُه ورثتُه مِن الْمُسْلِمِين وَقِيل ذَلِك فِيمَا كسبه قَبْل ارْتِدادِه وَمَا كسبه فِي الارتداد فَلِلْمُسْلِمِين وتفصيل أَبِي الْحَسَن فِي باقي جوابه حَسَن بين وهو على رأي أَصْبَغ وخلاف قَوْل سُحْنُون واختلافهما عَلَى قولي مَالِك فِي ميراث الزّنْدِيق فمرة ورثه ورثته مِن الْمُسْلِمِين قامت عَلَيْه بِذَلِك بَيّنَة فأنْكَرَها أو اعْتَرَف بِذَلِك وأظْهَر التَّوْبَة، وقاله أَصْبَغ وَمُحَمَّد بن مَسْلَمَة وَغَيْر واحِد من أصحابه لِأَنَّه مُظْهِر للإسلام بإنْكاره أَو تَوْبَتِه وَحُكْمُه حُكْم المنافقين الذين
الحواشي
(١) (قوله أم لم تقتل) بضم المثناة الفوقية أوله (قوله ربيعة) هو ابن أبى عبد الرحمن واسم أبى عبد الرحمن فروخ مولى المنكدر قَال مَالِك ﵀ ذهبت حلاوة الفقه منذ مات أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وابنه محمد كانا يجلسان في حلقته استقدمه أبو العباس السفاح إلى الأنبار لتوليته القضاء فلم يفعل.
توفى سنة ست وثلاثين ومائة (*)стр. 653
كَانُوا عَلَى عهد رَسُول اللَّه ﷺ وَرَوَى ابن نافِع عَنْه فِي العُتْبية وكتاب مُحَمَّد أَنّ ميراثَه لِجَمَاعَة الْمُسْلِمِين لِأَنّ مَالَه تَبَع لِدَمِه، وَقَال بِه أيضًا جَمَاعَة من أصحابه، وقاله أشهَب والمُغِيرَة وَعَبُد الْمَلِك وَمُحَمَّد، وسُحْنُون
وَذَهَب ابن قاسم فِي العُتْبيَّة إِلَى أنَّه إن اعتَرَف بِمَا شُهِد عَلَيْه بِه وتاب فَقُتل فَلَا يُورَث وإن لم يُقرّ حَتَّى مات أَو قُتِل وُرّث، قَال وَكَذَلِك كُلّ من أسَرّ كُفْرًا فَإِنَّهُم يَتَوارَثُون بوِراثَة الْإِسْلَام وسُئِل أَبُو الْقَاسِم بن الكاتِب عَن النصراني يَسُبّ النَّبِيّ ﷺ فَيُقْتَل هَل يَرِثُه أَهْل دينِه أم الْمُسْلِمُون فَأَجَاب أنَّه للْمُسْلِمِين لَيْس عَلَى جهَة الْمِيراث لِأَنَّه لَا تَوارُث بَيْن أَهْل ملّتَيْن وَلَكِن لِأَنَّه من فَيئِهِم لنَقْضِه العَهْد هَذَا مَعْنَي قَوْلِه واخْتصارُه
الْبَاب الثالث فِي حكم من سَبّ اللَّه تَعَالَى وملائكته وأنبياءه وكتبه وآل النَّبِيّ ﷺ وأزواجه وصحبه
لَا خِلَاف أَنّ سابّ اللَّه تَعَالَى من الْمُسْلِمِين كافر حلال الدّم واختلف فِي استِتَابته فَقَال ابن الْقَاسِم فِي الْمَبْسُوط وَفِي كِتَاب ابن سُحْنُون وَمُحَمَّد وَرَوَاه ابن الْقَاسِم عَن مَالِك فِي كِتَاب إِسْحَاق بن يحى يمن سَبّ اللَّه تَعَالَى مِن الْمُسْلِمِين قُتل وَلَم يُسْتَتَب إلَّا أن يَكُون افْتراء عَلَى اللَّه بارْتداده إِلَى دِين دان بِه وأظْهَرَه فَيُسْتَتَاب وإن لَم يُظْهِرْه لَم يُسْتَتب، وَقَال فِي الْمَبْسُوطَة مُطَرّف
стр. 654
وَعَبُد الْمَلك مِثْلُه، وَقَال الْمَخْزُومِيّ وَمُحَمَّد بن مَسْلَمَة وَابْن أبي حازم لا يقتل الملم بالسّبّ حَتَّى يستتاب وَكَذَلِك اليَهُودِيّ والنّصْرَانِيّ فإن تابُوا قبل مِنْهُم وإن لَم يَتُوبُوا قُتلوا وَلَا بُد مِن الاسْتِتابَة وَذَلِك كُلُّه كالرّدّة وَهُو الَّذِي حَكاه الْقَاضِي ابن نَصْر عَن المَذْهَب وأفْتى أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زيد فِيمَا حُكِي عَنْه فِي رَجُل لَعَن رَجُلًا وَلَعن اللَّه فَقَال إنَّمَا أردْت أن الْعَن الشَّيْطَان فَزَلّ لِساني فَقَال يقتل بظاهر كفره وَلَا يقبل عذره وَأَمَّا فِيمَا
بينه وَبَيْن اللَّه تَعَالَى فمعذور واختلف فُقَهَاء قُرْطُبَة فِي مسالة هارون ابن حبيب أخي عَبْد الْملك الْفَقِيه وَكَان ضَيّق الصّدْر كثير التَّبَرُّم وَكَان قَد شُهِد عَلَيْه بِشَهَادَات مِنْهَا أنَّه قَال عِنْد اسْتِلاله من مرض لقيت فِي مَرَضي هَذَا مَا لَو قَتَلْت أَبَا بَكْر وعمر لَم استوجب هَذَا كُلّه فَأفتى إبْرَاهِيم ابن حسين بن خَالِد بقتله وَأَنّ مضمن قَوْله تجوير لله تَعَالَى وتظلم مِنْه والتعريض فِيه كالتصريح وأفتى أخُوه عَبْد الْمَلك بن حَبيب وإِبْرَاهِيم بن حُسَيْن بن عاصِم وسعيد بن سُلَيْمَان الْقَاضِي بِطَرْح القَتْل عَنْه إلَّا أَنّ الْقَاضِي رَأى عَلَيْه التَّثْقِيل فِي الحَبْس والشَّدّة فِي الأدَب لاحْتمال كلامه وصرفه إلا التَّشكّي فَوَجّه من قَال فِي سابّ اللَّه بالاستتابة أنَّه كُفْر وَرِدّة مَحْضَة لَم يتَعَلّق بِهَا حَقّ لِغَيْر اللَّه فَأشْبَه قَصْد الكُفْر بِغَيْر سَبّ اللَّه وإظْهَار الانْتقال إلى دِين آخَر مِن الأدْيان المُخَالِفَة لِلْإِسْلَام
الحواشي
(١) (قوله كثير التبرم) بفتح المثناة الفوقية والموحدة مصدر تبرم بمعنى تشاءم (*)стр. 655
وَوَجْه تَرْك اسْتِتَابِته أنه لما ظَهَر مِنْه ذَلِك بَعْد إظْهار الْإِسْلَام قَبْل اتهمناه وظننا أَنّ لسانه لَم ينطق بِه إلَّا وَهُو معتقد لَه إِذ لَا يَتَسَاهَل فِي هَذَا أَحَد فَحُكِم لَه بحكم الزَّنْدِيق وَلَم تُقْبَل توبته وَإذَا انْتَقَل من دِين إلى دِين آخَر وأظْهَر السّبّ بِمَعْنَي الارْتِدَاد فَهَذَا قَد أعْلَم أنَّه خَلَع رِبْقَه الْإِسْلَام من عُنُقِه بِخِلَاف الأوّل المستمسك بِه وحُكْم هَذَا حُكْم المُرْتَد يُسْتَتَاب عَلَى مَشْهُور مَذاهِب أَكْثَر الْعُلمَاء وَهُو مَذْهَب مَالِك وأصحابه عَلَى ما بَيَّنَاه قَبْل وَذَكَرْنا الخِلَاف فِي فُصُولِه
فصل وَأَمَّا من أضاف إِلَى اللَّه تَعَالَى مَا لَا يَلِيق بِه لَيْس عَلَى طريق السَّبّ وَلَا الرّدَّة وَقَصْد الكُفْر وَلَكِن عَلَى طَرِيق التَّأْوِيل والاجْتِهاد والخَطَإ المُفْضِي إِلَى الْهَوَى والبدعَة من تَشْبيه أَو نَعْت بِجارحَة أَو نَفْي صِفَة كَمَال فَهَذَا مِمَّا اخْتَلَف السَّلَف وَالْخَلَف فِي تَكْفِير قائِلِه ومُعْتقِدِه واخْتَلف قَوْل مَالِك وأصحابِه فِي ذَلِك وَلَم يَخْتِلِفُوا فِي قِتالِهِم إذَا تَحَيَّزُوا فِئَة وَأَنَّهُم يُسْتَتابُون فإن تابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي المُنْفَرِد مِنْهُم فأكْثَر قَوْل مَالِك وأصحابِه تَرْك القَوْل بِتَكْفِيرِهِم وتَرْك قَتْلِهِم وَالْمُبَالغَة فِي عُقُوبَتِهِم وإطالَة سِجْنِهِم حَتَّى يَظْهَر إقْلاعُهُم وتَسْتَبين تَوْبَتُهُم كَمَا فعل
الحواشي
(١) (قوله ربقة الإسلام) بكسر الراء وسكون الموحدة أي أحكام الإسلام وأصل الربقة عروة في حبل يجعل في عنق البهيمة أو يدها بمسكها (*)стр. 656
عُمَر ﵁ بِصَبِيغ وَهَذَا قول مُحَمَّد بن المَوّاز فِي الخَوارِج وَعَبُد الملك بن الماجِشُون وقول سُحْنُون فِي جميع أَهْل الأهْوَاء، وبه فُسّر قوله مَالِك فِي المُوَطَّإ وما رواه عَن عُمَر بن عَبْد الْعَزِيز وَجَدَّه وعمه من قولهم فِي القدرية يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا، وقال عيسى بن القاسم في أهل الأهواء من الإباضية والقدرية وشبههم ممن خالف الجماعة من أهل البدع والتحريف لتأويل كتاب اللَّه يستتابون أظهروا ذلك أو أسروه فإن تابوا وإلا قتلوا وميراثهم لورثتهم، وقال مثله أيضا ابن القاسم في كتاب محمد في أهل القدر وغيرهم قال واستتابتهم أن يقال لهم اتركوا ما أنتم عليه ومثله في المبسوط في الإباضِيَّة وَالقَدَرِيَّة وَسائِر أَهْل البِدَع قَال وهُم مُسْلِمُون وَإِنَّمَا لِرَأْيِهِم السُّوء وبهذا عمل عمر ابن عَبْد الْعَزِيز، قَال ابن الْقَاسِم: (من قَال إن اللَّه لَم يُكَلّم مُوسَى تَكْلِيمًا اسْتُتيب فإن تاب وَإِلَّا قُتل) وَابْن حَبِيب وَغَيْره من أصْحَابِنا يرى تكفيرهم
الحواشي
(١) (قوله بصبيغ) بفح الصاد المهملة وكسر الموحدة وفى آخره غين معجمة هو ابن عسل بكسر العين وسكون السين المهملتين قال يحيى بن معين كان يتبع مشكل القرآن ويسأل عنه عمر فضربه عمر وأمر أن لا يجالس (قوله من الإباضية) بكسر الهمزة وتخفيف الموحدة والضاد المعجمة وتشديد المثناة أصحاب عبد الله بن إباض التميمي الخارجي ظهر في زمن مروان بن محمد آخر بنى أمية وقيل في آخر أمره، يزعمون أن مخالفيهم من أهل القبلة كفار غير مشركين يجوز قتالهم وغنيمة سلاحهم وكراعم عند الحرب دون غيره ودارهم دار الإسلام إلا معسكر سلطانهم وتقبل شهادة مخالفيهم عليهم كذا في المواقف (١٨ - ٢) (*)стр. 657
وَتَكْفِير أمْثَالِهِم مِن الخَوَارِج وَالقَدَرِيَّة وَالمُرْجِئَة، وَقَد رُوِي أيْضًا عَن سُحْنُون مِثْلُه فِيمَن قَال لَيْس لله كَلَام أنَّه كافر واختلفت الروايات عَن مَالِك فَأطْلَق فِي رِوَايَة الشامِيَّين أَبِي مُسْهِر وَمَرْوَان بن مُحَمَّد الطاطِريّ: (الكُفْر عَلَيْهِم) وَقَد شُووِر فِي زَواج القَدَرِيّ فَقَال: لَا تُزَوّجْه) قَال اللَّه تَعَالَى: (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مشرك) وروى عند أيْضًا أَهْل الأهْواء كُلُّهُم كُفّار وَقَال من وَصَف شَيْئًا من ذات اللَّه تعالى وأشار إلى شئ من جَسَدِه يَد أَو سَمْع أَو بَصَر قُطِع ذَلِك مِنْه لِأَنَّه شَبّه اللَّه بنَفْسِه وَقَال فِيمَن قَال الْقُرْآن مَخْلُوق كافر فاقْتُلُوه وَقَال أيْضًا فِي رِوَايَة ابن نافع يُجْلَد ويوجع ضربا ويحبس حَتَّى يتوب وَفِي رِوَايَة بِشْر بن بَكْر التنيسي عَنْه يقتل وَلَا تقبل توبته قَال الْقَاضِي أَبُو عَبْد اللَّه البرنكاني والقاضي أَبُو عَبْد اللَّه التُّسْتَرِيّ من أئِمَّة العراقيين جوابه مختلف يقتل المستبصر الداعية وَعَلَى
الحواشي
(١) (قوله والقدرية) هم طائفة ينكرون أن الله قدر الأشياء في القدم وقد انقرضوا وصار القدرية
لقبا للمعتزلة لإسنادهم أفعال العباد إلى قدرتهم وإنكارهم القدر فيها كذا في شرح مسلم للنووي (قوله والمرجئة) لقبوا بذلك لأنهم يرجئون العمل عن النية أي يؤخرون في الرتبة عنها وعن الاعتقاد من أرجاء آخره وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (أرجه وأخاه) أو لأنهم يقولون لا تضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة فهم يعطلون الرجاء وعلى هذا ينبغى أن يهمز لفظ المرجئة كذا في المواقف (قوله الطاطرى) بطائين مهملتين ثانيهما مفتوحة نسبة إلى نوع من الثياب البيض كان يبيعها (قوله بشر التنيسى) بشر بالموحدة والشين المعجمة الساكنة والتنيسى بمثناة فوقية ونون مشددة مكسورة وسين مهملة نسبه إلى تنيس قرية بقرب تونة وكلاهما بقرب دمياط وقد أكلهما البحر وصارا بحيرة ماء (قوله بقتل المستبصر) بقتل بالباء الموحدة في أوله (*)стр. 658
هَذَا الخِلَاف اختلف قَوْله فِي إعادة الصَّلَاة خلفهم وَحَكَى ابن المنذر عَن الشَّافِعِيّ لَا يستتاب القدري وأكثر أقوال السَّلَف تكفيرهم وممن قَال بِه اللَّيْث وابن عيينة وبن لهيعة روى عَنْهُم ذَلِك فِيمَن قَال بخلق الْقُرْآن وقاله ابن المُبَارَك والأودي ووكيع وحفص بن غياث وَأَبُو إِسْحَاق الفزارى؟ ؟ ؟ ؟ وعلي بن عاصم فِي آخرين وهُو من قَوْل أَكْثَر الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ فيهم وفى الخوارج والقدرية وَأَهْل الأهواء المضلة وأصحاب البدع المتأولين وَهُو قَوْل أَحْمَد بن حَنْبَل وَكَذَلِك قالوا فِي الوافقة والشاكة فِي هَذِه الأصول وممن رُوِي عَنْه مَعْنَي القَوْل الآخر بترك تكفيرهم عَلِيّ بن أَبِي طَالِب وَابْن عُمَر والحسن الْبَصْرِيّ وَهُو رأي جَمَاعَة مِن الفُقَهَاء النظار والمتكلمين واحتجوا بتوريث الصَّحَابَة والتابعين ورثة أَهْل حروراء وَمن عرف بالقدر مِمَّن مات مِنْهُم ودفنهم فِي مقابر الْمُسْلِمِين وجرى أحكام الْإِسْلَام عَلَيْهِم، قَال
إِسْمَاعِيل الْقَاضِي وإنما قَال مَالِك فِي القدرية وسائر أَهْل البدع يستتابون فَإِن تابوا وَإِلَّا قتلوا لِأَنَّه مِن الفساد فِي الْأَرْض كَمَا قَال فِي المحارب إن رَأَى الإمام قتله وَإِن لَم يقتل قتله وفساد المحارب إنَّمَا هُو فِي الأموال
الحواشي
(١) بقتل بالباء الموحدة في أوله (قوله وحفص بن غياث) بالغين المعجمة المكسورة والمثناة التحتية الخفيفة (قوله حروراء) بفتح الحاء المهملة والمد قرية بقرب الكوفة على ميلين فيها اجتمع الخوارج وتعاقدوا فنسبوا إليها (*)стр. 659
ومصالح الدُّنْيَا وَإِن كَان قَد يدخل أيْضًا فِي أمر الدّين من سبيل الحج والجهاد، وفساد أَهْل البدع معظمه عَلَى الدّين وَقَد يدخل فِي أمر الدُّنْيَا بِمَا يلقون بَيْن الْمُسْلِمِين مِن العداوة
فصل فِي تحقيق القَوْل فِي إكفَار الْمُتَأوّلِين * قَد ذَكَرْنَا مذاهب السَّلَف فِي إكْفَار أَصْحَاب البدع وَالأهْوَاء المُتَأوّلين مِمَّن قَال قَوْلا يُؤَدّيه مَسَاقُه إِلَى كُفْر هُو إذَا وُقِف عَلَيْه لَا يَقُول بِمَا يُؤَدّيه قَوْله إليْه وَعَلَى اخْتِلَافِهِم اخْتلف الفُقَهَاء والمُتَكَلّمُون فِي ذَلِك فَمنهُم من صَوّب التّكْفِير الَّذِي قَال بِه الجُمْهُور مِن السَّلَف وَمِنْهُم من أباه وَلَم يَر إخْرَاجَهُم من سَوَاد الْمُؤْمِنين وَهُو قَوْل أَكْثَر الفُقَهَاء والمتكلمين وقالوا هُم فُسّاق عُصَاة ضُلّال ونُورّثُهُم مِن الْمُسْلِمِين ونحْكُم لَهُم بِإحْكامهم ولهذا قَال سُحْنُون لَا إعادَة عَلَى من صَلَّى خَلْفَهُم قَال وَهُو قَوْل جميع أَصْحَاب مَالِك المُغِيرَة وَابْن كِنَانَة وَأشْهَب قَال لِأَنَّه مُسْلِم وَذَنْبُه لَم يُخْرِجْه مِن الْإِسْلَام واضْطَرب آخرُون فِي ذَلِك وَوَقَفُوا عَن القَوْل بالتَّكْفِير أَو ضِدَّه وَاختلاف قولي مَالِك فِي ذَلِك وتَوَقُّفُه عَن إعَادَة الصَّلَاة خَلْفَهُم مِنْه وَإِلَى نَحْو من هَذَا ذهب الْقَاضِي أَبُو بَكْر إمام أَهْل التّحْقِيق وَالْحَقّ وَقَال إنَّهَا من الْمُعْوصات إذا الْقَوْم لَم يُصَرّحُوا باسم
الحواشي
(١) (قوله المعوصات) بضم الميم وسكون العين المهملة وكسر الواو من التعويض في المسائل وغيرها وهو استخراج ما يصعب معناه (*)стр. 660
الكُفْر وَإِنَّمَا قَالُوا قَوْلًا يُؤَدّي إليْه واضطرب قَوْلِه فِي المسألة عَلَى نَحْو اضْطِرَاب قَوْل إمامه مَالِك بن أَنَس حَتَّى قاله فِي بَعْض كَلَامه إنَّهُم عَلَى رَأْي من كَفّرَهُم بالتَّأْويل لَا تَحِلّ مُنَاكَحَتُهُم وَلَا أكْل ذَبَائِحِهم وَلَا الصَّلَاة عَلَى مَيّتِهِم وَيُخْتَلف فِي مُوَارَثَتِهِم عَلَى الخِلَاف فِي ميراث المُرْتَد وقال أيضا نورث ميتهم ورثتهم مِن الْمُسْلِمِين وَلَا نورثهم من المسلمين وأكثر ميله إلى ترك التّكْفِير بالمَآل وَكَذَلِك اضْطَرَب فِيه قَوْل شَيْخِه أَبِي الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ وَأكْثَر قَوْلِه تَرْك التكْفِير وَأَنّ الكُفْر خَصْلَة وَاحِدَة وَهُو الْجَهْل بِوُجُود الْبَارِي تَعَالَى وَقَال مَرَّة مِن اعْتَقَد أَنّ اللَّه جِسْم أو المسِيح أَو بَعْض من يَلْقَاه فِي الطُّرُق فليس بِعَارِف بِه وَهُو كَافِر وَلِمِثْل هَذَا ذَهَب أَبُو المعالي ﵀ فِي أجْوبَتِه لأبي مُحَمَّد عَبْد الْحَقّ وَكَان سَألَه عَن المَسْألة فاعْتَذَر لَه بأن الغَلَط فِيهَا يَصْعُب لِأَنّ إدْخَال كافِر فِي المِلّة وَإخْرَاج مُسْلِم عَنْهَا عَظِيم فِي الدّين وقال غَيْرُهُمَا مِن المُحَقّقِين: الَّذِي يَجِب الاحْتِرَاز مِن التّكْفِير فِي أَهْل التَّأْوِيل فَإِنّ اسْتِبَاحَة دِمَاء المُصَلّين المُوَحّدِين خَطَر والخَطَأ فِي تَرْك ألْف كافِر أهْون مِن الخَطَإ فِي سَفْك مَحْجَمَة من دم مُسْلِم وَاحِد وَقَد قَال ﷺ فَإِذَا قَالُوهَا يَعْنِي الشَّهَادَة عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأموالهم إلا بححقها وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ
الحواشي
(١) (قوله فِي أجْوبَتِه لأبي مُحَمَّد عَبْد الْحَقّ) هو عن صاحب الأحكام لأن الإمام كانت وفاته قبل مولد عبد الحق صاحب الأحكام (قوله محجمة) بكسر الميم الأولى هي قارورة الحجام (*)стр. 661
فالِعصْمَة مَقْطُوع بِهَا مَع الشَّهَادَة وَلَا تَرْتَفِع وَيُسْتَبَاح خِلافُهَا إلا بقاطع ولا قاطع من شَرْع وَلَا قِيَاس عَلَيْه وألفاظ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْبَاب مُعَرَّضة لَلتأويل فَمَا جَاء مِنْهَا فِي التّصْرِيح بِكُفْر القَدَرِيَّة وَقَوْله لَا سَهْم لَهُم فِي الْإِسْلَام وَتَسْمِيَتُه الرَّافِضَة بالشَّرْك وإطْلاق اللَّعْنَة عَلَيْهِم وَكَذَلِك فِي الْخَوَارِج وَغَيْرِهِم من أَهْل الأهْوَاء فَقَد يحتْج بِهَا من يَقُول بالتَّكْفِير وَقَد يُجِيب الآخر بأنَّه قَد وَرَد مِثْل هَذِه الألفاظ فِي الْحَدِيث فِي غَيْر الكَفَرة عَلَى طريق التَّغْلِيظ وكُفْر دُون كُفْر وإشْرِاك دُون إشْرَاك وَقَد وَرَد مِثْلُه فِي الرّياء وعُقُوق الوالدين والزَّوْج والزُّور وَغَيْر معصية وَإذَا كَان محتملًا للأمْرَيْن فَلَا يُقْطَع عَلَى أحَدهمَا إلَّا بِدَلِيل قاطِع، وَقَوْلُه فِي الخَوَارِج هُم من شَرّ البَرِيَّة وَهَذِه صِفَة الكُفَّار، وَقَال شَرّ قَبِيل تَحْت أدِيم السَّمَاء طُوبي لِمَن قَتَلهُم أَو قَتَلُوه، وَقَال: (فَإِذَا وَجَدْتموهُم فاقتلوهم قَتْل عَاد) وظاهِر هَذَا الكُفْر لا سيما مَع تَشْبِيهِهِم بِعَاد فَيَحْتَجّ بِه من يَرَى تكفيرهم فيقول لَه الآخر إنَّمَا ذَلِك من قتلهم لخروجهم عَلَى الْمُسْلِمِين وبغيهم عليهم بدليله مِن الْحَدِيث نفسه يقتلون أَهْل الْإِسْلَام فقتلهم ههنا حد لَا كفر وَذَكْر عاد تشبيه للقتل وحله لَا للمقتول وَلَيْس كُلّ من حكم بقتله يحكم بكفره ويعارضه بقول خَالِد فِي الْحَدِيث دعني أضرب عنقه يَا رَسُول اللَّه فَقَال لعله يصلي فَإِن احتجوا بِقَوْلِه ﷺ يقرؤن الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ فأخبر
стр. 662
أَنّ الْإِيمَان لَم يدخل قلوبهم وَكَذَلِك قَوْله (يَمْرُقُونَ مِنَ الدين مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمْيَةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ عَلَى فَوْقِهِ) وبقوله (سبق الفرث والدم) يدل عَلَى أنَّه لَم يتعلق مِن الْإِسْلَام بشئ أجابه الآخرون أَنّ مَعْنَي لَا يجاوز حناجرهم لَا يفهمون معانيه بقلوبهم وَلَا تنشرح لَه صدورهم وَلَا تعمل بِه جوارحهم وعارضوهم بِقَوْلِه ويتمارى فِي الفوق وَهَذَا يقتضي التشكك فِي حاله وَإِن احتجوا بقول أَبِي سَعِيد الْخُدْرِي فِي هَذَا الْحَدِيث.
سَمِعْت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول: يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ) وَلَم يقل (مِنْ هَذِهِ) وتحرير أَبِي سَعِيد الرّوَايَة وإتقانه اللَّفْظ أجابهم الآخرون بأن العبارة بفي لَا تقتضي تصريحًا بكونهم من غَيْر الْأُمَّة بخلاف لفظه مِن - الَّتِي هِي للتبعيض وكونهم مِن الْأُمَّة مَع أنَّه قَد رُوِي عَن أَبِي ذَرّ وعلي وأبي أمامة وَغَيْرِهِم في هَذَا الْحَدِيث يخرج من أُمَّتِي، وسيكون من أُمَّتِي، وحروف المعاني مشتركة فَلَا تعويل عَلَى إخراجهم مِن الْأُمَّة؟ ؟ ؟ وَلَا عَلَى إدخالهم فيما بمن لَكِن أَبَا سَعِيد ﵁ أجاد مَا شَاء فِي التّنْبِيه الَّذِي نَبّه عَلَيْه وَهَذَا مِمَّا يَدُلّ عَلَى سِعَة فقه الصَّحَابَة وتحقيقهم للمعاني واستنباطها مِن الألْفاظ وتحْرِيرِهِم لَهَا وتَوَقّيهِم فِي الرّوَايَة هَذِه المذاهب المَعْرُوفَة لأهل السنة ولغيرهم
الحواشي
(١) (قوله من الرمية) أي المرمية من الصيد (قوله على فوقه) الفوق بضم الفاء موضع الوتر من السهم (قوله سبق الفرث والدم) أي مر سريعا فلم يعلق بشئ من دمها وفرثها (*)стр. 663
مِن الفِرَق فِيهَا منالات كَثِيرَة مُضْطَرِبَة سَخِيفَة أقْرَبُهَا قَوْل جَهْم وَمُحَمَّد
ابن شبيب أَنّ الكُفْر بالله الْجَهْل بِه لَا يَكْفُر احد بغير ذَلِك وَقَال أَبُو الهُذَيْل إنّ كُلّ متأول كان تأوليه تَشْبيهًا لله بَخَلْقِه وتجْويرًا لَه فِي فِعْلِه وتَكْذِيبًا لِخَبَرِه فَهُو كافِر وكُلّ من أثْبَت شَيْئًا قديمًا لَا يُقَال لَه اللَّه فَهُو كافر وَقَال بَعْض المتكلمين إن كَان مِمَّن عَرّف الأصْل وبنى عَلَيْه وَكَان فِيمَا هُو من أوْصاف اللَّه فَهُو كافر وإن لَم يَكُن من هَذَا الْبَاب ففاسق إلَّا أن يَكُون مِمَّن لَم يعرف الأصل فَهُو مخطئ غَيْر كافر وذهب عُبَيْد اللَّه بن الْحَسَن العنبري إِلَى تصويب أقوال المجتهدين فِي أصُول الدّين فِيمَا كَان عُرْضَة لِلتَّأْوِيل وفارَق فِي دلك فِرَق الْأُمَّة إِذ أجْمَعُوا سِواه عَلَى أَنّ الْحَقّ فِي أُصُول الدّين فِي واحد والمُخْطِئ فِيه آثم عاص فاسِق وَإِنَّمَا الخِلَاف فِي تكفيره وَقَد حكى الْقَاضِي أَبُو بَكْر الْبَاقِلَّانِي مِثْل قَوْل عُبَيْد اللَّه عَن دَاوُد الأَصْبَهَانِيّ وَقَال وحكى قوم عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا ذَلِك فِي كُلّ من علم الله سبحانه من حالِه اسْتِفْراغ الْوُسْع فِي طَلَب الْحَقّ من أَهْل مِلّتِنَا أَو من غير هم وَقَال نَحْو هَذَا القَوْل الجاحظ وثمامة فِي أَنّ كثيرًا مِن العامة والنساء والبُلْه ومُقَلّدَة النصارى واليهود
الحواشي
(١) (قوله عَن دَاوُد الأَصْبَهَانِيّ) هو إمام أهل الظاهر (قوله الجاحظ) هو عمرو بن بحر، إليه تنسب الجاحظية من المعتزلة، توفى سنة خمس وخمسين ومائتين بالبصرة (قوله وثمامة) هو ابن اشر بن أبى معين التميرى قال الذهبي كان من كبار المعتزلة ورؤس الضلالة وكان له أيضا اتصال بالرشيد ثم المأمون وكان ذا نوادر وملح (*)стр. 664
وَغَيْرِهِم لَا حُجَّة لله عَلَيْهِم إِذ لَم تَكُن لَهُم طِباع يُمْكن معها الاسْتِدْلال وَقَد نحا الغزالي قريبًا من هَذَا المَنْحى فِي كِتَاب التَّفْرِقَة وقائِل هَذَا كُلُّه كافر بالإجْماع على كفر من لم يكذر أحدًا مِن النَّصَارَى واليَهُود
وَكُلّ من فَارَق دِين الْمُسْلِمِين أَو وَقَف فِي تكفير هم أوشك قَال الْقَاضِي أَبُو بَكْر لِأَنّ التّوقِيف والإجْماع اتّفَقَا عَلَى كُفْرِهِم فَمَن وقف فِي ذَلِك فَقَد كذّب النَّصّ والتّوْقِيف أَو شَكّ فِيه والتكذيب أو الشك فِيه لَا يقع إلا من كافر
الحواشي
(١) (قوله الغزالي) بفتح العين المعجمة وتشديد الزاى قال النووي في التبيان في أداه حملة القرآن بتخفيف الزاى نسبة إلى غزالة قرية من قرى طوس وقال ابن الأثير إن التخفيف خلاف المشهور قال وأظن أن هذه النسبة في التشديد إلى الغزال على عادة أهل جرجان وخوارزم كالقصارى إلى القصار، قال وحكى لى بعض من يُنْسَبُ إليْهِ مِنَ أهل طوس أنه منسوب إلى غزالة بنت كعب الأحبار انتهى وفى الطبقات للسبكي وكان والده يغزل الصوف ويبيعه بدكان بطوس ولما حضرته الوفاة أوصى به وبأخيه أحمد إلى صديق له متصوف من أهل الخير وقال له إن لى تأسفا على تعلم الخط وأشتهي استدراك ما فاتني في ولدى فعلهما الخط ولا عليك ان تنفد في ذلك جميع ما خلفته لهما فلما مات أبوهما أقبل الصوفى على تعليمهما إلى أن فنى الذى خلفه لهما أبوهما وتعذر على الصوفى القيام يفوتهما قال لهما أرى أن تلجأ إلى مدرسة كأنكما من طلبة العلم فيحصل لكما قوت يعينكما على وقتكما ففعلا ذلك فكان السبب في سعادتهما وكان الغزالي يقول طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، ولد ﵀ سنة خمسين وأربعمائة بطوس وتوفى سنة خمس وخمسمائة (*)стр. 665
فصل فِي بيان مَا هُو مِن المقالات كفر وَمَا يتوقف أَو يختلف فِيه وَمَا لَيْس بكفر اعْلَم أَنّ تحْقيق هَذَا الْفَصْل وكَشْف اللّبْس فِيه مَوْرِدُه الشَّرْع وَلَا مجَال لِلْعَقْل فِيه والفصل البَيّن فِي هَذَا أَنّ كُلّ مَقَالَة صَرّحَت بِنَفْي الرُّبُوبيّة أَو الْوَحْدَانِيّة أَو عِبَادة أحد غَيْر اللَّه أَو مَع اللَّه فهي كُفْر كَمَقَالَة الدَّهْرِيّة وَسَائِر فِرَق أَصْحَاب الاثْنَيْن مِن الدّيصَانِيّة وَالمَانَوِيّة وأشْبَاهِهِم مِن الصّابِئِين وَالنَّصَارَى وَالمَجُوس وَالَّذِين أشركوا بعبادة الأوثان أَو الْمَلَائِكَة أَو الشيطاين أَو الشمس أَو النجوم أَو النَّار أَو أحد غَيْر اللَّه من مُشْركي الْعَرَب وَأَهْل الهنْد والصّين والسُّودَان وَغَيْرِهِم مِمَّن لَا يَرْجع إِلَى كِتَاب وَكَذَلِك القَرَامِطة وَأَصْحَاب الحُلُول والتّنَاسُخ مِن الباطِنّية وَالطّيَارَة مِن الرّوَافض وَكَذَلِك مِن اعْتَرَف بإلاهيّة الله
الحواشي
(١) (قوله الدهرية) بفتح الدال طائفه مخلدون جمع دهري بفتحها والدهرى بالضم الشيخ الكبير، قال ثعلب هما جميعا منسوبان إلى الدهر وإنما غيروا في النسب كما قالوا سهلى المنسوب إلى الأرض السهلة (قوله من الديصانية) بكسر الدال المهملة وسكون المثناة التحتية وتخفيف الصاد قوم يقولون بالنور والظلمة كالمانية إلا أن المانية يقولون النور والظلمة حيان والديصانة يقولون النور حى والظلمة ميت (قوله المانية) وفى بعض النسخ المانوية نسبة إلى مانى الزنديق ظهر في زمن سابور بن أردشير وادعى النبوة وادعى أن للعالم أصلين نورا وظلمة وهما قديمان فقبل قوله سابور فلما ملك بهرام ساخه وحشا حلده تبنا وقتل أصحابه وهرب بعضهم إلى الصين (*)стр. 666
ووحْدانِيّتِه ولكنه اعْتَقَد أنَّه غَيْر حَيّ أَو غَيْر قديم وَأنَّه مُحْدَث أَو مُصَوّر أَو ادّعَى لَه وَلَدًا أَو صَاحَبَة أَو وَالِدًا أو متولد من شئ أَو كائن عَنْه أَو أَنّ مَعَه فِي الأزل شَيْئًا قديمًا غَيْره أَو أنثم صَانِعًا للعالم سواه أَو مُدَبّرًا غَيْره فَذَلِك كُلُّه كُفْر بإجْماع الْمُسْلِمِين كَقَوْل الإلهيين مِن الْفَلاسِفَة والمُنَجّمِين وَالطّبَائِعِيّين وَكَذَلِك مَن ادّعى مُجَالسَة اللَّه وَالْعُرُوج
إليْه وَمُكَالَمَتَه أَو حُلُوله فِي أَحَد الأشْخَاص كتول بَعْض المُتَصوّفَة والباطنية النصارى والقرامطة وَكَذَلِك نَقْطَع عَلَى كفر من قَال بقدم العالم أَو بقائه أَو شك فِي ذَلِك عَلَى مذهب بَعْض الفلاسفة والدهرية أَو قَال بتناسخ الأرواح وانتقالها أبد الآباد فِي الأشخاص وتعذيبها أَو تنعمها فِيهَا بحسب زكائها وخبثها وَكَذَلِك مِن اعترف بالإلهية والوحدانية ولكنه جحد النُّبُوَّة من أصلها عمومًا أو نُبُوَّة نبينا ﷺ خصوصًا أَو أحد مِن الْأَنْبِيَاء الَّذِين نص اللَّه عَلَيْهِم بَعْد عِلْمِه بذلك فَهُو كافِر بِلَا رَيْب كالبَرَاهِمَة ومُعْظَم اليَهُود والأرُوسِيّة مِن النصاري والغُرَابِيّة مِن الروافض الزاعمين أَنّ عليًّا كَان المبعوث إليْه جِبْرِيل وَكالْمُعَطِّلَة والقرامطة والإسماعيلية والعنبرية مِن الرافضة وَإِن كَان بَعْض هَؤْلَاء قَد أشْرَكُوا فِي كُفر آخَر مَع من قَبْلَهُم وَكَذَلِك من دَان بالوحْدَانِيّة وصحة النبوة
الحواشي
(١) (قوله والغرابية) بضم الغين المعجمة قالوا محمد بعلى أشبه مِن الغُرَاب بالغراب والدواب بالدواب وبعث الله جبريل إلى على فغلظ فيلعنون - لعنهم الله - صاحب الريش ويعنون به جبريل ﵇ (*)стр. 667
ونبوة نبينا ﷺ وَلَكِن جَوّز عَلَى الْأَنْبِيَاء الكَذِب فِيمَا أتَوا بِه ادعى فِي ذَلِك المصلحة نزعمه أو لم يذعها فَهُو كافر بإجْماع كالمتفلسفين وبعض الباطنية والروافض وغلاة المتصوفة وأصحاب الإباحة فَإِنّ هَؤْلَاء زعموا أَنّ ظواهر الشَّرْع وأكثر مَا جَاءَت بِه الرُّسُل مِن الْأَخْبَار عَمَّا كَان وَيَكُون من أُمُور الآخِرَة والحَشْر، وَالْقِيَامَة، والْجَنة، وَالنَّار لَيْس مِنْهَا شئ عَلَى مقْتَضَى لفظها ومفهوم خطابها وَإِنَّمَا خاطبُوا بِهَا الخَلْق عَلَى جِهَة المَصْلَحَة لَهُم إِذ لَم يمكنهم التصريح لقصور
أفهامهم فمضمن مقالاتهم إبطال الشرائع وتعطيل الأوامر والنواهي وتكذيب الرُّسُل والارتياب فِيمَا أتوا بِه وَكَذَلِك من أضاف إلى نبينا ﷺ تعمد الكَذِب فِيمَا بلغه وأخبر بِه أَو شك فِي صدقه أَو سبه أَو قَال إنَّه لَم يبلغ أَو استخف بِه أَو بأحد مِن الْأَنْبِيَاء أَو أزرى عَلَيْهِم أو آذاهم أَو قتل نَبيًّا أَو حاربه فَهُو كافر بإجماع وَكَذَلِك نكفر من ذهب مذهب بَعْض القدماء فِي أَنّ فِي كُلّ جنس مِن الحيوان نذيرا ونبيًا مِن القردة، والخنازير والدواب والدود ووغير ذَلِك، ويحتج بِقَوْلِه تَعَالَى (وَإِنَّ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خلا فيها نذير) إذ ذَلِك يؤدي إِلَى أن يُوصَف أنبياء هَذِه الأجْنَاس بصفاتهم المذمومة وفيه مِن الإزْرَاء عَلَى هذا المنصف المُنِيف مَا فِيه مَع إجْماع الْمُسْلِمِين عَلَى خلافه وتَكْذِيب قائله وَكَذَلِك نُكَفّر من اعترف مِن الْأُصُول الصَّحِيحة بِمَا تقدم ونُبُوَّة نبينا صَلَّى اللَّه عَلَيْه وسلم
стр. 668
وَلَكِن قَال كَان أسْوَد أَو مات قَبْل أن يلتحي أَو لَيْس الَّذِي كَان بمكّة والحجاز أَو لَيْس بقرشي لِأَنّ وصفه بغير صفاته المعلومة نفي لَه وتكذيب بِه وَكَذَلِك من ادعى نُبُوَّة أَحَد مَع نبينا ﷺ أَو بَعْدَه كالعيسوية مِن اليَهُود القائلين بتخصيص رسالته إِلَى الْعَرَب وكالخرمية القائلين بتواتر الرُّسُل وكأكثر الرافضة القائلين بمشاركة عَلِيّ فِي الرسالة للنبي ﷺ وَبَعْدَه فكذلك كُلّ إمام عِنْد هَؤْلَاء يقوم مقامه فِي النُّبُوَّة والحَجَّة وكالْبَزيغيّة والبَيَانِيّة مِنْهُم القَائِلِين بِنُبُوَّة بِزِيغ وَبَيَان وَأشْبَاه هَؤْلَاء أَو من ادّعى النُّبُوَّة لِنَفْسِه أَو جوّز اكْتِسَابَهَا والبُلُوغ بِصَفَاء القَلْب إلى مَرْتَبَتِهَا كالفَلَاسِفَة وغُلاة المُتَصَوّفَة وَكَذَلِك مَن ادّعى مِنْهُم أنَّه يوحى إليْه وإن لَم يدَّع النُّبُوَّة أَو أنَّه يَصْعَد إِلَى السَّمَاء وَيَدْخُل الْجنة وَيَأْكُل من ثِمَارِهَا وَيُعَانِق
الْحور العين فهؤلاء كُلُّهُم كُفَّار مُكَذّبُون للنبي ﷺ لِأَنَّه أخْبَر ﷺ أنَّه خَاتَم النَّبِيّين لَا نَبِيّ بَعْدَه وأخْبَر عن الله
الحواشي
(١) (قوله كالعيسوية) نسبة إلى أبى عيسى بن إسحاق بن يعقوب الأصبهاني كان موجودا في خلافة المنصور وخالف اليهود في أشياء منها أنه حرم الذبائح (قوله وكخرمية) بالخاء المعجمة المضمومة في الصحاح: تخرم: دان بدين الخرمية وهم أصحاب التناسخ والإباحة (قوله وكالبزيغية والبيانية) البزيغية بالموحدة والزاى المكسورة والغين المعجمة نسبة إلى بزيغ والبيانية إلى بيان بن سمعان النهدي التميمي قال إن روح الله جل وعلا حلت في على ثم في ابنه محمد بن الحنفية ثم في ابنه أبى هاشم ثم في بيان (*)стр. 669
تَعَالَى أنَّه خَاتَم النَّبِيّين وَأنَّه أرْسِل كافّة لِلنّاس وأجْمَعَت الْأُمَّة عَلَى حَمْل هَذَا الْكَلَام عَلَى ظاهِرِه وَأَنّ مَفْهُومَه المُرَاد بِه دُون تَأْويل وَلَا تَخْصيص فَلَا شَكّ فِي كُفْر هَؤْلَاء الطّوَائِف كلها قَطْعًا إجْماعًا وسمعا وكذلك وقَع الإجْماع عَلَى تَكْفِير كُلّ مِن دافع نص الكتاب أو خص حديثا مجمعا عَلَى نَقْلِه مَقْطُوعًا بِه مُجمَعًا عَلَى حَمْلِه عَلَى ظَاهِرِه كَتَكْفِير الخَوَارِج بإبْطال الرّجْم ولهذا نُكَفّر من لم يُكَفّر من دَان بِغَيْر ملّة الْمُسْلِمِين مِن المِلَل أَو وَقَف فِيهِم أَو شَكّ أَو صَحَّح مَذْهَبَهُم وإن أظْهَر مَع ذَلِك الْإِسْلَام وَاعْتَقَدَه وَاعْتَقَد إبْطَال كُلّ مذْهَب سِواه فَهُو كَافِر بإظْهَارِه مَا أظْهَر من خِلَاف ذَلِك وَكَذَلِك نَقْطَع بِتَكْفِير كُلّ قائِل قَال قَوْلًا يُتَوصّل بِه إلى تَضْلِيل الْأُمَّة وتكْفِير جميع الصَّحَابَة كَقَوْل الكُمَيْلِيّة مِن الرافِضَة بِتَكْفِير جَمِيع الْأُمَّة بَعْد النَّبِيّ ﷺ إِذ لَم تُقَدّم عَليًّا وكفرت عليا إِذ لَم يَتَقَدّم وَيَطْلُب حَقّه فِي التّقْديم فهؤلاء قَد كفروا من وُجُوه
لأنهم أبْطَلُوا الشّرِيعَة بأسْرِها إذ قع انْقَطَع نَقْلُهَا ونَقْل الْقُرْآن إِذ نَاقِلُوه كفرة عَلَى زَعْمِهِم وَإِلَى هَذَا والله أَعْلَم أشار مَالِك فِي أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة ثم كفروا من وجه آخر بسبهم النبي ﷺ على
الحواشي
(١) (قوله الكميلية) ليس من الفرق ما يلقب بالكميلية وإنما منهم فرقة من الشيعة ثلقب بالكاملية نسبة إلى أبى كامل قال بكفر الصحابة بترك بيعة على وبكفر على بترك طلب الحق وقال بالتناسخ في الأرواح عند الموت وإنما الإمامة نور ينتقل من شخص إلى آخر وقد يصير في شخص نبوة بعد ما كانت في آخر إمامة (*)стр. 670
مقتضى قولهم وَزَعْمِهِم أنَّه عهد إِلَى عَلِيّ ﵁ وَهُو يَعْلَم أنَّه يَكْفُر بَعْدَه عَلَى قولهم لعنة اللَّه عَلَيْهِم وصلى اللَّه عَلَى رَسُولِه وآلِه وَكَذَلِك نُكَفّر بكل فعْل أجْمَع الْمُسْلِمُون أنَّه لَا يَصْدُر إلَّا من كافر وإن كَان صاحِبُه مُصَرّحًا بالْإِسْلَام مَع فِعْلِه ذَلِك الفعل كالسُّجُود لِلصّنْم وللشّمْس والقَمَر والصّلِيب والنار والسعي إِلَى الكنائس والبيع مَع أهلها والتزيي بزيهم من شد الزنانير وفحص الرؤس فَقَد أجمع الْمُسْلِمُون أَنّ هَذَا لَا يوجد إلَّا من كافر وَأَنّ هَذِه الأفعال علامة عَلَى الكُفْر وَإِن صَرّح فاعِلُها بالْإِسْلَام وَكَذَلِك أجْمَع الْمُسْلِمُون عَلَى تَكْفِير كُلّ مِن اسْتَحَلّ القَتْل أَو شُرْب الخَمْر أو الزّنا مِمَّا حَرّم اللَّه بَعْد عِلْمِه بِتَحْرِيمِه كَأصْحاب الإبَاحَة مِن القَرامطَة وبعض غُلاة المُتَصَوّفَة وَكَذَلِك نَقْطَع بِتَكْفِير كُلّ من كَذّب وأنْكَر قاعِدَة من قَوَاعِد الشَّرْع وَمَا عُرِف يَقِينًا بالنّقْل الْمُتَواتِر من فِعْل الرَّسُول وَوَقَع الإجْماع الْمُتّصِل عَلَيْه كمن أنْكَر وُجُوب الصّلوات الخَمْس وعَدَد رَكَعاتِها وسَجَداتِها وَيَقُول إنَّمَا أوْجَب اللَّه عَلَيْنَا فِي كِتابِه الصَّلَاة عَلَى الْجُمْلَة وَكَوْنُها خَمْسًا وَعَلَى هَذِه الصّفات والشُّرُوط لَا أعْلَمُه
إِذ لَم يَرِد فِيه فِي الْقُرْآن نص جَليّ والخبر بِه عَن الرَّسُول ﷺ خبر واحد وَكَذَلِك أجمع عَلَى تَكْفِير من قَال من الْخَوارِج إن
الحواشي
(١) (قوله وفحص الرؤس) بفاء مفتوحة وحاء وصاد مهملتين في الصحاح، وفى الحديث فحصوا عن رؤسهم: كأنهم حلقوا وسطها وتركوها مثل أفاحيص القطا (*)следующие страницы →