Полный текст (697 стр.). Показаны 666–697 · переход к 671.
стр. 666
ووحْدانِيّتِه ولكنه اعْتَقَد أنَّه غَيْر حَيّ أَو غَيْر قديم وَأنَّه مُحْدَث أَو مُصَوّر أَو ادّعَى لَه وَلَدًا أَو صَاحَبَة أَو وَالِدًا أو متولد من شئ أَو كائن عَنْه أَو أَنّ مَعَه فِي الأزل شَيْئًا قديمًا غَيْره أَو أنثم صَانِعًا للعالم سواه أَو مُدَبّرًا غَيْره فَذَلِك كُلُّه كُفْر بإجْماع الْمُسْلِمِين كَقَوْل الإلهيين مِن الْفَلاسِفَة والمُنَجّمِين وَالطّبَائِعِيّين وَكَذَلِك مَن ادّعى مُجَالسَة اللَّه وَالْعُرُوج
إليْه وَمُكَالَمَتَه أَو حُلُوله فِي أَحَد الأشْخَاص كتول بَعْض المُتَصوّفَة والباطنية النصارى والقرامطة وَكَذَلِك نَقْطَع عَلَى كفر من قَال بقدم العالم أَو بقائه أَو شك فِي ذَلِك عَلَى مذهب بَعْض الفلاسفة والدهرية أَو قَال بتناسخ الأرواح وانتقالها أبد الآباد فِي الأشخاص وتعذيبها أَو تنعمها فِيهَا بحسب زكائها وخبثها وَكَذَلِك مِن اعترف بالإلهية والوحدانية ولكنه جحد النُّبُوَّة من أصلها عمومًا أو نُبُوَّة نبينا ﷺ خصوصًا أَو أحد مِن الْأَنْبِيَاء الَّذِين نص اللَّه عَلَيْهِم بَعْد عِلْمِه بذلك فَهُو كافِر بِلَا رَيْب كالبَرَاهِمَة ومُعْظَم اليَهُود والأرُوسِيّة مِن النصاري والغُرَابِيّة مِن الروافض الزاعمين أَنّ عليًّا كَان المبعوث إليْه جِبْرِيل وَكالْمُعَطِّلَة والقرامطة والإسماعيلية والعنبرية مِن الرافضة وَإِن كَان بَعْض هَؤْلَاء قَد أشْرَكُوا فِي كُفر آخَر مَع من قَبْلَهُم وَكَذَلِك من دَان بالوحْدَانِيّة وصحة النبوة
الحواشي
(١) (قوله والغرابية) بضم الغين المعجمة قالوا محمد بعلى أشبه مِن الغُرَاب بالغراب والدواب بالدواب وبعث الله جبريل إلى على فغلظ فيلعنون - لعنهم الله - صاحب الريش ويعنون به جبريل ﵇ (*)стр. 667
ونبوة نبينا ﷺ وَلَكِن جَوّز عَلَى الْأَنْبِيَاء الكَذِب فِيمَا أتَوا بِه ادعى فِي ذَلِك المصلحة نزعمه أو لم يذعها فَهُو كافر بإجْماع كالمتفلسفين وبعض الباطنية والروافض وغلاة المتصوفة وأصحاب الإباحة فَإِنّ هَؤْلَاء زعموا أَنّ ظواهر الشَّرْع وأكثر مَا جَاءَت بِه الرُّسُل مِن الْأَخْبَار عَمَّا كَان وَيَكُون من أُمُور الآخِرَة والحَشْر، وَالْقِيَامَة، والْجَنة، وَالنَّار لَيْس مِنْهَا شئ عَلَى مقْتَضَى لفظها ومفهوم خطابها وَإِنَّمَا خاطبُوا بِهَا الخَلْق عَلَى جِهَة المَصْلَحَة لَهُم إِذ لَم يمكنهم التصريح لقصور
أفهامهم فمضمن مقالاتهم إبطال الشرائع وتعطيل الأوامر والنواهي وتكذيب الرُّسُل والارتياب فِيمَا أتوا بِه وَكَذَلِك من أضاف إلى نبينا ﷺ تعمد الكَذِب فِيمَا بلغه وأخبر بِه أَو شك فِي صدقه أَو سبه أَو قَال إنَّه لَم يبلغ أَو استخف بِه أَو بأحد مِن الْأَنْبِيَاء أَو أزرى عَلَيْهِم أو آذاهم أَو قتل نَبيًّا أَو حاربه فَهُو كافر بإجماع وَكَذَلِك نكفر من ذهب مذهب بَعْض القدماء فِي أَنّ فِي كُلّ جنس مِن الحيوان نذيرا ونبيًا مِن القردة، والخنازير والدواب والدود ووغير ذَلِك، ويحتج بِقَوْلِه تَعَالَى (وَإِنَّ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خلا فيها نذير) إذ ذَلِك يؤدي إِلَى أن يُوصَف أنبياء هَذِه الأجْنَاس بصفاتهم المذمومة وفيه مِن الإزْرَاء عَلَى هذا المنصف المُنِيف مَا فِيه مَع إجْماع الْمُسْلِمِين عَلَى خلافه وتَكْذِيب قائله وَكَذَلِك نُكَفّر من اعترف مِن الْأُصُول الصَّحِيحة بِمَا تقدم ونُبُوَّة نبينا صَلَّى اللَّه عَلَيْه وسلم
стр. 668
وَلَكِن قَال كَان أسْوَد أَو مات قَبْل أن يلتحي أَو لَيْس الَّذِي كَان بمكّة والحجاز أَو لَيْس بقرشي لِأَنّ وصفه بغير صفاته المعلومة نفي لَه وتكذيب بِه وَكَذَلِك من ادعى نُبُوَّة أَحَد مَع نبينا ﷺ أَو بَعْدَه كالعيسوية مِن اليَهُود القائلين بتخصيص رسالته إِلَى الْعَرَب وكالخرمية القائلين بتواتر الرُّسُل وكأكثر الرافضة القائلين بمشاركة عَلِيّ فِي الرسالة للنبي ﷺ وَبَعْدَه فكذلك كُلّ إمام عِنْد هَؤْلَاء يقوم مقامه فِي النُّبُوَّة والحَجَّة وكالْبَزيغيّة والبَيَانِيّة مِنْهُم القَائِلِين بِنُبُوَّة بِزِيغ وَبَيَان وَأشْبَاه هَؤْلَاء أَو من ادّعى النُّبُوَّة لِنَفْسِه أَو جوّز اكْتِسَابَهَا والبُلُوغ بِصَفَاء القَلْب إلى مَرْتَبَتِهَا كالفَلَاسِفَة وغُلاة المُتَصَوّفَة وَكَذَلِك مَن ادّعى مِنْهُم أنَّه يوحى إليْه وإن لَم يدَّع النُّبُوَّة أَو أنَّه يَصْعَد إِلَى السَّمَاء وَيَدْخُل الْجنة وَيَأْكُل من ثِمَارِهَا وَيُعَانِق
الْحور العين فهؤلاء كُلُّهُم كُفَّار مُكَذّبُون للنبي ﷺ لِأَنَّه أخْبَر ﷺ أنَّه خَاتَم النَّبِيّين لَا نَبِيّ بَعْدَه وأخْبَر عن الله
الحواشي
(١) (قوله كالعيسوية) نسبة إلى أبى عيسى بن إسحاق بن يعقوب الأصبهاني كان موجودا في خلافة المنصور وخالف اليهود في أشياء منها أنه حرم الذبائح (قوله وكخرمية) بالخاء المعجمة المضمومة في الصحاح: تخرم: دان بدين الخرمية وهم أصحاب التناسخ والإباحة (قوله وكالبزيغية والبيانية) البزيغية بالموحدة والزاى المكسورة والغين المعجمة نسبة إلى بزيغ والبيانية إلى بيان بن سمعان النهدي التميمي قال إن روح الله جل وعلا حلت في على ثم في ابنه محمد بن الحنفية ثم في ابنه أبى هاشم ثم في بيان (*)стр. 669
تَعَالَى أنَّه خَاتَم النَّبِيّين وَأنَّه أرْسِل كافّة لِلنّاس وأجْمَعَت الْأُمَّة عَلَى حَمْل هَذَا الْكَلَام عَلَى ظاهِرِه وَأَنّ مَفْهُومَه المُرَاد بِه دُون تَأْويل وَلَا تَخْصيص فَلَا شَكّ فِي كُفْر هَؤْلَاء الطّوَائِف كلها قَطْعًا إجْماعًا وسمعا وكذلك وقَع الإجْماع عَلَى تَكْفِير كُلّ مِن دافع نص الكتاب أو خص حديثا مجمعا عَلَى نَقْلِه مَقْطُوعًا بِه مُجمَعًا عَلَى حَمْلِه عَلَى ظَاهِرِه كَتَكْفِير الخَوَارِج بإبْطال الرّجْم ولهذا نُكَفّر من لم يُكَفّر من دَان بِغَيْر ملّة الْمُسْلِمِين مِن المِلَل أَو وَقَف فِيهِم أَو شَكّ أَو صَحَّح مَذْهَبَهُم وإن أظْهَر مَع ذَلِك الْإِسْلَام وَاعْتَقَدَه وَاعْتَقَد إبْطَال كُلّ مذْهَب سِواه فَهُو كَافِر بإظْهَارِه مَا أظْهَر من خِلَاف ذَلِك وَكَذَلِك نَقْطَع بِتَكْفِير كُلّ قائِل قَال قَوْلًا يُتَوصّل بِه إلى تَضْلِيل الْأُمَّة وتكْفِير جميع الصَّحَابَة كَقَوْل الكُمَيْلِيّة مِن الرافِضَة بِتَكْفِير جَمِيع الْأُمَّة بَعْد النَّبِيّ ﷺ إِذ لَم تُقَدّم عَليًّا وكفرت عليا إِذ لَم يَتَقَدّم وَيَطْلُب حَقّه فِي التّقْديم فهؤلاء قَد كفروا من وُجُوه
لأنهم أبْطَلُوا الشّرِيعَة بأسْرِها إذ قع انْقَطَع نَقْلُهَا ونَقْل الْقُرْآن إِذ نَاقِلُوه كفرة عَلَى زَعْمِهِم وَإِلَى هَذَا والله أَعْلَم أشار مَالِك فِي أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة ثم كفروا من وجه آخر بسبهم النبي ﷺ على
الحواشي
(١) (قوله الكميلية) ليس من الفرق ما يلقب بالكميلية وإنما منهم فرقة من الشيعة ثلقب بالكاملية نسبة إلى أبى كامل قال بكفر الصحابة بترك بيعة على وبكفر على بترك طلب الحق وقال بالتناسخ في الأرواح عند الموت وإنما الإمامة نور ينتقل من شخص إلى آخر وقد يصير في شخص نبوة بعد ما كانت في آخر إمامة (*)стр. 670
مقتضى قولهم وَزَعْمِهِم أنَّه عهد إِلَى عَلِيّ ﵁ وَهُو يَعْلَم أنَّه يَكْفُر بَعْدَه عَلَى قولهم لعنة اللَّه عَلَيْهِم وصلى اللَّه عَلَى رَسُولِه وآلِه وَكَذَلِك نُكَفّر بكل فعْل أجْمَع الْمُسْلِمُون أنَّه لَا يَصْدُر إلَّا من كافر وإن كَان صاحِبُه مُصَرّحًا بالْإِسْلَام مَع فِعْلِه ذَلِك الفعل كالسُّجُود لِلصّنْم وللشّمْس والقَمَر والصّلِيب والنار والسعي إِلَى الكنائس والبيع مَع أهلها والتزيي بزيهم من شد الزنانير وفحص الرؤس فَقَد أجمع الْمُسْلِمُون أَنّ هَذَا لَا يوجد إلَّا من كافر وَأَنّ هَذِه الأفعال علامة عَلَى الكُفْر وَإِن صَرّح فاعِلُها بالْإِسْلَام وَكَذَلِك أجْمَع الْمُسْلِمُون عَلَى تَكْفِير كُلّ مِن اسْتَحَلّ القَتْل أَو شُرْب الخَمْر أو الزّنا مِمَّا حَرّم اللَّه بَعْد عِلْمِه بِتَحْرِيمِه كَأصْحاب الإبَاحَة مِن القَرامطَة وبعض غُلاة المُتَصَوّفَة وَكَذَلِك نَقْطَع بِتَكْفِير كُلّ من كَذّب وأنْكَر قاعِدَة من قَوَاعِد الشَّرْع وَمَا عُرِف يَقِينًا بالنّقْل الْمُتَواتِر من فِعْل الرَّسُول وَوَقَع الإجْماع الْمُتّصِل عَلَيْه كمن أنْكَر وُجُوب الصّلوات الخَمْس وعَدَد رَكَعاتِها وسَجَداتِها وَيَقُول إنَّمَا أوْجَب اللَّه عَلَيْنَا فِي كِتابِه الصَّلَاة عَلَى الْجُمْلَة وَكَوْنُها خَمْسًا وَعَلَى هَذِه الصّفات والشُّرُوط لَا أعْلَمُه
إِذ لَم يَرِد فِيه فِي الْقُرْآن نص جَليّ والخبر بِه عَن الرَّسُول ﷺ خبر واحد وَكَذَلِك أجمع عَلَى تَكْفِير من قَال من الْخَوارِج إن
الحواشي
(١) (قوله وفحص الرؤس) بفاء مفتوحة وحاء وصاد مهملتين في الصحاح، وفى الحديث فحصوا عن رؤسهم: كأنهم حلقوا وسطها وتركوها مثل أفاحيص القطا (*)стр. 671
الصَّلَاة طَرَفي النهار وَعَلَى تَكْفِير الباطِنيّة فِي قولهم إنّ الفَرائِض أسْماء رجال أُمِرُوا بولايتهم والخَبَائث والْمَحَارِم أسماء رجال أُمُرِوا بالبراءة مِنْهُم وقول بَعْض المتصوفة إنّ العبادة وطول المجاهدة إذَا صفت نفوسهم أفضت بِهِم إِلَى إسْقاطها وإباحَة كل شئ لَهُم ورَفْع عُهَد الشّرائِع.
عَنْهُم وَكَذَلِك إن أنْكَر مُنْكِر مَكَّة أَو البيت أَو الْمَسْجِد الْحَرَام أَو صِفَة الحَجّ أَو قَال الحَجّ واجب فِي الْقُرْآن واسْتِقْبَال القِبْلَة كَذَلِك وَلَكِن كوْنُه عَلَى هذه الهيأة المُتَعارَفَة وَأَنّ تِلْك البُقْعَة هِي مَكَّة والبَيْت وَالْمَسْجِد الْحَرام لَا أَدْرِي هَل هِي تِلْك أَو غَيْرِهَا ولعل الناقِلين أَنّ النَّبِيّ ﷺ فسرها بِهَذِه التفاسير غَلِطُوا ووَهِمُوا فَهَذَا ومِثْلُه لَا مِرْيَة فِي تَكْفِيرِه إن كَان مِمَّن يُظَنّ بِه علم ذَلِك وممن خالَط الْمُسْلِمِين وامْتَدّت صُحْبَتُه لَهُم إلَّا أَن يَكُون حَدِيث عَهْد بإسْلام فَيُقَال لَه سَبِيلك أن تَسْأل عَن هَذَا الَّذِي لَم تَعْلَمْه بَعْد كافّة الْمُسْلِمِين فَلَا تَجِد بَيْنَهُم خِلافًا كافّة عَن كافّة إِلَى مُعَاصِر الرَّسُول ﷺ أَنّ هَذِه الْأُمُور كَمَا قِيل لَك وَأَنّ تِلْك البُقْعَة هِي مَكَّة والبَيْت الَّذِي فِيهَا هُو الكعبة والقِبْلَة الَّتِي صَلَّى لَهَا الرَّسُول ﷺ والْمُسْلِمُون وحَجُّوا إِلَيْهَا وطَافُوا بها وَأَنّ تِلْك الأفْعَال هِي صِفَات
عِبَادَة الْحَجّ والمُرَاد بِه وَهِي الَّتِي فعلها النَّبِيّ ﷺ والْمُسْلِمُون وَأَنّ صِفَات الصّلَوَات المَذْكُورَة هِي الَّتِي فعل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وسلم
стр. 672
وَشَرَح مُرَاد اللَّه بِذَلِك وَأبان حُدُودَهَا فَيَقَع لَك العلْم كَمَا وَقَع لَهُم وَلَا تَرْتاب بِذَلِك بَعْد والمرتاب فِي ذَلِك والمنكر بَعْد البحث وصحبته الْمُسْلِمِين كافر باتفاق وَلَا يعذر بِقَوْلِه لَا أدري وَلَا يصدق فِيه بَل ظاهره التستر عَن التكذيب إِذ لَا يمكن أنَّه لَا يدري وأيضا فَإنَّه إذَا جوز عَلَى جميع الْأُمَّة الوهم والغلط فِيمَا نقلوه من ذَلِك وأجمعوا أنَّه قَوْل الرَّسُول وفعله وتفسير مراد اللَّه بِه أدخل الاسترابة فِي جميع الشريعة إِذ هُم الناقلون لَهَا وللقرآن وانحلت عرى الدّين كرة وَمَن قال هَذَا كافر وَكَذَلِك من أنكر الْقُرْآن أَو حرفا مِنْه أَو غَير شَيْئًا مِنْه أَو زاد فِيه كفعل الباطنية والإسماعيلية أَو زعم أنَّه لَيْس بحجة للنبي ﷺ أَو لَيْس فِيه حجة وَلَا مُعْجِزَة كقول هِشَام الفوطي ومعمر الصيمري إنَّه لَا يدل عَلَى اللَّه وَلَا حجة فيها لرسوله وَلَا يَدُلّ عَلَى ثَوَاب وَلَا عِقَاب وَلَا حُكْم وَلَا مَحَالَة فِي كُفْرِهِمَا بِذَلِك القَوْل وَكَذَلِك نُكَفرهُما بإنْكارِهِمَا أن يَكُون فِي سائِر مُعْجِزَات النَّبِيّ ﷺ حجة لَه أَو فِي خلق السَّمَوَات والأرض دَليل على الله لمخالفهتهم الإجْماع والنّقْل المُتَوَاتِر عَن النَّبِيّ ﷺ باحْتِجَاجِه بَهَذَا كُله وَتَصْرِيح الْقُرْآن بِه وَكَذَلِك من أنكر شَيْئًا مِمَّا نص فِيه الْقُرْآن بَعْد علمه أنَّه من الْقُرْآن الَّذِي فِي أيدي النَّاس ومصاحف لمسلمين ولم يكن
الحواشي
(١) (قوله كرة) بفتح الكاف وتشديد الراء هي المرة (١٩ - ٢) (*)стр. 673
جاهلًا بِه وَلَا قريب عهد بالْإِسْلَام واحْتَجّ لإنْكاره إِمَّا بأنه لم يصبح النّقْل عِنْدَه وَلَا بَلَغَه الْعِلْم بِه أَو لِتَجْوِيز الْوَهْم على نافله فنتكفره بالطريقين المتقدمين لِأَنَّه مُكَذّب للقرآن مُكَذّب للنبي ﷺ لكنه تَسَتّر بدَعْوَاه وَكَذَلِك من أنْكَر الْجَّنة أَو النَّار أَو البَعْث أَو الحساب أو القيامة فهو كافِر بإجْماع لِلنصّ عَلَيْه وإجْماع الْأُمَّة عَلَى صِحّة نَقْله مُتَوَاترًا وَكَذَلِك من اعْتَرَف بِذَلِك ولكنه قَال إنّ المراد بالجنة والنار والحشر والنشر والثواب والعقاب مَعْنَي غَيْر ظاهره وَأنَّهَا لذات روحانية ومعان باطنة كقول النَّصَارَى والفلاسفة والباطنية وبعض المتصوفة وزعم أن مَعْنَي الْقِيَامَة الموت أو فناه محض ولتنقاض هيئة الأفلاك وتحليل العالم كقول بَعْض الفلاسفة وَكَذَلِك نقطع بتكفير غلاة الرافضة فِي قولهم إنّ الْأَئِمَّة أفضل مِن الْأَنْبِيَاء فَأَمَّا من أنكر مَا عرف بالتواتر مِن الْأَخْبَار والسير والبِلاد الَّتِي لَا يَرْجع إلى إبْطال شَرِيعة وَلَا يُفْضِي إِلَى إنْكار قاعِدَة مِن الدّين كإنكْار غزوة تبوك أو مؤنة أَو وجود أَبِي بَكْر وعمر أَو قتل عثمان أَو خلافه عَلِيّ مِمَّا علم بالنقل ضرورة وليس في إنكار وجحد شَرِيعة فَلَا سَبِيل إلى تَكْفِيرِه بِجحْد ذَلِك وإنكار وُقُوع الْعِلْم لَه إِذ لَيْس فِي ذَلِك أكْثَر مِن المُبَاهَتَة كإنْكار هِشَام وَعَبّاد وَقْعَة الجَمَل ومُحَارَبَة عَلِيّ من خَالفَه فَأَمَّا إن ضَعّف ذَلِك من أجل تهمة
الحواشي
(١) (قوله وأنها لذات) بفتح اللام وتشديد الذال المعجمة: جمع لذة (*)стр. 674
النّاقلين ووهم الْمُسْلِمِين أجمع فنكفره بِذَلِك لسريانه إِلَى إبطال الشريعة فَأَمَّا من أنكر الإجماع المجرد الَّذِي لَيْس طريقه النقل المتواتر عَن الشارع
فأكثر المتكلمين وَمِن الفُقَهَاء والنظار فِي هَذَا الْبَاب قَالُوا بتكفير كُلّ من خالف الإجماع الصحيح الجامع لشروط الإجماع المتفق عَلَيْه عمومًا وحجتهم قَوْله تَعَالَى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى) الآية وَقَوْلُه ﷺ (مَنْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رَبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقُهِ) وحكوا الإجْمَاع عَلَى تَكْفِير من خالف الإجْماع وَذَهَب آخَرُون إِلَى الْوُقُوف عَن الْقَطْع بِتَكْفِير من خَالَف الإجْماع الَّذِي يَخْتَصّ بِنَقْلِه الْعُلمَاء وذهب آخَرُون إِلَى التَّوَقُّف فِي تَكْفِير من خَالَف الإجْمَاع الكائِن عَن نظَر كتَكْفِير النَّظّام بإنْكارِه الإجْماع لِأَنَّه بِقَوْلِه هَذَا مُخَالِف إجْمَاع السَّلَف عَلَى احْتَجَاجِهِم بِه خارِق للإجْماع، قَال الْقَاضِي أَبُو بَكْر الْقَوْل عِنْدِي أَنّ الكُفْر بالله هُو الجَهْل بِوُجُودِه والإيمَان بالله هُو الْعِلْم - بوجوده وَأنَّه لَا يُكَفّر أَحَد بِقَوْل وَلَا رَأْي إلَّا أن يَكُون هُو الْجَهْل بالله فإن عَصى بِقَوْل أَو فِعْل نَصّ اللَّه وَرَسُولِه أو أجْمَع الْمُسْلِمُون أنَّه لَا يوجد إلَّا من كافِر أَو يَقُوم دَلِيل عَلَى ذَلِك فَقَد كَفَر لَيْس لأجْل قَوْله أَو فِعْلِه لَكِن لما يُقَارِنه مِن الكْفُر فالْكُفْر بالله لَا يَكُون إلَّا بأحَد
الحواشي
(١) (قوله كتكفير النظام) هو إبراهيم بن سيار مولى بنى الحارث بن عباد كان أحد فرسان المتكلمين من المعتزلة وكان في دولة المعتصم (*)стр. 675
ثَلَاثَة أمور أحَدُهَا الْجَهْل بالله تَعَالَى وَالثاني أن يَأْتِي فِعْلًا أَو يَقُول قَوْلًا يُخْبِر اللَّه وَرَسُولُه أَو يُجْمِع الْمُسْلِمُون أَنّ ذَلِك لَا يَكُون إلَّا من كافر كالسُّجُود لِلصّنَم وَالمْشي إِلَى الكَنَائِس بالتِزَام الزّنَّار مَع أَصْحَابِهَا فِي أعْيَادِهِم أَو يَكُون ذَلِك القَوْل أَو الْفِعْل لَا يُمْكِن مَعَه الْعِلْم بالله قَال فهذان الضّرْبَان وإن لَم يَكُونا جَهْلًا بالله فَهُمَا عَلَم أَنّ فاعِلَهُمَا كافِر مُنْسِلخ مِن الْإِيمَان فَأَمَّا من نَفَى صِفَة من صِفَات اللَّه تَعَالَى الذَّاتِيَّة
أَو جَحَدَهَا مُسْتَبْصِرًا فِي ذَلِك كَقَوْلِه: لَيْس بِعَالِم ولا قادر وَلَا مُريد وَلَا مُتَكَلّم وَشِبْه ذَلِك من صِفَات الكَمَال الْوَاجِبَة لَه تَعَالَى فَقَد نصّ أئِمّتُنَا عَلَى الإجماع عَلَى كُفْر من نَفَى عَنْه تَعَالَى الوَصْف بِهَا وَأعْرَاه عَنْهَا وَعَلَى هَذَا حُمَل قَوْل سُحْنُون من قَال لَيْس لله كلام فهو كافر وَهُو لَا يُكَفّر المُتَأَوَّلِين كَمَا قَدَّمْنَاه فَأَمَّا من جَهِل صِفَة من هذه الصفات فاخْتَلَف الْعُلمَاء ههنا فَكَفّرَه بَعْضُهُم وحُكِي ذَلِك عَن أَبِي جَعْفَر الطَّبَرِيّ وَغَيْرُه وَقَال بِه أَبُو الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ مَرَّة وذَهَبَت طَائِفَة إِلَى أَنّ هَذَا لَا يُخْرِجُه عَن اسْم الْإِيمَان وَإليْه رَجَع الْأَشْعَرِيّ قَال: لِأَنَّه لَم يَعْتَقِد ذَلِك اعْتَقَادًا يَقْطَع بِصَوَابِه وَيَرَاه دِينًا وَشَرْعًا وَإِنَّمَا يَكْفُر مَنِ اعتَقَد أَنّ مَقَالَه حَقّ واحَتجّ هَؤْلَاء بِحَدِيث السّوْدَاء وَأَنّ النَّبِيّ ﷺ إنما
الحواشي
(١) (قوله وَهُو لَا يُكَفّر) بسكون الهاء وفتح الواو ضمير غيبة عائد على سحنون (قوله لحديث السوداء) هو ما رواه أبو داود في الإيمان والنسائي في الوصايات من حديث الشريد بن سويد الثقفى أن أمه أوصته أن يعتق عنها رقبة مؤمنة فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَقَالَ يَا رَسُولَ الله إن أمي أوصت أن أعتق عنها رقبة مؤمنة وعندي جارية سوداء نوبية فذكر نحو حديث معاوية بن الحكم السلمى إلى أن قال أين الله؟ قالت في السماء، قال من أنا؟ قالت: أنْت رَسُول اللَّه، قال أعتقها فإنها مؤمنة (*)стр. 676
طَلَبَ مِنْهَا التَّوْحِيدَ لَا غَيْرَ وَبِحَدِيث الْقَائِل لَئِن قَدَر اللَّه علي وَفِي رِوَايَة فِيه لَعَلّي أضِلّ اللَّه ثُمّ قَال: فَغَفَر اللَّه لَه قَالُوا وَلَو بوحِث أكْثَر النَّاس عَن الصّفات وُكوشِفُوا عَنْهَا لَمّا وُجِد من يَعْلمها إلَّا الأقَلّ، وَقَد أجاب الآخر عَن هَذَا الْحَدِيث بِوُجُوه مِنْهَا أَنّ قَدَر بمعنى قدر وَلَا يَكُون شَكُّه فِي القُدْرَة عَلَى إحْيَائِه بَل فِي نَفْس البَعْث الَّذِي لَا يُعْلَم إلَّا بِشَرْع ولعله
لَم يَكُن وَرَد عِنْدَهُم بِه شَرْع يُقْطَع عَلَيْه فَيكُون الشَّكّ فِيه حِينَئِذ كُفْرًا فَأَمَّا مَا لَم يرد بِه شَرْع فَهُو من مُجَوّزَات العُقُول أَو يَكُون قَدَر بِمَعْنَي ضَيّق وَيَكُون مَا فعله بِنَفْسِه إزْراء عَلَيْهَا وَغَضبًا لِعِصْيانِها وَقِيل: إنَّمَا قَال مَا قاله وَهُو غَيْر عاقِل لِكَلامه وَلَا ضابط لِلفْظِه مِمَّا استولى عَلَيْه مِن الْجَزَع والْخَشْيَة الَّتِي أذْهَبَت لُبَّه فَلَم يُؤاخَذ بِه وَقِيل كَان هَذَا فِي زَمَن الفَتْرَة وَحَيْث يَنْفَع مُجَرّد التَّوْحِيد وَقِيل بَل هَذَا من مَجَاز كَلَام الْعَرَب الَّذِي صُورَتُه الشّكّ وَمَعْنَاه التَّحْقِيق وَهُو يُسَمَّى تَجَاهُل العارِف وله أمْثِلَة فِي كَلَامَهِم كَقَوْلِه تَعَالَى (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) وقوله (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضلال مبين) فَأَمَّا من أثْبَت الْوَصْف ونَفَى الصّفَة فَقَال أقُول عالِم
الحواشي
(١) (قوله لَعَلّي أضِلّ اللَّه) قال صاحب الصحاح: أضل عنه أي: أخفى عليه وأغيب، مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى (أئذا ضللنا في الأرض) أي خفينا وغبنا، وقال ابن الأثير: لَعَلّي أضِلّ اللَّه: أفوته ويخفى عليه مكاني، وقيل: لعلى أغيب عن عذاب الله (*)стр. 677
وَلَكِن لَا عِلْم لَه وَمُتَكَلّم وَلَكِن لَا كَلَام لَه وهكذا فِي سائِر الصّفات عَلَى مَذْهَب المُعْتَزِلَة فَمَن قَال بالمَآل لما يُؤَدّيه إليْه قَوْلُه ويَسُوقُه إليْه مَذْهَبُه كَفّرَه لِأَنَّه إذَا نَفَى العِلْم انْتفى وَصْف عالم إِذ لَا يُوصف بِعالِم إلَّا من لَه علم فكأنَّهُم صَرَّحُوا عِنْدَه بِمَا أدى إليْه قَوْلُهُم وهكذا عِنْد هَذَا سائِر فِرَق أَهْل التَّأْوِيل مِن المُشَبّهَة وَالقَدَرِيَّة وَغَيْرِهِم وَمَن لَم يَر أخْذَهُم بِمآل قولِهِم وَلَا ألْزَمَهُم مُوجِب مذهبم لَم يَر إكفَارَهُم قَال لأنهم إذَا وُقفوا عَلَى هَذَا قَالُوا لَا نقول لَيْس بِعالِم ونْحن نَنْتَفِي مِن القَوْل بالمال الَّذِي ألْزَمْتُمُوه لَنَا ونَعَتْقِد نَحْن وَأنْتُم أنَّه كُفْر بَل نقول إنّ قولنا لا يؤول إليْه عَلَى مَا أصَّلْنَاه فعلى هذيْن المَأخَذَيْن اخْتَلَفَ النَّاس فِي إكْفَار أَهْل التَّأْوِيل وَإذَا فَهِمْتَه اتَّضَح لَك المُوجِب لاخْتِلاف النَّاس فِي ذَلِك والصَّوَاب تَرْك إكفارهم
والإعراض عن الْحَتْم عَلَيْهِم بالْخُسْران وإجْراء حُكْم الْإِسْلَام عَلَيْهِم فِي قِصاصِهِم ووِراثاتِهِم ومُنَاكَحاتِهِم ودِيَاتِهِم والصلواة عَلَيْهِم وَدَفْنِهِم فِي مَقَابِر الْمُسْلِمِين وسائِر مُعامَلاتِهِم لكِنَّهُم يُغَلّظ عَلَيْهِم بِوَجيع الأدَب وشَدِيد الزَّجْر والهَجْر حَتَّى يَرْجِعُوا عَن بِدْعَتِهِم وَهَذِه كَانَت سِيرَة الصَّدْر الأوّل فِيهِم فَقَد كَان نَشَأ عَلَى زمن الصَّحَابَة وَبَعْدَهُم فِي التابعين من قَال بِهذِه الأقْوال مِن القَدَر وَرأي الْخَوارِج والاعْتِزَال فَمَا أزاحُوا لَهُم قَبْرًا وَلَا قَطَعُوا لأحد مِنْهُم مِيراثًا لكِنَّهُم هَجَرُوهم وأدّبُوهُم بالضَّرْب والنَّفْي والقَتْل عَلَى قَدْر أحْوالهم لأنهم فُسّاق ضُلَّال عُصَاة أَصْحَاب كبائر
стр. 678
عِنْد المُحَقَّقِين وَأَهْل السُّنَّة مِمَّن لَم يَقُل بِكُفْرِهِم مِنْهُم خلافًا لِمَن رَأَى غَيْر ذَلِك والله الْمُوَفّق للصّواب قَال الْقَاضِي أَبُو بَكْر وَأَمَّا مَسائِل الْوَعْد والْوِعيد والرُّؤْيَة والْمَخْلُوق وخَلْق الأفْعال وبَقَاء الأعْراض والتَّوَلُّد وشِبْهها مِن الدَّقائق فالمَنْع فِي إكْفار الْمُتَأوّلِين فِيهَا أوْضَح إِذ لَيْس فِي الْجَهْل بشئ مِنْهَا جَهْل بالله تَعَالَى وَلَا أجْمَع الْمُسْلِمُون عَلَى إكْفار من جَهل شَيْئًا مِنْهَا وَقَد قَدّمْنا فِي الفَصْل قَبْلَه مِن الْكَلَام وصُورَة الخِلَاف فِي هَذَا مَا أغْنى عَن إعادَته بحَوْل اللَّه تَعَالَى
فصل هَذَا حُكْم الْمُسْلِم السّابّ لله تَعَالَى وَأَمَّا الذمّيّ
فَرُوِي عَن عبد الله ابن عُمَر فِي ذمّيّ تَناول من حُرْمَة اللَّه تَعَالَى غَيْر مَا هُو عَلَيْه من دِينِه وحاجّ فِيه فَخَرَج ابن عُمَر عَلَيْه بالسَّيْف فَطَلَبَه فَهَرَب وَقَال مَالِك فِي كِتاب ابن حَبِيب والْمَبْسُوطَة، وَابْن الْقَاسِم فِي الْمَبْسُوط وكتاب مُحَمَّد وَابْن سُحْنُون: من شَتَم اللَّه مِن اليَهُود والنَّصارى بِغَيْر الْوَجْه الَّذِي كفر بِه قُتِل وَلَم يُسْتَتَب قَال ابن الْقَاسِم إلَّا أن يُسْلِم قَال فِي المَبْسُوطَة طَوْعًا قَال أصْبَغ لِأَنّ الْوَجْه الَّذِي بِه كَفَرُوا هو دِينُهُم وعليه عُوهِدُوا من دَعْوَى الصاحبَة والشّريك والْوَلَد وَأَمَّا غَيْر هَذَا مِن الفِرْيَة والشَّتْم فَلَم يُعاهَدُوا عَلَيْه فَهُو نَقْض لِلْعَهْد قَال ابن الْقَاسِم فِي كِتَاب مُحَمَّد وَمن شَتَم من غَيْر
стр. 679
أَهْل الأديان اللَّه تَعَالَى بِغَيْر الْوَجْه الَّذِي ذُكِر فِي كِتابِه قُتِل إلَّا أَن يُسْلِم وَقَال المَخْزُومِي فِي المَبْسُوطَة وَمُحَمَّد بن مَسْلَمَة وَابْن أَبِي حازِم لَا يُقْتَل حَتَّى يُسْتَتَاب، مُسْلِمًا كَان أَو كافِرًا فإن تاب وَإِلَّا قُتِل وَقَال مُطَرّف وَعَبُد الْمَلِك مِثْل قَوْل مَالِك وَقَال أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زيد من سَبّ اللَّه تَعَالَى بِغَيْر الْوَجْه الَّذِي بِه كَفَر قُتِل إلَّا أَن يُسْلِم وَقَد ذَكَرْنَا قَوْل ابن الْجَلَاب قَبْل وَذَكَرْنا قَوْل عُبَيْد اللَّه وَابْن لُبَابَة وشُيُوخ الأنْدَلُسِيّين فِي النَصْرَانِيّة وفُتْياهُم بقَتْلِها لِسَبّها بالْوَجْه الَّذِي كَفَرت بِه اللَّه وَالنَّبِيّ وإجْماعَهُم عَلَى ذَلِك وَهُو نَحْو القَوْل الآخَر فِيمَن سَبّ النَّبِيّ ﷺ مِنْهُم بالْوَجْه الَّذِي كَفَر بِه وَلَا فَرْق فِي ذَلِك بَيْن سَبّ اللَّه وسب نَبِيّه لأنَّا عاهَدْناهُم عَلَى أن لا يُظْهِرُوا لَنَا شَيْئًا من كُفْرِهِم وأن لَا يُسْمِعُونا شَيْئًا من ذَلِك فَمَتى فَعَلُوا شَيْئًا مِنْه فَهُو نَقْض لِعَهْدِهِم واختلف الْعُلمَاء فِي الذّمّيّ إذَا تَزَنْدَق فَقَال مَالِك ومُطَرَّف وَابْن عَبْد الحكم وأصْبَغ لَا يُقْتَل لِأَنَّه خَرَج من كُفْر إلى كُفْر وَقَال عَبْد الْمَلِك بن المَاجِشُون يُقْتَل لِأَنَّه دِين لَا يُقَرّ عَلَيْه أَحَد ولا يوخذ عليه جِزْيَة قَال ابن حَبِيب وَمَا أَعْلَم من قاله غَيْرِه
فصل هَذَا حُكْم من صَرَّح بِسَبّه وإضافة مَا لَا يَلِيق بِجَلالِه وإلهِيّتِه * فَأَمَّا مُفْتَرِي الكَذِب عَلَيْه ﵎ بادّعاء الإلهيّة أَو الرَّسالة أَو النَّافي
стр. 680
أن يَكُون اللَّه خالقَه أَو رَبَّه أَو قَال لَيْس لِي رَبّ أَو الْمُتَكَلّم بِمَا لَا يُعْقَل من ذَلِك فِي سُكْرِه أَو غَمْرَة جُنُونِه فَلَا خِلَاف فِي كُفْر قائِل ذَلِك ومُدَّعِيه مَع سَلامَة عَقْلِه كَمَا قَدّمْناه لكنه تُقْبَل تَوْبَتُه عَلَى الْمَشْهُور وَتَنْفَعُه إنابَتُه وتُنْجِيه مِن القَتْل فَيْأته لكنه لَا يَسْلَم من عَظِيم النَّكَال وَلَا يُرَفَّه عَن شدِيد الْعِقَاب لِيَكُون ذَلِك زجْرًا لمثله عَن قَوْلِه وله عَن العَوْدَة لِكُفْرِه أَو جَهْلِه إلَّا من تَكَرَّر مِنْه ذَلِك وعُرف اسْتِهانَتُه بِمَا أتى بِه فَهُو دَلِيل عَلَى سُوء طَوِيَّتِه وكَذِب تَوْبَتِه وصار كالزّنْدِيق الَّذِي لَا نَأمَن باطِنَه وَلَا نَقْبَل رُجُوعَه وحُكْم السَّكْران فِي ذَلِك حُكْم الصاحِي وَأَمَّا الْمَجْنُون والْمَعْتُوه فَمَا علم أنه قال من ذَلِك فِي حال غَمْرَتِه وذَهاب مَيْزِه فَلَا نَظَر فِيه وَمَا فَعَلَه من ذَلِك فِي حال ميزه وَإِن لَم يَكُن مَعَه عقله وسقط تكليفه أدب عَلَى ذَلِك لينزجر عَنْه كَمَا يؤدب عَلَى قبائح الأفعال ويوالى أدبه عَلَى ذَلِك حَتَّى ينكف عنها كَمَا تؤدب البهيمة عَلَى سوء الْخلق حَتَّى تراض وَقَد أحرق عَلِيّ بن أَبِي طَالِب ﵁ من ادَّعى لَه الإلِهِيَّة وَقَد قَتَل عَبْد المَلِك بن مَرْوَان الحَارِث المتنب وصَلَبَه وفَعَل ذَلِك غَيْر وَاحِد مِن الخُلَفَاء والمُلُوك بأشْبَاهِهِم وأجْمَع علماء وَقْتِهِم عَلَى صَوَاب فِعْلِهِم والمُخَالِف فِي ذَلِك من كُفْرِهِم كافِر وأجْمَع فُقَهَاء بَغْدَاد أيَّام المُقْتَدِر مِن
الحواشي
(١) (قوله فيأته) بفتح الفاء وكسرها أي رجوعه (قوله طويته) بفتح الطاء المهملة أي: ضمرته (*)стр. 681
المَالِكِيَّة وقاضِي قُضاتِهَا أبو عم الْمَالِكِيّ عَلَى قَتْل الْحَلَّاج وصَلْبِه
لِدَعْوَاه الإلهِيَّة والقول بالحُلُول وَقَوْلُه: - أَنَا الْحَقّ - مَع تمسُّكه فِي الظّاهِر بالشّرِيعَة وَلَم يَقْبَلُوا تَوْبَتَه وَكَذَلِك حَكَمُوا فِي ابن أَبِي العَزَافِير وَكَان عَلَى نَحْو مَذْهَب الحَلَّاج بَعْد هَذَا أيام الرّاضِي بالله وقاضي قُضاة بغداد يَوْمَئِذ أَبُو الْحُسَيْن بن أَبِي عُمَر المالكي، وَقَال ابن عَبْد الحَكَم فِي المبسوط من تَنَبَّأ قُتِل، وَقَال أَبُو حَنِيفَة وأصْحَابُه: من جَحَد أَنّ اللَّه تَعَالَى خالِقُه أَو رَبُّه أَو قَال لَيْس لِي رَبّ فَهُو مُرْتَد، وَقَال ابن الْقَاسِم فِي كِتَاب ابن حبيب وَمُحَمَّد فِي العُتْبيَّة فِيمَن تنبأ يستتاب أسَرّ ذَلِك أَو أعلنه وهو كالمرتد وقاله سحنون وغيره وقاله أشْهَب فِي يَهُودِيّ تَنَبَّأ وادّعى أنَّه رسول إِلَيْنَا إن كَان؟ ؟ ؟ ؟ ؟ بِذَلِك اسْتُتِيب فإن تاب وَإِلَّا قُتِل.
وَقَال أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زيد فَمَن لَعَن بارئَه وادّعى أَنّ لِسَانِه زَلّ وَإِنَّمَا أراد لَعْن الشَّيْطَان يُقْتَل بِكُفْرِه وَلَا يُقْبَل عُذْرُه وَهَذَا عَلَى القَوْل الآخَر من أنَّه لَا تُقْبَل تَوْبَتُه وَقَال أَبُو الْحَسَن القابِسيّ فِي سَكْرَان قَال: أَنَا اللَّه أَنَا اللَّه إن تاب أدَّب فإن عاد إِلَى
الحواشي
(١) (قوله الحلاج) هو الحسين بن منصور من أهل البيضاء بلدة بفارس نشأ بواسط والعراق وصحب الجنيد وغيره، ضرب ألف سوط وقطعت أطرافه وحز رأسه وأحرقت جثته في ذى القعدة سنة تسع وثلاثمائة بأمر المقتدر (قوله وَكَذَلِك حَكَمُوا فِي ابن أَبِي العَزَافِير) بفتح المهملة وتخفيف الزاى وبعد الألف فاء مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فراء: هكذا في النسخ، وفى تاريخ الذهبي محمد بن علي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بن أبى العزافر بغير ياء الزنديق أحدث مذهبا في الرفض ببغداد ثم قال بالتناسخ ومخرق على الناس وظهر منه ادعاء الربوبية (*)стр. 682
مِثْل قَوْلِه طُوِلب مُطَالَبَة الزّنْدِيق لِأَنّ هَذَا كُفْر المُتَلَاعبِين
فصل وَأَمَّا من تَكَلَّم من سَقَط القَوْل وَسُخْف اللَّفْظ مِمَّن لَم يَضْبِط كَلَامَه وأهْمَل لِسَانَه بِمَا يَقْتَضِي الاسْتخْفَاف بِعَظَمَة رَبِّه وَجَلالَة مَوْلاه أَو تَمثَّل فِي بَعْض الأشياء بِبَعْض مَا عَظَّم اللَّه من مَلَكُوتِه أَو نَزَع مِن الْكَلَام لِمَخْلُوق بِمَا لَا يَلِيق إلَّا فِي حَقّ خالِقِه غَيْر قاصِد لِلْكُفْر والاسْتِخْفَاف وَلَا عامِد لِلْإلْحَاد فَإِن تَكَرّر هَذَا مِنْه وَعُرِف بِه دَلّ عَلَى تلاعبه بدينه واستخفافه بحُرْمَة رَبّه وَجَهْلِه بِعَظِيم عِزَّتِه وكِبْرِيائِه وَهَذَا كُفْر لَا مِرْيَة فِيه وَكَذَلِك إن كَان مَا أوْرَدَه يُوجِب الاسْتِخْفَاف والتَّنْقُّص لِرَبّه وَقَد أفْتى ابن حبيب وأصْبَغ بن خَلِيل من فُقَهَاء قُرْطُبَة بِقَتْل المَعْرُوف بابن أخي عَجَب وَكَان خَرَج يَوْمًا فأخذه المطر فَقَال: بدأ الخراز يرش جلوده، وَكَان بَعْض الفُقَهَاء بِهَا أَبُو زيد صَاحِب الثمانية وَعَبد الأَعْلَى بن وَهْب وأبان بن عِيسَى قَد توقفوا عَن سفك دمه وأشاروا إلى أنَّه عبث مِن القَوْل يكفي فِيه الأدب وأفتى بِمِثْلِه الْقَاضِي حِينَئِذ مُوسَى بن زياد فَقَال ابن حبيب: دمه فِي عنقي، أيُشْتَم رَبّ عبدناه ثُمّ لَا ننتصر لَه؟ إنا إذَا لعبيد سُوء مَا نَحْن لَه بعابدين، وبَكَى ورُفع الْمَجْلِس إلى الأمير بِهَا عَبْد الرَّحْمن
الحواشي
(١) (قوله الخراز) بالخاء المعجمة والراء المشددة وفى آخره زاى (قوله صاحب الثمانية) بضم المثلثة في أوله وكسر النون وتشديد المثناة تحتية (*)стр. 683
ابن الحَكَم الأمَوِيّ وكانت عَجَب عَمَّه هَذَا الْمَطْلُوب من حَظَاياه وَأَعْلَم باختلاف الفُقَهَاء فخرج الإذْن من عِنْدَه بالأخْذ لقول ابن حبيب وصاحبه وأمر بقتله فقتل وَصُلِب بحَضْرَة الْفَقِيهَين وَعَزَل الْقَاضِي لِتُهْمَتِه بالمُدَاهَنَة فِي هَذِه الْقِصَّة وَوَبَّخ بَقِيَّة الفُقَهَاء وَسَبَّهُم.
وَأَمَّا من صَدَرَت عَنْه من ذَلِك الهَنَة الوَاحِدَة وَالْفَلْتَة الشَّارِدة ما لم يكن تقصا وَإزْرَاء فَيُعَاقَب
عَلَيْهَا وَيُؤَدَّب بِقَدْر مُقْتَضَاهَا وَشُنْعَة مَعْنَاهَا وَصُورَة حال قائِلِهَا وَشَرْح سَببهَا وَمُقَارِنهَا، وَقَد سُئِل ابن الْقَاسِم ﵀ عَن رَجُل نادَى رَجُلًا باسْمِه فَأجَابَه لَبَّيْك اللَّهُمّ لَبَّيْك قَال إن كَان جاهِلًا أو فاله عَلَى وجْه سَفَه فلا شئ عَلَيْه قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل وَشَرْح قَوْله أنَّه لَا قَتْل عَلَيْه والجَاهِل يُزْجَر ويُعَلَّم وَالسَّفِيه يُؤَدّب وَلَو قالها عَلَى اعْتِقَاد إنْزَالِه مَنْزِلَة رَبّه لكَفَر، هَذَا مُقَتَضَى قَوْلِه وَقَد أسْرَف كثير من سُخَفَاء الشُّعَرَاء ومُتَّهَمِيهِم فِي هَذَا الْبَاب واسْتَخَفُّوا عَظِيم هذه الْحُرْمَة فأتَوْا من ذَلِك بِمَا نُنَزَّه كِتَابَنَا وَلِسَانَنَا وَأقْلَامَنَا عَن ذِكْرِه ولوْلَا أَنَّا قَصَدْنَا نَصّ مَسَائِل حَكَيْناهَا لَما ذَكَرْنَا شَيْئًا مِمَّا يَثْقُل ذِكْرُه عَلَيْنَا مِمَّا حَكَيْنَاه فِي هَذِه الْفُصُول، وَأَمَّا مَا وَرَد فِي هَذَا من أَهْل الجَهَالَة وأغَالِيط اللّسَان كَقَوْل بَعْض الأعْرَاب
الحواشي
(١) (قوله من سخفاء) جمع سخيف أي رقيقا العقل (قوله كَقَوْل بَعْض الأعْرَاب) قال ابن الأثير وسمع سليمان رجلا من الأعراب في سنة مجدبة يقول رب العباد إلى آخره فحمله سليمان أحسن محمل وَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ لا أبا له ولا صاحبة ولا ولد انتهى قال ابن الأثير وأكثر ما يستعمل لا أبا لك في المدح أي لا كافى لك غير نفسك وقد يذكر في معرض الذم وقد يذكر في معرض التعجب ودفع العين وقد يذكر في معنى جد في أمرك وشمر له (*)стр. 684
رب العباد مالنا ومالكا * قَد كُنْت تَسْقِينا فما بَدَا لَكَا أنْزِل عَلَيْنَا الْغَيْث لَا أَبَا لَكا فِي أشْبَاه لهذا من كَلَام الجُهَّال وَمن لَم يُقَوّمْه ثِقَاف تأدِيب الشريعة والعلم فِي هَذَا الباب فلما يصدر إلَّا من جاهل يَجِب تَعْلِيمُه وَزَجْرُه وَالإغْلَاظ لَه عَن الْعوْدَة إِلَى مِثْلِه قَال أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيّ وَهَذَا تَهَوُّر مِن القَوْل والله مُنَزَّه عَن هَذِه الْأُمُور وَقَد رَوَيْنَا عَن عَوْن بن عَبْد اللَّه
أنَّه قَال لِيُعَظّم أحَدُكُم رَبَّه أَن يُذْكَر اسْمُه فِي كل شئ حَتَّى لَا يَقُول أخْزَى اللَّه الْكَلْب وَفَعَل بِه كَذَا وكَذَا وَكَان بَعْض من أدْرَكْنا من مشايخنا فلما يَذْكُر اسم اللَّه تَعَالَى إلَّا فِيمَا يَتَّصِل بِطَاعَتِه وَكَان يَقُول للإنسان جُزيت خَيْرًا وَقَلَّمَا يَقُول جَزاك اللَّه خَيْرًا إعْظَامًا لاسْمِه تَعَالَى أَنّ يُمْتَهَن فِي غَيْر قُرْبَة، وحَدَّثَنَا الثقَة أَنّ الْإِمَام أَبَا بَكْر الشَّاشِيّ كَان يَعيب عَلَى أَهْل الْكَلَام كَثْرَة خَوْضِهِم فِيه تَعَالَى وَفِي ذكر صِفَاتِه إجْلالًا لاسْمه تَعَالَى يقول هَؤْلَاء يَتَمَنْدَلُون بالله وَيُنَزَّل الْكَلَام فِي هَذَا البَاب تَنْزيلَه فِي باب سابّ النَّبِيّ ﷺ عَلَى الْوُجُوه الَّتِي فَصَّلْنَاهَا والله الموفق
الحواشي
(١) (قوله ثقاف) بكسر المثلثة وتخفيف الفاء وهو في الأصل اسم لما يسوى به الرماح (قوله تَهَوُّر مِن القَوْل) التهور بفتح المثناة الفوقية والهاء وضم الواو تشديدها الوقوع في الشئ بقلة مبالاة (قوله يتمندلون) في الصحاح المنديل معروف تقول منه تمندلت بالمنديل (*)стр. 685
(فصل) وَحُكْم من سَبّ سَائِر أنْبيَاء اللَّه تَعَالَى وَمَلائكَتَه واسْتَخَفّ بِهِم أو كَذَّبَهُم فِيمَا أتوا بِه أَو أنْكَرَهُم وَجَحَدَهُم حُكْم نَبِيّنَا ﷺ عَلَى مَساق مَا قَدَّمْنَاه قَال اللَّه تَعَالَى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورسله) الآيَة وَقَال تَعَالَى (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إبراهيم) الآيَة إِلَى قَوْلِه (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحد منهم) وقال (كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) قَال مَالِك فِي كِتَاب ابن حبيب وَمُحَمَّد وَقَال ابن الْقَاسِم وَابْن الماجشُون وَابْن عَبْد الْحَكَم وأصْبَغ وسُحْنُون فِيمَن شَتَم الْأَنْبِيَاء أَو أحدا مِنْهُم أَو تَنَقَّصَه قُتِل ولم يُسْتَتَب وَمَنْ سَبَّهُم من أَهْل الذّمَّة قُتِل إلَّا أَنْ يُسْلِم وَرَوَى سُحْنُون عَن ابن الْقَاسِم: من سَبّ الْأَنْبِيَاء مِن اليَهُود والنَّصَارَى بِغَيْر الْوَجْه الَّذِي بِه كفر فَاضْرب عُنُقَه إلَّا أن يُسْلِم وَقَد تَقَدَّم الْخلاف فِي هَذَا الأصْل وَقَال الْقَاضِي بِقُرْطُبَة سَعِيد بن سُلَيْمَان فِي بَعْض أجْوبتِه من سَبّ اللَّه وملائكته قتل، وَقَال سُحْنُون من شَتَم مَلَكًا مِن الْمَلَائِكَة فَعَلَيْه القَتْل، وَفِي النَّوادِر عَن مَالِك فِيمَن قَال إن جِبْرِيل أخْطأ بالْوَحْي وَإِنَّمَا كَان النبي عَلِيّ بن أَبِي طَالِب اسْتُتِيب فإن تاب وَإِلَّا قُتِل وَنَحْوَه عَن سُحْنُون وَهَذَا قَوْل الغُرَابِيَّة مِن الرّوافِض سُمُّوا بِذَلِك لقولهم كَان النَّبِيّ ﷺ أشْبَه بِعَلِيّ مِن الغُرَاب بالغراب وَقَال أَبُو حَنِيفَة وأصْحابُه عَلَى أصْلِهِم من كَذَّب بِأحَد مِن الْأَنْبِيَاء أَو تَنَقَّص
стр. 686
أحدا منهم أو يرى مِنْهُم فَهُو مُرْتَد وَقَال أَبُو الْحَسَن القابسي فِي الَّذِي قَال لآخَر كَأنَّه وَجْه مَالِك الغَضْبَان لَو عُرِف أنَّه قَصَد ذمّ الْمَلِك قُتِل قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل وَهَذَا كُلّه فيمن تكلم فيهم بما قلناه على جملة الملائكة والنبيين أو على معين ممن حققنا كَوْنِه مِن الْمَلَائِكَة والنَّبِيّين مِمَّن نَصّ اللَّه عَلَيْه فِي كِتابِه أَو حَقَّقْنَا عليه بالْخَبَر الْمُتَوَاتِر وَالْمُشْتَهِر المتفق عليه بالإجماع القاطع لجبريل ومِيكائِيل وَمَالِك وخَزَنَة الْجَنَّة وجَهَنَّم والزَّبَانِيَة وحَمَلة العَرْش الْمَذْكُورِين فِي الْقُرْآن مِن الْمَلَائِكَة وَمِن سُمّي فِيه من الْأَنْبِيَاء وكَعَزْرائيل وإسرافيل ورضوان والحَفَظَة ومُنْكَر ونَكير مِن الْمَلَائِكَة المُتَّفَق عَلَى قَبُول الخبر بهما فَأَمَّا من لَم تَثْبُت الْأَخْبَار بِتَعْيينِه وَلَا وقَع الإجْماع عَلَى كَوْنِه مِن الْمَلَائِكَة أَو الْأَنْبِيَاء كَهارُوت ومارُوت فِي الْمَلَائِكَة والْخضر ولُقْمَان وذِي القَرْنَين ومريم وآسِيَة وخالد بن سنان المذكورة أنَّه نَبِيّ أَهْل الرس وزرادشت الَّذِي تَدَّعِي الْمَجْوس وَالْمُؤَرّخُون نُبُوَّتَه فَلَيْس الْحُكْم فِي سابّهِم والكافِر بِهِم كالْحُكْم فِيمَن قَدمناه إِذ لَم تثبت لَهُم تِلْك الحرمة وَلَكِن يزجر من تنقصهم وآذاهم ويؤدب بقدر حال المنقول
فِيه لا سيما من عرفت صديقيته وفضله مِنْهُم وإن لَم تَثْبُت نُبُوَّتُه وَأَمَّا إنْكار نُبُوّتِهِم أَو كَوْن الآخَر مِن الْمَلَائِكَة فإن كَان الْمُتَكَلّم فِي ذلك
الحواشي
(١) (قوله ومنكر) بفتح الكاف كذا قيده ابن العربي المكى الْقَاضِي أَبُو بَكْر (قوله وزرادشت) بزاى مفتوحة وراء فألف فدال مضمومة فشين معجمة فمثناة صاحب كتاب المجوس (*)стр. 687
من أَهْل الْعِلْم فَلَا حَرج لاخْتِلاف الْعُلمَاء فِي ذَلِك وَإِن كَان من عَوَامّ الناس زُجِر عَن الْخَوْض فِي مِثْل هَذَا فِإن عاد أُدّب إِذ لَيْس لَهُم الْكَلَام فِي مِثْل هَذَا وَقَد كَرِه السَّلَف الْكَلَام فِي مِثْل هَذَا مِمَّا لَيْس تَحْتَه عَمَل لأهل الْعِلْم فَكَيْف لِلْعَامَّة؟
(فصل) وأَعْلَم أن مِن اسْتَخَفّ بالْقُرْآن أَو الْمُصَحف أَو بشئ مِنْه أَو سَبَّهُما أَو جَحَدَه أَو حَرْفًا مِنْه أَو آيَة أَو كَذَّب بِه أَو بشئ مِنْه أَو كَذّب بشئ مِمَّا صُرّح بِه فِيه من حُكْم أَو خَبَر أَو أثْبَت مَا نَفاه أَو نَفَى مَا أثْبَتَه عَلَى عِلْم مِنْه بِذَلِك أَو شك في شئ من ذَلِك فَهُو كَافِر عِنْد أَهْل الْعِلْم بإجْماع قَال اللَّه تَعَالَى (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ أَحْمَدَ ﵀ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ حَدَّثَنَا ابْنُ دَاسَةَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عمرو عن أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال (الْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كفر) تؤول بِمَعْنَى الشَّكّ وَبِمَعْنَى الْجِدَال، وَعَن ابن عَبَّاس عن النبي ﷺ (مَنْ جَحَدَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ حَلَّ ضَرْبُ عُنُقِهِ) وَكَذَلِكَ إِنْ جَحَدَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَكُتُبَ اللَّهِ المُنَزَّلَة أَو كَفَر بِهَا أَو لَعَنَهَا أَو سَبَّهَا أَو اسْتَخَفّ بِهَا فَهُو كَافِر وَقَد أَجْمَع الْمُسْلِمُون أَنّ الْقُرْآن الْمَتْلُوّ فِي جَمِيع أَقْطَار الأَرْض الْمَكْتُوب
стр. 688
فِي الْمُصْحَف بِأَيْدِي الْمُسْلِمِين مِمَّا جَمَعَه الدَّفَّتَان من أَوَّل (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالمين - إِلَى آخِر - قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) إِنَّه كَلَام اللَّه وَوَحْيُه المُنَزَّل عَلَى نَبِيّه مُحَمَّد ﷺ وَأَنّ جَمِيع مَا فِيه حَقّ وَأَنّ من نَقَص مِنْه حَرْفًا قَاصِدًا لِذَلِك أَو بَدَّلَه بِحَرْف آخَر مَكَانَه أَو زَاد فِيه حَرْفًا مِمَّا لَم يَشْتَمِل عَلَيْه المُصْحَف الَّذِي وَقَع الإِجْمَاع عَلَيْه وأُجْمِع عَلَى أَنَّه لَيْس مِن الْقُرْآن عَامِدًا لِكُلّ هَذَا أَنَّه كَافِر وَلِهَذَا رَأَى مَالِك قَتْل من سَبّ عَائِشَة ﵂ بِالْفِرْيَة لأَنَّه خَالَف الْقُرْآن وَمَن خَالَف الْقُرْآن قُتِل أَي لأَنَّه كَذَّب بِمَا فِيه، وَقَال ابن الْقَاسِم من قَال إِنّ اللَّه تَعَالَى لَم يُكَلِّم مُوسَى تَكْلِيمًا يُقْتَل وَقَالَه عَبْد الرَّحْمَن بن مَهْدِيّ وَقَال مُحَمَّد بن سُحْنُون فِيمَن قَال الْمُعَوَّذَتَان لَيْسَتَا من كِتَاب اللَّه يُضْرَب عُنُقُه إِلَّا أَن يَتُوب وَكَذَلِك كُلّ من كَذَّب بِحَرْف مِنْه قَال وَكَذَلِك إِن شَهِد شَاهِد عَلَى من قَال إِنّ اللَّه لَم يُكَلِّم مُوسَى تَكْلِيمًا وشَهِد آخَر عَلَيْه أَنَّه قَال إِنّ اللَّه لَم يَتَّخِذ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا لأَنَّهُمَا اجْتَمَعَا عَلَى أَنَّه كَذَّب النَّبِيّ ﷺ وَقَال أَبُو عُثْمَان الْحَدَّاد جَمِيع من يَنْتَحِل التَّوْحِيد مُتَّفِقُون أَنّ الْجَحْد لِحَرْف مِن التَّنْزِيل كُفْر وَكَان أَبُو الْعَالِيَة إِذَا قَرَأ عِنْدَه رَجُل لَم يَقُل لَه لَيْس كَمَا قَرَأْت وَيَقُول أَمَّا
الحواشي
(١) (قوله المعوذتان) قال النووي أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة وسائر السور المكتوبة في المصحف قرآن وأن من جحد شيئا منها كفر وما نقل عن ابن مسعود في الفاتحة والمعوذتين باطل ليس بصحيح عنه، قال ابن حزم في أول كتاب المجلى هذا كذب على ابن مسعود موضوع وإنما صح عنه قراءة عاصم عن زيد بن حنيس عن عبد الله بن مسعود وفيها الفاتحة والمعوذتان انتهى (*)стр. 689
أَنَا فَأَقْرَأ كَذَا فَبَلَغ ذَلِك إِبْرَاهِيم فَقَال أَرَاه سَمِع أَنَّه من كَفَر بِحَرْف مِنْه فَقَد كَفَر بِه كُلِّه وَقَال عَبْد اللَّه بن مَسْعُود من كَفَر بِآية مِن الْقُرْآن فَقَد كَفَر بِه كُلِّه وَقَال أَصْبَغ بن الفَرَج من كَذَّب بِبَعْض الْقُرْآن فَقَد كَذَّب بِه كُلِّه وَمَن كَذَّب بِه فَقَد كَفَر بِه وَمَن كَفَر بِه فَقَد كَفَر بِاللَّه وَقَد سُئِل القَابِسِيّ عَمَّن خاضم يَهُودِيًّا فَحَلَف لَه بِالتَّوْرَاة فَقَال الآخَر لَعَن اللَّه التَّوْرَاة فَشَهِد عَلَيْه بِذَلِك شَاهِد ثُمّ شَهِد آخَر أَنَّه سَأَلَه عَن الْقَضِيَّة فَقَال إِنَّمَا لَعَنْت تَوْرَاة الْيَهُود فَقَال أَبُو الْحَسَن الشَّاهِد الْوَاحِد لَا يُوجِب الْقَتْل وْالثَّانِي عَلَّق الأَمْر بِصِفَة تَحْتَمِل التَّأْوِيل إِذ لَعَلَّه لَا يَرَى الْيَهُود مُتَمَسِّكِين بشئ من عِنْد اللَّه لِتَبْدِيلِهِم وتَحْرِيفِهِم وَلَو اتَّفَق الشَّاهِدَان عَلَى لعن التوراة مجرد لَضَاق التَّأْوِيل، وَقَد اتفق فُقَهَاء بغداد عَلَى استتابة ابن شنبوذ المقرئ أَحَد أئِمَّة المقرئين المتصدرين بِهَا مَع ابن مُجَاهِد لقراءته وإقرائه بشواذ مِن الحروف مِمَّا لَيْس فِي المصحف وعقدوا عَلَيْه
الحواشي
(١) (قوله ابن شنبوذ) قيل إنه بإسكان النون وهو الحسن محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت المقرئء البغدادي قال ابن خلكان كان من مشاهير القراء ذادين وسلامة صدر وقيل كان كثيرا اللحن قليل العلم تفرد بقراءة من الشواذ كان يقرأ بها في المحراب فانكب على وبلغ أمره الوزير بن مقلة في شهر ربيع الآخر سَنَة ثَلَاث وَعِشْرِين وثلاثمائة فاعتقله بداره واستحضره هو والقاضى أبا الحسين عمر بن محمد وأبا بكر أحمد بن موسى بن مجاهد المقرئ وجماعة من أهل الفرات فأغلظ القول عليهم فأمر الوزير بضربه فضرب سبع؟ ؟ ؟ فدعا على الوزير بقطع يده وتشتيت شمله فكان الأمر كذلك ثم كتب محضرا بما كان يقرؤه واستتيب أن لَا يَقْرَأ إلا بمصحف أمير المؤمنين عثمان وكتب خطه في آخره وأطلقстр. 690
بالرجوع عَنْه والتوبة مِنْه سجلًا أشْهَد فِيه بِذَلِك عَلَى نَفْسِه فِي مَجْلِس الوَزِير أَبِي عَلِيّ بن مُقْلَة سَنَة ثَلَاث وَعِشْرِين وَثَلَاثِمائة وَكَان فِيمَن أفْتى عَلَيْه بِذَلِك أَبُو بَكْر الأبهريّ وَغَيْرُه وأفْتى أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زَيْد بالأدَب فِيمَن قَال لِصَبيّ لَعَن اللَّه مُعلّمَك وَمَا عَلّمَك وَقَال أرَدْت سُوء الأدب وَلَم أُرِد الْقُرْآن قَال أَبُو مُحَمَّد وَأَمَّا من لَعَن المُصْحَف فَإنَّه يُقْتَل
(فصل) وَسَبّ آل بَيْتِه وَأزْوَاجِه وَأصْحَابِه ﷺ وَتَنقّصُهُم حَرَام مَلْعُون فاعِلُه * حَدَّثَنَا الْقَاضِي الشَّهِيدُ أَبُو عَلِيٍّ ﵀ حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الصَّيْرَفِيُّ وَأَبُو الْفَضْلِ الْعَدْلُ حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ مَحْبُوبٍ حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى حدثنا يعقوب ابن إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ بن أبى رابطة عَن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ الله ابن مُغَفَّلٍ قَال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لَا تتخذوهم غَرَضًا بَعْدِي فَمَنْ أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم
الحواشي
(١) (قوله الوَزِير أَبِي عَلِيّ) هُو مُحَمَّد بن علي بن الحسين بن مقلة الكاتب كَانَ فِي أَوَّلِ أمره يتولى بعض أعمال فارس ويجبى خراجها ويتقلب أحواله إلى أن استوزره المقتدر سنة ست عشرة وثلاثمائة ثم قبض عليه في جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وثلاثمائة ونفاه إلى فارس بعد أن صادره ولما ولى القاهرة أحضره في يوم الأضحى سنة عشرين وخلع عليه ولم يزل وزيره إلى أن اتهمه على الفتك به وبلغ ابن مقلة الخبر فاستتر في أول شعبان سنة إحدى وعشرين ولما ولى الراضي بالله في جمادى الأولى سنة اثنين وعشرين استوزره أيضا توفى ﵀ سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة (قوله عُبَيْدَةُ بْنُ أَبِي رابطة) بفتح العين المهملة وكسر الموحدة نص عليه ابن ماكولا (*)стр. 691
ومن آذاهم فقد آذَانِي وَمَنْ آذَانِي فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن
يَأْخُذَهُ) وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَمَنْ سَبَّهُمْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ والملائكة والناس أجمعين لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) وَقَال ﷺ (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَإِنَّهُ يجئ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَسُبُّونَ أَصْحَابِي فَلَا تُصَلُّوا عَلَيْهِمْ وَلَا تُصَلُّوا مَعَهُمْ وَلَا تُنَاكِحُوهُمْ وَلَا تُجَالِسُوهُمْ وَإِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ) وَعَنْه ﷺ (مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَاضْرِبُوهُ) وَقَد أَعْلَم النَّبِيّ ﷺ أَنَّ سَبَّهُم وَأَذَاهُم يُؤْذِيه وَأَذَى النَّبِيّ ﷺ حَرَام فَقَال (لَا تُؤْذُونِي فِي أَصْحَابِي وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي) وَقَال (لا تُؤْذُونِي فِي عَائِشَةَ) وَقَال فِي فَاطِمَة (بَضْعةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا وَقَد اخْتَلَف الْعُلمَاء فِي هَذَا فَمَشْهُور مَذْهَب مَالِك فِي ذَلِك الاجْتِهَاد وَالأَدَب الْمُوجِع، قَال مَالِك ﵀ من شتم النبي ﷺ قُتِل وَمَن شَتَم أَصْحَابَه أُدِّب وَقَال أَيْضًا من شَتَم أَحَدًا من أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ أَبَا بَكْر أَو عُمَر أَو عُثْمَان أَو مُعَاوِيَة أَو عَمْرَو بن الْعَاص فَإِن قَال كَانُوا عَلَى ضَلال وَكُفْر قُتِل وَإِن شَتَمَهُم بِغَيْر هَذَا من مُشَاتَمَة النَّاس نُكِّل نَكَالًا شَدِيدًا، وَقَال ابن حَبِيب من غَلَا مِن الشِّيعَة إِلَى بَغْض عُثْمَان وَالْبَرَاءَة مِنْه أُدِّب أَدَبًا شَدِيدًا وَمَن زَاد إلى بغض أبي بكر وعمر فالعقوبة عليه
الحواشي
(١) (قوله بضعة منى) بفتح الموحدة أي قطعة (*)стр. 692
أَشَدّ وَيُكَرَّر ضَرْبُه وَيُطَال سِجْنُه حَتَّى يَمُوت وَلا يُبْلَغ بِه الْقَتْل إِلَّا في سب النبي ﷺ وَقَال سُحْنُون من كَفَّر أَحَدًا من أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ عَلِيًّا أَو عُثْمَان أَو غَيْرهمَا يُوجَع ضَرْبًا وَحَكَى أَبُو محمد ابن أَبِي زَيْد عَن سُحْنُون فِيمَن قَال فِي أَبِي بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ إِنَّهُم كَانُوا عَلَى ضَلال وكُفْر قُتِل وَمَن شَتَم غَيْرَهُم مِن الصَّحَابَة بِمِثْل هَذَا نُكِّل
النَّكَال الشَّدِيد * وَرُوِي عَن مَالِك من سَبّ أَبَا بَكْر جُلِد وَمِن سَبّ عَائِشَة قُتِل، قِيل لَه لِم؟ قَال من رَمَاهَا فَقَد خالف الْقُرْآن وَقَال ابن شعبان عَنْه لِأَنّ اللَّه يَقُول (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كنتم مؤمنين) فَمَن عاد لِمِثْله فَقَد كَفَر * وَحَكَى أَبُو الْحَسَن الصقَّلّيّ أَنّ الْقَاضِي أَبَا بكر ابن الطَّيَّب قَال إنّ اللَّه تَعَالَى إذَا ذَكَر فِي الْقُرْآن مَا نَسَبَه إليْه المُشْرِكُون سَبَّح نَفْسَه لِنَفْسِه كَقَوْلِه: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سبحانه) فِي آي كَثِيرَة وَذَكَر تَعَالَى مَا نَسَبَه الْمُنَافَقُون إِلَى عَائِشَة فَقَال (وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سبحانك) سَبّح نَفْسَه فِي تَبْرِئَتِهَا مِن السُّوء كَمَا سَبَّح نَفْسَه في تبرته مِن السُّوء وَهَذَا يَشْهَد لِقَوْل مَالِك فِي قَتْل من سَبّ عَائِشَة وَمَعْنَي هَذَا والله أَعْلَم أَنّ اللَّه لَمّا عَظَّم سَبَّهَا كَمَا عَظَّم سَبَّه وَكَان سَبُّهَا سَبًّا لِنَبِيّه وَقَرَن سَبّ نَبِيَّه وأذاه بأذاه تَعَالَى وَكَان حُكْم مُؤْذِيه تَعَالَى القَتْل كَان مُؤْذِي نَبِيَّه كَذَلِك كَمَا قَدّمْنَاه، وَشَتَم رَجُل عَائِشَة بالكُوفَة فَقُدّم إِلَى مُوسَى بن عِيسَى
стр. 693
العَبّاسِيّ فَقَال من حَضَر هَذَا فَقَال ابن أَبِي ليلى أَنَا فجُلِد ثَمَانِين وحَلَق رَأسَه وأسْلَمَه لِلْحَجّامِين وَرُوي عَن عُمَر بن الخطاب أنَّه نَذَر قَطع لِسان عُبَيْد اللَّه ابن عُمَر إذ شَتَم الْمِقْدَاد بن الأسْود فَكُلم فِي ذَلِك فَقَال دَعُونِي أقْطَع لِسانَه حَتَّى لَا يَشْتم أحَد بَعْد أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ وَرَوَى أَبُو ذَرّ الْهَرَوِيّ أَنّ عُمَر بن الْخَطَّاب أُتِي بأعرابى يهجو الأنْصار فَقَال لَوْلَا أَنّ لَه صُحْبَة لَكَفَيْتُكُمُوه قَال مَالِك مِن انْتَقَص أحدًا من أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ فَلَيْس لَه في هذا الفئ حَقّ قَد قَسَم الله الفئ فِي ثَلَاثَة أصْناف فَقَال (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ) الآيَة ثُمّ قَال (والذين تبوؤا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قبلهم) الآيَة وهؤلاء هُم الْأَنْصَار ثُمّ قَال (وَالَّذِينَ جاؤا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا
اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإيمان) الآيَة فَمَن تَنَقصَهُم فَلَا حَق لَه فِي فئ الْمُسْلِمِين، وَفِي كِتَاب ابن شَعْبَان من قَال فِي وَاحِد مِنْهُم إنَّه ابن زانِيَة وأمُّه مُسْلِمَة حُدّ عِنْد بَعْض أصْحَابِنا حَدّيْن حَدًّا لَه وَحَدًّا لأُمِّه وَلَا أجْعَلُه كَقَاذِف الْجَمَاعَة فِي كَلِمَة لِفَضْل هَذَا عَلَى غَيْرِه ولقوله ﷺ (وَمِنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَاجْلِدُوهُ) قَال وَمَنْ قَذَف أمّ أحَدِهِم وَهِي كَافِرَة حُدّ حَدّ الفِرْيَة لِأَنَّه سَبّ لَه فإن كان أحد من وُلِد هَذَا الصَّحابيّ حَيًّا قام بِمَا يَجِب لَه وَإِلَّا فَمَن قام مِن الْمُسْلِمِين كَان عَلَى الإمام قَبُول قِيَامِه قَال وَلَيْس هَذَا كَحُقُوق غَيْر الصَّحَابَة لِحُرْمَة هَؤْلَاء بِنَبِيِّهِم ﷺ ولو سَمِعَه
стр. 694
الْإِمَام وأشْهَد عَلَيْه كَان وَليّ القيام بِه قَال وَمِن سَبّ غَيْر عَائِشَة من أزْوَاج النَّبِيّ ﷺ فَفِيهَا قَوْلان أحَدُهُمَا يُقْتَل لِأَنَّه سَبّ النَّبِيّ ﷺ بِسَبّ حَلِيلَتِه والآخَر أنَّهَا كَسَائِر الصَّحَابَة يُجْلَد حَدّ المُفْتَرِي قَال وبِالأوّل أقُول وَرَوَى أَبُو مُصْعَب عَن مَالِك فِيمَن سَبّ مِن انْتَسَب إِلَى بيت النَّبِيّ ﷺ يُضْرَب ضَرْبًا وَجِيعًا ويُشْهَر ويُحْبَس طَويلًا حَتَّى تَظْهَر تَوبَتُه لِأَنَّه اسْتِخْفَاف بِحَقّ الرَّسُول ﷺ وأفنى أَبُو المُطَرّف الشَّعْبِيّ فيه ما لفة فِي رَجُل أنْكَر تَحْلِيف امْرَأة باللَّيْل وَقَال لَو كَانَت بِنْت أَبِي بَكْر الصّدّيق مَا حنفت إلَّا بالنَّهَار وَصَوَّب قوله بعض المتسميين بالفِقْه فَقَال أَبُو المُطَرّف ذِكْر هَذَا لابْنَة أَبِي بَكْر فِي مِثْل هَذَا يُوجِب عَلَيْه الضَّرْب الشَّدِيد والسّجْن الطَّوِيل والفَقِيه الَّذِي صَوَّر قَوْله هُو أخَصّ باسْم الفِسْق مِن اسْم الفِقْه فَيُتَقَدّم إليْه فِي ذَلِك ويُزْجَر وَلَا تُقْبَل فَتْوَاه وَلَا شَهَادَتُه وَهِي جُرْحَة ثَابِتَة فِيه وَيُبْغَض فِي اللَّه وَقَال أَبُو عِمْرَان فِي رَجُل قَال لَو شَهِد عَلَيّ أَبُو بَكْر الصّدّيق أنَّه إنّ
كَان أرَاد أَنّ شهادته فِي مِثْل هَذَا لَا يَجُوز فِيه الشَّاهِد الْوَاحِد فَلَا شئ عَلَيْه وإن كَان أرَاد غَيْر هَذَا فَيُضْرَب ضَرْبًا يَبْلُغ بِه حَدّ المَوْت وَذَكَرُوهَا رِوَايَة * قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل هُنَا انْتَهى القَوْل بِنَا فِيمَا حَرّرْنَاه وانتجز الغرض
الحواشي
(١) (قوله وانتجز الغرض) أي انقضى (*)стр. 695
الَّذِي انْتَحَيْنَاه واسْتُوفِي الشَّرْط الَّذِي شَرَطْنَاه مِمَّا أرْجُو أَنّ فِي كُلّ قِسْم مِنْه لِلْمُرِيد مَقْنَع وَفِي كُلّ باب مَنْهج إلى بُغْيَتِه وَمَنْزَع وَقَد سَفَرْت فِيه عَن نُكَت تُسْتَغْرَب وَتُسْتَبْدَع وَكَرَعْت فِي مَشَارب مِن التَّحْقِيق لَم يُورَد لَهَا قَبْل فِي أكْثَر التَّصَانِيف مَشْرَع وأوْدَعْتُه غَيْر مَا فَضْل وَدِدْت لَو وجَدْت من بَسَط قَبْلي الْكَلَام فِيه أَو مقتدى يُفِيدُنِيه عَن كِتابِه أَو فِيه لأكْتَفَى بِمَا أرْويه عَمَّا أُرَوّيه وَإِلَى اللَّه تَعَالَى جَزِيل الضَّرَاعَة والمِنَّة بِقَبُول مَا مِنْه لوجهه ولعفو عَمَّا تَخَلَّلَه من تَزَيُّن وَتَصَنُّع لِغَيْرِه وأن يَهَب لَنَا ذَلِك بِجَمِيل كَرَمِه وَعَفْوِه لِمَا أوْدعنَاه من شَرَف مُصْطَفاه وأمين وَحْيه وأسْهَرْنَا بِه جفوتنا لِتَتَبُّع فَضَائِلِه وَأعمَلْنَا فِيه خَوَاطِرَنا من إبْرَاز خَصَائِصِه وَوَسَائِلِه وَيَحْمِي أعْرَاضَنَا عَن نَارِه المُوقَدَة لِحِمَايَتِنَا كريم عرضه ويجعلنا ممن
الحواشي
(١) (قوله انتحيناه) بالحاء أي اعتمدناه (قوله بغيته) بكسر الموحدة أي حاجته (قوله ومنزع) بفتح الميم والزاى (قوله مشرع) بفتح الميم والراء مورد الشاربة (قوله وددت) بكسر الدال الأولى (قوله بِمَا أرْويه عَمَّا أرويه) الأولى بفتح الهمزة وسكون الراء والثانية بضم الهمزة وفتح الراء وتشديد الواو
(قوله الضراعة) بضاد معجمة أي الخضوع (*)стр. 696
لَا يذاد إذَا ذيد المبدل عَن حوضه ويجعله لَنَا ولمن تهمم باكتتابه واكتسابه سبيا يصلنا بأسبابه وذخيرة نجدها يَوْم تَجد كُلّ نَفْس مَا عَملَت من خَيْر مُحْضَرًا نَحُوز بِهَا رِضَاه وَجَزِيل ثَوَابِه ويَخُصَّنَا بِخصَّيصي زُمْرَة نَبِيَّنَا وَجَمَاعَتِه وَيَحْشرَنا فِي الرّعيل الأوّل وَأَهْل الباب الأيْمَن من أَهْل شَفَاعَتِه، ونَحْمَدُه تَعَالَى عَلَى مَا هَدَى إليْه من جَمْعِه وألْهَم وَفَتَح البَصِيرَة لِدَرْك حَقَائِق مَا أوْدَعْنَاه وَفَهَّم، وَنَسْتَعِيذُه جَلّ اسْمُه من دُعاء لَا يُسْمَع وعلْم لَا يَنْفَع وَعَمَل لَا يُرْفَع فَهُو الْجَوَاد الَّذِي لَا يُخَيَّب من أمَّله وَلَا يُنْتَصَر من
الحواشي
(١) (قوله لا يذاد) بذال معجمة ثم دال مهملة (قوله بخصيصى) بكسر الخاء المعجمة وبصادين مهملتين الأولى مكسورة مشددة والثانية مفتوحة مخففة، في الصحاح خصه بالشئ خصوصا وخصوصية وخصوصية والفتح أفصح وخصيصى (قوله في الرعل) بتفح الراء وكسر العين المهملة في الصحاح الرعلة القطعة من الخيل وكذلك الرعيل (قوله الجواد) بتخفيف الواو (قوله لا يخيب) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد ثالثه وكسره وَالْحَمْد لله رَبّ العالمين وصلواته على سيد المرسلين وَإمَام الْمُتَّقِين وَخَاتِم النبيين سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ومجد.
تم بِحَمْدِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ كتاب مزيل الخفاء عن الفاظ الشفاء في العشر الأخير من ذى القعدة سنة سبع وأربعين وثمانمائة (*)стр. 697
خَذَلَه وَلَا يَرُدّ دَعْوَة القَاصِدِين وَلَا يُصْلح عمل المُفْسِدِين وَهُو حَسْبُنا وَنِعْم الْوَكِيل، وَصَلاتُه عَلَى سَيّدنا وَنبيّنَا مُحَمَّد خَاتِم النَّبِيّين وَعَلَى آلِه وصَحْبِه أجْمَعِين وَسَلَّم تَسْلِيمًا كَثِيرًا وَالْحَمْد لله رَبّ العالمين تم الجزء الثاني من كتاب الشفا، وبه تم الكتاب